حديث المساء: دروس
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ يناير ١٩٣٤
قد ألقيت من غير شك، ولكن الذين ألقوها مشكوك فيهم، لا يُعْرَف أمرهم مع ما ينبغي من الوضوح والجلاء. وأظهر هذه الدروس مُتَّصِلٌ بالعلاقة بين رئيس الوزراء الرجل الطيب، والمندوب السامي الجديد. فقد وصل المندوب السامي الجديد إلى مصر، واستقبله الرجل الطيب في محطة القاهرة، ثم لم يره بعد ذلك حتى طار إلى لندرة. وتساءل الناس عن هذه العلاقة السلبية بين الرجل الطيب والمندوب الجديد، كيف كانت؟ ولمَ كانت؟ وكيف يمكن أن تدوم؟ وتحدث الناس بأن الرجل الطيب كان أول المتسائلين. ثم أذاعت الصحف أمس أن المندوب السامي بالنيابة زار الرجل الطيب بالأصالة، وكَلَّمَهُ في هذه العلاقة السلبية، وعرض عليه صورة من صور التقاليد فيما كان، وما يحب الإنجليز أن يكون بين المندوبين الساميين ورؤساء الوزارات. ونلاحظ بين قوسين أن المندوب السامي بالنيابة قد أسرف بعض الإسراف، وتجاوز الحدَّ على نحوٍ ما حين تحدث في التقاليد إلى الرجل الطيب، مع أن للتقاليد وزيرًا ينبغي أن تُسْتَقَى منه، وأن يتحدث إليه فيها المتحدثون؛ فنظن أن الذين يلقون على الناس دروسًا في التقاليد يجب أن يحافظوا هم قبل كل شيء على هذه التقاليد، ونظن أن المندوب السامي بالنيابة والمندوب السامي بالأصالة، لن يتحدثا في التقاليد منذ اليوم إلى الرجل الطيب أو إلى غير الرجل الطيب قبل أن يرجعا إلى وزير التقاليد ويستأذناه.
ولنقفل القوسين الآن ثم لنَعُدْ إلى مجرى الحديث، فالناس متفقون على أن درسًا قد أُلْقِيَ أمس حين لَقِيَ المندوب السامي بالنيابة رئيس وزارتنا الرجل الطيب، ولكنهم يختلفون فيمن أَلْقَى هذا الدرس: فقوم يزعمون أن الرجل الطيب هو الذي ألقى الدرس أمس على المندوب السامي، أو بعبارة أدق هو الذي ألقى الدرس على المندوب السامي بالأصالة، وعلى وزارة الخارجية البريطانية حين احتج على تقصير السير ميلز لمبسون في زيارته، وأن المندوب السامي بالنيابة إنما زاره أمس ليبلغه أن الإنجليز قد سمعوا هذا الدرس ووعوه، وأنهم معتذرون من تقصير مندوبهم السامي، وأنهم يطلبون إلى الرجل الطيب أن يعذره؛ لأنه حديث عهد بمصر قد هبط إليها بآداب الصين، وأنه قد كان يعلم أن للصلة بين رئيس الوزراء وبين المندوب السامي تقاليد، وكان يجهل أن الرجل الطيب فوق التقاليد؛ لأنه أقوى وأشد بأسًا وأحرص على كرامته من أن يذعن لهذه التقاليد.
وهؤلاء يزعمون أن الرجل الطيب قد رضي بعد تمنع، وصفح بعد إباء، وأخذ على المندوب السامي بالنيابة عهدًا ليبدأن المندوب السامي الأصيل بزيارته إذا عاد إلى مصر. وانتهى الأمر عند هذا الحد، وعُرِضَ الأمر على مجلس الوزراء فأقره، وقدر الرجل الطيب بلاءه الحسن وإباءه البديع.
وقوم آخرون يزعمون أن المندوب السامي بالنيابة هو الذي ألقى الدرس أمس؛ لأنه بَيَّنَ لرئيس وزارة التقاليد حقيقة التقاليد، ونبَّهَهُ إلى ما كان يجب أن يتنبه إليه من أن له صفتين مختلفتين، كوزير التقاليد بالضبط، فكما أن وزير التقاليد قد أعلن في مجلس الشيوخ أنه وزير المعارف من ناحية ورئيس الجامعة الأعلى من ناحية أخرى، وأنه بحكم هاتين الصفتين يأتي أعمالًا مختلفة متحدة، ويقدر أعماله تقديرًا متفقًا مفترقًا؛ فالرجل الطيب رئيس للوزراء ووزير للخارجية، فيجب عليه من حيث إنه وزير للخارجية أن يستقبل المندوب السامي في محطة القاهرة، ويجب عليه من حيث إنه رئيس للوزراء أن يزور المندوب السامي في داره، ثم يجوز له بعد ذلك أن ينتظر من المندوب السامي زيارته في مكتبه. وقد أدَّى الرجل الطيب أحد هذين الواجبين ثم اختلط عليه الأمر؛ فظن أنه أدى الواجبين جميعًا، وانتظر زيارة المندوب، فلم يظفر بها. وإذا كان الله قد مَنَّ على مصر بأن وزارتها القائمة وزارة تقاليد، فإن الوزارات الإنجليزية كلها وزارات تقاليد، وإذا كانت الوزارة المصرية لا تحب التفريط في تقاليدها، فإن الوزارات الإنجليزية أشد على تقاليدها حرصًا. وإذن، فهي لم ترضَ عن إهمال الرجل الطيب لما تقوم عليه صلات مصر مع المندوب السامي من التقاليد. ويقول أصحاب هذا الرأي: إن الرجل الطيب قد وعى هذا الدرس، ووعد بألا يعود إلى مثل ما أتى، وبأن يكون هو البادئ بالزيارة، حين يعود المندوب السامي إلى القاهرة، وأن ممثل الإنجليز رضي بعد تمنع وصَفَحَ بعد إباء، وأن الأمر قد عرض بعد ذلك على مجلس الوزراء؛ فأقره وأثنى على براعة الرجل الطيب وسعة حيلته، ومعرفته كيف يكون الخروج من المآزق، والتخلص من المشكلات. وقوم آخرون وأنا منهم يشكون في هذا كله، ولا ينكرون أن درسًا قد أُلْقِيَ، ولكنهم لا يعلمون مَنْ ألقى هذا الدرس، ومن تلقاه، ولا يقطعون بنتيجته، وإنما ينتظرون أن تتكشف عنها الأيام، ومَنْ يدري لعل الأيام أن تتكشف عمَّا لا يقدر الرجل الطيب وأنصاره من النتائج ذات البال. وقد يقال: إن معظم النار من مستصغر الشرر. وليس هذا الدرس الذي لا يُعْرَف من ألقاه ولا من تلقاه هو الأول من نوعه، فقد كان هناك درس آخر أُلْقِيَ بعد أن خطب قاضي القضاة، وزعمت الصحف أن وزير فرنسا المفوض هو الذي ألقاه على الرجل الطيب، ثم زعمت صحف أخرى أن وزير فرنسا المفوض هَمَّ بإلقائه، فأسكته الرجل الطيب إسكاتًا، وألقى عليه وعلى زملائه درسًا بليغًا، ثم جاء مكاتب «الديبا»، فكذَّب هذا تكذيبًا قاطعًا، وأكَّد أن وزير فرنسا المفوض قد ألقى على الوزارة المصرية درسًا في الذوق، وأن الرجل الطيب قد سمع الدرس ووعاه، ولم يرد عليه كما قيل.
وهناك دروس أخرى تَمَس سياستنا الداخلية، وهي تُلْقَى في كل يوم، وقد كثر إلقاؤها بنوع خاص منذ كان العيد، والناس يختلفون فيمَنْ يلقيها، ومَنْ يتلقاها. فقد أُلْقِيَ درس في المنصورة من غير شك، وقوم يقولون: إن رئيس الوفد هو الذي ألقاه؛ فعَلَّم به الوزارة أنها أضعف من أن تقاوم شعور الشعب، وأن الشعب أقوى من أن يستكين للرجل الطيب بعد أن أبى أن يستكين لصدقي باشا. وتقول الوزارة: إن وزير الداخلية هو الذي ألقى هذا الدرس على الوفد والوفديين؛ فعلمهم أن الشعب قد انصرف عنهم كل الانصراف، وأعرض عنهم كل الإعراض، وأن الخير في أن يلتمسوا لهم شعبًا آخر في بلد آخر يلتمسون منه الصبر والتأييد؛ فقد قطعت بينهم وبين مصر الأسباب. وأُلْقِيَتْ دروس خطيرة أمس في القليوبية، وفي شبرا، وعند جسر سرياقوس، وفي القناطر الخيرية، والناس يختلفون فيمن ألقاها وفيمن تلقاها: فالوفد يزعم، ويزعم معه نفر قليل جدًّا من المصريين قد يبلغون خمسة أو ستة، أنه هو الذي ألقى هذه الدروس، وعَلَّم الوزارة أنها مفلسة حقًّا، لا تستطيع أن تعيش ولا أن تبقى إلا إذا خالفت الدستور، وخرجت على القانون وأهدرت الحريات، واستخدمت قوتها المادية العنيفة؛ وهذا هو الإفلاس كل الإفلاس. ووزير الداخلية يزعم ومعه الشعب والاتحاد والليبرتيه — ومعنى ذلك أن معه مصر كلها وصحف مصر كلها — أنه هو الذي ألقى الدرس؛ فعَلَّمَ الوفد أن أمره قد انتهى، وأن عهده قد انقضى، وأنه ما دام في مصر جند؛ فلن يكون فيها وفد.
ودروس أخرى قد ألقاها وزير الداخلية من غير شك بإجماع الناس كافة، ولكنه لم يلقها على المصريين، وإنما ألقاها على الأجانب، وعلى الأجانب الذين يقع الخلاف السياسي في بلادهم بنوع خاص. فوزير الداخلية قد عَلَّم الفرنسيين مثلًا أن مهارتهم في قمع المظاهرات محدودة جدًّا، عندهم نهر السين يجري في باريس وتقوم عليه الجسور، وهم مع ذلك لم يفكروا في أن يرفعوا جسرًا من هذه الجسور، أو يقيموا عليه صفوفًا من السيارات؛ ليقطعوا الصلة بين أهل الشاطئين. وليس من شك في أن الفرنسيين المقيمين في مصر قد كتبوا تقاريرهم أمس، وأبرقوا بها إلى باريس؛ ليستفيد منها وزير الداخلية هناك في منع هذه المظاهرات التي لا تنقطع في مدينة النور.
