Tag: سيادة القانون

  • دكتاتورية | Dictatorship

    دكتاتورية

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٨ يونيو ١٩٤٥

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء ليس راضيًا، ولا يمكن أن يرضى عن هذه التصرفات الخطيرة التي تضاف إلى بعض زملائه، والتي تحقق النيابة في بعضها مع الصحف.

    فإن لنا في رئيس الوزراء رأيًا لم تغيره الحوادث بعد، ونرجو ألَّا تغيره، وهو أنه يكره أشدَّ الكره ما يَشِين نزاهة الحكم قليلًا أو كثيرًا.

    ونريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن بعض هذه المسائل التي تحقق فيها النيابة إذا نسبت إلى موظف كبير أو صغير؛ كان وقف هذا الموظف عن العمل حتى يتم التحقيق أول ما يجب على الوزير المسئول أن يعمله. فإذا نُسبت هذه المسائل إلى الوزير نفسه فليس وقف الوزراء عن أعمالهم ممكنًا؛ لأنه يعطل السلطان العام، وليس استمرار الوزير في عمله معقولًا؛ لأنه يعرض سمعة الحكم للخطر، ويعرض التحقيق نفسه للخطر أيضًا. وإذن فلا سبيل إلى الاحتفاظ بسمعة الحكم من جهة وتحقيق العدالة من جهة أخرى إلَّا أن يستقيل الوزير أو يُقال.

    نريد أن نعتقد أن رئيس الوزراء يعلم هذا كله حقَّ العلم، ويؤمن به فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين الله أشدَّ الإيمان.

    ولكن نرى رئيس الوزراء يصرح للصحفيين بأن الأمور تجري في طريقها المألوفة، وأن الوزارة متضامنة منسجمة. وإذن فلا مَحِيدَ عن إحدى اثنتين: إمَّا أن يكون رئيس الوزراء قد تغيَّر تغيُّرًا كاملًا وغيَّر آراءه في سمعة الحكم وتحقيق العدل، وهذا بعيد كل البعد. فالنقراشي باشا مبرَّأ والحمد لله من هذه المرونة الخطرة، ومن الاستعداد لهذا القول المريب. وإمَّا أن يكون عاجزًا عن إجراء الأمور كما يجب أن تُجرى، وإخراج الذين تحوم حولهم الشكوك من وزارته عجزًا مؤقتًا أو متصلًا، وهذا هو الذي نميل إليه. وإذن فهناك ظروف قاهرة تعلق سلطة رئيس الوزراء وتمنعه من أن يؤلف وزارته كما يجب أن تكون.

    والناس جميعًا يعلمون أن مجلس النوَّاب القائم قد اتخذ قرارًا بمنع الصحف والنوَّاب أنفسهم من الخوض العلني في التقرير الذي يُعرض الآن على لجنة التحقيق في أعمال الوزارة الوفدية السابقة. والناس جميعًا يعلمون أن هذا القرار الذي اتخذه مجلس النوَّاب قد احترمته صحف المعارضة والصحف المستقلة، واحترمه نوَّاب الأحزاب المؤتلفة والنوَّاب المستقلون، ورفض احترامه فريق بعينه هو فريق الكتلة. فلم يحترمه رئيس هذا الحزب الذي طبع التقرير وأخذ يذيعه باليمين وبالشمال في مصر وفي خارج مصر. ولم تحترمه صحيفة الكتلة التي أخذت تتحدث عنه أحاديث مفصلة، وتنشر منه أجزاءً مطولة. ولم يصنع مجلس النواب شيئًا ليفرض على رئيس الكتلة وزملائه وصحيفته احترام هذا القرار.

    فإمَّا أن يكون مجلس النواب راضيًا عن هذا التصرف، وإذن فلم يكن في حاجة إلى أن يتخذ ذلك القرار. وإذن من الحق عليه أن يعلن ذلك ليستطيع الناس أن يخوضوا في هذا الحديث كما يخوض فيه فريق الكتلة، وليستطيع المعارضون أن يردُّوا على ما ينشر في صحيفة الكتلة ردًّا صريحًا حرًّا، سواءٌ استقامت لذلك أمور التحقيق أم لم تستقم. وإمَّا أن يكون مجلس النواب عاجزًا عن أن يردَّ رئيس الكتلة وزملاءه وصحيفته إلى الحدود الدستورية الصحيحة؛ وإذن فالسلطة التشريعية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين، كما أن سلطة رئيس الوزراء معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض الوزراء.

    والناس جميعًا يعلمون أن النيابة قد أصدرت أمرها في الشهر الماضي بمنع الخوض في شئون التحقيق الذي أجرته لجنة وزارية يرأسها رئيس الكتلة، والذي يُعرض الآن على مجلس النواب. وقد احترمت الصحف المعارضة والصحف المستقلة أمرَ النيابة الذي يجب احترامه بحكم القانون، وأبتْ صحيفة الكتلة أن تحترم هذا الأمر، فخاضت فيه كما شاء لها الهوى.

    وإذن فإذا كانت النيابة راضية عن تصرف الكتلة، فيجب إذن أن تُبيح هذا التصرف نفسه للصحف الأخرى. ولا نفهم أن تكون النيابة عاجزة عن أخذ الكتلة باحترام القانون والخضوع لما يخضع له المصريون من النظام؛ لأن هذا معناه أن السلطة القضائية معلقة في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. وإذا علقت اختصاصات السلطة التنفيذية واختصاصات السلطة التشريعية واختصاصات السلطة القضائية كلها أو بعضها في بلدٍ من البلاد؛ فإن لهذا التعليق اسمًا معروفًا مشهورًا لا تحبه الديمقراطية ولا ترضاه، وقد حاربته دول الحلفاء ومنها مصر حتى سحقته سحقًا ومحقته محقًا، وهذا الاسم هو الدكتاتورية.

    فأحكام الدستور والقوانين العامة تعلنها الأحكام العرفية أحيانًا، ويقوم الحاكم العسكري العام على تنفيذ هذه الأحكام، ولكننا رأينا أن سلطة الحاكم العسكري نفسه معلقة، فهو لا يستطيع أن يتخلَّص من بعض زملائه، وهو لا يستطيع أن يحمل زملاءه وبعض صحفهم على احترام القانون. وإذن فالدستور والقوانين العامة معلقة في مصر مرتين: معلقة بالأحكام العرفية، وهذا تعليق شرعي نبغضه، ونود أن نخلص منه، ولكنه تعليق شرعي على كل حال، ومعلقة بهذه الظروف التي تهدر السلطات الثلاث في بعض اختصاصاتها بالقياس إلى بعض المصريين. فما عسى أن تكون هذه الظروف الخفية التي أنشأت في مصر نظامًا دكتاتوريًّا يعيش جنبًا لجنب مع النظام الديموقراطي الشرعي ويتحيَّف هذا النظام شيئًا فشيئًا، ويأكله قليلًا قليلًا من يومٍ إلى يومٍ؟ ومن عسى أن يكون هذا الدكتاتور الذي فرضته هذه الظروف الخفية على مصر، ففرض هو إرادته على الذين يمثلون السلطات الثلاث؟

    يقول الناس إن هذه الظروف الخفية ليست إلَّا الائتلاف الذي تقوم عليه الوزارة؛ لأن استمتاع رئيس الوزراء بحقه الدستوري الكامل الذي يمكنه من أن يُخرِج من وزارته من تحوم حوله الريب والشكوك؛ هذا الاستمتاع يعرِّض الائتلاف الوزاري للتصدع، وإذا تصدَّع الائتلاف انهارت الأمور القائمة كلها انهيارًا. فمصر إذن مخيَّرة بين أن تصبر على تعليق السلطات الثلاث وعصيان أمر مجلس النواب جهرة، وعصيان أمر النيابة جهرة، وضياع الشعور باحترام السلطات والقانون ليبقى لهذا الائتلاف ويستطيع الوزراء أن يحكموا والنواب أن يشرِّعوا، وبين أن تأبى هذا الصبر وتحرص على الدستور والقانون واحترام النظام، فيتصدع الائتلاف وتسقط الوزارة وينحل مجلس النوَّاب.

    مصر مخيَّرة بين هاتين الخصلتين، ومن المحقق أنها تختار الخصلة الثانية لو أن لرأيها وزنًا، ولكن رأيها نفسه معلق في هذه الأيام كما أن السلطات الثلاث معلقة في هذه الأيام أيضًا.

    فإلى أن يتيح الله لمصر ذلك اليوم الذي تصبح فيه كلمتها هي العليا، يمكن أن نظنَّ أن نقترح على رئيس الوزراء رأيًا أقلَّ ما يوصف به أن يستر هذا الإخلال الخطير بالنظام الديموقراطي في مصر، ويجعل لمصر حكومة ذات رأسٍ واحدٍ لا ذات رأسين. وهذا الرأي بسيطٌ جدًّا، يطالب به السعديون أنفسهم، وهو أن يسترد رئيس الوزراء حقَّه في تأليف وزارته كما يجب أن تكون، وفي أن يبسط سلطان القانون والدستور على المصريين جميعًا من غير تفريق، وفي أن يمكَّن مجلس النوَّاب من أن تكون قراراته محترمة. وكل هذا لا يكلف رئيس الوزراء إلَّا أن يكون كعهد الناس به، رجلًا جازمًا حازمًا صارمًا، لا يخشى في سبيل رأيه لوم اللائمين، ولا يصطنع في تنفيذ هذا الرأي مرونةً ولا لينًا.

    إن له الكثرة في مجلس النواب، فليستقل حزبه بالحكم إذن ليعرف كيف يحمل التبعات، وكيف يواجه المصاعب، وكيف ينفذ من المشكلات، وليحتمل أوزاره دون أن يحتمل معها أوزارًا أخرى. وإذا لم يكن بد من الائتلاف، فليأتلف مع المسالمين الذين لا يجهلون قدر أنفسهم، ولا يطمحون إلى التسلط ولا يطمعون في غير الحكم، والخير له أن ينفرد حزبه بالحكم؛ فإن لرئيس الوزراء وزملائه السعديين مزاجًا خاصًّا ينفر من الائتلاف وينفر منه الائتلاف.

    ومن الحق أن أخذ رئيس الوزراء بهذا الرأي سيفتح عليه أبوابًا خطيرة من المداورات والمناورات والمشاغبات لا حدَّ لها، فسيعارضه حزب الكتلة لا معارضة الصديق، فليس لحزب الكتلة صديق، وستضاف هذه المعارضة المعادية إلى المعارضة الشعبية القاسية التي يصلى نارها رئيس الوزراء الآن. ولكن رئيس الوزراء يعلم حق العلم أن النهوض بأعباء الحكم ليس رياضة جميلة ولا نزهة مرهفة على النفس، وإنما هو جهد وجهاد وصبر واحتمال، وأخذ للنفس بما لا تحب، وإجشام لها على ما تكره.

    ورئيس الوزراء يوافقنا على أن كل شيء يهون إلَّا أن تكون سلطته معلنة، فيحمل التبعة ولا يتمتع بما يلائمها من الحرية. وعلى أن كل شيء يحتمل إلَّا أن تُعصى قرارات مجلس النوَّاب أو مكتبه جهرة وإعلانًا. وعلى أن كل شيء يُطاق إلَّا أن تخالف أوامر النيابة ولا تُطاع قرارات السلطة القضائية.

    فليتوكل رئيس الوزراء على الله، وليحزم أمره، وليؤلف وزارة حزم وعزم وجد، وليجمع السلطان الدستوري كله في يده، وليجنِّب نفسه ووطنه هذا الوضع الذي يخيِّل إلى الناس أن في مصر حكومة ظاهرة وأخرى مستخفية، وأن في مصر نظامًا ديمقراطيًّا من ورائه نظام دكتاتوري خفي، وأن للحكم في مصر رأسين: رأسًا يظهر باسمًا حينًا وعابسًا حينًا، ورأسًا آخر تظهر آثاره في القول والعمل.

    ليعتمد رئيس الوزراء على الله، وليجتهد في ألَّا يتغير رأي الناس فيه؛ فقد كان اسمه دائمًا إذا ذُكِر فهم الناس منه جدًّا لا يعرف العَبَثَ، وصراحةً لا تعرف المزاح، واستقامةً لا تحبُّ الالتواء.

