عشرة أيام (٢)
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
٢٠ يوليو ١٩٤٧
وتبلغ الإسكندرية متعبًا كالمستريح، ومستريحًا كالمتعب؛ لأن هذه الساعات القصار التي أنفقتها في القطار قد أراحتك من بعض الجهد المادي، ولكنها لم ترحك من الجهد المعنوي قليلًا ولا كثيرًا، فأنت سواء أردت أو لم ترد قد تركت القاهرة بشخصك، ولكنك تركت فيها قلبك، أو تركت فيها جزءًا من قلبك على أقل تقدير، لا لأنك كذلك العربي الذي قال:
هواي مع الرَّكْب اليَمَانين مُصعدٌ جنيب وجُثْماني بمكَّةَ مُوثق
فأنت لم تترك في القاهرة حبيبًا إليك أثيرًا عندك، وإنما تركت القاهرة نفسها وتركت معها الحياة المصرية كلها. والحياة المصرية كلها أنت جزء منها قد اتصلت بها نفسك اتصالًا وثيقًا دقيقًا، فأنت لا تتركها إلا لتعود إليها، وأنت لا تنصرف عن التفكير فيها إلا لتسأل نفسك بعد لحظات عمَّا يمكن أن يكون فيها من الكائنات، أو يُلمَّ بأهلها من الأحداث.
وأنت على كل حال قد أخذت صحف الصباح وجعلت تقرؤها وفي نفسك أنك ستنفق أيامًا وأيامًا وأسابيع دون أن تقرأها، وأنت من أجل ذلك تقرؤها مسرعًا وتقرؤها مبطئًا، وتستبقيها لتعيد قراءتها في السفينة، وتسخر من نفسك لهذا العبث الذي يلائم الأطفال أكثر مما يلائم الرجال، ولكنك تعود فتعتذر إلى نفسك، أو تعتذر عنها بأن الرجال ليسوا إلا أطفالًا كبارًا، ولا سيما في ساعات الفراق وما يحيط بها من توديع وتشييع، ثم أنت تبلغ الإسكندرية آخر الأمر في وقت تراه قصيرًا، وتراه مع ذلك طويلًا، هو قصير لأنك لم تؤدِّ فيه إلى القاهرة حقها من التفكير، وهو طويل لأنك مجهد مكدود تريد أن تخرج من هذا العناء كله إلى ما يسليك عنه، ويحط عنك ثقله.
وقد وجدت هذه التسلية حين بلغت الإسكندرية، فأنت مستقبل فيها قومًا كالذين غادرتهم في القاهرة قد أزعجوا أنفسهم عن هدوئها وراحتها ليودعك بعضهم في لقاء قصير، وليُشيِّعك بعضهم الآخر إلى السفينة! ومن هؤلاء المشيعين من يلقاك في محطة الإسكندرية، ثم يضرب لك موعدًا في السفينة، ومنهم من يلقاك ثم يقسم جهد أيمانه ليلزمنك حتى يؤديك إلى السفينة، يريد أن يستمتع بصحبتك، وأن يعينك على ما تجد من المشقة، وأن يسليك بما يحدثك من أحاديث، وما يروى لك من أخبار، وأن يدعوك إلى الغداء يكرهك على قبول دعوته إكراهًا؛ لأنك طارئ على الإسكندرية وهو مقيم فيها، ولأن للطارئين على المقيمين حقوقًا يجب أن تؤدى، وأنت من أجل ذلك تقضي هذه الساعات مقيمًا في الإسكندرية بعيدًا عنها.
وقد قسمت نفسك إلى ثلاثة أقسام: قسم سبقك إلى السفينة، فهو ينتظرك فيها، وآخر فارقك حين ركبت القطار وظل في القاهرة، والقسم الثالث ضئيل نحيل يقيم بينَ بينَ، يتعجل الوصول إلى السفينة، ويود لو عاد إلى القاهرة، ويسمع مع هذا كله من الذين يتحدثون إليك، ويرد عليهم رجع الحديث، ولكنه يسمع بجزء يسير من أذنيه، ويتحدث بأطراف اللسان والشفتين، وقد انقضت هذه الساعات كما استطاعت أن تنقضي، فهي أشبه شيء بالحلم البغيض تريد أن تخرجك اليقظة منه، وتود مع ذلك لو أمسكك النوم فيه، ثم أنت تركب آخر الأمر سيارة تحملك إلى السفينة، فتلقي بعد قليل هؤلاء البوابين الكرام الذين أقامتهم الدولة حراسًا على الثغر، يأذنون للخارج من مصر بالخروج، ويأذنون للداخل إلى مصر بالدخول، يرفقون ببعض الناس ويضيقون ببعضهم الآخر.