ولا شك في أن برقيات الأهرام ستنبئنا غدًا أو بعد غدٍ، بأن الباريسيين قد رأوا جسورهم مرفوعة أو مسدودة لأول مرة منذ عهد بعيد. ولعل أبلغ هذه الدروس التي يلقيها المصريون على أنفسهم وعلى الناس في العالم كله منذ أيام، هذا الدرس الذي ألقاه وزير التقاليد في شأن مشروع القرش؛ فطلابنا ليسوا شيئًا إلى جانب الطلاب الأجانب في الاشتغال بالسياسة، والطلاب الملكيون في فرنسا يؤرقون ليل وزير المعارف هناك، ولا تذكر طلاب الجامعات في النمسا وألمانيا وإسبانيا؛ فهم قد تجاوزوا في الاشتغال بالسياسة كلَّ حدٍّ، ولم يفتح الله على وزراء المعارف في تلك البلاد بمثل ما فتح به على وزير التقاليد وصاحب كتاب البيع من فصل الطلاب من الجامعات والمدارس. وليس من شك في أن قرار وزير التقاليد قد طُيِّرَ إليهم أمس بالبرق، وليس من شك في أنهم سيقلدون صاحب التقاليد، وأكبر الظن أنه سيصبح عضوًا في المجامع العلمية الأوروبية كلها مكافأة له على هذا الاختراع البديع.
فأما إقفال نادي الجامعة فدرس لا يشبهه درس، وستعجز أوروبا عن مكافأته، ولكنها لن تعجز عن استغلاله؛ فستُقْفَل أندية الجامعات في أوروبا منذ اليوم، وسيعود الطلاب إلى الصواب وسيعلمون كيف يسيطر الوزراء على قلوب الشباب وعقولهم.
أرأيت أن مصر هي مركز الحياة الجِدية في الأرض ومبعث النور المضيء للعالم كله؟! ولكن المصريين قوم لا يعجبهم ولا الصوم في رجب، فهم ما زالوا يسيئون الظن بأنفسهم، ويطلبون المزيد من الرقي، ولا يصدقون أنهم أساتذة العالم في جميع فروع الحياة.
Tag: الوفد
-
دروس
-
عدلي
عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.
Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.
عدلي…
يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟
طه حسين
الرسالة – 1/11/1933 -
دائرة
دائرة حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣ -
كلام
كلام. [1] لن تتغير السياسة الإنجليزية في مصر برغم هذا النقل الذي فوجئ به المندوب السامي القديم على غير انتظار، أو الذي طُبخ له طبخًا، وأنضج له إنضاجًا، لا منذ أسابيع، بل منذ شهور. لن يكون لهذا النقل أثر في تغيير السياسة المصرية الإنجليزية. على ذلك أجمعت الصحف الإنجليزية إجماعًا مريبًا، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه إجماع مقصود، متكلف، قد صدر الوحي به والدعوة إليه.
وسواء أصدق هذا الإجماع أم لم يصدق، فإن في حديث بعض الصحف الإنجليزية ما يدل على أنه إجماع مزيف، ليس أقل تزييفًا من الحياد الذي أعلنه الإنجليز، وكرروا أنهم سيلزمونه ولا يعدونه. فهذه «الديلي تلغراف» — وما أكثر أعاجيب «الديلي تلغراف» في هذه الأيام الأخيرة — تتحدث أمس عن عودة السير برسي لورين ليقيم في مصر أسابيع قبل أن يذهب إلى أنقرة، فتزعم أن إقامته القصيرة في القاهرة ستكون عظيمة النفع إذ غُيِّرت الوزارة المصرية، لأن تغييرها أمر لا بد منه بسبب هذه العلة المقيمة التي لن تسمح لرئيس الوزراء بأن يمضي في تصريف الأمور. فقد نحب أن نعلم فيم تدخل المندوب السامي الجديد في شئون الوزارة المصرية ما دام الإنجليز قد أعلنوا حيادهم، وما داموا مصممين على لزوم هذا الحياد، مصرين على ألا يعنوا من شئون مصر إلا بما يتصل بالتحفظات المعروفة. وحتى كان مرض «صدقي باشا» واضطراره إلى الاستقالة، واضطرار مصر إلى أن تختار مكانه رئيسًا آخر للوزارة، متى كان هذا كله أو بعضه من التحفظات التي قصر الإنجليز عنايتهم عليها منذ أعلنوا حيادهم البديع؟
إن الذي يعلمه الناس جميعًا، ويسرف في تأكيده أنصار الوزارة، ونتمنى نحن مخلصين أن يتحقق، هو أن إقالة الوزراء وتعيينهم وإبقاءهم في مناصبهم ليس من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها. ولكن الصحف الإنجليزية لا ترى هذا الرأي لأن الإنجليز لا يرون هذا الرأي، أو هم يرونه في الجهر ويأبونه في السر، فيعلنون إلى الناس أنهم على الحياد، ويأبون في الوقت نفسه إلا أن يدخلوا، أو يشرفوا على الأقل من قريب على شئون مصر حين يعتل وزير فيستقيل، وتختار مصر مكانه وزيرًا آخر.
إجماع [2] الإنجليز إذن على أن تغيير المندوب السامي لن يستتبع تغييرًا في السياسة الإنجليزية، كلام لا يدل على شيء كإجماع الإنجليز منذ أعوام على أنهم قد نفضوا أيديهم من شئون مصر الداخلية، ووقفوا منها موقف الحياد. وأظرف من هذا الكلام الذي لا يدل على شيء كلام آخر لـ «الديلي تلغراف» نفسها في هذا الفصل نفسه. فقد زعم مكتب هذه الصحيفة أن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي دليل واضح على أن الحكومة البريطانية لا تريد تغيير سياستها، وعلى أن المفاوضة ستظل مرجأة مؤجلة، ولكنه دليل واضح كذلك على أن الحكومة البريطانية ستحتفظ بهذا الموقف الحازم المعتدل المشوب بالعطف الذي لا يسمح للخارجين على النظام بالقيام في سبيل التقدم المطرد المنظم يعترضون تقدم مصر.
والذين حالت إنجلترا وستحول بينهم وبين إفساد النظام وتأخير الرقي المصري المطرد هم الأمة المصرية، لا أقل ولا أكثر. هم هذه الأمة التي قاومتها إنجلترا ومندوبها السامي مرة ومرة، حتى إذا خُيِّل إلى إنجلترا ومندوبها السامي أن هذه المقاومة قد أَلانت من قناتها، وفلت من حدها، تقدمت إليها إنجلترا وتقدم إليها المندوب السامي بغصن الزيتون وراية السلم يبتغيان خداعها عن حقها، فإذا لم يظفرا عادا إلى المقاومة العنيفة وقتًا يقصر أو يطول، وما يزالان كذلك حتى تقوم أوضح الأدلة — إن لم تكن قد قامت الآن — على أنهما يبغيان أمرًا لا سبيل إليه.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم إنجلترا هم الأمة التي قاومتها بـ «اللنبي» حتى إذ أعيتها المقاومة سالمتها بـ «جورج لويد»، حتى إذا أيأستها المسالمة ولم تحقق لها ما كانت تريد، قاومتها بـ «جورج لويد» نفسه، حتى إذا لم تظفر من المقاومة بشيء عزلت «جورج لويد» وأرسلت «برسي لورين» يحمل العافية والسلم، ويتقدم بالصلح والمودة، وهمت أن تستفيد من هذا كله، فلما عرفت أن السلم لا يخدع مصر كما أن الحرب لا تخيفها حوَّلت «برسي لورين» من سلم إلى حرب، ومن لين إلى عنف، وأقامته على حرب هذه الأمة ثلاثة أعوام كاملة، ثم استيأست من الحرب أو ملتها، وأشفقت من عواقبها، فهي تريد الآن أن تعود إلى طريق المسالمة لتسلكها من جديد.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم الحكومة الإنجليزية ولا تريد أن تشجعهم على إفساد النظام وتأخير الرقي هم الذين نهضوا بالحكم مرة ومرة، فلم يفسد في أيامهم نظام، ولم يتأخر في أيامهم رقي، ولم يذق الناس في أيامهم جوعًا ولا حرمانًا، ولم تُخَضَّب أرض مصر في أيامهم بدم المصريين، ولم يعتدِ بعض الناس في أيامهم على بعض كما يعتدون الآن، ولم يُصرَع الناس في أيامهم جهرة على الطريق العام، ولم تفسد أداة الحكم في أيامهم كما فسدت الآن، ولم تصبح مرافق البلاد ومصالحها كما هي الآن مظاهر ليس وراءها شيء، وصورًا ليس وراءها حقيقة، وفنونًا للإعلان ونشر الدعوة.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين [3] يقاومهم الإنجليز لأنهم يؤخرون الرقي المصري المطرد لم يفسدوا نظامًا، وإنما أصلحوه، ولم يؤخروا رقيًّا، وإنما قدموه، لكنهم على ذلك، أو قل لذلك، ملومون مبغضون، لأن إنجلترا — فيما يظهر — لا تريد لمصر نظامًا صحيحًا، ولا رقيًّا صحيحًا. وإنما تريد هذا النظام الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يبسط يدها ويد الأجانب على كل شيء في الجهر حينًا، وفي السر أحيانًا. وتريد هذا الرقي الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يجعل استقلال مصر ألفاظًا لا معاني لها، ويمسك مصر في نوع من القصور تشتد معه حاجتها إلى الموظفين من الإنجليز والأجانب، ويضطر مصر إلى إحدى اثنتين: فإما أن تريد الإصلاح فتلجأ إليهم وإلى الأجانب، وإما أن تستقل بأمورها فتفسدها وتفتح لهم باب التدخل والاحتجاج. وهؤلاء الخارجون على النظام ملومون مذنبون مسرفون في الإثم، لأنهم لم يقروا خزان جبل الأولياء، ولم يقطعوا على أنفسهم عهدًا بتغذية الحكم الإنجليزي في السودان على حساب مصر، ولم يأخذوا في التمهيد لخزان تانا، ولم يصانعوا الشركات الإنجليزية والأجنبية، ولم ييسروا لها السبل، ولم يفتحوا عليها أبواب الأمل، وهم لهذا كله خارجون على النظام، وهم لهذا كله مؤخرون للرقي.
