Tag: سياسة

  • الثعبان

    الثعبان
    لصاحب العزة الدكتور طه حسين بك
    كان مشرق الوجه باسم الثغر، خفيف الحركة، فصيح اللسان. لا يكاد يجلس إلى أحد أو يجلس إليه أحد، إلا أحس جليسه منه قلبا يضطرب تحمسا للإصلاح، ونفسا تتوثب إلى المثل العليا، وعقلا لا يرى حوله إلا شرا ولا يريد أن يطمئن أو يستقر إلا إذا أزيل هذا الشر ومحيت آثاره ومعالمه وقام مقامه هذا الخير المطلق الذي يشمل كل إنسان، وكل شيء، والذي يسبغ على من يشمله وما يشمله جمالا حلوا هادئا، ولكنه قوي ملح كأنه ضوء الشمس، لا يمنح الأشياء والأحياء جمالا وبهاء فحسب، ولكنه يبعث فيها وفيهم حياة وخصبا وقوة ونشاطا.
    وكان تحمسه للإصلاح وطموحه إلى الخير ودعاؤه إلى العدل يخرج به أحيانا كثيرة عن طوره، ويتجاوز به الهدوء المألوف إلى شيء من العنف لم يكن المصريون يعرفونه في ذلك الوقت، وإذا هو لا يستقر في مكانه مهما يكن هذا المكان في دار أو ناد أو قهوة أو ديوان، وإنما يثب من مجلسه ثم لا يثبت في مقامه ليتحدث إلى من حوله كما يتحدث الخطيب، وإنما يذهب ويجيء ويأتي من الحركات بيديه ما كان يخيف جلساءه على ما قد يكون حوله من الأشياء وإذا آية الغضب تظهر في وجهه، قوية حادة فيظلم بعد إشراق ويعبس بعد ابتسام، ويتطاير من عينيه المضطربتين شرر مخيف، وينفجر من فمه صوت هائل يهدر بالجمل التي تتتابع سراعا في مثل قصف الموج وعصف الريح العاتية، وإذا أصحابه يأخذهم شيء من الدهش لا يلبث أن يستحيل إلى وجوم متصل وذهول غريب، لا يدرون أهما يصوران الإعجاب والرضى أم هما يصوران الإنكار والسخط أم هما يصوران الحذر والخوف.
    وكان من الحق أن يحذروا ويخافوا فلم تكن الأمور في ذلك الوقت تجري في مصر كما أخذت تجري منذ كان في مصر استقلال وحرية ودستور وبرلمان، وإنما كانت الأمور تسعى متعثرة لا تكاد تنهض إلا لتكبو ولا تكاد تمضي إلا لتقف فقد كان في مصر احتلال أجنبي يتغلغل سلطانه الظاهر والخفي في جميع المرافق العامة والخاصة، وكان في مصر سلطان وطني شديد الارتياب عظيم الاحتياط كثير التلون يميل إلى المواطنين مرة وإلى المحتلين مرة أخرى، ويحاول أحيانا أن يرضي أولئك وهؤلاء، فلا يظفر إلا بغضب أولئك وهؤلاء.
    وكان هذا كله يفسد الجو المصري ويجعله خانقا منهكا للقوى لأن الناس كانوا موضوع النزاع بين هاتين السلطتين لا يكادون يرضون إحداهما إلا وفي نفسهم إشفاق من الأخرى، وكان لكل واحدة من هاتين السلطتين عيونها وجواسيسها قد انبثوا في الأندية والقهوات والدواوين واندسوا في المجالس الخاصة. فهم يحصون على الناس ما يقولون ثم يصورونه كما يحبون ثم يرفعونه إلى السلطان الأجنبي أو إلى السلطان الوطني. وإذا آثار ذلك واضحة فيما يكون من رضى هذا السلطان أو ذاك ومن غضب هذا السلطان أو ذاك. فكان المفكرون وذوو الرأي يعيشون في قلق متصل كأنما كانوا يسعون على الشوك. فليس غريبا أن يثير صاحبنا في نفوس جلسائه شيئا من الحذر والخوف إذا أخذته أزمته الإصلاحية تلك، وكانت كثيرا ما تأخذه فيثور أو قل يستحيل إلى ثورة تريد أن تلتهم كل شيء.
    وكان صاحبنا حديث عهد بأوروبا قد أقام فيها أعواما متصلة وأتم فيها درسه ورأى فيها حياتها الحرة الطامحة التي لا تقيدها أوضاع النظام الاجتماعي كما كانت تقيد الحياة المصرية في ذلك الوقت ولا تغلها أغلال السلطان السياسي كما كانت تغل حياة المصريين في ذلك الوقت أيضا، وإنما رأى حياة سمحة طلقة قد عرفت للإنسان كرامته وللفرد حقه في أن يأتي ويدع من الأمر ما يشاء وفي أن يرى ويقول ما يشاء ما دام لا يؤذي غيره بقول أو عمل. وقد شارك في هذه الحياة واستمتع بما كانت تمتاز به من الإسماح واليسر وكان كغيره من المصريين الذين يعيشون في أوربا لا يكاد يرى شيئا يعرفه أو ينكره إلا وازن بينه وبين ما يشبهه في الحياة المصرية من قريب أو بعيد، وكانت هذه الموازنة تغيظه وتحفظه بالطبع لأنها كانت تضطره دائما إلى أن يعترف فيما بينه وبين نفسه بأن في أوربا رقيا ماديا ومعنويا وبأن لأهل أوربا حرية في القول والعمل وبأن مصر بعيدة كل البعد من هذا الرقي وبأن المصريين قد حرموا هذه الحرية كل الحرمان. فعاد إلى مصر وللغيظ في قلبه نار تتوهج وللغيرة على نفسه سلطان لا يكاد يهدأ من ثورته أو فورته، ومن أجل ذلك كان صورة ناطقة حية قوية للسخط على كل شيء والضيق بكل شيء. والحرص على تغيير كل شيء. وقد أقبل الشباب عليه حين عاد من أوربا معجبين بل مفتونين. ولكنهم لم يلبثوا أن فتروا ثم تفرقوا شيئا فشيئا، منهم من رده عنه الخوف، ومنهم من رده عنه القصور، ومنهم من رده عنه السأم. ولابد من الاعتراف بأن أحاديث صاحبنا على عنفها وثورتها كانت تغمض أحيانا فيعجز أوساط المثقفين عن فهمها، وكانت تتكرر أحيانا أخرى فيسأم السامعون لها من كثرة تكرارها. وأكبر الظن أن صاحبنا عاد من أوربا دون أن يتعمق من أمرها شيئا وإنما غرته المظاهر فأعجب بها وخدعته هذه الحضارة الأوربية ففتن بها، ورأى في هذا الإعجاب وفي هذه الفتنة شيئا من الامتياز يتملق كبرياءه فأغرق فيهما إغراقا شديدا. وقد كان ما لم يكن بد من وقوعه فنذر به السلطان وأشفق منه ونصب له شيئا من كيد خفي حاول أن يثبت له وينفذ منه ولكنه لم يستطع ثباتا ولا نفوذا فاضطر إلى أن يرجع أدراجه ويعود إلى أوربا هذه التي ملكت عليه قلبه ونفسه وفتنته بمحاسنها فتونا. ولم يكد يستقر في أوربا حتى دهمته الحرب الماضية فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم والظاهر أنه انتفع بهذه الإقامة الثانية انتفاعا عظيما. فقد عاد من أوربا بعد الثورة المصرية الأخيرة فرأى ما لم يكن ينتظر أن يرى. لم ير تغيرا في الحضارة المادية ولم ير تطورا ذا بال في الحياة العقلية ولكنه رأى حرية لم يكن له بها عهد. حرية لا تحفل بمكر الاحتلال الأجنبي ولا باحتياط السلطان الوطني ولا بالعيون والجواسيس ولا بالأحكام العرفية الإنجليزية التي ظلت مفروضة على مصر أعواما بعد انتهاء الحرب ولا بهذا الاصطدام العنيف الذي كان يحدث من حين إلى حين بين الشباب المصريين والجنود البريطانيين. رأى حرية لا تلوي على شيء ولا يردها شيء ولا تزيدها العقبات والمصاعب إلا قوة واندفاعا. ورأى المصريين يقولون في كل شيء لا يتحفظون ولا يتحرجون. ورآهم ينكرون من أمرهم أكثر مما كان ينكر هو قبل الحرب فهم لا يرضون عن الاحتلال الأجنبي، وهم لا يرضون عن النظام السياسي الوطني، وهم لا يطمئنون إلى حياتهم الاجتماعية، وإنما يخرجون عليها في رفق مرة وفي عنف مرة أخرى، وهم على كل حال يتوثبون إلى الإصلاح. ويطمحون إلى المثل العليا لا يتحدثون إذا لقي بعضهم بعضا إلا في الحق والخير والعدل والحرية والاستقلال والرقي في الحياة المادية والعقلية.
    رأى هذا كله فوقف منه موقف الحيرة لم يدر أيرضى عنه أم يسخط عليه. ولو أنه جرى مع طبيعته الأولى لرضي كل الرضا عما رأى ولمضى مع مواطنيه جادا في الإصلاح طامحا إلى الرقي مطالبا بالاستقلال. ولكن إقامته في أوربا أثناء الحرب واحتماله ما جرته الحرب على الناس من خطوب وما ألقت عليهم من أثقال قد اضطره إلى شيء من المرونة وسعة الحيلة وبذل الجهود الملتوية ليتقي الشر إن عرض الشر وليلتمس الخير إن سنح الخير، فعاد من أوربا للمرة الثانية وقد خلقته الحرب خلقا جديدا. كان قبل الحرب يسبق مواطنيه إلى الرقي والطموح، فأصبح بعد الحرب يستأخر عن مواطنيه ولا يكاد يشاركهم في توثبهم إلى الرقي والطموح. ومنذ ذلك الوقت اتخذ لنفسه سيرة وسطا فهو لا يستطيع أن ينكر ماضيه وهو لا يستطيع أن يقاوم هذا الاندفاع المصري الجارف إلى التطور العنيف وهو في الوقت نفسه لا يحب أن يشارك مواطنيه فيلهج كما يلهجون بالحرية، ويحرص كما يحرصون على الاستقلال ويطمع كما يطمعون في مجاراة أوربا حينا ومقاومتها حينا آخر. وقد زاده حرصا على هذه السيرة الوسط أنه قد تعب في أوربا وشقي بما لقي فيها من جهد وضيق، وعاد إلى مصر وفي نفسه ميل إلى الدعة وحاجة شديدة إلى الراحة ورغبة ملحة في أن يعوض الوقت الذي أضاعه في أوربا وأن يستدرك من أمره ما فات ويحقق لنفسه من المنافع العاجلة والآجلة ما لم يستطع تحقيقه حين كان ثائرا فائرا مطالبا بالإصلاح. وقد رأى المصريين قد انقسموا فيما بينهم قسمين، فريق يعتدل، وفريق يتطرف. فلم يرد أن يعتدل مع المعتدلين فيعد مستأخرا ولا أن يتطرف مع المتطرفين فيتكلف ما يتكلفون من الجهد ويحتمل ما يحتملون من العناء. وقد رسم له هذا كله سيرته الوسط فعرف الثورة المصرية ولم ينكرها، وأثنى عليها ولم يشارك فيها، واتخذ لنفسه الأصدقاء والأخلاء من المعتدلين والمتطرفين جميعا، ولم يقبل في ذلك مراجعة ولا لوما فإن الصداقة ترتفع عن السياسة وأعراضها وأمراضها والرجل الحر حقا هو الذي لا تلهيه السياسة عن إرضاء حاجة قلبه إلى الإخاء الكريم والمودة الصافية والوفاء المتين.
    وكذلك كنت تراه في مجالس المعتدلين يسمع منهم ولا يرد عليهم إلا قليلا وكنت تراه في مجالس المتطرفين، يسمع منهم ولا يجاريهم إلا بمقدار، وكنت تراه في كل حفل يقيمه المعتدلون وفي كل حفل يقيمه المتطرفون يشهد الحفلين جميعا لأن له الأصدقاء والأخلاء بين أولئك وهؤلاء. ولكنه كان ماهرا أشد المهارة في الاستخفاء حين الجد وحين تبدى الخطوب عن نواجذها لأولئك أو هؤلاء. هنالك يلتمس القوم صاحبنا فلا يجدونه ولا يقفون له على أثر. وهنالك يسأل القوم عن صاحبنا أهل المعرفة فلا يحدثهم عن ثابت لاق كما يقول الشاعر القديم حتى إذا هدأت العاصفة واستقرت الأمور في نصابها واطمأنت القلوب في الصدور نظر المعتدلون والمتطرفون فإذا صاحبنا يغدو بينهم ويروح كعهدهم به دائما مشرق الوجه باسم الثغر عذب اللفظ حلو الحديث.
    وقد استطاع من الأمر ما لم يستطعه من المصريين إلا الأقلون عددا فأرضى المحافظين والمسرفين في المحافظة بنوع خاص وأرضى المجددين والغلاة في التجديد بنوع خاص. ثم جعلت الأحوال تحول والأمور تتغير وتتابعت المحن على مصر، وكان الطبيعي حين تمتحن مصر في آمالها وأمانيها وفي حريتها الداخلية والخارجية أن يتطرف المعتدل ويجدد المحافظ إن كان صادقا في اعتداله ومحافظته لا يتأثر فيهما بالمنفعة ولا يبقى بهما الخوف.
    ولكن صاحبنا لم يتطرف وقد تطرف المعتدلون من حوله، ولم يجدد وقد جدد المحافظون من حوله، وإنما ظل كعهده دائما مشرق الوجه باسم الثغر خفيف الحركة عذب اللفظ حلو الحديث.
    وربما أحس المحافظون المصرون على المحافظة منه ميلا إليهم، وحرصا على أن تتصل أسبابه بأسبابهم، ولكن على شرط ألا تنقطع أسباب المودة والإخاء بينه وبين المتطرفين، فمن الحقائق المقررة أن صلات الود والإخاء يجب أن ترتفع عن اختلاف الرأي في السياسة والنظم الاجتماعية. وقد تلقاه المحافظون حفيين به مستبشرين بقربه منهم واتصاله بهم وأغضى عنه المتطرفون لأنه صاحب وفاء يرتفع بالصداقة عن أغراض السياسة وأمراضها. ثم أصبحت المحافظة في بعض الأوقات لونا من ألوان الحفاظ والغيرة على مصالح الوطن وكرامته وأصبح من البدع المحبوب أن يتحدث الناس بأنهم محافظون وأن يسرفوا في النعي على المتطرفين فأظهر صاحبنا أنه محافظ يذكر مجد الوطن ويحرص على تقاليده وينكر الخروج على النظام المألوف والسنة الموروثة، ولكنه في الوقت نفسه لم يقصر في ذات أصدقائه المتطرفين وإنما جاملهم حين كانت تحسن المجاملة وواساهم حين كانت تحسن المواساة وضمن بذلك رضاهم عنه وإغضاءهم عن غلوه في المحافظة، وفي أثناء هذا كله مضت أموره على خير ما يحب. شجعه المحافظون حين كان السلطان يصير إليهم، وأغضى عنه المتطرفون حين كان السلطان يستقر فيهم، وعرف عامة الناس وخاصتهم أنه رجل لا يحب الأحزاب ولا يشارك في سياستها، وإن كان محافظ الميل قديم الهوى معتدل السيرة والرأي جميعا.
    قلت لصاحبي أتستطيع أن تحدثني بما تريد إليه من هذه القصة التي لا تنتهي. قال صاحبي لا أريد إلا إلى شيء يسير جدا وهو أن الذين يريدون العافية وقضاء المآرب وتحقيق المصالح، وتجنب الأذى في أنفسهم وآمالهم وأعمالهم يحسن أن يسيروا سيرة هذا الرجل البارع قلت لصاحبي ليس كل الناس يقدر على أن يكون ثعبانا وليس من الخير أن تكثر في مصر الثعابين.
    طه حسين
    البلاغ، ٢١ يناير ١٩٤٥.

