أعاجيب
لا يريد هذا العهد السعيد أن ينقضي حتى يستنفد عجب الناس، كما أنه لم يرد أن يبدأ حتى استنفد عجب الناس؛ فقد كان هذا البلد آمناً مطمئناً، راضياً عن أساليب الحكم فيه، مستشعراً من العزة والكرامة ما يلائم بلداً ناهضاً واسع الآمال، عظيم الأماني، قد أراد الإنجليز أن يخدعوه فلم ينخدع، وأن يكيدوا له فلم يبلغ منه الكيد. فأقبل رئيس الوزراء فرد هذا البلد الناهض القوي الأمل الأمن السعيد إلى شر ما ترد إليه البلاد من تقهقر وضعف، ومن حزن وخوف، وشقاء.
وضع نفسه وجماعة من أصحابه موضع المعصومين الذين يعلمون وحدهم كيف يحكمون فلا يخطئون، وكيف يسوسون فلا يجورون عن القصد، والذين يعرفون مصالح مصر أكثر مما تعرفها مصر، والذين يريدون أن يكرهوا مصر على الخير إكراهاً، وأن يدفعوها إلى ما يريدون لها وأنفها راغم. وأخذوا يفرضون أنفسهم وسياستهم على مصر فرضاً، بالقوة العنيفة حيناً، وبالمكر المغري حيناً آخر، حتى جرت دماء غزيرة وبيعت ضمائر قليلة، وأخذت مصر تنظر إلى هذا كله واجمة لا ينقضي عجبها أن يقع هذا كله في القرن العشرين، وتحت سمع الحضارة الراقية وبصرها. والضمير الإنساني نائم أو معرض، لا يستيقظ ولا يلتفت ولا يتردد في الإغضاء عما يشهد النيل من تسلط نفر على شعب كامل. وقد نجح رئيس الوزراء عند نفسه نجاحاً باهراً انتهى به إلى المرض الطويل الثقيل، ثم إلى الاستقالة أو العزم على الاستقالة. ونجح صديقه المندوب السامي نجاحاً باهراً عند نفسه أيضاً انتهى به إلى أن يترك مصر في الشتاء ويظل معلقاً أشهراً، ثم ينقل إلى بلاد الترك.
نجح الصديقان عند أنفسهما ولكنهما أخفقا إخفاقاً شنيعاً عند المصريين الذين احتسبوا عند الله ما فقدوا من أبناء أبرار وما احتملوا من مشقة وجهد، وما قاسوا من عناء وعنف، واستقلوا هذا كله في سبيل الاحتفاظ بالكرامة والعزة، وفي سبيل الوصول إلى الحرية والاستقلال.
كذلك ابتدأ هذا العهد السعيد عجيباً من جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين، وهو الآن يريد أن ينتهي عجيباً في جميع نواحيه، فذاً في عهود القرن العشرين أيضاً.
رئيس وزارة كان مريضاً، لا يقدر على العمل، بعيداً لا يستطيع أن يشرف على الأمور، ولكنه مع ذلك يمسك أزمة الحكم بيد ضعيفة مضطربة، لا تقدر على إمساكها ولا على تصريفها. وكان على مرضه وضعفه وعجزه، يمنى نفسه بأن يتم سياسته بمعاهدة يفرضها على مصر فرضا، كما فرض عليها غيرها من الأشياء، فلما حيل بينه وبين ذلك لأن الإنجليز استيأسوا من قدرته على فرض هذه المعاهدة وأخذ المصريين باحترامها، ثار وفار، وأعلن السخط والغضب ولمح بالاستقالة، ثم استحال التلميح تصريحاً، ثم استحال التصريح إلى نذير أخرج رئيس الوزراء عن طوره، وجعل حديثه أعجوبة الأعاجيب في هذه الأيام.
رئيس وزارة مقيم في بلد أجنبي قد أعلن ألف مرة ومرة أنه شديد الغيرة على استقلال مصر وكرامتها، ثم هو لا يتحرج من أن يعرض أمورها الخاصة في أسواق باريس وفرسايل، يتحدث بها إلى الصحافيين في غير تحرج ولا احتياط ولا احتفاظ بالتقاليد. يعلن لصحفي إنجليزي أنه لم يستقل ولكنه سيقابل جلالة الملك. ثم يعلن ذلك نفسه إلى مكاتب روتر في محطة من محطات باريس أمام جماعة من المصريين والأجانب، فيهم ممثل وزير الخارجية الفرنسية كأن بين رئيس الوزراء وبين مصر أزمة حادة من أخطر الأزمات، وأشدها هولاً، فأمرها لا يعني مصر وحدها، بل لا يعني جلالة الملك ووزارته وحدهما، وإنما يعني العالم بأسره، وهو لذلك أمر يلقى إلى مكاتب روتر ليذاع في أطراف الأرض أن صدق باشا لم يستقل ولكنه سيرى جلالة الملك. ومعنى هذا أنه حين يرى جلالة الملك إما أن يجاب إلى ما يريد، وإما أن يستقيل. العفو! هذا كلام كان يحسن أن يقال في الإسكندرية أو في القاهرة، لا في فرسايل ولا في باريس. هذا كلام كان يحسن أن يقال للصحف المصرية، لا للصحف الإنجليزية ولا لمكاتب روتر. هذا كلام أقل ما يوصف به أنه مجاوز للياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء. وكل ما عمل رئيس الوزراء منذ أيام خارج عن اللياقة، مخالف للتقاليد، لا ينبغي أن يصدر من رئيس الوزراء؛ فما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعلن افتتاح الأزمة الوزارية في بلد أجنبي، وما كان ينبغي لرئيس الوزراء أن يعطي أزمته هذا الشكل الذي يحسبه أصدقاؤه وأنصاره عظيماً خطيراً، وهو في الحقيقة مضحك يسير.
فإن عند أوروبا وغير أوروبا من الأزمات والمشكلات ما هو أهم وأخطر من أزمة صدقي باشا ومشكلة صدقي باشا. وليس اعتزال صدقي باشا للحكم، أو احتفاظ صدقي باشا بالحكم، من الأمور التي يتوقف عليها مصير السلم في أطراف الأرض، وليس مما يحسن برئيس وزارة مهما كان قوياً أن يتحدث إلى الأجانب عن أزمته الوزارية بهذه اللهجة التي تؤذن بالقوة والعنف، والقدرة على التحدي والإحراج، فكيف به إذا كان ضعيفاً قد خذلته الظروف وتخلى عنه الأولياء؟
قلت لك إن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً مخالفاً للمألوف كما بدأ عجيباً مخالفاً للمألوف، ولكن الذي دعا إلى أن يبدأ هذا العهد السعيد عجيباً شاذاً هو إغراق رئيس الوزراء في الثقة بنفسه، والاطمئنان إلى من كان يمده من قوة وتأييد. والذي يدعو إلى أن يكون ختام هذا العهد عجيباً مخالفاً للمألوف هو إغراق صدقي باشا في اليأس وخروجه عن طوره أمام هذا الإخفاق المنكر الذي لم يكن يقدره ولا يحسب له حساباً. ولو لم يكن رئيس الوزراء قد أخرجه اليأس والإخفاق عن طوره لما تورط في هذه الألوان من التناقض التي تورط فيها منذ أيام، فقد كان يوم الثلاثاء يعلن إلى مكاتب الأهرام أن لديه أوثق التأكيدات بأن تغيير المندوب السامي لا يغير السياسة البريطانية في مصر، فإذا هو يوم الجمعة يتحدث إلى مكاتب روتر ومكاتب الأهرام فيعلن إليهما أن كل ما يتمناه هو ألا يعدل المندوب السامي الجديد عن سياسة المندوب السامي القديم. تبارك الله. وأوثق التأكيدات، ماذا صنع الله به؟ لقد كان مقنعاً يوم الثلاثاء، فذاب يوم الأربعاء والخميس. وأصبح الباشا يوم الجمعة وأمسى وهو يتمنى أن يحتفظ المندوب السامي الجديد بسياسة المندوب السامي القديم. وأكبر الظن أن رئيس الوزراء سيصل إلى الإسكندرية يوم الثلاثاء فيستيقن بأنه لا يستطيع أن يتمنى ولا بد له من أن يطمئن إلى اليأس، ويظفر بأوثق التأكيدات أن تغيير المندوب السامي سيغير السياسة البريطانية في مصر، وسيحور الصلة بين دار المندوب السامي وبين الشؤون المصرية تحويراً كبيراً، لا لأن الإنجليز يريدون ذلك أو يأبونه، بل لأن السياسة التي أقامها صدقي باشا والسير برسي لورين قد انتهت من الفشل والإخفاق إلى حيث لم يبق بد من العدول عنها، واستئناف الدوران في تلك الدائرة التي رسمها الإنجليز لأنفسهم لعلهم أن يجدوا منها مخرجاً.
والظريف من أمر رئيس الوزراء أنه نسي — ولعل المرض هو الذي أنساه، أو لعل اليأس هو الذي أنساه — أن استجداء الإنجليز شيء لا يليق بصاحب الرد التاريخي البديع على المستر مكدونالد. فالإنجليز قوم لا يتمنى عليهم صدقي باشا، إنما يصدر إليهم الأمر، وما ينبغي لصدقي باشا أن يتمنى على الإنجليز أن يحفظوا لمندوبهم السامي الجديد سياسة مندوبهم السامي القديم، وإنما ينبغي له أن يأمرهم بذلك أمراً، فإما أطاعوا فكان السلم، وإما عصوا فكان رد تاريخي بديع، كذلك الرد التاريخي البديع الذي رمى به صدقي باشا منذ ثلاثة أعوام في وجه الإنجليز فتلقوه خاضعين خاشعين.
كل شيء يحول، فقد يكون رئيس الوزراء قوياً منذ ثلاثة أعوام، يتحدى الإنجليز ويقفهم عند ما يرسم من الحدود، ثم يصبح رئيس الوزراء ضعيفاً بعد ثلاثة أعوام، يتمنى على الإنجليز في محطة من محطات باريس — ويشهد العالم كله على هذا التمني — ألا يغيروا سياستهم في مصر بتغيير المندوب ثم صدقني بعد ذلك وصدق رئيس الوزراء حين يقول لك إن الوزارة القائمة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وأن عندنا أوثق التأكيدات بأن السياسة البريطانية لن تتغير بتغيير المندوب.
ستعجز من غير شك عن أن تلائم بين هذه المتناقضات ولكن لا تنس أن هذا العهد السعيد يريد أن ينتهي عجيباً غريبا كما بدأ عجيباً غريباً.
كوكب الشرق في ٣ – ٩ – ١٩٣٣.
Tag: بريطانيا
-
أعاجيب
-
حمى
حمى
مصدرها نقل المندوب السامي إلى تركيا، ولا غرابة في ذلك؛ فالسياسة كغيرها من الآفات، تثير الحمى حين تصل إلى بعض أطوارها الحادة التي تقوي اليأس وتضعف الرجاء، أو تفرض اليأس فرضاً وتمحو الرجاء محواً. وكما أن من اليسير أن تلاحظ الحمى التي تثيرها الآفات المختلفة في أجسام المرضى فتسجل ما يختلف عليها من الصعود والهبوط، فمن اليسير أن تلاحظ أطوار الحمى التي تصيب رجال السياسة وتسجل ما ينالها من الارتفاع والانخفاض. وكما أن لارتفاع الحمى وانخفاضها تأثيراً فيما يصدر عن المرضى من الأقوال وما يأتون من الأعمال، فللحمى السياسية آثارها فيما يقول رجال السياسة وما يعملون. وكما أن أمزجة المرضى وحظوظهم من القوة والضعف تمكنهم من مقاومة الحمى والامتناع عليها أو تخضعهم لسلطان الحمى وتضطرهم إلى الاستسلام لها؛ فأمزجة رجال السياسة تمكنهم أحياناً من أن يقاوموا الحمى السياسية فلا يظهر لها في أقوالهم وأعمالهم أثر ما، وتسلمهم أحياناً لسلطان هذه الحمى فلا يستطيعون مقاومتها ولا الامتناع عليها.
وقد عرفنا من رجال السياسة المصريين زعماء كثيرين، اختلفت عليهم الأحداث، واعترضتهم الخطوب وأطافت بهم الأزمات من كل مكان فثبتوا لها، وصبروا عليها، وظلت وجوههم مشرقة وثغورهم باسمة، وأحاديثهم مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء ولا خلط فيها ولا اضطراب.
وكان رئيس وزرائنا المستقيل من هؤلاء الناس قبل هذا العام، ولعله كان من أشدهم إغراقاً في ذلك وتكلفاً له وازدهاء به، وكثيراً ما تحدث الجادون والمازحون عن تلك الابتسامة التي لم تكن تفارق وجهه المشرق مهما تختلف الظروف، ولكن رئيس الوزراء تغير في هذا العام. وأكبر الظن أن المرض من جهة واتصال العناء السياسي المرهق من جهة أخرى، قد أضعفا حظه من المقاومة وجعلاه رجلاً كغيره من أوساط الناس تؤثر فيه الحمى السياسية فتخرجه عن طوره وتدفعه إلى أقوال وأعمال لا تصدر عن الساسة المحنكين. وما كانت تصدر عنه قبل الآن، فلولا أن حظه من المقاومة قد ضعف حتى أصبح كغيره من الناس لما صدمه نقل المندوب السامي، لأن هذا النقل شيء عادي لا قيمة له، ولا خطر. ولن يكون له تأثير ما في السياسة الإنجليزية المصرية. وهبه عظيم الخطر، بعيد الأثر في هذه السياسة كما يقول المعارضون الذين لا علم لهم بالسياسة ولا فهم لهم لدقائقها ودخائلها، فإن نوابغ الساسة وعظماء الرجال لا يحفلون أو لا يظهرون احتفالهم بالأشياء ذوات الخطر العظيم والأثر البعيد.