وهم على هذا كله يؤدون إلى الدولة والوطن خدمة جليلة، وواجبًا خطيرًا، ولست أدري كيف يودعونك حين تسافر، ولا كيف يستقبلونك حين تعود، ولكني أعلم أني لم ألق منهم إلا خيرًا لأنهم يرفقون، بل لأنهم يتجاوزون الرفق إلى ما هو أقرب إلى المودة والحب، فهم يودعونني فيضيفون بوداعهم الحلو حزنًا إلى ما أجد من حزن لفراق الوطن، وهم يستقبلونني فيضيفون بلقائهم الحسن فرحًا إلى ما أجد من الفرح بالعودة إلى الوطن، ثم أنت تقتحم هذه الجموع المحتشدة المزدحمة حتى ترقى إلى السفينة، ومنذ ذلك تشعر بأن بينك وبين الوطن سببًا ضئيلًا ستقطعه بعد قليل صلصلة الجرس، وهذا الصفير المدوي الذي ينتشر في الجو فيملأ قلوب المسافرين والمقيمين روعًا وأسًى.
وأنت من أجل هذا تلح في الحديث إلى من رافقك إلى السفينة أو لقيك فيها، كما تلح في الاستماع إليهم حين يتحدثون إليك كأنما تريد أن تأخذ بأعظم حظ ممكن من الحديث والاستماع، قبل أن تنقطع هذه الأسباب فلا يتاح لك الحديث ولا الاستماع، وأنت أشبه شيء بالظمآن الذي أتيح له الماء العذب، وقيل له: انقع غلتك فقد لا تجد الماء قبل وقت طويل، وأنت تعلم مع ذلك أنك لن تكون المصري الوحيد في السفينة، وإنما يصحبك فيها مصريون كثيرون تستطيع أن تقول لهم، وأن تسمع منهم، وتصل بذلك الأسباب بينك وبين مصر، ولكنك مع هذا تؤثر الحديث إلى هؤلاء المصريين الذين سيقيمون إذا سافرت؛ لأنهم سيعودون إلى مصر من فورهم، فأما الآخرون فهم مثلك يحتملون ما تحتمل، ويعانون ما تعاني؛ فالحديث إليهم والاستماع منهم لا يغنيان عنك شيئًا، وأنت بعدُ ستلقاهم حين تبحر السفينة، وستتحدث إليهم، وتسمع منهم أثناء الرحلة، فأذكر قول الشاعر القديم:
تزود من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار
ثم تسمع صليل الأجراس، وهذا الصفير المدوي في الفضاء، فيكون الوداع، وما في الوداع من مرارة وثقل، والغريب أن بين الوداع في السفينة والوداع في محطة القاهرة فرقًا واضحًا جليًّا؛ فأنت في القاهرة تضيق بساعة الوداع ضيقًا شديدًا، وتود لو تعجل القطار موعده، أو تعجل الفلك دورته، فأعفيت من هذه الساعة الثقيلة.
وأنت تتنفس الصعداء حين يتحرك القطار، لا لأنك استرحت من المودعين والمشيعين؛ بل لأنك استرحت من الوداع والتشييع، فأما في السفينة فأنت لا تتعجل صليل الأجراس ولا الصفير المدوي، وإنما أنت مستقر هادئ تمد أسباب الحديث، وتود لو كانت مطاطة يمكن أن تمد إلى غير أمد. علل هذا الفرق بما شئت، ولكنه حقيقة واقعة، ومهما يكن من شيء فقد أقمت أنت في السفينة ونزل منها المشيعون ليقيموا هادئين مطمئنين في أرض الوطن.