  • صدقي باشا الذي | Sidqi Pasha, Who…

    حديث الوادي
    صدقي باشا الذي…
    إلى صديقي توفيق دياب
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي…، وتستطيع أن تضع بعد "الذي" هذه ما شئت من الجمل، وتستطيع أن تصوغ هذه الجمل من النار، وأن تصوغها من الثلج، وأن تصوغها من شيء بين ذاك لا هو بالمسرف في الحر ولا هو بالمسرف في البرد، وأن تودعها ما أحببت من هزل، وأن تودعها ما أحببت من جد، وأن تصور فيها كما صور صديقنا توفيق دياب ما اقترف صدقي باشا من إثم، وما احتمل من وزر، وما جنى على المصريين في أنفسهم ودمائهم، وفي منافعهم وأموالهم، وفي حقوقهم وكراماتهم، وفي ضمائرهم وأخلاقهم، وأن تؤلف من هذا كله صوراً مؤذية لكل نفس نقية، ولكل قلب كريم، ولكل ضمير طاهر، ولكل إنسان مثقف متحضر، وتستطيع أن تملأ الصحف التي تصدر في الصباح، وفي مقدمتها "الجهاد"، والتي تصدر في المساء، والتي تصدر في كل يوم، والتي تصدر في مصر وفي غير مصر، وتستطيع أن تملأ بها المحاضرات والخطب والأحاديث التي تلقى في الأندية والمجامع، وتذاع في المجالس والمحافل، وتستطيع أن تملأ بهذا كله الأرض والسماء، في الجهر والسر، وفي النور والظلام، فصدقي باشا الذي سيرى هذا كله، وسيسمع هذا كله، وسيبتسم لهذا كله ابتسامة الهادئ المطمئن، وابتسامة الساخر المزدري، وابتسامة الذي لا يحفل بشيء لأنه لا يخاف شيئاً، ولا يشفق من شيء، ولا يحسب لشيء حساباً.
    نعم يا سيدي صدقي باشا الذي… فعل ما شئت وما لم تشأ، وترك ما أحببت وما لم تحب، وازدري أمة بأسرها، وعذب شعباً كاملاً، وأهان وطناً كان يظن أنه لن يتعرض للهوان. صدقي باشا الذي… هذا، آمن مطمئن، لم تدعه للنيابة، ولم يقدمه أحد إلى القضاء، ولم يحاسبه أحد على شيء مما فعل، ولم يأخذه أحد بشيء مما ترك، وأغرب من هذا كله يا سيدي أنه قدم نفسه إلى البرلمان المنحل ليسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله، وأغرب من هذا يا سيدي أن الشعب الذي عذبه صدقي باشا وأذاه وأهدر حقوقه إهداراً، واستخف بكرامته استخفافاً، طلب إلى البرلمان المنحل أن يسأله فأبى البرلمان المنحل أن يسأله.
    وأغرب من هذا كله يا سيدي أن صدقي باشا الذي… هذا ما زال قائماً باسماً ذاهباً جائياً، يتحدث في السياسة، ويكتب في السياسة، وينشر في السياسة، ويسعى في السياسة، وما زال الناس يسمعون له، ويفكرون فيما يقول، بل من الناس من يسعى إليه ليسأله عن رأيه فيما كان وعن رأيه فيما هو كائن وعن رأيه فيما سيكون، أرأيت يا سيدي أن صدقي باشا الذي هذا لا بأس عليه من أحد، ولا بأس عليه من شيء، وأنه ما زال يأمل ويرجو وينتظر ويتعلل بالأمل والرجاء والانتظار، ومن حوله نفر قد يكونون قليلين، ولكنهم مثله يأملون ويرجون وينتظرون ويقدرون أن الأمر قد يعود إليهم في يوم من الأيام.
    هذا هو صدقي باشا الذي تستطيع أن تكتب فيه ما شئت، ويستطيع الشعب المصري كله أن يبغضه ما وسعه البغض، ويستطيع الوطن المصري كله أن ينكره ما وسعه الإنكار، فلن يغير هذا من أمره شيئاً، سيظل كما كان صدقي باشا الذي، وسيظل كما كان هو اليوم صدقي باشا الذي…، ومن يدري لعله يصبح غداً أو بعد غد، في وقت طويل أو قصير، صدقي باشا الذي…، ولكن يجب أن تضع بعد "الذي" هذه جملاً أخرى كتلك التي كانت تضعها الصحف المؤيدة له، حين كان رجلاً عظيماً. كل شيء ممكن ما دام الذين يهدرون حقوق الوطن لا يسألون عما أهدروا من الحقوق، كل شيء ممكن ما دام الذين يسفكون دماء الشعب لا يسألون عما سفكوا من دماء، كل شيء ممكن ما دام الذين يبددون أموال الشعب لا يسألون عما بددوا من أموال.
    والغريب يا سيدي أنك تستطيع أن تنظر في الجو المصري، فلن ترى صدقي باشا الذي… وحده، بل سترى القيسي باشا الذي…، وسترى حلمي باشا الذي…، وسترى المنزلاوي بك الذي…، وسنرى كريم باشا الذي…، استغفر الله فهؤلاء الذين… ليسوا شيئاً لأنهم قد نزلوا من الحكم أو أنزلوا عنه، ولو إلى حين. ولكن انظر يا سيدي فسترى قوماً آخرين منهم من ظاهر صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… فيما اقترفوا من إثم، ومنهم من دفعهم صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… إلى ما اقترفوا من إثم، انظر يا سيدي إلى قوم لا يزالون يعملون في الحكم وإلى قوم لا تزال لهم مكانتهم وحظهم من الجاه، انظر يا سيدي إلى هؤلاء، كلهم مستمتع بمنصبه، كلهم مستقر في مكانه، كلهم منتفع بجاهه وسلطانه، كلهم تأجره الدولة لأنه أهدر كرامة الدولة، كلهم يرزقه الشعب لأنه عذب أبناء الشعب.
    انظر إلى هؤلاء جميعاً يا سيدي ثم اكتب صدقي باشا الذي… واملأ بها الصحف، ثم اخطب في صدقي باشا الذي… واملأ بخطبك الأندية والمحافل والأرض والسماء، فلن تغير شيئاً لأن شيئاً لن يتغير قبل أن يكون من المحقق أن الآثمين يجب أن يعاقبوا على الإثم، وأن الظالمين يجب أن يؤخذوا بالظلم، وأن دماء الشعب وأمواله ومنافعه لا ينبغي أن تذهب هدراً في بلد يقال إن له حظاً من حضارة وأنه خاضع لسلطان القانون.
    انظر يا سيدي إلى صدقي باشا الذي وإلى أصحابه الذين…، ثم حدثني ما خطبهم؟ كانوا وزراء، فاستباحوا ما لا يباح ثم أخفقوا فأبعدوا عن الوزارة إبعاداً ولكنهم انتفعوا بالوزارة فهم في آثار هذا الانتفاع، كانت لهم أجور يقبضونها أثناء الوزارة فلما أبعدوا أخذوا يقتضون المعاش، وهو قد يبلغ أحياناً نصف هذه الأجور، فالدولة ترزقهم لأنهم أساءوا إليها، والشعب يأجرهم لأنهم عذبوه، فما لهم يا سيدي لا يطولون وما لهم لا يستكبرون، وما لهم لا يأملون ولا ينتظرون، وما لهم لا يسخرون من الشعب ولا من حقوق الشعب، وما لهم لا يزدرون الكتاب وآثار الكتاب، وما لهم لا يتخذون الحياة لعباً وهزؤاً، وهل الحياة إلا لعب وهزؤ؟ انتظر يا سيدي حتى تستيقن بأن في مصر قانوناً محترماً يعاقب الوزير إذا أساء تصريف الأمر في الوزارة، ويعاقب المدير إذا أساء تصريف الأمور في الإدارة، ويعاقب الحاكم بوجه عام إذا اتخذ الحكم أداة للظلم، فإذا رأيت هذا القانون قائماً نافذاً محترماً فاكتب صدقي باشا الذي وأمثال صدقي باشا الذي، فقد يكون لهذه الكتابة نفع، وقد يكون لهذه الكتابة أثر في إرضاء العدل وإنصاف المظلوم، أما قبل أن يوجد هذا القانون وقبل أن يحترم، وقبل أن يصبح تنفيذه أساساً من أسس الحياة المصرية فإني أنصح لك أن تحتاط. أولاً لأن مثل هذه الكتابة لا يفيد، وثانياً لأن مثل هذه الكتابة قد يضر، بل هو محقق الضرر، فصدقي باشا الذي… وأصحابه الذين… قد يعودون إلى الحكم، وقد رأيتهم حين كانوا يحكمون فأنت تعلم ماذا ينتظرك إذا عادوا، ولكنك ستقول لي ما أقوله لنفسي، وهو أن علينا أن نؤدي الواجب مهما تكن الظروف، ومهما تكن النتائج وليس يضيرنا أن يقصر غيرنا في أداء الواجب، وإذن فاكتب صدقي باشا الذي…، وسأكتب مثلك صدقي باشا الذي… وليكن ما يكون ولنحتمل ما سيكون كما احتملنا ما قد كان. ولعل الله أن يصلح من أمر مصر فلا يوجد فيها أمثال صدقي باشا الذي… وأصحابه الذين…
    طه حسين
    الوادي، ٦ ديسمبر ١٩٣٤.

  • مظلمة القانون | The Wrong Done to the Law

    حديث الوادي
    مظلمة القانون . . .
    رفعت الوزارة أول أمس عن الشعب المصري مظلمة الدستور، حين ألغت ذلك النظام البغيض، الذي لم يكن نظاماً وإنما كان فساداً واستبداداً كما قال رئيس الوفد حين خطب الجماهير أمس. ذلك أن النظم لا تُفرض على الشعوب، وإنما تصدر عنها، ولم يصدر النظام البغيض عن الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إرضاء الشعب، بل لم يتوخَّ أصحابه إلا إغضاب الشعب وإذلاله وإخضاعه لحياة الخسف والهوان.
    وقد بينا أمس أن هذه المظلمة الدستورية الكبرى لم تكن تمس فرداً بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما كانت تمس الشعب المصري كله في أجياله الحاضرة والمقبلة.
    ونريد الآن أن نتحدث عن مظلمة أخرى تمس القانون ولابد من أن تُرفع كما رُفعت مظلمة الدستور، وهذه المظلمة هي التي أصابت رجال القضاء ورجال المحاماة، والناس جميعاً يعلمون أن من القضاة من عُزل، وأن منهم من نُقل لا لشيء إلا لأنهم لم يحكموا بالهوى ولم يريدوا أن يخضعوا القانون لما ينبغي أن ترتفع القوانين عنه، من المنافع والشهوات.
    فالظلم الذي أصاب رجال القضاء هؤلاء لم يُصب أشخاصهم بقدر ما أصاب الشعب كله، وبقدر ما أصاب الفضيلة وبقدر ما أصاب العدل وبقدر ما أصاب القانون. ذلك أن ظلم القضاة من حيث هم قضاة، فيه معنى بغيض تشمئز منه كل نفس حرة ويضيق به كل ضمير حي، ويرتفع عنه كل شعب متحضر، وهو محاولة إفساد القضاء واتخاذ العدل المقدس وسيلة لإرضاء الأهواء والشهوات وتحقيق المنافع والمآرب، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول هدم النظام الاجتماعي والسياسي هدماً، ومن حاول إفساد القضاء فقد حاول محو الثقة بالعدل من نفوس الناس وقد حاول أن يرسل الشهوات والأهواء إرسالاً، وقد حاول أن يلقي في روع الناس أن الأمر لم يبقَ للحق ولا للعدل ولا للقانون، وإنما أصبح للقوة والسلطان والجبروت، فمن عزَّ غلب، ومن غلب غلب، ومن استطاع فله أن يفعل ما يراه، وهذه هي الفوضى في أبشع صورها، وهذا هو تقويض الحضارة في أقبح معانيه.
    فلابد من رفع هذا الظلم لا نقول عن أشخاص القضاة ورجال القضاء الذين ظُلموا بل نقول عن القضاء كله، الذي أراد النظام الساقط أن يسيء إليه، فلم يفلح لحسن الحظ لأنه وجد من ضمائر القضاة ومن إيمان الشعب بهذه الضمائر ما عصمه من السوء.
    وإلى هذه المظلمة المنكرة توجد مظلمة أخرى ليست أقل منها شراً ولا نكراً وهي مظلمة المحاماة. فقد كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً صريحاً لا يتستر ولا يستحي ولا يحتاط، على الضمائر والقوانين وعلى النظام البغيض نفسه، كانت عدواناً على الضمائر ويكفي أن يذكر الناس أن الوزارة الساقطة لم تستحِ من أن تطلب إلى المحامين، ألا ينتخبوا لهم نقيباً بعينه، وألا ينتخبوا لنقابتهم أشخاصاً معينين. وأنذرتهم إن خالفوا عن أمرها، ولم تُقدِّر هذه الوزارة ما في طلبها وإنذارها من تجاوز لأيسر مظاهر الحياء، ومن تضحية بالأخلاق والكرامة على الطريق العامة بمرأى ومسمع من الناس جميعاً، وقد عرف المحامون، كيف يعصمون ضمائرهم من هذا العدوان، وكيف يلقون الوقاحة بالازدراء والابتسام، وكيف ينتخبون من كانوا يريدون أن ينتخبوا في غير تردد ولا خوف ولا اضطراب.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً صارخاً على القانون فلم يأذن قانون من القوانين لوزارة من الوزارات في أن تطلب إلى المحامين انتخاب هذا دون ذاك، وإيثار هذا على ذاك، ولا في أن تعاقبهم إن أعرضوا عنها وخالفوا عن أمرها، ومضوا في طريقهم راشدين.
    ثم كانت هذه المظلمة عدواناً على النظام البغيض نفسه في غير تورع ولا استحياء، فقد أصدرت الوزارة قانوناً جرت أحكامه على الماضي جراً مع أن الدستور القديم والدستور الملغى صريحان في أن القوانين لا تنفذ فيما مضى ولو جُرَّت إليه بالسلاسل والحبال.
    وقد عرف المحامون في ذلك الوقت كيف يرفضون الطاعة لذلك القانون الجائر، وكيف يثبتون كراماً في موقفهم الكريم، وكيف يحتفظون بنقابة نقيبهم وعضوية أعضائهم.
    هنالك أقدمت الوزارة على مظلمة أخرى للنظام البغيض نفسه، هيأت مشروع قانون للمحاماة وعرضته على برلمانها فلقيت بعض المقاومة، فلم تُلِحَّ في إصدار القانون، وانتظرت حتى تفرَّق برلمانها، ثم عمدت إلى ما أرادت من الظلم فصاغته في شكل قانون، وأصدرته في غيبة البرلمان متعجلة معتمدة على مادة من مواد الدستور لا ينبغي الاعتماد عليها إلا حين تتعرض المصالح الكبرى في البلاد للخطر.
    فكانت سيرة الوزارة مع المحامين عسفاً كلها، وعسفاً وقحاً، لا يستحي ولا يتحرج، ولا يرعى ضميراً ولا خلقاً، ولا يرعى قانوناً ولا نظاماً، وقد عرف المحامون كيف يزدرون هذا العسف، وكيف يثبتون على حقهم، وكيف يجاهدون الظلم والظالمين، في سيرة واضحة لا غبار عليها، ولا عوج فيها، وكانت الوزارة الساقطة، بل كان رجال العهد البغيض جميعاً يرون حرب المحاماة فرضاً عليهم لأن رجال المحاماة ألسنة الحق، وتراجمة القانون، وأعوان المظلومين، والذادة عن الحقوق، فقيامهم أعزة كراماً، خطر على كل استبداد ومقاومة لكل فساد، فإضعافهم لابد منه، وخضوعهم أساس تقوم عليه حياة المستبدين، وكان بعض الذين اعتمد عليهم العهد البغيض يتحدثون بأن تطهير المحاماة، وتطهير الصحافة، غاية لابد من الوصول إليها، وقد ظهر جهد العهد البغيض في تطهير المحاماة بالعدوان على المحاماة، وعلى قوانينها وعلى النظام العام نفسه، كما ظهر جهد العهد البغيض في تطهير الصحافة بما فُرض عليها وما كان يُراد فرضه عليها من القوانين. ولكن لمظلمة الصحافة حديثاً آخر فلنقف الآن عند مظلمة القانون. ولننتظر واثقين بأن الوزارة التي رفعت المظلمة الدستورية سترفع المظلمة القانونية، وستعلن في وضوح وصراحة ونزاهة وحزم أن ما اتخذه العهد البغيض من إجراء، وما أصدر من قرار، وما شرع من قانون يمس حقوق القضاء والمحاماة، باطل بطبعه وأن أمور القضاء والمحاماة يجب أن ترجع إلى مثل ما كانت عليه من الارتفاع عن الظلم لأنها هي حصن الناس من الظلم، ومن الارتفاع عن الجور لأنها هي ملاذ الناس من الجور، وما ينبغي أن تبدأ الوزارة في إنصاف المظلومين، والقانون نفسه مظلوم يطلب الإنصاف.
    طه حسين
    الوادي، ٢ ديسمبر ١٩٣٤.

