حديث الوادي
أزمة . . .
يتمناها أكثر الناس، لأنها تزيل عنهم همًّا ثقيلًا، ويخافها أقل الناس، لأنها تُغلق في وجوههم أبواب الأمل، وتأخذ عليهم سبل الحياة. ويتحدث عنها المحبون لها، والمثقفون منها، فيطيلون الحديث. أولئك يسألون متى تنشأ، ويتلمسون الأسباب لنشوئها، ولا يكادون يسمعون أن حدثًا قد حدث، أو نبأ قد أُذيع، حتى يجدوا في استكشاف ما بينه وبين الأزمة من سبب، وحتى يتمنوا أن تحقق الأيام ما خيلت الأحلام. وهؤلاء يسألون عنها أيان مرساها. لا يسمعون حديثًا إلا اضطربت قلوبهم، ولا يُلقى إليهم نبأ من الأنباء إلا طارت نفوسهم، فهم يتمنون أن تمحو الأيام ما خيلت الأحلام. أولئك وهؤلاء قلقون، ومن أولئك وهؤلاء تأتلف الأمة، ويتكون الشعب. كثرة قلقة لأنها تريد سقوط الوزارة، وقلة ضئيلة قلقة لأنها تريد بقاء الوزارة. ما نرى أن حالة سياسية تستطيع أن تكون شرًّا من هذه الحال التي لا يبرأ فيها مصري من القلق، ولا يأمن فيها مصري من الخوف، ولا يطمئن فيها مصري إلى غد، ولا يخلو فيها مصري إلى نفسه، إلا أنكر ما كان، وأشفق مما سيكون، وتمنى على الله شيئًا يحلم به، ولا يكاد يطمع فيه، ومع ذلك فهذه هي حال المصريين.
تحدث إلى من شئت من الناس، فسيكون أول الحديث في الأزمة السياسية، وسيكون آخر الحديث الأزمة السياسية، وسيلم الحديث بين هذا وذاك، بأطراف من موضوعات مختلفة، ولكنه سينتهي دائمًا إلى الأزمة السياسية، كأن الناس لا يعيشون إلا بالأزمة السياسية، وكأن أمس الناس ويومهم وغدهم لم تُخلق إلا للأزمة السياسية.
ومع ذلك كله، فالذين أقاموا هذه السياسة السعيدة، وفرضوها على المصريين فرضًا، لم يكونوا يريدون هذا، ولا يسعون إليه، إنما كانوا يريدون أن يصرفوا المصريين عن السياسة، فإذا هم يدفعونهم إليها دفعًا، وأن يزهدوا المصريين في السياسة، فإذا هم يرغبونهم فيها ترغيبًا. فإذا كان هناك إخفاق يمكن أن يُهنأ به المخفقون، وفشل يمكن أن يُهنأ به الفاشلون، فهو هذا الإخفاق وهذا هو الفشل. فأصحاب هذا العهد السعيد لم يوفقوا إلى شيء، ولم يظفروا بشيء. كانوا يريدون أن يُلهوا المصريين عن حقوقهم، فإذا هم ينتهون إلى أن يزيدوا المصريين حرصًا على هذه الحقوق. كانوا يريدون أن يأخذوا المصريين بالخضوع والخنوع، فإذا هم ينتهون إلى قطع الأسباب بين المصريين وبين الخضوع والخنوع. ثم كانوا يريدون أن يردوا المصريين إلى حياة القرون الوسطى، تلك التي لم يكن الشعب يُعنى فيها بالسياسة، وإنما كان يترك الأمر لأولي الأمر، فإذا هم ينتهون إلى أن الشعب قد أصبح يُعنى كله بالسياسة، ويؤمن أصدق الإيمان بأنه وحده صاحب الأمر، وبأن غيره إن عُني بالسياسة، فلا ينبغي أن يُعنى بها إلا نائب عنه ومفوض منه ليس غير.
