حديث المساء: مريض
طه حسين
كوكب الشرق
٢٠ ديسمبر ١٩٣٣
ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.
في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.
أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.
ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.
ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.
وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟
هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.
ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.
وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.
أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.
سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!
Tag: فن الحكم
-
رجل | A Man
رجل
طه حسين
كوكب الشرق
٢٣ أكتوبر ١٩٣٣
اللهم لا رادَّ لما قضيتَ، ولا مانعَ لما أمضيتَ، ولا منكرَ لحكمكَ، ولا معقب لأمرك، وإنما هو
الإذعان لقوتك البالغة يعصمنا من الجهل، والطمع في رحمتك الواسعة يعصمنا من اليأس، فقد أردتَ —
فلا مبدِّلَ لما تريد — أن تكون حياة الشعوب أمام الأحداث والخطوب، مزاجًا من العجز عن مناهضة
القضاء، ومغالبة الأيام، ومن الأمل في لطفك الذي لا حد له، ورحمتك التي وسعت كل شيء. ولو أن
بالشعوب قدرة على مناهضة القضاء، ومخاصمة الخطوب، لناهضت مصر وخاصمت، في هؤلاء الكرام الأوفياء
من أبنائها الذين يعدو عليهم الموت أنفع ما يكونون لبلادهم، وأقدر ما يكونون على خدمة أمتهم،
وأجدر ما يكونون باتصال الأَجَل وطول الحياة. ولو أن بالشعوب يأسًا أمام تتابع الحوادث، وتلاحُق
الكوارث، وهذه النكبات التي تصيبها فلا تنقطع، لَيئسَتْ مصر أشد اليأس أمام هذه الأيام السود
التي تفجعها في العظيم من أبنائها إثر العظيم، وتنكبها في الوفي من قادتها إثر الوفي، وكأنما
اصطلحت مع أولئك الذين لا يرعون لها حقًّا، ولا ذمة، ولا يحفظون لها كرامة ولا حرمة من
المستعمرين؛ على نصب الحرب لها، وتسليط الشر عليها، فهي لا تخلص من خطب حتى تتجشم خطبًا آخَر،
ولا تهدأ لوعتها لحزن، حتى تدخل في حزن جديد، ولكن حياة الشعوب كما قلتُ مزاج من الإذعان للقضاء
والرضى به، ومن الأمل في المستقبل والسعي إليه، في غير ضعف ولا فتور، وفي غير يأس من روح الله،
ولا استسلام للحادثات.
وكذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع الذي انتهى إليها أمس من باريس بأن رجلها العظيم قد مات،
فلا أمل في لقائه، ولا رجاء في الانتفاع بما كان يمتاز به من الجد، والصدق، والإخلاص، والنزاهة،
والوفاء.
نعم، كذلك تستقبل مصر هذا النبأ المروع راضية بقضاء الله، مذعنة لسلطانه، مستمدة من رحمته
العون على احتمال الخطب، ومجاهدة الأيام، مسجلة اسم عدلي وشخصه بين هذه الأسماء الكريمة
والأشخاص العظيمة التي تسجلها في قلبها الخالد، هذا القلب الأبِيِّ الكريم، هذا القلب العزيز
الصبور الذي لا يعرف النسيان، ولا اليأس، ولا الضعف، ولا الذلة إليه سبيلًا.
رحم الله عدلي، لقد كان رجلًا حقًّا بأوسع ما تدل عليه هذه الكلمة من معنى، وبأدق ما تدل عليه
هذه الكلمة من معنى، وبأرفع ما تدل عليه هذه الكلمة من أخلاق.
كان صادقًا يكره الكذب، وينفر منه، وكثير من رجال السياسة وأصحاب المنافع يتخذون الكذب أداةً
من أدوات الفوز، ووسيلةً من وسائل النجح، وزينةً بين المهرة والبارعين.
وكان وفيًّا يكره الغدر، وكثير من رجال السياسة مَن لا يتحرَّج من الغدر، ولا يضيق به، ليبلغ
ما يريد، ويحقِّق ما يطمع فيه من الأغراض الخاصة والعامة.
