Tag: ضعف الحكومة

  • غدا | Tomorrow

    حديث الوادي
    غدا . . .

    غدا يتبين الرشد من الغي، وينسل النور من الظلام، ويعلم قوم أين يكون الحق، وأين يكون الباطل، وأين يكون الذين يعللون أنفسهم بالآمال والأماني، وأين الذين لا يقولون إلا عن ثقة، ولا يعملون إلا عن يقين.

    غدا يتبين أنصار الوزارة القائمة أنها إن كانت الآن شيئا، أو إن لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فستصبح في يوم من الأيام وهي حديث من الأحاديث، وخبر من الأخبار، وذكرى من الذكريات.

    في مثل هذه الأيام من العام الماضي كان صدقي باشا في باريس، يصطاف، ويستريح، وينشر في الجو أحاديث تدل على القوة التي لا حد لها، كما تدل على الضعف الذي لا حد له، تدل بالضبط على الاضطراب، وفقد الصواب، وضياع الاتزان السياسي الذي يجب أن يتمتع به رؤساء الوزارات.

    كان يتحدث إلى هؤلاء، بأنه عائد إلى مصر وقد يرفع استقالته، وكان يتحدث إلى أولئك بأنه عائد إلى مصر وقد لا يستقيل، وكان يقول لهذا المكاتب من مكاتب الصحف، إن وزارته لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، وكان يقول لمكاتب آخر إنه لا يفهم لماذا تستقيل الوزارة ما دامت مستمتعة بثقة البرلمان وعطف الملك. وكان يقول لهذه الصحيفة الأجنبية، إنه ينتظر أن يفرغ بال الإنجليز من مشكلاتهم العامة ليتحدث إليهم في المشكلات الخاصة.

    وكان مكاتب الديلي تلغراف في القاهرة يبرق إلى صحيفته بأن وزارة صدقي باشا غير مرغوب فيها، وكان صدقي باشا يبرق إلى الديلي تلغراف، بأن مكاتبها كان قاسيا ظالما، متجاوزا للحق متجنبا للصواب.

    وكان الوزراء هنا يعلنون الثقة ببقائهم في مناصبهم، ويضمرون الخوف من نزولهم عن مناصبهم، وكانوا إذا تحدثوا إلى الناس أو خطبوا فيهم، أظهروا القوة والبأس وهاجموا الديلي تلغراف وما يشبهها من الصحف. كانوا إذا خلوا إلى أنفسهم أداروا أمورهم بينهم وجلين، واستعدوا لغدهم متحفظين. وكانت صحف الوزارة تذهب مذهب الوزارة، فتصور الأمر لقرائها على غير وجهه وتزعم أن الوزارة باقية في مناصبها، ما وثق بها البرلمان، حتى إذا خلا كتابها إلى أنفسهم دقوا يدا بيد، وأجهدوا أنفسهم ليتبينوا من أين تأتي الريح.

    ثم أقبل صدقي باشا فاستقال، وترك له جلالة الملك أن يقدر الأمر ويرى أتسمح له صحته بالعمل أم تريده على الراحة؟ فاستحيا، واستخذى، وتراجع، واستكان، وتكلف استشارة الأطباء، وأعلن أنه قادر على العمل، ومضى في الوزارة، وزعم أنه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مما كان في تلك الأيام.

    ثم لم يمض أسبوعان حتى هوى صدقي باشا من القمة إلى الحضيض، كان كل شيء، فأصبح وهو لا شيء. كان قوة كله، فأصبح وهو ضعف كله، كان جبارا فأصبح خاضعا لأضعف الوزارات وأعجزها عن الجبروت. وهم أن يعتز بالنظام الذي وضعه والبرلمان الذي جمعه فخذله النظام، وتخلى عنه البرلمان. ثم تفرق عنه أعضاء حزبه، وأصبح طريدا من الهيئات السياسية كلها، لا يأوي إلى ركن، ولا يعتز بنصير.