مهما يكن من شيء، فقد عاد الناس إلى حديث الأزمة السياسية، أو إلى حديث الأزمة الوزارية إن أردت التدقيق. قوم يؤكدون أنها قائمة، وقوم يقسمون بالله جهد إيمانهم أنها وهم من الأوهام، وخيال من الخيالات. أولئك ينظرون إلى طبائع الأشياء، وهؤلاء يعتمدون على الأماني والآمال. فإذا سألت حقائق الأشياء، فالأزمة قائمة منذ نهضت الوزارة بأعباء الحكم، بل منذ فُرضت هذه السياسة على المصريين فرضًا. ففرض هذه السياسة نفسه أزمة لم تخلص منها البلاد بعد. وكل الأحداث التي حدثت أيام صدقي باشا كانت خليقة أن تُسقط ألف وزارة ووزارة، ولكن صدقي باشا ظل قائمًا في منصبه رغم الشعب ورغم الأحداث ثلاثة أعوام وبعض العام، ثم هوى في يوم من الأيام، لسبب لا تزال حقيقته مجهولة من الشعب على الأقل إلى الآن. ونهوض الوزارة القائمة بالحكم كان في نفسه غريبًا، وأعمال الوزارة القائمة منذ نهضت بالحكم، كان كل واحد منها يكفي لإسقاط وزارة. فالوزارة التي تعد بإصلاح الحياة الاقتصادية ثم لا تزيدها إلا فسادًا، خليقة أن تُسقط، ولكنها مع ذلك باقية! والوزارة التي تعد بحل مسألة الدين العام دون مفاوضة، ولا خروج عن قاعدة الدفع ورفضًا، ثم تفاوض، ولا تنتهي إلى شيء، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك باقية! والوزارة التي تأخذ على نفسها العهود، لتحسمن داء الدين العقاري حسمًا، ثم لا تحسم منه شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن موافقتها للقضاة المصريين على موقفهم في المحاكم المختلطة بإزاء رئاسة الدوائر، وبإزاء مسألة اللغة العربية ثم تعجز عن أن تصنع لهم شيئًا، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي تُعلن أنها ستفاوض في أمر المحاكم المختلطة، مفاوضة الوزارة التي تقوم على أمر بلد مستقل، ثم لا تُقدم على ذلك إلا أن يأذن به الإنجليز، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة! والوزارة التي يخرج رئيسها من الحكم منكرًا على صدقي باشا حوادث العبث والتعذيب، ثم تقع في وزارته حوادث العبث والتعذيب، فلا يصلح منها شيئًا، ولا يرد الناس إلى أمن، ولا إلى طمأنينة، ولا يعصم أجسامهم من العذاب، ولا يُخلي بين نفوسهم وبين الحرية، خليقة أن تُسقط، وهي مع ذلك قائمة. كل شيء يحيط بالوزارة، وكل شيء تأتيه الوزارة، خليق أن يثير الأزمة الوزارية الحادة، وأن ينتهي بالوزارة إلى السقوط، ولكن الوزارة مع ذلك قائمة، تَبسُم للأزمات، وتَبسُم لها الأزمات، كأنما بينها وبين الأزمات مودة ومحالفة. ذلك لأن كل هذه الأزمات إنما تُسقط الوزارات لو أن الوزارات تقوم على إرادة الشعب، وبإرادة الشعب، وتُسقط حين لا يريدها الشعب، ولا يطمئن إلى بقائها. فأما إذا فُرضت الوزارات نفسها، أو فرضتها الظروف على الشعب، فهذه الأزمات لا قيمة لها ولا خطر. وإنما الشيء الذي له القيمة وله الخطر، هو شيء مجهول. لا تعرفه أنت، ولا أعرفه أنا. لا تستطيع أن تتنبأ به، ولا أستطيع أنا أن أتنبأ به. هو شيء يستطيع أن يهبط من السماء، أو أن ينجم من الأرض، أو أن تأتي به الريح من مكان سحيق، فإذا هو يُسقط الوزارة، ويرسل الوزراء إلى دورهم، على حين لم تكن الوزارة تُقدر لنفسها السقوط، ولم يكن الوزراء ينتظرون أن يستقروا في الدور. هو شيء كهذا الذي هوى بصدقي باشا، وقد كان صدقي باشا يُعلن أنه قوي متين، مستمتع بثقة البرلمان. هو شيء ليس إلى تعليله ولا إلى تأويله من سبيل. هو شيء فوق البحث، هو شيء فوق الحديث. هو شيء يجب أن ننتظره، وأن ننتظر وقوعه في كل لحظة. حين ينتظر، وحين لا ينتظر، حين يُقدَّر، وحين لا يُقدَّر، حين يُرجى، وحين لا يُرجى، حين يُخاف، وحين لا يُخاف. فإذا زعم الناس أن الأزمة قائمة فهم صادقون، ولكنها أزمة لا تُغني. وإذا زعم الناس أن الأزمة غير قائمة فهم صادقون، لأن أمر الوزارة ليس رهينًا بالأزمات. وإذا قال عبد الفتاح يحيى باشا إن الوزارة لم تكن في يوم من الأيام أقوى مما هي الآن، فهو صادق، لأن الناس ما زالوا يُعذَّبون، ولأن الأحداث والهموم لا زالت تصب على رؤوس المصريين. وإذا انتشر خبر فجال على غير حساب ولا انتظار بأن عبد الفتاح يحيى باشا قد رفع استقالته إلى جلالة الملك، فصدق هذا النبأ فهو ممكن، وقد كان مثله منذ أقل من عام. تستطيع إذن أن تصدق كل شيء، وتستطيع إذن أن تكذب كل شيء. لأننا نعيش في عهد لا قيمة فيه للتصديق، ولا للتكذيب، ولا لأحكام المنطق، ولا لتفكير العقل. وإنما القيمة كل القيمة في هذا العهد للمصادفة، التي لم يوفق الإنسان بعد إلى أن ينظمها بقانون. فانتظر كل شيء، ولا تنتظر شيئًا، واصبر حتى يظهر قضاء الله.
