Tag: برلمان

  • ضيق | Distress

    ضيق
    أريد أن أعود إلى ذلك الحديث الذي تحدثت به إلى القراء أول أمس عما يظهر في حياتنا العامة من ضيق النفوس وحرج الصدور، والتبرم بأهون الأشياء وأيسر الأمور. فقد وقع هذا الحديث في نفوس جماعة من الأصدقاء والخصوم موقعا دعاهم إلى التعليق عليه، والاشتراك فيه. وكان ما كتبوه دليلا واضحا حقا على أني لم أخطئ حين ذكرت هذه الظاهرة الطارئة في حياتنا العامة، وحين التمست لها العلل والأسباب، وأدعو إلى مقاومتها والتخفف منها. فقد ظهر ضيق هؤلاء الأصدقاء والخصوم بما يكرهون إلى حد ما كنت أقدر أنهم ينتهون إليه، فمنهم من شكا وألح في الشكوى من الصحف الهازلة، وأكد أن استعداء القانون عليها أمر لا بد منه لصلاح الأخلاق، بل ذهب إلى أبعد من هذا، فذهب إلى أن الذين تهاجمهم هذه الصحف لا بد لهم من أن يلتمسوا للدفاع عن أنفسهم وسائل أخرى إذا لم تكف وسائل القانون لتحقيق هذا الدفاع. ومعنى ذلك أنهم يحمدون ما يجدون من ضيق النفوس وحرج الصدور، ويلتمسون لأنفسهم ولغيرهم المعاذير من اضطرارهم إليه، بل من اضطرارهم إلى الشر الخالص والانتقام للنفس إذا لم يوفق القانون إلى حمايتهم من هزل الهازلين. وما أعرف دليلا أظهر، ولا حجة أنصع على ضيق النفس وحرج الصدر من موقف هذا الذي تدعوه إلى الأناة والحلم، وتذكره بضبط العواطف، وقهر ثورة النفس فلا يزداد إلا حدة وغلوا في الحدة يدفعه لا إلى النكير، بل إلى النذير. ومنهم من اتخذ الحديث في هذا الموضوع وسيلة إلى إرضاء طائفة من العواطف والشهوات من الخير ألا ترضى! فأخذ يحمل أغلاط بعض الناس على بعض، ويضيف إساءة المسيئين إلى من يسيئون، ويقيم على ذلك الحجج، ويلتمس إليه الوسائل كأنما يريد أن يتخذ هذه الصحف الهازلة وسيلة إلى مهاجمة الصحف الجادة، وأن يتخذ هؤلاء الكتاب الهازلين طريقا إلى مهاجمة الأحزاب السياسية التي يقول هؤلاء الكتاب إنهم ينتمون إليها ويدعون لها.

    وكذلك لم يتحرج صديقي هيكل من أن يذكر الصحف التي تنشر صورا بالزنكوغراف لرئيس الوفد وسكرتيره، وتدعو في بعض صحفها للوفد، ثم تسلك طرقا أخرى في موضوعات أخرى غير السياسة، ولم يتحرج هيكل من أن يشير إلى أن الوفد يشجع هذه الصحف، وتشجيعها إثم، وإلى أن الوفد يحتمي بهذه الصحف، والاحتماء بها لا يليق!!
    وكنت أحب لهيكل أن يكون أوسع نفسا، وأرحب صدرا، وأرجح حلما من أن يتورط في هذا كله، أو يذكره تصريحا أو تلميحا أو إشارة، فليس في هذا كله خير، وليس في هذا كله حق، وليس في هذا كله فهم صحيح لحقائق الأشياء في الحياة الديمقراطية.
    وهيكل يعلم حق العلم أن الذين يحبون الحياة الديمقراطية ويحرصون عليها مخلصين، لا ينبغي أن يستمتعوا بخيرها ويضيقوا بشرها إلى هذا الحد، وإنما ينبغي أن يقبلوها كما هي، وأن يجدوا ما استطاعوا في إصلاح شرورها وعيوبها، لا بالعنف ولا بالشدة، ولا بضيق النفوس وحرج الصدور، ولكن بالأناة والحلم، وبضبط النفس وقهر الهوى، وبالدعوة إلى الخير بالحجة والموعظة الحسنة، لا بالاستعداء ولا بالنذير.
    والوفد كغيره من الأحزاب الديمقراطية له صحفه الرسمية التي تصف آراءه وتصور مذاهبه، وتدعو بلسانه، فهو مسئول عن هذه الصحف، ولكن هناك أتباعا للوفد كثيرين، يتصلون به، وينتصرون له، ويدعون إليه بالكلام حينا، وبالكتابة في الصحف حينا آخر. وهؤلاء لا يستشيرون الوفد، ولا يصدرون فيما يكتبون عن وحي من الوفد، ولا يوجههم الوفد في الطرق التي يسلكونها. ومن حق الوفد لنفسه أن يشجعهم حين يدعون إلى مذهبه، وينتصرون لمبدئه. وليس من حق أحد أن ينكر ذلك على الوفد، أو يلومه فيه. وليس من حق أحد أن يسأل الوفد عما يتورط فيه هؤلاء الناس من خطأ، أو عما يذهب إليه هؤلاء الناس من غلو وإغراق. وليس الوفد في ذلك بدعا من الأحزاب السياسية، وليست مصر في ذلك بدعا من البلاد الديمقراطية. فلكل حزب سياسي قوي أنصاره وأتباعه وأشباعه الذين ينصرونه ويغلون في نصره، والذين لا يتحرجون أحيانا من أن يستغلوا اتصالهم به، وانتماءهم إليه. وفي كل بلد يحيا حياة ديمقراطية صحف هازلة تغلو في الهزل، وتسرف في تتبع العيوب، وتنتمي مع ذلك إلى الأحزاب السياسية فلا تسأل عنها الأحزاب ولا تؤخذ بجرائرها.