وكان أبِيًّا لا يقبل الضيم ولا يستريح إلى الذل، وكثير من رجال السياسة لا يكرهون أن يضحوا
بعزتهم وكرامتهم، ولا أن يضحوا بكرامة أمتهم وعزتها في سبيل المنصب، أو ما هو دون المنصب من
المنافع والمآرب والآمال.
كان نقي النفس، نقي القلب، نقي الضمير، نقي اليد، نقي اللسان. كان صورةً صادقةً للفضيلة في
حياة الأفراد، وكان صورة صادقة للفضيلة في حياة الأمم، كان المثل الأعلى للرجل الذي تستطيع
الشعوبُ أن تركن إليه، ولا تخشى منه ميلًا إلى الهوى، ولا تأثُّرًا بالشهوة، ولا انحرافًا عن
الحق، ولا استكانة لقوة الأقوياء.
يستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل فيما كان بينه وبين أصدقائه وأوليائه وأصحابه
والمتصلين به، من علاقة، فلن يجدوا فيها إلا الكرم والنبل، ولن يجدوا فيها إلا الصفاء والنقاء،
ولن يجدوا إلا جمال الطبع، وصفاء القلب، واعتدال المزاج، والعلم بما يحسن وما لا يحسن،
والتنزُّه عمَّا لا يليق، والحرص كل الحرص على ما يجمل بالرجل الكريم.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل العظيم فيما شغل من مناصب الدولة قبل أن
ينهض بأعمال السياسة العليا، فلن يجدوا فيها إلا الأمانة التي لا حدَّ لها، والحرص على العزة
والكرامة، في وفاءٍ وإخلاصٍ وأداءٍ للحق أمام رؤسائه من المصريين وغير المصريين، والتعفُّف
عمَّا يلوِّث نفوس كثير من الذين يشغلون المناصب فيلتمسون فيها الجاه، ويلتمسون فيها الغنى،
ويلتمسون فيها تحقيق الحاجات وإرضاء اللباقات.
ويستطيع الناس أن يدرسوا دقائق الحياة لهذا الرجل منذ اشترك في النهوض بأعباء السياسة المصرية
العامة، فلن يجدوا فيها إلا الإخلاص لمصر في حَزْم لا يعرف الضعف ولا التردُّد، ولن يجد الناس
فيها إلا الوفاء لمصر في فهم وبصيرة وتقدير للأمور لا يقلد، ولا يتابع، وإنما يجتهد ما وسعه
الاجتهاد، ثم يمضي في تحقيق رأيه والذود عنه، ما وسعه ذلك أو وجد إليه سبيلًا. حتى إذا أدركه
العجز لم يستحِ أن يعلن العجز، وحتى إذا أحسَّ أن الطريق الشريفة الأمينة المستقيمة قد سُدَّتْ
من دونه وأخذت عليه، لم يتردد في أن يعتزل السياسة ويلزم داره، تاركًا للقادرين على العمل أن
يمضوا في العمل، مستعدًّا دائمًا لِأَنْ يستجيبَ لدعاء الحق والواجب والوطن، كلما دعاه الحق
والواجب والوطن إلى النزول في الميدان.
ولقد نهض هذا الرجل مع صديقه رشدي بأعباء الحكم أثناء الحرب فاحتمل تبعاته، راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، حتى إذا انقضت الحرب، وطالَبَ الوفد بحرية الشعب واستقلاله، لم يتردَّد
في أن يسير مع الوفد في طريقه إلى الحرية والاستقلال، وفي أن يحتمل تبعات ذلك راضي النفس، مطمئن
القلب، مستريح الضمير، كما كان يحتمل تبعات الحكم من قبلُ.