طه حسين
الوادي، ٢٦ يوليه ١٩٣٤.
Tag: عبد الفتاح يحيى
-
أزمة٢ | Crisis 2
-
استقال | He Resigned
حديث الوادي
استقال
نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
طه حسين
الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤. -
إشارة | A Sign
إشارة
طه حسين
كوكب الشرق
١٢ ديسمبر ١٩٣٣
للإنجليز في كثيرٍ من الأحيان بلاغة حين يكتبون قلما يشاركهم فيها غيرهم من الشعوب، فهم يجمعون في سهولة بين التصريح والتلميح، وبين الفكاهة والجد، وهم يصلون بهذه البلاغة إلى إرضاء الخاصة والعامة، ويبلغون إعجاب العاديين من القراء والممتازين بالترف الفني في الأدب والبيان.
وللدعابة الإنجليزية شهرة عالمية قديمة، وقد يتغير كثير من أطوار الإنجليز، وتختلف حظوظهم من إقبال الناس عليهم، وانصراف الناس عنهم، ولكن حظهم من الدعابة الجادة والفكاهة التي تجمع بين القسوة واللين، والتي يحس الإنسان جمالها، ولا يستطيع مع ذلك تحليله ولا تعليله، سيَظلُّ قويًّا فيما يظهر إلى أمدٍ بعيدٍ جدًّا.
ولأمرٍ ما فكَّرت بعض الجامعات الأمريكية في إنشاء كرسي لدرس الفكاهة فيها، فالإنجليز يعنون بهذا الفن؛ لأنهم يجدون من طبيعتهم ميلًا شديدًا إليه، وعناية عظيمة به، وبراعة غريبة فيه. ولعل من هذه الفكاهات التي هي كلها جد، ومن هذا التلميح الذي هو كله تصريح، هذه الجملة الموجزة التي اقتطفتها الرسائل البرقية في الأهرام صباح اليوم من صحيفة إنجليزية معروفة، هي صحيفة الإيفننج ستاندارد.
فقد أشارت هذه الصحيفة إلى اعتزال صدقي باشا أمور السياسة، ثم ذكَّرت قراءها باجتماع النواب الوفديين في النادي السعدي سرًّا سنة ١٩٣٠، ثم ختمت مقالها بهذه الجملة الظريفة التي يحسن أن يتدبرها صدقي باشا، إن كان ما يزال قادرًا على أن يتدبر، وأن يتدبرها عبد الفتاح يحيى باشا، إن كان ما يزال يرجو أن ينتفع بالتدبر، وأن يتدبرها الوفديون أيضًا؛ فهي لا تخلو من نفع يحسن بهم ألا يضيعوه، وهي «أن هذا الاجتماع السري كان عقيمًا؛ لأن النحاس باشا نال أصوات أنصاره، أما صدقي باشا فكان مُسَلحًا بالبندقيَّات.»
ومن المحقق أن صدقي باشا لم يكن مسلحًا بالبندقيَّات وحدها، ولكنه كان مسلحًا بالمدافع الصغيرة والكبيرة، التي كانت تستطيع أن تنسف النادي السعدي ومن فيه نسفًا، وكان مسلحًا بالسيوف والحراب والخناجر، وكان مسلحًا بالعصي والهراوات، وكان مسلحًا بما هو شر من هذا كله، وأقوى من هذا كله، وأبلغ من هذا كله أثرًا: كان مسلحًا بالمال الذي يذيب نفوس الرجال، ويشتري القلوب والضمائر، ويذرو الأخلاق في الهواء كأنها الهشيم الذي تذروه الرياح.
وكان مسلحًا بالسلطان الذي يجعل قدرته واسعة، وقوته عريضة، ويمينه مبسوطة بالموت، وشماله مبسوطة بالعطاء، والذي يضمن له الاستئثار بهذا كله، والتصرف في هذا كله، لا شهرًا ولا أشهرًا، بل عامًا وعامًا، نستغفر الله، بل أعوامًا. كان صدقي باشا يتواضع ويغلو في التواضع، ويعلن أنها ستبلغ عشرة، ثم يسر في نفسه أنها قد تزيد، بل إنها ستزيد ما في ذلك شك، ولا إلى إنكار ذلك سبيل.
