أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة
طه حسين
جريدة وطني
٢٥ يناير ١٩٥٩
كان إنشاء الجامعة المصرية الأولى ضرورة لم يشعر بها إلَّا الأقلون من المصريين الذين عرفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا.
كان بعضهم قد درس في جامعاته، وبعضهم قد تردد عليها واختلف إلى بعض دروسها، وهؤلاء وحدهم هم الذين أحسُّوا أن الجامعة ضرورة من ضرورات الحياة في مصر؛ إذ كانت مصر تطمح إلى الحرية وتضيق بالاحتلال البريطاني، وتكره أشد الكره ما بقي من أعقاب الحكم التركي العثماني.
كانت تطمح إلى هذا كله بغريزتها التي لم تطمئن في يوم من الأيام إلى الحكم الأجنبي على طول ما حكمها الأجنبي منذ عصور بعيدة جدًّا في التاريخ. ولكنها كانت تقاوم هذا الحكم الأجنبي بغريزتها، تصطنع في مقاومتها القوة إن أتيحت لها، والكلمة اللاذعة السائرة في الآفاق التي نسمِّيها النكتة في هذه الأيام إن لم تجِد إلى القوة سبيلًا.
ولم يكُن لها سبيل إلى هذه القوة في العصر الحديث؛ لأن أسلحة المتسلطين عليها لم تكُن ميسَّرة لكل إنسان، ولم تكُن تتاح إلَّا للسلطان المنظم الذي يأوي إلى ركن شديد.
وكانت كل مقاومتها نقدًا لاذعًا للظالمين من حكَّامها. ولم يكُن سبيل إلى أن تسلك الطريق إلى حريتها إلَّا إذا تحررت عقول أبنائها وفَتحت عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة. وكان التعليم الذي يُتاح لأبنائها في أول هذا القرن لا يُحرِّر عقلًا ولا يهذب خُلُقًا ولا يضفي عليها آفاقًا كانت لا تزال مغلقة.
كان كلامًا يُحفظ ثم يُرد على الذين قالوه حين يؤدَّى الامتحان، وكان التلاميذ يخرجون من مدارسهم وقد حفظوا أشياءَ لا تبلغ قلوبهم ولا تذكي عقولهم، وإنما تجعل منهم أدوات تغدوا على الدواوين، فتؤدي أعمالًا آلية ثم تروح إلى الدور فتصيب شيئًا من طعام وحظًّا من نوم، ثم تمسي إلى الأندية والقهوات فتعبث وتلهو بمقدار ما يتاح لها العبث واللهو.
من أجل هذا كله أحستْ قِلَّةُ المثقَّفين الذين عرَفوا الغرب قليلًا أو كثيرًا حاجة هؤلاء الشباب من المصريين إلى ما يذكِّي عقولهم، ويحيي قلوبهم، ويفتح عيونهم على حقائق الحياة التي يحياها من حولهم، والتي يأخذون هم منها بأيسر الحظوظ وأهونها شأنًا.
فدَعَوْا إلى إنشاء الجامعة، وبلَغوا من إنشائها بعض ما كانوا يريدون. وبدءوا بإنشاء الكلية التي هي أقرب إلى العقول، وأجدر أن توصِّل بعض المعرفة الجديدة إلى القلوب، وهي كلية الآداب. كان أكثر الذين استجابوا لدعوتهم مقلِّدين لا يحققون معنى الجامعة في أنفسهم، وإنما قال لهم قادتهم إنها الوسيلة الصحيحة إلى الحرية، فقبلوا وأمنوا واستجابوا. وفي ذات عام من الأعوام دُعيَ الشباب إلى دروس الجامعة، فاستجابوا مشغوفين مشوقين، وإذا المئات الكثيرة منهم تختلف إلى قاعات الدروس والمحاضرات، فتسمع أشياءَ لم يكن يخطر لها أن الناس يمكن أن يتحدثوا بها، وتفتح لهم الأبواب على حضارتهم المصرية القديمة ليذوقوا في أعماق قلوبهم معنى هذا الآثار القائمة في بلادهم، والتي كانوا يَرَوْنَهَا فلا يقع في نفوسهم منها شيء. وتفتح لهم أبوابًا على أصول الحضارة العربية، وأبوابًا أخرى على ألوان من الأدب الأجنبي كانوا يسمعون أطرافًا من الحديث عنها، ولا يذوقون ممَّا يسمعون شيئًا.
ولا تقف الجامعة عند فتح هذه الأبواب للشباب المصريين، ولكنها ترسل أفرادًا منهم إلى بلاد الغرب؛ ليدرسوا فيها العلم والأدب وفنون التاريخ درسًا حرًّا في أرقى الجامعات وأبعدها صوتًا، لا تقيِّدهم الجامعة في دراستهم بتلك القيود الثِّقَال التي كان المحتلون يفرضونها على من يرسلونهم إلى الجامعات البريطانية.
ولا تمضي أعوام على إنشاء الجامعة في مصر حتى ينظر الشباب، فإذا ألوان جديدة كل الجِدَّة من العام تُعرض عليهم، فهذا أستاذ يعلمهم قراءة الهيروغليفية، وهذا أستاذ آخر يعلمهم مرة لغةً تسمى اللاتينية ولغة تسمى اليونانية القديمة، وهم يسمعون هذه الدروس ويكبرونها أولًا لأنها جديدة، ويحبونها بعد ذلك لأنها تلذهم. وإذا جيلٌ جديدٌ من الشباب قد أخذ يعرف ما لم تعرفه أجيال الشباب المصريين من قبله.
وإذا كان المصريون قد ثاروا بالإنجليز في أعقاب الحرب العالمية الأولى مستجيبين لغريزتهم تلك التي تأصلت في نفوس أجيال مصر منذ فتحها الفرس إلى هذه الأيام، والتي دفعتهم دائمًا إلى مقاومة السلطان الأجنبي، والمُضِيِّ في مقاومته حتى يتمصر أو يزول. أقول: إذا كان المصريون قد استجابوا لهذه الثورة بغريزتهم تلك، فليس من شك في أن هذه الثورة قد استتبعت نهضة في الحياة العقلية، فكثُر الإنتاج الأدبي في الصحف أولًا وفي الكتب والمجلات ثانيًا، وكثر الجدال حول القديم والجديد في الأدب وفي غير الأدب، وكثر الجدال في الديمقراطية الحرة والديمقراطية المقيَّدة، وعرَفت مصر في هذه الأعوام التي جاءت بعد الثورة حرية عقلية لم تعرفها من قبلُ.
فالجامعة المصرية القديمة هي وحدها مصدر هذه النهضة التي حررت العقل المصري من قيود المحافظة الشديدة أولًا، ومن قيود الخوف والفَرَق والإشفاق من بطش السلطان ثانيًا.
والجامعة المصرية وحدها هي التي دفعت بعض المصريين إلى أن يكتبوا في أشياء لم يكُن المصريون يكتبون فيها من قبلُ، كالذي كان حين أقدم الأستاذ علي عبد الرازق على الكتابة في الإسلام وأصول الحكم، وعلى مهاجمة الخلافة وإثبات أنها منصب سياسي لا صلة بينها وبين الدين، وأن المسلمين أحرار ينظمون الحكم في بلادهم كما يشاءون، لا يطلب إليهم الدين إلَّا أن يكون حكمهم قائمًا على العدل والرعاية الصادقة لمصالح الشعب.