ولقد آلَتْ إليه أمور الحكم بعد أحداث طوال وخطوب جسام، فلم يتردَّد في النهوض بها، واحتمال
تبعاتها ما وسعته قوته، وما وسعه اقتناعه بأنه على الحق. ولقد خاصَمَ في ذلك صديقه سعدًا ما
وسعته الخصومة، حتى إذا عجز عن تحقيق أمنيته وأمنية مصر، عاد ولم يتردَّد في أن يعلن أنه قد عجز
عمَّا حاوَلَ وأخفق فيما أراد.
فلما طُلِب إليه أن يؤلِّف حزبًا لمناهضة سعد، أبَى ذلك واشتدَّ في الإباء؛ لأن مناهضة سعد
والوفد لا تصلح موضوعًا لتأليف الأحزاب، ولا ينبغي أن يُقدِم عليها المصري الذي يحب وطنه ويخلص
له الحب. حتى إذا صدر تصريح ٢٨ فبراير، وأخذت وزارة ثروت تهيِّئ لإصدار الدستور، رأى أن هذا
الدستور وذلك التصريح خليقان أن تُؤلَّف الأحزاب لحمايتهما، واستغلالهما واتخاذهما وسيلةً إلى
تحقيق الاستقلال؛ فألَّفَ حزب الأحرار الدستوريين، ووجَّهَ سياسته عامًا وبعض عام، وخاصَمَ في
أثناء ذلك سعدًا والوفد ما وسعته الخصومة، وخاض مع حزبه معركة الانتخاب، مخاصِمًا لسعد والوفد،
قويًّا في الخصومة، حتى إذا ظهرت نتيجة الانتخابات، وقضى الشعب لسعد والوفد، لم يتردَّد عدلي في
أن يعترف بهذا الحكم الشعبي، وفي أن يذعن له لا في القول وحده، بل في القول والعمل؛ فاعتزل
السياسة واستقال من الحزب، واستقر في داره، تاركًا للذين جدَّدَ الشعبُ ثقتَه بهم، وتوكيله لهم،
أن يعملوا ويحقِّقوا ما يستطيعون تحقيقه من الاستقلال.
ثم تعاقبت الحوادث، واتصلت الخطوب، واستقال سعد، وحُلَّ مجلسُ النواب، وعُرِضت أعباء السياسة
العامة على عدلي، فلم يقبلها ولم يَمِلْ إليها؛ لأنه كان مؤمنًا أصدق الإيمان بأن حقوق الشعب لا
يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه، وأن الدستور وحده يجب أن يكون الحَكَم لنهوض الناس
بأعباء الأمور العامة.
وظل هذا الرجل مستقرًّا في داره لا يحتمل تبعات الحكم — وما كان أيسر ذلك عليه لو أراده أو
طمع فيه — حتى إذا أذن مؤذن الائتلاف، كان أسرع الناس إجابةً إلى الائتلاف، وكان أحرص الناس على
نسيان الأحقاد ومحو الضغينة؛ لأنه لم يكن يضطغن ولا يحقد في الأمور العامة، إنما كان يعمل
مخلصًا مجتهدًا، يخطئ كما يخطئ غيره، ويصيب كما يصيب غيره.
أسرَعَ إلى الائتلاف، ورأَسَ وزارتَه، وعمل فيها صادقًا مخلصًا، وفيًّا أمينًا، ثم استقال،
وما هي إلا أن تتصل الحوادث ويُعطَّل الدستور، وإذا هذا الرجل الوفي الأمين يعود إلى داره
فيلزمها، ويعتزل الأعمال السياسية التي لا تقوم على رضى الشعب؛ لأنه كان يؤمن إيمانًا صادقًا
بأن حقوق الشعب لا يمكن أن تُنتزَع منه بعد أن رُدَّتْ إليه. ثم تتابع الحوادث وإذا الواجب يدعو
هذا الرجل الوفي الأمين إلى النهوض بأعباء الحكم مرةً أخرى ليردَّ إلى الشعب حقه، وليُعِيد إليه
حياتَه الدستورية النيابية؛ فلا يتردَّد في أن يستجيب لهذا الواجب، ولا يتردَّد في أن يُعلِن
رأيه جليًّا صريحًا، فيؤلِّف وزارته ليُجرِي الانتخابات لمجلس النوَّاب، لا لمجلس الشيوخ، حتى
إذا أجرى هذه الانتخابات، وقضى فيها الشعب للوفد، استقال تنفيذًا لأحكام الدستور، وإحياءً للسنة
النيابية الصالحة.