ولهذا كله كان اجتماع الوفديين في ناديهم عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، لم يشذ منهم شاذ، ولم يتردد منهم متردد، ولم يتخلف منهم متخلف، وإنما دعاهم فأقبلوا إليه سراعًا، ثم أيدوه لا خائفين من البنادق التي كانت تستطيع أن تُرديهم أفرادًا، ولا مشفقين من المدافع التي كانت تستطيع أن تحصدهم جماعات، ولا متهيبين للسيوف التي كانت تستطيع أن تَفْتَنَّ فيما تصيبهم به من الجراحات، وأن تدنيهم من الموت، أو تدني الموت منهم في أناة مروعة، ومهل مخيف، ولا طامعين في هذا المال الكثير الذي كان يستطيع أن ينصبَّ في جيوبهم انصبابًا، وأن يفتح لهم أبوابًا من الثراء والنعيم، لم يستطع النَّحاس باشا ولن يستطيع أن يفتحها لهم؛ لأن النَّحاس باشا لا يحب ولا يستطيع أن يسرف فيما لا يملك من أموال الشعب.
ظفر النحاس باشا بأصوات أنصاره جميعًا بمنظرٍ ومسمعٍ من نذير الموت، وإغراء السعادة والثراء، فلا صوت النذير هزَّ القلوب، ولا صوت الإغراء أجرى اللُّعاب، وإنما اتجهت عيون القوم إلى النحاس باشا وما كان يدعو إليه، وخلصت أسماع القوم للنحاس باشا، وما كان يدعو به.
وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الوفاء بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى الاحتفاظ بعهد الوطن، وكان النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، يدعو إلى إظهار قوة الوطن وقدرته على الانتصار في غير حرب ولا سفك للدماء، ولو قد دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى أن يلقوا بأنفسهم في أفواه الموت، الذي كان يتحرق إليهم جوعًا، لما ترددوا في الاستجابة له.
ولو دعاهم النحاس باشا في ذلك اليوم، أو في تلك الليلة، إلى الإقبال على هذا النعيم الذي كان متزينًا متبرجًا يغويهم ويغريهم لما ترددوا في عصيانه والإباء عليه؛ لأنهم عاهدوا الله وعاهدوا مصر، وعاهدوا النحاس باشا، على أن لا يطيعوا أحدًا إلا فيما يحفظ لمصر حقها، ويرفع لمصر شأنها، ويضمن لمصر كرامتها.
فأما الضعة والهوان، فأما الذلة والاستكانة، فأما نكث العهود، والحنث بالأيمان، فأما تضييع الحقوق وخفر الدمم، فأما التضحية بالوطن في سبيل المنفعة الخاصة، فخصال لا يطيعون فيها أحدًا، ولو كان النحاس باشا، خصال لا يستطيع أحد أن يدعوهم إليها؛ لأنه يعلم حق العلم أنه لن يلقى منهم إلا الإباء العزيز الغليظ، خصال لا يستطيع النحاس باشا أن يفكر فيها، ولا أن ينظر إليها من بعيد؛ لأنها تتجافى عن طبعه وفطرته.
ولهذا كله كان ذلك الاجتماع السري الذي عقده الوفديون في ناديهم — بمنظر ومسمع من الموت والنعيم — عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر فيه بأصوات أنصاره جميعًا، ولأن صدقي باشا كان مسلحًا لا بالبندقيات وحدها، بل بالقوة والمال جميعًا.
ثم ظل النحاس باشا يدعو أصحابه فيستجيبون له، ويسألهم النصر فلا ينتظرون أن يسألهم إياه، ويظفر بأصواتهم، أراد ذلك أو لم يرده، والموت باسط يده بالرصاص وما يشبه الرصاص، والنعيم باسط يده بالذهب والفضة، وما هو خير من الذهب والفضة، وهؤلاء القوم لا يُدْعون إلا أجابوا، ولا يُستنصرون إلا نصروا.
ثم انصرف هؤلاء القوم إلى أهلهم في مدنهم وفي قراهم يقولون للناس: لقد دعانا النحاس فاستجبنا له، وخوفنا الموت فسَخِرنا منه، ورغَّبنا المال فابتسمنا له في ازدراء، فيقول لهم الناس: وهل كنتم تستطيعون إلا هذا؟ وهل كنتم تقدرون على أن تظفروا منا بهذا اللقاء الذي يملؤه الود والحب لو أنكم خفتم نذير الموت، أو مِلْتم إلى إغراء النعيم؟
ثم أخذ النحاس باشا يتنقَّل بين المدن والقرى يصحبه في أسفاره الموت، ويصحبه في أسفاره النعيم، ذلك ينذر فيغلو في النذير، وهذا يُغري فيُغرق في الإغراء، وإذا الناس الذين ليسوا أعضاء في الهيئة الوفدية، ولا في النادي السعدي، ولا في البرلمان يستجيبون له كما يستجيب له زملاؤه الأدنون، ويهرعون إليه كما يهرع إليه هؤلاء الزملاء، يولون النعيم ظهورهم، ويعرضون للموت صدورهم، ومنهم من يعجبه هذا الموت فيسعى إليه ويصافحه، ويأخذ منه جوازًا من هذه الجوازات التي يأخذها الشهداء ليعبروا بها إلى دار البقاء.