ولكن رئيس الوزراء لم يكد يبلغه نقل المندوب السامي حتى خف له طرباً أو جزعاً، فوثب من لوسرن إلى باريس، ثم لم يكتف بالانتقال إلى باريس ليكون قريباً من مفوضيتنا فيها ومن مفوضيتنا في لندرة، وليكون الاتصال يسيراً بينه وبين العاصمتين، عاصمة مصر حيث تتعقد السياسة الداخلية، وعاصمة إنجلترا حيث تتعقد السياسة الداخلية والخارجية معاً، بل عجل عودته إلى مصر واختزل إجازته واستشفاءه اختزالاً. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء لو استطاع أن يثب إلى مصر كما وثب إلى باريس لما تردد ولا اضطرب، ولكن عبور البحر يحتاج إلى أن يصبر، واضطر إلى أن يستعد ويفكر، ولكن الحمى السياسية أخذت ترتفع شيئاً فشيئاً لأسباب قد نعلمها وقد نجهلها. وإذا رئيس الوزراء لا يكتفى بتعجيل عودته، بل يقدم سكرتيره بين يديه بشيراً بهذه العودة، وبما تحمله، أو نذيراً بهذه العودة وبما تحمله من الاستقالة أو بشيراً ونذيرا في وقت واحد.
وكان رئيس الوزراء حرياً أن يحتفظ بسكرتيره الخاص إلى أن يعود، لأنه لم يصطحبه إلا وهو محتاج إليه، فاستغناؤه عنه أكثر من أسبوعين تضحية خطيرة ما كان رئيس الوزراء ليقدم عليها لولا هذه الحمى السياسية التي تكلف الناس شططاً في كثير من الأحيان. ثم لم يكتفِ رئيس الوزراء بهذا البشير النذير الذي قدمه بين يديه، بل أراد أن يضيف إليه بشيراً في الصباح وبشيراً في المساء، أو نذيراً في الصباح ونذيراً في المساء. فدعا إليه مكاتب الأهرام، ثم دعا إليه مكاتب المقطم وحملهما جميعاً هاتين الرسالتين إلى الذين يعنيهم أمر الوزارة في مصر.
فقدم رئيس الوزراء إذن بين يديه طائفة من المبشرين والمنذرين، وكان حرياً بعد ذلك — وقد بلغت الرسالة وأدى الرسل ما طلب إليهم تأديته — أن يهدأ ويطمئن، ويعود إلى طور الساسة الذين يحسنون الصبر للخطوب والأحداث، ولكن رئيس الوزراء لم يهدأ ولم يطمئن، ولم يعد إلى طور الساسة الصابرين، وإنما أخذت الحمى ترتفع وأخذت أقوال رئيس الوزراء وأعماله يدفع بعضها بعضاً في شكل عنيف مخيف، وإذا المفاوضة تتصل بينه وبين الإسكندرية، وإذا هو يرسل نذيراً آخر أو بشيراً آخر مع صحفي إنجليزي، وإذا هو يتهيأ لركوب القطار ليرسل بشيراً آخر أو نذيراً آخر مع مكاتب روتر، وإذا وزيرنا المفوض فخري باشا يشفق عليه من هذه الحدة فيسأل مكاتب روتر في المحطة كالمطمئن لرئيس الوزراء: أترى على هذا الوجه ما يؤذن بأن صاحبه مريض؟ ويمضي القطار برئيس الوزراء إلى مدينة البندقية، وفي مدينة البندقية — للذين يعرفونها — ما يبعث الهدوء والاطمئنان. ويكفي أن ينظر الإنسان المضطرب إلى هذه الخلجان الهادئة المطمئنة التي تخترق المدينة لتهدأ نفسه ويطمئن قلبه، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى هذه الزوارق التي تخطر على هذه الخلجان في هدوء ودعة لتزداد نفسه هدوءاً وقلبه اطمئناناً. ويكفي أن ينظر الإنسان إلى ما في هذه المدينة من مظاهر الفن وآيات الجمال التي اشتركت الطبيعة والناس في إقامتها لتنصرف نفسه عن السياسة وأعراضها وأمراضها، وليصعد في سماء حلوة هادئة من الخيال الذي يبعث في النفوس حياة وراحة، وأملاً ولذة ونعيماً.
وكل هذا خليق أن يهدى حمى الأجسام وحمى النفوس ولكن مدينة البندقية لم تظفر عند رئيس الوزراء بما تظفر به عند الفلاسفة والكتاب والشعراء، وعند عامة الناس أيضاً. فلم تهدى من حدته، ولم تخفف من ثورته، بل ركب السفينة كما ركب القطار إن صح ما تذيعه الأخبار من أنه أبرق إلى كبير الأمناء يلتمس تحديد الموعد الذي يتشرف فيه بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك بعد وصوله إلى الإسكندرية. اعترف بأني أرجو كل الرجاء ألا يكون هذا النبأ صحيحاً، فهو إن صح غريب حقاً. فالناس جميعاً يعلمون حق العلم أن كبار المصريين إذا أبوا من سفر بعيد أو قريب التمسوا أن يتشرفوا بالمقابلة الملكية ليرفعوا إلى صاحب العرش ما يجب عليهم من التحية وما تفيض به قلوبهم من الإكبار والإجلال. ورؤساء الوزارات وزملاؤهم الوزراء أولى الناس بذلك وأسرعهم إليه. والناس جميعاً يعلمون أن هذه المقابلات إنما تطلب بعد العودة، لا قبلها، وبعد أن يقيد طلابها أسماءهم في سجل القصر. وما نظن أن مثل هذه المواعيد تطلب على هذا النحو بالبرق قبل ركوب البحر، أو من على ظهر السفينة إلا أن تكون هناك أحداث جسام، أو دون الجسام تحتاج إلى أن يتعجل رئيس الوزراء التماس هذا الموعد قبل أن يصل إلى الإسكندرية، ولا سيما وقد علم الناس أنه سيتشرف بالمقابلة، علم الناس ذلك من طبيعة الظروف التي نحن فيها. وعلم الناس ذلك أيضاً من تصريح رئيس الوزراء الذي أعلنه إلى الصحفى الإنجليزي وإلى مكاتب روتر قبل أن يترك باريس. فأنت توافقني من غير شك على أن هذا النبأ إن صح — وأنا أتمنى ألا يكون صحيحاً — يدل على أن هذه الأزمة السياسية قد وجدت من رئيس الوزراء رجلاً ضعيف الحظ من المقاومة والاحتمال، فأخرجته عن طوره، وتجاوزت به حدود التقاليد.
والأنباء تحدثنا بأن القصر لم يحدد هذا الموعد الذي طلبه رئيس الوزراء بالبرق بعد. فسيصل رئيس الوزراء سالماً موفوراً غداً إن شاء الله إلى الاسكندرية، وسيذهب رئيس الوزراء إلى رأس التين فيقيد اسمه في سجل القصر كغيره من رؤساء الوزارات وكبار المصريين. وفي الوقت بعد ذلك سعة يتلقى فيها رئيس الوزراء تحديد الموعد الذي طلبه للتشرف بمقابلة حضرة صاحب الجلالة الملك، قد يتلقى تحديد هذا الموعد مساء الثلاثاء، وقد يتلقاه يوم الأربعاء وقد يتلقاه بعد ذلك، ولكن المعقول والمألوف والملائم لأوضاع القصر وتقاليد السياسة أن يتلقى تحديد هذا الموعد في الإسكندرية، لا في البندقية ولا على ظهر السفينة.
وبعد فإن هذه التصرفات التي صدرت عن رئيس الوزراء منذ أيام، وصح أكثرها فلم يبق عرضة للشك دليل واضح على أن الذين نصحوا لرئيس الوزراء بأن يعتزل الحكم، ويريح نفسه من أعباء السياسة حين ثقل عليه المرض لم يكونوا غاشين ولا مخطئين، وإنما كانوا ناصحين حقاً، وموفقين إلى الصواب حقاً.
وكل ما نتمناه أن تكون هذه الآخره التي ينتهي إليها حكم صدقى باشا عظة لغيره من الذين يتولون رياسة الوزارات تعلمهم أن النهوض بأعباء الحكم كما ينبغى، وكما يليق يحتاج إلى صحة كاملة وقوة موفورة ونشاط لا يعرف الضعف، ولا يخاف عليه الفتور.
كوكب الشرق في ٤ – ٩ – ١٩٣٣. -
جلاء
جلاء
لم يبق شك ولا ريب في أن جو السياسة المصرية قد أخذ ينجلي شيئًا فشيئًا، ويزول عنه هذا السحاب الكثيف الذي كان يحول بينه وبين الصفو منذ أسابيع. فقد طرد الإنجليز بعض هذا السحاب الكثيف حين نقلوا مندوبهم السامي، وحاول «رئيس الوزراء» أن يطرد بعضه الآخر أول أمس، فأقدم على ذلك في استحياء قبل الظهر، ثم في صراحة مع المساء. تحدث إلى «الأهرام» فأكد أن وزارته قوية متينة كأقوى ما كانت وكأمتن ما كانت، بل أقوى وأمتن مما كانت في يوم من الأيام. ولم يكد يختم حديثه حتى ذكر تعديل الوزارة، وأشار إلى التغيير الممكن لأن بقاء الوزارات في مراكزها على الدوام شيء لا سبيل إليه.
ولم يكد يتقدم النهار حتى كان «رئيس الوزراء» قد وجد حظًا كافيًا من الشجاعة يمكنه من أن يصارح الناس بالحق، ويظهرهم على جلية الأمر، وليس في ذلك شيء من الغرابة. فـ«رئيس الوزراء» الآن مقيم في فرنسا، وهو يسمع الفرنسيين يرددون ألف مرة ومرة في اليوم مثلهم السائر الحكيم: إنما المشقة في الخطوة الأولى. وقد خطا «رئيس الوزراء» هذه الخطوة مع «الأهرام» فاستنفد الجهد الجاهد والمشقة العنيفة، وهان عليه الخطوة الثانية فخطاها مع كاتب «المقطم» في المساء، ولمح إلى استقالته تلميحًا، أو صرح باستقالته تصريحًا، فذكر أن شخص الوزير الذي ينهض بأعباء الحكم لا خطر له، وإنما الخطر كل الخطر لسياسته ونظامه؛ لأن الوزير قد تضطره ظروف كالمرض مثلًا إلى أن يترك منصب الحكم. فأما السياسة فهي الشيء ذو الخطر. ثم أكد «رئيس الوزراء» أن سياسته باقية لأنها تعتمد على ثقة البرلمان. ومعنى ذلك أن شخص «رئيس الوزراء» كشخص «السير برسي لورين»، لم يبق لهما غناء في السياسة المصرية، وأن سياستهما فيما يقول «رئيس الوزراء»، وفيما يقول بعض الإنجليز والمصريين، باقية لم تتغير ولن تتغير.
فلنسجل قبل كل شيء أن المندوب السامي قد نقل بالفعل، وأن «رئيس الوزراء» نفسه ينبئنا عن نفسه بأنه سيستقيل إن لم يكن قد استقال بالفعل. وإذن فالشخصان اللذان أقاما سياسة هذا العهد السعيد قد أكرهتهما ظروف لا يعنينا الآن أن نحددها على أن يدعا هذه السياسة للأقدار.
ونظن أن هذه خطوة لها قيمتها في وضوح الموقف السياسي المصري، وفي جلاء هذه الأزمة السياسية التي أظلت مصر منذ أكثر من ثلاث سنين. فمهما يقسم أنصار هذا العهد السعيد من الإنجليز والمصريين على أن هذه السياسة باقية لن تتغير، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن هذه السياسة قد فقدت دعامتها القوية وقوامها الصحيح حين فقدت «رئيس الوزراء»، وحين فقدت المندوب السامي القديم.
ومهما يقسم أنصار العهد السعيد على أن الإنجليز لن يغيروا سياستهم، وعلى أن هذه السياسة لن ينالها التعديل من أي ناحية من نواحيها، فهم مضطرون إلى أن يعترفوا بأن الأيام نفسها قد عدلت هذه السياسة تعديلًا ذا خطر حين أقصت عنها دولة «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
فليست السياسة شيئًا مستقلًا يستطيع أن ينشئ نفسه، وإنما هي عمل من أعمال الناس، ينشئها الناس ويصرفونها ويمدونها بأمزجتهم وبما في طبائعهم من قوة أو ضعف، ومن ميل إلى الخير أو الشر، ومن حب للاستقامة أو الاعوجاج. والله وحده قادر على أن يمنح سياسة هذا العهد السعيد رجلين لهما مزاج «رئيس الوزراء» والمندوب السامي وطبيعتهما وفطرتهما، لا يخالفانها في ذلك قليلًا ولا كثيرًا. وإذن فمهما يكن خليفة «رئيس الوزراء»، ومهما يكن خليفة المندوب السامي، فسيكون لهما أثر في السياسة مخالف قليلًا أو كثيرًا لأثر الرئيس المستقيل والمندوب المنقول.