  • من بعيد

     من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ٥\٨\١٩٥٢ .

  • درس٢

    حديث الوادي
    درس…

    درس قيم ممتع، فيه جد وهزل، وفيه نصح وسخرية، وفيه عفة وفكاهة، وهو نافع على كل حال، سينتفع به قوم كثيرون، أكثر جدًا مما تظن أنت أو أظن أنا. ولم يكن بد من إلقاء هذا الدرس على الذين تلقوه، بعد أن فسدت قلوب، وساءت نفوس، واختلطت الأمور على بعض الناس، فغلبتهم المنافع العاجلة على المذاهب والآراء.

    والناس قد يقتنعون بالحق ويؤمنون له. ولكن الحاجة تلهيهم عنه، والمنفعة تزهدهم فيه، فالحوادث تحسن إليهم حين تذكرهم من حين إلى حين بما نسوا، وتنبههم من وقت إلى وقت لما غفلوا عنه، وتعلمهم أن الباطل قد يطول، ولكن طوله واستقراره في الأرض لا يجعله حقًا ولا يتيح للناس أن يجنوا منه برًا ولا خيرًا.

    نعم كان درسًا بليغًا قيمًا ممتعًا هذا الذي ألقي أول أمس، ولم يكن بد من إلقائه، لأن فريقًا من المصريين كانوا في حاجة إلى أن يسمعوه، وقد سمعوه، وضاقت به نفوسهم، واضطربت له قلوبهم، وجرت له دموع بعضهم فيما يقول القائلون، ولسنا نعرف بالضبط من الذي ألقى هذا الدرس، ولكنا نعرف أنه ألقي في مجلس الشيوخ، ولعل طلاب الحقوق أول المنتفعين به، والمعتبرين بما فيه من العبر والعظات.

    شق عليهم ما أصابهم من الإخفاق في الامتحان، ومن الحق أن هذا الإخفاق مؤلم، وأن نظام الامتحان عسير أعسر مما ينبغي في الجامعات. ثم شق عليهم أن لا تتاح لهم الفرصة ليؤدوا الامتحان مرة أخرى في أول العام الجامعي المقبل. ومن الحق أن حرمانهم هذه الفرصة مؤلم لا يلائم نظم الجامعات. وقد شكوا من هذه القسوة، وضجوا من هذه الشدة، ولجأوا إلى الوزير فلم يرحمهم الوزير، ولجأوا إلى الصحف فأعانتهم ما وجدت إلى إعانتهم سبيلًا. ولجأوا إلى النواب فأظهروا ميلًا إليهم، وعطفًا عليهم، ونصرًا لهم، وتحمسوا في ذلك، وجدوا في التحمس، وهيأوا مشروع قانون قاومته الوزارة مقاومة عنيفة طويلة ملتوية، ولكن كثرة من النواب استطاعت أن تحتفظ بموقفها، وأن تمضي هذا المشروع، لأن الوزارة لم تجعله موضوعًا للثقة.

    فلما أمضي القانون في مجلس النواب فرح الطلاب وابتهجوا، وظنوا أنهم قد أدركوا ما أرادوا، وظفروا بما أملوا، ولم لا؟ قانون يمضيه مجلس النواب، ويمضيه برغم مقاومة الوزارة له، وإن كرهت إياه. أليس من المعقول أن يمضي هذا القانون في مجلس الشيوخ كما مضى في مجلس النواب، وأن ينتصر الطلاب على طول الخط، كما يقول أصحاب الحرب، وأن يفرغوا بعد ذلك للدرس وإعادة التحصيل طول الصيف، ليؤدوا الامتحان في أول الخريف؟ ولكن الطلاب نسوا أن للسياسة فنونًا يعجزهم فهمها، وتخفى عليهم أسرارها، وأن وزير التقاليد أقوى من أن ينهزم أمام الطلاب، وأمام النواب أيضًا. وقد تكشفت لهم هذه الفنون أول أمس عن أسرارها، وأبدت لهم مكنونها، فعرض القانون على لجنة المعارف في مجلس الشيوخ، ولكن اللجنة لم تنظره، لأنها لم تجتمع، أو لأنها صرفت عن الاجتماع. وهم جماعة من الشيوخ أن يتعجلوا نظر القانون في الجلسة الأخيرة لمجلسهم أول أمس، ولكن اعتراضًا شكليًا أثير، فنام له القانون نومًا عميقًا، وأتم البرلمان دورته وانصرف، والقانون معلق قد دبت فيه الحياة حتى انتهت إلى نصفه، ولكنها وقفت عند ذلك، فلم يستطع هذا القانون أن ينشط ولا أن يتحرك ولا أن يغني شيئًا عن الذين طلبوه وجدوا فيه. وتفرق الطلاب أمس، وهم يائسون بعد أن كان الأمل يملأ قلوبهم رضى، والرجاء ينعم نفوسهم غبطة وابتهاجًا. وعاد وزير التقاليد إلى داره هادئًا مطمئنًا لا يكاد يفكر في الطلاب، ولا في النواب، ولا في القانون. وألقي الستار، وهدأ كل شيء، إلا هذه الصيحات التي يبعثها اليأس من أفواه الطلاب، يبكون ويشكون، ويستغيثون فلا يغاثون.