وكذلك ازدهرت الحياة المصرية العقلية في تلك الأعوام بفضل الجامعة المصرية. وأشدُّ منها أثرًا في الحياة المصرية أن الجامعة فرضت نفسها على الشعب والحكومة معًا، وأشعرتهما بأن مصر لا تستطيع أن تعيش بغير جامعة، وبغير جامعة تنفق عليها الدولة في غير ضيق ولا حرج، وفي غير بخل ولا إمساك.
ولم يَكَدْ هذا القرن يبلغ رُبعه الأول حتى استجاب الشعب والحكومة معًا لهذه الدعوة، وإذا الجامعة الشعبية تستحيل إلى جامعة حكومية، ثم تتسع وتتسع حتى تشمل التعليم العالي كله، ثم تخصب وتخصب حتى تنشأ في مصر جامعات ثلاثًا في الإسكندرية وعين شمس وأسيوط قبل أن يمضي على إنشائها خمسون عامًا.
ثم لا تكتفي بذلك، ولكنَّ خريجيها وخريجي الجامعتين الأخريين في الإسكندرية وعين شمس يسيطرون على الحياة المصرية في جميع فروعها. فليس في مصر لون من ألوان النشاط الآن إلَّا والمشرفون عليه المدبِّرون له قد تخرجوا في إحدى هذه الجامعات.
فأثر الجامعة المصرية القديمة في الحياة المصرية الحديثة — وهو هذا الذي نراه والذي وصفتُه — إن دل على شيء فإنما يدل على أن تلك البَذرة التي بَذَرها أولئك المثقفون القليلون في أول هذا القرن لم تلبَث أن أصبحت شجرة عظيمة طيبة أصولها ثابتة وفروعها في السماء، تُظِلُّ مصر كلها وتُظِلُّ معها بلادًا عربية كثيرة.
وانظر، هل تجد بلدًا عربيًّا في الشرق والغرب يخلو من جامعي مصري يعمل فيه نوعًا ما من أنواع العمل الخصب؟
Tag: الهوية الوطنية
-
أثر الجامعة المصرية القديمة في حياة مصر الحديثة | The Influence of the Old Egyptian University on Modern Egyptian Life
-
كتاب عن مصر … | A Book About Egypt…
كتاب عن مصر …
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٣ أغسطس ١٩٥٤
لو أَطَعْتُ نَفْسِي لَتجاوَزْتُ هذا الموضوعَ، وعَدَلْتُ عن إملاء هذا المقال؛ لأن موضوعه هو آخر الموضوعات التي ينبغي لِمِثْلِي أن يعرض لها.
وحَسْبُك أن تعلم أني أريد أن أتحدث إليك عن كتاب ظهر في فرنسا منذ أسابيع، موضوعه التصوير عند المصريين القدماء، وصاحبه رجل من أرفع رجال الفن في فرنسا مكانةً اليوم؛ هو الأستاذ أندريه لوت الذي يعرفه أصحاب الفن جميعًا في مصر؛ لأنه زارهم عامين متواليين، وتحدَّث إلى شبابهم في كلية الفنون الجميلة وفي غيرها من الأندية حيث كانوا يجتمعون إليه، وتحدث إلى شيوخهم في القاهرة والإسكندرية، وتحدث إلى الجمهور من أهل القاهرة في محاضرات عامة ألقاها في الجمعية الجغرافية …
وإذا قلت إن أصحاب الفن في مصر يعرفون الأستاذ أندريه لوت، فلم أَقُلْ شيئًا ذا خطر؛ لأن أصحاب الفن في أقطار الأرض كلها يعرفون هذا المصور العظيم حق المعرفة، كلهم رأى آثاره وأُعْجِبَ بها، وكلهم قرأ كتبه وأُعْجِبَ بها أيضًا، فهو رجل عالمي بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، عالمي بما أنتج من الآثار الرائعة، وعالمي بما ألَّفَ من الكتب الممتعة، وعالمي بعد ذلك أو قبل ذلك، بثورته على الفن التقليدي المقرر المألوف في مدرسة الفنون الجميلة بباريس، وفي المجمع الفرنسي للفنون الجميلة أيضًا.
وهذا كله يكفي لأتردد في إملاء هذا المقال عن كتابه هذا الرائع الذي ظهر في هذا الصيف، وواضح كل الوضوح أن غيري من أصحاب الفن، ومن الذين يحسنون العلم بالتصوير والقول فيه، أجدر مني بنقد هذا الكتاب أو تقريظه … وأقدر مني على نقد هذا الكتاب أو تقريظه.
وأنا من أجل ذلك أترك لهم النقد والتقريظ، وأكتب عن هذا الكتاب لأدل عليه وأنبه إليه أولًا، ولأسجل بعض الخواطر التي اضطربت في نفسي حين تفضل فأهدى إليَّ هذا الكتاب، وحين قرأته على ثقة مني بأني سأفهم أَقَلَّه، وبأن أكثره سيند عني وسيستعصي عليَّ، وأين أنا من التصوير وأين التصوير مني؟! … وكيف السبيل إلى فهم كتاب قوامه هذه الصور الكثيرة التي يعرضها ليستدل بها على ما يقرر من رأي ويثبت بها ما يصدر من حكم؟!
ومع ذلك، فقد أُنْسِيتُ نفسي وقتًا غير قصير حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، وأُنْسِيتُ نفسي أوقاتًا طوالًا أخرى حين قُرِئَتْ عليَّ نصوص هذا الكتاب.
أُنْسِيتُ نفسي وشُغِلْتُ بشيء آخر، بل بأشياء أخرى كثيرة، أولها أن هذا الكتاب يصدر باللغة الفرنسية، ويؤلفه مصور فرنسي عظيم. وكنت أتمنى وما زلت أتمنى أن يصدر كتاب مثله باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، أو بما شاء الله من اللغات الأجنبية، وأن يكون مؤلفه مصورًا مصريًّا عظيمًا، وهذا كله يقتضي أن تُعنَى مصر بالفن الجميل في نفسه أكثر مما عُنِيَتْ به إلى الآن، وأن تُعْنَى مصر بعد ذلك بالفن الجميل الحديث، وبالفن الجميل المصري القديم؛ لِتَعْرِفَ أين يقع فنها القديم من الفنون الجميلة فيما مضى من الأزمان، ومن الفنون الجميلة في العصر الذي نعيش فيه؛ أيقع منها موقع الفن الطفل من الفنون التي استكملت نضجها ونموها، أم يقع منها موقع الفن الناضج الكامل الذي يكتفي بنضجه وكماله، وإنما أفاض منها على فنون الأمم الأخرى نضجًا وكمالًا.
كنت وما زلت أتمنى أن تُعنى مصر الحديثة بالفن الجميل، وأن توازن بين فنها الحديث وفنها القديم، وأن ترى أمتصلة هي بتاريخها أم منقطعة هي عن هذا التاريخ، أمتأثرة هي في فنها الحديث بفنها القديم أم معرضة هي عنه ومتأثرة بالفن الغربي الحديث الذي يَعْبُر البحر إليها بين حين وحين، والذي يعبر أبناؤها البحر إليه من حين إلى حين أيضًا.
ولكني أبحث عن هذا الكتاب المصري في لغتنا العربية أو في أية لغة أخرى من اللغات العالمية فلا أجده، ولا أجد ما يدلني على أني سأظفر به اليوم أو غدًا … لأن مصر الحديثة لم تمنح الفن الجميل بَعْدُ ما ينبغي له من العناية، بل لم تمنح الثقافة الفنية ما ينبغي لها من العناية على كثرة المجتهدين الموفقين من شيوخنا وشبابنا في محاولة الإنتاج الفني.