  • أخلاق٢ | Morals 2

    حديث الوادي
    أخلاق
    دع حديث المصريين الذين تشتد عليهم المحنة السياسية الحاضرة، فيعجزون عن احتمالها، ويضعفون عن الثبات لها، وتضيق عليهم الحيلة، وتغلق أمامهم الأبواب، فيلجأون إلى دار المندوب السامي يبثونها شكواهم ويلتمسون منها العون، ويبتغون عندها الإنصاف. فهذا فساد في الخلق والضمير، لم يكن منه بد بعد أن بلغت المحنة السياسية ما بلغت، وبعد أن فسد رأي الناس في العدل الاجتماعي، وساء ظنهم بالقيام على هذا العدل، والاحترام لما ينبغي أن يصوره من قانون.
    ونعوذ بالله أن نعتذر عن هؤلاء المصريين، فما كنا لنعتذر عن قوم ينتهي بهم فساد الخلق والضمير إلى إنكار الوطن والتفريط في حقه، والتضحية بالكرامة القومية في سبيل الحصول على منفعة عاجلة، أو التخلص من ظلم مهما يكن شديدًا. أولئك قوم ضعاف، لم يخلقوا للجهاد، ولا للثبات فيه. ولم تخل منهم أمة من الأمم، ولم يبرأ منهم شعب من الشعوب. ولكن حديثهم طويل ثقيل، ليس هو الذي نريد أن نعرض له الآن. ودع حديث هؤلاء المصريين الذين تثقل عليهم المحنة السياسية وتتنكر لهم الخطوب، فينتقلون بالشكوى وطلب الإنصاف من القاهرة إلى لندرة، ويعرضون مظالمهم على الإنجليز في بلاد الإنجليز. فهؤلاء كأولئك قوم ضعاف هانت عليهم أنفسهم وهانت عليهم بلادهم، فهم لا يقدرون كرامة، ولا يرعون حقًا. وحديثهم أيضًا طويل ثقيل لا نريد أن نعرض له الآن. أولئك وهؤلاء خليقون بأثقل اللوم، ولكنهم لا ينفردون به، وإنما يشاركهم فيه هؤلاء الذين سلطوا عليهم الظلم الثقيل وصبوا عليهم البلاء المتصل، واضطروهم إلى ما تورطوا فيه من الخزي. إنما نريد أن نتحدث عن هذه المسألة التي أثيرت في لندرة، ونقلت إلينا رسائل البرق أنباءها أمس. فقد ذهب مدير البلدية السابق في الإسكندرية إلى لندرة، وزار جمعية النيل فيما تروي المقطم، وأخذ فريق من أعضاء هذه الجمعية يسألونه عن أحداث الكورنيش، وأخذ هو يجيبهم متبسطًا غير متحفظ. ثم انتهى الحديث به وبهم إلى أن الموظف مخطئ حين يطيع ما يصدر إليه رؤساؤه من الأمر، إذا كان هذا الأمر يخالف القانون. هنالك ظهرت معاذير وبدت ألوان من العلة، فقال قائلون إن الموظف معذور إن خالف القانون ليطيع الرئيس، لأنه في
    حاجة إلى أن يعيش، ولأنه لا يأمل، إن لم يُضَحِّ بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء، أن يُقصى عن منصبه، ويضطر إلى البطالة وما يتبعها من الحرمان. وقال قائلون إن ضعف الموظفين، وفساد أخلاقهم وضمائرهم، هما اللذان يدفعانهم إلى التضحية بالقانون والأمانة له في سبيل إرضاء الرؤساء. ولو قد قويت نفوسهم، ولو قد استقامت أخلاقهم، ولو قد صفت ضمائرهم، لما رضوا بالأمانة للقانون والنظام بديلًا. وقال قوم آخرون بل اللوم كل اللوم على النظام الذي يتيح للرؤساء أن يطغوا على الموظفين ويستبدوا بهم، ويأخذوهم بمخالفة القانون. فلو قد صلح النظام، وعوقب الرئيس الذي يخالف القانون، أو يأمر بمخالفته، قبل أن يعاقب المرؤوس الذي ينفذ هذا الأمر، لما تعرض الموظفون لهذه المعركة المؤلمة بين حاجاتهم وضمائرهم، ولما اضطر الضعفاء منهم إلى التضحية بالضمير ليعيشوا، ولما اضطر الأقوياء منهم إلى التضحية بالراحة والدعة والمنفعة، وإلى احتمال الشقاء والمكروه، ليرضوا الضمائر والأخلاق. وأكبر الظن أن الفريقين المختصمين لم ينتهيا إلى الاتفاق في أمر هذه المسألة التي تثار كل يوم في مصر، منذ أظلها هذا العهد السعيد الذي نعيش فيه.
    وليس من الممكن أن يتفق الفريقان المختصمان. فالموظفون ناس لهم حاجاتهم، ولهم منافعهم، ولهم أبناؤهم وأسرهم، ولهم آمالهم ومطامعهم، وفيهم ضعف الناس، وكل ذلك يدفعهم إلى حب الحياة، والعمل على أن يحيوها آمنين مطمئنين ما أتيح لهم الأمن والاطمئنان. وكل ذلك يدفعهم إلى أن يذعنوا لأمر الرؤساء حتى حين يكون هذا الأمر مخالفًا للقانون وخارجًا عليه. وكل ذلك يخيل إليهم أنهم مأمورون فيجب عليهم أن يطيعوا، مكرهون، فيجب عليهم أن يذعنوا. وكل ذلك يملأ نفوسهم بهذه الجملة التي يرددها المضطرون إلى ما لا يحبون: «الضرورات تبيح المحظورات». والرؤساء ناس فيهم ما يمتاز الإنسان به من الضعف، ومن هذا الضعف المنكر الذي يغريه بالطغيان حين تفتح له أبواب الطغيان، وينسيه القانون حين يتاح له نسيان القانون، ويخيل إليه أنه إن قدر فليس لقدرته حد، وإن استطاع فليس لاستطاعته قيد. ويخيل إليه أن القوة فرصة تتاح فيجب أن تنتهز، وإن من الحمق أن يقدر ثم لا يعمل وإن كان هذا العمل مخالفًا للقانون.
    كل ذلك يدفع الرؤساء إلى إهمال الواجب وتجاوز الحد، وإلى الاندفاع الذي يخيل إلى الإنسان أنه قد أصبح إلهًا أو شيئًا يشبه الإله. وما دام الموظفون ضعافًا، تفرض عليهم الحياة آلامها وآمالها، وما دام الرؤساء ضعافًا يغريهم الطغيان بالجور والظلم ومخالفة القانون، فستتجدد قصة الكورنيش وما يشبه قصة الكورنيش من الفضائح والمخزيات. وإنما تستطيع الأمم الرشيدة أن تأمن ضعف الموظفين وضعف الرؤساء إلى حد بعيد حين تتخذ من النظم ما يأخذ المذنب بذنبه، ويسأل المجرم عن إجرامه، مهما يكن ومهما تكن منزلته، ومهما تكن الظروف المحيطة به. ولو أن الذين أهمهم أمر الكورنيش سألوا صدقي باشا كما سألوا صديق بك، لكانت قصة الكورنيش درسًا نافعًا حقًا، ولكان خيرها أعظم من شرها، لأنها كانت تعلم الناس من الحاكمين والمحكومين من الرؤساء والمرؤوسين أن القانون فوق الأشخاص وأن منفعة الشعب فوق منفعة الأفراد والطبقات، وأن المصريين جميعًا سواء أمام النظام، لا يمتاز بعضهم من بعض. ولكن قصة الكورنيش كما جرت وكما أرادت الحكومة أن يجري أمرها بعد استكشافها وتحقيقها كانت فضيحة منكرة، وكانت إغراء بالشر وترغيبًا فيه، وكانت تشجيعًا للطغاة على أن يطغوا، وتشجيعًا للموظفين على أن يحتاطوا لأنفسهم فيخالفوا القانون في مهارة وحذر واتقاء للافتضاح.
    نعم، وأمر آخر تلجأ إليه الأمم الرشيدة لتأمن ضعف الموظفين، الذي يدفعهم إلى التضحية بالقانون مخافة الرؤساء، وضعف الرؤساء الذي يدفعهم إلى أخذ الموظفين بمخالفة القانون، وهو التربية الصالحة والتعليم الصحيح. فلو أن مدارسنا ومعاهدنا تُلقَى في روع الأطفال والشبان أن الموظفين ليسوا خدامًا للحكومة، وإنما هم خدام للشعب، وأن الحكومة ليست غاية في نفسها، وإنما هي وسيلة إلى خدمة الشعب، لاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس سواء أمام القانون، وأمام الشعب الذي هو مصدر القانون. ولاستيقن الشباب بأن الرئيس والمرؤوس شريكان يتعاونان على العمل. لا يتسلط أحدهما ولا يخضع أحدهما الآخر، لا يعلو أحدهما ولا يسفل أحدهما الآخر، وإنما هما يعملان لغاية واحدة هي منفعة الشعب. فليس لأحدهما على الآخر سلطان ولا طاعة إلا في حدود هذه المنفعة وحدها، كما ينظمها القانون. ولكن الذي يُلقَى في روع الأطفال والشبان عندنا شيء آخر يخالف هذا كله أشد الخلاف، فأبناؤنا يعلمون الطاعة أكثر مما يعلمون الحرية، وأبناؤنا يعلمون الخضوع أكثر مما يعلمون احترام الكرامة، وأبناؤنا يؤخذون بالإذعان أكثر مما يؤخذون باحترام القانون عن بصيرة وفهم وإيمان.
    والمُثل التي تُقدَّم لأبنائنا كل يوم لا تثير في نفوسهم عواطف الثقة بأنفسهم، والاحترام لضمائرهم والاعتداد بآرائهم، وإنما تثير في أنفسهم عواطف الطاعة والتملق والمصانعة والإذعان ليتمكنوا من كسب العيش والتماس القوت.
    وما دامت هذه أخلاقنا العامة، وما دامت هذه هي الصور التي تُلقَى إلى الأطفال والشبان، فسيوجد بيننا الموظفون الذين يخالفون القانون ليرضوا الرؤساء ويضحوا بمنافع الشعب، ليحققوا منافع الحكام، حتى إذا سئلوا عن ذلك قالوا مثل ما يقوله مدير البلدية السابق: «كنا مأمورين ولم نكن نستطيع إلا الطاعة والإذعان»!
    طه حسين
    الوادى، ٢٤ يوليه ١٩٣٤.

  • أسئلة | Questions

    حديث الوادي
    أسئلة
    نشرناها مفرقة، أثناء الشهر الماضي وألححنا على الوزارة في أن تقف عندها وتحدثنا برأيها فيها، وكررنا النشر والإلحاح فلم يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، ولم يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه. ثم جمعنا بعضها ونشرناه أمس، وما زلنا ننتظر أن يفتح الله على الوزارة بكلمة تقولها، أو يفتح الله على الوزارة بعمل تأتيه، ويظهر أن الله عز وجل، سيقضي على الوزارة بالصمت الذي تنعقد له الألسنة، والسكون الذي تكف له الإرادة عن العمل والحركة، وسيضطرها إلى هذا النوع من الإعراض الذي لا يشرف صاحبه مهما يلتمس له من التفسير والتأويل، فالوزارة مضطربة أمام هذه الأسئلة بين موقفين لا ثالث لهما فيما يظهر، فأما أن تكون مفحمة لا تدري ماذا تصنع، ولا تعرف كيف تقول، لأن ما نسأل عنه قد وقع بالفعل، وإما أن تكون متعالية، تتكلف الإعراض، وتتصنع الإغضاء، وتزعم لنفسها أنها أكبر من أن تحفل بهذه الأسئلة وأرفع من أن تنزل إلى الإجابة عنها، وكلا الموقفين شر، وكلا الموقفين لا يشرف الوزارة التي تدفع إليه. وكلا الموقفين لا يجعل الوزارة أهلاً لرضا الناس، ولا موضعاً لثقتهم، ولا خليقة أن ينتظر منها النصح والخير. ذلك أن هذه الأسئلة إن صحت لم تدل على أقل من أن الوزارة تستبيح منافع المصريين فتعيث بها. وتستبيح حقوق المصريين فتضيعها وتستبيح حرمات المصريين فتنتهكها انتهاكًا، وما رأيك في وزارة تعبث بالمنافع وتضيع الحقوق، وتنتهك الحرمات، هي وزارة لا يكتفى أن يقال أنها خليقة أن تستقيل، بل يجب أن يقال أنها خليقة أن تقصى عن الحكم إقصاء وأن تحتمل تبعة ما يضاف إليها من السيئات.