    كل هذا كان، وكل هذا مؤلم حقًّا، ولكن كل هذا نافع حقًّا. فلو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان كما تعنيهم بعض الشؤون الأخرى التي تتهالك عليها الوزارة لتشد أزرها، لما تفرق مجلس الشيوخ قبل أن يقضي فيه مسرعًا، كما قضى مسرعًا في أمر القناطر، التي يراد إنشاؤها لا غدًا ولا بعد غد، ولكن بعد عام أو عامين. ولو أن أمر الطلاب يعني أعضاء البرلمان، كما تعنيهم هذه المسائل التي يحرص عليها الوزراء أشد الحرص، لما تفرق الشيوخ قبل أن يضمنوا للطلاب تحقيق ما يريدون. ولكن أمر الطلاب يسير، هم غاضبون اليوم فسيرضون غدًا. هم محزونون اليوم فسيبتهجون غدًا. هم يائسون اليوم فسينسون يأسهم وقنوطهم بعد أيام. أمر الطلاب أيسر على كل حال من أمر الوزراء ومن أمر العميد، والوزراء لا يريدون أن يمضي القانون، والعميد لا يريد أن يمضي القانون، ويقال إن مجلس الجامعة قد رفض هذا القانون بإجماع الآراء. وفي مجلس الشيوخ رزانة ووقار، وحسن تقدير للأمور وحسن تقدير لمنازل الناس أيضًا، فليس عليه بأس من أن يهمل أمر الشباب ليرضي الشيوخ من الوزراء والجامعيين.

    ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب حقًّا أن تسيطر الآمال الكاذبة على نفوس الطلاب، فإذا هم ينتظرون الخير، ويطمعون فيه في عهد لا ينتظر فيه الخير، ولا يصح أن يطمع فيه. وهنا تظهر المنفعة القيمة لهذا الدرس البليغ، فقد قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت وعند كل فرصة إنكم تعيشون في عهد لا ينبغي أن تنتظروا فيه عناية بكم أو استماعًا لكم، أو حرصا على ارضائكم، وإنما ينبغي أن تنتظروا فيه الشدة والقسوة والعنف والجهد الثقيل. لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن الذين يغرونكم بالآمال ويستهوونكم بالأماني ويخيلون إليكم أنهم يرحمونكم ويحبونكم ويحدبون عليكم لا يريدون على أن يقولوا لكم كلامًا، قد يحسن موقعه في النفوس ولكنه عند البحث والتمحيص لا يحقق شيئًا ولا يدل على شيء.

    لم يكذبكم المعارضون حين قالوا لكم في كل وقت إن أمركم في هذا العهد يجب أن يكون كأمر الشعب كله محنة متصلة وبلاء مقيمًا، وإن واجبكم في هذا العهد يجب أن يكون كواجب الشعب كله صبرًا لا يعرف الضجر، واحتمالًا لا يعرف الضعف، وإيثارًا للوطن وثباتًا للملمات على المنافع العاجلة مهما تكن.

    قال مجلس الشيوخ أول أمس للطلاب: ها أنتم أولاء قد طمعتم في النواب فاستيئسوا الآن من الشيوخ، ها أنتم أولاء قد فتحت لكم أبواب الأمل فلا تدخلوا، ولكن انظروا أنها تغلق في وجوهكم إغلاقًا.

    عودوا إلى ما كنتم فيه من الصبر والثبات واليأس من الخير، حتى يبدل الله عهدًا بعهد، ويأتي قوم مكان قوم، وينقل الحكم من أيد إلى أيد، ويفتح أبواب الأمل لمصر كلها لا لفريق من أبنائها دون فريق. عزيز علينا أن يحزن الطلاب وأن تذهب آمالهم مع الريح، وأن يفرض عليهم الجهد الثقيل سنة أخرى، ولكن رب حزن يحمل في طياته العزاء، ورب يأس مظلم يحمل في تضاعيفه النور والرجاء. فليصبر الطلبة وليتعظوا ولينتفعوا بهذا الدرس المفيد.

    طه حسين
    الوادى، ٣٠ يونية ١٩٣٤.

  • عدلي

    عدلي يكن باشا (١٨٦٤ – ١٩٣٣)، سياسي مصري ، تولى رئاسة وزراء مصر ثلاث مرات بين أعوام ١٩٢١ و١٩٣٠ وكان وزير المعارف قبلها كما أسّس حزب الأحرار الدستوريين في أكتوبر ١٩٢٢.

    Adly Yeghen Pasha (1864 – 1933) Egyptian politician, Prime Minister three times between 1921 and 1930, founded the Liberal Constitutional Party in 1922.

