Tag: مؤتمر يالطا

  • أزمة | Crisis

    أزمة
    كانت هذه الأزمة متوقعة قبل أن تنتهى الحرب ، حين اجتمع رؤساء الدول الثلاث الكبرى فى يالتا ، وآثروا أنفسهم بالقضاء فى شؤون العالم وحدهم ، وأبوا أن يشركوا معهم غيرهم من رؤساء الدول التي احتملت مثل ما احتملت الدول الثلاث من أثقال الحرب ، وضحت بأكثر مما ضحت به الدول الثلاث فى مقاومة العدوان .
    وقد كان رؤساء الدول الثلاث الكبرى يحتجون فى نوفمبر الماضي بأن شؤون الحرب ، وخطط الهجوم ، انما يدرسها الذين يشاركون في الحرب مشاركة خطيرة ، ويحتملون أعباءها الثقال . وكانت الجيوش التي تخوض غمار الحرب في ذلك الوقت ، هي جيوش هذه الدول الكبرى . ولكن دولا أخرى تلقت الصدمة الأولى ، وسرعت في الميدان ، واحتلها العدو وأذاق أهلها ألوان العذاب ، وجعلت تقاوم في ميادين أخرى ، وتشارك في الحرب كما تستطيع ، وتعين الحلفاء بما كانت تملك من جهد وقوة ومال . وكان من حق هذه الدول ألا تهمل ، وألا ينظر اليها على انها دول تابعة ، تتلقى أوامر السادة المنتصرين فى شيء من الرفق بها ، والعطف عليها ، كما يتلقى العدو المنهزم أوامر السادة المنتصرين ، فى كثير من الشدة والعنف .
    في ذلك الوقت كان من الطبيعى أن تشترك فرنسا فى مؤتمر يالتا ، وهي التي فقدت جيشها وأسطولها ، والتي احتل العدو أرضها ، والتي قاومت فى امبراطوريتها وحرصت على أن تمثل في جميع ميادين القتال . وكان من الطبيعى ألا تهمل بلجيكا ، والا تهمل هولندا التي فقدت وطنها ، كما فقدت امبراطوريتها ، وكان من الممكن أن يجد تشرشل و روزفلت و ستالين وسيلة لأشعار هذه الدول بأن حلفاءها يعرفون لها ما احتملت من جهد ، وما بذلت من تضحية ، ويحسبون حسابها للمستقبل ، كما انتفعوا بجهودها في الماضي ، ولكن هؤلاء الرؤساء الثلاثة قسموا العالم فى ذلك الوقت إلى طبقات بعضها فوق بعض ، أولاها طبقة السادة المنتصرين ، والأخرى طبقة الشعوب المحررة والثالثة طبقة الشعوب المستضعفة التى لم تحارب رسميا ، ولكنها أعانت الحلفاء من قريب أو بعيد ، والأخيرة طبقة العدو المنهزم . وخيل المنتصرون لأنفسهم انهم يستطيعون أن يقضوا فى شؤون العالم وحدهم ، لأنهم يملكون القوة فيجب أن يملكوا الحق ، ولأنهم ينقذون العالم من طغيان هتلر وموسوليني فمن حقهم أن يفرضوا سلطانهم مكان هذا الطغيان .
    وليس من شك فى أن الرؤساء الثلاثة كانوا أقوياء بهذه الجيوش التي كانوا يدبرون أمرها ، وبهذه الشعوب التي كانوا يقودونها إلى النصر ، وبهذه الأموال والمؤن التي كانوا يعينون بها الشعوب المحررة ، وليس من شك فى أنهم كذلك قد كانوا ساسة بارعين ، بل كانوا ائمة العالم فى السياسة البارعة والذكاء النافذ ، ولكن الناس يخطئون مهما يعظم حظهم من الذكاء ، ومهما أتيح لهم من التفوق والبراعة .
    وقد أخطأ الرؤساء الثلاثة فى ذلك الوقت ، لأنهم فكروا فى الحاضر وحده ، ونسوا عبرة الماضي ، ولم يحسنوا تقدير المستقبل القريب ، فضلا عن المستقبل البعيد ، فهم كانوا قادرين على إنهاء الحرب وإحراز النصر ، ولكنهم لم يكونوا قادرين على أن ينهضوا وحدهم بتنظيم السلم ووضع الأسس المتينة للعالم الجديد .