ذلك ونحن واثقون كل الثقة بأن «السير برسي لورين» لم ينقل لأن وزارة الخارجية البريطانية تحب العبث أو تميل إلى التفكه بتبديل المندوبين الساميين، وإنما نقل لأن وزارة الخارجية كانت تريده لعمل عجز عن إتمامه أو فشل فيه، فلم تره قادرًا على النهوض بهذا العمل؛ فأرسلته إلى حيث يستطيع أن يغني أو يفيد. ونحن واثقون بأن المرض ليس وحده هو الذي يدعو «رئيس الوزراء» إلى أن يستقيل أو يفكر في الاستقالة، فقد مرض «رئيس الوزراء» منذ أشهر طوال، واشتد عليه المرض حتى أعجزه عن كل عمل وعن كل تفكير. وكان الحق عليه لنفسه ولوطنه أن يستقيل منذ أحس العجز عن احتمال منصبه، ولكنه لم يستقل ولم يظهر تفكير في الاستقالة، وإنما استشفى واستشفى. وأكبر الظن أنه كان يفكر أثناء هذا الاستشفاء في الاحتفاظ بالصحة. ويقال إن الله قد رد إلى «رئيس الوزراء» صحته، ومنّ عليه بحظ من الشفاء لا بأس به، فكان المعقول أن يبقى حيث هو، وأن يشتد حرصه على منصبه، ولكنه ينبئنا أول النهار بأن وزارته قد تعدل، وينبئنا آخر النهار بأن وزارته قد تستقيل. وتستفيض أحاديث الناس بأن وزارته مستقيلة بالفعل.
فليكن منطقنا معوجًا، وليكن تفكيرنا ملتويًا، وليقل أنصار الوزارة ما يريدون أن يقولوا في منطقنا وتفكيرنا، فإننا لا نستطيع أن نؤمن بأن ليست هناك صلة بين نقل المندوب السامي واستقالة «رئيس الوزراء» أو تفكيره في الاستقالة وتهيئه لها. ثم لا نستطيع أن نؤمن بأن ابتعاد هذين الرجلين معًا عن السياسة المصرية دليل قوي أو ضعيف على أن السياسة المصرية ستبقى كما هي بعد ابتعادهما عنها، لا يصيبها تغيير ولا تبديل. هذا كلام يقال للأطفال وضعاف الناس، فأما الذين يعقلون فلا يستطيعون أن يصدقوه، ولا أن يطمئنوا إليه.
وإذن فقد أخذ الجو السياسي في مصر ينجلي، وأخذت السياسة المصرية تسلك سبيلها إلى التغيير، وبدأت أحاديث الناس تتناول هذا التغيير بالتحليل والتأويل؛ أولئك يشفقون وهؤلاء يطمعون، أولئك تلعب الأماني بقلوبهم، وهؤلاء يفرق اليأس في نفوسهم. وأخذت الألسنة تصيب حظوظًا من الفصاحة لا تشبهها إلا فصاحة أولئك القواد الذين يدبرون خطط الحرب في الأندية والقهوات، وأمام أكواب الشراب وموائد النرد والشطرنج. وأخذت «الأهرام» تذكر الفروض وأحاديث النفوس الآملة واليائسة، فقوم يذكرون معاهدة قد تم مشروعها، ويراد إمضاؤها قبل أن يتفرق الصديقان العزيزان: «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وقوم يذكرون الوزارة القومية التي تجري الانتخابات حول المعاهدة بين المصريين والإنجليز، وقوم يذكرون هذا وذاك، وقوم يلمحون بأن الحكم وسيلة لا غاية، إلى آخر هذا الكلام الكثير الذي تحدثت به «الأهرام» إلى الناس صباح اليوم.
ولكن الشيء الوحيد الذي لم تتحدث به «الأهرام»، والذي لم تروه لقرائها، هو أن كل هذه الفروض، وكل هذه الأحاديث لا قيمة لها، لا لأن سر الإنجليز لم يظهر بعد، ولا لأن سر المشرفين على السياسة في مصر لم يظهر بعد، بل لأن رأي الشعب المصري قد ظهر واضحًا جليًا، لا لبس فيه ولا غموض، منذ بدأ «صدقي باشا» و«السير برسي لورين» هذا العهد السعيد، بل قبل أن يبدآه بزمن طويل. وكان هذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري دائمًا هو السبب الأول لإخفاق «صدقي باشا» و«السير برسي لورين»، وسيكون هذا الرأي دائمًا هو السبب لإخفاق كل سياسة تذهب مذهب هذه السياسة، وإخفاق كل وزير يذهب في السياسة مذهب «السير برسي لورين».
وهذا الرأي الذي أظهره الشعب المصري واضحًا جليًا، وسيظهر واضحًا جليًا مهما تكن الظروف، هو أن مصر لا يمكن أن يقضي في أمورها أحد غيرها، ولا بلد غيرها، وإنما ينبغي أن تقضي هي في أمرها، وأن تقضي في أمرها كما تريد، لا كما يراد لها. فقد مضى الزمن الذي كانت تساس فيه الشعوب المتحضرة كما يساس الأطفال، فتؤخذ مرة باللين وأخرى بالشدة، وحينًا بالمكر وحينًا بالصراحة. مضى هذا الزمن، ولم يبق أمل في أن يعود، فالذين يريدون أن يفاوضوا مصر أو يعاهدوها خليقون أن يردوا قبل كل شيء إلى مصر حريتها الخالصة في تدبير أمورها، لتفاوض مختارة حرة، وتعاهد مختارة حرة، محتملة لتبعة المفاوضة والمعاهدة في صراحة ونصح وإخلاص.
فأما أن تجري المفاوضات سرًا، ومن وراء حجاب، ثم تختلس المعاهدة اختلاسًا، وأما أن يجعل قبول المعاهدة شرطًا لوصول مصر إلى حريتها واستقلال مصر بأمورها، فذلك شيء لن تقبله مصر، ولن ترضاه، ولن يظفر الذين يحاولونه من النجاح إلا بمثل ما ظفر به «صدقي باشا» و«السير برسي لورين».
لقد انجلى الموقف السياسي الآن، وظهر أن سياسة هذا العهد السعيد قد أخفقت إخفاقًا شنيعًا، وأن لا بد من العدول عنها. ومصر باسمة لهذا الإخفاق، منتظرة في ثقة لما سينكشف عنه الغد، معلنة دائمًا في حزم وقوة، وفي عزة وإباء، أن كل سياسة لا تقوم على احترام حريتها ورد حقوقها إليها قبل كل شيء صائرة إلى الفشل، منتهية إلى الإخفاق.
فليتدبر ذلك الذين تتوق نفوسهم إلى الحكم ويتهيأون للوثوب إلى مناصبه، وليتدبره الآن من غير شك هؤلاء الذين تحزن نفوسهم على الحكم ويتهيأون للنزول عن مناصبه.
[1] كوكب الشرق في ٣٠-٨-١٩٣٣. -
دائرة
دائرة حُصِرَتْ فيها المسألة المصرية منذ عشر سنين، كما يقول مكاتب الأهرام من لندن. فنهض الوفد بأعباء الحكم ثم تركها، ونهض به مناوئوه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه ثم عادت إليه، ثم رُدَّت إلى مناوئيه، وهي الآن ما تزال على أكتافهم الضعيفة التي لا تستطيع لها احتمالًا. وأظهر الإنجليز مسالمة الوفد ثم خاصموه، ثم عادوا إلى المسالمة، ثم عادوا إلى الخصام، ثم عادوا إلى المسالمة مرة أخرى، ثم عادوا إلى الخصام، وهم الآن غارقون فيه إلى الأذقان أو إلى الآذان. وفى أثناء هذا الدوران ذهب مندوب وجاء مندوب، ثم أصابه العزل وجاء مكانه مندوب آخر، ثم دهمه النقل وعُيِّنَ مكانه مندوب جديد، وهو الآن في الصين يتهيأ للرحلة إلى وادي النيل.
والخصومة بين مصر وإنجلترا ما زالت قائمة كعهدها يوم شبت الثورة بعد الحرب الكبرى. يريد المصريون أن يستقلوا استقلالًا صحيحًا، ويريد الإنجليز أن يخدعوهم عن هذا الاستقلال. أبوا عليهم أول الأمر، ثم ظهر أن الإباء لا يجدي ولا يفيد فاعترفوا به.
ونزلوا عن شكله وصورته، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون في الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام فأحسن رسمها، ولا يجدون إلى تحقيقها سبيلًا.
والإنجليز قوم يحبون الصبر والمصابرة، ويتخذونهما أساسًا للسياسة في الشرق، وفي غير الشرق. واليأس بطيء جدًا حين يسعى إليهم، أو يحاول التأثير في سياستهم، ولكنهم لم يُعصَموا منه، ولم يأخذوا على الأيام عهدًا بأن تقطع بينهم وبينه الأسباب. فهم قد احتلوا مصر منذ أكثر من نصف قرن، وحاولوا أن يسلطوا بطشهم على نفوس المصريين ليخافوهم ويؤمنوا لهم فلم يفلحوا، وخلطوا شدة بلين، وعبوسًا بابتسام فلم يفلحوا، وأعلنوا الحماية وأقرتهم عليها الدول، وأيدوها بالحديد والنار، وسفكوا في سبيل تأييدها دماء زكية غزيرة، وأزهقوا في سبيل تأييدها نفوسًا نقية كثيرة فلم يفلحوا، ثم جنحوا إلى السلم فاستردوا حمايتهم، وأعلنوا لمصر استقلالها، وما زالوا منذ ذلك اليوم يدورون، يبطشون مرة فلا يفلحون، ويلينون مرة أخرى فلا يفلحون.
والمصريون ينظرون إليهم في هذا كله مبتسمين ابتسام المؤمن بالحق، المطمئن إليه، الواثق بالفوز آخر الأمر فوزًا ليس إلى الشك فيه من سبيل. ومهما تبحث في هذه الخصومة الطويلة بيننا وبين الإنجليز فأنت منتهٍ دائمًا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الإنجليز إن كانوا قد ظفروا بكثير من المنافع العاجلة الزائلة فإن موقفهم من مصر اليوم كموقفهم من مصر قبل نصف قرن، لم يتقدم خطوة واحدة، بل لعله تأخر خطوات. فقد احتلوا مصر وهي خاضعة لسلطان الترك، وما زالت الحوادث تعمل والمصريون يعينونها على العمل حتى خلصت مصر من السلطان التركي. وقد همّ الإنجليز أن يخلفوا الترك ولكنهم لم يفلحوا، واضطروا إلى أن يعترفوا بأن موقفهم لا يزال كما كان من قبل، موقف المحتل الغاصب الذي عجز عن أن يجعل غصبه أمرًا مشروعًا.
فإذا كان أحد قد انتفع من هذا الصراع الطويل بين هذا الشعب المصري الأعزل الضعيف الذي اصطلحت عليه الخطوب، وتآلبت عليه الدول، وبين هذا الشعب الإنجليزي العظيم الذي ساد الأرض بقوته ومكره وثروته، فليس من شك في أن المصريين إلى الآن هم الفائزون، وهم مدينون بفوزهم هذا لأنفسهم لا لشيء آخر. هم مدينون بفوزهم لهذا الحرص الطبيعي على عزتهم وكرامتهم، ولهذا الإلحاح الطبيعي في حريتهم واستقلالهم. فهم قد عرفوا أنفسهم منذ أقدم عصور التاريخ شعبًا كريمًا، وعرفهم الناس كذلك شعبًا كريمًا. وهم قد خضعوا لضروب من البغي وألوان من العدوان جاءتهم من الفرس واليونان والرومان، وجاءتهم أيضًا من العرب والترك والفرنسيين، وجاءتهم الآن من الإنجليز، وهم قد صبروا لهذا كله وانتصروا على هذا كله، فردوا من ردوا من المعتدين، وأفنوا في أنفسهم من أفنوا من هؤلاء المعتدين.
فليس غريبًا أن يثبتوا للإنجليز أكثر من نصف قرن كما ثبتوا لغيرهم، وليس غريبًا أن يخلصوا من الإنجليز بعد طول الصراع كما خلصوا من غيرهم. وإنما الغريب ألا يعتبر الإنجليز بالحوادث، ولا يستفيدوا من العظات، ولا يقدروا أنهم لن يظفروا الآن بما عجزوا عنه في القرن الماضي.