    عدلي…
    يجب أن يكون الناس قد انتهوا من الحرج والضيق، ومن العسر وسوء الحال إلى حيث أصبحوا ينكرون أنفسهم ويمرون سراعاً ببعض الأحداث الجسام التي كانوا يقفون عندها فيطيلون الوقوف، ويفكرون فيها فيطيلون التفكير. ويتذوقون آلامها متمهلين متعمقين كأنهم يجدون في تذوقها على مهل وفي أناة شيئا من اللذة يدعوهم إلى استبقائها ومد أسبابها. فهم كانوا إذا ألم بهم الحدث من هذه الأحداث وجموا له وجوما طويلا ثقيلا، ثم يذهب عنهم الوجوم شيئا فشيئا فيحسون لذع هذه اليقظة المؤلمة، ثم يفيقون فيقدرون خطر الحدث الذي أصابهم، ويذكرون من أصابهم فيه ويطيلون ذكره، ويتمثلون مواقفه المختلفة، ثم ينظرون إلى حاضرهم ومستقبلهم ويتصورون فقيدهم مواجها لظروف الحاضر والمستقبل، ويسألون أنفسهم عن مواقفه التي كان يمكن أن يقفها من هذه الظروف لو امتدت له أسباب الحياة. ويتخذون من هذا التفكير المتنوع الطويل سبلا إلى الألم متنوعة، ووسائل إلى الحزن متباينة، تآني نفوسهم أن تقطع الصلة بينها وبين من فقدت، حتى إذا عملت الأيام عملها، وتكاثرت خطوب الحياة على ما يملأ النفوس من ذكرى، فحاولت أن تسدل عليه من النسيان ستارا، جاهدت هذه النفوس ما وسعها الجهاد، لتقاوم الظروف، وتمانع النسيان وتستبقي شخص الفقيد ماثلا أمامها تنظر إليه وتحزن عليه وتبكيه أو تبكي أنفسها فيه.
    كذلك كان الناس حين كانت حياتهم حياة تستحق هذا الاسم، وحين كانت أيامهم أياما، أما الآن فقد تغير الناس لأن حياتهم تغيرت. وقد تبدل الناس لأن أيامهم تبدلت، فقدت الحياة في نفوسهم قيمتها. فأصبحوا لا يذوقون لذتها وآلامها إلا مسرعين. وفقدت الأيام في نفوسهم قيمتها، فأصبحوا لا يقفون عند أحداثها وخطوبها إلا لماما. كثرت عليهم الأحداث والخطوب، وثقلت عليهم الأرزاء والمحن. وعجزت أعصابهم عن المقاومة، فعجزت نفوسهم عن الحزن كما عجزت نفوسهم عن الفرح. أصبح كل واحد منهم وكأنه الكرة الخفيفة الوثابة تتدافعها الحوادث، وتتقاذفها الكوارث، فلا تكاد تقع على حادثة أو كارثة، أو لا تكاد تقع عليها حادثة أو كارثة، حتى تشب وتقفز مسرعة، خفيفة، عنيفة، تبتغي حادثة أخرى وكارثة أخرى، أو تبتغيها حادثة أخرى وكارثة أخرى.
    وهذا وحده هو الذي يفسر موقف الناس من هذا الخطب العظيم الذي ألم بهم حين نعت إليهم الأنباء عدلي يكن رحمه الله، فقد وقعت هذه الأنباء عليهم وقع الصواعق، فوجموا لها، ولكنهم أفاقوا مسرعين من هذا الوجوم، لأنهم تعودوا وقع الصواعق في هذه الأيام. أفاقوا وجزعوا، واشتد عليهم الجزع، حتى كاد يشبه اليأس، ولكن جزعهم كان قصيرا محدود الأمد، فلم يمض يوم وبعض يوم حتى شغلوا عن هذا الخطب ولم ينسوه، وإنما صرفوا عنه صرفا، صرفتهم عنه هذه الضرورات القاسية والآلام الملحة التي لا يعرفون كيف يخلصون منها أو يثبتون لها. وما رأيك في قوم لا يستقبلون النهار إذا أشرقت شمسه إلا بالخوف من بياضه، ولا يستقبلون الليل إذا نشر ظلمته على الأرض إلا بالإشفاق من سواده، يصبحون وهم يجهلون إلى أين يدفعهم النهار المضيء، ويمسون وهم يجهلون إلى أين يذهب بهم الليل المظلم.
    كيف تريد من هؤلاء الناس أن يبتلوا مرارة الحزن ولذع الألم، أو يستعذبوا حلاوة الفرح وموقع السرور من نفوسهم؟ لقد فقدوا أو كادوا يفقدون هذه الملكات القوية الرقيقة الحساسة التي كانت تنقل إلى نفوسهم صور الحياة كما هي. فهي تمكنهم من أن يتعظوا بما يبعث العظة منها، ويبتهجوا بما يثير الابتهاج، ها هم أولاء يفكرون في أزماتهم على اختلافها، ويجدون في التخلص من هذه الأزمات أو الإذعان لها، ليس منهم إلا طالب أو مطلوب، ليس منهم إلا غالب أو مغلوب، ليس منهم إلا بائس أو منتظر للبؤس، وليس منهم إلا محرج أو مدفوع إلى الحرج، فهم معذورون إذا صرفتهم الحوادث صرفا عن ذكر هذا الفقيد العظيم، وعن إطالة ذكره والتحدث فيه، وهو مع ذلك مازال في دار الغربة حيث قبضه الله إليه، لم يعبر جثمانه البحر بعد إلى وطنه ليوارى في ترابه، ويدفن في ثراه المقدس.
    هم معذورون. وعدلي رحمه الله أشد الناس قبولا لعذرهم هذا، لأنه كان أحن الناس تقديرا لحالهم هذه. ولأنه كان أشد الناس عطفا عليهم وبرا بهم، ولأنه كان على امتيازه وأرستقراطيته الظاهرة يشاركهم فيما يجدون، ويقاسمهم ما يشعرون به من الحزن والألم وسوء الحال. والمصريون أكرم على أنفسهم من أن يكون سكونهم عن عدلي بعد موته بقليل نسيانا له. أو تقصيرا في ذاته، فليس عدلي من الأشخاص الذين يقدر عليهم النسيان. وليس المصريون من الشعوب التي يهون عليها الجميل. ومهما يكن الأمر في ذلك فإن ذاكرة التاريخ أقوى وأثبت وأعمق من ذاكرة الناس؛ وسيذكر التاريخ دائما أن أربعة من المصريين كانوا أئمة النهضة الوطنية الاستقلالية، أو قل كانوا أئمة الثورة المصرية التي شبت نارها بعد أن خمدت جذوة الحرب، والتي هبت فيها الأمة المصرية تطالب بأن يعرف الناس لها أنها أمة حرة كريمة تريد أن تعيش في بلد حر كريم. كان هؤلاء الأئمة الأربعة عنوان الحياة السياسية الجديدة في مصر ثم في الشرق كله، وسيظلون عنوانا لهذه الحياة على اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وعلى ما بين ميولهم وأهوائهم، وعلى ما بين شخصياتهم العظيمة الفذة من الاختلاف، ولن يستطيع مؤرخ أن يصور حرية مصر وحرية الشرق في هذه القطعة من الزمن التي تبتدئ بعد الحرب دون أن يعتمد في تصويره على هؤلاء الأئمة الأربعة في السياسة: سعد ورشدي وثروت وعدلي رحمهم الله!
    كان سعد من هذه الثورة المصرية الشرقية بمكان الجذوة القوية المضطرمة التي لا يعرف الخمود إليها سبيلا، والتي لا يمسها شيء إلا اضطرم، ولا يدنو منها شيء إلا التهب. والتي تبعث أشعتها القوية المحرقة إلى أبعد الأماكن منها فتذكي فيها نارا، وتثير في جوها أوارا، وتخرج أهلها عن أطوارهم، وتدفعهم إلى حب الحياة بعد الموت، والعزة بعد الذل، والاستقلال بعد الخضوع والإذعان.
    وكان رشدي من هذه الثورة بمكان الفقيه الذي يعرف كيف يستخرج الحق من الشبه، ويرد إليه حظه من الوضوح الذي لا يدع للشك فيه سبيلا، ثم يدافع عنه بالحجة الساطعة والبرهان المستقيم والعاطفة الصادقة الحارة.
    وكان ثروت من هذه الثورة بمكان المدبر الماهر ذي الحيلة الواسعة والمدخل الخفي والمخرج اللطيف كلما تحرجت المواقف وتعقدت الأمور.
    وكان عدلي من هذه الثورة بمكان العقل الهادئ الرزين الحكيم، الذي لا يقوم إلا على بصيرة، ولا يقبل إلا على ثقة، وبعد تفكير طويل، وروية متصلة. ولا يأتي من الأمر شيئا إلا في أناة ووقار وهدوء. قلما تظفر بمثلها عند الزعماء. ولو أن الثورة المصرية الشرقية فقدت واحدا من هؤلاء الأربعة لما كان لها شكلها الذي نعرفها به، ولا طبعت بهذا الطابع الذي يميزها من غيرها من الثورات.
    كانت أمزجة هؤلاء الأئمة الأربعة عناصر تكونت منها هذه الثورة المصرية الشرقية. وقد اختلفوا واختصموا، وجاهد بعضهم بعضا جهادا عنيفا. ولكن مزاج الثورة المصرية كان في حاجة قوية إلى هذا الخصام والجهاد ليحيا ويقوى ويثبت للأحداث، ويبقى على رغم الخطوب. ثم أذن الله لهؤلاء المختلفين أن يعودوا إلى ما كانوا عليه من ائتلاف، ويثوبوا إلى ما كان بينهم من مودة وحب، ومن تعاون واتفاق، فصفا بعضهم لبعض، وسعى بعضهم إلى بعض، ورضي بعضهم عن بعض، ورضيت الأمة عنهم جميعا. ورضي الله عنهم فآثرهم برحمته واختارهم إلى جواره، يسعى بعضهم في إثر بعض إلى دار الخلود وقد أدى واجبه، ونهض بما كان ينبغي أن ينهض به من الحق. وكان سعد أسبقهم إلى الخلود، وكان عدلي آخرهم انتقالا إلى دار الخلود. ولقد تحدث الناس عن سعد ورشدي وثروت فأطالوا الحديث، وسيتحدثون، وستكون أحاديثهم أجل وأوضح، وأدل على عظمة هؤلاء النفر كلما بعدت بيننا وبينهم العهد، ومضت على وفاتهم الأيام. ولكن الناس لم يتحدثوا بعد عن عدلي لأنه عاش إلى هذا العهد، فكانت حياته مانعة من الحديث فيه، ولأنه مات في هذا العهد فكانت المحن المقيمة صارفة عن إطالة الحديث فيه.
