أحاديث
إذا أَعسرت الحكومةُ والشعبُ موسِر، كانت عاجزة، وإذا أيسرت الحكومةُ والشعبُ معسِر، كانت طاغية. وإنما يصلح أمر الحكومة ويعتدل بين العجز والطغيان حين تكون الملاءمة بين ثروة الحكومة وثروة الشعب. وكل ما يمكن أن يُطلب إلى الحكومات في أيام العسر والأزمة هو أن تُدبِّر أموالها وتحسن التدبير، حتى لا يخنقها الضيق ولا يضطرها العسر إلى الإفلاس.
والظاهر أن حكومتنا تكره العجز ولا تحب الفقر، والظاهر أيضًا أنها تكره الملاءمة بين حياتها وحياة الشعب. وقد رأت الشعب فقيرًا فأبت إلا أن تكون غنية، ورأته معسرًا فأبت إلا أن تكون موسرة، ورأته مضطرًا إلى الجوع والحرمان فأبت إلا أن تصيب من الترف ما يباح وما لا يباح. حتى إذا انتهى العام المالي أو كاد، أعلنت إلى الشعب في شيء من التحدي والازدراء أنها، على إسرافها وإسرافها، قد استطاعت أن توفر ثلاثة ملايين ونصف مليون، بينما كثير من الناس يتلظّون جوعًا، ويصلون نار المتربة والحرمان.
ولم يكد الناس يقرؤون ما نشرته الصحف أمس من أن حساب الدولة قد أظهر أن دخلها قد زاد على خرجها هذه الملايين، حتى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون: إذن ففيم كان الإرهاق للشعب؟ وفيم كان التضييق على مرافق الدولة التي لا بد من التوسعة عليها؟ وفيم كانت هذه الجهود التي بُذلت عند المصارف؟ وفيم كانت هذه الاتفاقات التي أُبرمت مع المصارف؟ وفيم كان هذا القرض الذي عُقد لكف أيدي المصارف عن الناس؟ وفيم الاستمرار على جباية طائفة من الضرائب يشكو الناس منها ويضيقون بها، ويلحون في أن يُرفع عنهم شرها ويُكشف عنهم ضرها؟ وفيم تشريد الطلاب والتلاميذ حين يعجز آباؤهم وأولياؤهم عن أداء المصروفات أو جزء من المصروفات؟ وفيم رفع المصروفات في كلية الطب وتقاضي ما زيد فيها من طلاب السنة الثانية التي كان يجب إعفاؤهم من هذا المزيد؟ وفيم إلغاء ثلث الكراسي في كلية الآداب؟ وفيم إثبات هذه القاعدة المخزية في ميزانية الجامعة، وهي أن بعض الكراسي التي يشغلها الأجانب تنحلّ إلى مناصب أساتذة مساعدين إذا شغلها المصريون؟ ثم فيم التضييق على الموظفين، أو بعبارة أدق على بعض الموظفين، هؤلاء الذين توقفت حقوقهم في العلاوات والترقيات رغبةً في الاقتصاد، وإشفاقًا على خزانة الدولة من العسر، بل من الإفلاس، ثم لا يمنّ اللّٰه عليهم باستثناء من هذه الاستثناءات التي تسقط على بعض الموظفين الآخرين، كما يسقط الندى على أزهار الربيع؟
أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة مكتظة بالمال إلى هذا الحد؟ وأقبل بعضهم على بعض يتحدثون أيضًا بأن من الفلاحين من يبيع ماشيته ليؤدي المصروفات عن أبنائه، وبأن من الفلاحين من بيعت حتى آنيتهم اليسيرة لأداء الضرائب، وبأن من الفلاحين من عبثت بأجسامهم السياط فمزقتها تمزيقًا، ومن عبثت بقلوبهم اللوعة فحرقتها تحريقًا، وبأن من الفلاحين من شُدّ بعضهم إلى بعض في حبل، وسيقوا إلى مركز الشرطة، تلهب جلودهم السياط إن تلكأوا وأبطؤوا. وبأن من أهل المدن من تضيق بهم الحال، وتنقطع بهم أسباب العيش، حتى ليقضون بياض النهار وسواد الليل لا يجدون ما يأكلون، ولا يجدون ما يُلهون به صغارهم عن ألم الجوع. وبأن هذا الحرمان المنكر قد أخذ يعبث بالناس في بعض أحياء القاهرة حتى ظهر فيها التيفوس، وحتى هجم هذا التيفوس على مستشفى القصر العيني وكلية الطب فأصاب فريقًا من الأطباء ونفرًا من الطلاب والطالبات. وبأن كثيرًا من الأغنياء الذين لم يعرفوا البؤس قد ذاقوا مرارته، وتجرعوها، واحتملوا ألوانًا من الذل في الاقتراض، يلتمسونه في هذا المصرف فيأبى، ويلتمسونه في ذاك المصرف فيردهم خائبين، وما تعودوا قط أن يسألوا، وما تعودوا قط أن يذوقوا ألم الرد والاعتذار.
أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون: فيم هذا كله إذا كانت خزانة الدولة غنية هذا الغنى، مثرية هذا الإثراء، موفورة الحظ، لا من الألوف ولا من مئات الألوف، بل من الملايين؟! وأخذ بعضهم يجيب بعضًا بطائفة من الأجوبة لا يسر الحكومة أن تعرفها لو أن الحكومة تشعر بما يشعر به الشعب من ألم، ولو أن الحكومة تجد ما يجد الشعب من أذى، ولو أن الحكومة تحسب لما يدور في نفس الشعب حسابًا.
قال بعضهم إن الإنجليز تعصرهم الأزمة، وهم يعصرون الحكومة المصرية، كما قالت الأهرام منذ أسابيع، والحكومة مضطرة أن تعصر الشعب، فتستصفيه من هذه البقرة الحلوب التي تسمى مصر، يستصفيه منها الإنجليز فيما يريدون أن ينهضوا به من الأعمال في السودان وفي الحبشة.
وقال بعضهم إن ذاكرة المصريين قصيرة، فهم قد نسوا أن الصحف الإنجليزية في الصيف الماضي، وفي الخريف الماضي، تحدثت فأطالت الحديث عن وزير الأشغال السابق، وعن بعض المقاولين، وعن مشروعات هائلة للري وغير الري ستُنفق فيها الملايين والملايين. فلم يكن بد إذن من أن تُهيّأ الأموال وتُدخر، حتى إذا تهيأ الإنجليز للأخذ في هذه المشروعات كانت الأموال مهيأة مرصدة، فانتفعت الشركات الإنجليزية، واندفعت إلى الانتفاع، ووجدت منها الوزارة المصرية في بلاد الإنجليز أعوانًا لها على البقاء في مناصب الحكم.
وقال بعضهم الآخر: ليس المصري قصير الذاكرة فحسب، ولكنه سريع الانخداع؛ تعبث به الألفاظ وتستهويه الوعود، فيصدق ما لا يجب تصديقه، ويؤمن بما لا يجب الإيمان به. زعموا أن طرائق الحكم في هذا العصر الحديث قد تغيرت، فأصبح الشعب لا يُستغل ولا يُستذل، ولا يُسخر لمنفعة سادته ومواليه، وإنما تُدبر أموره لنفسه، وتُجبى منه أمواله لتُرد عليه. ورأى المصري هذا واقعًا في البلاد الأوروبية، وسمع أن بلده قد أصبح جزءًا من أوروبا، فانخدع، وظن أن أموره ستجري كما تجري أمور الأوروبيين، وأن وزارته قد قامت لتخدمه لا لتظلمه، وأن أمواله تُجبى منه لتنفق عليه، وتُرد عنه السوء إن تورط فيه.