    ولعل هيكلا يذكر أنه قد كانت في مصر صحف هازلة تتصل بحزب الأحرار الدستوريين، وتنتصر له، وتدعو إليه، وتلقى منه رضى وتشجيعا. ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف كانت في ذلك الوقت تهاجم خصوم الأحرار الدستوريين مهاجمات كثيرة الشر، شديدة النكر، فيها اعتداء على الأعراض، وفيها انتهاك للحرمات، وفيها اقتراف للآثام. ولعل هيكلا يذكر أن حزب الأحرار الدستوريين لم يبرأ من هذه الصحف حينئذ، ولم يردها عن غيها، ولم يزجرها عن آثامها! ولعل هيكلا يذكر أن هذه الصحف نفسها تحولت مع الظروف عن حزب الأحرار الدستوريين فأصلته ما كانت تصلي خصومه من نار.
    فماذا كان يقول هيكل لو أن خصوم الأحرار الدستوريين يومئذ أخذوهم بإثم هذه الصحف وحملوهم تبعات ما كانت تنشر، وما كانت تذيع، وماذا كان يقول هيكل لو أن هذه الصحف لم تتحول عن الأحرار الدستوريين بل ظلت موالية لهم، داعية إليهم. وظلت مع ذلك مقترفة لما كانت تقترف من إثم، مغرقة فيما كانت تغرق فيه من عدوان؟ ماذا كان يقول هيكل لو أن الذين تشتمهم هذه الصحف وتسبهم زعموا للأحرار الدستوريين أنهم مسئولون عن شتمها وسبها لأنها تدعو لهم في صفحة أو صفحتين، وتنشر صورهم، ثم تمضي بعد ذلك فيما لا يرضاه الأدب ولا تقبله الأخلاق؟ ماذا كان يقول هيكل؟ كان يقول إنه غير مسئول إلا عما يكتب، وأن حزبه غير مسئول إلا عما تنشر صحيفته الجادة الرسمية؟ وكذلك ينبغي أن تقول الأحزاب كلها، فهي لا تسأل إلا عما تقوله حقا وتوحي به حقا. فأما الذي تقوله الصحف التي تنتمي إليها وتدعو لها، فهذه الصحف وحدها مسئولة عنه، مأخوذة به.
    وما الطريق إلى سؤال هذه الصحف عما تكتب وأخذها بما تذيع؟ هناك طريقان: طريقة الالتجاء إلى السلطان، والاستعداء للقضاء، وهي طريقة لا غبار عليها من ناحية الأخلاق الخالصة، ولكنها تدل على ما سجلناه من ضيق النفوس وحرج الصدور، والخروج عن الأطوار. وهذه خصال إن قبلت من عامة الناس فهي تستغرب من الذين يحيون الحياة السياسية، ويحتملون أثقال الجهاد السياسي. وليس من الحق في شيء أن الجهاد السياسي إنما هو المناقشة البريئة الخالصة للحق، الخالصة لقواعد الأدب والأخلاق فحسب، وإنما الجهاد السياسي هو هذا، وهو أشياء أخرى غير هذا، فيها التعرض للأذى، وفيها احتمال الظلم المنكر، والجور الصارخ والاعتداء على الكرامات والانتهاك للحرمات والصبر على هذا كله، والإغضاء عن هذا كله، والانصراف عن هذا كله إلى ما يليق بالرجل الكريم. ولو أن الذين يشتغلون بالسياسة ويحتملون أثقال الجهاد فيها فرغوا لمحاسبة الناس بأنفسهم أو بطريق القضاء على ما يكتبون عنهم ويقولون فيهم لأنفقوا في ذلك خلاصة جهدهم، وصفوة حياتهم، ولشغلوا به عن الجهاد المنتج الصحيح.