هنالك تنهزم جنود الموت التي أرصدها صدقي باشا، وتفلس رسل الإغراء التي بثها صدقي باشا، ويؤخذ النحاس بالإقامة في داره لا يتركها إلا مُراقبًا، ولا يخرج منها إلا مُصاحبًا، وما يزال صدقي باشا محتملًا لهذه الهزيمة المنكرة، معلنًا مع ذلك الانتصار حتى تتم دورة الفلك، ويهوي عن مناصب الحكم، وتعلن إليه جنود الموت ورسل الإغراء أنه لا يحسن قيادة الموت، ولا تدبير الإغراء، وأنه أضيق باعًا، وأقصر ذراعًا، وأضعف قلبًا، وأعجز نفسًا، وأضيق حيلة من أن ينصب لحرب النحاس وأصحاب النحاس.
والأيام تحب العبث، والدهر لا يكره المزاح، والظروف لا تأبى الدعابة، وإذا صدقي باشا يظن نفسه زعيمًا. ولِمَ لا؟ لقد كان له حزب، ويظن أنه قادر على أن يُخاصم رئيس الوزراء كما خاصَمه النحاس، ويظن أنه أقدر على الحرب، وأبرع في الخصام، وأعظم أملًا في الانتصار، وأكبر ثقة بالفوز من النحاس. ولِمَ لا؟ إنه رجل ذكي لم تعرف الأرض ذكيًّا مثله، كفء لم تعرف مصر كفئًا مثله.
حول لا عهد للناس بحول مثله، وخصمه رجل طيب لا علم له بالحرب، ولا حظ له في النضال، ولكن يحاول صدقي باشا أن يجمع إليه أنصاره فلا يستجيب له منهم إلا القليل، فإذا خلوا إليه، وخلصوا نجيًّا؛ نصحوا له بالاستسلام، وألحوا عليه في الإذعان، وخوفوه سلطان هذا الخصم الضعيف. وإذا صدقي باشا ينهزم، ولم يرسل عبد الفتاح باشا إليه ولا إلى أصحابه جنود الموت، ولم يرسل إليه ولا إلى أصحابه رسل الإغراء؛ أولئك الذين أرسلهم صدقي إلى النحاس وأصحاب النحاس.
إنما أرسل إليهم عبد الفتاح باشا نظرتين اثنتين، نظرةً فيها الغضب فزعوا منها جميعًا، ونظرةً فيها الرضى أسرعوا إليها جميعًا، وقضي أمر صدقي باشا في أقل من شهرين، ودون أن يلقى خصمه كيدًا؛ ولهذا كان اجتماع الوفديين في ناديهم ذلك اليوم أو تلك الليلة عقيمًا؛ لأن النحاس باشا ظفر بأصوات أنصاره جميعًا، على حين كان صدقي باشا مسلحًا بالموت والمال.
وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — في ناديهم خصبًا أشد الخصب؛ لأن صدقي باشا لم ينل من أصوات أنصاره صوتًا، على حين لم يكن خصمه عبد الفتاح يحيى باشا مُسلَّحًا إلا بهاتين النظرتين: نظرة الغضب المروع، ونظرة الرضى الذي يخلب القلوب.
نعم كان اجتماع الوفديين عقيمًا؛ لأنهم لم يسلموا للإنجليز، ولم يذعنوا للقوة، وكان اجتماع الصدقيين — رحمهم الله — خصبًا؛ لأنهم أسلموا ولَمَّا تعلن الحرب، وتفرقوا ولمَّا يَبتَدِئ النضال. والإنجليز ليسوا مهرة في الكلام وحده، ولكنهم مهرة في الكلام، ومهرة في الفهم أيضًا.
وإذا كان محرر الإيفننج ستاندارد قد استطاع أن يبلغ بإيجازه هذا الحظ من البراعة، فإن قراءه من الإنجليز قد استطاعوا من غير شك أن يذوقوا براعته، ويفهموا إيجازه البليغ، ويعرفوا أين يكون الناس، وأين يكون الزعماء، وأين يكون الذين يقدرون على الخصومة السياسية التي تظهر عقيمة للمستعمرين، ولكنها خصبة أشد الخصب وأبقاه وأنفعه للمصريين.