    وإذا لم تكن هذه الأسئلة صحيحة، ولا مطابقة للحق، ولا مصورة لما وقع، فصمت الوزارة عليها وإغضاؤها عنها شر لا يشرفها ولا يجعلها أهلاً للحب والثقة وانتظار الخير. فهي في هذه الحال لا تؤثر الصمت إلا إيثارًا للكبرياء، وتكلفاً للعزة وارتفاع المنزلة، وما ينبغي لوزارة تزعم أنها تحكم في بلد ديمقراطي حكما ديمقراطيًا أن ترتفع عن الشعب أو تكبر عليه، أو تغض عما يوجه إليها من سؤال، أو تعرض عما يُضاف إليها من سيئة. فهي لم تقم إلا لتخدم الشعب، فإغضاؤها عن سؤال الشعب إليها ومحاسبة الشعب لها خروج عن الواجب الذي قامت لأدائه والنهوض به، وتجاوز للحق الذي يفرضه عليها المنصب الذي تشغله، والأجر الذي تقبضه، والجاه الذي تتمتع به، والسلطان الذي تستطيل به على الناس، وليس عزيزاً من يصطنع العزة في غير حقها، وليس كبيراً من يتكلف الكبرياء في غير موضعها، ومهما يستعل الخادم على سيده فهو خادم دائمًا، ومهما تستعلي الوزارة على الشعب فهي وزارة دائمًا، يؤجرها الشعب لتخدمه لا لتستعلي عليه.

    ذلك إلى أن صمت الوزارة سواء أكان نتيجة للعجز أو نتيجة الكبرياء لا يلائم منفعتها العاجلة الخاصة، حتى إذا لم تكن ديمقراطية، ولا محبة للديمقراطية، فليس من مصلحة الحاكم أن يَقْبَحَ فيه رأي المحكوم، وليس من منفعة الوزارة أن يسوء بها ظن الناس. وكل حاكم مهما يكن قويًا، معتزًا بقوته الخاصة، أو بغير قوته الخاصة، في حاجة إلى أن يرضي الناس عنه، أو إلى أن يظهر الناس رضاهم عنه، وهو من أجل ذلك في حاجة إلى أن يتكلف إذا لم يستطع، أن يسير بالفعل سيرة المنصف العدل المتواضع الذي لا يحب جورًا، ولا ظلمًا، ولا إسرافًا، ولا تكبرًا. فأين وزارتنا من هذا كله حين نسألها عن الشر المنكر، يقال أنه وقع، فلا تجيب، ثم نعيد السؤال فلا نجيب. ثم نعيد السؤال مرة أخرى فلا تجيب، أمتَحَرِّية هي منافع الشعب؟ أمتَحَرِّية هي منفعتها الخاصة، أم لاهية هي عن منافع الشعب، وعن منافعها الخاصة، بما هو أهون خطرًا وأيسر شأنًا، وبما لا ينبغي أن يشغل به الوزراء من صغائر الأعمال؟

    والغريب أن هذه الأسئلة التي نشرناها مفرقة ثم مجتمعة لا تمس هيناً من الأمر، وإنما تمس شؤونًا هي من أعظم شؤون الحياة المصرية خطرًا. بعضها يمس حقوق المصريين في الحرية المقدسة، وحرمات المصريين من حيث هم أشخاص كرام، يحميهم القانون والدستور، من أن يمسهم ظلم أو عدوان، فهل عذب المصريون في ميت غمر وأخميم والسنبلاوين؟ وإن كانوا قد عذبوا فمن عذبهم، وبأي حق عذبهم؟ وعلى أي أصل من أصول القانون والدستور اعتمد في تعذيبهم؟ وما جزاء الذين يعذبون المصريين وتعذيبهم إثم؟ وما جزاء الذين يتولون الحكم ويرون هذا الإثم ثم يعرضون عنه ويسكتون عليه؟.
    ومن هذه الأسئلة ما يمس حقوق المصريين في المناصب المصرية، وهي حقوق يكفلها الدستور، ويسجل كفالته لها تسجيلًا صريحًا. فهل آثر الإنجليز على المصريين بالمناصب في غير حق، وبغير علة، وعن عمد قبيح؟
    وإذا كان هذا حقًا فما جزاء الوزير الذي يخالف نص الدستور، ويهضم حق مواطنه، ويؤثر الأجنبي على ابن الوطن. وما جزاء رئيس الوزراء الذي يرى هذا من أحد زملائه فيغضي عنه ويسكت عليه، ومنها ما يمس أموال الدولة ومناصبها والتحكم في إنفاق هذه الأموال وفي شغل هذه المناصب.
    فهل وقع ما أشرنا إليه من قصة مدير الأملاك، ومن قصة ذلك الرجل الكبير الذي احتال على الدولة، في قطعة من أرض الزمالك، فاشتراها لأهله ثم ردها ثم اشتراها، على أن يدفع ثمنها مؤجلًا، ثم عجل الدفع، واستفاد مئتين من الجنيهات، وإذا كان هذا قد وقع فما جزاء وزير المالية الذي يرى العبث بأموال الدولة فيغضي عنه ويسكت عليه.

    لا تجيب الوزارة على شيء من هذا لأنها عاجزة عن الجواب، وما ينبغي للوزارة العاجزة أن تبقى في الحكم، أو لأنها أكبر من أن تنزل إلى الجواب وما ينبغي للوزارة المتكبرة أن تبقى في الحكم.

    وأغرب من هذا كله أن نذكر حين كنا نحاكم أمام القضاء في قصة التبشير منذ أقل من شهرين فكانت النيابة تقيم الحجة علينا وتلح في إقامتها وتملأ فمها بأننا تعجلنا وكان من حقنا أن نستأني، وأضفنا إلى الوزارة أشياء وكان من الحق علينا أن نسألها. وكان القضاء في حوارهم، يرون أن هذا حق، وأن الواجب أن يسأل الوزراء قبل أن تُضاف إليهم الحوادث، والأعمال، وكنا نقول للنيابة، ونقول للقضاء أننا نسأل فلا نجاب. فكانت النيابة تظهر الشك في ذلك، وكان القضاة يرون هذا بعيدًا غير معقول، فنحب الآن أن ترى النيابة وأن يرى القضاة، أننا نسأل فلا نجاب وأننا نلح في السؤال فلا نجاب، وأننا ننشر الأسئلة مفرقة ومجتمعة فلا نجاب. ونحب أن تذكر النيابة هذا، وأن يذكره القضاة أيضًا، فقد يكون من الخير أن تعرف النيابة ويعرف القضاة أن موقف الصحافة من هذه الوزارة ليس بالموقف الطبيعي الذي تجري عليه أحكام المنطق والعقل والعرف المألوف، وإنما هو موقف غريب يسأل الصحفي فلا تجاب، فإذا وجدت الوزارة عليه سبيلًا ولو ملتوية معوجة، دفعته أمام القضاء دفعًا، وسلطت عليه ما يمكن وما لا يمكن من ضروب الإعنات.

    أما بعد فهذه أسئلة قائمة ما زالت تنتظر الجواب، وعندنا أسئلة أخرى ليست أقل منها خطرًا، ولا أهون منها شأنًا، نشر بعضها وسينشر بعضها الآخر عما قليل.
    طه حسين
    الوادي، ٢ يوليه ١٩٣٤.

  • صلح٢ | Reconciliation 2

    حديث الوادي
    صلح
    الصلح جائز بين المسلمين، إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا. والصلح جائز بين النواب والوزراء، إلا صلحًا أضاع على الدولة حقًا، أو كلفها من الأعباء ما لا تطيق. وقد كان خصام بين بعض الوزراء وبعض النواب، اشتد وعظم، حتى خاف شره بعض البيئات، وجد في إصلاحه، وسعى في هذا الإصلاح سعاة مهرة، يحسنون الحذر، ويجيدون الإشفاق من تفاقم الخطوب في أيام يحسن ألا تظهر فيها الخطوب. ثم أذن الله أن يعقد مجلس الصلح أول أمس في غرفة من غرفات البرلمان، وأن يحضره النواب الغاضبون، ويحضره عن الوزارة ثلاثة منهم الرئيس؛ قد ندبوا أنفسهم، أو ندبهم زملاؤهم، لهذه المفاوضات الشاقة، أو التي كان يُخاف أن تكون شاقة. ولم يكن بين هؤلاء الثلاثة من الوزراء وزير المالية الذي هو أصل الخصومة ومثير الخلاف. وقد انقسم الناس في تأويل غيبته عن هذا المجلس، فزعم بعضهم أنه لم يشهده لأنه لم يحفل بالصلح، ولم يفكر فيه. ولم يسعَ إليه. بل لم يرد أن يستمع للساعين إليه. وإنما كان سواء عنده أن يرضى من رضي، ويغضب من غضب؛ لأنه كان مؤمنًا بأنه لم يرد إلا خيرًا، ولم يأتِ إلا حقًا وعدلًا. ولأنه كان، وما زال، يملك أدلة ناصعة قاطعة تفحم المجادلين، وتقطع حجة الخصوم وتثبت ما سجله في منشوره تسجيلًا من أن بين أعضاء الهيئات النيابية من استفادوا من استثناء غير مباح، فالتووا بالضرائب وتلكأوا في أداء الأموال. ومن كانت في يده مثل هذه الحجج القاطعة لم يحفل بالخصومة ولا بالخصوم، ولم يضره أن يتألب عليه المتألبون ويلح في حربه الملحون. ووزير المالية رجل أخص صفاته صفتان؛ الأولى أنه نابغة، لا يحفل بغير النابغين، والنابغون في مصر معدودون، لا يكادون يتجاوزون مجلس الوزراء. فوزير المالية يحفل بزملائه الوزراء، على تفاوت في ذلك بمقدار تفاوتهم في النبوغ.
    الثانية أنه مُرّ كالحنظل، أو أمرّ من الحنظل، عند الذين لا يُسيغون نبوغه، ولا يستطيعون أن يفهموه، أو يطمئنوا إليه. وهو يشفق على عامة الناس من نبوغه ومرارته معًا. فإذا كانت بينه وبينهم خصومة أو خلاف، خاصمهم من بعيد، لا خوفًا منهم، ولكن خوفًا عليهم. وهو من أجل ذلك خاصم سماسرة البورصة من بعيد، وهو من أجل ذلك خاصم النواب الغاضبين من بعيد. وكل ما يمنّ به على خصومه الضعفاء إنما هو أن يتفضل، فينيب عنه رئيس الوزراء الرجل الطيب ليجبر خاطرهم، كما يقول العامة ويردهم إلى الهدوء والاستقرار كما يقول المتحذلقون، وهو من أجل ذلك أناب رئيس الوزراء عن نفسه، أو ترك رئيس الوزراء يرضي السماسرة، كما تركه يرضي النواب أول أمس. وانصرف هو إلى أعمال أخرى أجلّ خطرًا، وأحق بعناية عظماء الرجال من إرضاء السماسرة وبعض النواب. وزعم قوم آخرون أن الوزراء أنفسهم هم الذين يأبون على زميلهم وزير المالية أن يشهد مجالس الصلح؛ لأنهم يعرفون أنه موفق دائمًا فيما يعمل، ولكنه قليل التوفيق فيما يقول. فهم يخشون أن يشهد مجلسًا من مجالس الصلح، فيقول كلمة يريد بها الخير، ولكنها تنتهي إلى الشر المستطير. والناس لم ينسوا بعد أن وزير الحربية سجل عليه مرة في مجلس النواب أنه لا يوفق في الكلام.
    فزملاؤه إذن هم الذين منعوه من أن يشهد مجلس الصلح الذي عقد أول أمس، حرصًا منهم على أن يتم هذا الصلح بالفعل، وخوفًا منهم أن يستحيل إلى خصام عنيف. وزعم قوم آخرون أن وزير المالية لم يشهد مجلس الصلح أول أمس خوفًا وإشفاقًا، فقد كان النواب الغاضبون يريدونه على أن يعتذر، ولا يرضون منه غير هذا. وهو لا يريد اعتذارًا، فخاف أن يشهد المجلس فيستدرج إلى ما لا يريد طوعًا أو كرهًا. والظريف أن خصومه من النواب حين دُعوا إلى مجلس الصلح ظنوا أنهم سيلقون خصمهم، فلما لم يروه سألوا عنه، وألحوا في حضوره. فأما رئيس الوزراء فآثر الصمت، وأما وزير الزراعة فاضطرب بعض الشيء. قال إن زميله مشغول في مجلس الشيوخ، وأما وزير الداخلية فهو أفصح من أن يلتزم الصمت، وأثبت من أن يضطر إلى الاضطراب، وأذكى من أن يُعبأ بالجواب. ولذلك رد على السائلين بأن رئيس الوزراء هو الذي دعا إلى هذا الصلح، ثم ارتقى في الرد، وانقلب سائلًا بعد أن كان مسئولًا، فقال: ألا يرضيكم أن يكون رئيس الوزراء نفسه القاضي في هذا الخصام؟ وأي النواب يستطيع أن يقول إن حكومة رئيس الوزراء لا ترضى؟
    وكذلك اصطلى رئيس الوزراء حَرّ هذه الحرب، مع أنه لم يجنها ولم يدعُ إليها. وظل وزير المالية بعيدًا عن الميدان ينظر ويسمع ويبتسم وينشد قول الشاعر القديم:
    وكتيبة لبستها بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي

    على أن الحرب لم تكن ضروسًا ولا عنيفة، ففي كلام رئيس الوزراء بركة، وفي صوت رئيس الوزراء عذوبة ترد القلوب إلى صفائها، والنفوس إلى نقائها. ولم يكد رئيس الوزراء يتحدث إلى النواب بكلمة من كلماته العِذاب حتى بلغ من إرضائهم ما كان يريد. فَتَمّ الصلح – ولكن بين مَن؟ هذا هو السؤال الذي لا بد من الجواب عليه. تَمّ الصلح بين النواب ورئيس الوزراء، ولكنهم لم يكونوا مختصمين، وإنما كانت الخصومة بين النواب ووزير المالية، فهل تم الصلح بينهم وبينه؟ وأي الفريقين نزل عن رأيه واعتذر إلى صاحبه؟ هل استرد وزير المالية منشوره من المديرين والمأمورين والعمد؟ هل اعترف وزير المالية بأن ليست هناك ضرائب متأخرة عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية؟ هل غير وزير المالية أمرَه للمديرين والمأمورين والعمد بأن يجبوا الضرائب من المصريين جميعًا، على قاعدة المساواة، وأن يحجزوا على الملتوين بالضرائب جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب، وأن يرفعوا إلى النيابة أمرَ المبددين جميعًا، لا يفرقون بين النواب وغير النواب؟ كلا. لم يسترد وزير المالية منشورًا فيما نعلم، ولم يغير وزير المالية أمرًا من أوامره هذه فيما نعلم. ووزير المالية أنبغ وأذكى وأدنى إلى البطولة من أن ينهزم في هذا الموقف، أو يغير رأيًا لا يشك في أنه الحق. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي قاعدة أُقيم؟
    ولا تصدق ما يُشاع ويُذاع ويملأ الأسماع من أن غضب الغاضبين لم يكن من هذا المنشور، وإنما كان من منشور آخر سري، فالغضب قد كان من هذا المنشور نفسه، فلما أُذيعت أنباء التعليمات السرية، اشتد الغضب حتى غلت مراجلُه في صدور الغاضبين. وقد لا يكون وزير المالية أصدر منشورًا سريًا غير هذا الذي أذاعته الأهرام وغضب منه الغاضبون، ولكن من المحقق أن هذا المنشور الذي أصدره وزير المالية قد انتهى إلى المديرين وصدرت التعليمات بتنفيذه إلى المأمورين ثم إلى العمد. ولم يخطئ من قال لرئيس الوزراء إنه رأى في دفتر بعض العمد إشارة تليفونية تمس هذا الأمر. وإذن فوزير المالية النابغة البطل مقيم في مكانه لا يريم ثابت في موقفه لا يتحول، مُعلن إلى الناس جميعًا أن هناك أموالًا للدولة قد تأخرت عند جماعة من أعضاء الهيئات النيابية، وأن هذه الأموال يجب أن تُجبى، وإن دعا ذلك إلى الحجز، وإلى رفع الأمر إلى النيابة. وإذن فبين مَن كان الصلح؟ وعلى أي أساس أُقيم؟ كان بين النواب ورئيس الوزراء، الذين لم يختصموا قط. أو قل إن شئت، لم يكن هناك صلح، وإنما كانت هناك تسوية، وإعانة على تجرع الكأس، وقبول من الغاضبين لهذه الكأس المرة التي أهداها إليهم صبري بك، وأي غضاضة عليهم من أن يشربوا كأسًا مُرّة؟ أليست مرارتها تأتي من أن الشراب الذي تحتويه هو الحق والعدل والمساواة؟ نظن أن وزير المالية لم يُقدم على هذا الصلح الحرام، الذي يُضيع على الدولة حقًا أو يكلفها ما لا تطيق، ولكن هذا لا يغير موقفًا مؤلمًا حقًا، وهو أن وزيرًا أراد أن ينفذ القانون فثار به وتألب عليه نيف وثلاثون من حماة القانون.
    ونظن أن وزير المالية ورئيس الوزراء والذين يُعنون بأن تكون مصر بلدًا متحضرًا، حسن السمعة، نقيَّ الخلق، يوافقوننا على أن هذا كثير.
    طه حسين
    حديث الوادي، ١٤ يونية ١٩٣٤.

  • تنفيذ | Execution

    حديث المساء: تنفيذ

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٤ أبريل ١٩٣٤

    أما أن أحكام القضاء تصدر لتنفذ، ولتنفذ في غير هوادة من السُّلطان الذي يجبُ عليه التنفيذ، وفي غير مَطْلٍ من الذين صدرت عليهم الأحكام، فذلك شيءٌ لَا شَكَّ فيه ولا مراء، ولا ينبغي أن يتناوله بالبحث رجل مُثقف أو غير مثقف ما دام يعيش في بلد مُتحضر، تحكمه النظم والقوانين.

    وأما أن هذه الأحكام تصدر أثناء الساعة الثالثة، ثم تنفذ قبل أن تنتهي الساعة السابعة مع أنَّها لا تقضي بالسجن ولا بشيء يُشبه السجن، وإنما تفرض غرامة من الغرامات وتفرضها على جماعة معروفين، لم يتحدث الناس عنهم في يوم من الأَيَّام ولم يَأْخُذهم السُّلطان نفسه في وقت من الأوقات بِأَنَّهُم ماطلوا الحكومة بدَين أو التووا عليها بحق من الحقوق، فهذا هو الذي يحتاج إلى التفكير، وإلى التفكير الطويل؛ لأنه يحتاج إلى شيء من الشرح والتفسير، لا ندري كيف يكون الوصول إليه.

    فمن المحقق أنَّ الكُتَّاب الذين قَضَتْ عليهم محكمة الجنايات أمس بالغرامة قوم مَعْرُوفون، ونظن أَنَّهُم قوم لا يخشى منهم أن يهربوا من مصر، ولا أن يُهاجروا من الأرض؛ فرارًا بهذه الغرامات التي فرضها عليهم القضاء، وإِشفاقًا من تأديتها إلى السلطان أو التواء بها عليه.

    ومن المُحَقَّق أيضًا أنَّ هؤلاء الكُتَّاب يكتبون في صحيفتين لكل واحدة منهما تأمين في يد الحكومة، يعدل أضعاف ما فرضه القضاء من الغرامة. فهم إن ساءت أخلاقهم فجأة، وفسدت ذِمَمُهم فورًا وهيئوا لأنفسهم الهرب من وجه النِّيابة التواء بهذه الغرامات مُضمونون بهذا التأمين الذي أودعته الصحف خزانة الحكومة. ونظن — ولعَلَّنا نقطع — بأنَّ هذا التأمين إِنَّما اقتضته الحكومة من الصحف لمثل هذه الظروف، فقد يُقَالُ — وعلم هذا عند الحكومة وعند النيابة وعند أساتذة القانون — قد يُقال: إنَّ هُنَاك نَصًّا في قانون المطبوعات يَقضي بأنْ تستوفى مثل هذه الغرامات من التأمين على أنْ تُكمله الصحف التي قضي عليها في خمسة أيام، فإن لم تفعل حيل بينها وبين الصدور.

    وإذن، فقد يظن أيضًا أنَّ الأَحْكَام التي أَصْدَرَها القَضَاءُ أمس على كتَّاب «السياسة» و«الكوكب» لم يكن شك في إمكان تنفيذها دون تقصير من السلطة ودون تلكؤ من الكتاب؛ لأنَّ شخصية هؤلاء الكتاب أولًا تعصمهم من أن يلتووا بأحكام القضاء، ولأن لدى الحكومة من أموال الصحيفتين ما يضمن تنفيذ هذه الأحكام. ومع ذلك فَقَد كَانَ أمس ما لم يكن يقدره أحدٌ من هؤلاء الكتاب، وما لم يكن يقدره أحد من الناس.

    كان أن ذهبت الشرطة في شكل رائعٍ رَهِيبٍ إلى دار الأستاذ حفني بك محمود تطالب بالتنفيذ وبالتنفيذ السَّريع، تُطَالِبُ بِأَدَاءِ الغَرَامَةِ فَورًا في غير تَرَيُّث ولا انْتِظَارٍ، قبل أن تتم الساعة السابعة. وكان أنْ خُوطِبَ كَاتِبُ هذا الفصل بالتليفون يطالب بتأدية هذه الغرامة فورًا قبل أن تتم الساعة السابعة، فإن لم يفعل اتخذت الإجراءات.

    وقد أُدِّيتِ الغراماتُ قبل الساعة السابعة كما أرادت النيابة، ولم يقضِ واحد من هؤلاء الكُتَّاب ليلة في السجن، ولم تقتحم على واحد من هؤلاء الكتاب داره، ولم يرَ الناس واحدًا من هؤلاء الكتاب تقوده الشرطة إلى السجن؛ لأنَّه أَبْطَأَ في تنفيذ أحكام القضاء أو تلكأ في هذا التنفيذ، أو التوى من هذه الغرامات بقليل أو كثير.

    أعترف بأني حملت نفسي كثيرًا من الجهد في فَهْم هذا النوع من أنواع الاستِعْجَال، وهذا اللون من ألوان التنفيذ، فلم أجد إلى ذلك سبيلًا، ويظهر أَنِّي لم أكن وحدي أحتمل هذا الجهد، وأتكلف هذا البحث، وإنما كان يُشاركني فيهما كثيرون. وهب واحدًا من هؤلاء الكتاب لم تكن قد تهيأت له الظروف في هذه الساعات القليلة ليستحضر مقدار الغرامة والأزمة قائمة والحمد لله، لم يفرجها وزير المالية، ولم يحلها الرجل الطيب ببركته وكفايته النادرة، والمصارف مُغْلَقَةٌ بَعْدَ الظهر إلا ساعة واحدة هي التي تلت صدور الحكم.

    هَبْ هؤلاء الكتاب جميعًا أو واحدًا منهم لم يتهيأ له مقدار الغرامة مساء أمس، ماذا كانت تصنع به النيابة؟ أكانَتْ تَقْذِف به في غيابات السجن ليلة؛ ليذوق هذه اللذة التي لم يفرض عليه القضاء في هذه المرة أن يَذُوقها؟ أم كانت تأمر باقتحام داره، وعرض متاعه للبيع في جنح الظلام، وفي غير إنذار ولا شيء يُشبه الإنذار؟ أم كانت تأمر باقتحام داره وأن تظل الشرطة فيها طول الليل تأخذ أبوابها ونوافذها حتى لا يفلت الكاتب أثناء الليل، فإذا تنفس الصبح لَزِمَه رجال السلطان حتى يؤدي الغرامة؟ أم كانت النيابة تصنع ماذا؟ أسئلة ألقيها على نفسي ويلقيها بعض الناس على بعض، فلا أظفر ولا يظفرون لها بجواب.

    وإذا كانت النيابة تَسْلُك هذه الطريق مع محمد حسين هيكل بك وحفني محمود بك والأستاذ عبده حسن الزيات وطه حسين، فأي طريق تسلك مع قوم آخرين لا يعرفهم أحد، ولا يضمنهم أحد، ولا يكفلهم شيء، وليست لهم مكانة ما بين مواطنيهم من المصريين؟! أَظُنُّ أَنَّ النِّيَابَة لا تغضب ولا يضيق صَدْرُها حرجًا حين نلفتها إلى أنَّ سيرتها أمس كانت غريبة حقًّا، وأَظُنُّ أنَّ النيابة لا تغضب ولا يضيق صدرها حرجًا إن سَمِعَتْ ما كان يتحدث به الناس أمس، وما يتحدثون به اليوم وما سيتحدثون به غدًا، من أمر هذا الاستعجال الغريب! وصاحب العزة النائب العام، والأُستاذ رئيس نيابة القاهرة، يعرفان حق المعرفة هؤلاء الكتاب، ويعرفان حق المعرفة مع من يحسن أنْ تكون الشدة البالغة المُسرفة ومع من يحسن أن تكون المعاملة الحازمة، التي إن لم تخلُ من الحزم فلا ينبغي أن تخلو من المُجاملة ومراعاة الأوضاع.

    والناسُ يتحدثون بأنَّ الأَحْكَامَ قد تصدر بالغرامات على قومٍ لَا تَتَهَيَّأُ لهم الأَمْوال فورًا فتمهلهم النيابة الأهلية، وتمهلهم النيابة المُخْتَلطة، وقد تُنَجِّمُ غراماتهم تنجيمًا، وقد تأخذها منهم أقساطًا، وليسوا هم بمكانة هؤلاء الكتاب، فقد أراد الله أن تكون لهؤلاء الكتاب مكانة سواء أرضي خُصُومُهم بذلك أم أنكروه. والناس يتساءلون: ما بال النِّيَابَةِ لم تنتظر بهؤلاء الكتاب صباح الغد، فإن أبطئوا أو التووا اشتدت عليهم، إذا كانت مُصِرَّةً على أَلَّا تنفذ قانون المطبوعات وتقتضي الغرامة أولًا من تأمِينِ «السِّيَاسَةِ» و«الكوكب»؟ والناس يتساءلون: ما بال النِّيابة تعجلت إلى هذا الحد مع أنَّ الخزانة كانت مُغْلَقة بعد الظهر، ومع أن الموظف الذي دفعت إليه الغرامات لم يستطع أن يعطي دافعيها أوراقًا رسمية تثبت أنهم دفعوا، وإنما أعطاهم أوراقًا عرفية، وطلب إليهم أن يعودوا من الغد في ساعات العمل؛ ليَأْخُذوا هذه الأوراق الرَّسمية؟ والناس يتساءلون عن أشياء أخرى غير هذا، أَمَّا أنا فقد سألتُ وتساءلتُ، فَلَمَّا لم أظفر بالجواب، أعرضت عن السؤال، وتركتُ الأمرَ لصَاحِبِ العِزَّة النائب العام وللأستاذ رئيس النيابة يقدرانه، كما يقضي بتقديره العرف المألوف، والقانون الذي يجب أن ترعى حرماته في غير هوادة ولا لين، ولكن في غير إسراف.