    وإن من الغريب حقا أن يظن صديقي هيكل أن صدري يضيق لو قالت في الصحف الهازلة بعض ما تقول في غيري من الناس في هذه الأيام. عفا الله عنك أيها الصديق! فما كنت أظن أن النسيان يمس ذاكرتك إلى هذا الحد! ما أعلم أيها الصديق أن أحدا من المعاصرين عبثت به الصحف الهازلة والجادة، ونالت منه بمقدار ما عبثت بي ونالت مني، وإنك لتذكر – إن لم تكن قد نسيت أن صحف الجد والهزل قضت أشهرا وأعواما لا حديث لها إلا أنا، تقول في ما تشاء في غير حساب للنفس، ولا مراقبة للقلم، ولا استحياء من الضمير، وهي لا تذكرني وحدي، وإنما تذكر معي من لا ينبغي أن يذكر، ولعلك تذكر – إن لم تكن قد نسيت – أنني أعرضت عما قالت، وما زلت عنه معرضا، لم أبد لها صفحة، ولم أهتك لها سترا، ولم أستعد عليها القضاء، ولم أشكها إلى السلطان وإن في قليل جدا مما قالت لما يكفي لاستعداء القضاء والالتجاء إلى السلطان.
    طريقة قد تنكرها الأخلاق الخالصة، ولكنها مركبة في طبائع الناس، يلجأون إليها دائما، ويسلكونها دائما، ويلجأ إليها أصحاب السياسة بنوع خاص ولا يقل صديقي هيكل إن الأحرار الدستوريين لا يحبون هذه الطريقة ولا يميلون إليها، فقد يكون هذا حقا إذا خلا الأحرار الدستوريون إلى ضمائرهم ومثلهم العليا في الأخلاق، ولكنهم حين يخوضون غمار الحياة السياسية يسيرون فيها سيرة غيرهم من الأحزاب، وقد كانت لهم صحفهم الهازلة وكانت تظفر منهم بالنصر والتأييد فإذا لم تسمح لهم الظروف الآن بطائفة من هذه الصحف فليس ذلك ذنب خصومهم، وليس ذلك مصدر اللوم لهؤلاء الخصوم.