على أن الأمر لا يعدو — كما قلنا — أن يكون كلامًا لا يدل على شيء، فإن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي لا يدل بحال من الأحوال على أن الإنجليز يميلون إلى تأجيل المفاوضة أو إرجائها، فهم قد اختاروا السير برسي لورين من رجال السلك السياسي، لا ليؤخروا المفاوضة، بل ليعجلوها، ولا ليرجئوا المعاهدة، بل ليسبقوا إليها. فلما أعياهم ذلك وآثروا مقاومة الشعب على إرضائه، وعلموا أنهم لن يظفروا بمفاوضة منتجة، ولا بمعاهدة مستقرة ما داموا يغاضبون الشعب ويؤيدون حكمه على غير ما يهوى، أجلوا المفاوضة كارهين، وأرجؤوا المعاهدة راغمين. فاختيار المندوب السامي بين رجال السلك السياسي أو بين غيرهم من الناس لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئًا. إنما هو كلام يقوله مكتب «الديلي تلغراف» السياسي، لأنه يريد أن يقول شيئًا مهما يكن، لا لأنه يريد أن يصور الحق كما ينبغي أن يكون.
ولم يمضِ أسبوع واحد على هذا الفصل البديع الذي أكدت فيه هذه الصحيفة نفسها أن السير برسي لورين مقيم في مصر، غير مصروف عنها ولا منقول منها، ولم يكد الناس يبدءون في قراءة هذا الفصل حتى أذاعت فيهم وزارة الخارجية أن السير برسي لورين قد نُقل من مصر.
فخليق بالمصريين ألا يحفلوا بما تكتبه «الديلي تلغراف» [4] أو غيرها من الصحف الإنجليزية أكثر مما ينبغي، فقد ظهر أن العبث والاستهانة بالحق، والميل إلى تلهية القراء، قد أصابت كل شيء، حتى الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت فيما مضى من الزمان أشد إيثارًا للجد، واحتياطًا في القول، ووزنًا لما تذيع من الأنباء وما تعلق به عليه من التفسير، فأصبحت الآن كغيرها من الصحف تثبت اليوم وتنفي غدًا، وتؤكد اليوم وتشك غدًا. وإذ لم يكن بد من أن يصور المصريون لأنفسهم موقف الإنجليز منهم الآن، فلعل أصدق تصوير لهذا الموقف أن يقال إن الإنجليز حائرون، يعلمون حق العلم أنه لا أمل في توثيق الصلة بينهم وبين مصر إلا إذا لجؤوا إلى مصر نفسها. ويخاف فريقٌ منهم مصرَ هذه؛ لأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على الاتفاق الشريف. وتضطرب سياسة الإنجليز بين هذا العلم بالحق، وهذا الخوف من الحق، وهذا الإيثار بالمنافع العاجلة الضئيلة. ولولا ذلك لما علّقوا مندوبهم أشهرًا ثم نقلوه، ثم كلفوه العودة إلى مصر ليقيم فيها أسابيع.
كل هذا دليل على حيرة في لندن، تشبهها حيرة أصدقاء الإنجليز في مصر. فأما الذين لا يعرفون الحيرة ولا يخافونها ولا يشفقون من الاضطراب ولا من التخبط، وإنما يثبتون في موقفهم أو يمضون أمامهم في طريق مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، فهم هؤلاء الخارجون على النظام، الذين يقاومهم الإنجليز، ولا بد من أن يعودوا إليهم سواء أرضوا ذلك أم كانوا له كارهين.
[1] كوكب الشرق في ٢٢-٨-١٩٣٣. [2] ظلت سياسة الإنجليز في مصر مدة سنة تقريبًا لم تتغير ولم يبدُ أنها ستتغير. فاستقالة إسماعيل صدقي باشا كانت لخلاف بينه وبين الملك فؤاد حول تدخل القصر في توجيه الوزارة عن طريق ناظر الخاصة الملكية زكي الإبراشي باشا. فوزارة عبد الفتاح يحيى باشا امتداد للنظام الصدقي، فقد ظل مجلسا البرلمان قائمين، وظل دستور سنة ١٩٣٠ معمولًا به. [3] المراد حكومة الوفد. [4] كانت «الديلي تلغراف» تُعَدّ لسان حال حزب المحافظين في ذلك الوقت. -
سؤال
سؤال
لا[1] يكاد يلقيه أحد على أحد، لأن جوابه مرسوم في القلوب، ماثل أمام العيون، يحسه الناس جميعًا، لا يختلفون فيه إلا أن يكونوا صحفيين تدفعهم الضرورات الصحفية إلى أن يكتبوا فصلًا من الفصول.
وهذا السؤال متصل بالمندوب السامي الذي أُقصي عن مصر منذ أيام: أنجح هذا المندوب في مهمته التي أقام لها في مصر أعوامًا؟ أم قضى الله عليه بالفشل والإخفاق؟ ألقِ هذا السؤال على من شئت من المصريين فيجيبك في غير تردد ولا اضطراب، إلا أن يكون صحفيًا تلزمه الضرورات أن يكتب فصلًا من الفصول، أو تضطره ظروفه السياسية الخاصة إلى أن يرى لنفسه رأيًا يؤمن به، وللناس رأيًا آخر يعيش منه. سيجيبك هذا المصري بأن المندوب السامي المنقول لم يظفر بقليل ولا كثير من النجاح.
فنجاح المندوب السامي في مصر يُنظر إليه فيما يظهر من وجهين اثنين لا ثالث لهما: أحدهما مصري، والآخر إنجليزي. فهو ينجح عند المصريين إذ استطاع أن يزيل ما بين مصر وإنجلترا من أسباب الخلاف والخصومة، أو يقرب ما بينهما من أمر هذا الخلاف وهذه الخصومة، فيقضي على ما يثور في نفوس المصريين من عواطف السخط على الإنجليز والتنكر لهم، وسوء الظن بهم، أو يخفف من هذه العواطف بما يثير في النفوس بسيرته من أن الإنجليز ليسوا من الاعتداء والطغيان بحيث كان الناس يظنون، وإنما هم أنصار العدل والداعون إليه، وحماة الإنصاف والحريصون عليه، وأصحاب السلم والصلات التي تقوم على المودة والاحترام، لا على القوة والبأس، ولا على البطش والعدوان.
هنالك قد لا يطمئن المصريون كل الاطمئنان إلى هذه الآمال، ولا يثقون بها كل الثقة، ولكنهم لا يجحدونها ولا يلحون في إنكارها والنفور منها. وهنالك تجري الأمور بين المصريين والإنجليز في طريق معتدلة مستقيمة خليقة أن تؤدي إلى الاتفاق الذي يعتمد على المودة والحب، وعلى التقدير والاحترام.
وهو ينجح عند الإنجليز بنفس هذه السيرة التي ينجح بها عند المصريين، لأنه يريحهم من بغض المصريين لهم، وسوء ظن المصريين بهم، ويمكنهم من أن يتموا ما أرادوا غير مرة من الانتهاء إلى الاتفاق الشريف بينهم وبين هذه البلاد.
وقد ينجح عند غلاة المستعمرين من الإنجليز إذ استطاع أن يقهر المصريين ويذلهم، ويمحو من أنفسهم عاطفة الكرامة والعزة، وينسيهم الاستقلال والسعي إليه، ويصرفهم إلى الطاعة المطلقة والخضوع في غير مقاومة ولا محاولة للمقاومة. هنالك يأمن الإنجليز أمر البلاد، ويحكمون المصريين بالقهر، لا بالحب، ولكنهم يأمنونه على كل حال. وأهم ما يحرص عليه الإنجليز إنما هو أن يأمنوا أمر المصريين ويستريحوا منهم، ويفرغوا لغيرهم من الشعوب. فسل من شئت من المصريين بعد ذلك: أي لون من ألوان النجاح وُفِّق إليه المندوب السامي القديم في مصر؟ أتراه قد قرّب الأمر بين المصريين والإنجليز، أو خفف ما بينهم من خلاف وخصومة، أو محا ما في النفوس من السخط والبغض، ومن الريبة وسوء الظن؟ أو جعل الإنجليزي إذا اتصل بالمصريين وتحدث إليهم يشعر شعورًا واضحًا قويًا بأنه يتحدث إلى قوم أصدقاء يحبونه ويكلفون به؟ أو يتصل بقوم لا يحبونه ولكنهم لا يبغضونه، لا يأمنون إليه ولكنهم لا يخافون منه، لا يثقون به ولكنهم لا يرتابون فيه؟
نظن أن الجواب على مثل هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير، فلم يبلغ سوء ظن المصريين بالإنجليز في يوم من الأيام ما بلغه الآن، لا نستثنى من ذلك إلا أيام الثورة حين كانت الدماء تُسفك والنفوس تُزهق بأيدي الإنجليز. وإذن فلم يستطع المندوب السامي أن يقرب بين المصريين وبين مواطنيه، وإنما استطاع أن يباعد بين مصر وإنجلترا، فيمعن في هذه المباعدة وينتهي بها إلى أقصاها. وهو من هذه الناحية لم ينجح عند المصريين، وهو من هذه الناحية لا يستطيع أن يقول إنه يشعر بأسف المصريين لفراقه، أو حزنهم على أن تنقطع بينه وبينهم الأسباب. ولعلمنا على العكس من ذلك يستطيع أن يلاحظ أن المصريين لم يقفوا من نقله موقف المحايد، وإنما وقفوا منه موقف من يرضى عن هذا النقل ويبتهج به، لأنهم يحملونه تبعات ما أصابهم من هذه الآلام الثقال التي ألحّت عليهم في هذه الأعوام الثلاثة.
وإذا كان المندوب السامي لم ينجح عند المصريين من هذه الناحية، فهو لم ينجح عند الإنجليز من هذه الناحية أيضًا. فالإنجليز لا يستطيعون أن يقولوا اليوم إنهم يشعرون بحب المصريين لهم أو ميل المصريين إليهم، ولعلهم لم يستطيعوا أن يروا نفور المصريين منهم واضحًا عنيفًا على هدوئه الظاهر كما يرونه الآن، لا نستثنى من ذلك أيضًا إلا أيام الثورة.
أخفق المندوب السامي إذن في التقريب بين مصر وإنجلترا، فلم يرضَ أصحاب هذا التقريب هنا، ولم يرضهم هناك. وهو كذلك قد أخفق عند المستعمرين الذين يغلون في بسط السلطان الإنجليزي، فهو لم يصل إلى شيء مما يحرص عليه هؤلاء الغلاة. لم يُخفِ المصريين من الإنجليز، وآية ذلك أن المصريين ما زالوا اليوم في موقفهم الذي كانوا فيه منذ أربعة أعوام، لم يتأخروا عنه قيد شعرة، وأكبر الظن أنهم تقدموا عنه كثيرًا. ولم يُخضع المصريين لسلطان الإنجليز، ولم يصرف المصريين عن الاستقلال ولا عن السعي إليه، ولم يقوِّ النفوذ المعنوي للإنجليز، ولم يُقنع أحدًا في الأرض بأن السلطان الإنجليزي قد تغلب على ما كان يعترضه من المصاعب في وادي النيل، حتى أصبح من اليسير بعد زمن طويل أو قصير أن تصبح مصر مستعمرة من مستعمرات التاج.