    وليس الحديث عن عدلي سهلا ولا يسيرا، فأنت لا تكاد تعرض لخصاله حتى تعجبك كلها، وحتى تدعوك كلها إلى أن تحمده وتثني عليه. وإذا أنت حائر لا تدري ماذا تأخذ منها وماذا تدع، ولكن نواحي ثلاثا من حياة هذا الرجل تفرض نفسها على الكتاب والمفكرين فرضا. فأما أولاها فهي امتيازه الشخصي في حياته الخلفية، وفيما كان بينه وبين الناس من صلة. فعدلي أقل الناس تعرضا للنقد من هذه الناحية: كان رضي الخلق، وكانت هذه الخصلة أظهر خصاله وأوضحها، ولكنها على ذلك لم تكن تسبق إلى الناس ولا تظهر نفسها لهم، ولا تطمعهم في صاحبها، وإنما كانت تحيط نفسها بسياج من الأنفة والترفع، يحسبه الناس ضربا من الغطرسة، ولونا من الكبرياء، فيهابونه وينأون عنه. فإذا أتيح لهم أن يدنوا من الرجل ويخلصوا إلى نفسه، لم يجدوا غطرسة ولا كبرياء، وإنما وجدوا أنفة وعزة وترفعا عن الابتذال. ووجدوا من وراء هذا كله نفسا صافية نقية، وقلبا طاهرا وفيا، وضميرا كريما حيا. وظهر لهم هذا كله في معاشرة حلوة، وحديث عذب ولسان عفيف، وصلات ترفع الذين يدنون من عدلي إلى حيث هو، ولا تهبط بعدلي إلى حيث يكون المتصلون به والساعون إليه.
    والناحية الثانية مذهبه السياسي. فقد كان عدلي كغيره من أصحابه مؤمنا بحق مصر في الاستقلال، حريصا على أن تظفر مصر بهذا الحق، لم يكن يتهم في ذلك من أحد. وكان عدلي كأصحابه يرى أن المفاوضة مع الإنجليز قد تؤدي إلى الظفر بهذا الحق، وتنتهي بمصر إلى ما تريد. ولكن طريقه في تنفيذ مذهبه هذا وإخراجه إلى الحياة العملية هي التي تميزه من غيره، وهي التي تظهر طبيعته ومزاجه، كأوضح ما تكون الطبيعة والمزاج. فلم يكن عدلي صاحب قوة وعنف، ولم يكن عدلي قادرا على أن يوجد بينه وبين الشعب على اختلاف طبقاته هذه الصلة القوية التي تجعله مرآة للشعب من جهة، وملهما للشعب من جهة أخرى. إنما كان عدلي رجلا يحب الشعب ويؤمن به، ويحرص على حقه دون أن يلهمه أو يستلهمه. كان يصدر عن عقله وتفكيره الهادئ الرزين، أكثر مما يصدر عن عواطفه الحارة وشعوره العنيف. وكان لا يحسن الحديث إلى الشعب، لأنه لم يكن يجد هذه الكلمات والجمل الساحرة التي تنفذ إلى قلوب الشعب، وكان كل ما يستطيع أن يرى ويسمع ويفكر، ثم يعمل تاركا لغيره ما لا يقدر عليه من إلهام الشعب واستلهامه. فلما ألف وزارته الأولى وأعلن برنامج هذه الوزارة متفقا عليه مع الوفد، كان هذا البرنامج مظهرا واضحا قويا لطبيعة هذا الرجل المستقيمة ومذهبه الصحيح في فهم حقوق الشعب وتقديرها. فأنظر إليه يحرص في هذا البرنامج حرصا شديدا على أمرين: الأول أن يستخلص لمصر حقوقها من الإنجليز بالمفاوضة. الثاني أن يعرض على الشعب المصري نتيجة المفاوضة لينظر فيها ويقرها، وأن يكون هذا الشعب ممثلا في جمعية وطنية لا تقف مهمتها عند إقرار المعاهدة وتنظيم العلاقة بين مصر وبين الإنجليز، بل تتجاوز هذا إلى شيء عظيم الخطر حقا وهو وضع الدستور، وتنظيم سلطة الشعب، وتنظيم العلاقة بين السلطة التشريعية وغيرها من السلطات التي يتكون منها سلطان الدولة؛ ومعنى ذلك أن عدلي كان يؤمن بأن الأمة وحدها مصدر السلطات، وبأنها ما دامت كذلك فهي التي يجب أن تضع الدستور وأن تعلنه لا أن تتلقاه. ومن يدري؟ لو أن الظروف واتت عدلي ومكنته من تنفيذ برنامجه لعل مصر أن تكون قادرة على أن تجتنب كثيرا من الأزمات الداخلية التي ألمّت بها فجرت عليها شرا كثيرا.
    ولست أدري لعل موضع الخطأ في برنامج عدلي رحمه الله أنه جعل دعوة الجمعية الوطنية نتيجة للمفاوضات لا مقدمة لها. فلما لم تنجح مفاوضته لم تدع الجمعية الوطنية، وتلقت مصر الدستور ولم تصدره. ولكن أكان عدلي قادرا حقا على أن يدعو الجمعية الوطنية قبل المفاوضة، وقبل أن يستخلص لمصر حريتها من الإنجليز؟ وماذا عسى أن تكون قيمة هذه الجمعية الوطنية التي تدعى وتعقد وتشرع الدستور وغير الدستور في ظل الحماية الأجنبية؟ وماذا يكون موقف هذه الجمعية الوطنية من الإنجليز؟ وماذا يكون موقف الإنجليز منها إن شجر بينها وبينهم خلاف: مهما يكن من شيء، فقد كان فهم عدلي لحقوق الشعب وتصويره لهذه الحقوق ملائمين أشد الملاءمة لأرقى المثل الدستورية العليا.
    الناحية الثالثة: وفاء هذا الرجل العظيم لمذهبه في السياسة، ورأيه في حق الشعب، وثباته على هذا المذهب، وامتناعه أن يتحول عنه مع الظروف، فقد أخفق في مفاوضة الإنجليز واستقال وعجز عن أن يدعو الجمعية الوطنية، ولكنه قضى بقية حياته مؤمنا بأن المفاوضة هي أوضح السبل إلى الاستقلال، مؤمنا بأن سلطة الشعب هي القوام الشرعي الوحيد لكل حكومة، وهي العماد الشرعي الوحيد الذي يجب أن تعتمد عليه الحكومات فيما تأتي من الأمر في السياسة الداخلية أو الخارجية؛ ولم يكد يصدر الدستور حتى عرف عدلي كيف يرضي نفسه وضميره في السياسة، فتقدم إلى أمته في الانتخابات: فلما قضت عليه أذعن لقضائها ورضي به، لا يحمل لأمته غلا، ولا يضمر لها حقدا، ولا ينكر عليها أنها انصرفت عنه إلى غيره. ولم تمنحه ثقتها وهو على ذلك كله مؤمن أصدق الإيمان بأن هذا الدستور الذي صدر لا يفيد الذين أقسموا على الإخلاص له وحدهم، وإنما يفيد المصريين جميعا وهو من بينهم. ومن هنا تستطيع أن تفهم أن عدلي قد أبى كل الإباء بعد صدور الدستور أن يؤلف وزارة، أو يؤيد وزارة، أو يشترك في وزارة لا تعتمد في صراحة وإخلاص على الدستور؛ ومن هنا نستطيع أن نفهم إسراعه إلى الائتلاف مع سعد حين دُعي إليه، وإخلاصه في تأييد هذا الائتلاف. وقبوله رياسة الوزارة في هذا الائتلاف، لأن هذا الائتلاف كان قوامه إرجاع الحياة الدستورية، وكان اعتماده على الدستور، وكان بقاؤه رهينا ببقاء الدستور؛ ومن هنا تستطيع أن تفهم كيف اعتزل السياسة وانصرف عنها حين وقف الدستور، وكيف أسرع إلى قبول الوزارة حين عرضت عليه ليرد الدستور. ثم من هنا تفهم أيضا كيف أنكر ما كان من تغيير الدستور القديم، وكيف أسرع إلى الاحتجاج على هذا التغيير، وكيف أسرع إلى التعاون مع المؤتمر الوطني الذي أنكر ما حدث من تغيير، وألح في أن ترد الأمور إلى نصابها، وكيف أنفق بقية حياته عزيزا كريما أبيا يرقب الحوادث وينتهز الفرص وينتظر أن يدعوه الواجب الوطني فيستجيب له. ولكن دعوة الموت سبقت دعوة الواجب الوطني، فأسرع عدلي إلى حيث أراد الله له من هذه الحياة الخالدة. حياة الكرامة والنعيم. وتريد الأقدار أن يموت عدلي حيث مات صديقه الحميم ثروت في باريس بعيدا عن الوطن، وتريد الأقدار أن يموت عدلي كما مات صديقه الحميم ثروت ومصر في أزمة سياسية عنيفة تعتمد عليه وتعقد به أوسع الآمال. فإذا هي تمتحن فيه وتحرم معونته، ثم تريد الأقدار أن ينتقل عدلي إلى وطنه في نفس السفينة التي نقل فيها ثروت، وهي (البروفيدنس)! أفترى الأقدار قد رعت حرمة هذه المودة الصادقة الخالصة التي كانت بين هذين الرجلين العظيمين، فأرادت أن تلائم بينهما في الموت كما لاءمت بينهما في الحياة؟