    بدأت هذه السلسلة في مثل هذه الأيام من العام الماضي وكان رئيس وزرائنا الرجل الطيب، غائبا في باريس يصطاف ويستريح. فلما كان ذات صباح أو ذات مساء جاءه البرق بأنه قد أصبح رئيس وزراء. ولم يكن الرجل ينتظر هذا ولا يفكر فيه، ولكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

    وفي مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان اضطراب ظاهر في التمثيل السياسي لإنجلترا في مصر، مندوب ينقل، وآخر يختار، ثم يقال إن المندوب المنقول، سيعود إلى عمله حتى يأتي المندوب الجديد، وكان هذا كله يحدث في الجو المصري اضطرابا واختلاطا، ويملؤه بالأنباء والإشاعات وكان المخاصمون للوزارة يقرأون، ويسمعون، ويصورون الأمور لقرائهم كما يرونها لا يزيدون فيها وقد ينقصون منها، لأنهم كانوا يتحفظون، ويكرهون أن يقال إنهم يتعجلون الحوادث ويستحثون الأيام. فماذا يحدث الآن؟ وماذا يقال؟ وماذا ينشر هنا وهناك.

    كل شيء يصور وزارتنا القائمة ضعيفة أشد الضعف وإن زعمت أنها قوية أعظم القوة، عاجزة أشنع العجز وإن زعمت أنها قادرة أبرع القدرة. مضطربة أقبح الاضطراب، وإن زعمت أنها ثابتة أحسن الثبات، هي مؤمنة بقوتها، إذا تحدثت إلى الناس ولكن الله وحده يعلم، والراسخون في العلم يقولون، إنها إذا خلت إلى نفسها لم تجد حلاوة هذا الإيمان ولا حرارته، ولا ما يبعث الثقة في النفوس، والاطمئنان في القلوب.

    وصحف الوزارة تظهر الأمن والرضى، والثقة بغد وبعد غد، ولكن كتابها إذا خلوا إلى أنفسهم، أو تحدثوا إلى الناس سألوا أين هم، وماذا يراد بهم، وأين يكونون غدا. والمندوب السامي يسافر في إجازة كانت قصيرة فيما يقال فإذا هي تطول وكان يراد أن ينوب عنه رجل من أهل داره، فإذا الذي ينوب عنه رئيس القسم المصري في وزارة الخارجية. والصحف الإنجليزية تكتب من عند نفسها أو من عند وزارة الخارجية، أو من عند مكاتبيها في مصر، إن طوارئ قد تطرأ، وملمات قد تلم، وإن التمثيل الإنجليزي في مصر يجب أن يكون قويا، حازما، عازما، قادرا على التصرف السريع حين تطرأ الطوارئ، أو تلم الملمات.

    والصحف الإنجليزية الكبرى تنشر لمكاتبيها في مصر كلاما عن ضعف الوزارة القائمة وشحوب لونها السياسي، وذهاب التضامن بين أعضائها، ووجوب التغيير والتبديل:
    إما غدا زعموا أو لا، فبعد غد.

    ثم يراد من المصريين بعد هذا كله أن يناموا، وأن يؤمنوا بأن الأمور كلها مستقيمة، وأن الأحوال كلها هادئة، وأن الحياة المصرية لم تكن في يوم من الأيام مستقرة كما هي الآن، لولا فيضان النيل، وفساد الآداب على ساحل البحر، وتأليف جماعة الشبان المصريين.

    هؤلاء الوزاريون أصحاب سذاجة لا حد لها، يحسبون أن أمتهم من البله والغفلة، بحيث يخدعها لعب الأطفال، وعبث الإغراء. لو أن الأمور هادئة مستقيمة، والحياة صالحة مستقرة لما اضطربت العقول إلى هذا الحد، ولما اختلطت أمور السياسة إلى هذا الحد، ولما نشأت هذه الأنباء من الهواء فليس المصريون هم الذين خلقوا الطوارئ وحديثها، وليس المصريون هم الذين ندبوا المستر بترسون لينوب عن المندوب السامي، وليس المصريون هم الذين قالوا للتيمس والديلي تلغراف وغيرهما من الصحف ما أذاعت وما لا تزال تذيعه من حين إلى حين، لم يفعل المصريون شيئا من هذا كما أنهم لم يدعوا العفاريت إلى تلك الدار التي ظهرت فيها العفاريت منذ أيام. وكما أنهم لم يأمروا النيل أن يسرف في الفيضان. فإذا كان الوزاريون يريدون أن يخفوا الحقائق الواقعة على أنفسهم ويحبون أن يخفوا رؤوسهم، حتى لا يروا ما قد تقبل به الأيام، لأنهم محتاجون إلى هذه الشجاعة التي تمكنهم من مواجهة الحقائق، ومن الإيمان بأن الأيام دول، وبأن المناصب تقليد لا تخليد، كما تعودت المقطم أن تقول. إذا كان الوزاريون على هذا النحو من الضعف والخوف والاضطراب فلينعموا بضعفهم وخوفهم، واضطرابهم ولكنهم يسرفون على أنفسهم إن ظنوا أن المصريين جميعا مثلهم يضعفون أمام الحقائق الواقعة ويخافون من الطوارئ الممكنة، ويضطربون أمام المفاجآت.