وإخفاق المندوب السامي عند المصريين، وإخفاقه عند أنصار الاتفاق وعند غلاة المستعمرين، هو الذي جعل نقله من مصر أمرًا محتومًا، وهو الذي اضطره إلى هذا الموقف الغريب الشاذ الذي لم يقفه مندوب سامٍ قبله، فألزمَه أن يسافر إلى إنجلترا في مارس ويبقى فيها معلقًا، لا هو بالثابت ولا هو بالمنقول، جزءًا من الشتاء وفصل الربيع كله وجزءًا غير قصير من الصيف، تختلف عليه عواطف الأمن والخوف، ويختلف عليه المرض والشفاء، وتختلف به الظنون وتُذاع حوله الأنباء المتناقضة: أَيَعود أم لا يعود؟ أَيُنقل أم يُعزل؟ والمصريون يرون هذا كله، ويردون هذا كله إلى مصدره الصحيح، وهو أن المندوب السامي قد أخفق، وأن مركزه في مصر قد أصبح مستحيلاً، وأن مركزه في إنجلترا نفسها قد أصبح سخيفًا، وأن الحكومة الإنجليزية لا تبرأ من الحيرة، لأنها لا تريد أن تُظهر رأيها في إخفاق مندوبها السامي فيطمع فيها المصريون، ولا أن ترده إلى عمله فيفسد عليها في مصر كل شيء.
وأنت تستطيع أن تثق بأن شيئًا من الأشياء لم يُسئ إلى موقف الإنجليز في مصر وهيبتهم في الشرق بمقدار ما أساء إليها تعليق المندوب السامي بين الأمل والرجاء من مارس إلى أغسطس. ثم لم يكن بدٌّ آخر الأمر من أن تتخذ الحكومة الإنجليزية قرارًا حاسمًا، فقد أخذ الصيف ينقضي، وأخذت الأنباء تصل إليها بأن مصر لم تشهد في يوم من الأيام منذ ألغيت الحماية عصرًا ضعفت فيه الوزارة، وضعفت فيه هيبة السلطان في نفوس الناس، وانتشر فيه الفساد في الحياة المادية والاجتماعية والخلقية والسياسية كهذا العصر.
لم يبقَ بدٌّ إذن من أن تعترف الحكومة الإنجليزية أمام الناس بما كانت تعترف به أمام نفسها منذ زمن بعيد، بأن مندوبها السامي في مصر قد أخفق، وأن عودته إلى مصر ليست شيئًا مرغوبًا فيه. وإلا فقد نحب أن نفهم فيمَ نُقل المندوب السامي إن كان قد نجح أو أصاب شيئًا من التوفيق؟ وما الذي يضطر الحكومة الإنجليزية إلى أن تقطع على مندوبها الموفق سبيل التوفيق إلى إرضاء المصريين إن كان قد وفق إلى إرضائهم؟ أو قهر المصريين إن كان قد وفق إلى هذا القهر والإذلال؟
زعموا أن المندوب السامي قد نجح، وهذا النجاح له صورتان مختلفتان: إحداهما يظهرها بعض الإنجليز، والأخرى يذيعها بعض المصريين. فأما الصورة الإنجليزية لهذا النجاح فهي هذه التي تراها في مقال لـ «الفايننشال تايمس» من أنه قد رفع مكانة المندوب السامي ومهابته في نفس الحكومة المصرية بعد أن كانت هذه المكانة وهذه المهابة قد تعرضتا من قبل لخطر شديد. ونحن لا نشك في أن مكانة المندوب السامي قد ارتفعت وغلت في الارتفاع، وامتازت وأسرفت في الامتياز في نفس الوزارة المصرية القائمة. وآية ذلك أن الإنجليز لم يريدوا من هذه الوزارة شيئًا إلا ظفروا به ووفقوا إليه.
ولكن المهم هو مكانة المندوب السامي ومكانة الوزارة، اللتان ارتفعتا في نفس هذه الوزارة، ولم ترتفعا في نفس الشعب المصري، وإنما تعرضتا لهذا الخطر الذي اضطر الإنجليز إلى أن ينقلوا مندوبهم، والذي سيضطر الوزارة المصرية التي كانت ترفعه وتميزه إلى أن تتخلى عن الحكم غدًا أو بعد غد، لأنها لم تبقَ قادرة عليه. ولعل من أهم الأسباب التي تضطرها في هذه الأيام المقابلة إلى الاستقالة أنها قد أسرفت في إكبار مكانة المندوب السامي والاستماع له حتى تجاوزت مصالح المصريين وعرضتها للفساد والاضطراب.
أما الصورة الأخرى التي يذيعها بعض المصريين، فهي أن المندوب السامي قد نجح في إحداث الفرقة في الكتلة الوطنية المصرية، وليست هذه الصورة أقل إثارة للابتسام من تلك. فلو أن المندوب السامي قد فرّق المصريين حقًا لما نقله الإنجليز، لأن التفريق الصحيح للمصريين هو الذي تكون فيه في مصر هيئة قوية حقًا، تستطيع أن تقف على قدميها، وأن تعتمد على نفسها، وأن تتقدم إلى الإنجليز لتنفذ لهم ما يريدون، مطمئنة إلى أن لها أنصارًا من المصريين أقوياء، يستطيعون أن يؤيدوها ويمكنوها من البقاء.
فنحب أن نعرف أين هذه الهيئة المؤتلفة التي تعتمد عليها الوزارة القائمة؟ وإذن فلم نُقل المندوب السامي؟ ألم يُنقل لأن اعتماده على هذه الهيئة لم يُغنِ شيئًا؟ أم هي هيئة أخرى همّت أن توجد وأن تأتلف فلم توفَّق، لا إلى الوجود ولا إلى الائتلاف، لأن أحدًا لم يستجب لها، ولم يستمع لدعائها. ولو قد وُجدت هذه الهيئة حقًا، ولو قد استجاب الناس لهذه الهيئة، لبقى المندوب ليستغلها كما استغل الهيئة التي تؤيد الوزارة القائمة.
يجب ألا يخدع الناس أنفسهم، فإن الإخفاق المطلق الذي أصاب المندوب السامي عند المصريين وعند الإنجليز جميعًا هو الذي قضى بنقله، وهو حين قضى بنقله قضى بشيء آخر ستظهر بوادره في المستقبل، وفي وقت قريب جدًا، وهو تغيير السياسة الإنجليزية التي أنفقت هذه الأعوام الثلاثة جادّةً كادّةً، باذلةً ما تستطيع من الجهود الظاهرة والخفية، ثم ظهر في وضوحٍ وجلاءٍ أنها كانت عبثًا من العبث، ومحاولةً ضائعةً لم تُنتج شيئًا.
[1] كوكب الشرق في ١٨-٨-١٩٣٣. -
أمس
أمس
كان يومًا مشهودًا من غير شك، ظهرت فيه عواطف الشعب قوية إلى أقصى غايات القوة، حزينة إلى أقصى غايات الحزن، جلية إلى أبعد حدود الجلاء.
وكان يومًا مشهودًا من غير شك، لم تستطع الظروف السياسية المصطنعة، ولا الأوضاع السياسية المتكلفة أن تطبعه بهذا الطابع الفاتر الذي يخيل إلى الناس أن الشعب قد لهى عن نفسه وعن حقه وآثر الحياة التي تجري مطردة، يسيرة لا جهد فيها ولا عناء، ولا عناية فيها إلا بهذه الحاجات الزائلة التي تعرض للأفراد في كل يوم.
نعم كان يومًا مشهودًا من غير شك، اندفعت فيه عواطف الشعب الحزينة المؤمنة عنيفة لا تلوي على شيء. فأظهرت نفس الشعب كما كانت دائمًا صافية أشد الصفاء، واضحة أشد الوضوح، مؤمنة أشد الإيمان بالحق، واثقة أشد الثقة بالفوز، مقدرة أحسن التقدير لصدق الصادقين، وإخلاص المخلصين، وتضحية المضحين في سبيل الحق والواجب والوطنية.
وإني لأتحدث عن أمس فلا أتحدث ناقلًا، ولا راويًا، ولا مرددًا للأخبار والأنباء، إنما أتحدث حديث الشاهد الذي عاش مع الشعب هذه الساعات الخالدة، وأحس مع الشعب هذا الإحساس الرائع، وشارك الشعب في هذا الشعور العظيم. فلست إذا تحدثت واصفًا لما أحسسته أنا وتلقيته أنا من هذه النفس العظيمة، نفس الشعب، فليس إلى وصف هذا من سبيل الآن، إنما أريد أن أصور هذه الخواطر التي تبقى في النفس بعد هذه الاجتماعات الشعبية الرائعة التي تظهر فيها حياة الشعب قوية لا تغلب، عزيزة لا تذل، جريئة لا تخاف، مندفعة لا ترد، بريئة من كل تكلف أو تصنع أو رياء أو محاولة التكلف والتصنع والرياء.
ولعل أول هذه الخواطر وأقواها وأبقاها وأشدها إلحاحًا على النفس واستئثارًا بالقلب إنما هو الإعجاب بالروح الشعبي الحر في قوته وصراحته وبراءته من التكلف والالتواء والإيمان بأن هذا الروح القوي العظيم واحد، تختلف الظروف من حوله ولا يختلف، وتتباين أسبابه ودواعيه ومظاهره ولا يتباين، فهو هو حين يظهر لأن الشعب محزون لفقد عزيز عليه أو ضياع حق من حقوقه. وهو هو حين يظهر لأن الشعب مبتهج بمقدم عزيز عليه أو بكسب حق من حقوقه، وهو هذه القوة التي تمثل إكبار الشعب لنفسه وإيمان الشعب بواجبه وإباء الشعب لكل ضيم، وإنكار الشعب لكل اعتداء.
