Tag: دين

  • نجدة | Rescue

    نجدة
    إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
    [1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣.

  • فتنة | Strife

    فتنة
    لم يكن من الخير أن تثار، ولم يثرها أحد من المصريين، وإنما أثارها قوم من هؤلاء الذين تغريهم المنفعة بالشر، ويفسد عليهم التعصب كل شيء، فلا يتحرجون من اقتراف الجرائم، ولا يترددون في اجتراح الآثام ما داموا يجدون في ذلك تحقيقًا لمنفعة أو إرضاء لحاجة، أو شفاء لغل. هؤلاء الذين أقبلوا إلى هذه البلاد ضيوفًا فلم يرعوا لها حرمة، ولم يحفظوا لها عهدًا، وإنما اعتدوا على أهلها جميعًا سواء منهم المسلمون وغير المسلمين، يفتنونهم في دينهم ويصرفونهم عنه بألوان الغواية وضروب الإكراه.
    هؤلاء هم الذين أثاروا الفتنة، وقد أثاروها مرة ومرة. وقد ثبت المصريون لهم وصبروا عليهم، وطلبوا إلى حكومتهم أن تقر الأمر في نصابه وأن ترد هؤلاء الناس إلى حيث يجب أن يكونوا من رعاية القانون والخضوع للنظام. وكانت الصحف المصرية وما زالت لا تعرض لهذا الموضوع إلا محتاطة، ولا تتكلم فيه إلا متحفظة لأنها كانت وما زالت تقدر أن إثارة العواطف الدينية خطر يجب الاحتياط فيه والتحفظ منه، ولكن هؤلاء الناس مضوا فيما قصدوا إليه، وألحوا فيما عمدوا إليه من فساد، وقصرت الحكومة أو عجزت عن النهوض بواجبها فلم تحم دين المصريين ولا كرامتهم ولا عزتهم القومية حتى انتهى الشر إلى غايته وبلغ عدوان هؤلاء الناس أقصاه، فإذا الصبيان ينصرون جهرة، ويصرفون عن دينهم في وضح النهار، وإذا أحكام القضاء تعطل وتعجز الحكومة عن إنفاذها، وإذا أوامر الحكومة تهمل وتعجز الحكومة عن أخذ هؤلاء الناس باحترامها، وإذا ضروب الكيد للمصريين تكثر وتنتشر حتى تتناول كل شيء، فالفتيات يسلط عليهن الحب حتى إذا تورطن فيه دفعهن إلى الردة، وجعل لغير المسلمين سلطانًا عليهن. فلما انتهى الأمر إلى هذا النكر وضج الناس من شره، همت الحكومة بشيء من الحزم ولكنها لم تبلغ به شيئًا، فهذه مبشرة أخرى في بورسعيد سافرت ولكنها توشك أن تعود، وهذه مبشرة أخرى في بورسعيد تتحدى الحكومة فتأبى أن تسلم لها الفتيات المسلمات. وهذا حكم من أحكام القضاء بالفرقة بين مسلمة ومسيحي لا تجد الحكومة إلى إنفاذه سبيلًا. وأخبار هذا كله تنشر في الصحف مفصلة مطولة، والناس يستكشفون في كل يوم شرًّا، ويفضحون في كل يوم سرًّا، والرسائل تبلغ الصحف كثيرة متصلة ملحة مستنهضة للهمم، مستثيرة للعواطف، مستقلة ما تبذله الصحف من جهد، منكرة صمت الصحف الصامتة وفتور الصحف الفاترة. ونحن نلقى هذا كله صابرين متحفظين، مبالغين في الصبر والتحفظ، لأننا ما نزال نعتقد أن هذا الأمر فتنة لم يكن ينبغي أن تثار، وأن هذه الفتنة بعد أن أثيرت يجب أن تخمد وأن يرد شرها عن الناس.
    لذلك لا نزال نلح على الحكومة في أن تبحث عن نصيب آخر من الشجاعة غير هذا النصيب الذي ظفرت به في الأسبوع الماضي، فقد ظهر أن شجاعة الأسبوع الماضي لا تكفي، وأن حزم الأسبوع الماضي أضعف من أن يفي بالحاجة ويبسط سلطان الحكومة، لا أقول على المبشرين، بل أقول على هؤلاء الفتيات المصريات اللاتي يغتصبهن المبشرون اغتصابًا.