    كلا. إن المصريين ما زالوا يذكرون أمس القريب وقد فهموا دروسه أحسن الفهم وهم لذلك يرقبون غدا، وقلوبهم مطمئنة، وآمالهم مشرقة، ونفوسهم راضية، لا لأنهم يخدعون أنفسهم، ويظنون أن الغمة قد تنجلي مفاجأة وعلى غير انتظار، بل لأنهم أيقاظ غير نيام، وحذرون لن يؤخذوا على غرة، ولأنهم يعرفون حقهم، ويصرون على أن يستمسكوا به، ويأبون إلا أن ينتبهوا إليه.

    هم لا يخافون الغد، كما أنهم لم يفرقوا من أمس، هم واثقون بأن الأمة إذا أرادت شيئا فهي منتهية إلى ما تريد، سواء أرضى الطغاة والمستعمرون أم كانوا ساخطين.

    فلننتظر غدا ولينتظره الوزاريون فما نشك في أن قوما سيضحكون من قوم، وما نشك في أن قوما سيشفقون على قوم إشفاقا تصحبه ابتسامة، فيها شيء كثير من الازدراء. . .

    طه حسين
    الوادي، ٢٩/ ٨ / ١٩٣٤.

  • قصور | Shortcomings

    حديث المساء: قصور

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أبريل ١٩٣٤

    قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

    فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

    أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

    وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

    وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

    وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

    مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

    ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

    ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

    وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

    سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

    ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

    ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

    وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

    ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

    وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

    لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

    فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

    والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

    سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

    هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

    ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.

  • مريض | A Sick Man

    حديث المساء: مريض

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٠ ديسمبر ١٩٣٣

    ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

    في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

    أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

    ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

    ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

    وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

    هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

    ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

    وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

    أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

    سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

  • خاتمة٣ | A Conclusion (3)