انظر في أي مظهر شئت من مظاهر الروح الشعبي حين يودع راحلًا عظيمًا، أو يستقبل قادمًا كبيرًا، أو يحتج لأن شرًا أريد به، أو يبتهج لأن خيرًا سيق إليه فستجد هذه المعاني كلها ممثلة في هذا الروح أصدق تمثيل وأقواه. ولعل الذين يدرسون الاجتماع ويحققون أسراره، ويحاولون أن يتبينوا خصائص الحياة الشعبية يجدون في هذا كله مذاهب للبحث والتحليل، ووجوهًا للدرس والتعليل، ولكني لا أريد إلى شيء من هذا الآن، ولا أنكر في شيء من هذا الآن، إنما أريد أن ألاحظ ولست أشك في أن كثيرًا من المفكرين الذين شهدوا أمس يلاحظون أن من العسير جدًا على الذين يتولون قيادة الشعب ويشرفون على تنظيم جهاده أن ييأسوا أو يقنطوا أو يجد الضعف إلى نفوسهم سبيلًا، وهم يرون هذا الروح ويحسونه ويحيون بهذه النار المحرقة التي يبعثها فيهم قوية مشرقة أشد قوة وإشراقًا من أن تؤثر فيها الأحداث والخطوب. وخاطر آخر حاولت أن أرده عن نفسي فلم أوفق إلى رده، ولم أستطع أن أخلص منه، وهو هذا الذي تثيره المقارنة اليسيرة بين ما أبرق به رئيس الوزراء إلى الديلي تلغراف منذ يومين، وما أعلنه الشعب إلى العالم كله أمس. فالتناقض بين هذين الأمرين واضح وضوحًا شنيعًا حقًا.
رئيس الوزراء يعلن إلى الديلي تلغراف في هدوء واطمئنان، وفي جرأة وثقة أن الأمة مجمعة على الإنكار لحكم الوفد والنفور من العودة إليه، لأنه سبيل الفوضى. والشعب يعلن أمس إلى العالم كله في قوة وحزم، وفي شجاعة وثبات، وفي يقين وإيمان أنه لا يحب إلا الوفد، ولا يريد إلا الوفد، ولا يرضى إلا حكم الوفد.
ومن المحقق أني لم أصدق الشعب أمس، وإنما صدقت رئيس الوزراء، وما زلت أصدقه وسأصدقه دائمًا حتى بعد أن يعود الوفد إلى الحكم: لأني واثق بأن رئيس الوزراء معصوم من الخطأ، مبرأ من أن يقول غير الحق أو ينطق بغير الصدق، أو يصور غير الواقع الذي لا شك فيه. فرئيس الوزراء إذًا كان مصيبًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه ولا تريد إلا الوفد وحكمه. وأكبر الظن أن الشرطة قد رفقت أمس بهذه الألوف المؤلفة ورقت لها وأشفقت عليها من إصرارها على الخطأ وإمعانها في الكذب فسلطت عليها مضخات الحريق لتطفئ هذه النار الكاذبة التي كانت تتأجج في القلوب، ولترد هذه الجماعات الجامحة المخطئة إلى الاعتدال والصواب. وأكبر الظن أن هذه الألوف المؤلفة قد انتفعت بهذا الدرس واستفادت من سبل هذا النصح البارد فآمنت كما أؤمن أنا بأن رئيس الوزراء كان مصيبًا موفقًا حين أنبأ الديلي تلغراف بأن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه وتصريفه للأمور.
وخاطر ثالث لا شك في أنه ألح على نفوس الناس جميعًا أمس وهو أن تعاقب الليل والنهار ومضي الشهور إثر الشهور، والعام إثر العام، واختلاف الحوادث وتتابع الخطوب لم تغير من نفوس الناس شيئًا ولم تسلط على عزائم الناس وهنًا، ولم تحدث بين الناس وبين التردد في المطالبة بالحق، والشك في أن المستقبل للشعب سببًا من الأسباب. وكان ناس يظنون أن قرب العهد وحده هو الذي بعث الشعب إلى موقفه العظيم من موت ويصا رحمه الله.
فقد مضى على موت ويصا عام وتبعه عام آخر، وامتلأ هذان العامان بألوان الفتن والمحن. فلما مات سينوت وقف الناس من موته موقفهم من موت صاحبه، وأظهر الناس في توديعه ما أظهروه في توديع صاحبه وأقام الناس أسطع الأدلة وأنصع البراهين على أن حب الشعب المصري للحرية وحرصه عليها وإكباره لحمايتها ليس تكلفًا ولا تصنعًا ولا فنًا من فنون البدع، وإنما هو طبيعة لم يبق إلى تغييرها من سبيل مهما تنفق فيه القوى، ومهما تسخر له الجهود، ومهما يطل عمر الوزارات.
ولكن أعود فأؤكد أني مصدق لرئيس الوزراء، مقتنع بما قال من أن الأمة مجمعة على بغض الوفد وحكمه لأنه سبيل إلى الفوضى. وخاطر رابع قد خطر للناس جميعًا أمس من غير شك، ومن الحق على الناس جميعًا أن يقفوا عنده، وأن يطيلوا التفكير فيه، ومن الحق أن يقف عنده الأجانب عامة والإنجليز خاصة ويطيلوا التفكير فيه، فقد كان سينوت قبطيًا مسيحيًا، ومن الناس من يظن، ومن الناس من يقول إن فتنة المبشرين قد فرقت مصر أو همت بتفريقها، ومن الناس من يتخذ هذه الفرقة المتخيلة وسيلة إلى الكيد لمصر ولكن موت سينوت أظهر أنه قد وُفّق كل التوفيق فيما دعا إليه من إلغاء الفروق بين المصريين وإقامة الوحدة الوطنية هذا المقام العزيز.
فقد كان المصريون أمس يودعون فقيدهم العظيم، لا لأنه قبطي مسيحي، ولا لأنه مسلم، بل لأنه مصري فحسب. وقد كان المصريون يحتشدون أمس في الكنيسة القبطية ومن حولها ويشرفون عليها من أعلى الدور، وهم لا يذكرون إلا أن مصر قد فقدت زعيمًا من زعمائها، وأنها محزونة لفقده، وأنها ترافقه إلى حيث أراد الله أن يستقر جثمانه، وأنها تمر معه بالكنيسة القبطية وتدخل معه هذه الكنيسة وتقف معه عند هذه الكنيسة، لأن شعائر دينه تريد أن يدخل الكنيسة وتستنزل عليه فيها رحمة الله.
إذن فقد فازت الوحدة الوطنية فوزًا مبينًا، وكان راحل أمس مؤسس هذه الوحدة والداعي إليها والملح فيها. فهل يعتبر بهذا أولئك الذين يذكرون الفرقة بين المسلمين وغير المسلمين؟ وهل يفكر في ذلك أولئك الذين يتمنون هذه الفرقة فيعلموا أنهم يتمنون ما لا سبيل إليه، ويرجون ما لا يبلغه الرجاء. إن بين الناس من يخلقهم الله للنفع أحياء وأمواتًا، وكان سينوت من هؤلاء الناس، نفع أمته حيًا، ونفع أمته وسينفعها ميتًا. والله وحده قادر على أن يجزيه عن ذلك أحسن الجزاء.
كوكب الشرق ٢٥ – ٧ – ١٩٣٣ -
ناد
ناد
أراد صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاؤه، بعد أن انفصلوا من الوفد المصري، أن يخلوا لهم ناديًا يأوون إليه ويلتفون فيه، ويجتمعون فيه إلى من قد يرى رأيهم، ويذهب مذهبهم من الناس. وهذا حق لهم لا ينازعهم فيه منازع، ولا يحرمهم فيه أحد. وقد استمتعوا بهذا الحق فأنشأوا ناديهم، وافتتحوه أمس، ووسعهم — لحسن حظهم، ولحسن حظ الحرية السياسية — صدر الوزارة القائمة، على شدة ضيقه بالأندية السياسية الأخرى، وما يكون فيها من اجتماع وحديث.
وألقى صاحب السعادة حمد باشا الباسل في ناديه الجديد خطبة سياسية، ما كنا نحب أن نعرض لها، وما نحب أن نطيل القول فيها، لولا ملاحظات نحب أن نسجلها مسرعين. ولعل هذه الملاحظات تنتهي آخر الأمر إلى ملاحظة واحدة، وهي أن الخطيب وأصدقاءه يتعمدون الإعراض عن الحقائق الواقعة والانصراف عنها، ويخلقون لأنفسهم جوًا من الخيال غريبًا يعيشون فيه، ويحسبون أنهم يعيشون مع الناس. وهذا الجو الخيالي الخاص، الذي لا يعتمد على الحقيقة الواقعة في قليل ولا كثير، ليس من شأنه أن يسبغ على الذين يعيشون فيه الظفر بالفوز وتحقيق الآمال السياسية. فليست سياسة الشعوب خيالًا ولا وهمًا، وإنما هي أعمال قد تستعين بالخيال لتحقيق المطالب الوطنية.
وأوضح شيء على أن الخطيب وأصدقاءه قد خلقوا لأنفسهم جوًا من الخيال وعاشوا فيه، هو هذا الاسم الذي سموه لأنفسهم وأسبغوه على ناديهم. فهم يسمون أنفسهم «الوفد السعدي»، ويضيفون ناديهم إلى وفدهم السعدي هذا، وهم يعلمون حق العلم أن هذا الاسم لا يدل على شيء حين يطلقونه على أنفسهم، وحين يحلون به ناديهم. وليس الوفد اسمًا ولا لفظًا، وإنما الوفد قوة حقيقية قائمة يستطيع كل إنسان أن ينظر إليها، وأن يمتحنها، وأن يحقق فيها النظر، ويلح عليها بالامتحان. وهذه القوة لا تقوم على الخيال، ولا تعتمد على الوهم، وإنما تقوم على الناس الذين يكونونها ويجعلونها حقيقة واقعة ملموسة، تراها كل عين، وتلمسها كل يد، وتغص بها كل وزارة لا تريد أن تعمل لمصر، ولمصر وحدها.
هذه القوة مكونة من هؤلاء الأعضاء الذين يتألف منهم الوفد، ومن هؤلاء النواب والشيوخ الذين تتألف منهم الهيئة الوفدية، ومن هذه اللجان المنبثة في أقطار مصر والمنتشرة في أرجائها، ومن هذه الملايين التي تؤلف الكثرة العظمى لهذا الشعب الكريم.
هذه هي القوة التي تجعل الوفد وفدًا، والتي تبيح للوفد أن يسمى نفسه وفدًا، والتي تمكن الوفد من أن يتخذ لنفسه في السياسة خطة ينفذها، ومن أن يرى خطة أخرى لا تلائم رأيه ومبدئه فيصد عنها وينفر منها، لأنه يعلم حق العلم أنه مؤيد بهذه الملايين حين يأتي في السياسة ما يأتي من الأمر، وأنه مؤيد بهذه الملايين حين يدع من السياسة ما يدع من الأمر، وأنه معبر عن آمال هذه الملايين ومثلها العليا حين يسعى إلى الاستقلال ويجد في تحقيقه، وأنه ناطق بلسان هذه الملايين حين يقول في السياسة نعم، وحين يقول في السياسة لا.