    طه حسين
    الرسالة – 1/11/1933

  • رئيس

    رئيس
    قيل[1] لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
    وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
    و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
    والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
    «عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
    وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
    كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
    فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
    نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
    وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
    وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
    وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
    نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
    والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
    [1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.

  • نجدة

    نجدة
    إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
    [1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣.

  • إنذار

    إنذار
    كانوا[1] يخوضون في ألوان مختلفة من الحديث، فقال قائل منهم: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ثم دخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. ولم ينكر على هذا القائل قوله من أصحابه — وكانوا كثيرين — إلا رجل واحد ألحّ في الإنكار والمماراة حتى ضاق به أصحابه، وحتى أقسم هو ليأكلن السمك، وليشربن عليه اللبن، وليدخلن بعد ذلك الحمام، وليخرجن منه موفور العقل، متزن الطبع، معتدل المزاج.
    ورآه الناس بعد ظهر ذلك اليوم يطوف في شوارع القرية، ويقف بأنديتها ومجالس أهلها عاريًا، قد جمع ثيابه كلها على رأسه، واندفع في ضحك مخيف وهو يقول: زعموا أن من أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام لم يخرج منه إلا مجنونًا. وقد فعلت ذلك كله، أفترون عليّ أثرًا من آثار الجنون أو مظهرًا من مظاهر الاضطراب؟
    والذين يعرفون هذه القصة التي يتندر بها الناس إذا ذكروا أكل السمك وشرب اللبن ودخول الحمام، لا يملكون أنفسهم أن يذكروها ويضحكوا منها ويغرقوا في الضحك إذا رأوا صحف الوزارة في هذه الأيام، ولا سيما إذا رأوا «الاتحاد» التي ظهرت أمس، و«الشعب» التي ظهرت اليوم.
    فالاتحاد والشعب آمنتان كل الأمن، مطمئنتان كل الاطمئنان، واثقتان كل الثقة، تقضيان النهار في راحة المطمئن الآمن، وتقضيان الليل في نوم المستريح الهادئ، لأن الوزارة القائمة لا تتعرض لبأس، ولا تستهدف لمكروه، ولا تأتيها الاستقالة من بين يديها ولا من خلفها، ولا من يمين ولا من شمال، ولا تهبط من السماء، ولا تنجم لها من الأرض. هي مستقرة كاستقرار المقطم، ثابتة كثبات الأهرام. ولهذا لا تحفل «الاتحاد» ولا تحفل «الشعب» بهذيان المعارضين الذين يحلمون باستقالة الوزارة، ثم يخيل إليهم أن أحلامهم قد أصبحت حقًّا لا شك فيه.
    لا تحفل «الاتحاد» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه أربعة فصول، ولا تحفل «الشعب» بهذا الهذيان ولكنها تكتب فيه ثلاثة فصول. لا تحفلان جميعًا بهذا الهذيان ولكنهما لا تشغلان إلا به. فإن زعمت بعد ذلك أن قصتهما لا تذكر بقصة هذا الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام ثم خرج كامل العقل، موفور الذكاء، مستقيم الطبع، معتدل المزاج، يثبت ذلك للناس بهذا البرهان الذي لا يقبل شكًّا ولا جدالًا، فيجرد جسمه ويستر رأسه، إن زعمت أن ليس بين القضيتين شبه فأنت في حاجة إلى أن تستأنف النظر في أصول علم البيان وما أُحصي من شروط التشبيه الصحيح.
    وهذه الفصول السبعة التي كُتبت في هذين اللسانين الرسميين من ألسنة الوزارة، فيها الطويل والقصير، وفيها الضيق والعريض، ولكنك على كل حال، وأياً كان كاتبها، وفي أي وقت ظهرت، لن تجد فيها ما يُغني وما يفيد، وما يُقنع بأن الوزارة ثابتة مستقرة آمنة مطمئنة، إلا إذا كان ذلك الذي أكل السمك وشرب اللبن ودخل الحمام قد أقنع الناس بأنه عاقل موفور العقل، ذكي موفور الذكاء. فلك أن تقرأ هذه الفصول إن أردت أن تلهو، ولك أن تهمل هذه الفصول إن كان وقتك أعز عليك من أن تنفقه في لهو الحديث، ولكن في جريدة «الشعب» فصلًا لم يُكتب لك ولم يُكتب لي، ولذلك ينبغي أن تقرأه كما قرأته أنا، أو ينبغي على كل حال أن تعرف خلاصة هذا الفصل، فهو خليق أن يُدرس وأن يُفكر فيه. لم يُكتب هذا الفصل لك ولا لي، وإنما كُتب للإنجليز.
    فإذا وجب عليك أن تقرأه متطفلًا، وجب عليّ أن أقرأه متطفلًا، فقد يجب على الإنجليز أن يقرؤوه مرة ومرة، وأن ينظروا فيه فيطيلوا النظر، وأن يتعمقوا فيه فيطيلوا الإمعان، فقد فتح الإنجليز على أنفسهم بابًا لست أدري أيستطيعون إغلاقه؟
    وبدأ الإنجليز يسلكون طريقًا لست أدري أيستطيعون المضي فيها؟ نقلوا مندوبهم السامي لأنهم راضون عنه، فهم يريدون ترقيته، أو ساخطون عليه، فهم يريدون تنحيته عن العمل في هذه البلاد. هذا حقهم لا ينازعهم فيه أحد، ولا يدافعهم عنه إنسان، ولكن الناس يتحدثون بأن الإنجليز قد تأمرهم نفسهم — والنفس أمّارة بالسوء — أن يتخذوا نقل المندوب السامي وسيلة إلى التغيير في سياستهم المصرية، وأن يكون هذا التغيير سببًا إلى استقالة الوزارة. وهذا هو الباب المنكر الذي فتحه الإنجليز على أنفسهم، ويجب أن يسارعوا إلى إغلاقه.
    وهذه هي الطريق المنكرة التي بدأ الإنجليز يسلكونها، ويجب أن يتحولوا عنها مسرعين، فإن الوزارة المصرية ليست من هذه الوزارات الهينة اللينة التي يقول لها الإنجليز: قومي فتقوم، أو اقعدي فتقعد، أو اصعدي فتصعد، أو انزلي فتسرع إلى النزول. إنما هي وزارة حرة مستقلة، ووزارة قوية عزيزة، ووزارة أبية منيعة، قد عرف رئيسها كيف يوقف الإنجليز عند حدودهم، ويضطر «مكدونالد» إلى السكوت والسكون. وما زال رئيسها هو «صدقي باشا» لم يتغير ولم يتبدل، ولم يسعَ إليه ضعف ولم يأخذه وهن، ولن يعجزه غدًا كما لم يعجزه أمس أن يقول لـ «مكدونالد»: مكانك، لا تخطُ خطوة واحدة إلى الأمام، فإني لا أسمح لك بذلك ولا آذن لك فيه.
    وإذن فخليق بالإنجليز أن يتدبروا وأن يتفكروا، وأن يغيروا مندوبهم السامي ما أحبوا، وينقلوه إلى حيث أرادوا، ولكن بشرط ألا يمسوا السياسة المصرية ولو من بعيد، وألا يعرضوا ببقاء الوزارة المصرية أو ذهابها، فذلك ليس من شأنهم وإنما هو من شأننا. وكل أجنبي يعرض لشؤوننا فلا يلومن إلا نفسه حين تنزل به النوازل، وتطيف به النوائب، وتحدق به الأخطار من كل مكان. والإنجليز أعقل من أن يلقوا بأنفسهم إلى التهلكة، وهم أحرص على كرامتهم أن تُهان، وعلى دمائهم أن تُراق، وعلى قوتهم أن تضعف، من أن يعرضوا للوزارة المصرية فيشيروا إليها بالاستقالة من قريب أو من بعيد. هم أعقل من هذا كله لأنهم يعلمون أنهم إن طلبوا ذلك لم يُجابوا إليه، وإن ألحوا في ذلك ففي مصر قوة تثبت لقوتهم، ولعلها أن تردهم خاسئين.
    وليس من شك في أن هذا المقال فيه شيء من ريح الحرب، ومن يدري؟ لعل الذي كتبه أن يكون مجاورًا لوزارة الحربية أو كثير التردد عليها والإلمام بها، فهو لذلك مستشعر القوة والعزة، مقدر حظ مصر من البأس والبطش، ومن الاستعداد للطوارئ والقدرة على رد المغيرين. وليس من شك في أن هذا المقال خليق لهذا كله أن يقرأه الإنجليز وأن يتدبروه ويتفكروا فيه قبل أن تحدثهم أنفسهم بالتعرض للشؤون المصرية والتلميح إلى تغيير السياسة المصرية.
    ثم ليس من شك في أن من الواجب علينا نحن المصريين أن نقرأ هذا الفصل ونتدبره؛ فالإنجليز قوم مغرورون، أظهر عيوبهم الصلف والكبرياء والاعتداد بالنفس، ومن يدري؟ لعل هذا التحدي الذي تتقدم به إليهم صحيفة من صحف الوزارة، بل صحيفة رئيس الوزراء، أن يغيظهم ويحفزهم ويدفعهم إلى قبول المعركة التي تُعرض عليهم، وإلى اقتحام الهول الذي يُردّون عنه. ومن يدري؟ لعلهم أن يشيروا إلى الوزارة بالاستقالة، فتأبى الوزارة، فيلح الإنجليز، فتغضب الوزارة، فتشب الحرب بين البلدين، وليست حرب الإنجليز سهلة ولا هينة. والمصريون قادرون عليها إن دعتهم الوزارة إليها، ولكن الحرب على كل حال خليقة أن يحتاط لها الناس. وإذن فينبغي أن نحتاط لنضمن الفوز ونأمن الهزيمة.
    أما الوزارة فمقال كاتبها يدل دلالة قوية على أنها متأهبة محتاطة، لا تخاف أن تؤخذ على غِرّة ولا أن تزول عن مواقفها، ولكن الأمة لم تُنبّأ بهذه الحرب ولم تُهيّأ لها، فلا بد من أن تحتاط منذ الآن، ولا بد من أن تستعد لآلام الحرب وآثامها. ونحن واثقون بشجاعة الأمة وصبرها على البأساء والضراء، واستعدادها لتأييد الوزارة وحمايتها بالأنفس والأموال.
    أرأيت أني لم أخطئ حين لخّصت لك هذا الفصل ودعوتك إلى التفكير فيه؟ فليس ينبغي أن يقرأه الإنجليز وحدهم فيستعدوا للهجوم، وأن يجهله المصريون وحدهم فلا يستعدوا للدفاع. والآن وقد قرأ الإنجليز هذا الفصل، وعرف المصريون خلاصة ما فيه، فالعالم بين اثنتين: إما أن يثوب الإنجليز إلى رشدهم فيؤثروا العافية ويجنحوا إلى سلم، ويدعوا الوزارة تصرف أمور مصر على أحسن حال في حرية واستقلال، وإذن فالعالم مطمئن راض، وإما أن تأخذهم العزة والكبرياء فيدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا ينبغي أن يعرضوا له، وإذن فأربعون قرنًا أو تزيد تنظر إلى المصريين من أعلى قمم الأهرام، ولن يكذب المصريون ظن هذه القرون. ولكن ويل للعالم من هذه الحرب المنكرة، وهل فرغ العالم من تلك الحرب الكبرى وآثارها ليتورط في حرب أخرى أعظم منها شرًا وأقبح آثارًا؟
    وبعد، فحديث مطمئنين هذا الكلام الذي نشرته صحيفة الوزارة، أم حديث قوم فقدوا الاطمئنان وفقدوا مع هذا الاطمئنان شيئًا آخر؟ وبعد، فحديث صحيفة تعبر عن وزارة قائمة هذا، أم حديث قوم يهذون ولا يقدرون ما يقولون؟ وبعد، فهل بلغ من ضعف الوزارة واستسلامها وإذعانها للأحداث وتصاريف الخطوب أن تدع كتابها يدافعون عنها بمثل هذا اللغو، ويذودون عنها بمثل هذا الهذيان؟ وبعد، فقد آثرت الوزارة الصمت، وهو خير ما تؤثره، فهلا أمرت كتابها أن يؤثروا الصمت عن هذا الموضوع وأن يخوضوا في غير هذا الحديث؟ فإذا لم يكن بد من أن يقولوا فيه، فهلا أمرتهم الوزارة أن يقولوا ما لا يضحك وما لا يدعو إلى هز الرؤوس ورفع الأكتاف؟
    وبعد، فماذا تخاف الوزارة وماذا يخاف أنصارها؟ وأي بأس عليها وعليهم من أن يصيبها ما يصيب الوزارات كلها؟ فكل وزارة ذائقة الاستقالة، والمناصب — كما تقول «المقطم» — تقليد لا تخليد. وما دام في الناس رمق من الحياة فلهم حظ من أمل، فلتصبر الوزارة على ما يمكن أن يلم من خطوب، ولتأمل الوزارة فيما يمكن أن يتاح من خير، فلم يقل أحد من خصومها ولا من أنصارها — بالطبع — إن الإنجليز سيأمرونها بأن تستقيل، ومتى أمر الإنجليز وزارة مصرية بأن تستقيل؟ لم يفعلوا ذلك قط، لا في أيام الاحتلال، ولا في أيام الحماية، فهم أجدر ألا يفعلوه في أيام الاستقلال. لم يكن إليهم في يوم من الأيام إقالة الوزارات المصرية أو توليتها، فلتطمئن الوزارة وليطمئن أنصارها، فلن يكون عليها — إن شاء الله — بأس من الإنجليز، ولن يأمرها الإنجليز بأن تستقيل، ولن تحتاج إلى أن تقاوم الإنجليز، ولا أن تأبى الإذعان لهم.
    ولكن من الذي زعم أن الوزارات المصرية لا تستقيل إلا إذا صدر إليها بذلك الأمر من الإنجليز؟ ما أسخف هذا الإنذار الذي ازدانت به «الشعب» صباح اليوم!
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٨-١٩٣٣.
    [2] قالت صحيفة الأهرام (١٨ – ٨ – ١٩٣٣) ما نصه: جاء في التصريح الذي فاه به المستر مكدونالد رئيس الوزارة البريطانية في لندن أن الحكومة البريطانية أرسلت تعليمات إلى السير برسي لورين المندوب السامي في مصر، يطلب منه فيها أن يبلغ صدقي باشا رئيس الوزراء أنها تعدّه مسؤولًا عن حماية أرواح الأجانب وممتلكاتهم في مصر. وأن السير برسي كُلِّف أيضًا بإبلاغ النحاس باشا أنه يجب حل مشاكل مصر الداخلية بدون أن تتعرض أرواح الأجانب ومصالحهم للخطر، وأنها تعدّه مسؤولًا مع الحكومة إذا تعرضت تلك المصالح والأرواح للخطر. وقد أبلغ فخامة المندوب السامي هذا التصريح لحضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا رئيس الوزراء، وقد دُعي دولته وسعادة الدكتور حافظ عفيفي باشا لتناول الغداء في دار المندوب السامي. وفي هذا اللقاء تم وضع رد الوزارة على تصريح مستر مكدونالد، ومما جاء فيه: ترى الحكومة المصرية — ولم يكن يسعها إلا أن ترى — في التبليغ الذي تفضلتم بإرساله أن الموقف الذي اتخذته الحكومة البريطانية أخيرًا لا يكاد يتفق مع تصريحاتها المتكررة بأنها «ستراعي بالنسبة لمسائل مصر الداخلية مقتضيات الحياد الدقيق». فإذا كانت الحكومة البريطانية تقف على الحياد، ولا تتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، فكيف نوفق بين هذا الزعم وتصريح إسماعيل صدقي باشا المنشور في صحيفة البلاغ (٢ – ٩ – ١٩٣٣) وهو: «كل ما أرجوه أن يتابع المندوب السامي الجديد سياسة السير برسي لورين، ألا يحدث أي تبدل في السياسة الإنجليزية، لأن السياسة الحاضرة توافق مصر»؟