حتى إذا كانت هذه الأيام السود، نظر إلى الوزارة فإذا هي تقطب له الجبين، ودعا الوزارة فإذا هي تضع الأصابع في الآذان، وألحّ على الوزارة فإذا هي تعلن الفقر، وتعلن الإعدام، وتلح في إعلانها. ثم لم تكتفِ الوزارة بالتقطيب له والإعراض عنه والإباء عليه، بل أقبلت عليه تستعينه على أزمتها، وتلتمس منه أن يكشف عنها ضر الفقر والإعدام، فإن عجز عن ذلك كذبته وعذبته، واضطرته إلى أن يكون عندها ما تريد. وقد احتمل التكذيب، وخضع للتعذيب، وأدى من راحته وأمنه ودمه ما طُلب منه، ثم نظر فإذا هو بائس، وإذا الحكومة ناعمة، وإذا هو معسر والحكومة موسرة، وإذا هو يلتمس القرش وبعض القرش إن كان فقيرًا فلا يجده، ويلتمس الجنيه أو بعض الجنيه إن كان غنيًا فلا يظفر به، وإذا الحكومة قد وفرت ثلاثة ملايين ونصف مليون في أقل من عام!
ظن المصري المخدوع أنه يحكم لنفسه، فإذا هو يحكم لغيره! واعتقد المصري المغرور أن الوزارات قد قامت لتخدمه، فإذا هي قد قامت لتهضمه! وآمن المصري الغافل بأن طرائق الحكم قد تغيرت، وبأنه قد أصبح سيدًا راشدًا مالكًا لأمره، فإذا طرائق الحكم هي هي كما كانت في العصور القديمة؛ تغيرت أشكالها ولم تتغير حقائقها، وإذا هو كما كان في العصور القديمة مسودًا قاصرًا، لا يملك لنفسه نفعًا، ولا يدفع عن نفسه ضرًّا. وإنما أموره كلها إلى سادته المعصومين، الذين يقضون في أمره وفي أمواله كما يريدون، لا كما يريد!
تحدث الناس بعضهم إلى بعض بهذه الأحاديث المرة التي تنقطع لها القلوب، وتتصدع لها الأفئدة، وتذوب لها النفوس. وزاد أحاديثهم مرارة، وآلامهم لذعًا، أن الوزارة تفاخر بهذا الاقتصاد، وأن حاشية الحكومة تتمدح بهذه الثروة الحكومية، والشعب معسر معوز معدم، تلفحه الفاقة ويحرقه الجوع.
وأصبح الناس اليوم، وسيمسي الناس اليوم، وسيصبحون غدًا ويمسون، وفي مصر صوتان يسمعهما الشعب: صوت ينكر غنى الحكومة وبؤس الأمة، وصوت يحمد غنى الحكومة ويراه مفخرة لرئيس الوزراء. وهذان الصوتان يقعان من نفس الشعب مواقع مختلفة، ولكنهما كليهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة، وهي إحساس الشعب بأنه بائس تعس، مستغل مستذل، يرثى له قوم، ويسخر منه قوم آخرون.
ونتيجة هذا الإحساس المؤلم الذي يجده الشعب، والذي يتغلغل في طبقات الشعب كلها، سيئة منكرة، يعرفها رئيس الوزراء، ويقدرها إذا خلا إلى نفسه، ولكنه لا يريد أن ينزل عندما تقتضيه من المواقف، وعندما تدعو إليه من الاستقالة والتنحي عن الحكم لقوم آخرين هم أرفق بالشعب وأعطف عليه، وأرحم له من أن يدعوه في هذا البؤس والعسر والفاقة، بينما تقتصد الحكومة ثلاثة ملايين ونصف مليون!