وينبغي أن يُقال الحق مهما يكن قاسيًا ممضًّا، وأن نعفي أنفسنا من التبعة التي يجب أن نحتمل ثقلها، وهي تبعة النصح والإرشاد، مهما تكن عواقب النصح والإرشاد.
فمصر المعاصرة مقصرة في ذات الفن الجميل تقصيرًا لا يليق بحاضرها ولا يليق بماضيها، ولا يلائم المستقبل الذي تسمو إليه، فيها مدرسة للفنون الجميلة، أستغفر الله! بل كلية للفنون الجميلة … ولكن هذه الكلية يُنظَر إليها على أنها عبء ليس من احتماله بد، ويُنفَق عليها مال لا أدري أقليل هو أم كثير، ولكنه أقل مما ينبغي على كل حال، وقد أُهْمِلَتْ هذه الكلية حتى أصبحت مدرسة كغيرها من المدارس، تجري الأمور فيها كما تجري في مدارس وزارة المعارف، وتتأثر بالتقاليد الكتابية المعروفة أكثر مما تتأثر بهذا النشاط الخصب الذي يبعث فيها الحياة ويجعلها مصدر وحي فني رائع متصل منتج، وتتقيد بالقيود المألوفة في مصر؛ فطلابها يجب أن يظفروا بالشهادة الثانوية قبل أن يلتحقوا بها، وأن يؤدوا الامتحانات في آخر كل عام، وأن ينفقوا فيها أعوامًا معدودة، ثم يظفرون منها بالدبلوم، ثم يتوسلون بهذا الدبلوم ليظفروا بمنصب من مناصب الدولة في التعليم أو في غير التعليم، فهي كلية تخرج الموظفين لا أكثر ولا أقل.
وقد أُنْشِئَ في هذه الكلية قسم حر لا يتقيد بالقيود التي فُرِضَتْ عليها في الالتحاق بها والخروج منها، فأخذ يؤتي ثمرات قيمة، وأخذ يثبت أن المصريين حين تُتاح لهم حرية الفن قادرون على أن يتفوَّقوا ويُنْتِجوا، ويبلغوا ما يبلغه الشباب في الأمم الأخرى، من حب الفن وإتقانه والبراعة فيه، ولكن وزارة المعارف تهمل هذا القسم الحر أشد الإهمال، وقد كدت أملي أنها تقاوم هذا القسم الحر أشد المقاومة. والفن الجميل كالأدب الرفيع وكالعلم الخالص في حاجة إلى التأييد والتشجيع والمعونة ليعيش أولًا، ويزدهر ثانيًا، ويتيح لأصحابه التفوق والامتياز بعد ذلك. وأين نحن مما ينبغي للفن الجميل والأدب الرفيع والعلم الخالص من المعونة والتشجيع والتأييد؟!
في هذا كله فكرت حين أُهْدِيَ إليَّ هذا الكتاب، ثم لم أكد أقرأ أطرافًا منه حتى فكرت في شيء آخر لعله أن يكون أعظم منه خطرًا وأجل منه شأنًا، وقد طال ما أكثرت القول فيه حتى مللتُ وملَّني الناس، وهو أن المصريين يذكرون وطنهم معجبين به، مُؤْثِرين له ويملأون أفواههم بهذه الكلمة الرائعة «مصر الخالدة»، فإذا سألتهم عن خلود مصر: ما مصدره؟ وما عسى أن يكون؟ لم تجد عندهم شيئًا ذا بال، وإنما عللوك وعللوا أنفسهم بهذه الألفاظ التي لا تُغْنِي عنهم ولا عن غيرهم شيئًا؛ فذكروا مجد الفراعنة، وذكروا الأهرام وأبا الهول، وآثار الأقصر والكرنك وغيرهما من مواطن الآثار! ثم لا يتجاوزون هذا إلى شيء يدل على فقههم لِمَا يذكرون، وإنما هي ألفاظ تملأ الأفواه، ويَحْسُن وَقْعُها في الآذان وتثير في نفوس قائليها وسامعيها صُوَرًا غامضة لا تمتاز بالجلاء ولا بالوضوح.
فإذا أردنا أن نحقق خلود مصر، التمسنا تحقيقه عند الأجانب فيما ألَّفُوا من كتب التاريخ، وفيما صوَّرُوا من أدب مصر القديمة … وفيما أحبوا من فنها القديم أيضًا.
نحن لا نكاد ننظر في كتب الأجانب هذه حتى نستيقن أن مصر ليست خالدة فحسب، ولكنها مُلْهِمَة أيضًا، مُلْهِمَة دائمًا وناطقة دائمًا، ولكن الأجانب هم الذين استأثروا أو كادوا يستأثرون إلى الآن بإلهام مصر المتصل، وبالدروس الرائعة التي تلقيها على الإنسانية في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. هم قرءوا لغتها القديمة واستطاعوا أن يكتبوا تاريخها القديم، وهم فهموا آثارها القديمة واستعانوا بفهمها على تحقيق تاريخها وتاريخ غيرها من الأمم، وهم يعرفون إلى الآن من حقائق مصر الفرعونية، ومن حقائق مصر في عصر اليونان والرومان، بل من حقائق مصر الإسلامية أكثر مما نعرف! ونحن ساهون لاهون نملأ أفواهنا بالكلمات الجوفاء التي لا تُحقِّق شيئًا ولا تُغْنِي عنها شيئًا.
وما رأيك في أن مصر قد ألهمت هيرودوت منذ خمسة وعشرين قرنًا، أروع ما كتب كاتب قديم عن بلد أجنبي؟! وما رأيك في أنها ألهمت فلاسفة اليونان وشعراءهم وكتابهم آيات في الأدب والفن والتاريخ؟! وما رأيك في أنها قد صنعت مثل ذلك بالرومان، وهي تصنع الآن أكثر وأروع بالقياس إلى الغرب المعاصر؟!
وهي على ذلك بالقياس إلى أبنائها جامدة هامدة وخرساء صامتة، لا تلهمهم شيئًا ولا تقول لهم شيئًا، لا أستثني من أبنائها إلا أشخاصًا يُحصَون إحصاء لا مشقة فيه ولا عسر.
مصر إذن ملهمة، ولكن لغير أبنائها، متحدثة ولكن إلى غير أبنائها … قد شُغِلَ عنها أبناؤها بأنفسهم وبمنافعهم القريبة العاجلة.
هذا المُصوِّر العظيم أندريه لوت قد يزور مصر سنة ١٩٥٠م وسنة ١٩٥١م، وقد نيف على الستين وقارب السبعين من عمره ونضج فنه وآتى ثمره كأحسن ما يؤتي الفن ثمره، ولكنه لا يكاد يزور مصر، ويقف عند آثارها، ويحدق في فنِّها حتى يتأثر أعمق التأثر، وإذا فنه الناضج الكامل يتطور في الشيخوخة كما يتطور الفن في عصر الشباب، وإذا هو ينتج آثارًا جديدة يشيع فيها الوحي المصري والفن المصري والجمال المصري، وإذا هو يعرض آثاره الجديدة مرتين في باريس فيبهر من زار معرضيه بهذه النزعة الجديدة الفتية التي أوحتها إليه مصر، ثم هو لا يكتفي بما جنى من فنه الجديد في مصر، ولكنه يؤلف كتابًا عن الفن المصري يقول الإخصائيون إنه لم يُسبَق إليه، ويقول الإخصائيون أيضًا إنه قد كشف لأول مرة عن التصوير المصري القديم؛ فأظهر للمصورين المعاصرين أشياء لم تكن تخطر لهم على بال، وأظهر للمصورين المعاصرين في فرنسا وفي غير فرنسا أن التصوير المصري القديم لم يكن يسيرًا ولا ساذجًا ولا تصوير أمة حديثة العهد بالفن، وإنما كان تصويرًا ناضجًا كأقصى ما يمكن أن يكون النضج، تصويرًا سبق إلى ما يحاوله أصحاب المذاهب الجديدة في التصوير من الابتكار والاختراع والخروج بالفن من التقليد الموروث.