وصاحب السعادة خطيب أمس وأصدقاءه يؤمنون الإيمان كله بأننا لا نغلو في ذلك ولا نسرف، وهم يؤمنون الإيمان كله بأنهم قد يقدمون غدًا على أمر من الأمور فلا يقدم معهم أحد، وبأنهم قد يحجمون غدًا عن أمر من الأمور فلا يحجم معهم أحد، وبأنهم قد يقولون نعم فتقول الأمة لا، وقد يقولون لا فتقول الأمة نعم. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟ وفيم رضاهم بالألفاظ، وهم يعلمون حق العلم أن الألفاظ كثيرًا ما تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد اللّٰه عنده فوفاه حسابه؟
هذا مظهر من مظاهر هذا الجو الخيالي الذي خلقه صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه، وأخذوا على أنفسهم الحياة فيه. ومظهر آخر ليس خيرًا من هذا المظهر، ولكنه مثله سراب ليس من ورائه شيء، وهو هذا البقاء على حب الوزارة القومية، وهذا التعلق بأسماء، والتشبث بأهداب، بعد أن أصبح تأليفها على الوجه الصحيح المنتج في هذه الظروف التي تحيط بمصر شيئًا لا أمل فيه ولا سبيل إليه.
إن الذين يذكرون الوزارة القومية جادين غير لاعبين، ناصحين للأمة غير مستدرجين لها إلى ما لا تحب، يعلمون حق العلم أن هذه الوزارة لن تكون قومية حقًّا إلا إذا قبلها الوفد وهذه الملايين التي تؤيده كل التأييد، وتثق به كل الثقة، وتطمئن إليه كل الاطمئنان. فإذا كانت الظروف السياسية الحاضرة تمنع الوفد من الاشتراك في هذه الوزارة، فمن العبث أن تسمى وزارة قومية، لأنها ستكون — كما قال بعض الوزراء السابقين — قومية بلا قوم، وشعبية بلا شعب. وسيكون حظها من هذا الاسم كحظ الخطيب وأصدقاءه من اسم الوفد، وكحظ ناديهم من إضافته إلى الوفد.
نعم، إذا أبى الوفد أن يشترك في هذه الوزارة إلا بعد أن تستفتى فيها الأمة فتفتِي بها، وبعد أن تعبر الأمة بالانتخابات الحرة المطلقة عن رغبتها فيها وحرصها عليها، فلن تكون هذه الوزارة التي تؤلف اليوم أو تؤلف غدًا دون اعتماد على إرادة الأمة وزارة قومية، ولكنها ستكون وزارة حزبية، تؤلفها هيئة واحدة، أو تؤلفها هيئتان، أو تؤلفها هيئات مهما تقل في نفسها، فلن تستطيع أن تزيد على أنها تمثل أعضاءها ومن يتصل بهم من الأفراد، وهي بعيدة كل البعد عن أن تمثل كثرة الأمة، أو أن تمثل من الأمة قلة لها خطر صحيح في الحياة الديمقراطية الدستورية الصحيحة. وإذن ففيم التعلل بالآمال، والتعلق بالخيال؟ وفيم إطلاق الأسماء في غير غناء؟
صاحب السعادة حمد باشا الباسل وأصدقاءه أحرار في أن يتعللوا بالأمل، ويتعلقوا بالخيال، ويسموا أنفسهم كيف شاءوا، ولكنهم يرون معنا فيما نظن أنهم يتجاوزون الحق، ويسرفون على أنفسهم حين يضيفون آراءهم إلى غيرهم، وحين يزعمون على غيرهم ما لم يفعلوا، ويقولون عليهم ما لم يقولوا. وقد زعم الخطيب أمس أن الوفد أقر بالإجماع منذ عام قبول وزارة تكون مهمتها العود إلى دستور عام ١٩٢٣، وإجراء انتخابات حرة، واستئناف المفاوضات للوصول إلى اتفاق عادل شريف ترضاه البلاد ممثلة في برلمانها المنتخب انتخابًا حرًّا.
والخطيب وأصدقاءه يعلمون حق العلم أن إجماع الوفد لم ينعقد في يوم من الأيام على كل هذا، وإنما اتفق الوفد على بعضه، واختلف في بعضه الآخر. ولولا هذا الاختلاف لما وضعت هذه الجملة: «على أن تجرى في شأن الوزارة بعد الانتخابات أحكام الدستور». فكيف تجرى أحكام الدستور بعد الانتخابات على وزارة تقيدت يوم تأليفها باستئناف المفاوضات؟ إن أحكام الدستور حين تجرى على وزارة بعد الانتخابات قد تضطرها إلى الاستقالة قبل أن يجتمع البرلمان، وقد تضطرها إلى الاستقالة بعد اجتماع البرلمان وقبل أن تبدأ في المفاوضات. فلو كان إجماع الوفد منعقدًا على كل ما قاله الخطيب لما وضع هذا الشرط، إنما وضع ليجعل هذه الوزارة وزارة انتقال لا غير، تعيد الدستور، وتصلح ما تستطيع من الأمور، وتجري الانتخابات الحرة، حتى إذا تمت الانتخابات وظهرت نتائجها، جرت أحكام الدستور، وردت أمور الأمة إلى الشيوخ والنواب الذين يمثلون الأمة.
هذا هو الحق الذي لا شك فيه، وهو الذي يعلمه الخطيب وأصدقاءه، وهو الذي تنطق به محاضر الوفد في جلساته التي عرض فيها لهذا الموضوع. وإذن فبِمَ يلبس الخطيب الأمر على الناس، ويضيف إلى غيره آراء لم يروها، ومذاهب لم يتورطوا فيها؟
وله ولأصدقائه أن يروا ما يشاءون، وأن يجدوا في تحقيق آرائهم، وأن يجربوا حظهم السياسي منفردين، وأن يمتحنوا ثقة الأمة لهم وتأييدها إياهم، ولكن ليس لهم أن يزعموا أن غيرهم يشاركهم في هذه التجربة أو يظاهرهم عليها. ولو كان الأمر كما يزعمون لما كانت فرقة، ولم يكن خلاف، ولما وقف الخطيب أمس يفتتح ناديه الجديد.
كل هذا يبين ما قلناه آنفًا من أن الخطيب وأصدقاءه يعرضون عن الحقائق الواقعة، ويخلقون لأنفسهم جوًّا من الخيال يعيشون فيه.
ويقول الخطيب: «إن الوفد إن قبل الحكم حين تدعوه الظروف إليه، فهو لم يؤلف للحكم، وإنما ألف لنضال، وإذن فمن حسن النضال أن لا يسعى الوفد إلى الحكم، وألا يلح في السعي إليه، وألا يظهر من سعيه وإلحاحه في السعي ما يطمع الإنجليز فيه ويغريهم به، ويمكنهم من إملاء الشروط عليه. إنما النضال الصحيح أن يحتفظ الوفد بالكرامة القومية والعزة القومية، وأن يعصم الروح الوطنية من الضعف، وجذوة المقاومة من الخمود، وأن يبين للإنجليز وللعالم كله في وضوح، وجلاء أنه فوق الخوف، وأنه فوق الإغراء، وأنه أعز وأقوى من أن تضعفه التجارب وتفسد عليه المحن أمره، وأنه أثبت على النضال من أن يبلغ منه الإنجليز بترغيب أو ترهيب، وأنه قد رسم لنفسه خطة فهو ماض في تحقيقها، لا ترده عنها قوة مهما تكن، ولا تلهيه عنها حيلة مهما تكن، حتى إذا أخفقت التجارب وفشلت المحاولات، وعرف الإنجليز أن أمر مصر يجب أن يكون لمصر، نزلوا هم عن شروط مصر، ولم يزلوها عند شروطهم وعلى أحكامهم».
كذلك يكون النضال. ونحن نعلم أنه طويل، ونحن نعلم أنه شاق، ونحن نعلم أنه محفوف بالأذى، ونحن نعلم أنه مملوء بالخطر، ولكننا على ذلك كله، ولذلك كله، نعلم أنه النضال الذي يليق بالرجال، والذي يمكن الأمة من أن تكون أمة حقًّا، ويرغم الإنجليز على أن يقدروا كرامتها، ويرعوا حرمتها، ويؤمنوا لها حقها كاملًا غير منقوص.
فليتعجل الحكم من لا يستطيع الصبر عن الحكم، وليصبر على الأذى، من يؤثر العزة والكرامة على الخوف من الأذى، وليذكر أولئك وهؤلاء أن من عمل صالحًا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وإن اللّٰه لا يضيع أجر العاملين.
كوكب الشرق (حديث المساء) في ٢٩ – ٤ – ١٩٣٣ -
أنباء
أنباء
يجب أن يعترف خصوم رئيس الوزراء وأصدقاؤه بأنه رجل جلد، طويل الجلد، صبور طويل الصبر، لا يعنيه يأس ولا أمل، ولا يؤثر في نفسه قنوط ولا رجاء. وإنما همه الحكم، والحكم وحده؛ قد أراده فظفر به، حتى إذا استقر فيه أقسم ليتعلقنّ به ما قدرت يده على أن تمسك الأزمة، وتقبض على الأعنة. فمهما تنحت عليه الدواعي إلى الاستقالة فلن يسمع لها، ومهما تنح عليه البواعث على الاعتزال فلن يحتفل بها!
وقد برّ بقسمه؛ فهو قائم في مكانه لا يبرح، يفسد كل شيء من حوله في مصر فلا يجفل، وينعكس عليه كل شيء في إنجلترا فلا يؤبه. وتأتيه النذر من كل مكان وكأن شيئًا لم يأته، وكأن نذيرًا لم يصل إليه! لم يكد يستقر في الحكم حتى حاول المفاوضات؛ قيل له حتى تمنحك الأمة ثقتها، وتنصبك معبرًا عنها، متحدثًا بلسانها.