كل شيء في مصر الآن مؤلم محرج، يثير حفيظة الشعب، ويملأ قلبه مرارة وحزنًا: حكومته غنية وهو فقير، حكومته مترفة وهو بائس، حكومته مسرفة وهو لا يجد ما ينفق. ثم يفكر الشعب فيرى رئيس وزرائه يستمتع بما لا يستمتع به المصري العادي، يعمل أشهرًا ويقتضي أجر سنة! ومع ذلك فبين المصريين من يعملون ويجدّون ثم لا يقتضون شيئًا، وبين المصريين من يصيبهم المرض، فإذا ظهر أنه مانع من العمل أُبعدوا عن أعمالهم، وإذا ظهر أن علاجه قد يطول أُنقصت أجورهم. فماذا بال رئيس الوزراء لا يكون كغيره من الناس؟ ما باله لا يعتزل العمل إن كان مرضه لا يمكنه من المضي فيه؟ وما بال أجره لا ينقص كأجر غيره من الموظفين إن كان علاجه يحتاج إلى زمن طويل؟ وما بال مصالح الدولة كلها توكل إلى من لا يستطيع أن ينهض بها أو يقوم عليها؟
اللّٰه يشهد ما نحب لرئيس الوزراء إلا أن يكون كغيره من الناس في كل شيء: في نتائج الصحة، وفي نتائج المرض، وفي نتائج القدرة، وفي نتائج العجز.
كل شيء مؤلم ممضٍّ في مصر الآن: حكومة غنية، وشعب بائس؛ رئيس وزارة يمتاز في مرضه من بقية الناس، بل من بقية رؤساء الوزارات؛ وموظفون في الدواوين يُوكَل بكل مهم الخدم والخادمات. والمصريون خارج الحكومة يجدّون ويجهدون، ويحتملون ألوان المكروه لعلهم يعيشون، فتضيق بهم الحياة، وتتقطع بهم الأسباب، وتفتح أمامهم أبواب من اليأس، فإذا نظروا منها رأوا من الآثام والسيئات ما لا نحب أن نتحدث عنه أو أن نفكر فيه!
كوكب الشرق ٢٤\٤\١٩٣٣
Tag: عدم المساواة
-
أحاديث | Conversations
-
تنبيه | A Warning
حديث المساء: تنبيه
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أبريل ١٩٣٣
لا أعرف شعبًا كهذا الشعب المصري يلقى أشد ما تلقى الشعوب من عناء، ويبذل أقصى ما تبذل الشعوب من جُهد، ويحتمل أثقل ما تحتمل الشعوب من أعباء، مبتسمًا لهذا كله، راضيًا بهذا كله، مُخلِصًا في هذا كله، ثم هو بعد ذلك لا يُكافأ على ما يلقى ويبذل ويحتمل، إلا بالعقوق والجحود، وإلا بالاستهانة والازدراء!
يهبط الأجنبي إلى مصر فقيرًا معوزًا، فما هي إلا أن يغنى بعد فقر، ويُثري بعد عَوَز، ويهبط الأجنبي إلى مصر غنيًّا موسرًا، فما هي إلا أن يضاعف ثروته، ويعظم حظه من اليسار، ويهبط الأجنبي إلى مصر جاهلًا، فما هي إلا أن يصبح عالمًا، أو عالمًا فما هي إلا أن يصبح من كبار العلماء وأفذاذهم. قَلَّمَا ينزل أجنبي أرض مصر فتضيق به سبل الحياة أو تُغلق دونه أبواب الرجاء، أو ترده مصر عنها قانطًا خائب الأمل، والمصري يبذل ما يستطيع وما لا يستطيع ليغني الأجنبي بعد فقر، ويؤمنه بعد خوف، ويرضيه بعد سخط، ثم هو لا يجِد من الأجنبي إلا عقوقًا وجحودًا، وإلا ازدراءً وامتهانًا، هذا الأجنبي يضيق بمصر؛ لأن جوها يؤذيه في الصيف، وإن استمتع به في الشتاء، وهذا الأجنبي يضيق بمصر لأن حاجتها إلى الجمال الصناعي، والزينة المتكلَّفة، والعناية بأمور الصحة، ما زالت شديدة ماسَّة، وإن كان قد استأثر فيها بالخير، وإن كان قد استبدَّ فيها بإدارة الأموال والأعمال