فمصر الآن أرق وأقوى وأعرف لحقها، واحرص عليه مما كانت في بدء الاحتلال، ومما كانت بعد الحرب، ولا تزيدها الأيام إلا معرفة لهذا الحق، وحرصًا عليه، وتشددًا فيه، وجدًا في السعي إليه. الغريب أن الإنجليز لا يزالون يخيلون إلى أنفسهم أنهم قادرون على إذلال هذا الشعب، وواصلون إلى خداعه والعبث به بعد أن أقامت لهم الأيام والحوادث أوضح الأدلة على أن هذا شيء لا مطمع فيه. وأغرب من هذا أن هؤلاء الإنجليز لا يخدعون أنفسهم، وإنما يخدعهم فريق من طلاب المنافع وذوي الأغراض والمآرب، يخيل إليهم أن البضاعة حاضرة وأن تسليمها أمر يسير، فيسمعون لهم ويمدونهم بالقوة والتأييد، ويدفعونهم إلى الحكم دفعًا، ويظاهرونهم على ظلم الشعب والبطش به، وينتظرون منهم تسليم البضاعة، فلا يسلمون إليهم إلا خيبة وفشلًا، وإلا خذلانًا وإخفاقًا، ولولا انخداعهم بهذا الفريق من الضعفاء، وأصحاب المنافع لما داروا وأطالوا الدوران في هذه الدائرة التي رسمها مكاتب الأهرام منذ عشر سنين.
والغريب أن قد خيل إلى الإنجليز في أول هذا العهد السعيد أنهم قد أوشكوا أن يخرجوا من هذه الدائرة بفضل الكفاية النادرة والبراعة الباهرة والمقدرة الساحرة التي امتاز بها رئيس الوزراء، فانتظروا عامًا غير فيه النظام، وعامًا أنفذ فيه النظام الجديد، وعامًا آخر مضى فيه تنفيذ النظام الجديد، ولكنهم انتظروا وما زالوا ينتظرون ولم يظفروا بشيء.
وواضح جدًا من حديث مكاتب الأهرام — ومن غير هذا الحديث — أن الإنجليز كانوا يقدرون أنهم سيفوزون على مصر هذه المرة بالصبر والمصابرة، وبالبطش والإلحاح فيه، وكانوا يظنون أن اعتزال الشعب المصري تحت الخيمة كما فعل أخيل، وامتناع الشعب المصري عن الاشتراك في الانتخابات أمر لن يطول، ولا بد آخر الأمر من أن يخرج الشعب من خيمته، ويذعن للسلطان الذي فرض عليه، ولكن عامًا مضى وتبعه عام، ثم تبعهما عام آخر، وبدأ العام الرابع دورته والحوادث تختلف، والخطوب تلح، والعسف يعبث بالأخلاق والأجسام، والفقر يفتك بالموسرين والمعسرين، والشعب تحت الخيمة مقيم لا يريم، ولا يفكر في أن يخرج منها، ولعله لم يكن في يوم من الأيام أشد احتفاظًا بموقفه واستمساكًا بإبائه منه في هذه الأيام، ولعله أن يكون غدًا أشد منه اليوم احتفاظًا بهذا الحق واستمساكًا بهذا الإباء.
لذلك يئس الإنجليز من سياسة هذا العهد السعيد، واضطر الإنجليز إلى أن يستأنفوا الدوران الذي كانوا فيه، فنقلوا مندوبًا، وعينوا مندوبًا، وبدؤوا يدورون. وليس يعنينا بحال من الأحوال ما سيلقونه في طريقهم من العقبات أو يعترضهم من المصاعب، فلسنا نحن الذين رسموا لهم هذه الدائرة، ولم نكرههم نحن على أن يدوروا فيها، وإنما هم الذين يجدون في الدوران وتكراره لذة، فليدوروا إذن، وليجربوا، وليؤيدوا الوزارة القائمة تأييدًا حازمًا أو رخوًا، وليزهدوا في هذه الوزارة وليؤيدوا وزارة أخرى تشبهها من قريب أو تشبهها من بعيد، وليلتزموا حيادهم الدقيق كما التزموه إلى الآن، أو ليلتزموه في شكل جديد يجعل تدخلهم في شؤون مصر أظهر.
وأصرح. فليس يعنينا من هذا كله شيء، إلا أن نرى ونبتسم واثقين بأنهم سيدورون ويدورون، ويجربون ويجربون، ثم ينتهون دائمًا إلى حيث بدءوا، لا يجدون مخرجًا من هذه الدائرة إلا أن يعدلوا عن سياسة الدوران إلى سياسة المضي على الصراط المستقيم والاتفاق الشريف النقي البريء من كل غدر ومكر أو إضمار للغدر والمكر مع المصريين.
ما أكثر الفروض، وما أحب الإنجليز لها، وأرغبهم فيها. أيقدر رئيس الوزراء على أن يحتمل أعباء منصبه دهرًا طويلًا فيبقى، أم يعجز رئيس الوزراء عن ذلك فيستقيل؟ وإن استقال فمن أين يختار خلفه؟ أمن أقصى اليمين أم من أقصى الشمال أم من فريق وسط بين بين؟ ومتى يكون هذا؟ قبل عودة المندوب السامي القديم أم أثناء قامته القصيرة أم بعد وصول المندوب الجديد؟
فروض كثيرة ولكنها لا تغني من الحق الواقع شيئًا. والحق الواقع الذي لا يحتمل شكًا ولا جدالًا هو أن الإنجليز وأصدقاءهم حائرون، وأن لا مخرج لهم من هذه الحيرة إلا بالعدول عن الدوران، واستقبال هذا الشعب المصري الثابت الصريح بسياسة ثابتة صريحة. فأما ما دون ذلك فعبث كهذا العبث الذي نحن فيه منذ عشر سنين. ومن لمحقق أن هذا العبث يغيظ الإنجليز ويسيء إليهم وإلى سمعتهم في العالم وهيبتهم في الشرق بمقدار ما يحسن إلينا فيزيدنا ثقة بالحق ويظهرنا لمعالم الشرق مظهر الذين يعرفون كيف يلقون الخطوب وهم أسمى.
كوكب الشرق ٢٨-٨-١٩٣٣ -
كلام
كلام. [1] لن تتغير السياسة الإنجليزية في مصر برغم هذا النقل الذي فوجئ به المندوب السامي القديم على غير انتظار، أو الذي طُبخ له طبخًا، وأنضج له إنضاجًا، لا منذ أسابيع، بل منذ شهور. لن يكون لهذا النقل أثر في تغيير السياسة المصرية الإنجليزية. على ذلك أجمعت الصحف الإنجليزية إجماعًا مريبًا، إن دل على شيء فإنما يدل على أنه إجماع مقصود، متكلف، قد صدر الوحي به والدعوة إليه.
وسواء أصدق هذا الإجماع أم لم يصدق، فإن في حديث بعض الصحف الإنجليزية ما يدل على أنه إجماع مزيف، ليس أقل تزييفًا من الحياد الذي أعلنه الإنجليز، وكرروا أنهم سيلزمونه ولا يعدونه. فهذه «الديلي تلغراف» — وما أكثر أعاجيب «الديلي تلغراف» في هذه الأيام الأخيرة — تتحدث أمس عن عودة السير برسي لورين ليقيم في مصر أسابيع قبل أن يذهب إلى أنقرة، فتزعم أن إقامته القصيرة في القاهرة ستكون عظيمة النفع إذ غُيِّرت الوزارة المصرية، لأن تغييرها أمر لا بد منه بسبب هذه العلة المقيمة التي لن تسمح لرئيس الوزراء بأن يمضي في تصريف الأمور. فقد نحب أن نعلم فيم تدخل المندوب السامي الجديد في شئون الوزارة المصرية ما دام الإنجليز قد أعلنوا حيادهم، وما داموا مصممين على لزوم هذا الحياد، مصرين على ألا يعنوا من شئون مصر إلا بما يتصل بالتحفظات المعروفة. وحتى كان مرض «صدقي باشا» واضطراره إلى الاستقالة، واضطرار مصر إلى أن تختار مكانه رئيسًا آخر للوزارة، متى كان هذا كله أو بعضه من التحفظات التي قصر الإنجليز عنايتهم عليها منذ أعلنوا حيادهم البديع؟
إن الذي يعلمه الناس جميعًا، ويسرف في تأكيده أنصار الوزارة، ونتمنى نحن مخلصين أن يتحقق، هو أن إقالة الوزراء وتعيينهم وإبقاءهم في مناصبهم ليس من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها. ولكن الصحف الإنجليزية لا ترى هذا الرأي لأن الإنجليز لا يرون هذا الرأي، أو هم يرونه في الجهر ويأبونه في السر، فيعلنون إلى الناس أنهم على الحياد، ويأبون في الوقت نفسه إلا أن يدخلوا، أو يشرفوا على الأقل من قريب على شئون مصر حين يعتل وزير فيستقيل، وتختار مصر مكانه وزيرًا آخر.
إجماع [2] الإنجليز إذن على أن تغيير المندوب السامي لن يستتبع تغييرًا في السياسة الإنجليزية، كلام لا يدل على شيء كإجماع الإنجليز منذ أعوام على أنهم قد نفضوا أيديهم من شئون مصر الداخلية، ووقفوا منها موقف الحياد. وأظرف من هذا الكلام الذي لا يدل على شيء كلام آخر لـ «الديلي تلغراف» نفسها في هذا الفصل نفسه. فقد زعم مكتب هذه الصحيفة أن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي دليل واضح على أن الحكومة البريطانية لا تريد تغيير سياستها، وعلى أن المفاوضة ستظل مرجأة مؤجلة، ولكنه دليل واضح كذلك على أن الحكومة البريطانية ستحتفظ بهذا الموقف الحازم المعتدل المشوب بالعطف الذي لا يسمح للخارجين على النظام بالقيام في سبيل التقدم المطرد المنظم يعترضون تقدم مصر.
والذين حالت إنجلترا وستحول بينهم وبين إفساد النظام وتأخير الرقي المصري المطرد هم الأمة المصرية، لا أقل ولا أكثر. هم هذه الأمة التي قاومتها إنجلترا ومندوبها السامي مرة ومرة، حتى إذا خُيِّل إلى إنجلترا ومندوبها السامي أن هذه المقاومة قد أَلانت من قناتها، وفلت من حدها، تقدمت إليها إنجلترا وتقدم إليها المندوب السامي بغصن الزيتون وراية السلم يبتغيان خداعها عن حقها، فإذا لم يظفرا عادا إلى المقاومة العنيفة وقتًا يقصر أو يطول، وما يزالان كذلك حتى تقوم أوضح الأدلة — إن لم تكن قد قامت الآن — على أنهما يبغيان أمرًا لا سبيل إليه.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم إنجلترا هم الأمة التي قاومتها بـ «اللنبي» حتى إذ أعيتها المقاومة سالمتها بـ «جورج لويد»، حتى إذا أيأستها المسالمة ولم تحقق لها ما كانت تريد، قاومتها بـ «جورج لويد» نفسه، حتى إذا لم تظفر من المقاومة بشيء عزلت «جورج لويد» وأرسلت «برسي لورين» يحمل العافية والسلم، ويتقدم بالصلح والمودة، وهمت أن تستفيد من هذا كله، فلما عرفت أن السلم لا يخدع مصر كما أن الحرب لا تخيفها حوَّلت «برسي لورين» من سلم إلى حرب، ومن لين إلى عنف، وأقامته على حرب هذه الأمة ثلاثة أعوام كاملة، ثم استيأست من الحرب أو ملتها، وأشفقت من عواقبها، فهي تريد الآن أن تعود إلى طريق المسالمة لتسلكها من جديد.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين تقاومهم الحكومة الإنجليزية ولا تريد أن تشجعهم على إفساد النظام وتأخير الرقي هم الذين نهضوا بالحكم مرة ومرة، فلم يفسد في أيامهم نظام، ولم يتأخر في أيامهم رقي، ولم يذق الناس في أيامهم جوعًا ولا حرمانًا، ولم تُخَضَّب أرض مصر في أيامهم بدم المصريين، ولم يعتدِ بعض الناس في أيامهم على بعض كما يعتدون الآن، ولم يُصرَع الناس في أيامهم جهرة على الطريق العام، ولم تفسد أداة الحكم في أيامهم كما فسدت الآن، ولم تصبح مرافق البلاد ومصالحها كما هي الآن مظاهر ليس وراءها شيء، وصورًا ليس وراءها حقيقة، وفنونًا للإعلان ونشر الدعوة.
هؤلاء الخارجون على النظام الذين [3] يقاومهم الإنجليز لأنهم يؤخرون الرقي المصري المطرد لم يفسدوا نظامًا، وإنما أصلحوه، ولم يؤخروا رقيًّا، وإنما قدموه، لكنهم على ذلك، أو قل لذلك، ملومون مبغضون، لأن إنجلترا — فيما يظهر — لا تريد لمصر نظامًا صحيحًا، ولا رقيًّا صحيحًا. وإنما تريد هذا النظام الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يبسط يدها ويد الأجانب على كل شيء في الجهر حينًا، وفي السر أحيانًا. وتريد هذا الرقي الذي تحبه هي ونكرهه نحن، والذي يجعل استقلال مصر ألفاظًا لا معاني لها، ويمسك مصر في نوع من القصور تشتد معه حاجتها إلى الموظفين من الإنجليز والأجانب، ويضطر مصر إلى إحدى اثنتين: فإما أن تريد الإصلاح فتلجأ إليهم وإلى الأجانب، وإما أن تستقل بأمورها فتفسدها وتفتح لهم باب التدخل والاحتجاج. وهؤلاء الخارجون على النظام ملومون مذنبون مسرفون في الإثم، لأنهم لم يقروا خزان جبل الأولياء، ولم يقطعوا على أنفسهم عهدًا بتغذية الحكم الإنجليزي في السودان على حساب مصر، ولم يأخذوا في التمهيد لخزان تانا، ولم يصانعوا الشركات الإنجليزية والأجنبية، ولم ييسروا لها السبل، ولم يفتحوا عليها أبواب الأمل، وهم لهذا كله خارجون على النظام، وهم لهذا كله مؤخرون للرقي.