    وبعد، فما كنت أريد أن أذكر فساد الأخلاق حين كتبت ما كتبت أول أمس، فلست أعتقد أن أخلاقنا السياسية من حيث نحن معارضون في هذه الأيام شر من أخلاقنا السياسية فيما مضى، فقديما كان في سياستنا الجد والهزل، وقديما كان في سياستنا الإسراف والاعتدال، لم تزدد أخلاقنا السياسية فسادا، ولعل ما تنشره الصحف الهازلة اليوم أن يكون خيرا مما كانت تنشره أمس، ولعله أن يكون أدنى إلى شيء من الاحتياط ونقاء اللفظ مما كان ينشر قبل الحرب، ومما كان يرسل إلى محمد عبده وقاسم أمين، لأن أخلاقنا قد ارتقت من غير شك، ولأن آدابنا قد تطورت إلى الخير ولو قليلا من غير شك، إنما الذي أردت أن ألاحظه وأسجله هو ضيق بعضنا ببعض، وامتلاء صدورنا بالحرج لأيسر الأشياء وأحقر الأمور.
    ويذكر صديقي هيكل أن تكون الأزمة السياسية والاقتصادية هي التي ملأت صدور الوزراء والنواب والشيوخ حرجا بالنقد حتى حين يصدر من بعضهم لبعض، لأن الوزراء وأنصارهم من النواب والشيوخ لا يشقون بهذه الأزمة، ولأن الصحافيين حتى من المعارضين لا يشقون بها كما يشقى بها الفلاح. وكنت أحب لصديقي هيكل أن يكون أحسن تقديرا لهذه الأشياء مما ظهر في مقاله أمس، فليس يألم من الأزمة السياسية والاقتصادية ويضيق بها من يصلى شرها وحده، بل يألم لها أيضا من يدافع عنها، ويحاول حمايتها ويحاول فرضها على الناس، ويحاول أن يصورها في صورة الخير وأستطيع أن أؤكد لهيكل أن الوزراء والنواب والشيوخ يشقون بدفاعهم عن موقفنا السياسي والاقتصادي أكثر مما نشقى نحن باحتمال هذا الموقف، وما يستتبعه من الآلام! وإن هؤلاء الوزراء والنواب والشيوخ خليقون بالرثاء والإشفاق لأنهم يقفون موقفا كله حرج، ويدافعون عن موقف لا سبيل إلى الدفاع عنه، ويحمدون موقفا هم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم أنه لا يحمد. فهم خليقون أن ينفقوا في موقفهم هذا ما يملكون من جهد، وهم خليقون أن يضعف حظهم من المقاومة لما يوجه إليهم من نقد..
    ليصدقني هيكل إن الموقف السياسي والاقتصادي الشاق الذي اضطرتنا إليه الوزارة القائمة، والذي طال أمده، وثقل عبئه على أنصاره وخصومه معا، هو مصدر ما يملأ صدور الناس من حرج لكل شيء، وتبرم بكل شيء. إن كمال الرجولة يقضي علينا أن نقاوم هذا الحرج ونبرأ من هذا الضيق، ونأخذ أنفسنا بالصبر والثبات، ونروضها على احتمال الأذى والمكروه، ونصرفها عن كل ما يدل على ضعف المقاومة أو خور الطبيعة، أو انحلال العزيمة أو الخروج عن الطور.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣

  • مأزق | An Impasse

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

  • كهرباء | Electricity

    كهرباء
    لم تنتشر في الجو الوزاري كما انتشرت في هذه الأيام، فأصدقاء الوزارة وأولياؤها يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إن زعموا أن جو الوزارة هادئ، لا اضطراب فيه، صافٍ لا يشوبه كدر. وهم يظلمون أنفسهم ويعبثون بعقولهم إذا لم يعترفوا بأن الوزارة قد ضاقت بها السبل، وأخذت من كل مكان، وفسد الجو الذي تعيش فيه، وهي محصورة من كل ناحية، قد اضطرت إلى أن تقف موقف الدفاع، وموقف الدفاع الذي يستميت صاحبه ويستيئس حتى لا يتحرج من الميل إلى الاستعانة بالعزائم والطلاسم والرقى، زيارة الأضرحة، والتعريج على قبور الأولياء.
    ولقد كانت الوزارة في وقت من الأوقات تظهر شيئاً من القوة والبأس، ومن المنعة والبطش. وتزعم للناس، ويزعم معها الأصدقاء والأولياء أن خصومها من المعارضين يتجنون عليها ويثورون بها، ويقولون فيها غير الحق، ويغرون بها الناس، فكانت تهاجمهم مهاجمة متصلة، وكانت تغري نفسها بهم، وتسلط صحفها عليهم، وتتجاوز في هذا كله حدود الدستور والقانون فتعتدي على الحرية، وتمنع خصومها من القول ومن الانتقال، وتعتدي على القانون فتحظر على الخصوم حتى النقد المعقول المباح، وتبيح للأصدقاء والأولياء، لا ما يأباه القانون وحده، بل ما تأباه الأخلاق أيضاً!!
    وكانت حجة الوزارة في ذلك حماية النظام، ومنع المعارضين ألا يثوروا به أو يعتدوا عليه! أما الآن فقد أحيط بالوزارة واشترك في التنكر لها أولياؤها وأصدقاؤها أنفسهم.
    فهذا مجلس النواب لا يخرج من استجواب حتى يدخل في استجواب آخر، وهذا مجلس الشيوخ ينفض دون أن يقر ميزانية الأشغال، ويؤجل هذه الميزانية أسبوعاً كاملاً، مع أن حاجة الوزارة كانت شديدة، ومع أن ضرورة الوزارة كانت ماسة إلى أن تقر الميزانية أمس ليقضي مجلس الوزراء في عطاءات جبل الأولياء إن لم يكن قد قضي فيها بالفعل.
    لقد لاحظت الأهرام وألحت في الملاحظة، ولاحظت الصحف معها وألحت في الملاحظة أيضاً أن الوزارة تتعجل أمر جبل الأولياء، وتريد أن تقضي في عطاءاته قبل أن يقر مجلس الشيوخ اعتماد هذا المشروع في ميزانية الأشغال! وأخذ الناس يتساءلون عن مصدر هذه العجلة، وفي الوقت سعة. وأخذوا يتساءلون عن مصدر هذا التجاوز لمجلس الشيوخ، والدستور القائم نفسه لا يبيح للحكومة أن تتجاوزه أو تتخطاه. ووضعت الوزارة أصابعها في آذانها فلم تسمع لأحد، ولم تجب أحداً. وسافر رئيس الوزراء فاستراح خمسة أيام كثرت أثناءها أحاديث الناس حتى قال القائلون، وأرجف المرجفون، وزعم الزاعمون أن أمر جبل الأولياء قد قضي فيه، وأن الشركة التي أقرت الوزارة عطاءها قد تلقت من وزير الأشغال إذناً بالعمل، ولما يجتمع مجلس الشيوخ ليقر الاعتماد، ولما يجتمع مجلس الوزراء للنظر في العطاءات.
    وسألت الكوكب مرة ومرة عن أحاديث المتحدثين وأراجيف المرجفين، وطلبت الكوكب مرة ومرة إلى الحكومة أن تكذب هذه الأنباء، ولكن الوزارة وضعت أصابعها في آذانها فلم تسمع شيئاً وشدت لسانها بنسعة فلم تقل شيئاً.
    واتصلت الأحاديث وانتشرت بالأراجيف، وما أقبح الأحاديث والأراجيف حين تتصل بالعطاءات وما يشبه العطاءات مما يمس المال. وفي أثناء هذا كله ظهر أحد المقاولين شاكياً، مُلحاً في الشكوى، يعرض أمره على وزير الأشغال حيناً، وعلى رئيس الوزراء حيناً آخر، ثم ينتهي به الضيق إلى أن يطلب إلى صدقي باشا في كتاب نشرته الصحف، لم يخل من عنف صريح، ومن تلميح بالنذير أن يعرض شكواه على مجلس الوزراء.
    ثم يضطرب الأمر في مجلس الشيوخ نفسه، فإذا لجنته المالية تنكر على وزير الأشغال أموراً خطيرة في ميزانيتها. وإذا أحاديث تشاع وتذاع عن استقالة من هذه اللجنة، واسترداد لهذه الاستقالة حتى يفسد الجو حول وزارة الأشغال فساداً قبيحاً حقاً. ثم يجتمع مجلس الشيوخ مساء أمس فإذا اجتماعه لا يصفِّي الجو ولا ينقِّيه، وإذا أحاديثه ومناقشاته لا ترد إلى الوزارة طمأنينة ولا هدوءاً، وإذا هو يتفرق ولما يقرّ هذه الميزانية التي كثرت حولها الأحاديث، وانتشرت حولها الأراجيف، وإذا مجلس الوزراء الذي يجتمع اليوم بين اثنتين: إما أن يقضي في هذه العطاءات فيتخطى مجلس الشيوخ وحقه الدستوري في إقرار الاعتمادات المالية قبل أن تبدأ الحكومة في إنفاقها، وإما أن يرجِئ هذه العطاءات حتى يجتمع مجلس الشيوخ بعد أسبوع. وإذن فسيسافر رئيس الوزراء ولما يقضِ المجلس في هذا الأمر الخطير. وإذن فقد يأبى مجلس الشيوخ أن يقر الميزانية في جلسته المقبلة، ويعجز الوزراء كما عجزوا أمس عن ضبطه وتسييره وتتفرق الأمور.