وإن كان قد أشرف فيها على تدبير كل شيء، فعليه التبِعة فيما يشكو منه، قبل أن تكون على أي أحدٍ آخَرَ من الناس، وهذا الأجنبي يضيق بجهل مصر وإن كان قد دُعِيَ إلى أن ينهض فيها بأمور التعليم، ومُنِحَ على ذلك أجرًا لم يكن ليحلم ببعضه في بلاده، فلما هبط إلى مصر لم يُخلِص في عمله، ولم يبذل للمصريين من علمه القليل أو الكثير إلا بمقدار، ولم يَكُفَّ في لحظة من اللحظات عن التفكير في أن بذل العلم للمصريين خطر؛ لأنه يزيل عنهم الجهل، ويكشف عنهم الظلمة، ويجعلهم مثله، وقد يغنيهم عنه، وقد يدفعهم إلى أن يضيقوا به ويشعروا بما يتعمد من إهمال وتقصير. وابحث عن حياة الأجنبي في مصر من أي ناحية من أنحائها، وفي أي سبيل من سُبُلِهَا، فستراها قائمة دائمًا على هذه القاعدة: خُذْ من المصريين أكثر ما تستطيع، وأعطهم أقل ما تستطيع. أظهر للمصريين مودةً وعطفًا، وأضمر لهم ازدراءً واستخفافًا، حتى إذا انقطعت حاجتك إليهم فأظهر لهم ما كنت تُضمِر، وأَبِن لهم عمَّا كنت تخفي! وكذلك نلقى الأجنبي في مصر، فتحس منه ظرفًا ومودةً وإيناسًا، ثم تنقطع الصلة بينك وبين هذا الأجنبي، وتسنح له فرصة الحديث عنك، فلن يقول إلا شرًّا …!
كذلك حال مصر مع الأجنبي، وليست حال مصر مع بعض المصريين بخير من حالها مع الأجانب، يُظهر المصري شيئًا من الكفاية والمقدرة، فما أسرع ما تفتن به مصر، وما أسرع ما تحوطه بألوان العناية والرعاية، وضروب التشجيع والتأييد، حتى يصبح رجلًا ذا خطر، وينزل منزلة اجتماعية ظاهرة ممتازة، وإذا هو ينسى الذين رعوه وعُنُوا به، والذين أيَّدوه وشجعوه، والذين رفعوه إلى مكانته الظاهرة، وأنزلوه منزلته الممتازة، وإذا هو يفكر في نفسه قبل أن يفكر فيهم، ويعنى بنفسه قبل أن يعنى بهم، ويصبح أثرًا من الطراز الأول، لا يعرف إلا نفسه، ولا يعمل إلا لنفسه، ولا ينظر إلى الشعب إلا على أنه وسيلة تنبه الخامل، وترفع الوضيع، وتوصل الناس إلى ما يبتغون من المنافع والمآرب والآمال، وإذا هو لا يتحرَّج إن أتيح له شيء من السلطان، من أن يتخذ السلطان وسيلة إلى المنفعة، وإن اضطره ذلك إلى العقوق والجحود، وإذلال الشعب الذي رفعه بعد ضعة، ونبَّه من شأنه بعد خمول. وتستطيع أن تبحث عن حياة كثيرين جدًّا من كبار الموظفين، فسترى أنها تقوم على هذه القاعدة: خادِع الشعب ما احتجت إلى خداعه، فإذا بلغت غايتك وحققت أملك، فأفد لنفسك ما تستطيع من منفعة، وحقق لنفسك ما تستطيع من مآرب، واحذر أن يقوم وفاؤك للشعب عقبة بينك وبين شيء مما تريد …!
وهذه وزارات لم يكُن أعضاؤها شيئًا قبل أن تُلقَى إليهم أَعِنَّةُ الحكم وأَزِمَّتُه، فما هي إلا أن يختلف أعضاؤها هؤلاء إلى مكاتبهم، ودواوينهم، حتى يتبيَّن ماضيهم القريب، ومستقبلهم المحتوم، ويُلهيهم المنصب عن كل شيء إلا لذة المنصب والجاه والسلطان، وإذا هم ينعمون بهذه اللذة، ويتهالكون عليها، ويُضَحُّونَ في سبيلها بأشياءَ كثيرة، أيسرها منافع هذا الشعب الذي إنما رفعهم إلى مناصِبِ الوزارة ليكونوا له خُدَّامًا لا أكثر ولا أقل.