    خاتمة
    المصريون جميعًا قلقون وجلون! لا يستقر لهم نهار، ولا ينام لهم ليل. وما أظنهم عرفوا عيدًا كهذا العيد، لم ينعموا فيه بلذات الحياة، ولم يسعَ فيه بعضهم إلى بعض بما تعودوا أن يسعوا به من التحية والتهنئة؛ لأنهم عن العيد ولذاته وتحياته في شغل شاغل بهذا الهم الملم، والبلاء الذي ليس فوقه بلاء…! استغفر الله — بل أنا أذكر عيدًا شُغل فيه المصريون عن لذة الحياة وعن التحية والتهنئة.
    كان ذلك قبل الحرب الكبرى، حين شبت نار الحرب بين تركيا ودول البلقان، وحين دنت جيوش البلقان من قسطنطينية وعرضت دار الخلافة لخطر. هنالك شُغل المصريون عن العيد، واتصلت نفوسهم بعاصمة الخلافة، يشفقون عليها ويتمنون لها النجاة. وقد استجاب الله يومئذ لهذه النفوس، فلم تقتحم جيوش العدو خطوط المسلمين، وذاق المسلمون لذة الحياة فيما بقي من أيام العيد..!
    أما عيدنا هذا الذي نحن فيه، فقد شُغل المصريون عنه شغلًا متصلًا. ومع أن الصحف لم تنقطع، بل أخذت تنقل إليهم الأنباء وتذيع فيهم الأخبار، فقد ظلوا قلقين مضطربين، تترجح نفوسهم في السماء بين اليأس والرجاء: أي الخصمين ينتصر في هذه الحرب الضروس التي تشب نارها، ويتلظى أوارها حول سمنود..؟ أهو الجيش الظافر أم هو الرئيس الزائر…؟
    وقد سكتت القيادة العليا في وزارة الداخلية، فلم تصدر بلاغات رسمية عن تفصيل الهجوم والدفاع، وما كان فيهما من صراع. وأخذت صحف الوفد وحدها تقول، فتفصل القول، والناس يقرأون، ويخافون على جيش الدولة، ويتوقعون شرًّا من هذا الصمت الذي أغرقت فيه الدولة إغراقًا شديدًا..!
    وقد استمرت هذه الموقعة ثلاثة أيام، وانتهت بعد ظهر أمس، وعاد رئيس الوفد إلى القاهرة يحيط به عشرة من كبار الضباط، ومن ورائه قطار مسلح، وعن يمين القطار وشماله جنود منثورة، وبنود منشورة! فخيل إلى الناس حين وصل رئيس الوفد إلى محطة القاهرة أن جيشنا الظافر قد ظفر، وأن قيادتنا العليا ستصدر بلاغًا رسميًّا تطمئن له القلوب بين الجنوب، وتعلن فيه الدولة هذا الفوز الباهر، وأنها قد أنهت الموقعة كلها، وجاءت برئيس الوفد أسيرًا إلى العاصمة…!
    ولكن القيادة العليا ظلت مغرقة في الصمت، فلم تقل شيئًا، وظلت مغرقة في السكون فلم تصنع شيئًا! وانطلق رئيس الوفد حيث شاء، وسينطلق رئيس الوفد حيث يشاء، ومن حوله العيون والرقباء، على أن لا يبرح القاهرة، وإلا تجددت الحملة، وعُبِّئ الجيش والشرطة مرة أخرى.
    وإذن فأي الخصمين انتصر؟ هل انتصرت الحكومة فجاءت بخصمها أسيرًا؟ هل انتصر رئيس الوفد فذهب وجاء كما شاء؟ مسألة فيها نظر.. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن قلب وزير الداخلية قد استقر بين جنبيه منذ أمس؛ وليس هذا بالشيء القليل، فأنت تعرف أن قلب وزير الداخلية إذا خفق خفق له قلب مصر، وإن جبين وزير الداخلية إذا تقطب تقطب له جبين مصر، وأن سعادة مصر كلها رهينة برضى وزير الداخلية، وشقاء مصر كلها رهين بغضب وزير الداخلية.
    فيجب الآن أن تهدأ مصر، لأن وزير الداخلية قد هدأ! ويجب الآن أن تسعد مصر، لأن وزير الداخلية قد رضي! ويجب الآن أن ترفع الأعلام، وتزدان المدن والقرى، لأن وزير الداخلية قد انتصر، ولأن رئيس الوفد قد وقع أسيرًا في يده…!
    ألست ترى أن الأمر قد بلغ من الهزل أقصاه؟! وانتهى من السخف إلى غايته؟! في مسرح برلمان حقًّا؟! وإذن فهل يريد هذا البرلمان أن يكون تابعًا مطيعًا لحكومته الرشيدة، سعيدًا أن ظفر من هذه الحكومة بالثقة؟
    لو أن هذا العبث الذي ليس إلى وصفه سبيل وقع في بلد يقدر كرامته ويحرص على هيبة الحكومة فيه، لأدت الوزارة عنه أمام البرلمان حسابًا عسيرًا، أشد العسر. ولاضطرت الوزارة أمام سخط البرلمان إلى أن تستقيل، فإن لم تفعل أقيلت وأكرهت على أن تنزل عن مناصب الحكم.
    فالناس جميعًا يعلمون أن الوزارات إنما تقوم لرعاية مصالح الأمم وحماية منافعها، فهي تقوم للجد لا للعب، وهي تنصب للعمل لا للتمثيل.