والمؤلف لا يقول ذلك دون أن يُقِيمَ عليه الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا جدالًا، فأبرع المصورين المعاصرين إذن حين ابتكروا ما ابتكروا من فنهم الجديد لم يزيدوا على ما صنع المصريون القدماء شيئًا.
كذلك يقول الأستاذ أندريه لوت وهو حجة فيما يقول، لا ينازعه في ذلك منازع.
كم أحب أن يقرأ المصريون هذا الكتاب وأن يقرأه أصحاب الفن منهم خاصة، وكم أحب آخر الأمر أن يقرأ هذا الكتاب وزيران من وزرائنا، أحدهما وزير الشئون البلدية والقروية، لعل قراءة صحف من هذا الكتاب تحمله بأن يُعنى بآثارنا في الصعيد، فيمهد إليها الطرق ويتيح لها أن تكون أفصح منطقًا حين تتحدث إلى السائحين وإلى المصريين أيضًا، والآخر وزير الإرشاد، فسيرى حين يقرأ هذا الكتاب أن مذهبنا في نشر الدعوة لمصر محتاج إلى كثير من العناية والتجديد.
أما بعد، فإني أشكر للأستاذ أندريه لوت هذه الخدمة الرائعة القيمة التي أسداها إلى مصر، وأنا أعلم أنه إنما فكر قبل كل شيء في أن يسدي خدمة إلى الفن والعلم جميعًا. -
حكمة … | Wisdom …
حكمة …
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٠ يناير ١٩٤٦
يجب أن يكون أصدقاؤنا الإنجليز راضين عنا كل الرضى؛ فقد سلكنا في جماعة الأمم المتحدة مسلكًا من شأنه أن يملأ قلوبهم رضى ونفوسَهم غِبطةً وحبورًا. سلكنا مسلك الأطفال المؤدَّبين المهذَّبين الذين أحسنت أمهاتهم تربيتهم وتأديبهم، فهم لا يخالفون عن التقاليد في المحافل والمجتمعات، وهم لا يرفعون أصواتهم بكلمة نابية أو غير نابية، وهم لا يقولون إلَّا ما يُراد لهم أن يقولوا، وهم يؤثِرُون الصمت على أي كلام. فإذا اضْطُرُّوا إلى القول قالوا، ولكن في لهجة هادئة معتدلة وصوت مُتَّئِدٍ رزين. ثم هُم لا يطلبون شيئًا فضلًا عن أن يُلِحُّوا في طلب شيء، فليس من حسن الأدب ولا من كمال التربية أن يطلب الأطفال إلى أسرهم شيئًا أمام الأضياف، فضلا عن أن يطلبوا شيئًا إلى الأضياف أنفسهم. وإنما الأدب كل الأدب والتربية كل التربية أن ينتظر الأطفال هادئين وادعين، مُطرِقين إلى الأرض مبتسمين لمن حولهم، لا يقولون شيئًا ولا يطلبون شيئًا حتى يوجَّه إليهم الكلام، فيكون الجواب في أدب واستحياء، وحتى تقدم إليهم الطرفة فيكون القبول في كثير من التردُّد والتمنُّع مهما يكُن في دخيلة القلب والضمير.
كذلك كانت سيرتنا في جماعة الأمم المتحدة. فلولا أن الأدب نفسه كان يقتضينا الكلام لما تكلمنا، ولكن مندوبي الأمم كلها تكلموا، فيجب أن نقول شيئًا وأن نُسمع صوتنا حتى لا يُظَنَّ بنا الخَرس أو العمى. وجماعة الأمم المتحدة قد أهدت إلينا فضلًا وصنعت لنا معروفًا، وأخذت بيدنا حتى أجلستنا في مجلس الأمن، فمن أيسر الأدب ومن الرعاية لأصول التربية الصالحة أن نشكر لها هذا الفضل، وأن نعترف لها بهذا الجميل. فقد تكلمنا إذن كما تكلَّم الناس ليقال إننا تكلمنا، وقد تكلمنا إذن لنشكر الفضل فيقال إننا مؤدبون مهذبون، وقد تكلمنا بعد هذا وذاك لنسمع صوت أنفسنا، ولنعرف أننا ما زلنا قادرين على الكلام، ولنطمئن إلى أن ممثلينا في الخارج يستطيعون أن يرفعوا صوت مصر عاليًا بين أصوات الأمم، ورأسها شامخًا بين رءوس الشعوب. ولولا أن في أصدقائنا الإنجليز حزمًا صارمًا وعزمًا جازمًا واقتصادًا في القول وبُخلًا بالثناء؛ لأهدَوْا إلينا كثيرًا من هذه الألفاظ الحُلوة التي تدل على الرضى وتُصَوِّر حُسن التقدير. ولكن أصدقاءنا الإنجليز يُؤثِرُون التجهُّم والعبوس على الإشراق والابتسام، وهم يخشَوْن إن ابتسموا لنا وأظهروا رضاهم عن سيرتنا في جامعة الأمم المتحدة أن نطمع فيهم ونجترئ عليهم.
والإنجليز ماهرون في التربية بارعون في البيداجوجيا، أمهر من وزارة المعارف المصرية، وأبرع من مشيري وزير المعارف المصرية. وهم من أجل ذلك لا يُحِبون أن يبتسموا لنا حتى حين نستحق الابتسام، ولا أن يُظهروا الرضى عَنَّا حتى حين نستأهل الرضى. ولو أن لنا حلفاء غير الإنجليز وسلكنا معهم هذا المسلك الوديع الظريف لما بخَلوا علينا بالابتسام، ولا ضنوا علينا بالثناء، ولا تردَّدوا في أن يُقدِّموا إلينا ألوانًا من الحلوى والفاكهة؛ تقديرًا لهذا المسلك المؤدب المهذب الظريف.
والأشياء تُعرف بأضدادها، فانظر إلى إيران لم يكَد ممثلها يتكلم حتى أثارها حربًا شعواءَ على روسيا، فشغل بنفسه وبوطنه جماعة الأمم المتحدة، وشغل بنفسه وبوطنه أنباء البرق والراديو وكُتَّاب الصحف والمجلات. وانظر إلى ممثِّلي سوريا ولبنان، لقد أنذروا بأنهم سيقولون شيئًا فجعل الناس ينتظرون ليسمعوا ما سيقولون، ثم تكلَّموا فقالوا ما أرادوا أن يقولوا، واستمَعَ لهم ممثلو الدول في كثير من العناية وفي كثير من الاهتمام، وشغلت بهم أنباء البرق والراديو، واحتفل بهم كُتَّاب الصحف والمجلات. ضايقوا فرنسا وبريطانيا من غير شَكٍّ كما ضايق ممثلو إيران الدولة الروسية الكبرى. أمَّا نحن فقد كُنَّا على حظٍّ عظيمٍ من الأدب الكريم، وعلى نصيب موفور من التربية العالية الممتازة. فلم نقُل شيئًا، ولم نضايق أحدًا، ولم نشغل بأنفسنا برقًا ولا بريدًا ولا صحفًا ولا مجلاتٍ، وإنما اختلسنا حديثنا اختلاسًا، ومررنا به على الجماعة مرَّ النسيم الهادئ البليل في الوقت القائظ المُحرِق للأجسام المرهق للنفوس.