وكذلك يريد الله لهذا الشعب الهادئ الوادع في نشاط وقوة، أن يكون ألعوبة للذين يحسن إليهم، ويُسدي إليهم الصنيعة والمعروف، وهو يحس هذا العقوق أحيانًا فينكره ويضيق به، ثم لا يلبث أن ينساه ويُعرِض عنه، وهو حين ينكر رفيق في الإنكار، وهو حين يضيق متسامح في الضيق، فلا يحفل بإنكاره ولا بضيقه هؤلاء الذين يعقونه ويجحدون فضله ويجزون إحسانه إليهم بالإساءة إليه، وهو حين ينسى مُغرِق في النسيان، قَلَّمَا يتذكر وقلما يتفكر، ويستغل خصومه قِصَرَ ذاكرته وسعة مغفرته، فيَغْلُون في الإساءة إليه، ويُغرِقون في ازدرائه وإهماله والانصراف عن التفكير فيه.
بهذا وحدَه تستطيع أن تفسر هذه الحياة المنكرة التي نحياها، والتي يسعى إلينا الشر فيها من كل سبيل، وتهجم علينا الكوارث فيها من كل وجه، فلو أن الذين إليهم أمورنا السياسية يقدرون أنهم حين نهضوا بأمورنا السياسية، لم ينهضوا بها لأنفسهم وإنما نهضوا بها للشعب، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم ليسوا سادتنا وإنما هم خُدَّامنا، وإنهم بحكم مناصبهم ومكانتهم لا ينبغي أن يستذلونا ولا أن يستغلونا، وإنما ينبغي أن يستذلوا أنفسهم لمصلحة أمتهم، وأن يستغلوا جهودهم لمنفعة بلادهم، لو أن الذين إليهم أمور سياستنا يقدرون هذا لَمَا طغى منهم طاغٍ، ولا بغى منهم باغٍ، ولما أُهدِرَت حقوق، وامتُهِنَتْ كرامات، ولقيت الحرية ما تلقى في هذه الأيام، ولو أن ذاكرة الشعب لم تكن قصيرة، ولو أن تسامُح الشعب لم يكن مسرفًا، لاضْطُرَّ هؤلاء الساسة أن ينكروا الشعب، ويحسبوا له حسابًا، فيردوا نفوسهم عن شهواتها، ويضطروها إلى القصد، والعدل، والإنصاف، والاعتراف بالجميل. ولو أن الأجانب الذين يَفِدُون إلى مصر يقدرون حقهم وواجبهم في مصر كما يقدرونهما في بلادهم، ويستمعون لضمائرهم في مصر كما يستمعون لضمائرهم في بلادهم، لما لقيت منهم مصر ما تلقى من هذه المودة الظاهرة والعقوق الخفي، ولو أن مصر لم تكُن مُغرِقة في التسامح، ولا مسرفة في النسيان، ولا غالية في التهاوُن بحقها وكرامتها، لما طمع فيها الأجنبي، ولا وجد إلى خداعها والمكر بها سبيلًا. ولو أن مصر إذا جاعت أَمَضَّهَا الجوع، ولو أن مصر إذا ظمئت أضناها الظمأ، لما كانت فيها هذه الحوادث التي أخذت الأزمة الاقتصادية تحدثها، والتي أخذت تبدو الآن يسيرة، ولكنها على ذلك مروعة مخيفة، تُنذِرُ بِشَرٍّ لا يعلم نتائجه المنكرة إلا الله. هذه الأعراض الخطرة للجوع والبؤس، قد أخذت تظهر في القاهرة بشكل مفزع مخيف، هذه حُمَّى التيفوس تسعى بين الفقراء المعدمين بشرها ونكرها، وهؤلاء الفقراء المعدمون يسعون بهذه الحمى فيحملونها إلى أطبائهم في القصر العيني ليردوا عنهم شرها، فإذا الشر أقوى من