وهذه السفينة قد أخذت تستدير في رفق لتستقبل البحر وتستدبر البر، وأنت ما تزال قائمًا تريد أن تأخذ من مصر أكثر ما تستطيع أن تأخذ، وقد جعل الساحل يستخفي قليلًا قليلًا، وجعلت السفينة تندفع بك إلى حيث تعلم وإلى حيث لا تعلم، فأنت تعلم أنها قاصدة إلى مارسيليا، ولكنك لا تعلم ما عسى أن تلقى في طريقك إلى مارسيليا، أيظل البحر هادئًا مطمئنًا أم يأخذه الاضطراب وتعصف به الثورة؟ أتثبت أنت لعبور البحر أم يأخذك هذا الدوار الذي لا سلطان لك عليه، والذي يستطيع أن يفسد عليك كل شيء؟ أتخلو إلى نفسك أم تلقى الناس؟ أتتاح لك الخلوة إلى نفسك أم يفرض عليك لقاء الناس؟
أما أنا فقد أخذت من الخلوة إلى نفسي ومن لقاء الناس بحظٍّ لا أدري أرضيت عنه أم سخطت عليه، ولكني وجدت فيه متاعًا عظيمًا، وليست الخلوة إلى النفس شيئًا يسيرًا، وأكاد أعتقد أني لا أظفر بها إلا نادرًا، وإنما الخلوة إلى النفس عندي هي أن أخلو إلى كتاب فأعاشر قومًا لا عهد لي بهم، وقد عاشرت أثناء هذه الرحلة قومًا أحب عشرتهم أشد الحب، وهم أولئك الذين نشروا في الأرض نور الإسلام، وأقاموا فيها مجد العرب، فقد كنت أقرأ كتابًا عن أمير المؤمنين عثمان — رحمه الله.
ولقيت الناس فاستمتعت بلقائهم، قلت لهم كثيرًا، وسمعت منهم أكثر مما قلت لهم، وكانت مصر هي الموضوع الوحيد لما قلت وما سمعت، وهدأ البحر حتى كاد ينسينا أننا نعبره، فلما كنا من فرنسا غير بعيد، ليس بيننا وبينها إلا ليلة واحدة، ثار البحر حتى أنسانا كل ما نعمنا به من الهدوء والاطمئنان، ولا نكاد ندنو من مرسيليا، ولا تكاد السفينة ترسو حتى يلقى إلينا النبأ الذي تضيق به الصدور، فقد كنا نريد أن نسافر إلى باريس من ليلتنا، ولكن الإضراب قد وقف سير القطارات واضطرَّنَا إلى أن نُوطِّن أنفسنا على الإقامة في مرسيليا يومًا ويومًا ويومًا.
Tag: رحيل
-
وداع٢ | Farewell (2)
حديث المساء: وداع (٢)
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ أبريل ١٩٣٣
لأول مرة منذ مرض رئيس الوزراء، استطاع أن يزور ديوانًا من دواوين الحكومة، فذهب مع الأصيل أمس إلى وزارة الداخلية مودعًا رجالها الذين عملوا معه فيها أعوامًا! وكان كل شيء في ذلك الوقت شاحبًا كاسفًا، يُلقي على النفس رداءً رقيقًا من الشحوب والحزن. كان النهار في آخره، وكانت الشمس منحدرة إلى الغروب، وكان في الجو شيء من هذا الحزن العام الغامض الذي يبعثه ميل الشمس إلى الغروب، وانحسار ضوئها عن الأشياء، وكان رئيس الوزراء في أكبر الظن نشيطًا، ولكن نشاط المتعب! مبتسمًا، ولكن ابتسام المحزون! وكان رجال الداخلية في أكبر الظن مبتهجين للقاء وزيرهم بعد أن حال المرض بينه وبينهم أكثر من شهرين، محزونين لأنهم يلقونه ليودعوه لا ليعملوا معه!
وكان حديث رئيس الوزراء إليهم لا يخلو من ثناء عليهم، وتشجيع لهم، وأمل فيما سيلقونه من توفيق في غد، يشبه ما أتيح لهم من توفيق أمس؟! ولكن صوت رئيس الوزراء كان في أكبر الظن هادئًا مطمئنًّا، أدنى إلى الخفوت منه إلى الجهر الذي عرفه الناس! ولعل شيئًا من الأسف والأسى كان يتردد في رنات هذا الصوت، ويعرب عن حزن وزير الداخلية السابق لفراق أعوانه الذين نهضوا معه بهذه الأثقال الثقال التي تنوء بالرجال!