    ولم يكد مؤتمر الرؤساء الثلاثة يجتمع فى القرم ، حتى انكرت فرنسا إقصاءها عنه ، والقضاء في شؤون الحرب والسلم وهى غائبة ، ولم تكتف فرنسا بالإنكار اللفظي ، ولكنها رفضت الاشتراك فى الدعوة إلى مؤتمر سان فرنسسكو ، ثم لم تكتف بهذا بل تجاوزته إلى شيء من الغضب الذى لم يخل من بعض العنف ، فاعتذر الجنرال دى جول من عدم مقابلة الرئيس روزفلت حين دعاه لمقابلته في الجزائر . وكان لهذا الاعتذار اثر بغيض في العلاقات بين الدولتين الديمقراطيتين اللتين يرجع الود بينهما إلى عهد بعيد . ومهما يكن من شيء فقد فهم العالم ، بعد انعقاد مؤتمر القرم ، أن أموره لن تجرى على المساواة الصحيحة بين الأمم ، وأن التعاون لن يقوم مقام الاثرة ، وأن العالم الجديد لن يكون خيرا من العالم القديم . ومنذ ذلك الوقت كثرت الشكوك ، وساءت الظنون وأصبح الخوف أساس السياسة مكان الثقة والرجاء . ثم انعقد مؤتمر سان فرنسسكو بعد ضجيج وعجيج وإعلان كثير ، وطال اجتماعه ، وكثر الجدل فيه ، وانتهى إلى نتيجتين خطيرتين ، أولاهما أن الأمم الضعيفة والمتوسطة فقدت الثقة بالأقوياء ، والثانية أن الأمم القوية نفسها فقدت الثقة بحسن التعاون بينها . ووضع ميثاق يغطى هذا الشك ، كما يغطى الرماد ما يستخفى تحته من النار . وعاد المؤتمرون وفى النفوس ما فيها : أمل ظاهر ويأس خفى ، ثقة متكلفة وشك طبيعي .
    ثم تضع الحرب أوزارها في اوروبا ، ويجتمع الثلاثة مرة ثانية في بوتسدام ، وتتكرر الغلطة الأولى فتهمل الدول التى لم يكن ينبغى أن تهمل ، ويقرر الثلاثة ما يقررون ، وينشئون مجلس وزراء الخارجية ، ويكلفون وضع الأسس التى يقام عليها العالم الجديد . وقد أضافوا إلى وزرائهم وزيرين ، أحدهما وزير الخارجية الفرنسية ، والثاني وزير خارجية الصين . وهنا تصبح الأزمة التي كانت متوقعة حقيقة واقعة بالفعل ، فقد أقبل وزير الخارجية الفرنسية ووزير الخارجية الصينية وفى أنفسهما ما فيها ، وأقبل وزراء الخارجية للدول الثلاث الكبرى معتزين بالنصر ، واثقين بالفوز فى السلم ، كما فازوا في الحرب ، ولكنهم يختلفون بعد ذلك اختلافا شديدا ، فأما الوزير الروسي فيريد أن يمضى على الخطة التي رسمت في القرم وفى بوتسدام ، وهى أن للعالم دولا ثلاثا ينبغى أن تسود ، وأن ترجع إليها الأمور وأن ما تقرر في يالتا وبوتسدام لا يصح الانحراف عنه في لندره . وأما الوزير البريطاني والأمريكى فقد أقبلا يستأنفان حياة جديدة ويريان أن الحرب قد انتهت ، وأن السلم يحتاج إلى تعاون الأقوياء والضعفاء بشرط ألا يكون ضعفهم شديدا . ومن هنا تصور الوزير الروسى أن أمور السلم فى شرق أوروبا وفى البلقان يجب أن تقضى فيها الدول الثلاث وحدها ، وتصور الانجليز والأمريكيون أن سلم أوروبا أولا ، وسلم العالم كله ثانيا ، لا سبيل إلى تنظيمه إلا إذا اشتركت فيه الدول الخمس ، وحاول المجتمعون أن يتفقوا ، وبذلوا في سبيل هذا الاتفاق جهودا وجهودا ، ولكنهم لم يظفروا بشيء فتفرقوا ، وأخفق المؤتمر الأول لوزراء الخارجية .
    وليس من شك فى أن لروسيا حجتها الشكلية ، فما قرره الرؤساء الثلاثة لا يصح أن ينقضه الوزراء الخمسة ، لأن الرؤساء الثلاثة هم سادة العالم ، وهم أصحاب الكلمة الأخيرة . وفرنسا والصين لم تعلنا الحرب على دول البلقان ، ولم تمضيا الهدنة ، فلا معنى لاشتراكهما فى الصلح . ولكن المسألة ليست مسألة الهدنة والصلح وحدهما وانما هي مسألة السلم كله : أيقوم على التعاون الصادق ، لا أقول بين المنتصرين جميعا ، بل بين كبار المنتصرين ، أم يقوم على الأثرة والاختصاص بالنفوذ وتوزيعه في أجزاء العالم بين المنتصرين ..؟