    يجب أن تبحث الحكومة عن نصيب جديد من الشجاعة والحزم لعل الله أن يفتح به عليها، فتشعر هؤلاء المبشرين بأنهم يقيمون في بلد متحضر، فيه دولة قائمة، ولهذه الدولة نظم يجب أن تحترم، وحرمات يجب أن ترعى، وقوة يجب أن تطاع. فمن تعدى حدود هذه النظم وهذه الحرمات وهذه القوة فإن هذه الدولة قادرة على أن تأخذه بالحق في ذلك أخذًا عنيفًا.
    ومن الأشياء التي لا تقبل شكًّا ولا نزاعًا أن لمصر دستورًا، فمن أنكر ذلك عاقبه القانون، وأن هذا الدستور قد أنشأ في مصر برلمانًا، فمن أنكر ذلك ساقته النيابة إلى القضاء، وأن في هذا البرلمان شيوخًا ونوابًا قد رزقهم الله قوة وبأسًا، وآتاهم بسطة من العلم والجسم، ومنحهم ألسنة تقول فتكثر القول، ومنحهم أيديًا لا تمتنع عن الحركة ولا تتردد في الامتداد بالبطش أحيانًا. ومن المحقق الذي لا يقبل شكًّا ولا نزاعًا أن هذا البرلمان قد أظهر غير مرة حرصًا على الدين وغضبًا للإسلام، وطالب الحكومة غير مرة بحماية هذا الدين والذود عن الإسلام. ومن الحق الذي لا شك فيه أن من أعضاء هذا البرلمان من ثار وفار، وقر ثم دار، وسكن ثم طار، وأسرف في التبشير والإنذار، ولم يتحرج من التجني على المسلمين واتهامهم بغير الحق وإثارة الحفائظ عليهم وإغراء العامة بهم، وما زال بزملائه النواب حتى كان الاستجواب، وكثر فيه الكلام، واشتد فيه الخصام، وانتصر فيه الإسلام، وأصبح رئيس الوزراء له راعيًا، ولحوزته حاميًا، واضطربت له الأرض وزلزلت زلزالها. كل هذا محقق لا شك فيه، وكل هذا يفرض على البرلمان اليوم حقوقًا إن قصر فيها أو نكل عنها أثبت على نفسه أنه لم يكن مخلصًا لله ولا للدين يوم ثار تلك الثورة ويوم هاج وماج وأثار ذلك العجاج.
    ومن المحقق أن في هذا البرلمان شيخًا يسميه الناس شيخ الإسلام، وإن لم يكن للإسلام شيخ. ومن المحقق أن شيخ الإسلام هذا قد أظهر الغضب للأمة في غير حاجة إلى هذا الغضب، وقد اتهم المسلمين بالكفر، وأغرى بهم سلطان الدولة، وقد اعتدى على كتب المسلمين السابقين وطلب إلى الدولة مصادرتها، وأذعنت له الدولة فصادرتها وقتًا ما. فعلى هذا الشيخ الذي يغضب في غير موضع للغضب، ويثور في غير داعٍ إلى الثورة، ويظهر الآن غيرته على الدين وذوده عنه وقيامه دونه، أن يطالب البرلمان الذي هو عضو من أعضائه بأن يتخذ في هذا الأمر موقفًا حازمًا أشد حزمًا من موقف الحكومة، حتى لا يقال إنه لم يغضب للإسلام يوم غضب، وإنما غضب للسياسة ومنافعها العاجلة، ولم يثر للإسلام يوم ثار، وإنما ثار للمنصب والمرتب.
    ومهما يكن من شيء فقد أظهرت سيرة المبشرين أن تصريح وزير الداخلية لم يصنع شيئًا، ولم يكفهم عن إثمهم، بل أغراهم به وحببه إليهم، فلا بد إذن من أن يجد وزير الداخلية لنفسه وسيلة أخرى تجعل تصريحه قاطعًا مقنعًا محدثًا لأثره عند المبشرين. لا بد من أن يعلم البرلمان إن كان حريصًا على العلم من أين يعلم المسلمون أن هذه المبشرة التي تكايد الحكومة في بورسعيد قد أذعنت للحكومة وأسلمت إليها الفتيات، وأن