فكان كل شيء حزينًا إذن في هذه الزيارة منذ ابتدأت مع المساء إلى أن انتهت مع أول الليل، حتى حديث رئيس الوزراء إلى من حضر زيارته من الصحفيين؛ فقد كان هذا الحديث شاحبًا ممتقعًا كئيبًا يظهر فيه الجهد والإعياء! فانظر إلى رئيس الوزراء وهو يتحدث إلى الصحفيين بأنه سيذهب إلى مكتبه في الرياسة في المساء لا في الصباح! وقد كان يذهب إلى مكاتبه مع الصبح ولا يدعها حتى يتقدم الليل! وسيقضي في مكتبه ساعتين، وقد كان ينفق فيه بياض اليوم وشطرًا من سواد الليل! وسيتخفف من المقابلات فلا يلقى أحدًا، وقد كان يلقى في البكرة، ويلقى في الغداة، ويلقى في العشي، ويلقى في الآصال، ويلقى تحت جنح الظلام …! وسيتخفف من الأعمال فلا ينظر منها إلا ذا الخطر. وقد كان لا يدع صغيرة ولا كبيرة إلا دعاها إليه، وقلبها ظهرًا لبطن، ووقف عندها فأطال الوقوف، ونظر فيها فأنعم النظر، وجادل فيها فأتعب المجادلين …!
ولن يطول تردده على مكتبه إلا ريثما يسافر إلى أوروبا ليستريح، ويتعجل سعيه إلى الشفاء أو سعي الشفاء إليه. وقد كان أزهد الناس في سفر، وأحرص الناس على إقامة، وأرغب الناس في أن يشرف بنفسه على كل شيء، لا في وزارتي المالية والداخلية وحدهما، بل في كل ما يتصل بالوزارات الأخرى، ثم تضيف الشعب أنه سيحضر جلسات البرلمان من حين إلى حين متى سمحت بذلك الظروف …!
كل هذا يحزن! وكل هذا يسوء! فمهما تكن خصومة الناس لرئيس الوزراء، ومهما يكن سخط الناس على سياسة رئيس الوزراء، فهم كانوا يريدون لحكمه خاتمة خيرًا من هذه الخاتمة؟! وهم كانوا يريدون أن تظل الحرب بينه وبينهم قوية عنيفة حتى يدع الحكم، لا أن تكون كما هي الآن حربًا لغير محارب، وهجومًا على من يعييه الدفاع …!
كان كل شيء أمس حزينًا كئيبًا حين زار رئيس الوزراء ديوان الداخلية مودعًا، وسيكون كل شيء اليوم وغدًا شاحبًا كئيبًا حين يختلف رئيس الوزراء إلى حزب الشعب، أو إلى ديوان الرياسة؛ لأن رئيس الوزراء قد فقد هذه القوة التي كانت تبعث في أنصاره وأعوانه القوة، وهذا النشاط الذي كان يبعث في أعوانه وأنصاره النشاط. وأصبح رئيس الوزراء فاترًا، ففتر الناس من حوله! ضعيفًا فضعف الناس من حوله! كئيبًا فاكتأب الناس من حوله.
وليس الغريب أن يفتر الناس بعد نشاط، ويضعفوا بعد قوة، ويكتئبوا بعد ابتهاج؛ فهذه أعراض الحياة ليس منا إلا من هو معرض لأن يلقاها، ويأخذ منها بحظ قليل أو كثير، وإنما الغريب أن يحتمل الناس هذه الأثقال، ويأبوا إلا إنكارها! وأن يخضع الناس لهذه الأعراض ويأبوا إلا تصريف أمورهم! كأن شيئًا لم يعرض لهم! وكأن حدثًا لم ينزل بهم! وكأنهم مستكملون لكل ما يحتاجون إليه من قوة ونشاط وطمأنينة تمكنهم من تصريف الأمور!