    هذه هى المسألة التى لم يتفق وزراء الخارجية حين أرادوا أن يجيبوا عليها ، وهم لم يتفقوا لأنهم لا يملكون هذه الثقة الخالصة التي تمكن من الاتفاق ، فالروسيون يودون لو يستأثرون وحدهم بالنفوذ في شرق أوروبا وفى البلقان ، ويكرهون أن تتدخل الدول الغربية في شؤون هذا الجزء من أوروبا ، ويريدون أن يضيقوا حدود هذا التدخل ما وجدوا إلى تضييقها سبيلا ، وللإنجليز والأمريكيين والفرنسيين مصالحهم في شرق أوروبا وجنوبها ، وهم يحرصون على حماية هذه المصالح ، وهم يشفقون من أن تكون روسيا كتلة شرقية تصبح خطراً على السلم . وهم يرون أن السلم وحدة لا يتجزأ ، وأن حمايته يجب أن تكون إلى الأمم الكبرى كلها ، ولكن الروسيين يشفقون أيضا من انشاء كتلة في غرب أوروبا نقوم على الحلف بين فرنسا وبريطانيا العظمى .
    وكذلك فقد وزراء الخارجية هذه الثقة المتبادلة ، وساء ظن بعضهم ببعض ، فلم يستطيعوا أن يتفقوا ، وانتهى مؤتمرهم الأول إلى هذا المأزق البغيض .
    وإذا فقد الكبار ما ينبغى أن يكون بينهم من ثقة ، فأجدر بالأمم الضعيفة أن تفقد ثقتها بهؤلاء الكبار الذين لا يستطيعون أن يتفقوا فيما بينهم ، والذين يتخذون العالم موضوعا للخلاف والنزاع .
    هذه هى أصول الأزمة التى يواجهها العالم فى هذه الأيام ، وهي أزمة عنيفة من غير شك ، خطيرة من غير شك ، ولكنها بعيدة كل البعد عن الحرج المخيف ، فستجد الدول الكبرى سبيلها إلى الاتفاق وإلى الاتفاق المؤقت بالطبع ، فليس إلى الاتفاق الدائم من سبيل ، لأن طبائع الناس لم تتغير ولن تتغير إلا بعد كثير جدا من الوقت ، وكثير جدا من الخطوب ، والى أن ترقى طبائع الناس حتى تقرب من طبائع الملائكة ستختلف الدول حول مطامعها ومنافعها ، وسيفقد الأقوياء ثقتهم بالأقوياء ، ويفقد الضعفاء ثقتهم بأنفسهم وبالأقوياء أيضا ، وسيعيش العالم في هذا الخوف المتصل والقلق الملح ، يفرغ من الحرب ليستريح ويجدد قوته ، ثم يستعد لاستئناف حرب أخرى .
    ونحن الآن نعيش فى وقت الراحة الذى قد يقصر أو يطول ، ولكنه على كل حال وقت الراحة الذي تضطر فيه الدول المنتصرة الى أن تضمد الجراح ، وتقيم ما انهدم من البناء . فلنخف لا من الحرب ، بل من الظلم ، ولتوطن أنفسنا على هذا الخوف ، ولنجتهد في اتقائه إن وجدنا إلى ذلك سبيلا .
    وقد يقال إن رؤساء الدول الثلاث الكبرى سيجتمعون ليتفقوا على ما لم يستطع الوزراء أن يتفقوا عليه ، وقد يقال بل سيجتمع رؤساء الدول الخمس الكبرى . وسواء اجتمع الثلاثة أو الخمسة واستأنف الوزراء اجتماعهم فليس عندى شك في أن هذه الدول ستجد سبيلها إلى الاتفاق ، لأن طبيعة الأشياء تفرض عليها هذا الاتفاق ، ولكن ليس عندى شك في أن هذا الاتفاق سيكون على أساس بسيط ، وهو أن يتراضى المختلفون فينزل بعضهم لبعض عن شيء هنا وشيء هناك . وسيكون هذا التراضي على حساب الأمم الضعيفة قطعاً ، ولا غرابة في ذلك ، فقد يظهر أن الضعفاء انما خلقوا ليأكلهم الأقوياء ، فان أرادوا الا يؤكلوا فسبيلهم إلى ذلك أن يلتمسوا القوة ، وليس لهم سبيل غير هذه السبيل .
    وأحب أن يذكر القارئ ما حدثته به غير مرة في هذه الفصول ، وهو أن أخص ما يمتاز به هذا العصر الذي نعيش فيه ، هو أن الشعوب تذهب في النظم السياسية والاجتماعية مذاهب صحيحة صادقة تلائم طبائعها السليمة ، وأمزجتها المعتدلة ، وأن الحكومات تذهب في هذه النظم مذاهب أخرى ملتوية شديدة الالتواء ، وأن شؤون العالم إنما تصلح حقا يوم تكون كلمة الشعوب وحدها هى العليا ، ومازال العالم بعيدا عن هذه المنزلة ، حتى فى أشد البلاد إمعانا فى الديمقراطية ، وإيثاراً للعدل والمساواة ، فكيف بالشعوب التي مازالت فى أول الطريق إلى العدل والاخاء والمساواة؟!
    طه حسین
    مسامرات الجيب ، ١٧ أكتوبر سنة ١٩٤٥ .