حكم القضاء قد أنفذ. ولا بد من أن يصبح هذا المقدار الذي تريد الوزارة أن ترصده للملاجئ والمدارس شيئًا مقررًا، ومن أن يصدر القانون بإقراره قبل أن تنتهي الدورة البرلمانية. ونحن نؤكد للوزارة والبرلمان أن أمر هذه المدارس والملاجئ أنفع للأمة وأجدى عليها من هذه المشروعات التي تعجلتها الحكومة فأصدرت لها الملايين ومئات الألوف وعشرات الألوف. ونحن نؤكد أنه قد تنقضي الدورة ولم يصبح أمر هذا الاعتماد حقيقة لا سبيل إلى الشك فيها أو الالتواء بها. ولو أنا نستطيع أن نطمئن إلى أن البرلمان سيسمع لدعوة الداعين وسيصور حقًّا رغبة الأمة في الدفاع عن كرامتها والذود عن دينها لطلبنا إليه ألا ينفض حتى يصدر من القوانين ما تقتضيه حياتنا في هذه الأيام مع هؤلاء المبشرين الذين لا تزيدهم هذه الفتنة إلا إلحاحًا في الشر وإسرافًا في الطغيان.
    لو أننا نعلم أن البرلمان سيحرص حقًّا على أن يصور ميول الأمة ويرضي حاجاتها لطمعنا منه في استجواب كذلك الاستجواب الذي أثير في العام الماضي حول أكذوبة من الأكاذيب، وضلالة من الأضاليل، ومكيدة من هذا الكيد السياسي الذي أفسد في مصر كل شيء.
    نعم، من الحق على البرلمان لنفسه ولدين الدولة ولكرامة حامي الإسلام وراعيه، ذلك الذي يقيم الآن في فرساي، من الحق على البرلمان أن لا يختم دورته هذه دون استجواب تظهر فيه الحكومة ما تريد أن تفعل، وتأخذ فيه الحكومة عهدًا على نفسها بالسعي الملح في إصدار القانون الذي يمكنها من مراقبة التعليم الحر كله.
    هذا الاستجواب — إن كان — يزيل عن البرلمان وصمة لا نحب أن يوصم بها، وهي أنه لا يستجوب إلا حين لا يكون على الحكومة من الاستجواب بأس.
    فليتوكل البرلمان على الله، وليسع خطيبه الفذ وبطله المغوار إلى شيخ الأزهر حيث يقال إنه سعى في العام الماضي، وليكتب أو ليستكتب فيها استجوابًا كذلك الاستجواب الذي كتبه أو استكتبه في العام الماضي كما يقال، وليخطب فيبدع فإن الموضوع خليق بالخطابة والإبداع. وهو لن يحتاج في هذه المرة إلى من يختلق له الأكاذيب ويلفق له الأباطيل كما احتاج في العام الماضي، وسيسعى الناس إلى مجلس النواب ليسمعوه طائعين لا كارهين، ومختارين لا مدفوعين؛ فقد كان يقال في العام الماضي إنهم كانوا يجذبون جذبًا إلى مجلس النواب، وكانوا يدفعون دفعًا إلى مجلس النواب ليسمعوا ثم يهتفوا. وقد سمعوا وهتفوا، ونحن نؤكد للخطيب البطل أنهم في هذه المرة لن يترددوا في الذهاب إلى المجلس، ولن يترددوا في الإعجاب بالمجلس والوزارة إن استطاعا أن يدفعا عنهم شر المبشرين.
    أما بعد، فلسنا نحب هزلًا، ولا نقصد إلى دعابة، وإنما ننبه الوزارة والبرلمان إلى أن أمر المبشرين إن ترك كما هو فسينتهي بالبلاد إلى فتنة منكرة لا تصيب الذين ظلموا خاصة، ولكنها تصيب الآثم والبريء، وإن أول واجب على الوزارة والبرلمان اللذين يحرصان على إقرار النظام وتثبيت الأمن أن يدفعا شر هذه الفتنة عن الناس، ويدفعاها في أسرع وقت.
    كوكب الشرق ١٨ – ٦ – ١٩٣٣

  • مؤتمر | A Conference

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