    هذا ولم نُشر إلى ما قد يحدث من غضب وسخط لإرجاء هذه العطاءات التي كانت الوزارة تدفع إلى إقرارها دفعاً، فإذا لاحظت مع هذا كله أن ميزانية وزارة الأشغال قد اختلست اختلاساً من مجلس النواب وخرجت إلى مجلس الشيوخ ولما يصوت عليها عدد قانوني! عرفت أن الوزارة تعيش في جو جديد، أقل ما يوصف به أنه خانق، وأن الكهرباء قد انتشرت فيه إلى حد لم يُعرف من قبل في تاريخ هذه الوزارة القائمة! وأنت إذا لاحظت الصلة بين الوزارة والبرلمان، وذكرت ما أعلنه زعيم المعارضة الرسمية في مجلس النواب من أن المجلس مسؤول أمام الوزارة بدل أن تكون الوزارة مسؤولة أمام المجلس، وذكرت أيضاً أن من النواب من تمدح بأن رئيس الوزراء واثق به، وراض عنه. وذكرت أيضاً ما نشهده دائماً من سبق النواب والشيوخ إلى ما تريد الحكومة وإلحاحهم عليها في تحقيق هذا الذي تريد؛ لم تملك نفسك من أن تلاحظ في المجلسين الآن انتقاضاً ظاهراً على الوزارة، وأن هذا الانتقاض لا يخلو من خطر وإن لم يجيء عفواً، ولم يحدث دون أن تكون هناك بواعث واضحة أو غامضة تدفعه إلى أن يظهر ويأخذ هذين الشكلين المختلفين: شكل الاستجواب في مجلس النواب، وشكل الاعتراض على ميزانية الأشغال في مجلس الشيوخ.
    من حديث الأطفال إذن أن يقال إن كل شيء هادئ في جو الوزارة، وأن النواب اليوم طيعون كما كانوا بالأمس، وأن الشيوخ اليوم مذعنون كما كانوا بالأمس، من حديث الأطفال أن يقال هذا الكلام، ولا بد من أن يعترف الوزراء وأولياؤهم بأنهم يحيون الآن حياة ضيقة في جو خانق، ويقضون وقتاً من أعسر الأوقات التي قضوها منذ نهضوا بأعباء الحكم.
    وكانت أعراض هذا الشعور ظاهرة ظهوراً واضحاً جلياً أمس على الوزراء في مجلس الشيوخ، فلم يكونوا موفقين فيما قالوا، ولا ما فعلوا وإنما كان منهم المضطرب، ومنهم المتهافت، ومنهم الضعيف. وما ظنك بوزير الأشغال وهو يقرأ على المجلس فصولاً كتبتها الصحف ويحاول الرد عليها حتى ينبهه بعض الأعضاء إلى أن هذا ليس من شأن المجلس ولا من شأن الوزراء.
    وما ظنك بوزير التقاليد وهو يدافع عن الاستثناء فيسكته عضو من أعضاء المجلس قائلاً: إن كفاية الموظفين هي الأصل، فمن فقد الكفاية فقد عمله.
    لم يكن الوزراء موفقين فيما قالوا ولا فيما فعلوا، ولم يكونوا قابضين على أعنة المجلس أمس، لأن قدرتهم على المقاومة وقوتهم على الهجوم، واستعدادهم للقاء الطوارئ، كل هذا قد ضعف في نفوسهم، وهو إنما ضعف في نفوسهم، لأن الجو من حولهم قد فسد، ولأن الأرض من تحت أقدامهم قد أخذ يصيبها الاضطراب.
    والظاهر أن العدوى قد سرت من مجلس النواب إلى مجلس الشيوخ فصودر الأعضاء، ومنع بعضهم من الكلام، وأمر بعضهم بتخفيض الصوت، ولم يتردد بعضهم في أن يصيح مغضباً: إنكم تعاملوننا حقاً كما يعامل زملاؤنا في مجلس النواب! كأن النواب قد أصبحوا مضرب المثل في قبول ما تلقاهم به الرياسة من الأمر والنهي وإلقاء الدروس، ثم تريد رياسة مجلس الشيوخ أن تقف المناقشة وقد سنحت الفرصة لتقرير الميزانية، وإخراج الوزارة من مأزقها، ولكن قوماً يأبون إلا أن يتكلموا فإذا منعوا من الكلام تفرقوا وتفرق معهم أصحابهم، ونظرت الرياسة فإذا العدد غير قانوني، وإذا إمضاء الميزانية أمس مستحيل.
    والغريب أن رياسة مجلس الشيوخ لم تمضِ في هذه المسألة سيرة الرياسة في مجلس النواب فلم تمضِ الميزانية على قلة الأعضاء، ولكن أجلتها أسبوعاً كاملاً، نزولاً عند إرادة الدستور والنظام، ولأمر يجري به قضاؤه الذي لا مرد له.
    ثم تزعم الصحف الوزارية أن أمور الوزارة تجري على خير ما تحب، وأن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى ولا أثبت ولا أضمن للبقاء مما هي اليوم!.
    أما نحن فلا نتعجل الحوادث، ولا نسرف في التفسير لحركات النواب المستجوبين، ولا لحركات الشيوخ المتمردين، ولكننا نسمح لأنفسنا بالشك في أن رئيس الوزراء سيبرح الأرض قبل أن يستقيل، أو في أن رئيس الوزراء سيطيل الإقامة في أوربا قبل أن يستقيل، ذلك لأن كل شيء حول رئيس الوزراء قد فسد حتى اتصال أنصاره به وإذعانهم له. وإذا فسد الجو السياسي إلى هذا الحد لم يبقَ صالحاً للحياة.
    كوكب الشرق ١١ – ٥ – ١٩٣٣