الأطباء، وإذا الأطباء أنفسهم يسقطون في شباك هذه الحمى، وينقلون إلى المستشفى مع مرضاهم، وإذا طلاب كلية الطب لا يخلصون من هذه الحمى، فيسقطون في شباكها أيضًا، هذا هو المرض يغزو قلعة الطب ويَضطرها إلى الدفاع، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي الغازِيَة، وكان يجب أن تكون هذه القلعة هي التي ترسل جيوشها إلى أحياء الفقراء والمعدمين، لتكافح فيها الشر والضُّرَّ، وترد عنها جيوش الأوبئة والأمراض، ولكن أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم تدبير ثروة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ أين السبيل إلى ذلك والذين إليهم حماية صحة الشعب لا يفكرون في الشعب؟ وإنما يفكر أولئك وهؤلاء في مناصبهم أولًا، ثم في تمكُّنهم من هذه المناصب ثانيًا، ثم في استمتاعهم بلذَّات هذه المناصب وجاهها، ثم في الشعب بعد هذا وهذا وذاك، كيف السبيل إلى ذلك والمصري قد تعوَّد أن يجوع فيحتمل الجوع وأن يظمأ فيحتمل الظمأ، وأن يعدم فيألف الإعدام، تقصير من أولي الأمر في ذات الشعب، وتقصير من الشعب في ذات نفسه، والحمى تستفيد من تقصير أولي الأمر، ومن تقصير الشعب فتفتك بالفقراء، وتغزو الأطباء، كما يستفيد الأجنبي من تقصير أولي الأمر في ذات الشعب، ومن تقصير الشعب في ذات نفسه، فيعبث بحقوق الشعب وحرياته وثروته، ومقومات حياته الوطنية كلها، ويسخر بعد ذلك من المصريين جميعًا …!
فكرت في هذا كله حين قرأت في الصحف صباح اليوم أن رئيس الوزراء المريض قد حدَّد موعد سفره للاستشفاء، فسيسافر في منتصف الشهر المقبل فيقضي في أوروبا أربعة أشهر أو نحوها، ومن قبل ذلك مرض رئيس الوزراء شهرين، لم يعمل فيهما شيئًا، وبين مرض الرئيس وسفره أخذ يختلف متباطئًا متثاقلًا بحكم المرض إلى ديوانه، فلا يكاد يعمل شيئًا، ومن قبل هذا كله أقام في أوروبا ثلاثة أشهر أو نحوها مستشفيًا متروِّضًا، وهو في أثناء هذا كله يحتفظ برياسة الوزارة، ويقبض مرتب رياسة الوزارة، ويعطل مصالح البلاد لأنه مسافر يتروَّض، أو لأنه مريضٌ، أو لأنه في دور النقاهة، أو لأنه مسافر يستشفي.
لو قدر رئيس الوزراء حق بلاده عليه لما أذن لنفسه أن يحتفظ بمنصبه هذا، وهو عاجز عن النهوض به، ولو قدر المصريون حقهم على أنفسهم لما قبلوا من رئيس وزرائهم أن يحتكر رياسة الوزراء، ولا يعمل فيها إلا ثلاثة شهور أو أربعة في سنةٍ كاملة، ولكن مصدر الشر كله في مصر أن الشعب متسامح مسرف في التسامح، وأن حكام الشعب يغلون في استغلال هذا التسامح، فلا يحفلون بالشعب ولا يلتفتون إليه …!
متى يتنبه الشعب إلى حقه، فيَجِدَّ في المطالبة به والحرص عليه؟ ومتى تتنبه ضمائر الحكام فتردع أصحابها عمَّا يتورطون فيه من اعتداءٍ أو إهمالٍ؟