على أن الأمر لا يعدو — كما قلنا — أن يكون كلامًا لا يدل على شيء، فإن اختيار المندوب السامي الجديد بين رجال السلك السياسي لا يدل بحال من الأحوال على أن الإنجليز يميلون إلى تأجيل المفاوضة أو إرجائها، فهم قد اختاروا السير برسي لورين من رجال السلك السياسي، لا ليؤخروا المفاوضة، بل ليعجلوها، ولا ليرجئوا المعاهدة، بل ليسبقوا إليها. فلما أعياهم ذلك وآثروا مقاومة الشعب على إرضائه، وعلموا أنهم لن يظفروا بمفاوضة منتجة، ولا بمعاهدة مستقرة ما داموا يغاضبون الشعب ويؤيدون حكمه على غير ما يهوى، أجلوا المفاوضة كارهين، وأرجؤوا المعاهدة راغمين. فاختيار المندوب السامي بين رجال السلك السياسي أو بين غيرهم من الناس لا يدل على شيء، ولا يثبت شيئًا. إنما هو كلام يقوله مكتب «الديلي تلغراف» السياسي، لأنه يريد أن يقول شيئًا مهما يكن، لا لأنه يريد أن يصور الحق كما ينبغي أن يكون.
ولم يمضِ أسبوع واحد على هذا الفصل البديع الذي أكدت فيه هذه الصحيفة نفسها أن السير برسي لورين مقيم في مصر، غير مصروف عنها ولا منقول منها، ولم يكد الناس يبدءون في قراءة هذا الفصل حتى أذاعت فيهم وزارة الخارجية أن السير برسي لورين قد نُقل من مصر.
فخليق بالمصريين ألا يحفلوا بما تكتبه «الديلي تلغراف» [4] أو غيرها من الصحف الإنجليزية أكثر مما ينبغي، فقد ظهر أن العبث والاستهانة بالحق، والميل إلى تلهية القراء، قد أصابت كل شيء، حتى الصحف الإنجليزية الكبرى التي كانت فيما مضى من الزمان أشد إيثارًا للجد، واحتياطًا في القول، ووزنًا لما تذيع من الأنباء وما تعلق به عليه من التفسير، فأصبحت الآن كغيرها من الصحف تثبت اليوم وتنفي غدًا، وتؤكد اليوم وتشك غدًا. وإذ لم يكن بد من أن يصور المصريون لأنفسهم موقف الإنجليز منهم الآن، فلعل أصدق تصوير لهذا الموقف أن يقال إن الإنجليز حائرون، يعلمون حق العلم أنه لا أمل في توثيق الصلة بينهم وبين مصر إلا إذا لجؤوا إلى مصر نفسها. ويخاف فريقٌ منهم مصرَ هذه؛ لأنهم يؤثرون المنافع العاجلة على الاتفاق الشريف. وتضطرب سياسة الإنجليز بين هذا العلم بالحق، وهذا الخوف من الحق، وهذا الإيثار بالمنافع العاجلة الضئيلة. ولولا ذلك لما علّقوا مندوبهم أشهرًا ثم نقلوه، ثم كلفوه العودة إلى مصر ليقيم فيها أسابيع.
كل هذا دليل على حيرة في لندن، تشبهها حيرة أصدقاء الإنجليز في مصر. فأما الذين لا يعرفون الحيرة ولا يخافونها ولا يشفقون من الاضطراب ولا من التخبط، وإنما يثبتون في موقفهم أو يمضون أمامهم في طريق مستقيمة، لا عوج فيها ولا التواء، فهم هؤلاء الخارجون على النظام، الذين يقاومهم الإنجليز، ولا بد من أن يعودوا إليهم سواء أرضوا ذلك أم كانوا له كارهين.
[1] كوكب الشرق في ٢٢-٨-١٩٣٣. [2] ظلت سياسة الإنجليز في مصر مدة سنة تقريبًا لم تتغير ولم يبدُ أنها ستتغير. فاستقالة إسماعيل صدقي باشا كانت لخلاف بينه وبين الملك فؤاد حول تدخل القصر في توجيه الوزارة عن طريق ناظر الخاصة الملكية زكي الإبراشي باشا. فوزارة عبد الفتاح يحيى باشا امتداد للنظام الصدقي، فقد ظل مجلسا البرلمان قائمين، وظل دستور سنة ١٩٣٠ معمولًا به. [3] المراد حكومة الوفد. [4] كانت «الديلي تلغراف» تُعَدّ لسان حال حزب المحافظين في ذلك الوقت. -
سؤال
سؤال
لا[1] يكاد يلقيه أحد على أحد، لأن جوابه مرسوم في القلوب، ماثل أمام العيون، يحسه الناس جميعًا، لا يختلفون فيه إلا أن يكونوا صحفيين تدفعهم الضرورات الصحفية إلى أن يكتبوا فصلًا من الفصول.
وهذا السؤال متصل بالمندوب السامي الذي أُقصي عن مصر منذ أيام: أنجح هذا المندوب في مهمته التي أقام لها في مصر أعوامًا؟ أم قضى الله عليه بالفشل والإخفاق؟ ألقِ هذا السؤال على من شئت من المصريين فيجيبك في غير تردد ولا اضطراب، إلا أن يكون صحفيًا تلزمه الضرورات أن يكتب فصلًا من الفصول، أو تضطره ظروفه السياسية الخاصة إلى أن يرى لنفسه رأيًا يؤمن به، وللناس رأيًا آخر يعيش منه. سيجيبك هذا المصري بأن المندوب السامي المنقول لم يظفر بقليل ولا كثير من النجاح.
فنجاح المندوب السامي في مصر يُنظر إليه فيما يظهر من وجهين اثنين لا ثالث لهما: أحدهما مصري، والآخر إنجليزي. فهو ينجح عند المصريين إذ استطاع أن يزيل ما بين مصر وإنجلترا من أسباب الخلاف والخصومة، أو يقرب ما بينهما من أمر هذا الخلاف وهذه الخصومة، فيقضي على ما يثور في نفوس المصريين من عواطف السخط على الإنجليز والتنكر لهم، وسوء الظن بهم، أو يخفف من هذه العواطف بما يثير في النفوس بسيرته من أن الإنجليز ليسوا من الاعتداء والطغيان بحيث كان الناس يظنون، وإنما هم أنصار العدل والداعون إليه، وحماة الإنصاف والحريصون عليه، وأصحاب السلم والصلات التي تقوم على المودة والاحترام، لا على القوة والبأس، ولا على البطش والعدوان.
هنالك قد لا يطمئن المصريون كل الاطمئنان إلى هذه الآمال، ولا يثقون بها كل الثقة، ولكنهم لا يجحدونها ولا يلحون في إنكارها والنفور منها. وهنالك تجري الأمور بين المصريين والإنجليز في طريق معتدلة مستقيمة خليقة أن تؤدي إلى الاتفاق الذي يعتمد على المودة والحب، وعلى التقدير والاحترام.
وهو ينجح عند الإنجليز بنفس هذه السيرة التي ينجح بها عند المصريين، لأنه يريحهم من بغض المصريين لهم، وسوء ظن المصريين بهم، ويمكنهم من أن يتموا ما أرادوا غير مرة من الانتهاء إلى الاتفاق الشريف بينهم وبين هذه البلاد.
وقد ينجح عند غلاة المستعمرين من الإنجليز إذ استطاع أن يقهر المصريين ويذلهم، ويمحو من أنفسهم عاطفة الكرامة والعزة، وينسيهم الاستقلال والسعي إليه، ويصرفهم إلى الطاعة المطلقة والخضوع في غير مقاومة ولا محاولة للمقاومة. هنالك يأمن الإنجليز أمر البلاد، ويحكمون المصريين بالقهر، لا بالحب، ولكنهم يأمنونه على كل حال. وأهم ما يحرص عليه الإنجليز إنما هو أن يأمنوا أمر المصريين ويستريحوا منهم، ويفرغوا لغيرهم من الشعوب. فسل من شئت من المصريين بعد ذلك: أي لون من ألوان النجاح وُفِّق إليه المندوب السامي القديم في مصر؟ أتراه قد قرّب الأمر بين المصريين والإنجليز، أو خفف ما بينهم من خلاف وخصومة، أو محا ما في النفوس من السخط والبغض، ومن الريبة وسوء الظن؟ أو جعل الإنجليزي إذا اتصل بالمصريين وتحدث إليهم يشعر شعورًا واضحًا قويًا بأنه يتحدث إلى قوم أصدقاء يحبونه ويكلفون به؟ أو يتصل بقوم لا يحبونه ولكنهم لا يبغضونه، لا يأمنون إليه ولكنهم لا يخافون منه، لا يثقون به ولكنهم لا يرتابون فيه؟
نظن أن الجواب على مثل هذا السؤال لا يحتاج إلى تفكير، فلم يبلغ سوء ظن المصريين بالإنجليز في يوم من الأيام ما بلغه الآن، لا نستثنى من ذلك إلا أيام الثورة حين كانت الدماء تُسفك والنفوس تُزهق بأيدي الإنجليز. وإذن فلم يستطع المندوب السامي أن يقرب بين المصريين وبين مواطنيه، وإنما استطاع أن يباعد بين مصر وإنجلترا، فيمعن في هذه المباعدة وينتهي بها إلى أقصاها. وهو من هذه الناحية لم ينجح عند المصريين، وهو من هذه الناحية لا يستطيع أن يقول إنه يشعر بأسف المصريين لفراقه، أو حزنهم على أن تنقطع بينه وبينهم الأسباب. ولعلمنا على العكس من ذلك يستطيع أن يلاحظ أن المصريين لم يقفوا من نقله موقف المحايد، وإنما وقفوا منه موقف من يرضى عن هذا النقل ويبتهج به، لأنهم يحملونه تبعات ما أصابهم من هذه الآلام الثقال التي ألحّت عليهم في هذه الأعوام الثلاثة.
وإذا كان المندوب السامي لم ينجح عند المصريين من هذه الناحية، فهو لم ينجح عند الإنجليز من هذه الناحية أيضًا. فالإنجليز لا يستطيعون أن يقولوا اليوم إنهم يشعرون بحب المصريين لهم أو ميل المصريين إليهم، ولعلهم لم يستطيعوا أن يروا نفور المصريين منهم واضحًا عنيفًا على هدوئه الظاهر كما يرونه الآن، لا نستثنى من ذلك أيضًا إلا أيام الثورة.
أخفق المندوب السامي إذن في التقريب بين مصر وإنجلترا، فلم يرضَ أصحاب هذا التقريب هنا، ولم يرضهم هناك. وهو كذلك قد أخفق عند المستعمرين الذين يغلون في بسط السلطان الإنجليزي، فهو لم يصل إلى شيء مما يحرص عليه هؤلاء الغلاة. لم يُخفِ المصريين من الإنجليز، وآية ذلك أن المصريين ما زالوا اليوم في موقفهم الذي كانوا فيه منذ أربعة أعوام، لم يتأخروا عنه قيد شعرة، وأكبر الظن أنهم تقدموا عنه كثيرًا. ولم يُخضع المصريين لسلطان الإنجليز، ولم يصرف المصريين عن الاستقلال ولا عن السعي إليه، ولم يقوِّ النفوذ المعنوي للإنجليز، ولم يُقنع أحدًا في الأرض بأن السلطان الإنجليزي قد تغلب على ما كان يعترضه من المصاعب في وادي النيل، حتى أصبح من اليسير بعد زمن طويل أو قصير أن تصبح مصر مستعمرة من مستعمرات التاج.
وإخفاق المندوب السامي عند المصريين، وإخفاقه عند أنصار الاتفاق وعند غلاة المستعمرين، هو الذي جعل نقله من مصر أمرًا محتومًا، وهو الذي اضطره إلى هذا الموقف الغريب الشاذ الذي لم يقفه مندوب سامٍ قبله، فألزمَه أن يسافر إلى إنجلترا في مارس ويبقى فيها معلقًا، لا هو بالثابت ولا هو بالمنقول، جزءًا من الشتاء وفصل الربيع كله وجزءًا غير قصير من الصيف، تختلف عليه عواطف الأمن والخوف، ويختلف عليه المرض والشفاء، وتختلف به الظنون وتُذاع حوله الأنباء المتناقضة: أَيَعود أم لا يعود؟ أَيُنقل أم يُعزل؟ والمصريون يرون هذا كله، ويردون هذا كله إلى مصدره الصحيح، وهو أن المندوب السامي قد أخفق، وأن مركزه في مصر قد أصبح مستحيلاً، وأن مركزه في إنجلترا نفسها قد أصبح سخيفًا، وأن الحكومة الإنجليزية لا تبرأ من الحيرة، لأنها لا تريد أن تُظهر رأيها في إخفاق مندوبها السامي فيطمع فيها المصريون، ولا أن ترده إلى عمله فيفسد عليها في مصر كل شيء.