ومن الحق أن نشكر لوزير خارجيتنا أنه مثَّلنا فأحسن تمثيلنا، وأظهر لجماعة الأمم المتحدة أن مصر مؤدبة مهذبة ورقيقة رشيقة، لا تحب أن تزعج أحدًا، وإنما تُؤثِرُ دائمًا أن تكون خفيفة الظل حُلوة الرُّوح، حتى حين تُلِمُّ بها المُلِمَّات وتثقل عليها الخطوب. من الحق علينا أن نشكر لوزير خارجيتنا حُسن تمثيله لنا وصدق تعبيره عَنَّا، ودِقَّةَ تصويره لأخلاقنا وآدابنا وسيرتنا الراقية ونفوسنا الراضية.
ولكن وزير خارجيتنا لا ينبغي أن يستأثر وحده بهذا الشكر، فله فيه شركاء ليسوا أقلَّ منه فضلًا ولا أيسر منه استحقاقًا للثناء. فوزير الخارجية لا يتكلَّم عن نفسه، وإنما يقول ما يطلب إليه أن يقول؛ فهو لسان الحكومة، وهو مرآة لمجلس الوزراء. فإذا كان قد أحسن تمثيلنا وأجاد التعبير عن أخلاقنا وآدابنا وعن نفوسنا الراضية وقلوبنا المطمئنَّة؛ فالفضل في ذلك ليس له وحده، وإنما هو لرئيس وزرائنا أولًا ولمجلس وزرائنا ثانيًا ولوزير خارجيتنا آخر الأمر.
ولو أن رئيس وزرائنا أراد وأراد معه زملاؤه الوزراء؛ لكُنَّا أطول لسانًا من إيران، ولكُنَّا أشد إقلاقًا من سوريا ولبنان. ولكننا قومٌ مؤدَّبون مهذبون، يُقضى في أمرنا ونحن غائبون فلا ننكر، ويُقضى في أمرنا ونحن شاهدون فلا نحتج. يمنعنا الأدب من الإنكار، وتمنعنا التربية من الاحتجاج، ونحن بناة الحضارة وشادة الأهرام، ومعلمو الإنسانية، قد حلبنا الدهر أشطره، وبلونا حلوه ومره، وجربناه فأَحْسَنَّا تجربته. عنَّا صدرت الحكمة قبل أن تعرفها الهند، وقبل أن تعرفها اليونان، وقبل أن يعرفها العالم الحديث. ونحن من أجل هذا نُؤثِرُ الصمت لأنه من ذهب، ونترك لغيرنا الكلام لأنه من فِضَّةٍ، والحكماء يؤثرون الذهب على الفضة، ويفضلون الصمت على الكلام.
ونحن نعلم حق العلم أن احتجاج إيران لن يُجلِيَ روسيا عن أذربيجان، وأن احتجاج سوريا ولبنان لن يجلي البريطانيين والفرنسيين عن أرض سوريا ولبنان. وإذن فلِم ننكر ونحن نعلم أن الإنكار لن يُغني شيئًا، ولِم نحتج ونحن نعلم أن الاحتجاج لم يرد مكروهًا. إنما يتكلم ويحتج ويُنكر من لا حظَّ له من حكمة، ولا نصيبَ له من تجربة. فأمَّا نحن الذين علَّموا الناس الحكمة، وبيَّنوا لهم كيف ينتفعون بالتجربة، فما ينبغي أن نتكلم إلَّا حين نستيقن بأن الكلام سينفع أو يفيد.
أرأيت إلى أن وزير خارجيتنا لم يُمَثِّلْ آدابنا وأخلاقنا فحسب، وإنما مثَّل حكمتنا وفطنتنا وحُسن فَهمِنَا للأمور، وحسن تدبيرنا للظروف، وحُسن حكمنا على الأشياء والأحياء. ومن الحق أن الشعب المصري ساخط محزون، كان يَوَدُّ لو سلك وزير خارجيتنا مسلك إخواننا السوريين واللبنانيين والإيرانيين. ولكن الشعب المِصري ليس مُطَّلِعًا على حقائِقِ الأمور كما يَطَّلِعُ عليها الوزراء، ولا مقدِّرًا لدقائقها كما يُقَدِّرُهَا الوزراء، وفي الشعب اندفاع يَحْسُنُ أن يُضبط، وتطرُّف يحسن أن يُرد إلى الاعتدال. وحسب الشعب أن يعلم أن العناية الإلهية قد جعلت مصيره ومستقبله أمانة بين يدي رئيس الوزراء، ورئيس الوزراء خيرُ من يحمل الأمانة، وهو أقدر على حَملها من السماوات والأرض والجبال. فما ينبغي للشعب إلَّا أن يطمئن وينام ما دام رئيس الوزراء وزملاؤه حاملين للأمانة ناهضين بأعبائها.
ومن الحق أن بعض حكمائنا وعقلائنا وأصحاب الرأي فينا وأساتذتنا المُحَنَّكِين كانوا يَوَدُّون لو سلك وزير خارجيتنا في لندرة مسلك غيره من وزراء الشرق الأدنى والأوسط.
فصدقي باشا مثلًا ليس راضيًا ولا مطمئنًّا، ولكن صدقي باشا رجل عسير ليس إلى إرضائه من سبيل، فلندعه يسخط اليوم فسيرضى غدًا، وهو بعد كل شيء ليس مبعوث العناية الإلهية في هذه الأيام. فليس له إلَّا أن يطمئن وينام كما يطمئن الشعب وينام.
ومن الحق أن من وزرائنا من يملِك القلق عليه أمره، ويفسد عليه حياته، ويخرجه عن التضامن الوزاري، ويضطره إلى التشهير والتشنيع. ولكن هذا كله لا ينبغي أن يُخِيفَنَا، ولا أن يقلقنا. فهذا الوزير المُشفِق القلِق لم يندفع إلى إشفاقه وقلقه إلَّا لأن الأمر ليس إليه هو، ولو قد كان هو في لندرة لتكلَّم كما تكلم وزير الخارجية، ولكان خفيف الظل حُلو الرُّوح عند أصدقائنا الإنجليز. فقد يظهر أن وزراءنا لا يحبون أن يظهروا للإنجليز من أنفسهم ولا من وطنهم إلَّا خفة الظل وحلاوة الرُّوح، فأمَّا شدة الوطأة وغلظة الحديث ومرارة اللسان وعظم السطوة وحِدَّة البأس، فكل هذه خِصال يُؤثِرُون بها مواطنيهم من المصريين. ولهم في هذا كله الحق كل الحق، فهم مُضطَرُّون أن يلينوا مع الإنجليز لأن الإنجليز لا يؤخَذُون إلَّا باللين، وهم مُضطَرُّون إلى أن يخشنوا على المصريين لأن المصريين لا يُؤخَذُون إلَّا بالخشونة والعنف. وهم حين يتصلون بالإنجليز أصحاب سياسة، والسياسة لباقة ورشاقة ولِين، وهم حين يتصلون بالمصريين أصحاب تربية وتعليم، ولا تكون التربية إلَّا بالحزم، ولا يكون التعليم إلَّا بالعزم، فأي غرابة في أن يكون وزراؤنا أسودًا علينا وظباءً حِسانًا مع حلفائنا وأصدقائنا الإنجليز؟
أمَّا بعدُ، فقد آنَ لهذا الشعب المصري أن يعرف نفسه ويقدِّر حياته حقَّ قدرها، ويملأ قلبه ثقة بأنه قد خُلِق ليحكم على غير ما يريد، ويُدبر أمره على غير ما يُحب، ويخضع لوزراء تُلقي عليهم العناية الإلهية أعباء الحكم فينهضون بها، لا يُسألون عنها إلَّا أمام ضمائرهم وأمام العناية الإلهية التي اختارتهم. وضمائرهم راضية مطمئنَّة، وآية ذلك أنهم لا يغيِّرون من سيرتهم شيئًا. والعناية الإلهية التي اختارتهم راضية عنهم، وآية ذلك أنها لم تزلهم عن مناصب الحكم. ونحن المصريين قد أنشأنا الحضارة ونشرنا الحكمة في العالم، فلا ينبغي أن نخرج عن هذه الحكمة التي تعلِّمنا أن نسمع ونطيع مهما تكُن الظروف ومهما تكن المُلِمَّات.