هنالك عُيِّنَ رئيسًا لمجلس الشيوخ، فنهض بعمله هذا، كما نهض بأعماله جميعًا صادقًا، مخلصًا،
نزيهًا، وفيًّا، أمينًا.
وكانت حياة عدلي باشا منذ صدر الدستور إلى ذلك الوقت وفاءً كلها للدستور، وإيمانًا كلها بأن
حقوق الشعب لا يمكن أن تُؤخَذ منه بعد أن رُدَّتْ إليه.
ثم تتابعت الحوادث ووثبت وزارة صدقي باشا إلى الحكم، فلم يتردَّد هذا الرجل الوفي للشعب،
الأمين على حقوقه، في أن يحتمل ثقل الأمانة مهما يعظم، وفي أن يؤدي الواجب الوطني مع الذين
أدَّوه يومئذٍ في أيسر حال وأهونها، لا متكلِّفًا ولا متصنِّعًا، ولا معتزًّا بذلك، ولا ممتنًا
به على أحد؛ لأن الوفاء والاستجابة للواجب وأداء الأمانة الوطنية على وجهها، كل ذلك كان طبيعةً
في عدلي، يصدر عنه كما يصدر الضوء عن الشمس، وكما يصدر النشر الطيب عن الزهرة العطرة.
أنكَرَ عدلي، كما أنكر غيره من الزعماء، كلَّ تلك الأحداث التي جناها صدقي باشا على أمته،
واعتزل السياسة العاملة، واستقرَّ في داره عزيزًا أبيًّا، ينتظر أن يدعوه الواجب الوطني الصحيح،
البريء من كل مداورة أو مناورة، الواجب الذي يحسه الناس جميعًا، الواجب النقي الطاهر الذي لا
يشوبه طمع ولا طبع، ولا يشك فيه أحد من الناس. وكم عُرِضت على عدلي أمور فرفضها، عزيزًا كريمًا،
وفيًّا أمينًا.
رحم الله عدلي. لقد أجمعت أمته على حبه، بعد هذه المواقف الرائعة، وبعد هذا النصح الخالص الذي
نصحه لها، ولقد أجمعت أمته على الثقة به، ولقد أجمعت أمته على ادخاره للأحداث، ولقد أجمعت أمته
على اتخاذه وسيلةً كريمة عزيزة من وسائل الفوز بالأمل والخلوص مما تقاسيه من الشر والضر.
ولكن الأيام أبَتْ إلا أن تمتحن الأمة فيه كما امتحنتها من قبلُ في غيره من عظمائها المخلصين
وقادتها الأوفياء، فمضى أمس، وإنه لَرجل الدولة حقًّا كما قال فيه حضرة صاحب الدولة الرئيس
الجليل مصطفى النحاس باشا.
مضى وإن المصريين جميعًا ليحبونه ويعقدون به الآمال، فإذا المصريون جميعًا يبكونه ويسألون
الله أن يلهمهم عنه أحسن العزاء.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم. لقد نفع أمته حيًّا أحسن النفع، وإنَّ ذِكْره بعد موته لَينفع
أمته أحسن النفع، لقد كان في حياته قدوةً صالحةً للذين يريدون أن يخدموا أمتهم، فيخلصون في
الخدمة، لا يتخذونها وسيلة إلى العظمة، ولا مظهرًا من مظاهر الرياء. وإنه الآن بعد موته لَقدوة
صالحة للذين يريدون أن تفي الأمة لهم كما وفوا لها، وأن تحبهم كما أحبوها، وأن تعرف لهم حقهم
كما عرفوا لها حقها.
في ذمة الله هذا الرجل العظيم، وفي ذمة الله هؤلاء العظماء الذين سبقوه إلى دار
الخلود.