واجتهد في أن يظفر بهذه الثقة فلم يجد إليها سبيلًا! فكانت قصة الانتخاب، وما أدراك ما قصة الانتخاب. حتى إذا تهيأت الأسباب واجتمع الشيوخ والنواب، سعى الرجل إلى المفاوضة، فأخذ الإنجليز يرجئونه من شهر إلى شهر، ومن عام إلى عام، حتى إذا أسرف في الإلحاح وأغرق في الإلحاف، أرجأوه إلى أجل غير مسمى، وهم يعتذرون بكثرة العمل عندهم حينًا، وبسوء الحال عندنا حينًا آخر. وهم يبينون له في كل حال، وهو يفهم عنهم وكأنه لا يفهم، أن ليس إلى المفاوضة معه من سبيل؛ لأنه لا يمثل مصر، ولا يستطيع أن يتحدث عنها، ولا يستطيع أن يلتزمها إذا التزم، ولا يستطيع أن يأخذها بتنفيذ ما يقبل من معاهدة، وإبرام ما يمضي من اتفاق. ولكن رئيس الوزراء ذكي ماهر، يفهم وكأنه لم يفهم، ويسمع وكأنه لم يسمع!
فالإنجليز يرفضون وهو يطلب ويستأنف الطلب، والإنجليز يأبون وهو يلح ويسرف في الإلحاح! وما يزالون في إبائهم، وما يزال في إلحاحه حتى تهِن قواه، وتنقطع به الأسباب. وإذا هو مريض لا يقدر على العمل، ولكنه على ذلك يقدر أن يطلب المفاوضات، ويجدّ في الطلب، ويصوغ اقتراحات يقدمها إلى المندوب السامي، ويسافر بها هذا المندوب إلى لندرة ليعرضها على رؤسائه في وزارة الخارجية.
ويلح المقربون إلى رئيس الوزراء عليه في أن يؤثر نفسه بالصحة والعافية، ويدع الحكم لمن يستطيع النهوض به، ولكن بين رئيس الوزراء وبين لندرة أسبابًا من الأمل تحمله على ألا يسمع لنصح الناصحين، وعلى أن يبقى في الحكم لعل اقتراحاته أن تُقبل، ولعله أن يمضي معاهدة مع الإنجليز، ولعله أن يخرج من الحكم مخرجًا حسنًا، ولعله أن يسجل في كتاب استقالته أنه أتم مهمته، فأحدث للبلاد نظامًا جديدًا، وعقد للبلاد اتفاقًا مع الإنجليز.
ولكن اقتراحاته تُرفض في لندرة، وتعلن وزارة الخارجية – كما يحدثنا مكاتب الأهرام صباح اليوم – أن نبأ المفاوضات مع صدقي باشا لا أصل له مطلقًا. ويفسر مكاتب الأهرام هذا الإعلان بأن وزارة الخارجية قد رفضت اقتراحات صدقي باشا في أدب وظرف، كما تعودت دائمًا!
ومن الحق على وزارة الخارجية لصديقها المريض أن ترفق به وتعطف عليه، فلا ترده في عنف، وإنما تأتي ما يريد، وتعلن أن لم تكن بينها وبينه مفاوضات ما. ومهما يكن من شيء فقد فشل رئيس الوزراء فيما كان يريد من مفاوضة الإنجليز للمرة السابعة أو الثامنة، أو العاشرة إن شئت! ولم يبق له أمل ما في أن يعيد الكرة ويستأنف الطلب، ويأمل في المستقبل القريب أو البعيد؛ لأن كل شيء حال بينه وبين الأمل.
فقد ضعف مركزه السياسي في مصر كما لم يضعف في هذه الأيام، وصحته – مع الأسف – لا تمكنه من أن يحاول تقوية مركزه واسترجاع قوته السياسية. ندّ عليه كل شيء، وأفلت من يده كل شيء، وأصبح بقاؤه في الحكم لغوًا من اللغو، وفنًا من فنون العبث. وأكبر الظن أنه إنما يبقى في الحكم حتى تتهيأ الأسباب للذين كانوا يؤيدونه أمس، لعلهم يجلون من يخلفه اليوم أو غدًا.
ومهما يقل أصدقاء رئيس الوزراء، ومهما تقل أبواقه، فلن يستطيع أحد أن يخدع المصريين عن أن بقاء صدقي باشا في الحكم الآن إنما هو تعلّة ليس غير. وقد تبقى هذه التعلة أيامًا، وقد تطول أسابيع، وقد تزول فجأة؛ ولكن نزول رئيس الوزراء عن الحكم في وقت قريب أمر لا بد منه ولا مندوحة عنه، لأنه النتيجة المحتومة الملائمة لطبيعة الأشياء في مصر وفي بلاد الإنجليز.
كل شيء مضطرب حول رئيس الوزراء في مصر. الشعب منصرف عنه منذ نهض بالحكم، ولكن انصراف الشعب عنه قد اشتد حتى انتهى إلى أقصاه. وآية ذلك أن وزارته تفزع من كل شيء، وتعبئ الجيش والشرطة استعدادًا لأيسر الأشياء وأقلها خطرًا. والإنجليز قد نفضوا أيديهم منه، وأكدوا أنهم لن يفاوضوه، وأكدوا مرة أخرى أنهم سيعدّون للمفاوضة، ولكن مع الوزارة التي تمثل مصر، وتعبر عن إرادتها، وتتحدث بلسانها، وتعاهد فتنفذ مصر ما عاهدت عليه.
وإذن فأمر الوزارة القائمة مفروغ منه، رغم ما ستقوله حاشية صدقي باشا غدًا وبعد غد، وإلى أن يتقدم رئيس الوزراء باستقالته إلى صاحب الجلالة الملك. وكل يوم من الأيام المقبلة خليق أن يُغلق فيه باب، ويُفتح فيه باب آخر، وأن تُطوى فيه صفحة، وتُنشر فيه صفحة أخرى. وسيودّع المصريون غدًا أو بعد غد وزارة أذاقتهم ألوان الألم وصروف المحن. وسيذكرون، وسينسون، ولكنهم على كل حال سيطوون صفحة أمس، وسينظرون في صفحة غد. سيودّعون عهدًا، ويستقبلون عهدًا آخر.
وإذا كان التذكير ينفع، فإن التحذير ليس أقل منه نفعًا.
وأكبر الظن أن هذا النبأ الذي أذاعته الأهرام صباح اليوم سيوقظ آمالًا نائمة، ويجدد نشاطًا قد فتر بعض الشيء. وستتهيأ الأحلام وتأخذ زينتها، وتتشكل بأشكال مختلفة أشد الاختلاف، لكنها مغرية أشد الإغراء على كل حال. وستلمّ هذه الأحلام ببعض البيوت، وستتراءى هذه الأحلام لبعض النفوس. وسيتهيأ قوم لوزارة وإن لم تسعَ إليهم بعد، وسيستعد قوم لحكم وإن لم يدعهم الحكم إليه بعد. وستكثر الأحاديث، وسيشتد الجدل.
فمن الحق أن نذكر المصريين، ومن الحق أن نحذرهم، ومن الحق على المصريين أن يحذروا. فمهما يكن ضيقهم بالوزارة القائمة شديدًا، ومهما يكن احتمالهم للوزارة القائمة ثقيلًا، فإن من الحق عليهم لأنفسهم ألا يتعجلوا زوال الشر ليقعوا في شر آخر قد يكون أشد منه نكرًا وأقبح منه أثرًا. وخير لهم أن تطول المحنة على ما هي فيه من ضعف ووهن واضطراب، من أن يخيل إليهم أنها زالت فإذا هي تتجدد، وأنها انجلت فإذا هي تستأنف نشاطها قويًا عنيفًا.
يجب أن يذكر المصريون ماذا ينكرون من وزارة صدقي باشا، ويجب أن يعرفوا ماذا يريدون حين يتمنون أن تستقيل هذه الوزارة. فهم ينكرون تغيير الوزارة القائمة للدستور، وهم يريدون أن يعود إليهم هذا الدستور. وهم ينكرون بطش الوزارة القائمة بالحرية، ولسنا نريد حرية الأفراد وحدها، وإنما نريد حرية الأمة كلها. نريد الحرية البرلمانية، نريد الحياة النيابية كلها. وهم يريدون أن تُرفع عن الحرية هذه الأغلال والقيود، وأن تعود حياتهم السياسية كما كانت يوم نهض رئيس الوزراء فألف وزارته.
يجب أن يذكر المصريون هذا كله، وألا يخدعهم عنه الأمل في زوال المحنة، وألا تلهيهم عنه الأحاديث والأماني. هذه الأهرام قد عادت تذيع تفكير الإنجليز في الوزارة القومية، وأخذت تتحدث عنها، وتعلن أنها لا تريد منذ الآن أن تدعو إليها، لأنها – مع إيمانها بأنها ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الآن – تكره تزيينها والترغيب فيها بعد أن دعت إلى ذلك فساءت بها الظنون. وهذا نوع من الدعوة إلى الوزارة القومية فيه شيء من المهارة واللباقة، وفيه شيء من الاحتياط والاستحياء.
ومن المحقق أن صحفًا أخرى ستذكر الوزارة القومية، وستدعو إليها، وستلح في ذكرها والدعوة إليها. ومن المحقق أن أحدًا لن يرفض هذه الوزارة القومية، ولكن بشرط أن تكون نتيجة لإرادة الأمة حرة طليقة، لا شرطًا يمليه الإنجليز لتغيير الموقف السياسي الذي نحن فيه.
لن يرفض أحد فكرة الوزارة القومية إذا استُفتيت فيها الأمة فأفتت بها، وإذا دُعيت إليها الأمة فأجابت إليها. فأما أن تُملَى هذه الوزارة القومية على الأمة إملاءً من ناحية من النواحي، أو نادٍ من الأندية، أو من حزب من الأحزاب، فلن يبتسم لها أحد، ولن يستجيب لها أحد، ولن يقبل عليها إلا الذين يفكرون فيها ويدعون إليها.
يجب أن يذكر المصريون أنهم ليسوا هم الذين أنشأوا هذه الأزمة السياسية القائمة، وإنما أنشأها غيرهم، فيجب على من أنشأها أن يحلها. وليس لها حل إلا أن تُرد الأمور إلى ما كانت عليه يوم نهض صدقي باشا بأعباء الحكم. هنالك، وهنالك فحسب، يمكن أن تُستشار مصر في الوزارة القومية، وأن يجري الأمر في هذه الوزارة القومية على حكم الدستور، لا على شيء آخر.
نظن أنه ليس في هذا الكلام لبس ولا غموض، ونعتقد اعتقادًا لا سبيل إلى الشك فيه أنه يصور تصويرًا صادقًا رأي كثرة المصريين الذين سيرد إليهم الأمر كله اليوم أو غدًا.