  • بين الجد والمزاح | Between the Serious and the Jesting

    بين الجد والمزاح
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٥ أبريل ١٩٤٥

    ليس من الضروري أن تكون السياسة جِدًّا كلها، وليس من الضروري أن تكون السياسة هزلًا كلها، وإنما يمكن أن يكون فيها كثيرٌ من الجِدِّ، وقليلٌ من الهزل في بعض الأحيان، وأن يكون فيها كثيرٌ من الهزل، وقليل من الجِدِّ في بعضها الآخر.

    وليس في هذا كله شيء من الغرابة؛ فما زالت أمور السياسة إلى الآن تجري على أصولها القديمة، التي تقتضي أن تكون الدخائل والأسرار ذات الخطر وقفًا على أفراد قليلين يحتكرون درسها وتوجيهها والتصرف فيها، وأن تكون حول هذه الدخائل والأسرار أشياء كثيرة تظهر مهمة عظيمة الخطر، ويكثر فيها الأخذ والرد، ويشتد فيها الحوار والجدل بين ما نسميه الرأي العام العالمي أحيانًا، وما نسميه الرأي العام الوطني أحيانًا أخرى.

    وليس من المحقق أن دخائل السياسة الوطنية في بلد من البلدان مهما يكن ديمقراطيًّا تباح للكثرة من المواطنين يتناقشون فيها كما يشاءون، فهناك دائمًا أمور قليلة أو كثيرة تستخفي عن الشعوب، وتُدرس في غرفات وحجرات مغلقة النوافذ والأبواب. والأمر يجري على هذا النحو في أمور السياسة الدولية على رغم ما حاولت أمريكا منذ الحرب الماضية من حمل الدول على أن تعدل عن سياسة التكتم والاستخفاء. ومن هنا يكون الجدُّ الخالص في هذه السياسة السرية حين تُدرس الأمور ذات الخطر، ويكون الجد الذي يمازجه المزاح في هذه السياسة العلنية التي تدور حول الدخائل والأسرار دون أن تتعمقها أو تصل إلى كنهها.

    وقد اجتمع رؤساء الدول الثلاثة في القرم فقالوا فيما بينهم ما أرادوا أن يقولوا، وقرروا فيما بينهم ما أرادوا أن يقرروا، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن يقدِّموا إلى الرأي العالمي العام ما يمكن أن يُقدَّم إليه من هذه القرارات، وما يمكن أن يشتد فيه الجدل ويكثر فيه الحوار. وقد اشتد الجدل وكثر الحوار حول القضاء في شئون بولندا وهي غائبة، وحول نظام التصويت في مؤتمر سان فرانسسكو، وحول رفض فرنسا أن تكون دولة داعية إلى هذا المؤتمر. وكان الرأي العالمي العام يعتقد أنه يجادل ويحاور في كل ما قرر الثلاثة في مؤتمر القرم.