    على أني أعترف بأنَّ لسيرة النيابة هذه معنا مغزًى قيمًا ظريفًا لا يتجه إلينا وحدنا، وإنما يتجه إلى قوم آخرين؛ هم الوزراء. فقد يظهر أنَّ في إسراع النيابة بتنفيذ الأحكام وأخذها بهذا الحزم العَنِيفِ الذي لا إهمال فيه ولا إمهال، درسًا يَحْسُن أنْ تستفيد منه الوزارة، فتقضي في مصالح مصر الكبرى بهذه السُّرعة الحَازِمَة التي لا إبطاء فيها ولا ريث. فما زال الناس ينتظرونَ أَنْ تحل طائفة من الأزمات كان ينبغي أن تحل منذ أمد بعيد؛ أزمة الدَّين العام التي أجلها صدقي باشا وأجلها، وانصرف عن الحكم وهي قَائِمَة لم تحل، أزمة الدين العام التي أجلها الرجل الطيب وأجلها، والتي قد ينصرف عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي لا تزال قائمة لم تحل، أزمة الدَّين العقاري التي ما زال وزير المالية يلتمس لها حلًّا حاسمًا، دون أن يظفر به حتى على سواحل البحر الأحمر في رحلته تلك الميمونة المُباركة، والتي قد ينصرف وزير المالية عن الحكم غدًا أو بعد غد وهي قَائِمَةٌ لَم تُحَل، أزمة الكورنيش، أزمة الاستبدالات، وما شئت من هذه الأزمات التي تقدم الحكومة عليها، ثم تحجم عنها، وقد نسيت أزمة المَحَاكم المُختلطة التي كان وزير الحقانية يرى أنها محلولة بحكم القانون، ثم أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح، كما تقول الأسَاطِيرُ، فإذا رَئيسُ الوزراء يرى أَنَّها عسيرةٌ تَحْتَاجُ إلى التأجيل والوقت الطويل لتحل من طريق المفاوضات.

    أرجو أن تستفيد الوزارة من هذا الدرس القيم الخصب الذي ألقته النيابة أمس حين أنفذت أحكام القضاء في سرعة صارمة، ولما تمضِ على صدورها ساعات، فقد يكونُ من الشرِّ العظيم أنْ يَمْضِي هذا الدرس القيم، ولا تنتفع به الوزارة في تصريف الأمور العامة التي يحتاج الناس إلى الإسراع في تصريفها، أكثر مما كانت تحتاج النيابة إلى الإسراع في تنفيذ هذه الأحكام والتي يخافُ الناس من الإبطاء في تصريفها أكثر مما كانت تخاف النيابة من الإبطاء في تنفيذ هذه الأحكام.

  • امتيازات | Privileges

    حديث المساء: امتيازات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ فبراير ١٩٣٤

    ليست هي الامتيازات التي يستمتع بها الأجانب في مصر، وتضيق بها ضمائر المصريين، وكثير من الضمائر الحية للأجانب أنفسهم، ويضيق بها العدل والحق والإنصاف، فكل المصريين محب لإلغائها، مُلِحٌّ فيه، يراه غرضًا من أغراض النهضة الوطنية، وواجبًا من الواجبات التي ينبغي أن يبذل المصريون فيها ما يملكون من قوة وجهد، والتي لا ينبغي أن يُعرِض المصريون عنها حتى يؤدوها كاملةً، في غير تهاون ولا تقصير ولا فتور. المصريون مُجمِعون على إلغاء هذه الامتيازات الأجنبية، ولكن هناك امتيازات أخرى ليست أقل خطرًا من امتيازات الأجانب، ولعلها أعظم منها خطرًا، وأقبح منها أثرًا في حياة الناس، وأخلاقهم وصلاتهم؛ لأنها امتيازات لا يقبلها العقل، ولا يطمئن إليها القلب، ولا يستريح لها الضمير الحي النقي، ولا تقرها أيسر قواعد الأخلاق.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من المصريين دون فريق، والتي لم يكسبها أصحابها بمعاهدة، أو قانون، أو عُرْف مقرَّر محترم، أو وراثة أو تقليد من التقاليد، وإنما جاءتهم وحدها طائعة راغبة فيهم مدفوعة إليهم دفعًا، برغم أنف المصريين جميعًا.

    هي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريق من الوزراء وكبار الموظفين، لا لشيء إلا لأنهم تولَّوا الوزارة أو تقلَّدوا مناصب الحكم، وهي هذه الامتيازات التي يستمتع بها فريقٌ من الناس ليسوا وزراء ولا موظفين، ولكنهم يظفرون بعطف الوزراء والموظفين. هي هذه الامتيازات التي لا تقوم إلا على مخالفة للقانون وانتهاك حرمات الدستور، ولا توجد إلا حيث يضعف الشعور بالعدل، والتقدير للكرامة، والاعتراف بضرورة النظام. هي هذه الامتيازات التي تعفي فلانًا من أن يُسأَل عمَّا قال أو عمل، بينما يفرض القانون أن يُسأَل الناسُ جميعًا عما يتعَدَّون به حدودَ القانون من قول أو عمل. هي هذه الامتيازات التي تبيح لفلان أن يستمتع من أموال الدولة وجاهها وسلطانها، في غير حق ولا عدل، بما لا يُبَاح لغيره من الناس، بل بما يُعاقَب غيره من الناس على الاستمتاع به أو السعي للوصول إليه.

    هذه الامتيازات الآثِمة خليقة أن تُلْغَى، وهي خليقة أن تُلْغَى قبل تلك الامتيازات الأجنبية. أقول هذا غير متحرج ولا متأثم ولا متردد؛ فإن شعور المصريين بكرامتهم، وحرص المصريين على حقهم، وجدَّ المصريين في استقلالهم؛ هي الطريق الوحيدة التي تؤدي إلى إلغاء الامتيازات الأجنبية من غير شك، وليس من الشعور بالكرامة، ولا من الحرص على الحق، ولا من الجد في الاستقلال أن يرضى المصريون أن يمتاز بعضهم من بعض، وأن يتفوق بعضهم على بعض، في غير عدل ولا دستور ولا قانون. وإذا رضي المصري أن يذله المصري، وأن يعتدي عليه، وأن يمتاز من دونه بما لا يطمع هو فيه، وأن يستمتع من دونه بالطيبات، وأن ينتهك من دونه حرمات القانون؛ فهو خليق أن يرضى بكل ما يصيبه من الظلم، وأن يذعن لكل ما ينزل به الجور، وأن يعجز عن إقناع الأجنبي بالرغبة عن الامتيازات، أو النزول عنها. فمَن رضي الظلم القليل خليق أن يرضى الظلم الكثير، ومَن احتمَلَ الهوان اليسير خليق أن يحتمل الهوان العظيم، ومَن عجز عن حماية نفسه في ظل القانون والدستور خليق أن يعجز عن حماية الأجانب في ظل هذا القانون والدستور، ومَن قَبِلَ أن يعبث به فلان وفلان دون أن ينتصف له القانون منهما، ضعيف أشد الضعف، عاجز أشد العجز عن أن يقنع الأجنبي بأن يسوي نفسه به، وأن يرضى أن يشاركه في حياته هذه التي لا تأمن من الظلم، ولا تبرأ من الذل، ولا تخلو من الفساد.

    هذه حقائق مُرَّة، ولكن مرارتها لا تمنع من أن تُقَال، بل مرارتها تفرض علينا أن تُقَال، فلَئِنْ يتحدث بعضنا بهذا خير من أن يتحدث به إلينا الأجانب، لئن يقول بعضنا لبعض: إن في مصر ظلمًا يجب أن يُرفَع، وامتيازات جائرة يجب أن تُمحَى، خير من أن يقول لنا الأجانب: أنصفوا أنفسكم من أنفسكم، ثم فكِّروا في إنصاف أنفسكم منا، وخير من أن يقول لنا الأجانب: ثقوا بأنكم قادرون على إنصاف أنفسكم من أنفسكم، ثم تحدَّثوا إلينا بعد ذلك بأنكم قادرون على أن تضمنوا لنا حياةً قوامها العدل والرعاية والإنصاف، وليس من الشجاعة أن نخفي عيوبنا أو نتستر عليها، وإنما الشجاعة الصحيحة هي أن نُلقِي عيوبنا وجهًا لوجه، وأن نجاهدها ونتخلَّص منها. فَلَئن نُظهِر عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُظهِرها لنا الناس، وَلَئن نُصلِح عيوبنا بأنفسنا خير من أن يُصلِحها لنا الناس. وهذه الامتيازات التي يستمتع بها إلى الآن صدقي باشا، وأمثال صدقي باشا، عيوب في حياتنا السياسية والخُلُقية يجب أن نُظهِرها ونُنبِّه إليها، ونجهر بالدعوة إلى إصلاحها؛ فَلَذلك خير من أن يُفاجِئنا بها الأجانب على غير انتظار.

    وإني لأُوثِرُ ألف مرة ومرة أن أتحدث بهذه العيوب إلى المصريين، وأن يتحدث بها المصريون إليَّ، وأن يُثقِل بعضنا فيها على بعض، أُوثِرُ هذا ألف مرة ومرة على أن أتحدَّث يومًا من الأيام إلى بعض الأجانب في إلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فيصدمني بهذه الجملة القاسية اللاذعة التي يتصبَّب لها جبين الرجل الكريم عرقًا: إنما يحسن بكم أن تطلبوا إلغاء الامتيازات حين تستطيعون إقناعنا بأنكم قادرون على ألَّا يظلم بعضكم بعضًا، ولا يمتاز بعضكم من بعض، ولا يرتفع فريق منكم فوق القانون. ويستطيع صدقي باشا وأمثال صدقي باشا، وتستطيع الوزارة وأنصار الوزارة أن يقولوا ما يشاءون، ولكنهم سيعجزون دائمًا عن أن يُقنِعوا أحدًا بأن صدقي باشا ليس مستمتعًا الآن بطائفة من الامتيازات، لا ينبغي أن يستمتع بها رجل في بلد يخضع لحكم الدستور والقانون.

    رجل يقال فيه وفي تصرفاته كلُّ ما قيل، ويُنشَر عنه وعن تصرفاته كلُّ ما نُشِر، وتُؤلَّف لجنةٌ للتحقيق في طائفة من التصرفات هو الذي أجازها وأمضاها؛ فتحقِّق وتدقِّق، وتسأل الناس، ولكنها لا تستطيع أن تبلغه، ولا تستطيع أن تصل إليه؛ لأن الدستور يحول بينها وبين ذلك. ثم يقال له: قَدِّمْ أنت إلى اللجنة ما يزيل عن موقفك كل لبس، ويمحو عن تصرفاتك كل شك؛ فلا يتحرك كأنه لا يسمع. ثم يقال للحكومة: أنفذي فيه حكم الدستور، ودعي البرلمان يسأله عن تصرفاته هذه؛ فلا تتحرك الحكومة، كأنها لا تسمع؟ ثم يقال للبرلمان: أنفذ في هذا الرجل حكم الدستور، سَلْهُ عن هذه التصرفات ليزول عنها كل لبس، ويُمحَى من حولها كلُّ شك، وتبرأ سمعة الوزارة وأعضاء البرلمان من كل شائبة؛ فلا يتحرك البرلمان، كأنَّ أحدًا لم يقل له شيئًا.

    رجل هذه حاله، وهذا موقفه من الدولة، وهذا موقف الدولة منه، ممتاز من غير شك، ومن أين جاء هذا الامتياز؟ لم يجئه من القانون، ولا من الدستور؛ لأن القانون والدستور يُحَتِّمَان سؤالَ الوزراء عمَّا فعلوا وهم وزراء. ولم يجئه من ورائه، فما نعلم أن في مصر نظامًا يحمي الباشوات وكبار الناس من احتمال التبعات. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بينه وبين الدولة تضمن له أن يكون فوق السؤال والجواب. ولم يجئه من معاهدة عُقِدت بين الدولة وبين دولة أخرى تجعله فوق السؤال والجواب، وإنما جاءه من أنه صدقي باشا ليس غير، جاءه من أنه كان وزيرًا، والوزراء لا يُسأَلون إلا أمام البرلمان، والدولة لا تريد أو لا تريد إلى الآن أن تسأله أمام البرلمان، ومع ذلك فالدولة معنية بقصة الكورنيش، حريصة فيما تقول على أن تحقِّق أمرها، وتأخذ المسئولين فيها بالعقاب، فإذا سألت الدولة مَن المسئولون؟ فستجيبك هم الذين ستُظهِرهم اللجنة. فإذا زعمت الدولة أن هناك وزيرًا مسئولًا أجاز بعض هذه التصرفات، سكتت الدولة، وسكت صدقي باشا، وسكت الناس جميعًا. والغريب أن امتياز صدقي باشا لا يفرض نفسه على الوزارة وحدها، ولا يفرض نفسه على البرلمان وحده، وإنما يفرض نفسه على الصحف أيضًا. فهل تذكر كل تلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، وتناله بأقسى ألوان النقد والتشنيع، حين كانت الوزارة جادة في خصومته؟ هل تذكر تلك الصحف التي أثارت قصة الكورنيش وخاضت فيها فأكثرت الخوض؟ إنها الآن صامتة ساكنة لا تتحرك ولا تقول، ومع ذلك فلم يجد شيء يغيِّر من أمر قصة الكورنيش، فما زالت هذه القصة فضيحة منكرة، ذهبت فيها مئات الألوف من الأموال العامة، وما زال حول هذه القصة تحقيق، وقد خرج صدقي باشا من السؤال والجواب، كما تخرج الشعرة من العجين، وتلك الصحف التي كانت تكيد لصدقي باشا وتؤلب عليه، مطمئنة مستقرة، لا تظهر الآن غيرةً على الحق، ولا حبًّا لوضوحه، ولا حرصًا على معرفة المسئولين جميعًا. فما مصدر هذا الامتياز الذي يستمتع به هذا الدكتاتور العظيم؟ وما مصدر تلك الضجة الهائلة التي أثيرت حول صدقي باشا والكورنيش، ثم سكتت عن صدقي باشا والكورنيش؟ وأين قانون التضمينات هذا الذي يرفع صدقي باشا عن السؤال والجواب، لا لشيء إلا لأنه كان وزيرًا؟

    وأغرب من هذا كله أن السياسة تتحدث إلينا اليوم بأن الجنة التحقيق سألت بعض الناس، أو بعبارة أدق سألت بعض الموظفين في إقليم البحيرة عن أمور تمس صدقي باشا ومقاول صدقي باشا الذي هو مقاول الكورنيش؛ فأجاب الموظف عمَّا سُئِل عنه، وأظهر استعدادًا للإجابة عما يُسأَل عنه. قالت السياسة: فنُقِل هذا الموظف إلى أقصى الصعيد، أهذا صحيح؟! وإذا كان صحيحًا فما تأويله؟ وما تفسيره؟ وما موقعه من الحق والعدل؟ وما ذنب هذا الموظف الذي لا نعرفه، ولا نريد أن نعرفه، والذي لم يزد على أن سُئِل فأجاب، ثم تزعم لي بعد ذلك أن المصريين سواء أمام القانون لا يمتاز بعضهم من بعض، ولا يتفوق بعضهم على بعض، وزير لا يُسأَل، وموظف يُسأَل فيجيب، فيُنقَل إلى أقصى الصعيد.