أفيؤذن لنا في أن نهنئ الوفديين بذلك الاجتماع العقيم الذي عقدوه في ناديهم ذلك اليوم، أو تلك الليلة، والموت ينظر إليهم من يمين، والنعيم يبسم لهم من شمال، فلم يحفلوا بهذا ولا ذاك؟ -
رئيس | A Chief
رئيس
قيل[1] لهم أقبلوا فأقبلوا مسرعين، ولو قيل لهم عودوا لعادوا مسرعين، وقد يقال لبعضهم اعملوا فيملؤهم النشاط للعمل والجد فيه، وقد يقال لبعضهم اكسلوا فيملؤهم الحب للكسل والحرص عليه؛ ولكن من بينهم رجلًا واحدًا أبى إلا أن يميز نفسه تمييزًا؛ لأن الدعوة التي أُرسلت إليه فيما يظهر لم تكن غامضة ولا مبهمة، وإنما كانت واضحة جلية الأغراض؛ فقد أُشعر بأنه لا يُدعى كما يُدعى غيره من الناس، وإنما يُدعى لأمر عظيم. فتأهب لهذا الأمر العظيم، وأخذ العدة للإقدام عليه والنهوض به، وأبى إلا أن يرسل النذير من «باريس» يسبقه إلى مصر على أجنحة البرق — يقولون — فتحدث إلى صحفي في محطة من محطات «باريس» يعلن رأيه في السياسة ومذهبه في الحكم.
وهذا الرجل العظيم المقبل على أمر عظيم، هو صاحب المعالي «عبد الفتاح يحيى باشا»، الذي يكاد الناس يجمعون على أن الظروف تريد أن تجعله رئيسًا لـ«الوزارة المقبلة». وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» مستقرًّا في «فرنسا» ينعم بالحياة، ويستقبل لذاتها التي حُرمت في هذه الأيام على كثير من المصريين بحكم هذه الأزمة المنكرة التي فرضتها تلك السياسة المنكرة، سياسة «صدقي باشا» وأعوانه، وكان «عبد الفتاح يحيى باشا» من هؤلاء الأعوان.
و«عبد الفتاح يحيى باشا» رجل قد يسر الله له أسباب الحياة، وأنعم الله عليه بسطة في المال؛ فهو يقيم في مصر مترفًا، ويقيم في أوربا مترفًا. كان وزيرًا مع «صدقي باشا»، فلم يكن له بد من هذه الرحلة إلى أوربا، ولم يكن له بد من أن يغير الجو ويبدل الهواء، ولم يكن له بد من أن يسافر إلى أوربا على حساب الدولة ليزور المفوضيات ويفتش على أعمال الوزراء المفوضين. فلما أخرجه «صدقي باشا» من الوزارة لم يكن له بد أيضًا من أن يسافر على حساب نفسه، لا على حساب مصر. وإنه لفي ذلك، وإذا دعوة تبلغه أن أقبل، فإن السياسة في حاجة إليك، فيقبل مسرعًا.
والله يعلم، والسياسة تعلم: أيقبل على حساب نفسه؟ أم يقبل على حساب مصر؟ فلكل من الفرضين تأويل معقول؛ فهو إن قبل على حساب نفسه لم يعدُ أن يكون رجلًا من الناس، أتيح له الغنى فسافر، ولم يكن بد من أن يعود، وكان قدر ما يحتاج إليه من نفقات للسفر والعودة فأنفق ما قدر، وإن كان قد عجل عودته تعجيلًا. وهو إن عاد على حساب مصر فرجل من رجال السياسة، وعظيم من عظماء الدولة، أزعجته الدولة من راحته، وقطعت عليه أسباب لذته، ودعته إلى أمر عظيم، وسعت عند شركات الملاحة في أن تُرجِئَ له إقلاع السفينة؛ فمن حقه على الدولة أن تؤدي عنه أجر هذه العودة، وليس على الرجل من ذلك بأس؛ فالدولة محتاجة إليه، وليس هو محتاجًا إليها. وآية ذلك أنه سافر، ولو كان محتاجًا إلى الدولة لأقام، وآية ذلك أنه دُعي إلى أن يعود، ولو لم تكن الدولة محتاجة إليه لتركته حيث كان.
«عبد الفتاح يحيى باشا» إذن رجل عظيم، يرغب عن السياسة فترغب فيه السياسة، ويعرض عن الحكم فيسعى إليه الحكم، وينفر من السلطان فيتهالك عليه السلطان. وهو رجل مترف، لا يقضي الصيف في مصر حيث يقضيه المأزومون، وإنما يقضيه في أوربا حيث يقضيه الوزراء والأعيان وكبار الموظفين. وأكبر الظن أن «عبد الفتاح يحيى باشا» لم يذهب إلى أوربا ليدرس فيها شؤون المصريين، ولا ليقف فيها على ما يشقون به من ألوان البؤس وضروب الحرمان، ولا ليرى فيها ما يطيف بهم في المدن والريف من هذه الأشباح المزعجة المخيفة، أشباح الفقر والإعدام والإفلاس والجوع؛ وإنما ذهب إلى أوربا ليستريح من العلم بهذا كله، ومن سماع الحديث عن هذا كله، وليرى ويسمع أشياء أخرى، فيها ترويح عن النفس وترفيه عليها.