لقد أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح، ونحن المصريين لا نُحْسِنُ أن نطير لأننا لسنا أُولِي أجنحة، أو لأن أجنحتنا لم ينبت فيها الريش بعدُ!
فلنصبر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. -
صراع٢ | Conflict 2
حديث المساء
صراع…
بدأ منذ أسابيع، ولسنا نعرف متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، وإن كنا نعرف حق المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلط الأجنبي.
والحق أن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحاد العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلا في هذه الأيام أيضًا.
ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي حادًا عنيفًا في المحاكم المختلطة. وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد. فأما أولهما فرئاسة الدوائر، وأما ثانيهما فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام.
أما في الميدان الأول، فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذ ولا رد طويلين. فليست هناك موانع من نص القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرئاسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن، والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز.
والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها، ولا من ترددهم في الذود عنها، وإنما جاء من أن الوزارة، التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة، قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تثبت في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم تستطع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة.
فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب، ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف، فما هي إلا أن يرد عليه الرئيس رده القاسي المعروف، حتى ينكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة. وإذا الناس يشيعون أنه هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال إن هذا الرد محص تمحيصًا، ونقح تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجل أشهرًا طوالًا، وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار.
ثم تتقدم الوزارة إلى مجلس الشيوخ، فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات، أي كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، ويعلن وزير الحقانية أن الحكومة معنية بالمسألة.
ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد مؤقتًا، حتى إذا كان مساء الأربعاء الماضي عرض رد وزير الحقانية على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، فأيده المستشارون المصريون، وأنكره المستشارون الأجانب، وأعلن رئيس الجمعية بعد ذلك أن الأمر قد انتهى بالقياس إلى الجمعية، وأنه أصبح من حق الحكومة المصرية أن تفاوض فيه.
ومعنى هذا الإعلان أن الوزارة انهزمت على طول الخط، كما يقولون، وأن الجمعية، أو كثرتها الأجنبية، انتصرت على طول الخط، كما يقولون أيضًا، وأن القضاة المصريين قد يرأسون الدوائر إذا أذنت الدول الأجنبية بذلك، بعد مفاوضات قد تقصر وقد تطول، ومناقشات قد تلتوي وقد تستقيم.
لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصروا، ولا لأن الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة، وأبعدهما عن الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلامة وطول البقاء.
وأما في الميدان الثاني، فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال، ومن غير أخذ ولا رد. وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذود عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون. ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين، إلى الآن، أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد، مهما تكن الظروف.
ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين، الأستاذ عبد السلام ذهني بك، أن ينفذ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية.
وليست هناك قوة تستطيع أن تحول الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم، إلا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلغي القانون، أو أن تغيره، أو أن تحمل القضاة على ألا ينفذوه حملًا.
وإذن فالقومية المصرية ظافرة، من غير شك، في هذا الميدان، إلا أن تتكشف الأيام والحوادث عن بعض ما تتكشف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب.
أبى رئيس الدائرة أن يمضي هذه الأحكام لأنه لا يفهمها، وأبى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه البلاد، لأنها لغة القومية المصرية، ولأنها معترف بها في المحاكم المختلطة بحكم القانون.
ورفع الأمر إلى الجمعية العمومية، ورغب رئيس الجمعية وأعضاؤها الأجانب إلى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه الأحكام، فأبى، وأيده زملاؤه المصريون. ولم تستطع الجمعية أن تتخذ في ذلك قرارًا، لأنها إن قبلت رأي المستشار المصري، كما يقضي الحق والعدل والقانون، وجدت نفسها، فيما يقال، أمام صعاب ومشكلات لا حد لها. وإن رفضت رأي المستشار المصري خرجت على القانون، وهي لا تملك، ولا تريد من غير شك، أن تخرج على القانون.
وإذن فليس للمسألة حل في حدود القانون إلا أن تنتصر القومية المصرية في هذا الميدان انتصارًا واضحًا قاطعًا، لا شك فيه ولا غبار عليه.
ونظن أن الخير إنما هو في أن تقف الوزارة من هذه القصة الجديدة موقف الحياد التام، فقد ظهر أن تدخل الوزارة في مثل هذه الأشياء يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد. وآية ذلك أنها دخلت في الأزمة الأولى، فلم تغن شيئًا، ولم تحسن البلاء، ولم تنتفع من إجماع الأمة كلها على تأييد القضاة المصريين، وإنما تركت ذلك كله يذهب مع الريح، ونظرت لما يحيط بها من الظروف، فآثرت العافية، وقبلت المفاوضات.
ونحن نخشى إن دخلت في هذه القصة، أو همت بتأييد القضاة المصريين فيها، أن تسير سيرتها الأولى، وأن يصدر عن وزير الحقانية كتاب، يرد عليه بكتاب، ثم يهيأ للرد على الرد كتاب، ثم تتخذ الجمعية العمومية فيه قرارًا كالذي اتخذ مساء الأربعاء، ثم تدخل الوزارة في مفاوضات، تقترح عليها من الدول لتأجيل اتخاذ اللغة العربية أداة رسمية للقضاء المختلط، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لذلك.
نود إذن لو وقفت الوزارة موقف الحياد، وبخلت على المستشارين المصريين بالتأييد في هذه المرة، فرب بخل خير من الجود، ورب حياد خير من التأييد.
والمستشارون المصريون في هذه القصة أقوياء بالقانون، أقوياء بضمائرهم، أقوياء بوطنيتهم، أقوياء بإرادتهم، أن يرعوا حرمة القانون، وأن يرعوا حرمة اللغة العربية، التي هي اللغة الرسمية للقومية وللبلاد.
فتؤثر الوزارة الراحة في هذه المرة، فإنا نحب لها، ونحب لموقف المستشارين، أن تستريح.
على أننا نعتقد أن الصراع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحد، بل ينبغي أن يتسع ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع، ولا بد أن يتبعهم غيرهم.
فيجب أن تكون اللغة العربية أداة عملية، لا لكتابة الأحكام فحسب، بل للمرافعات أيضًا. يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية، ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا.
ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل أن يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية، فيجب أن تكتب أحكامها، وأن تكون مرافعاتها باللغة العربية فيها.