    أما أنا فإني أتمنى أن يكفي الله لجنة التحقيق عواقب هذا التحقيق، فهي قد سألت عن أمور تمس صدقي باشا، وصدقي باشا رجل فوق السؤال، فلعل اللجنة لا يمسها لوم ولا عقاب لأنها سألت عن أمور رجل هو فوق السؤال والجواب. هذه الامتيازات وأمثالها — وثِقْ بأن أمثالها كثير — هي التي يجب أن تُلْغَى وأن تُلْغَى قبل كل شيء، وأن تُلْغَى قبل أن نطالب بإلغاء الامتيازات الأجنبية؛ فقد نظن أن من الحق علينا أن نكرم على أنفسنا لنكرم على الناس، فإذا هنَّا على أنفسنا فَلْنَقْبَلْ راضين وكارهين أن نهون على الناس.

  • حماية (٢) | Protection (2)

    حديث المساء: حماية (٢)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ فبراير ١٩٣٤

    نعودُ اليومَ إلى هذا العنوان، وإلى الموضوع الذي تحدثنا فيه أمس، فقد يظهر أنَّ هذا الموضوع خَليقٌ أَنْ يتصل الحديث فيه؛ لأنَّه ليس من اليسر ولا من السهولة، ولا من الهوان بحيثُ ينبغي أن يمر كما يمر غيره من الموضوعات التي تتعرض لها الصحف، ثم لا تلبث أن تذهب بها الريح حين تشرق الشمس أو حين يقبل المساء.

    فهذا الموضوع له خطره العظيمُ من وجوه مُختلفة: هو خطيرٌ لأنَّ قصة الكورنيش نفسها خطيرة؛ ولأنَّ المال الذي ذهب فيها كثير، يكاد يبلغ نصف مليون جنيه؛ ولأنَّ الناس قد عنوا أعظم العناية بهذا المِقْدَار الضَّخْم من أَموال الإسكندرية، وحرصوا أشد الحرص على أن يعرفوا فيمَ أنفق؟ وكيف أنفق؟ وماذا أفادت الإسكندرية من إنفاقه؟ ولأنَّ الوزارة القائمة قد تكلفت إظهار العناية بهذا الأمر، والجد في الكشف عن وجه الحق فيه، فألفت لجنتها التي ألفتها، وانصرف أعضاء هذه اللجنة عن أعمالهم اليومية التي تتصل بمناصبهم وبمصالحهم الخاصة أيضًا إلى درس هذا الأمر وتحقيقه، فكل هذا لا يكون إلا حين يكون موضوع التحقيق خطيرًا حقًّا، خليقًا بهذه العناية العَظيمة من الناس، خليقًا بأنْ تخرج له الوزارة عما ألفت من الأناة والهدوء والاستقرار الذي يُشْبِهُ النَّوم.

    وقد أُثيرت قِصَّةُ الكورنيش في حدة غير مألوفة، ألقيت إلى الناس كما تلقى الصخرة من مكان مُرتفع شَاهق، فكان لوقعها ضجة عنيفة، لفتت إليها كل إنسان، وأطلقت بها كل لسان، وشغلت بها كل ضمير. وما دام الأمرُ كذلك فلا بُدَّ فيما يظهر من أنْ يَنْتَهِيَ التحقيقُ في قِصَّة الكورنيش هذه إلى أقصى ما ينبغي أن ينتهي إليه.

    وهناك ناحية أخرى تجعل هذا الموضوع عظيم الخطر بعيد الأثر في حياة المصريين، فهو في حقيقة الأمر امتحان عسير لأخلاقنا السياسية ولفهمنا للديمقراطية، واستعدادنا لاحتمالها، واحتمال ما تُكَلِّفنا النهوض به من الأثقال. فليست الديمقراطية صورًا وأشكالًا، وإنَّما الدِّيمُقراطية حقيقة من الحقائق، لا قِوَامَ لها ولا ثَبَاتَ، ولا استقرار ولا غناء، إلا إذا اعتمدت على أخلاق مُسْتَقِيمةٍ وطِبَاعٍ قَوِيَّةٍ، وضَمَائِرَ حية، ونفوس مُخْلِصَةٍ في حبها والتضحية في سبيلها بكل شيء.

    وأظهر ما تمتاز به الديمقراطية الصحيحة في الشعوب الحية، إنما هو إكبارها للمساواة، وحرصها عليها، واتخاذها أساسًا لما يكونُ بين الأفرادِ والجَمَاعَات من صلات، ولما يكون بين الشعب والحكومة من صلات. فإذا امْتَازَ بعضُ النَّاس من بعض فيما يتصل بالعدل والحق، أو تفوق بعض الناس على بعض فيما يتصل بالعدل والحق، فليست هناك مُسَاواة، وليست هناك ديمقراطية، وليس هناك عدل ولا حق، وإنما هناك سياسة تقوم على الاستئثار، وتقوم على نظام الطبقات أو على ما هو شَرٌّ من نظام الطبقات. تقوم على هذا النظام المنكر الذي يؤثر فردًا على أمة، والذي يجعل القانون حكمًا عدلًا بالقياس إلى الناس جميعًا، إلا هذا الفرد أو ذاك؛ فإنه يميزه ويؤثره ويرفعه فوق القانون.

    وكل هذا شر لا يُلائم النظام الديمقراطي، ولا يُلائم أخلاق الشعب الديمقراطي، ولا يلائم حياة الشعب الذي يراد أخذه بالتربية الديمقراطية. والواجب الوطني على كل فرد من أفراد الشعب وعلى أفراد المثقفين خاصة، وعلى الذين تكون إليهم قيادةُ الشَّعْبِ بِوَجْهٍ أَخَصَّ، إنَّما هو مُقَاوَمة هذا الفساد بكل ما يملكون من قوة وجهد، والتضحية في سبيل ذلك حتى بما لا تَطِيبُ النَّفس بالتضحية به إلا في مشقة وعسر.

    وليس في الديمقراطية شيء أشد إحساسًا مِنْ هذه الأمور التي تمس المساواة بين الأفراد من جهة، والتي تمس جباية الأموال العامة، وتدبيرها وإنفاقها في وجوهها من جهة أخرى. فكل بلد يَحْرص على الحياة الديمقراطية، حريصٌ بطبعه على المُساواة، وحريصٌ بطبعه على النزاهة وطهارة اليد والقلب والضمير في كل ما يمس أموال الشعب.

    ومن هنا قلنا وما زلنا نَقول: إنَّ قِصَّةَ الكورنيش التي أُثِيرتْ في هذه الأَيام امتحانٌ دَقِيقٌ عَسِيرٌ للنظام الدِّيمُقْراطي في مصر، ولمقدار الشعور في مصر الرسمية بحب الديمقراطية وتقديسها، والإخلاص في حمايتها. ففي قصة الكورنيش مساس بالأموال العامة، وفي تحقيق قصة الكورنيش اختبار للمساواة. ولا بد أن ينتهي هذا التحقيق إلى إظهار كل شيء. وليعلم المصريون جميعًا وليعلم الأجانب الذين يرقبون أمور المصريين أن الدولة المصرية مخلصة في حماية الأموال المصرية، مخلصة في تحقيق المساواة بين المصريين.

    وقد أَشَرْنا أمس إلى أنَّ صدقي باشا لم يُسأل، ولم يسأل أمامَ لجنة التحقيق؛ لأَنَّه ظَهَر في آخر الأمر أو في أَوَّلِهِ لا ندري، أو لا نُريد أن ندري، ظهر أنَّ هذه اللجنة لا تستطيع أن تدعو صدقي باشا، ولا أن تسأله؛ لأنَّ صدقي باشا كان وزيرًا، وإنما يسأل الوزراء أمام البرلمان. فإذا صح هذا وانتهى التحقيق دون أن يسأل صدقي باشا بوجه من الوجوه، فإنَّ رُكنًا ذا خطر عظيم من أركان الديمقراطية سينهدم، وستسجل مصر الرسمية انهدام هذا الركن؛ وهو ركن المساواة. فليس هناك فرق ما بين صدقي باشا وبين غيره من الذين سئلوا في قصة الكورنيش أمام لجنة التحقيق إلا أن صدقي باشا كان وزيرًا، ولا ينبغي بحال من الأحوال أن تكون الوزارة حصنًا يَحْمي صدقي باشا من أن يسأل عما أتى من الأَعمال ليسمع جوابه، وليُحكم له، أو ليحكم عليه؛ فليستْ الوزارة امتيازًا، وإنما الوزارة خدمة للدَّولَة، يقتضي صاحبها عليها أجرًا، فيجبُ أَنْ يُؤدي عن أعماله فيها حسابًا، إنْ ظهرت الحاجة إلى أن يؤدي هذا الحساب.

    والعقبة الوحيدة التي تحول دون سؤال صدقي باشا هي أنه كان وزيرًا، وأنَّ الوزراء يُسألونَ أمَامَ البرلمان، فلا بُدَّ إذن من أن توجد الوسيلة لإزالة هذه العقبة التي تقوم في سبيل المساواة، ولا بد إذن من أن توجد الوسيلة ليسمع صدقي باشا ما ينبغي أن يُوجه إليه من سؤال، وليقول صدقي باشا ما عنده من جواب. وما نظن أنَّ صدقي باشا نفسه يكره هذا أو يَضيق به؛ فصدقي باشا قد صال وجال، وتحدث إلى الصحف في قصة الكورنيش، وكتب لها البيانات، ودافع عن نفسه قبل أنْ يُهاجمه أحد. ومن فعل هذا كله، فهو مُطْمئن واثق، لا يكره السؤال ولا يتردد في أنْ يجيب إذا دعي، وفي أن يرد إذا وُجِّهَ إليه السؤال.

    ومن هنا نستطيعُ أنْ نُعين بجهدنا الضعيف على إيجاد الوسيلة لإزالة هذه العقبة، فهناك طَرِيقانِ من أَيسر الأُمور أنْ تسلكا إلى تحقيق هذه الغاية؛ الأُولى: يستطيع أن يحققها صدقي باشا نفسه، وهي أن يذهب إلى اللجنة دون أن تدعوه، وأن يدلي إليها بما عنده من البيان وإن لم تسأله. فقد ينبغي أن يكون صدقي باشا أكرم على نفسه، وأَحَبَّ للديمقراطية، وأحرص على المصالح العامة من أن يؤثر الصمت والاستقرار؛ لأنَّ أحدًا لم يدعه، ولأن أحدًا لم يسأله، وهو الذي تحدث إلى الصحف، ولم يكرهه أحد على الحديث، فليتحدث إلى اللجنة دون أن يضطره أحد إلى الحديث.

    وليس من شك في أن حديث صدقي باشا إلى اللجنة سينفعها ويعينها؛ فقد كان صدقي باشا وزيرًا للداخلية، وقد أجازَ صدقي باشا ما أجاز من قصة الكورنيش، وأَجَازَهُ في عجل، وفي غير مهل، وله في ذلك رأي، وله في ذلك حكمة، وله في ذلك تعليلات، من الخير أن تسمعها اللجنة لتقيم حكمها على أساس صحيح. فإذا آثر صدقي باشا الرَّاحة واختار لزوم الصمت، والاستقرار — وهذا حقه طبعًا — فقد نظُنُّ أنَّ الطريق الثانية لا بُدَّ منها، وهي مفروضة حينئذٍ على الرجل الطيب ووزارة الرجل الطيب. وهذه الطريق الثانية هي أنْ يُسْأَل صدقي باشا أمام البرلمان، وقد بين الدستور كيف يكون سؤال الوزراء والتحقيق معهم.

    ونحنُ نَعْلَمُ أنَّ القانون الذي ينظم هذا لم يصدر بعد. ولكن عدم صدور القانون لا يلغي حق البرلمان، ولا يعطل واجبه، ولا يعفي الوزراء من أن يتحملوا تبعات أعمالهم. فالبرلمان قادرٌ في حدود الدستور على أن يؤلف اللجنة البرلمانية التي نص عليها الدستور، وهذه اللجنة تنظم أعمالها وإجراءاتها بنفسها ما دام القانون لم يصدر، وهذه اللجنة تسأل صدقي باشا وتسمع منه، وتتبين وجه الحق في موقفه من قصة الكورنيش. وهذه اللجنة إنْ أُلِّفت وسألت صدقي باشا؛ تحمي المساواة، وتثبت أن الدستور لا يفرق بين الوزراء وغير الوزراء في احتمال التبعات، وتثبت أنَّ لأموال الشعب حماة يصونونها، ويذودون عنها، ويبحثون عما ضاع منها، ويبينون للناس كيف ضاع، ويحاسبون الذين أضاعوه.