  • حقائق | Facts

    حقائق
    ليست خيالاً ولا وهماً، وليست ظناً ولا ترجيحاً، وإنما هي حقائق لا تقبل الشك، ولا تحتمل النزاع، هذه التي رفعها صاحب السعادة أحمد عبد الوهاب باشا وكيل المالية إلى رئيس الوزراء حين طلب إليه أن يدرس حالتنا المالية ليتبين أيمكن أم لا يمكن البدء في تنفيذ هذا المشروع الذي اضطربت له البلاد وما زالت تضطرب، لا أقول منذ عام، بل منذ زمن طويل، وهو مشروع جبل الأولياء.
    حقائق واقعة لا تقبل الشك، ولا تحتمل الجدال، هذه هي التي يستطيع القراء أن يقرؤوها ويتدبروها في غير هذا المكان من الكوكب. وما كان لي أن أتحدث عن هذه الحقائق أو أن أنالها بالتفسير والتأويل، فقد أوتي عبد الوهاب باشا من الكفاية والبراعة ما يمكنه من أن يتحدث عن أشد الأشياء غموضاً، فإذا هي واضحة جلية، لا تحتاج إلى إطالة النظر ولا إنعام التفكير، إنما أريد أن أقف عند ملاحظات سياسية تثيرها قراءة هذا التقرير الذي كتبه عبد الوهاب باشا.
    وأولى هذه الملاحظات أن الناس كانوا يعجبون من تلكؤ الوزارة في الرد على استجواب المستجوبين حين قدموه إلى مجلس النواب، وكانوا يتساءلون: مم تخاف الوزارة؟ وفيم تتثاقل؟ وما لها تطلب الإرجاء إلى غير أجل؟ وما لها يحرجها المستجوبون فلا تستطيع أن تخلص من الحرج إلا بطلب الإرجاء إلى أن يستطيع رئيس الوزراء نفسه أن يرد على هذا الاستجواب؟!
    كان الناس يعجبون، ويلقي بعضهم على بعض هذه المسائل، ويقول بعضهم لبعض إن الوزارة لم تعجز عن أن تحمل النواب على إقرار المشروع في الدورة البرلمانية الماضية، فماذا يخيفها من هذا الاستجواب؟ وماذا عسى أن يكون لرأي وكيل المالية من الخطر المخيف؟ وكان الناس أيضاً يتحدثون في هذه الطريقة الغريبة المخالفة للدستور التي اختلست بها ميزانية الأشغال اختلاساً من مجلس النواب فلم يصوت على هذه الميزانية إلا خمسة وثلاثون عضواً من خمسين، ومائة عضو يمثلون مجلس النواب.
    وكان الناس يتحدثون أيضاً عن إباء الحكومة وإلحاحها في أن تؤجل ميزانية الأشغال حتى يكون الرد على هذا الاستجواب. كان الناس يعجبون لهذا كله ويتحدثون في هذا كله، ويقول بعضهم لبعض يجب أن يكون في الأمر شيء ذو خطر، لأن وزارة صدقي باشا لم تتعود الخوف إلا من الأشياء المخيفة حقاً، فقد ظهر الآن مصدر هذا كله، وظهر الآن أن الإقدام على هذا المشروع في هذه الآونة ليس إسرافاً ولا خطأً، وإنما هو اضطرار لمصر إلى كارثة مالية واقتصادية لا سبيل إلى أن تعرف حدودها أو تضبط نتائجها الخطرة المنكرة.
    هذا وكيل المالية يقرر أن تعلية خزان أسوان تستتبع أعمالاً ضخمةً في الري وتكلف الدولة ملايين يرتاع الإنسان لذكرها. وهذا وكيل المالية يقرر أن عند وزارة الأشغال مشروعات أخرى غير التي ذكرها، أقرها مجلس الوزراء في سنة ١٩٢٩، وأن هذا كله يكلف الدولة ملايين تضيق بها مواردها العادية في أوقات الرخاء، فكيف بها في أوقات الشدة والضيق؟ ثم هذا وكيل المالية يقطع في غير تردد ولا اضطراب بأن البدء في مشروع جبل الأولياء غير ممكن الآن من الناحية الاقتصادية والمالية حتى تفرغ البلاد من تعلية خزان أسوان، وما تستتبعه من الأعمال الضخمة والنفقات التي تروع الأغنياء فضلاً عن المأزومين. ثم هذا وكيل المالية يخاف وينبئنا بأن رئيس الوزراء نفسه يخاف معه من عجز وزارة الأشغال عن أن تجد الرجال الفنيين الذين ينهضون بمشروعاتها في مصر فضلاً عن مشروعاتها في السودان، فكيف لا تضطرب الوزارة إذا طلب إليها أن تعرض على مجلس النواب رأي وكيل المالية؟ وأكبر الظن أن هذه الحقائق لو عرضت على مجلس النواب، وخلي بينه وبين حرية الرأي، ولم تؤثر فيه الاعتبارات السياسية الخالصة لأبى أن يأذن للوزارة بالبدء في هذا المشروع الآن.
    وملاحظة أخرى يثيرها هذا التقرير الذي كتبه وكيل ماليتنا النابغة، وهي أن الوزارة قد أساءت إلى نفسها حين لم تتدبر هذا التقرير كما ينبغي، وحملت نفسها عبئاً قد تنهض بثقله، الآن، لأن الحكم يلهيها عن التبعات، ولكنها لن تستطيع أن تنهض بهذا الثقل يوم تنزل عن مناصب الحكم، ويوم يخلو كل واحد من أعضائها إلى نفسه، ويوم يرى كل واحد من أعضائها ما ستتورط فيه البلاد من الشر حين يبدأ في هذا المشروع.
    أساءت الوزارة إلى نفسها ولم تحسن إلى البرلمان فقد كان يجب عليها أن تظهره على هذه الحقائق ليقر هذا المشروع أو يرفضه على بصيرة وعلم بدخائل الأمور.
    وملاحظة ثالثة يثيرها هذا التقرير، وهي مداورة رئيس الوزراء في رده على المستجوبين وحرصه على أن يؤكد أن عبد الوهاب باشا لم يناقش المشروع من ناحيته الفنية. ومن الذي زعم أن رجال المال والاقتصاد مضطرون إلى أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية الخالصة، إنما واجب هؤلاء الناس أن يناقشوا مثل هذا المشروع من الوجهة الفنية حين ترتبط بما سيطلب إليهم من تدبير المال، وقد قال عبد الوهاب باشا في ذلك رأيه صريحاً جلياً، لا عوج فيه ولا اضطراب.
    وعبد الوهاب باشا أبقى في وزارة المالية من رئيس الوزراء، لأنه رجل فن، لا رجل سياسة، وتبعات عبد الوهاب باشا في هذا وأمثاله أثقل من تبعات رئيس الوزراء، لأن رئيس الوزراء سيستقيل غداً أو بعد غد، ويبقى عبد الوهاب باشا ليواجه المصاعب المنكرة التي ينشئها له الوزراء معتزين بمسؤوليتهم أمام البرلمان.
    فمن الحق إذن على رئيس الوزراء أن يضع الآراء الفنية لوكيله فوق الاعتبارات السياسية مهما تكن، وأن يظهر البرلمان على هذه الآراء الفنية ليعلم البرلمان ما يأتي وما يدع من الأمر.
    ومهما يكن من شيء فقد كان عبد الوهاب باشا ناصحاً للأمة والحكومة معاً، ناهضاً بواجبه على خير ما ينهض به الرجل الكفء الذي يضع عمله الفني بمعزل أمين حصين من الأهواء السياسية واعتباراتها.
    وكانت الوزارة شجاعةً حقاً، جريئةً حقاً، وأي شجاعة أشجع، وأي جرأة أجرأ من أن تمضي في إقرار هذا المشروع وتنفيذه رغم هذه الحقائق التي يملؤها الروع.
    أما الأمة فتظن أن الوزارة توافقنا، وأن عبد الوهاب باشا يوافقنا أيضاً حين نقول إن أمرها إلى الله.
    كوكب الشرق في ٩ – ٥ – ١٩٣٣

  • مؤتمر | A Conference

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣

  • خاتمة٣ | A Conclusion (3)

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