    وقد خطر لبعض المتحرجين أن تكون هناك قرارات سرية للمؤتمرين، فنفى هذا نفيًا قاطعًا، وأصبح من الأشياء المقررة أن المؤتمرين لم يذيعوا قراراتهم العسكرية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن تظل سرًّا مكتومًا، وألَّا تظهر إلَّا وقت تنفيذها. وأنهم أذاعوا قراراتهم السياسية؛ لأن طبيعة هذه القرارات تقتضي أن يعرفها الناس ويدرسوها ويصلوا فيها إلى رأي. والظاهر أن مسألة الأصوات التي ينبغي أن تعطى لكل دولة من الدول الثلاث التي ائتمر رؤساؤها في القرم كانت من المسائل العسكرية التي يجب أن تظل مكتومة حتى يأتي الوقت الذي يبدأ فيه تنفيذها، وقد دنا وقت التنفيذ هذا حين أُلِّف الوفد الأمريكي وجعل يستعد ويدرس قبل أن يذهب إلى سان فرانسسكو.

    وظهر فجأة أن روسيا تطالب بأن يكون لها صوت مثلث، أو بأن يكون لها ثلاثة أصوات إذا لم يعجبك الصوت المثلث. وهنا ثارت ثائرة الوفد الأمريكي، وأنكر فريق من أعضائه هذا الامتياز، وتساءل المتسائلون منهم: وما بال الولايات المتحدة الأمريكية لا يكون لها صوت مثلث كصوت روسيا، أو ثلاثة أصوات كهذه الأصوات الروسية الثلاثة، وأخذت الدعاية الفرنسية تظهر رأسها، وتبسم عن ثغرها، وتكشر أحيانًا عن أنيابها الدقاق الحداد وتتساءل: لم لا يكون للولايات المتحدة عدد من الأصوات ينيف عن الأربعين صوتًا — لكل ولاية من هذه الولايات التي تنيف عن الأربعين.

    وكاد الأمر يصبح كله هزلًا، ثم كاد الأمر يصبح كله جدًّا حين ذكر أن من الممكن تأجيل المؤتمر، ثم تحرج الأمر وبلغ من الجد طورًا خطيرًا حين قيل: إن هناك اتفاقات سرية عقدت في القرم ولم تذع في الناس، وحين ألح الأمريكيون في المطالبة بإعلان هذه الاتفاقات السرية. ثم تَكَشَّف الأمر عن بعض حقائقه حين أعلنت روسيا أنه قد كان هناك اتفاق سرِّي على عدد الأصوات التي تكون للروسيين، والتي تكون للأمريكيين، فقد طلبت روسيا أن تُمثَّل معها أوكرانيا وروسيا البيضاء، وأن يكون لكل واحدة منهما صوت. فإذا انضم هذان الصوتان إلى الصوت الروسي تمت الأصوات الثلاثة التي تطالب بها روسيا، وقد قبل المستر روزفلت هذا الطلب، وأراد ألَّا تكون الأصوات الأمريكية أقل من الأصوات الروسية، فلم ير الماريشال ستالين بهذا بأسًا. وسُئِل المستر تشرشل عن رأيه في ذلك، فأجاب مبتسمًا ببعض شفتيه — لأن بعضها الآخر كان مكظومًا على سيجارة — أجاب مبتسمًا بأنه لا يرى بذلك بأسًا.

    وكذلك اتفق المؤتمرون على أن تكون لروسيا أصوات ثلاثة، وللولايات المتحدة الأمريكية أصوات ثلاثة، ولبريطانيا العظمى صوت واحد من حوله أصوات الإمبراطورية، وهي إذا انضمت إلى الصوت البريطاني بلغت ستة، ولكن الأمريكيين لم يسمعوا بهذه الأذن كما يقول المثل الفرنسي، فقد أصرَّ وفدهم على أن يكون لروسيا صوت واحد، ولأمريكا صوت واحد، ووصل الأمر إلى هذا المزاج المعتدل من الجدِّ والمزاح.

    فرئيس الولايات المتحدة في موقف حرج كما تقول الأنباء اليوم؛ لأنه قد وعد في القرم، وقومه يأبون أن ينفذوا وعده في واشنجطون، فإن مضى في تنفيذ وعده أغضب الأمريكيين، وإن عدل عن تنفيذ وعده أغضب الروسيين. والسياسة الروسية في موقف حرج؛ لأنها إن أصرت على صوتها المثلث خذلها الأمريكيون، وإن نزلت عن صوتها المثلث خذلت نفسها وأغضبت الروسيين. والسياسة الإنجليزية تنظر إلى هذا الحرج المزدوج مبتسمة، وتريد أن تلتمس منه مخرجًا، وهي بالغةً من ذلك ما تريد بإذن الله.