وكان المعقول — لو أن في مصر شيئًا معقولًا — حين دُعي إلى مصر، وعرف لمَ دُعي إلى مصر، أن يفكر ويطيل التفكير، وأن يؤثر الصمت ويغرق فيه حتى يتبين جلية هذا الأمر العظيم الذي يُدعى إليه، وحتى يتبين قدرته على النهوض بهذا الأمر أو عجزه عن احتمال أثقاله، وحتى يتبين كيف استقال رئيسه القديم، وكيف يُراد أن يخلفه ويسوي تركته أو يصفيها كما يقول أصحاب المواريث، وحتى يتبين رأي المصريين الذين يُدعى إلى حكمهم وتصريف أمورهم: أمشجع هو على قبول الحكم وتصريف الأمور؟ أم منفر هو من قبول وتصريف الأمور؟ وحتى يعرف الأشخاص الذين يُراد على أن يرأسهم أو يشاركهم ويعمل معهم: أملائمون هم لطبيعته ومزاجه وميله إلى فهم الحكم؟ أم مخالفون هم لطبيعته ومزاجه ومذهبه في الحكم؟
كان هذا معقولًا، لو أن أمور مصر في هذه الأيام تجري في حدود المعقول؛ لكن أمور مصر في هذه الأيام مريضة، تجري كما تستطيع، يذهب بعضها إلى الشمال، ويصعد بعضها حين يجب الهبوط، ويهبط بعضها حين يجب الصعود. وما دامت أمور السياسة في مصر مريضة إلى هذا الحد، فليس عجيبًا أن يمرض الساسة، وأن تجري أعمالهم على غير المعقول. وكذلك لم يرَ رئيس وزارتنا المقبل في هذه الدعوة التي وصلت إليه وتعجلت قدومه إلا شيئًا واحدًا، وهو أنه يُدعى لـ«الحكم». وكيف يتردد من يُدعى إلى الحكم في قبول الدعوة حين تُوجَّه إليه، لا يشترط في ذلك شرطًا، ولا يتبين لذلك رأسًا ولا ذنبًا، ولا يضع لذلك قاعدة ولا أصلًا؟ لقد دُعي إلى الحكم، وكان من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم، وما زال من الممكن أن يُدعى غيره إلى الحكم؛ فإما أن ينتهز الفرصة ويستوثق من الأمر، ويثبت نفسه فيه تثبيتًا، وإما أن يفلت منه هذا الطائر الذهبي ذو الريش البديع الذي يسمى الفرصة ليقع على غيره من «المستوزرين»؛ فقد دُعي من قبله رئيس مجلس الشيوخ فأقدم على عجل، وهو ينتظر، ودُعي معه فيما يقال عضو في مجلس الشيوخ فأقبل على عجل، وهو يرجو. وفي مصر كثيرون لم يُدعوا، ولكن منهم من توهم فعاد من السفر، ومنهم من توهم فأحيا الوهم في نفسه آمالًا كبارًا. ورئيس وزرائنا المنتظر أذكى قلبًا، وأرجح حلمًا من أن يُرسل هذا الطائر الذهبي ذا الريش البديع بعد أن أمسكه بيد واحدة أو بيدين اثنتين.
فهو إذن خليق أن يشدد القبض على هذا الطائر، وأن يمكن لنفسه في الأمر تمكينًا. وسبيل ذلك واضحة ممهدة: تصريح يلقيه إلى مكاتب «الأهرام» قبل أن يثب إلى القطار. وفي هذا التصريح عهد بأنه يُحب النظام الجديد الذي اشترك في وضعه وفرضه، ويحرص على حمايته وتثبيته، ويرى فيه وحده الخير كل الخير. وفي هذا التصريح إنذار للمصريين بأن ليل «صدقي باشا» لم ينجلِ عن صبح مشرق، وإنما انجلى عن ليل مظلم مثله؛ فمن خدعته الآمال ومنّى نفسه أن يكون حرًّا تحت هذه الشمس المشرقة فليخدع نفسه، وليكذب نفسه، وليطرح أمانيه، وليملِ في نومه إن كان يحب النوم، وليظل في حزنه إن كان يحب اليقظة الحزينة. فقد ذهب «صدقي باشا»، وجاء «عبد الفتاح يحيى باشا»، وكلاهما يحب هذه السياسة التي تشقى بها مصر منذ أعوام، وكلاهما يحرص على هذه السياسة أشد الحرص. وقد حيل بين أحدهما وبين المضي في تثبيتها وتأييدها لأنه عجز عن ذلك وأخفق فيه، ولكن صاحبه خليق بأن يتم ما بدأ وينفذ ما لم يجد إلى تنفيذه سبيلًا.