    وبإحدى هاتين الطريقتين يعلم المصريون جَمِيعًا، ويعلم الأجانب الذين يرقبون مصر، أن مصر بلد حر، ديمقراطي، لا يتميز فيه أحدٌ بحماية مهما تكن، ولا يرتفع فيه أَحدٌ عن تأدية الحساب عما يأتي من الأعمال. فليختر صدقي باشا، وليختر رئيس الوزراء، ولننتظر نحنُ لنرى أَيَسْعَى صدقي باشا إلى اللجنة القائمة، أم يُدعى صدقي باشا إلى اللجنة التي سيؤلفها البرلمان؟

  • منع … | Prohibition…

    حديث المساء: منع …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢١ يناير ١٩٣٤

    وإنما يصدر المنع عن الأقوياء؛ لأن الضعفاء أصغر شأنًا، وأيسر أمرًا، وأقل خطرًا من أن
    يُمْنَعُوا، فإذا رأيت وزارةً تعلن أنها تريد أو لا تريد، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تأذن بهذا
    وتحظر ذاك، وإذا رأيت وزارة تعلن أنها تبيح هذا الاجتماع، وتمنع ذلك الاجتماع؛ فاعلم أنها
    الوزارة القوية حقًّا، الوزارة التي يحتال الضعف في أن يمسها من طرف من أطرافها، أو يصل إليها
    من ناحية من نواحيها فلا يجد إلى ذلك سبيلًا. وقد أعلنت وزارتنا أنها تحظر على جماعة من أعلام
    القليوبية أن يستقبلوا رئيس الوفد وأصحابه في دورهم؛ فأثبتت بذلك في غير شك ولا ريب أنها قوية
    حقًّا، أقوى من كل وزارة في الأرض وأعظم سطوة وأشد بأسًا. ومن قبل ذلك بيوم أو يومين تركت
    وزارتنا رئيس الوفد يذهب إلى بلده سمنود وينتقل منها إلى المنصورة، ويزور عضوًا من أعضاء الوفد
    فيها ويعود منها إلى القاهرة؛ فأثبتت بذلك أنها من أقوى الوزارات في الأرض وأعظمها حولًا
    وطولًا. ثم لم تكتفِ بإثبات القوة والبأس، وإقامة الدليل على الحول والطول، بل أثبتت مع ذلك
    أنها ذكية القلب راجحة الحلم، واسعة العقل، نافذة البصيرة لا تقدم إلا وهي عالمة بما تقدم عليه،
    ولا تحجم إلا وهي عالمة بما تحجم عنه. وقد زعم الناس أن الرجل العاقل ذا النظر البعيد هو الذي
    لا يتناقض ولا يضطرب، ولا يأتي أمرًا من الأمور إلا لعلة من العلل وسبب من الأسباب؛ ولكن هذا
    النحو من التفكير سخف، فالرجل العاقل في هذه الأيام وفي عرف الوزارة بنوع خاص هو الذي يتناقض
    حتى يبلغ من التناقض الأعاجيب، وهو الذي يأذن لغير علة ويمنع لغير علة، ويأتي ما يأتي من الأمر
    لغير سبب؛ إلا لأنه يريد أو لا يريد. وقد أقامت الوزارة أوضح الأدلة على أنها قد سبقت الوزارات
    جميعًا إلى عظم القوة وسعة العقل؛ فخلت بين رئيس الوفد وبين المنصورة، وحالت بين رئيس الوفد
    وبين القليوبية غير حافلة بما دفعت إليه من التناقض، ولا معنية بما تورطت فيه من الاضطراب،
    حسبها أنها أرادت أمس وحسبها أنها لا تريد اليوم؛ ليعلم الناس أنها وزارة رشيدة حقًّا قد بلغت
    من الرشد أقصاه.

    ووزير داخليتنا رجل حازم بين الرجال، ووزير طريف بين الوزراء، سمع رئيس الوزراء يخطب يوم
    العيد أو قرأ خطبته التي ألقاها يوم العيد، ورأى رئيس الوزراء يؤكد للناس أن وزارته قوية؛ فأراد
    أن يقيم الدليل على أن رئيس الوزراء لم يقل إلا الحق، وعلى أن وزارة الرجل الطيب حقًّا وصدقًا
    قوية حقًّا وصدقًا، وأي مظهر للقوة أبدع من التحكم في الناس والعبث بهم، والتصرف في حقوقهم
    إذنًا ومنعًا وإباحة وحظرًا، لا لشيء إلا لأنك تريد أو لأنك لا تريد؟! أما أنا فأُشْهِدُ
    المصريين جميعًا وأُشْهِدُ الأرض كلها على أني مؤمن لوزير الداخلية بقوة لا تشبهها قوة وحزم لا
    يشبهه حزم، وذكاء لا يقاربه ذكاء.

    أنا مؤمن بهذا كله لوزير الداخلية، حتى إني واثق كل الثقة بأنه يستطيع أن يقطع على الرجل
    الطيب رحلته في العيد يأمره بالعودة فيعود، أو يخطفه جهرة فينخطف، أو يأمر الناس بالإعراض عنه
    فإذا هم عنه معرضون. كل ذلك يستطيع وزير الداخلية بأن يأتيه ومن حق وزير الداخلية أن يأتيه؛ لأن
    وزير الدخلية نابغة، وقد أباح الله للنابغين ما لم يُبِحْ لمثلك ومثلي من أوساط الناس. فليحكم
    وزير الداخلية فينا بأمره، وليمضِ وزير الداخلية فينا إرادته، فليس وزير الداخلية أقل شأنًا من
    غيره من أولئك الوزراء الذين تحكموا في المصريين، أو أذاقوهم ما أرادوا أن يذيقوهم من صنوف
    العسف وألوان الاستبداد. والله [لم] يمنح الناس إرادتهم ليضعوها في جيوبهم أو ليغلقوا من دونها
    الصناديق والخزائن، وإنما منحهم الإرادة ليقولوا ويعملوا وليأمروا وينهوا وليتحكموا ويستبدوا
    وليظهروا أنهم أقوياء، وإذا لم يظهر وزير الداخلية أنه قوي، وأنه ذكي، وأنه حليم، فلمن تكون
    القوة؟! ولمن يكون الحلم؟! ولمن يكون الذكاء؟! ولا تذكر الدستور، ولا تذكر القانون، ولا تذكر
    التقاليد؛ فكل هذه كلمات لا ينبغي أن تذكر للأقوياء الأذكياء، وإنما ينبغي أن تذكر للذين يحبون
    الضعف ويكلفون بالغباء.

    وسيزعم الوفديون أن الدستور يكفل لهم الحريات، ويبيح لهم أن ينتقلوا في بلادهم، وأن يزور
    بعضهم بعضًا، وأن يدعو بعضهم بعضًا إلى الطعام، وأن الذي يَحْظرُ عليهم من ذلك ما يكفله لهم
    الدستور — سواء أكان دستور أمس أم دستور اليوم — آثم ينتهك الحرمات ويعتدي على الحقوق. فليزعم
    الوفديون من ذلك ما شاءوا وما لم يشاءوا، فلن يحفل بهم أحد، ولن يلتفت إليهم أحد؛ لأن هذا كلام
    يقال للوزارات الضعيفة، التي تحترم الدستور وترعى الحرمات وتحافظ على الحقوق، فأما الوزارات
    القوية، فهي لا تعرف إلا أنها تريد أو لا تريد، وهي لا تعرف إلا أن الناس مأخوذون بأن يسمعوا
    لها ويطيعوا. وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، ومتى قال الرجل الطيب شيئًا
    فقد قال الحق، ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب.

    وسيزعم الوفديون أن من حقهم أن يجتمعوا اجتماعاتٍ خاصة إلى الطعام وللحديث، ليس لأحد عليهم في
    ذلك سلطان، ليس عليهم أن ينبئوا بذلك وزارة ولا إدارة، وليس لوزارة ولا إدارة عليهم في ذلك
    سلطان ولا سبيل. ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون ما داموا
    يُذْعِنُون لأمر وزير الداخلية، فالسرائر لله وحده والظواهر للحكومة تعبث بها ما وسعها العبث
    وتستهزئ بها ما وسعها الاستهزاء، وويل لمن خالف عن أمر الحكومة، أو تردد في الإذعان لها! فقد
    قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية، وإذا قال الرجل الطيب شيئًا فقد قال الحق،
    ونطق بالصواب والقول الذي لا يعاب. وسيزعم الوفديون أن الديمقراطية الحديثة تُقَرِّرُ منذ قرن
    ونصف قرن أن لا طاعة لحاكم في مخالفة القانون، وأن من حقهم بحكم الدستور المصري نفسه أن يخالفوا
    أمر الوزراء إذا تجاوز الوزراء أحكام القانون. ولكن الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما
    لا يشاءون؛ فالديمقراطية الحديثة والقديمة وحقوق الإنسان والدستور والقانون، كل هذا كلام يقال
    للضعفاء لا للأقوياء، وقد قال الرجل الطيب — حقًّا وصدقًا — إن وزارته قوية؛ فلا ينبغي أن يقال
    لها هذا الكلام. وسيزعم الوفديون أن لمصر تقاليدها وأن رعاية الضيافة من هذه التقاليد، وأن مَنْ
    دعا إلى وليمة فليس له أن يَعْدِلَ عن هذه الدعوة، وأن من قبِل الدعوة فليس له أن يردها بعد
    قبولها؛ وإنهم لذلك سيقيمون ولائمهم وسيسعى إليها المدعوون؛ لأنهم لا يزيدون على أن يستمتعوا
    بحقوقهم التي ضمنها لهم الدستور، والتي قامت الوزارة لحمايتها ورعايتها وتمكينهم من الاستمتاع
    بها على أكمل وجه، وسَيُحَمِّلُوْنَ الحكومة وحدها تبعة ما يقع من الاعتداء عليهم، وتبعة ما
    يكون من شر، وتبعة ما يحدث من مخالفة الدستور وخروج على القانون وعبث بالحقوق. والوفديون أحرار
    في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فقد أرادت الوزارة وقد أنذرت، وويل للذين لا ينفذون
    إرادة الوزارة! وويل للذين لا يخافون نذيرها! والوزارة لا تحجم عن احتمال التبعات، وماذا تخاف
    الوزارة من احتمال التبعات؟! ومن الذي سيحاسب الوزارة عما تحمل من تبعات؟! لقد احتمل صدقي باشا
    تبعات البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، فماذا جَرَّتْ هذه التبعات عليه؟! وماذا أدى عنها من
    الحساب؟ هل سُئِلَ؟ هل دُعِيَ إلى التحقيق؟ هل وقف أمام القضاء؟ هل مرت أمام عينيه غرف السجون؟
    هل صودر من ماله القليل أو الكثير؟ كلا، فما يمنع هذه الوزارة القوية أن تحتمل ما يشاء الوفد
    وما لا يشاء من التبعات؟! إن الوزارة لا تخاف شيئًا؛ وإذن فهي تستبيح كل شيء، فليجرؤ الوفد إذن
    على مخالفة أمر الوزارة، وإن كان هذا الأمر ظالمًا جائرًا مخالفًا للقانون والدستور منتهكًا
    حرمات التقاليد، فلن يلوم الوفد إلا نفسه.

    وسيزعم الوفديون أن الوزارة تزعم أنها وزارة بلد إسلامي، دينها الرسمي هو الإسلام بنص
    الدستور، وأن من القضايا الإسلامية أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وأن الاعتداء على الحقوق
    إثم وانتهاك الحرمات ظلم، ومنع الناس من الاستمتاع بحريتهم معصية، وأن المصريين أحرار في أن
    يعصوا أمر الوزارة إذا خالف الدين كما أنهم أحرار في أن يعصوا أمر الوزارة إذا خالف القانون.
    ولكنَّ الوفديين أحرار في أن يزعموا ما يشاءون وما لا يشاءون؛ فلن تحفل بهم الوزارة ولن تلتفت
    إليهم، ولن تُبِيْحَ لهم زيارة القليوبية، ولن تُخَلِّي بينهم وبين حقوقهم وحريتهم؛ لأنها قوية
    كما قال الرجل الطيب، وحسبها أن تكون قوية لتكره الناس على ما لا تريد.

    أما بعد، فهل كان جادًّا وزير الداخلية فيما أصدر من أمر، وهل كان جادًّا مدير القليوبية فيما
    أنفذ من أمر الوزير؟ وهل هان المصريون على الوزير والمدير حتى أصبحت حقوقهم عرضة للعبث إلى هذا
    الحد؟ وهل هان المصريون على أنفسهم؛ حتى استباح الوزير والمدير أن يأخذاهم بهذا العبث ويدفعاهم
    إلى هذا الحرج، ويخضعاهم لهذا الاستبداد؟ وهل هان الدستور والقانون على الوزير والمدير حتى
    استباحا لأنفسهما أن يذهبا في تفسيرهما وتأويلهما هذا المذهب الغريب، أين نحن؟ وإلى أين
    نُدْفَعُ؟ وماذا يُرَادُ بنا؟ وماذا تريد الوزارة بنفسها وبالناس؟ إن الرجل الطيب خليق أن يفكر
    في هذا كله إن كان يستطيع أن يفكر في هذا كله. لقد أقدم صدقي باشا على مثل هذا كله؛ فلم يعاقبه
    القانون ولم يجنِ ثمرة ما غرس من الظلم والجور، ولكن أين صدقي باشا؟ ومَنْ يكون الآن صدقي باشا؟
    وماذا جَنَى صدقي باشا من ظلمه وجوره أكثر من ثلاثة أعوام؟ أيريد الرجل الطيب أن يلم به مثل ما
    أَلَمَّ بصدقي باشا؛ إذن فليقدم على مثل ما أقدم عليه، إذن فليظلم كما ظلم وليَجُرْ كما جَارَ،
    وليتحكم في الناس كما تحكم، فهو إن فعل مُنْتَهٍ من غير شك إلى مثل ما انتهى إليه صدقي باشا،
    دون أن يستمتع بقوته وقتًا طويلًا؛ لأنه أضعف وأسلم قلبًا وأطيب نفسًا من أن يقاوم الشعب كما
    قاومه صدقي باشا! أو يَثْبُتَ للشعب كما ثبت له صدقي باشا، ومِن المحقق الذي ليس فيه شك أن
    الوفد والوفديين لن يُذْعِنُوا لظلم الوزارة، ولن يطيعوا ما تصدر من الأمر في غير الْتزامٍ
    لحدود القانون؛ فلتفعل الوزارة بقوتها ما تشاء فسيقيم أهل القليوبية ولائمهم، وسيذهب رئيس الوفد
    وأصحابه لحضور هذه الولائم، وستجني الوزارة وحدها ثمرة التحكم في الناس والخروج على أبسط أصول
    الدستور والقانون.