وما دام القانون، الذي لا سبيل إلى الخروج عليه، يقر اللغة العربية على ما يراد لها من الحق، فنحن واثقون بأن رجال القضاء، والنيابة، والمحاماة، من المصريين والشرقيين، لن يبخلوا على لغتهم بهذا الحق، ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا.
وقد قيل وسيقال إن القضاة الأجانب لا يحسنون اللغة العربية أو لا يفهمونها، ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، فالذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يحسنوها.
وقد قيل وسيقال إن نظام العمل في المحاكم المختلطة لا يجعل اصطناع اللغة العربية سهلًا، لأن الموظفين الذين يحسنون هذه اللغة قليلون في المحاكم المختلطة. ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، وإن الذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يفهموها، وإن الوزارة المصرية تنفق أموالًا كثيرة في ألوان من الترف الذي لا حاجة إليه، فلتنفق بعض الأموال في هذه الضرورة التي تمكن اللغة العربية من أن تكون لغة القضاء في المحاكم المختلطة، ولتعين من الموظفين من تدعو الضرورة إلى تعيينهم، ولتعزل من الموظفين من تدعو الضرورة إلى عزلهم، فإن المحاكم المختلطة لم تنشأ للموظفين، وإنما أنشئت للقضاء.
وليست اللغة العربية هي التي يجب أن يضحى بها لمصلحة فريق من الكتبة والمحضرين الأجانب، وإنما يجب أن يضحى ببعض الكتبة والمحضرين الأجانب في سبيل اللغة العربية إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
نعم، كان الأستاذ عبد السلام ذهني بك موفقًا حقًا حين أقدم على تنفيذ القانون، وحين رد إلى اللغة العربية بعض حقها، وحين رد إلى الكرامة المصرية بعض ما ينبغي أن يرد إليها من عناية المصريين وغير المصريين.
وما نظن أن الأستاذ وزملاءه يحتاجون إلى شكر أو يطمعون فيه، فإخلاصهم للوطن، وللقانون، وللقضاء، أرفع من أن يحتاج إلى الشكر.
وما نظنهم يحتاجون إلى تشجيع أو يطمعون فيه، فهم أشجع وأحرص على الحق، وأداء الواجب، وإرضاء الكرامة، وإراحة الضمير، من أن يحتاجوا إلى تشجيع.
ومع أنهم لا يحتاجون إلى شكر ولا إلى تشجيع، فسيرون أن الأمة المصرية كلها لن تتردد في أن تقدر لهم موقفهم هذا الكريم، وفي أن تعرف لهم أنهم أبناء أوفياء لأمة شديدة الحاجة جدًا إلى أن تحس من أبنائها أنهم أوفياء.
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٠ إبريل سنة ١٩٣٤. -
تحدٍّ … | A Challenge…
حديث المساء: تحدٍّ …
طه حسين
كوكب الشرق
١ فبراير ١٩٣٤
قُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للشعور القومي، وقُلْ إِنَّه تَحَدٍّ للكَرَامَةِ القومية، وقُلْ إنه تَحَدٍّ لمجلس النواب، وقُلْ إن شئتَ إِنَّه تَحَدٍّ للتقاليد، من وزارة التقاليد بمحضر وزير التقاليد، فلن تخطئ في بعض ذلك، ولن تخطئ في كل ذلك، ولن تَتَجَاوز الحقَّ والصَّواب؛ فوزير المواصلات أمس قد تحدَّى كل ذلك، ووقف منه موقف المُتَحَكِّم الذي يُرِيدُ ويعلم أن لا رادَّ لما يريد، فأمَّا الشعور القومي والكرامة القومية فقد صبرا على هذا التحدي كما صبرا على أمثاله منذ أعوام، وأما مجلس النواب فقد لقي هذا التحدي صامتًا وأَسِفَ له عضو من أعضائه، فلقي النواب أسف زميلهم صامتين، وكفى الله المؤمنين القتال.
وأَمَّا التَّقَالِيدُ فقد ضحكت لهذا التحدي؛ لأَنَّها تَعْرِفُه ويعرفها منذ زمن بعيد؛ فالاتفاق مُحقَّق، مسجل بين التقاليد وبين الوزارة القائمة والوزارة السابقة على أن تكون التقاليد هينة لينة، مرنة رضية الخلق موفورة الحلم، لا تغضب إلا حين يُطلَب إليها الغضب ولا تَثُور إلا حين يُرادُ مِنْهَا أَنْ تَثُور، وكذلك صبر وزير المواصلات شهرًا وبعض شهر على ذلك السؤال الذي وجهه إليه نائب من النواب عن خطبة ألقاها بالفرنسية في حفل رَسْمِي لمؤتمر رَسْمِي، فَلَمَّا انقضى شهر وبعض شهر، وقد نسي النواب السؤال والجواب ذكرهما الوزير؛ فألقى جوابه أمس.
وأَكبرُ الظَّن أنَّ الوزير إِنَّما ذكر هذا السؤال وذكر أَنَّه يَنْتَظِرُ جوابًا منذ شهر وبعض شهر لأمرين؛ أحدهما: أن الحديث كثير في هذه الأيام عن مجمع لغوي يجتمع، ويقبل أعضاؤه من أطراف الأرض في الشرق والغرب ليحيوا اللغة العربية ويصلحوها، ويجعلوها لغة عظيمة خليقة بالدولة العظيمة التي تُسَمَّى الدولة المصرية، والثاني: أنَّ حَفْلًا رسميًّا يُقَام اليوم لافتتاح مؤتمر رسمي، وتُلْقَى فيه خطب رسمية؛ فالمجمع اللُّغوي يذكر الوزير بأنَّ لمصر لغة رسمية هي اللغة العربية، ويذكر المصريين بهذه اللغة، وأنَّ من المعقول ومن الطبيعي ومن الخير، وقد يكون من الواجب، أنْ تُعْنَى الدَّولة بلغتها الرسمية في المحافل والمؤتمرات.
ومؤتمر البريد يذكر الوزير بأنَّ كثرة المؤتمرين من الأجانب، وبأن لغتنا العربية لغة غنية، خشنة الحروف، ضخمة الألفاظ، شديدة الوقع، تجرح الأسماع الرقيقة، وتُؤذِي قلوب المُترفين، وأن الذوق يقضي أن نُحْسِن استقبال الضيوف فلا نجرح سماعهم ولا نؤذي قلوبهم، ولا نلقي بين أيديهم ما لا يفهمون.
إذن؛ فقد وقف الوزير بين هذين الأمرين موقفًا لم يَخْلُ من حيرة في أول الأمر، ولا بُدَّ من بعض الحيرة لكل وزير في هذه الأيام؛ لأنَّ الحيرة — كما قُلْنَا أمس — قوام الحياة الوزارية وخاصة الوزارة القائمة.
وقف وزير المواصلات موقف الحيرة بين المصريين والأجانب المؤتمرين وبين اللغة الرَّسمية واللغة الدولية، وبين الواجب والذوق، وبين التقليد والتجديد، وبين إرضاء النواب وإغضاب المؤتمرين، ولكن حيرة الوزير لم تَطُل، وتردده لم يتصل؛ فالكلفة مرفوعة مع السرور بينه وبين مواطنيه، والكلفة مرفوعة بين وزراء الدولة ولغة الدولة. وإذن؛ فليتحمل المصريون، ولتحتمل لغة الدولة، وليقدم وزير المواصلات في حزم وعزم، وفي هم بعيد، ومضاء نافذ، ولْيُرْضِ الذوق على حِسَاب الواجب، ولْيُرْضِ التجديد على حساب التقليد، ولْيُرْضِ الأجانب على حساب المصريين، وليُعلن ذلك كله إلى مجلس النواب حتى لا يفكر ذلك النائب الذي سأله بعد مؤتمر الطيران في أن يسأله بعد مؤتمر البريد.