  • آمال

    آمال
    بدا لرئيس الوزراء فاستبدل سفينة بسفينة، وقدم عودته يومين بعد أن قدمها نصف شهر. ولعل رئيس الوزراء أن يبدو له مرة أخرى فيستبدل سفينة بسفينة، ويقدم عودته ساعات أو يقدمها يوما أو يقدمها يومين أو أياما. فقد يظهر أن الحاجة إلى الإسراع ملحة، وقد يظهر أن الضرورة إليه ماسة، وقد يظهر أن صحة الرئيس لو سمحت له أن يطير بجناح أو جناحين أو أجنحة لما تردد في العودة على متن الهواء مكان العودة على متن الماء.
    والناس لا ينتظرون من هذا الإسراع والرغبة فيه والإلحاح في هذه الرغبة خيرا، ولا يلقون هذا النحو من التعجل بما ينبغي من التفاؤل والاستبشار. فهم كانوا يعلمون أن وزيرهم الأكبر مستريح إلى الجو الأوروبي، محب للاستمتاع بما فيه من هواء وماء، ومن اعتدال يبعث النشاط ويدعو الشفاء. فلما علموا أنه قد كره هذا الجو فجأة وزهد فيه على غير انتظار، لمسوا لذلك العلل، وبحثوا عن الأسباب فلم يجدوا شيئا في حياة مصر، ولا في حياة الوزارة يدعو إليه أو يبعث عليه.
    وقد قال قائلهم إن الرئيس كان شديد الرغبة في العودة إلى مصر منذ وقت طويل لأسباب منها ما يمس الحياة المصرية، ومنها ما يمس الحياة الدولية. فقد راعته قصص التبشير والمبشرين، وكأن سياسة الوزارة في هذه القصة لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فهو حريص على أن يشرف عليها بنفسه من كثب، لتنبت الملاجئ في الأرض كما ينبت الزرع، ولكن في غير ريث ولا إبطاء، ولتغلق بعض المعاهد التي لم تستطع الوزارة إغلاقها إلى الآن.
    وقد عرف رئيس الوزراء أن اضطراب الأمن قد ازداد حتى أصبح مقلقا مزعجا، وأن سياسة الوزارة في إقراره وتهدئة نفوس الناس هؤلاء لم تبلغ من نفسه كل الرضا، فأراد أن يشرف على هذه السياسة بنفسه من كثب، لتستقر قلوب الناس في صدورهم، وعقول الناس في رؤوسهم، ولتجري دماء الناس في عروقهم دون أن تخاف أن تنشق عنها هذه العروق.
    وعرف رئيس الوزراء فيما يظهر قصة هذه السحابة التي خرجت من بلاد اليمن فأظلت بلاد العرب كلها، وأخذت بروقها ورعودها تنذر بالويل في النهار والليل، وتنبئ الناس بأن حربا ضروسا قد تشب بين الملكين العربيين، فتذيق المسلمين من آثارها شرا عظيما، ونكرا شديدا ونكدا مقيما. فأثر رئيس الوزراء أن يسرع في العودة إلى مصر، لتسعى الوزارة المصرية بين الملكين بالصلح كما سعى هرم بن سنان بين عبس وذبيان، أو لتدبر الوزارة المصرية لمصر حيادا حازما صارما شريفا بين الملكين المختصمين إن لم توفق إلى فرض التحكيم والسلام.
    ورأى رئيس الوزراء فتنة الآشوريين في العراق وما نجم عنها من الخلاف بين العراق وفرنسا، فأزمع العودة السريعة إلى مصر ليدخل بين الخصمين مدخلا حسنًا ينتهي بهما إلى الوفاق، ويريحهما من مشقة الاحتكام إلى عصبة الأمم في جنيف.
    قال قائل من الناس هذا الكلام وأشباهًا لهذا الكلام ليرد عن الناس هذا الخوف الذي غشيهم من تعجل الرئيس في الرجوع إلى مصر، وليلقي في روع الناس أن الرئيس مقبل عليهم بالخير كل الخير، والأمن كل الأمن، والبقاء في منصب الحكم إلى أن تمحى المعارضة محوًا، ويصبح الوفد حديثًا من حديث التاريخ. ولكن الناس كانوا يسمعون هذا الكلام بأذن ويخرجونه من أذن أخرى، ويقولون إن قصة التبشير قد طال عليها العهد، وبعد بها الأمد، وإن فساد الأمن قد طال عليه العهد وبعد عليه الأمد، فلو قد شاء الرئيس أن يعود لهذين الأمرين أحدهما أو كليهما لعاد منذ أمد بعيد.
    وما علمنا أن لمصر في جزيرة العرب ناقة ولا جملا، وما علمنا أن الوزارة المصرية تدخل بين المختصمين وغير المختصمين من المسلمين أو غير المسلمين. إنما مصر مقصورة على نفسها، مشغولة بهمومها الطارئة والمقيمة. فلن يعود رئيس الوزراء ليسعى بالصلح بين نجد واليمن، أو ليحمل الوفاق بين فرنسا والعراق. إنما يعود رئيس الوزراء ويسرع في العودة لأن حادثًا حدث لا ينبئ بخير.
    وهذا الحادث لم يأت من قبل الشرق ولا من قبل الجنوب، وإنما جاء من بلاد الإنجليز. وأي حادث جاء من بلاد الإنجليز إلا نقل المندوب السامي من القاهرة إلى أنقرة؟ فالناس إذن ملحّون في أن عودة رئيس الوزراء موصولة بنقل المندوب السامي، لا يريدون أن يغيروا رأيهم في ذلك، ولا أن يقبلوا فيه نصحًا ولا مشورة. ويظهر أن الوزارة، أو البيئات الوزارية على أقل تقدير، قد أحست خوف الناس هذا وأشفقت منه عليهم وعليها، فهي آمنة مطمئنة، لا تتعرض لخوف ولا تستهدف لمكروه.
    أحست خوف الناس وأشفقت عليهم منه، فأرسلت طيرًا تحمل إليهم الهدوء وتظلهم بأجنحة فيها الأمن والدعة، وفيها الطمأنينة والرضا. وقد أخذت هذه الطير تظهر في جو مصر منذ أمس، فتحدثت صحيفة من صحف المساء بأن المندوب السامي قد نقل، ولكن نقله ليس تامًا ولا كاملًا، وأنه سيذهب إلى أنقرة ولكن بعد أن يمر بمصر ويقيم فيها شهورًا ينهض في أثنائها بأعماله كلها كأن لم يكن نقل ولا ما يشبه النقل.
    فالمندوب السامي منقول ولكنه ثابت، مرتحل ولكنه مقيم، مفوض عند الترك، ولكنه مسلط على مصر. ومعنى هذا أن أمام الوزارة التي يحبها الناس ويفتدونها بالأنفس والأموال فسحة من الوقت وسعة من الحياة، فهي لن تدع الناس فجأة، ولن تخطف من بينهم كما خطف رئيس الوفد من بين أهل الصعيد في قطار سريع، ولكنها ستودعهم فتطيل الوداع، وستقدم إليهم وتقبل منهم من الهدايا ما تدوم به الذكرى ويتصل به الود.
    ومن يدري؟ لعل هذه الأشهر التي سيقيمها المندوب الثابت المنقول بيننا أن تكون فيها المفاوضة التي لا ريب فيها، وتمضي فيها المعاهدة التي لا بد منها. ثم يفترق الصديقان، رئيس الوزراء ومندوب الإنجليز، وقد أتما في آخر عهدهما بحياة أخرى ما لم يستطيعا أن يتمّاه حين كان السعد مقبلًا، والنشاط موفورًا، وأسباب القوة والبأس والسلطان ممدودة إلى أقصى غاية وأبعد مدى.
    وتحدثت صحيفة أخرى من صحف الصباح اليوم، نظنها «الأهرام»، وهل يصدر مثل هذا الحديث إلا عن «الأهرام»؟ تحدثت بأن رئيس الوزراء لا بأس عليه من مرض، ولا بأس عليه من استقالة، وبأنه قد اتصل دائمًا بالوزارة في مصر، وصرف دائمًا أمورها من بعيد، وأنه قد اشتاق إلى أن يدنو منها حتى يصبح قاب قوسين أو قاب إصبعين، ولهذا تعجل العودة، وهو مصمم على أن يمضي في طريقه بعد عودته، لا ينحرف عنها إلى اليمين ليستريح، ولا ينحرف عنها إلى الشمال ليستقيل، ولا يعنيه أن يذهب مندوب ويجيء مندوب، فالمندوبون كلهم عنده سواء.
    نشرت صحيفة أخرى من صحف الصباح، نظنها صحيفة «الشعب»، شيئًا آخر أجلَّ خطرًا، وأبعد أثرًا، وأدلَّ على ثبات القلوب واستقرار النفوس من هذا الذي أشرنا إليه ونشرته «المقطم» أمس و«الأهرام» اليوم. فقد زعمت «الشعب» أنها تحدثت إلى وزير، نعم إلى وزير، وإلى وزير مختص لا ينبغي التحدث إلى غيره في مثل هذا الموضوع، وهو وزير الخارجية الجديد. تحدثت إليه «الشعب» وتحدثت إليه «الاتحاد». فرأت «الشعب» ورأت «الاتحاد» أن وزير الخارجية لا يعلم من أمر المندوب السامي ونقله شيئًا أكثر مما تعلم «الشعب» وتعلم «الاتحاد» ويعلم مثلك ومثلي من قراء الصحف.
    وكان هذا الحديث من أشد الأحاديث نشرًا للاطمئنان السياسي في الجو المصري. وكيف لا نطمئن على بقاء الوزارة وثباتها، وعلى أن نقل المندوب السامي أمر عادي هين يسير ضئيل لا خطر له؟ وقد ظهر أن علم الوزراء به كعلم قراء الصحف، لا ينقص ولا يزيد. ولو قد كان له خطر ولو يسير لاستشيرت فيه الوزارة قبل أن يحدث، وهل رأيت دولة تغير ممثلها في بلد من البلاد دون أن تتفق مع الوزارة القائمة في هذا البلد؟ ولو قد كان له خطر ولو ضئيل لأنبئت به الوزارة بعد حدوثه. وما دامت الوزارة لم تُسأل فيه ولم تُنبَأ به فهو أمر لا خطر له ولا شأن.
    وأحمد من هذا في نشر الاطمئنان وتأمين الناس على بقاء الوزارة المحبوبة أن «الشعب» سألت وزير الخارجية، وسألته معها «الاتحاد»: هل صحيح ما تقوله بعض الصحف الإنجليزية من أن نقل المندوب السامي لا يدل على تغيير السياسة الإنجليزية في مصر؟ فأجاب الوزير بهذا الجواب الطريف الذي لا يصدر إلا عن وزراء الخارجية، والذي يصور الثقة كل الثقة، والأمن كل الأمن، والاطمئنان كل الاطمئنان. أجاب: ولم لا يكون صحيحًا؟
    وكان جواب الوزير سؤالًا، وكان من الحق أن تجيب عليه «الشعب» وأن تجيب عليه «الاتحاد»، ولكنهما لم تفعلا، لأن علم هذا السؤال وجواب هذا السؤال ليس عندهما ولا عند وزير الخارجية، ولا عند الصحف الإنجليزية، وإنما هو عند قوم آخرين لم يفصحوا عنه بعد، ولعلهم يفصحون عنه بعد أن يعود رئيس الوزراء.
    ومهما يكن من شيء فقد مضت هذه الطير التي أخذت تُرسل في الجو منذ أمس لتطمئن الناس على بقاء الوزارة وتملأ قلوبهم هدوءًا واستقرارًا. وأكبر الظن أن طيرًا أخرى سترسل في أثر هذه الطير. وأنك لن تسمع بعد أيام إلا صيحة تملأ الجو المصري وتصم الآذان المصرية، وهي أن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى منها في هذه الأيام. وكذلك يصدق الشاعر القديم حين يقول:
    وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل
    وتصدق الشاعرة القديمة حين تقول:
    ولولا كثرة الباكين حولي … على إخوانهم لقتلت نفسي
    وكل ما نرجو هو أن يخلص الجو المصري، ولو أيامًا، لطير الأمل هذه، وألا تظهر فيه طير أخرى ترسلها صحف الإنجليز أو وزارة الخارجية الإنجليزية، منذرة باليأس، وداعية إلى القنوط، ومهيبة ببعض الأنصار والأولياء لينجو من استطاع النجاة.
    كوكب الشرق في ١٦-٨-١٩٣٣.