وأنت تستطيع أن تثق بأن شيئًا من الأشياء لم يُسئ إلى موقف الإنجليز في مصر وهيبتهم في الشرق بمقدار ما أساء إليها تعليق المندوب السامي بين الأمل والرجاء من مارس إلى أغسطس. ثم لم يكن بدٌّ آخر الأمر من أن تتخذ الحكومة الإنجليزية قرارًا حاسمًا، فقد أخذ الصيف ينقضي، وأخذت الأنباء تصل إليها بأن مصر لم تشهد في يوم من الأيام منذ ألغيت الحماية عصرًا ضعفت فيه الوزارة، وضعفت فيه هيبة السلطان في نفوس الناس، وانتشر فيه الفساد في الحياة المادية والاجتماعية والخلقية والسياسية كهذا العصر.
لم يبقَ بدٌّ إذن من أن تعترف الحكومة الإنجليزية أمام الناس بما كانت تعترف به أمام نفسها منذ زمن بعيد، بأن مندوبها السامي في مصر قد أخفق، وأن عودته إلى مصر ليست شيئًا مرغوبًا فيه. وإلا فقد نحب أن نفهم فيمَ نُقل المندوب السامي إن كان قد نجح أو أصاب شيئًا من التوفيق؟ وما الذي يضطر الحكومة الإنجليزية إلى أن تقطع على مندوبها الموفق سبيل التوفيق إلى إرضاء المصريين إن كان قد وفق إلى إرضائهم؟ أو قهر المصريين إن كان قد وفق إلى هذا القهر والإذلال؟
زعموا أن المندوب السامي قد نجح، وهذا النجاح له صورتان مختلفتان: إحداهما يظهرها بعض الإنجليز، والأخرى يذيعها بعض المصريين. فأما الصورة الإنجليزية لهذا النجاح فهي هذه التي تراها في مقال لـ «الفايننشال تايمس» من أنه قد رفع مكانة المندوب السامي ومهابته في نفس الحكومة المصرية بعد أن كانت هذه المكانة وهذه المهابة قد تعرضتا من قبل لخطر شديد. ونحن لا نشك في أن مكانة المندوب السامي قد ارتفعت وغلت في الارتفاع، وامتازت وأسرفت في الامتياز في نفس الوزارة المصرية القائمة. وآية ذلك أن الإنجليز لم يريدوا من هذه الوزارة شيئًا إلا ظفروا به ووفقوا إليه.
ولكن المهم هو مكانة المندوب السامي ومكانة الوزارة، اللتان ارتفعتا في نفس هذه الوزارة، ولم ترتفعا في نفس الشعب المصري، وإنما تعرضتا لهذا الخطر الذي اضطر الإنجليز إلى أن ينقلوا مندوبهم، والذي سيضطر الوزارة المصرية التي كانت ترفعه وتميزه إلى أن تتخلى عن الحكم غدًا أو بعد غد، لأنها لم تبقَ قادرة عليه. ولعل من أهم الأسباب التي تضطرها في هذه الأيام المقابلة إلى الاستقالة أنها قد أسرفت في إكبار مكانة المندوب السامي والاستماع له حتى تجاوزت مصالح المصريين وعرضتها للفساد والاضطراب.
أما الصورة الأخرى التي يذيعها بعض المصريين، فهي أن المندوب السامي قد نجح في إحداث الفرقة في الكتلة الوطنية المصرية، وليست هذه الصورة أقل إثارة للابتسام من تلك. فلو أن المندوب السامي قد فرّق المصريين حقًا لما نقله الإنجليز، لأن التفريق الصحيح للمصريين هو الذي تكون فيه في مصر هيئة قوية حقًا، تستطيع أن تقف على قدميها، وأن تعتمد على نفسها، وأن تتقدم إلى الإنجليز لتنفذ لهم ما يريدون، مطمئنة إلى أن لها أنصارًا من المصريين أقوياء، يستطيعون أن يؤيدوها ويمكنوها من البقاء.
فنحب أن نعرف أين هذه الهيئة المؤتلفة التي تعتمد عليها الوزارة القائمة؟ وإذن فلم نُقل المندوب السامي؟ ألم يُنقل لأن اعتماده على هذه الهيئة لم يُغنِ شيئًا؟ أم هي هيئة أخرى همّت أن توجد وأن تأتلف فلم توفَّق، لا إلى الوجود ولا إلى الائتلاف، لأن أحدًا لم يستجب لها، ولم يستمع لدعائها. ولو قد وُجدت هذه الهيئة حقًا، ولو قد استجاب الناس لهذه الهيئة، لبقى المندوب ليستغلها كما استغل الهيئة التي تؤيد الوزارة القائمة.
يجب ألا يخدع الناس أنفسهم، فإن الإخفاق المطلق الذي أصاب المندوب السامي عند المصريين وعند الإنجليز جميعًا هو الذي قضى بنقله، وهو حين قضى بنقله قضى بشيء آخر ستظهر بوادره في المستقبل، وفي وقت قريب جدًا، وهو تغيير السياسة الإنجليزية التي أنفقت هذه الأعوام الثلاثة جادّةً كادّةً، باذلةً ما تستطيع من الجهود الظاهرة والخفية، ثم ظهر في وضوحٍ وجلاءٍ أنها كانت عبثًا من العبث، ومحاولةً ضائعةً لم تُنتج شيئًا.
[1] كوكب الشرق في ١٨-٨-١٩٣٣. -
إنذار
إنذار
كانوا[1] يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه — وكانوا كثيرين — إلا رجل واحد ألحّ في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلن السمك، وليشربن عليه اللبن، وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجن منه موفور العقل، متزن الطبع، معتدل المزاج.
ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية، ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا، قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، أفترون عليّ أثرًا من آثار الجنون أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب؟
والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك وشرب اللبن ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا رأوا «الاتحاد» التي ظهرت أمس، و«الشعب» التي ظهرت اليوم.
فالاتحاد والشعب آمنتان كل الأمن، مطمئنتان كل الاطمئنان، واثقتان كل الثقة، تقضيان النهار في راحة المطمئن الآمن، وتقضيان الليل في نوم المستريح الهادئ، لأن الوزارة القائمة لا تتعرض لبأس، ولا تستهدف لمكروه، ولا تأتيها الاستقالة من بين يديها ولا من خلفها، ولا من يمين ولا من شمال، ولا تهبط من السماء، ولا تنجم لها من الأرض. هي مستقرة كاستقرار المقطم، ثابتة كثبات الأهرام. ولهذا لا تحفل «الاتحاد» ولا تحفل «الشعب» بهذيان المعارضين الذين يحلمون باستقالة الوزارة، ثم يخيل إليهم أن أحلامهم قد أصبحت حقًّا لا شك فيه.
لا تحفل «الاتحاد» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه أربعة فصول، ولا تحفل «الشعب» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه ثلاثة فصول. لا تحفلان جميعًا بهذا الهذيان ولكنهما لا تشغلان إلا به. فإن زعمت بعد ذلك أن قصتهما لا تذكر بقصة هذا الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام ثم خرج كامل العقل، موفور الذكاء، مستقيم الطبع، معتدل المزاج، يثبت ذلك للناس بهذا البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا، فيجرد جسمه ويستر رأسه، إن زعمت أن ليس بين القضيتين شبه فأنت في حاجة إلى أن تستأنف النظر في أصول علم البيان وما أُحصي من شروط التشبيه الصحيح.
وهذه الفصول السبعة التي كُتبت في هذين اللسانين الرسميين من ألسنة الوزارة، فيها الطويل والقصير، وفيها الضيق والعريض، ولكنك على كل حال، وأياً كان كاتبها، وفي أي وقت ظهرت، لن تجد فيها ما يُغني وما يفيد، وما يُقنع بأن الوزارة ثابتة مستقرة آمنة مطمئنة، إلا إذا كان ذلك الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام قد أقنع الناس بأنه عاقل موفور العقل، ذكي موفور الذكاء. فلك أن تقرأ هذه الفصول إن أردت أن تلهو، ولك أن تهمل هذه الفصول إن كان وقتك أعز عليك من أن تنفقه في لهو الحديث، ولكن في جريدة «الشعب» فصلًا لم يُكتب لك ولم يُكتب لي، ولذلك ينبغي أن تقرأه كما قرأته أنا، أو ينبغي على كل حال أن تعرف خلاصة هذا الفصل، فهو خليق أن يُدرس وأن يُفكر فيه. لم يُكتب هذا الفصل لك ولا لي، وإنما كُتب للإنجليز.
فإذا وجب عليك أن تقرأه متطفلًا، وجب عليّ أن أقرأه متطفلًا، فقد يجب على الإنجليز أن يقرؤوه مرة ومرة، وأن ينظروا فيه فيطيلوا النظر، وأن يتعمقوا فيه فيطيلوا الإمعان، فقد فتح الإنجليز على أنفسهم بابًا لست أدري أيستطيعون إغلاقه؟
وبدأ الإنجليز يسلكون طريقًا لست أدري أيستطيعون المضي فيها؟ نقلوا مندوبهم السامي لأنهم راضون عنه، فهم يريدون ترقيته، أو ساخطون عليه، فهم يريدون تنحيته عن العمل في هذه البلاد. هذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولا يدافعهم عنه إنسان، ولكن الناس يتحدثون بأن الإنجليز قد تأمرهم نفسهم — والنفس أمّارة بالسوء — أن يتخذوا نقل المندوب السامي وسيلة إلى التغيير في سياستهم المصرية، وأن يكون هذا التغيير سببًا إلى استقالة الوزارة. وهذا هو الباب المنكر الذي فتحه الإنجليز على أنفسهم، ويجب أن يسارعوا إلى إغلاقه.
وهذه هي الطريق المنكرة التي بدأ الإنجليز يسلكونها، ويجب أن يتحولوا عنها مسرعين، فإن الوزارة المصرية ليست من هذه الوزارات الهينة اللينة التي يقول لها الإنجليز: قومي فتقوم، أو اقعدي فتقعد، أو اصعدي فتصعد، أو انزلي فتسرع إلى النزول. إنما هي وزارة حرة مستقلة، ووزارة قوية عزيزة، ووزارة أبية منيعة، قد عرف رئيسها كيف يوقف الإنجليز عند حدودهم، ويضطر «مكدونالد» إلى السكوت والسكون. وما زال رئيسها هو «صدقي باشا» لم يتغير ولم يتبدل، ولم يسعَ إليه ضعف ولم يأخذه وهن، ولن يعجزه غدًا كما لم يعجزه أمس أن يقول لـ «مكدونالد»: مكانك، لا تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، فإني لا أسمح لك بذلك ولا آذن لك فيه.
وإذن فخليق بالإنجليز أن يتدبروا وأن يتفكروا، وأن يغيروا مندوبهم السامي ما أحبوا، وينقلوه إلى حيث أرادوا، ولكن بشرط ألا يمسوا السياسة المصرية ولو من بعيد، وألا يعرضوا ببقاء الوزارة المصرية أو ذهابها، فذلك ليس من شأنهم وإنما هو من شأننا. وكل أجنبي يعرض لشؤوننا فلا يلومن إلا نفسه حين تنزل به النوازل، وتطيف به النوائب، وتحدق به الأخطار من كل مكان. والإنجليز أعقل من أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وهم أحرص على كرامتهم أن تُهان، وعلى دمائهم أن تُراق، وعلى قوتهم أن تضعف، من أن يعرضوا للوزارة المصرية فيشيروا إليها بالاستقالة من قريب أو من بعيد. هم أعقل من هذا كله لأنهم يعلمون أنهم إن طلبوا ذلك لم يُجابوا إليه، وإن ألحوا في ذلك ففي مصر قوة تثبت لقوتهم، ولعلها أن تردهم خاسئين.
وليس من شك في أن هذا المقال فيه شيء من ريح الحرب، ومن يدري؟ لعل الذي كتبه أن يكون مجاورًا لوزارة الحربية أو كثير التردد عليها والإلمام بها، فهو لذلك مستشعر القوة والعزة، مقدر حظ مصر من البأس والبطش، ومن الاستعداد للطوارئ والقدرة على رد المغيرين. وليس من شك في أن هذا المقال خليق لهذا كله أن يقرأه الإنجليز وأن يتدبروه ويتفكروا فيه قبل أن تحدثهم أنفسهم بالتعرض للشؤون المصرية والتلميح إلى تغيير السياسة المصرية.
ثم ليس من شك في أن من الواجب علينا نحن المصريين أن نقرأ هذا الفصل ونتدبره؛ فالإنجليز قوم مغرورون، أظهر عيوبهم الصلف والكبرياء والاعتداد بالنفس، ومن يدري؟ لعل هذا التحدي الذي تتقدم به إليهم صحيفة من صحف الوزارة، بل صحيفة رئيس الوزراء، أن يغيظهم ويحفزهم ويدفعهم إلى قبول المعركة التي تُعرض عليهم، وإلى اقتحام الهول الذي يُردّون عنه. ومن يدري؟ لعلهم أن يشيروا إلى الوزارة بالاستقالة، فتأبى الوزارة، فيلح الإنجليز، فتغضب الوزارة، فتشب الحرب بين البلدين، وليست حرب الإنجليز سهلة ولا هينة. والمصريون قادرون عليها إن دعتهم الوزارة إليها، ولكن الحرب على كل حال خليقة أن يحتاط لها الناس. وإذن فينبغي أن نحتاط لنضمن الفوز ونأمن الهزيمة.