وسمع النائب وأَسِفَ، وسمع النواب وسكتوا. وَمَاذا كنت تريد أن يصنع النائب غير أن يأسف؟! وماذا كنت تُريد أن يصنع النواب غير السكوت؟!
لقد أراد الوزير، ومن الذي يستطيع أن يرد إرادة الوزير؟! لقد خَطَبَ الوزير باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران، وهو يخطب الآن باللغة الفرنسية في مُؤتمر البريد أعلن ذلك إلى النواب مُطمئنًّا وأنذر النواب بهذا مُصَمِّمًا، فاطمأن النواب كما اطمأن، وقبل النواب ما صمم عليه ونحن ملزمون أن نطمئن وأن نقبل، كما اطمأن الوزير والنواب وكما قبلوا.
وسيجتمع المجمع اللغوي وسيحاول إحياء اللغة وإصلاحها، وستنفق الدَّولة في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات في كل عام، وسيقُول النَّاسُ في الشرق والغرب، إنَّ في مصر مجمعًا لغويًّا، وسيتحدث الناس في الشرق والغرب بأنَّ مِصْرَ زَعِيمَة البلاد الشرقية، وموئل اللغة العربية، ومَصْدَرُ الحياة والقوة والنَّشاط والمُحَافَظَة والتجديد في بلاد الشرق العربي كله، سيكون هذا كله ولا بأس بهذا كله؛ فاللغةُ العربيةُ لغة الشعب يتحدث بها المصريون إذا لقي بعضهم بعضًا وخلا بعضهم إلى بعض والوزارة كريمة سخية مُتفضلة؛ لأنَّها تصلح للشعب لغة الشعب، وحسب الشعب منها هذا والشعب مُسْرِفٌ بطرٌ أَشِر إن طلب إلى الوزارة أكثر من هذا!
وحسب الشعب المُسرف، البطر، الأشر أنْ يتفضل الوزراء فيتحدثوا بلغته في مجلسهم وفي مجلس النواب ومجلس الشيوخ. فأمَّا أنْ يَطْلُب الشعب إليهم أنْ يتحدثوا بهذه اللغة في المحافل والمؤتمرات؛ فهذا طغيان، والطغيان قبيح حين يصدر عن الشعوب، ولكنه حلو حين يصدر عن الأفراد، والوزارات إنما أُنْشِئَتْ لتؤدب الشعوب، وتمنعها من الطغيان، وتعصمها من الإسراف، وتردها إلى ما ينبغي لها من التواضع والقصد والاعتدال فيما تعمل وما تقول.
ولهذا كله؛ أعلن وزير المواصلات أمس في مجلس النُّواب أَنَّه خَطَبَ باللغة الفرنسية في مؤتمر الطيران لأنها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، وأنه سيخطب في مؤتمر البريد باللغة الفرنسية لأنَّها اللغة الدولية، ولأنها اللغة التي يفهمها الأجانب المؤتمرون، ولأنَّ أَعْمَال هذا المؤتمر كلها ستكون باللغة الفرنسية، وكان للوزير دليل قوي لا يستطيع شيء أن يثبت أمامه، ولا أن يقوم في وجهه دليل مُقْنِعٌ بِطَبْعِهِ، مُحْرِجٌ للخصم، قاطع لحجته، وهو أنَّ ولي العهد في إنجلترا قد ألقى في مؤتمر من المؤتمرات خطبة افتتاح باللغة الفرنسية، وإذا كان ولي العهد للدولة الإنجليزية كلها، وللإمبراطورية البريطانية كلها يخطب في بعض المؤتمرات باللغة الفرنسية ويُهمِل اللغة الإنجليزية إهمالًا، فما الذي يَمْنَعُ وزيرًا من وزراء الدولة المصرية من أن يذهب مذهبه، ويسلك طريقه؛ فيخطب بالفرنسية، ويهمل اللغة العربية إهمالًا؟! وهل يطمع المِصْرِيُّون في أن يكون وزراؤهم أحرص على لغتهم من ولي عهد الإنجليز على لغة الإنجليز؟! وهل يطلب المصريون من وزرائهم أكثر مما يطلب الإنجليز من ولي عهدهم؟! وإذا وجد الوزراء المصريون قُدوة كهذه القدوة، وأسوة كهذه الأُسوة، فهل ينبغي لهم أن يُخَالِفُوها أو يحيدوا عن طريقها؟!
وفي مجلس النواب شيء من الجحود والتقصير في الاعتراف بالجميل؛ فقد وعد الوزيرُ بِأَن تُطبَع تذاكر الدعوة باللغتين العربية والفرنسية، وأعلن أن تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد قد طُبِعَتْ بهاتين اللغتين، فلم يصفق له النواب، ولم يشكروا له هذا العمل الخطير وهم وقوف، ومع ذلك، فقد رفع الوزير لغتهم العربية إلى حيث تُطبَع بها تذاكر الدعوة إلى مؤتمر البريد، وإلى حيث تجاور اللغة الفرنسية على بطاقة واحدة! ولكن المصريين قوم يَظْلِمون.
وأغرب من هذا كله أن رجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة مولانا الأكبر، سيغضبون فيما بينهم وبين أنفسهم من إهمال اللغة العربية بهذه الجرأة، ومن تحدي هذه اللغة مع هذه الشجاعة؛ لأَنَّها لغة الإسلام الحنيف والقرآن الكريم، ولكن أُحِبُّ لرجال الدين، وعلى رأسهم صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر، أن لا يغضبوا؛ فغَضَبُهم لن ينفع ولن يُفِيدَ من ناحية، ولهم عزاء من ناحية أُخرى، وهو أنَّ كَثْرَة المُؤتمرين من غير المسلمين؛ فالوزير يُنزِّه لغة الإسلام والقرآن عن أنْ يَتَحَدَّث بها إلى الأجانب من أصحاب المِلَلِ الأُخرى، وسيغضب أصحاب التقاليد والمحافظون على نصوص الدستور؛ لأنَّ اللغة العربية هي اللغة الرَّسمية للدولة بنص الدستور، ولكنْ أَنْصَحُ لهؤلاء ألا يغضبوا؛ فاللغة الفرنسية لغة رسمية للدولة أيضًا. أليست تصدر بها الجريدة الرَّسمية كما تصدر باللغة العربية؟! وقد زَعَمُوا أَنَّ الدستور الجديد نفسه قد وُضِع أول الأمر باللغة الفرنسية، ثم نُقِل إلى اللغة العربية نقلًا!
وحدثني بعض الوزراء السابقين أنَّ الدولة وجدت في نقل الدستور إلى اللغة العربية مَشَقَّة وعناء، وإذن فليست هناك كلفة بين لغة النيل ولغة السين، وليس هناك بأسٌ بأنْ تكون لغة السين هي اللغة الرَّسمية للمؤتمرات بإذن مجلس النواب!
أمَّا وزير التقاليد، فمن المُحَقَّق أنَّه غضب للتقاليد، ولكن من المحقق أيضًا أن غضبه كان كغضب التقاليد يَسِيرًا سَهْلًا، لا يكفي لإحداث الخلاف الخطير بينه وبين زميله وزير المواصلات.
وأمَّا الرجل الطيب، فمن يدري، أفكَّرَ في هذا الموضوع أم لم يخطر له على بال؟!