  • تنافــس

    تنافس
    هما حزبان شقيقان لأم وأب لم يقع بينهما خلاف، ولن يقع بينهما خلاف. لم تكن بينهما فرقة ولن تكون بينهما فرقة. أصدق تصوير لما بينهما من ألفة ومودة، ومن صلة لن تنقطع وحب لن يصيبه الصدأ هو قول الشاعر القديم:
    رضيعي لبان ثدي أم تقاسما
    بأسحم داج عوض لا نتفرق ولا يتفرق الحزبان إن شاء الله فقد نهضا بالحكم معا، وأقاما في الحكم معا، وسينزلان عنه معا يوم تتحقق نبوءة «الديلى تلغراف» أو قبل ذلك بقليل، أو بعد ذلك بقليل. وسيذوقان معا لذة البعد عن الحكم كما ذاقا معا لذة القرب منه والبقاء فيه. ولكن من الذي يستطيع أن يزعم أن التنافس لا يكون بين الأشقاء فالتنافس ظاهرة من ظواهر الحياة، ودليل من أدلة القوة وأثر من آثار النشاط.
    وحزب الاتحاد قوي من غير شك، لأن بين أعضائه وزير التقاليد وحزب «الشعب» قوي جدا لأن زعيمه رئيس الوزراء. وحزب الاتحاد قوي جدا لأن زعيمه رئيس الشيوخ. وما دام الحزبان الشقيقان قويين إلى هذا الحد الذي يتجاوز كل حد فلا بد من أن يظهر بينهما التنافس ليتبين الناس أي الوزيرين أجدى على حزبه وأنفع له أوزير الزراعة على حزب الشعب أم وزير التقاليد على حزب الاتحاد؟ وليتبين الناس أي الرئيسين أكثر بركة وأوسع نعمة على حزبه: أرئيس الوزراء لحزب الشعب أم رئيس الشيوخ لحزب الاتحاد؟ وهذا التنافس ينفع ولا يضر، ويحسن ولا يسيء. فقد يكون التنافس في الخير، كما يكون التنافس في الشر. وقد يكون الاستباق إلى النفع، كما يكون الاستباق إلى الضر. تنافس في النفع كما يكون
    وحزب الشعب والاتحاد شقيقان لم يختلفا ولن يختلفا، صديقان لم يتباغضا ولن يتباغضا. وكلاهما جاد في خدمة مصر، حريص على نفعها، فإذا تنافسا فلن يكون
    تنافسهما إلا في الخير، وإذا استبقا فلن يكون استباقهما إلا إلى النفع والبر والمعروف. وإذن فلا بد من أن يتنافسا وقد تنافسا في هذين اليومين، فوزير التقاليد مسافر إلى أوربا ليستشفي ويستريح، وقد يبحث في أثناء ذلك عن أعضاء أجانب للمجمع اللغوي، فيجب أن يسافر وزير الزراعة إلى أوربا ليستشفي ويستريح، ولعله يبحث في أثناء ذلك عن نوع من أنواع القطن، ولون من الألوان الكتان أو فن من فنون تجفيف التمر، أو ضرب من ضروب تصفية العسل. فوزير التقاليد يغذي العقول، ويحمي الأخلاق. ووزير الزراعة يغذي الأجسام ويحمي الجلود من البرد والقيظ وكلاهما خليق أن يفكر في الناس إذا استشفى واستراح. وقد شعر حزب الاتحاد بخطر هذه الرحلة التي هم بها وزير التقاليد فاحتشد لتوديعه واحتفل لتشجيعه وألقى خطبا وشرب الشاي فشعر في الحال حزب الشعب بخطر الرحلة التي هم بها وزير الزراعة فاحتشد للتوديع واحتفل للتشييع، وقال كلاما وسمع كلاما ولكنه سبق حزب الاتحاد بعض السبق، فلم يشرب الشاي ولم يسقه للناس وإنما تعشى وعشى الناس.
    ومن هنا كان حزب الشعب أكرم من حزب الاتحاد أو أغنى من حزب الاتحاد، فطعام العشاء شيء، وتناول الشاي والحلوى شيء آخر. والعشاء أطول بقاء في البطون وأعسر هضما. والشاي قصير البقاء، يسير الهضم. فحزب الشعب متفوق من الناحية المادية على حزب الاتحاد. وهذا طبيعي لا غبار عليه. فقد قلنا إن حزب الشعب مستأثر بوزارة الزراعة، ووزارة الزراعة مسيطرة على ما تخرج الأرض من النبات وما تغذو الأرض من الضأن والمعز ودواجن الطير وما تثمر الأرض من الفاكهة والعنب.
    ولكن حزب الاتحاد تفوق على حزب الشعب من ناحية أخرى، هي الناحية العقلية، فقد كان خطباء الاتحاديين أكثر من خطباء الشعبيين. ولم يخطب في الحفل الشعبي إلا وزير واحد، هو زعيم حزب الشعب ووزير ما تخرج الأرض وما تغذو من النبات والحيوان والثمرات.
    وإذن فالحزبان متكافئان، يتفوق أحدهما في تغذية الأجسام، ويتفوق الآخر في تغذية العقول. ثم يتكافأ هذان النوعان من التغذية فإذا الحزبان ما يزالان كما كانا من قبل، وكما سيكونان دائما فرسي رهان، لا يسبق أحدهما إلا ريثا يلحقه صاحبه.
    وكان الموضوع الخفي الذي من أجله احتفل الحزبان هو تلك الرسالة المشئومة، رسالة الديلى تلغراف . فلم يكن بد من أن يتنافس الحزبان في الرد على هذه الرسالة وإقامة الأدلة الواضحة والبراهين الفاضحة على أن هذه الرسالة سخف من السخف، وهذيان من الهذيان، لا تغير من موقف الوزارة شيئا، لأن موقف الوزارة ليس رهينا بما تقوله الصحف في مصر أو في بلاد الإنجليز، إنما هو رهين بشيء آخر يعرفه الناس جميعا. وقد أعلنه رئيس الوزراء ألف مرة ومرة، وهو رضا جلالة الملك وثقة البرلمان. ولم يكن بد من أن يستبق الحزبان إلى البراعة في الرد على هذه الرسالة، وقد استبقا والغريب أنهما تكافآ في هذا أيضا. فلم يتفوق أحدهما على صاحبه قليلا ولا كثيرا. ولم يسبق أحدهما صاحبه قيد إصبع أو جناح ذبابة كما يقولون. ولم يفتح الله على أحد الحزبين المتنافسين بأن يزيد على ما قاله رئيس الوزراء ألف مرة ومرة حرفا واحدا، وإنما أراد الحزبان المتنافسان أن يصطنعا فنونا من البيان في التعبير عن هذا الموضوع. والغريب أنهما تكافآ في هذه الفنون أيضا. فقد أراد وزير التقاليد أن يسخر من كتاب الإنجليز، ومن المعارضين المصريين، فاصطنع الأدب الذي لا يشبهه أدب، والظرف الذي لا يشبهه ظرف وارتفع عن لغة العامة إلى لغة الخاصة، وعن لهجة الشعب إلى لهجة الوزراء. فقال إن هؤلاء الكتاب الإنجليز يضحكون من ذقون الأغرار المعارضين. وأراد وزير الزراعة أن يذم هؤلاء المعارضين ذما سياسيا نزيها نظيفا بريئا عفيفا لا يصدر إلا عن أصحاب الثقافة العليا والألسنة الطاهرة والطباع السمحة والترفع عن الفحش، فقال إن غير الشعبيين والاتحاديين قد أعمت بصائرهم الشهوات والمصالح الخاصة، فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. فكلا الوزيرين كما رأيت فرسي رهان في كل شيء، لا يكاد أحدهما يبلغ الغاية حتى يكون الآخر قد بلغها. ولن يظفر الحزبان فيما يظهر بنتيجة حاسمة لهذا التنافس فيستبقان دائما دون أن يسبق أحدهما صاحبه. وسيتنافسان دائما في الخير والمعروف دون أن يتفوق أحدهما على صاحبه في الخير والمعروف. وستستفيد مصر من هذا التنافس المتصل والسباق الذي لا ينقطع وستجني من غير شك منه ثمارا عذبة في الذكاء والمهارة، وفي النبوغ والبراعة، وفي أدب اللفظ وعفة اللسان. وسنتعلم كيف نذكر الضحك من الذقون، وكيف نصف الخصوم السياسيين بأن الشهوات والمصالح قد أعمت بصائرهم فضلوا الطريق، وراحوا يتخبطون. وإذا لم تقتد مصر بوزرائها فبمن تقتدي؟ وإذا لم تقلد مصر وزير التقاليد فمن تقلد؟
    والظريف من أمر هذا التنافس أنه لم يأت بشيء جديد، فقد عرف الناس رأي الوزارة في مكتب الديلى تلغراف وصدقوه وآمنوا به واستيقنوا أن الوزارة أثبت من المقطم، وأرسخ من الأهرام. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأنها قد قدمت لمصر ما لم تقدمه إليها وزارة أخرى من النعم والآلاء فأنقذتها من الجوع وبرأتها من المرض، ورفعت رأسها، وحفظت كرامتها، وردت عنها عدوان الأجانب وصدت عنها طغيان الإنجليز. وقد عرف الناس رأي الوزارة وصدقوه، وآمنوا بأن الأمة قد منحتها الثقة والتأبيد، واختصتها بالمودة والحب، وكانت الإسكندرية أسبق المدن المصرية إلى الثقة بالوزارة والإيمان لها وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت الإسكندرية أحرص المدن المصرية على حب الوزارة وتأييدها، وفدائها بالأنفس والأموال. وما زالت كل مدينة مصرية يخطب فيها وزير أسبق المدن المصرية إلى حب الوزارة وأحرصها على فدائها بالأنفس والأموال.
    ومصر كلها أسبق من مصر كلها إلى حب الوزارة وأحرص من مصر كلها على فدائها بالأنفس والأموال. ومن يدري؟ لعل الحزبين الشقيقين الذين لم يتفرقا ولن يتفرقا لا يتنافسان إلا في الكلام، وما أيسر التنافس في الكلام وما أنفعه وأجداه فإنه يضحك ويسلي الهم ويهون احتمال الآلام.
    كوكب الشرق ٢٩ — ٧ — ١٩٣٣

  • شكوى

    شكوى
    أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
    فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
    هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
    فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
    القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
    فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
    من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
    الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
    ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
    فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
    اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
    كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