أما الوزارة فمقال كاتبها يدل دلالة قوية على أنها متأهبة محتاطة، لا تخاف أن تؤخذ على غِرّة ولا أن تزول عن مواقفها، ولكن الأمة لم تُنبّأ بهذه الحرب ولم تُهيّأ لها، فلا بد من أن تحتاط منذ الآن، ولا بد من أن تستعد لآلام الحرب وآثامها. ونحن واثقون بشجاعة الأمة وصبرها على البأساء والضراء، واستعدادها لتأييد الوزارة وحمايتها بالأنفس والأموال.
أرأيت أني لم أخطئ حين لخّصت لك هذا الفصل ودعوتك إلى التفكير فيه؟ فليس ينبغي أن يقرأه الإنجليز وحدهم فيستعدوا للهجوم، وأن يجهله المصريون وحدهم فلا يستعدوا للدفاع. والآن وقد قرأ الإنجليز هذا الفصل، وعرف المصريون خلاصة ما فيه، فالعالم بين اثنتين: إما أن يثوب الإنجليز إلى رشدهم فيؤثروا العافية ويجنحوا إلى سلم، ويدعوا الوزارة تصرف أمور مصر على أحسن حال في حرية واستقلال، وإذن فالعالم مطمئن راض، وإما أن تأخذهم العزة والكبرياء فيدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، وإذن فأربعون قرنًا أو تزيد تنظر إلى المصريين من أعلى قمم الأهرام، ولن يكذب المصريون ظن هذه القرون. ولكن ويل للعالم من هذه الحرب المنكرة، وهل فرغ العالم من تلك الحرب الكبرى وآثارها ليتورط في حرب أخرى أعظم منها شرًا وأقبح آثارًا؟
وبعد، فحديث مطمئنين هذا الكلام الذي نشرته صحيفة الوزارة، أم حديث قوم فقدوا الاطمئنان وفقدوا مع هذا الاطمئنان شيئًا آخر؟ وبعد، فحديث صحيفة تعبر عن وزارة قائمة هذا، أم حديث قوم يهذون ولا يقدرون ما يقولون؟ وبعد، فهل بلغ من ضعف الوزارة واستسلامها وإذعانها للأحداث وتصاريف الخطوب أن تدع كتابها يدافعون عنها بمثل هذا اللغو، ويذودون عنها بمثل هذا الهذيان؟ وبعد، فقد آثرت الوزارة الصمت، وهو خير ما تؤثره، فهلا أمرت كتابها أن يؤثروا الصمت عن هذا الموضوع وأن يخوضوا في غير هذا الحديث؟ فإذا لم يكن بد من أن يقولوا فيه، فهلا أمرتهم الوزارة أن يقولوا ما لا يضحك وما لا يدعو إلى هز الرؤوس ورفع الأكتاف؟
وبعد، فماذا تخاف الوزارة وماذا يخاف أنصارها؟ وأي بأس عليها وعليهم من أن يصيبها ما يصيب الوزارات كلها؟ فكل وزارة ذائقة الاستقالة، والمناصب — كما تقول «المقطم» — تقليد لا تخليد. وما دام في الناس رمق من الحياة فلهم حظ من أمل، فلتصبر الوزارة على ما يمكن أن يلم من خطوب، ولتأمل الوزارة فيما يمكن أن يتاح من خير، فلم يقل أحد من خصومها ولا من أنصارها — بالطبع — إن الإنجليز سيأمرونها بأن تستقيل، ومتى أمر الإنجليز وزارة مصرية بأن تستقيل؟ لم يفعلوا ذلك قط، لا في أيام الاحتلال، ولا في أيام الحماية، فهم أجدر ألا يفعلوه في أيام الاستقلال. لم يكن إليهم في يوم من الأيام إقالة الوزارات المصرية أو توليتها، فلتطمئن الوزارة وليطمئن أنصارها، فلن يكون عليها — إن شاء الله — بأس من الإنجليز، ولن يأمرها الإنجليز بأن تستقيل، ولن تحتاج إلى أن تقاوم الإنجليز، ولا أن تأبى الإذعان لهم.
ولكن من الذي زعم أن الوزارات المصرية لا تستقيل إلا إذا صدر إليها بذلك الأمر من الإنجليز؟ ما أسخف هذا الإنذار الذي ازدانت به «الشعب» صباح اليوم!
[1] كوكب الشرق في ١٧-٨-١٩٣٣.
[2] قالت صحيفة الأهرام (١٨ – ٨ – ١٩٣٣) ما نصه: جاء في التصريح الذي فاه به المستر مكدونالد رئيس الوزارة البريطانية في لندن أن الحكومة البريطانية أرسلت تعليمات إلى السير برسي لورين المندوب السامي في مصر، يطلب منه فيها أن يبلغ صدقي باشا رئيس الوزراء أنها تعدّه مسؤولًا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم في مصر. وأن السير برسي كُلِّف أيضًا بإبلاغ النحاس باشا أنه يجب حل مشاكل مصر الداخلية بدون أن تتعرض أرواح الأجانب ومصالحهم للخطر، وأنها تعدّه مسؤولًا مع الحكومة إذا تعرضت تلك المصالح والأرواح للخطر. وقد أبلغ فخامة المندوب السامي هذا التصريح لحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء، وقد دُعي دولته وسعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا لتناول الغداء في دار المندوب السامي. وفي هذا اللقاء تم وضع رد الوزارة على تصريح مستر مكدونالد، ومما جاء فيه: ترى الحكومة المصرية — ولم يكن يسعها إلا أن ترى — في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله أن الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية أخيرًا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة بأنها «ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية مقتضيات الحياد الدقيق». فإذا كانت الحكومة البريطانية تقف على الحياد، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فكيف نوفق بين هذا الزعم وتصريح إسماعيل صدقي باشا المنشور في صحيفة البلاغ (٢ – ٩ – ١٩٣٣) وهو: «كل ما أرجوه أن يتابع المندوب السامي الجديد سياسة السير برسي لورين، ألا يحدث أي تبدل في السياسة الإنجليزية، لأن السياسة الحاضرة توافق مصر»؟ -
نزاع
نزاع
موضوعه[1] هذا الميراث الثقيل الذي سيتركه صاحب الدولة رئيس الوزراء حين يستقيل في وقت قريب جدًا فيما يقول المكتب السياسي لصحيفة «الديلي تلغراف». ومع أن هذا الميراث ليس غنيًا ولا مثريًا، وليس يسيرًا ولا سهلًا ولا خفيف الاحتمال، فإن الازدحام عليه شديد، والتنازع فيه أشد، والخصومة فيه عنيفة لا تكاد تهدأ إلا لتثور، ولا تكاد تستقر إلا لتضطرم من جديد.
وهذا النزاع يظهر واضحًا جليًا في لندرة حيث تفيد الخصومات فيما يظن، وحيث ينفع النضال كلما ضعف الإيمان بقوة الشعب، واشتد الاستهزاء بحق الشعب، واستيقنت الأحزاب التي تطمع في الحكم أو تحرص على استبقائه في أيديها أن الاعتماد على الشعب لا ينفع ولا يفيد، لأن الشعب لا يملك أو لا ينبغي أن يملك من أمر نفسه شيئًا. ومهما تعلن حكومة الإنجليز حيادها، ومهما تلح في إعلان الحياد، فإن الذين يكلفون بالحكم أو يحرصون على استبقائه في أيديهم يعلمون حق العلم أن الحكومة الإنجليزية لا تستطيع أن ترضى أن يقضى في مصير الوزارات المصرية وهي غائبة أو دون أن تستشار، ودون أن يكون لمشورتها الخطر العظيم والأثر البعيد.
فهم لذلك يهدؤون، وهم لذلك يسكتون في مصر ويتكلمون في بلاد الإنجليز. وما الذي يدعوهم إلى أن يضطربوا في القاهرة أو يتكلموا في مصر، وقد رأوا أن أهل القاهرة وأهل مصر يحتملون الوزارة القائمة على ضيق شديد بها، وكره شديد لاحتمالها، دون أن يملكوا أن يتخففوا من هذا الحمل الذي لا يطمئنون إليه؟ أما أهل لندرة وأهل إنجلترا فيظهر أن كلمتهم مسموعة، وأن لرأيهم في الشئون المصرية خطرًا أشد، وأثرًا أبعد مما لرأي الناس في هذه البلاد.
والذين يختصمون ويختلفون في لندرة فريقان: فريق مؤتلف بالفعل، وفريق يريد أن يأتلف. فأما الفريق المؤتلف بالفعل فهو هذه الأحزاب أو أشباه الأحزاب التي تتولى الحكم أو تظن أنها تتولاه، والتي تعيش في ظلها وتدور من حولها. وأما الذين يريدون أن يأتلفوا فقوم آخرون ليس من اليسير أن تحددهم تحديدًا دقيقًا أو تعينهم تعيينًا واضحًا لا يقبل شكًا ولا جدلًا، ولكنهم يريدون، ثم يتمنون ما يريدون، ثم يحلمون بما أرادوا وتمنوا، ثم يخيل إليهم أن قد صحت الأحلام وتحققت الآمال، فيتهيئون للسعي إلى الدواوين، والجلوس على كراسي الوزراء، واستقبال المهنئين، ثم البدء في تصريف الأمور، والاستمتاع بلذة هذا التصريف.
أولئك وهؤلاء يذيعون الأخبار في لندرة، ثم ينقلونها إلى القاهرة لتذاع في مصر، ثم ينتظرون أثرها في الناس، وهم يعيشون على ذلك.
منذ ظهرت أعراض الضعف على الوزارة القائمة، ومنذ ألمَّ المرض برئيس الوزراء، وأسهم أولئك وهؤلاء ترتفع حينًا، وتنخفض حينًا في لندرة. فإذا «التيمس» و«الديلي تلغراف» وغير «التيمس» و«الديلي تلغراف» ترفع هذه الأسهم مرة حتى يُخَيَّل إلى أصحابها أنها رابحة كل الربح، ثم تخفضها مرة أخرى حتى تروع أصحابها وتكاد تقنعهم بأنها خاسرة كل الخسران. والظريف الطريف أن أسهم أولئك وهؤلاء، على ما يختلف عليها من أعراض الربح والخسران، ومن مظاهر الارتفاع والانخفاض، خاسرة في القاهرة وفي مصر، لا يكاد يهتم بارتفاعها وانخفاضها إلا هذا الفريق الضئيل الذي وقف حياته على أن يدور حول الوزراء والمستوزرين.
أما الشعب فثابت في موقفه، مصرٌّ على حقه، مطمئن إليه، ساعٍ إلى آماله، مُلحٌّ في السعي إليها، صابر على محنته، مُلحٌّ في الصبر عليها، ساخر من أولئك وهؤلاء الذين يختصمون ويسرفون في الخصومة عند الإنجليز، والذين يضحكون من أنفسهم أولاء الإنجليز.
كانت الصحف الإنجليزية ترى أن العدول عن الأحزاب المؤتلفة الحاكمة إلى لون آخر من الائتلاف أمر هو الخير كل الخير، وهو النفع كل النفع، وهو الضرورة التي لا منصرف عنها ولا مفر منها. وكانت تلمح لصدقي باشا حينًا وتصرح له حينًا آخر، وتلين مرة وتشتد مرة أخرى، وتدعوه على كل حال إلى أن يستقيل، ثم تعدل عن هذا الموقف إلى موقف آخر، فتؤيد رئيس الوزراء تصريحًا أو تلميحًا، وتهاجم خصومه تصريحًا أو تلميحًا، وتنهاه مرة في قوة، ومرة في ضعف عن أن يستقيل.
وكلما اتخذت هذه الصحف الإنجليزية كلها أو بعضها، كبارها أو صغارها، موقفًا من هذه المواقف ارتفعت أسهم أولئك وانخفضت أسهم هؤلاء، وابتسمت ثغور أولئك وعبست وجوه هؤلاء. وليس من شك في أن الفصل الذي نشرته «الديلي تلغراف» ونقل إلى مصر أمس واليوم قد رفع أسهمًا وخفض أسهمًا، وقد رسم الابتسام على وجوه قوم، وغشي بالعبوس وجوه آخرين. فقد يظهر أن «الديلي تلغراف» أو أن مكتبها السياسي يرى منذ أمس أن هذه الأحزاب المؤتلفة الحاكمة، أو التي يُخيَّل إليها أنها حاكمة، يجب أن تظل محتفظة بالحكم أو بما يُخيَّل إليها أنه الحكم، وأن الذين يفكرون في أن يخلفوها على الحكم أو على خيال الحكم ينبغي لهم أن يعرضوا عن ذلك ويريحوا أنفسهم من التفكير فيه.
وكانت «الديلي تلغراف» ترى غير هذا الرأي حتى اضطر رئيس الوزراء إلى أن يخرج عن راحته وصمته ويبرق إليها عاتبًا مستعطفًا، مطالبًا بالإنصاف.