أمختارٌ رئيس الوزراء حين يصر على البقاء في الحكم والنهوض بأعبائه الثقال رغم هذا الضعف الذي لا سبيل إلى الشك فيه؟ وإذن فما أجدر الذين يحبونه ويرفقون به أن يشفقوا عليه، ويخففوا عنه هذا الثقل، ويخلوا بينه وبين الراحة يأخذ منها بحظ موفور.
أَمُكرَهٌ رئيس الوزراء على البقاء في الحكم ليمكن للذين إليهم أمر السياسة من البحث والتفكير فيما يمكن من التغيير؟ وإذن فما أقسى السياسة! وما أبعدها عن الرفق! وما أشد إسرافها فيما تطلب إلى أهلها من تضحية لا تتحرج أن تبلغ بها الصحة نفسها!
وأي قسوة تشبه هذه القسوة التي تكره على العمل رجلًا قد يكون أحب شيء إليه أن يدع العمل ويستريح؟!
وسواء كان رئيس الوزراء مختارًا للبقاء في الحكم أو مكرهًا عليه، فإن حياة الشعوب نفسها أقسى من السياسة، وأقسى من الظروف، وأقسى من هذه الاعتبارات التي تدعو إلى الرفق، وتفرض المجاملة على الناس. حياة الشعوب هذه لا تستطيع أن تلقى بأعنتها إلى إلا الذين لا يقدرون على تصريفها حقًّا، ويستطيعون أن يقفوا عليها وقتهم وجهودهم وتفكيرهم.
وليس رئيس الوزراء بالذي يقدر على هذا الآن. لقد فكر الرجل وأطال التفكير، وقدر الرجل وأطال التقدير، واستشار الأطباء فأكثر الاستشارة، وأكبر الظن أنه ساومهم وألح في المساومة، وأكبر الظن أنهم مانعوه فغلوا في الممانعة، وانتهى الأمر بينهم وبينه إلى أن يأذنوا له بساعتين يختص بهما أعمال الدولة أيامًا قبل أن يسافر إلى أوروبا، وعلى أن تكون هذه الأعمال خفافًا لا مشقة فيها ولا عناء.
هذا أقصى ما يملك الرجل، وهو أقصى ما يستطيع الأطباء أن يأذنوا به، وهو أيسر ما يمكن أن يقدمه إلى الحياة العامة رجل يشتغل بالحياة العامة، وأين تقع ساعتان من حياة مصر؟ وأين تقع أيام من هذه الحياة؟ وكيف يخطر للذين إليهم أمر السياسة المصرية أن شيئًا كهذا يمكن أن تجري عليه الأمور؟ أو يستقر له نظام؟ ولو أن الوزراء الذين وضعهم صدقي باشا في مناصب الحكم يستطيعون أن يثبتوا لهذه المناصب، وينهضوا بأثقالها؛ لما جاز أن تبقى الوزارة ورئيسها مريض إلى هذا الحد، فكيف والناس جميعًا مؤمنون — وأولهم الإنجليز — بأن هؤلاء الوزراء أعجز من أن يحتملوا وحدهم أعباء الحكم، أو يَستَقِلُّوا بأثقاله، فهم قد وُضعوا في مناصبهم ليُعينوا رئيسهم على تدبيرها، لا ليستقلوا هم بهذا التدبير.
كل شيء يدعو إلى أن تتخلى هذه الوزارة عن الحكم: صحة رئيسها، ومصلحة مصر، لا أقول مصلحتها الحقيقية؛ فليس هذا بالوقت الذي يقام فيه للمصلحة الحقيقية وزن، وإنما أقول مصلحة هذا النظام الذي استحدثه صدقي باشا. كل ذلك يدعو إلى أن تستقيل هذه الوزارة ليستريح المريض، وليجد هذا النظام الناشئ إذا لم يكن بد من محاولته للبقاء من يمكنه من المضي في هذه المحاولة.
ما أجدر رئيس الوزراء والذين يؤيدونه في منصبه أن يقرءوا قصة تمثيلية ظاهرها مضحك وباطنها كله عظة! وهي قصة المحامي التي وضعها الكاتب الفرنسي راسين، والتي يُذكِّرنا بها ما نحن فيه الآن!