نعم، وفي هذا التصريح كبت للحساد، وتحدٍّ للخصوم، واختيار لخطة الحرب والمنافسة، ووضع لأساس الوزارة الجديدة؛ فمن شاء أن يرضى فليرضَ، ومن شاء أن يغضب فليغضب؛ فـ«رئيس وزرائنا» المنتظر راضٍ آمل واثق. وحسبك بهذا كله وضعًا للأمر في نصابه، وتسييرًا لسياسة مصر في أيسر الطرق.
وكذلك يقبل «عبد الفتاح يحيى باشا» باسطًا يدًا كيد «صدقي باشا» إلا أنها أشد من هذه اليد بطشًا وقوةً، وأعظم قدرةً على الحركة، رافعًا في وجوه المصريين سوطًا كسوط «صدقي باشا» إلا أنه أقدر من سوط «صدقي باشا» على أن يمزق الأجسام إن احتاجت إلى التمزيق.
وكذلك يمضي ليل ويتبعه ليل، وكذلك تبقى الأزمة السياسية كما كانت قبل أن يستقيل «صدقي باشا»، معقدة أشد التعقيد، مظلمة أشد الإظلام. وبرغم ذلك يبتهج المصريون؛ لأن الليل الذي انجلى كان طويلًا ثقيلًا، لن يبلغ طوله وثقله ليل آخر حتى ولو ألقى أستاره «عبد الفتاح يحيى باشا».
وكذلك تظهر الحوادث في سرعة غريبة حقًّا، وقوة غريبة حقًّا، أن المصريين قد كانوا ملهمين حين فرحوا بسقوط «صدقي باشا» وأصحابه، ولكن في غير إسراف، ومن دون أن يزدهيهم الابتهاج أو يخرجهم عن أطوارهم؛ فقد ذهبت وزارة قاهرة، وستأتي وزارة تريد أن تكون قاهرة. وما ينبغي للمصريين أن يبتهجوا حقًّا إلا يوم يُمحى القهر محوًا، ويوم يُرفع عنهم ضرره رفعًا. وهم قد عرفوا كيف يثبتون لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس، وهم يعرفون حق المعرفة كيف يثبتون لخليفة لـ«صدقي باشا»، وكيف يضطرونه إلى الإخفاق والإفلاس. وهم يعرفون حق المعرفة أنهم لن يستطيعوا أن ينتظروا من «عبد الفتاح يحيى باشا» ما لم ينتظروا من «صدقي باشا»؛ فلن تُفرج عنهم الأزمة، ولن يُكشف عنهم الضر، ولن تُرد إليهم الحرية، ولن يشعروا بأنهم أعزاء في بلادهم، وإنما هي حال سيئة ستطرد أيام الرئيس الجديد كما طردت أيام الرئيس القديم حتى يأذن الله بأن تزول. وقد أخذت بوادر هذا الإذن العظيم تبدو واضحة قوية، فلم يُنقل المندوب السامي، ولم يُضطر «صدقي باشا» إلى داره إلا لأمر من عظائم الأمور.
نعم، إن المصريين يعلمون حق العلم أن هذه الأزمة السياسية الظاهرة التي يضطرب لها سطح البحيرة ليست شيئًا ذا خطر، وإنما هي مقدمة لشيء ذي خطر، وهم ينظرون إلى هذه الأزمة الظاهرة ساخرين منها، يتخذونها لهوًا ولعبًا حين يتحدثون ويسمرون. وما لهم لا يلهون بها ولا يضحكون منها، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يرفع استقالته ويُعلم بقبولها، وزملاؤه ماضون في أعمالهم قد جهلوا كل شيء؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا «رئيس الوزراء» المستقيل يُخيَّل إلى نفسه ساعة من نهار أو ساعة من ليل أنه زعيم كثرة برلمانية، فيبرق ويرعد، ويرغي ويزبد، ويريد أن يتحكم في الأمر، ويلح في أن يُستشار، ثم يرى في الجو ابتسامة تكشر عن أنياب حداد، فيهدأ ويستقر، وينفي كل ما قال؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذا الرئيس المنتظر يُدعى إلى الحكم فيظهر اللهفة عليه والرغبة فيه، لا يأخذ لذلك شرطًا، وإنما يعطي على نفسه كل شرط؟ وما لهم لا يسخرون ولا يضحكون، وهذه الوزارة المقبلة تُتهيأ، وتجري الأحاديث بتأليفها، وتُوزع الأعمال والدواوين على أعضائها، ورئيسها بين السماء والماء يعجب بالنجوم وانعكاس صورها على الموج؟
والاستشارة الملكية في تأليف الوزارة لم تكن قد بُدئت بعد. كل شيء غريب في هذه الأيام إلا شيئًا واحدًا، وهو أن المصريين لا يُخدعون عن هذه الحال، ولا ينظرون إليها نظرة الجد، وإنما يتفكهون ويبتسمون وينتظرون.
[1] كوكب الشرق في ٢٥-٩-١٩٣٣.