وليس لهذا الموقف الجديد بعد ذلك الموقف القديم معنى إلا أن الذين يختصمون حول رضا «الديلي تلغراف» وأشباهها من الصحف الإنجليزية قد ألحوا في الخصومة، وغالوا في التنافس أيهم يظفر بهذا الرضا، فنجح المنتظرون منذ أسبوعين، ثم نجح الحاكمون منذ أمس. ولا بد أن كانت عند المنتظرين بقية من قوة وفضل، ومن قدرة على الإلحاح في الخصومة والمضي في الجهاد، من أن تقرأ غدًا أو بعد غد، أو في الأسبوع المقبل أو الذي يليه، في «الديلي تلغراف» أو في غير «الديلي تلغراف» فصل يروق المنتظرين، ويحمل هذه «الديلي تلغراف» على أن تنشر تأييدًا للمنتظرين وهجومًا على القائمين بالحكم. وسيظل هذا النزاع قائمًا شديدًا عنيفًا حتى يقضي الله قضاءه بين هؤلاء المختلفين. ولكن أمرين اثنين خليقان بالتفكير والاعتبار، أحدهما يثير الحزن ويبعث الأسى، والآخر يحيي الأمل ويقوي الرجاء.
فأما الأول فهو موقف رئيس الوزارة بعد أن طال عليه المرض، واستيقن أصدقاؤه وخصومه أن العناية بصحته أنفع وأجدى عليه من الاحتفاظ بمنصبه. فقد أصبح بقاؤه في الحكم أمرًا مفروغًا منه فيما يظهر؛ يؤكد أصدقاؤه في مصر أنه مستقيل، ويؤكد أصدقاؤه في إنجلترا أنه مستقيل، ويتعزى أولئك وهؤلاء في سهولة مؤلمة ويسر محزن عن اضطرار صديقهم إلى الاستقالة. حتى صحيفة رئيس الوزراء في مصر تردد صباح اليوم إمكان هذه الاستقالة وسرورها بما تقوله «الديلي تلغراف» من أن الحكم أو خيال الحكم سيبقى في أصدقاء الرئيس أشد وأظهر، لا نقول من حزنها، بل نقول من أسفها لأن الرئيس سيستقيل. وأكبر الظن أن سرورها — إن تحققت نبوءة «الديلي تلغراف»، وبقي الحكم في أصحابها — سيكون أظهر وأنصع من حزنها لاضطرار رئيس الوزراء إلى أن يستقيل.
ومعنى ذلك أن إخلاص الناس للناس محدود، وأن وفاء الناس للناس قصير المدى، وأن إيثار الناس لأنفسهم حتى على الذين يخلصون لهم ويحسنون إليهم أمر شائع مألوف، إذ قامت صلات الناس على المنافع العاجلة لا على المبادئ الخالدة. وكذلك جدَّ رئيس الوزراء وأجهد نفسه، ولقي من الجد والجهد ما دفعه إلى المرض وما سيضطره إلى الاستقالة، ثم يتخلى أصدقاؤه عنه هادئين ما دام الحكم يمكن أن يبقى فيهم.
وأما الثاني فهو أن الذين يدورون حول الحكم في مصر وفي إنجلترا يبذلون ما يستطيعون وما لا يستطيعون من القوة والجهد دون أن يجدوا مخرجًا من هذا المأزق الذي تورطوا فيه حين خُيِّل إلى أنفسهم أنهم يستطيعون أن يقضوا في أمر مصر على غير رضًى من مصر. فقد ظهر ألف دليل ودليل على أن رئيس الوزراء لا بد له من أن يستقيل، ولكن ظهرت ألف صعوبة وصعوبة في سبيل من يخلف رئيس الوزراء، لأن الذين يدورون حول الحكم الآن لا يريدون أن يرجعوا فيه إلى مصر. وما دام الأمر كذلك فهم مضطربون وسيظلون مضطربين بين المؤتلفين الآن على الحكم أو خياله، والذين يريدون أن يأتلفوا على الحكم أو خياله.
وقد يبقى هؤلاء المؤتلفون حيث هم، وقد يقوم مقامهم قوم آخرون، لكن أمور مصر ستظل مضطربة مختلطة، وستمعن في الاضطراب والاختلاط حتى يضطر الذين يصبون إلى الحكم إلى أن يلائموا بين مواقفهم وبين طبيعة الأشياء، وإلى أن يعترفوا بأن قد مضى الزمن الذي تُحكَم فيه الشعوب على غير ما تريد.
[1] كوكب الشرق في ١٣-٨-١٩٣٣. -
شكوى
شكوى
أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣ -
خطر
خطر
خطر عظيم حقاً هذا الذي يتعرض له الموقف السياسي بين مصر وإنجلترا في هذه الأيام بفضل مسألة التبشير والمبشرين، فقد أخذت هذه المسألة تخرج من وضعها الطبيعي إلى وضع آخر يدفعها إليه الإنجليز بما لهم من مهارة وبراعة في انتهاز الفرص واستغلال الظروف لتحقيق مآربهم وكسب ما يريدون. قوم من الأجانب اعتدوا ولعلهم لا يزالون يعتدون على المصريين في أطفالهم وضعفائهم، يصرفونهم عن دينهم، سواء أكان هذا الدين هو الإسلام أم المسيحية الأرثوذكسية بالترغيب والترهيب، وبالإغراء والإكراه، فأنكر المصريون جميعاً هذا الاعتداء، وما زالوا ينكرونه، وألح المصريون جميعاً على الحكومة وما زالوا يلحون في أن تسلك أقصر الطرق وأشدها ملاءمة للحق والعدل والكرامة والمنفعة إلى وقف هذا الاعتداء، وأخذ السبيل عليه. واضطرت الحكومة أمام إلحاح الشعب وبأمر جلالة الملك إلى أن تأخذ بعض الأسباب لتحقيق ما يطلب إليها وعجزت عن أن تأخذ ببعضها الآخر إلى الآن.
فالوضع الطبيعي لهذه المسألة أن تظل كم هي الآن. شعب يطالب بحماية حرية العقيدة وحكومة تعمل ما استطاعت لتحقيق بعض ما يريد الشعب، ولكن الإنجليز أسرعوا فأخرجوا هذه المسألة من هذا الطور إلى طور آخر. وقال وزير خارجيتهم في مجلس النواب منذ أسابيع إنه قد أذن للمندوب السامي بأن يتحدث إلى الحكومة المصرية في مراقبة التبشير والمبشرين. ومعنى ذلك أنه أقام إنجلترا مقام الكفيل بحقوق الأجانب المدافع عنها. وأنى على الحكومة المصرية أن تراقب المبشرين أو قل إلا بإذن من المبشرين.
وقد أنكرنا ذلك ولفتنا الحكومة إليه وانتظرنا أن تقول الحكومة فيه كلمة طويلة أو قصيرة، قوية أو ضعيفة وأن تقف الحكومة منه موقفاً حازماً يحافظ على مصر حقها في أن تحمي أهلها من الاعتداء الأجنبي، لأن المصريين لا يريدون إلا أن تحميهم حكومتهم من اعتداء الأجانب عليهم، ولأن المصريين هم الذين يحتاجون إلى الحماية، لأنهم معرضون لخطر الفتنة في الدين، بل واقعون فيه بالفعل، ولكن الحكومة لم تقل شيئاً ولم تصنع شيئاً إلا ما كان من أمر الملاجئ والمعاهد الذي هو أمر اجتماعي خالص، كان يجب وما يزال يجب أن تنهض به الحكومة سواء أوجد المبشرون أم لم يوجدوا، سواء أوقع عدوان المبشرين أم لم يقع، لأن من أول واجبات الحكومة في بلد كمصر أن تنفق من أموال الشعب لتؤوي اليتامى والضعفاء والفقراء والبائسين من أبناء الشعب ولتحميهم من الجوع والتشرد والحرمان.
لم ترد الحكومة إذن على أمر الملاجئ، وعلى إبعاد مبشرة عن مصر، ولم تقل الحكومة إذن شيئاً فيما طلبنا إليها أن تقول فيه. أما الإنجليز فقد قالوا وعملوا. قال وزير خارجيتهم ما قال في مجلس النواب، ونشط مدير الأمن العام الأوروبي نشاطاً غريباً في حماية المبشرين.
ثم ها نحن أولاء نقرأ فصلاً طويلاً نشرته الديلي تلغراف لمكاتبها السياسي فيه تفصيل وشرح وتأكيد لما أجمله وزير الخارجية من أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تبدأ في مفاوضات مع مصر ومع غيرها من الدول التي تتصل بالمبشرين لتنظيم المراقبة التي يمكن أن تفرض على هؤلاء المبشرين.
ومعنى هذا أن الحكومة الإنجليزية تريد أن تقضي في تحفظ من التحفظات التي علقت البت فيها على مفاوضات حرة بينها وبين مصر، وهو التحفظ الذي يمس حماية الأجانب في مصر. تريد إنجلترا أن تقضي في هذا التحفظ الآن منتهزة لفرصة التبشير هذه وأن تقضي فيه بما يلائم منفعتها هي ومطامعها هي، وما يخالف منفعة المصريين وحقهم الواضح واستقلالهم الذي لا غبار عليه. تريد أن تقضي في هذا التحفظ كما تحب وأن تأخذ الحكومة المصرية والدول الأجنبية بالموافقة على ما تحب هي. تريد أن تأخذ من الحكومة والدول الأجنبية اعترافاً بحقها في حماية الأجانب وتنظيماً لهذا الحق. والذي يعلمه المصريون جميعاً وتعلمه الوزارة القائمة ويعلمه ساسة الإنجليز أن المفاوضات التي جرت بين مصر وإنجلترا تناولت هذا التحفظ، وأن مفاوضات الوفد المصري التي جرت سنة 1930 قد استخلصت لمصر هذا الحق واستخلصته في صراحة قاطعة واضحة، لا تحتمل شكاً ولا نزاعاً، فنصت مادة من مواد المشروع الذي تم الاتفاق عليه بأن على مصر وحدها حماية الأجانب. فهذه المسألة مفروغ منها، إن وجهة النظر المصرية فيها واضحة. وقد قبلها الإنجليز وأقروها ولم تكن هي التي أفضت إلى قطع المفاوضات. فكل وزارة مصرية تفرط في هذا الحق الطبيعي الذي لا معنى للاستقلال بدونه، والذي اعترف لنا به الإنجليز إثماً في حق الوطن، مهدرة لاستقلاله، مضيعة لكرامته، ممكنة للسلطان الأجنبي فيه.
وإذن فنحب أن نعلم ماذا تريد وزارتنا أن تعمل أو تقول حين يتحدث إليها الإنجليز في تنظيم هذه المراقبة التي يراد أن تفرض على المبشرين؟ نحب أن نعلم ماذا تريد الحكومة أن تعمل أو تقول؟ أو ماذا عملت الحكومة أو قالت إن كان الإنجليز قد بدأوا معها بالفعل في هذا الحديث؟ نريد أن نتبين موقف الحكومة في هذا، فقد خرج الأمر عن أن يكون أمر جماعة من الأجانب يعتدون على المصريين إلى ما هو أشد خطراً من هذا كله، وأبعد أثراً في حياتنا السياسية، وهو المفاوضة في جزء مقوّم للاستقلال المصري قد انتهت المفاوضة فيه، وانتهت إلى ما يحفظ على المصريين حقهم وكرامتهم واستقلالهم.
نريد ألا تؤثر وزارتنا الصمت وألا تلج في السكوت فالأمر أشد خطراً من أن يقبل فيه الصمت أو السكوت. نريد أن تعلن الحكومة بحال من الأحوال عن حق مصر وحدها في حماية الأجانب، وفي إصدار ما تحتاج إليه حمايتهم أو حماية المصريين منهم بالقوانين. وكل صمت بعد اليوم من الوزارة حول هذا الموضوع مخيف مزعج، مثير للريب والشكوك.
فلتتكلم الوزارة وليتنبه الساسة، فمن يدري؟ لعل من وراء هذه القصة المحزنة المؤلمة تدبيراً خفياً للمستعمرين، يريدون أن يأخذوا به مصر على غرة، وأن يستدرجوها به إلى حيث لا ينبغي أن تستدرج. ومن يدري؟ لعل ما لجّت فيه الصحف الإنجليزية من الإغراء والفتنة والتحريض عليها ما لم يكن له مصدر إلا هذا النذير الخفي الخطر.
أما بعد فإن الموقف الذي ينبغي أن تقفه الوزارة المصرية من هذا الأمر لا خفاء فيه ولا غبار عليه، فالحق واضح وواجب الحكومة بيّن، وهو أن تشرع ما تحتاج إليه من القوانين لمراقبة هؤلاء المبشرين وأن تتفاوض في هذه القوانين مع الدول التي تستمتع بالامتيازات مفاوضة مباشرة، لا وساطة فيها للإنجليز، فلا ينبغي لوزارة مصرية أن تنظر في هذه المسألة إلى الإنجليز إلا كما تنظر إلى غيرهم من الأمم التي تستمتع بالامتيازات.
كوكب الشرق ٢٢ – ٧ – ١٩٣٣