    والناس جميعًا يعلمون أن الوزارات قد تجور عن القصد، وتضل عن سواء السبيل، فتفسد حين يجب أن تصلح، وتضر حين يجب أن تنفع، ولكنها تحتفظ على كل حال بهيبة الحكومة وكرامة الدولة، لأن الاحتفاظ بهذه الهيبة والكرامة شرط أساسي لاستقرار الأمن والنظام. فأما وزارتنا القائمة فقد أضاعت من مصالح البلاد ما أضاعت، وأهملت من منافعها ما أهملت، وأنكر الناس منها ذلك، ولكنهم صبروا عليه، واعتقدوا أنها ستحتفظ للحكومة بهذه الهيبة التي لا قوام للحكومات بدونها. فإذا هي تضيع هذه الهيبة أيضًا، وإذا هي تجعل سلطان الدولة موضوعًا للسخرية، وتعرض جيش الدولة وشرطة الدولة للاستهزاء والازدراء.
    يجب أن يعلم الذين إليهم أمر هذه البلاد أن المصريين جميعًا قد أضمروا سخرية عميقة خطرة من هذه الحركات السخيفة التي دفع إليها جنودنا وضباطنا في هذه الأيام الثلاثة الماضية. فإن الإغارة على الحدود وحدها هي التي كانت تبيح تجنيد الجنود وإرسال القطارات المسلحة وتسخير السفن في النهر، وحرمان الضباط أن يستمتعوا بحقهم الطبيعي من الراحة في أيام العيد. الإغارة على الحدود، أو اضطرام الثورة، هما اللذان كانا يبيحان للحكومة أن تأتي ما أتت من الأمر في هذه الأيام. فأما أن يسافر رئيس الوفد ليزور قبر أبويه، وليلْقَ أهله وعشيرته الأقربين، فأمر يسير، أيسر من أن يضطر الحكومة إلى كل هذه التعبئة.
    إحدى اثنتين: إما أن يكون النظام الطبيعي اليومي عاجزًا عن حماية الحكومة من سفر رئيس الوفد إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها اعترفت بالعجز عن حماية النظام وإقرار الأمن. وإما أن يكون النظام العادي اليومي قادرًا على حماية الحكومة من سفر الرئيس إلى سمنود، وإذن فيجب أن تستقيل الوزارة لأنها عبثت بالجيش والشرطة، وجعلت كرامة الدولة وسلطانها عرضة للازدراء والاستهزاء!
    لو أن البرلمان القائم يريد أن يؤدي عمله حقًّا، لحاسب الوزارة حسابًا عسيرًا على هذا الموقف السخيف الذي وقفته، ولاضطرها إلى أن تستقيل، لتقوم مكانها وزارة أخرى تحمي هذا النظام الجديد بعد أن عجز رئيس وزرائنا المريض ووزير داخليتنا الظريف عن حمايته.
    ولكن يظهر أن هذا النظام الجديد نفسه لا يمكن أن يحمى ويصان إلا على هذا النحو، فهو لا يستمد قوته من إيمان الأمة به وتأييدها له، واطمئنانها إليه. وإنما يستمد قوته من رئيس الوزراء، وقد مرض رئيس الوزراء فمرضت معه الوزارة، ومرض معه البرلمان، فلا بد من أن يمرض النظام أيضًا، وهو مريض، وأي مرض أشد من أن يسافر رجل واحد إلى مدينة من المدن، فترسل الحكومة وراءه ألفًا من الجند، وتلغي الحكومة في سبيل ذلك إجازة جماعة من الضباط، وتأمر الحكومة في سبيل ذلك مديرين ألا يبرحا إقليمهما..!
    أي مرض أشد من هذا المرض؟ ومع ذلك فالذين يؤيدون رئيس الوزراء، ويسندونه، ما يزالون راضين عن هذه الحالة، مبتهجين لها، ينتظرون منها الخير…! أما مصر فآسفة مشفقة من هذه الحال أشد الإشفاق، لا ترجو منها خيرًا، بل لا تنتظر منها إلا الشر.
    لقد نهض رئيس الوزراء ليمحق الفوضى محقًا، وإن وزارته الآن لتأتي كل شيء لتبسط سلطان الفوضى على البلاد… أما إذا كان رئيس الوزراء قد أراد أن يجعل وزارته لهو اللاهين، ولعب اللاعبين، فقد وفق إلى ذلك كل التوفيق حين اختار وزير داخليته الجديد…! ولكن أين رئيس الوزراء؟ أمتصل هو بالناس والأشياء حقًّا؟ أعالم بما يجري حقًّا؟ إذن فقد فقد رئيس الوزراء بعد مرضه أخص ما كان يمتاز به من الخصال، وهو الإشراف الدقيق على أمور وزارته والضبط الدقيق لتصريف هذه الأمور.
    إنما الوزارة القائمة أشبه شيء الآن بسفينة فقدت ربانها، وعجز أعوان هذا الربان عن تسييرها، وهي في بحر لجج شديد العواصف، ملتطم الموج..! فهي تسير على غير هدى ولا نظام! تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الريح، فليعلم ذاك من إليهم أمر تأييد الوزارات وخذلانها، فقد يكون في هذا العلم شيء من النفع.
    كوكب الشرق في ٨ – ٤ – ١٩٣٣