كوكب الشرق ٢٥ – ٤ – ١٩٣٣ -
مؤتمر
مؤتمر
يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.
كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.
وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.
وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.
أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!
فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.
وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!
وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!
وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.
وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.
كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!
وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟
وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟
تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.
فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!
وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.
وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟
كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣ -
درس
درس
رئيسُ وزرائنا أستاذ، تلاميذه الوزراء، يعلّمهم كيف يحكمون، وكيف يديرون أمور الشعب وفقًا لسياسته التي رسمها أو رُسمت له، وهو يراقب حكمهم وتدبيرهم؛ فمن أجاد منهم أبقاه، ومن قصّر منهم أقصاه.
ووزير داخليتنا أستاذ، تلاميذه المديرون والمحافظون وحكّام الأقاليم، يعلّمهم كيف يديرون أقاليمهم طبقًا للسياسة التي يُمليها عليه رئيس الوزراء أو يبلّغها إليه رئيس الوزراء؛ فهو يجمعهم إليه كلما سنحت فرصة للاجتماع، وهو يتصل بهم إذا لم يتح له أن يلقاهم، وهو إذا لقيهم مجتمعين أو اتصل بهم منفردين ألقى عليهم دروسًا، ووجّه إليهم أسئلة. فمن فهم الدروس وأحسن الجواب، وأظهر ذلك بالسيرة العملية المرضية في سياسة الأقاليم وحكمها، رقّاه. ومن لم يظهر منه سبق الفهم، ولا مهارة في الجواب، ولا نشاط في السيرة العملية، تركه حيث هو حتى يظهر تفوّقه.
ومن ظهر في فهمه التواء، وفي أجوبته انحراف، وفي سيرته اعوجاج عن السياسة المرسومة والخطة المعلومة، هبط به إلى إقليم دون إقليمه، أو انتزعه انتزاعًا من حكم الأقاليم.
وقد كان أمس يومًا من أيام الدرس، ويومًا من أيام الامتحان؛ فقد اجتمع المديرون إلى أستاذهم الجديد وزير الداخلية، فسمعوا منه، وتحدّثوا إليه، وتلقّوا أسئلة وأجابوا عليها. وليس من اليسير أن نتعرّف بالتفصيل موضوع الدروس والامتحان، وإن قالت الصحف أمس واليوم — كما تقول دائمًا — إن الأمن العام كان موضوع الحديث في هذا وذاك، ولكن من المرجّح، إن لم يكن من المحقّق، أن الدرس الذي أُلقي صباح السبت على المصريين جميعًا، وعلى وزراء العالم كله، ورجال الإدارة فيه، كان موضوع الحديث في درس أمس.
ولعلك تذكر أن هذا الدرس قد أُلقي في الهواء الطلق، ولم يكن محاضرة يكثر فيها الكلام، ولا مناظرة يتعقّد فيها الحوار، وإنما كان درسًا عمليًّا أشبه بالتمرينات التي يؤخذ بها الطلاب في فصول الدرس. وكان موضوعه معقّدًا بعض التعقيد.
زعيم أو زعيمان يزوران شعبًا يحبهما، والشعب يلقاهما بأروع مظاهر الحب لهما، والسخط على خصومهما. والحكومة تكره حبّ الشعب لزعمائه، وتشفق من سخط الشعب على سادته القاهرين له، وتريد أن تريح نفسها من مظاهر الحب للزعماء، والسخط على القاهرين؛ لأن هذه المظاهرة تكذّب ما شاع وذاع وملأ الأسماع، وطبق آفاق الدنيا، وتردّد في أجواء السماء، من أن الشعب لم يبقَ له إلا زعيم واحد يحبه ويفي له، ويفديه بالأمهات والآباء، وبالبنات والأبناء، وبما كان يملك أيام الرخاء، وبما لا يملك منذ ألمّ به الشقاء، وهذا الزعيم هو رئيس الوزراء. فكيف التخلّص من هذه المظاهرة؟ وكيف الوصول إلى إقصاء الزعيمين عن هذا الشعب الذي خُيّل إلى الحكومة أنه يحبّها ويؤازرها؟
فلما ظهر له زعيماه القديمان تبيّن أنه كان يعبث بالحكومة، أو أن الحكومة كانت تعبث بنفسها، وأن هذا الشعب ما زال وفيًّا على عهده لزعمائه، فهو بهم كَلِف، ولهم مستجيب.
هذه هي المشكلة التي كانت موضوعًا للتمرين يوم السبت. وأنت تعرف كيف حلّها وزير الداخلية! وكيف حلّت له خطفُ الرئيس وصاحبه. وقد وقع هذا الحل البديع — من غير شك — موقع الغرابة في نفوس الطلاب من المديرين وحكّام الأقاليم؛ فقد كانوا يعلمون أن الضرورات السياسية تبيح طائفة من المحظورات، يأباها الدستور، وينكرها القانون، ويتحرّج منها النظام. تبيح الضرب على أيدي الناس بالحق وبالباطل، وتبيح التحرّش بهم والتنمر لهم. تبيح إلقاءهم في السجون من غير تحقيق. تبيح إخضاعهم للعذاب بغير حساب. تبيح تسخير أموالهم لمعونة الأحزاب، وتسخير أشخاصهم للاحتفاء بالوزراء، والتوقيع بأسمائهم على ما يحبّون وما يكرهون.
كانوا يعلمون هذا، ويأتون منه ما تدعو إليه الضرورة أو تقتضيه المنفعة أو تمسّ إليه الحاجة، وربما تهالكوا عليه واستبقوا إليه ليبلغوا من رضى الوزير عنهم وعطفه عليهم، وإكباره لكفاياتهم، ما يريدون. وربما كانوا يعتقدون أن ليس بشيء من هذه المحظورات بأس؛ فهي مظهر من مظاهر القوة، ولون من ألوان السلطان، وقد كان مألوفًا في مصر قبل أن تأخذ مصر بالأساليب الحديثة في الإدارة والحكم. والرجوع إلى العهد القديم شيء مرغوب فيه من وقت إلى وقت؛ لأنه يجدّد النشاط ويردّ الشباب، ويعيد ذكرى الماضي، والإنسان مشغوف بالرجوع أحيانًا إلى الماضي، ولكنهم لم يكونوا يقدّرون في يوم من الأيام أن الخطف والاختلاس يصلحان لأن يكونا من أساليب الحكم.
فالخطف مظهر من مظاهر الضعف. والقوة أخصّ ما تحرص الحكومات على أن تمتاز به من المظاهر. وفي الخطف مساس ظاهر جدًّا بالأخلاق. والحكومات شديدة الحرص على أن تُظهر — ولو لخداع الناس — شيئًا من حماية الأخلاق ورعايتها. والخطف شيء تعدّه القوانين من الآثام الثقيلة جدًّا، وتشتدّ في معاقبة الخاطفين، ولعلها لا تفرّق بينهم وبين قُطّاع الطريق العام. فلم يكن يخطر للمديرين أن القاعدة المشهورة «الغاية تبيح الوسيلة» تكفي لإباحة الخطف على أنه أسلوب من أساليب الحكم والمحافظة على هيبة الحكومات.
فلما خطفت الحكومة المصرية زعيم الأمة المصرية وصاحبه، اضطربت نفوس المديرين، واختلطت آراؤهم — إلا فريق الممتازين منهم طبعًا — وأخذوا يسألون أنفسهم: ماذا نصنع منذ اليوم؟ أنخطف أم لا نخطف؟ أنسرق الناس أم لا نسرقهم؟ حتى كان درس أمس. وأكبر الظن أن الخطف شيء يعاقَب عليه الأفراد والجماعات، ولكنه يُباح للحكومات، والحكومات الدستورية خاصة.
ولا بد أن يكون هذا التفسير قد فُصّل تفصيلًا وافيًا؛ لأن ذكاء الطلاب متفاوت، فمنهم من تكفيه الإشارة، ومنهم من يحتاج إلى أبسط التعليل. والأستاذ الذي يبلغ من البراعة مبلغ وزير داخليتنا مضطرّ إلى أن يقيس درسه بأصحاب الذكاء المعتدل، لا بالمسرفين في الذكاء، ولا بالمسرفين في قلّة حظّهم منه!
فلا بدّ إذن من أنه قسّم لهم الحكومات إلى قسمين: أحدهما هذه الحكومات الضعيفة التي تواجه المصاعب من أمام لا من وراء، المتردّدة التي تلقى خصومها بالصراحة لا بالمداورة والكيد، الساذجة التي لا تفرض نفسها على الناس فرضًا، وإنما تُقيم فيهم ما أحبّوها. فإذا أحسّت منهم نفورًا تنحّت لهم عن مناصب الحكم. وهذا النوع من الحكومات قد بُليت به مصر في عصر من العصور، فساءت حالها، واضطربت أمورها، وأوشكت الفوضى أن تفسدها، وهو نوع يألفه الأوروبيون والأمريكيون، ويكلفون به، ولا يجنون منه إلا الشرّ والنكر!!
أما القسم الثاني فهو هذه الحكومات القوية التي لا تستقبل المصاعب ولكن تستدبرها، الحازمة التي لا تحب الصراحة وإنما تؤثر عليها المداورة والالتواء، الرفيقة التي تحكم الناس سواء أرادوا أم لم يريدوا. ولا تتخلّى عن الحكم إلا إذا انتُزعت منه انتزاعًا.
فأما القسم الأول من الحكومات فلا يحب الخطف. وأما القسم الثاني فلا يحب غير الخطف.
هل اقتنع الطلاب بهذه الآراء؟ أم هل خرجوا من قاعة الدرس كما دخلوها، وما تزال نفوسهم مضطربة، وآراؤهم مختلفة؟ علمُ هذا عند اللّٰه وعند المديرين. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنهم أظهروا الاقتناع والاطمئنان، وسيطيعون فيُحسنون الطاعة، وسينفّذون فيُحسنون التنفيذ، وسيحتفظون لأنفسهم وللحكومات المقبلة بما قد يكون لهم من رأي خاص.
وإذن فسيتعرّض الزعماء للخطف أينما ساروا، وحيثما توجّهوا. ولكن الحاجة تفتق الحيلة، كما قال القدماء. وما دامت الحكومة قد جعلت الخطف وسيلة من وسائل الحكم، فمن يدري؟ لعلّ الزعماء لا يفقدون وسيلة يتّقون بها أن يُخطفوا، وأن يسير بهم القطار في هذه السرعة التي تعجز عنها الطير، ولا يؤمَن منها الضرر.
كوكب الشرق ٢٧-٣-١٩٣٣