    والشيءُ الواضح من هذا كله أن الجو الذي يحيط بالمؤتمر لا يمتاز بالصحو والصراحة والصفاء، وإنما هو كجو الدنيا يصحو مرة، ويجري فيه الغيم الرقيق مرة، ويتكاثف فيه السحاب الثقيل المظلم مرة أخرى. وكان المستر سمنر ويلز يقول في حديث له أمس، أو أول أمس: إن الإنسانية واصلة من غير شك إلى تنظيم السلم وحمايتها ما دام للناس حظٌّ من ذكاء؛ لأن هذا الذكاء سيبدد بنوره المُشرِق ما يعترضه من الظلمات الحالكة. ومن المؤكد أن الذكاء نور، وأنه قد ينفذ من الظلمات المتكاثفة، ولكن من المؤكد أيضًا أن الذكاء وحده لن يستطيع تنظيم السلم ولا حمايتها، وإنما هو محتاج إلى أن يجد لنفسه عونًا من استقامة الخلق، واعتدال المزاج، وصفاء الطبع، والإيمان بأن العدل أحق بالرعاية من المنفعة والأثرة. فإذا اجتمعت هذه الخصال كلها إلى الذكاء أمكن تنظيم السلم وحمايتها، وإلَّا فستنشأ عصبة كعصبة الأمم — التي أُنشئت في أعقاب الحرب الماضية — تصيب حينًا وتخطئ أحيانًا، وتنجح مرَّة وتخفق مرَّات.

    على أن الأمر لم يقف عند هذا الاختلاف حول ما يكون للدول الثلاث الكبرى من الأصوات، وإنما تجاوزه إلى اختلاف آخر حول هذه المأساة التي ما زالت تمعن في الأسى حتى أضحكت، وشر المصائب ما يضحك، ونريد بها المأساة البولندية؛ فقد أُعلنت الحرب من أجل بولندا، وفقدت بولندا ثلث سكانها، ودُمِّرت مدنها ومرافقها أشنع التدمير وأبشعه. وكانت من أجل ذلك خليقة أن تكون قطب الرحى في مؤتمر سان فرانسسكو، كما يقول القدماء، أو عضو الشرف كما يقول المحدثون، ولكنها لم تُدْع إلى المؤتمر على حين دُعيت إليه دول لم تشارك في الحرب من قريب أو من بعيد، ودول أعلنت الحرب أمس وأول أمس.

    ومصدر ذلك أن الداعين إلى المؤتمر لا يعرفون إلى أي البولنديين يوجهون الدعوة؛ فلبولندا حكومة مقيمة في لندرة يعترف بها الإنجليز والأمريكيون، وينكرها الروسيون، ولبولندا حكومة أخرى في لوبلين — أو في فارسوفيا لا أدري — يعترف بها الروسيون، وينكرها الأمريكيون والبريطانيون.

    وإذن فظاهر الأمر أن الدعوة لا يمكن أن توجه إلى حكومة من هاتين الحكومتين، وقد قرر المؤتمرون في القرم أن يُنشئوا لبولندا حكومة وطنية مؤقتة، ولكنهم لم يوفقوا إلى الآن. وإذن فقد طلبت روسيا دعوة الحكومة القائمة في الأرض البولندية، فرفضت بريطانيا وأمريكا، ووقف الأمر عند هذا الحد فيما يظهر، وظلت المناقشة متصلة بين الصحف الروسية والصحف الأمريكية في أمر هذه الحكومة القائمة في بولندا. هل أراد المؤتمرون في القرم تغييرها؟ وإذن فلا يصح أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، أم هل أراد المؤتمرون في القرم تكميلها؟ وإذن فيمكن أن تُدعى إلى سان فرانسسكو، وكذلك يتبين أن إخواننا الأزهريين ليسوا هم وحدهم الذين تفوقوا في الجدل، وبرعوا في المناقشة والخصام، وإنما يشاركهم في ذلك الروس والأمريكان.

    وليس هذا كل ما يختلف فيه سادة العالم قبل أن يذهبوا إلى سان فرانسسكو، فهل تدرس أمور المستعمرات وشئون البلاد التي خضعت للانتداب، ويوضع لها نظام الوصاية الدولية في مؤتمر سان فرانسسكو؟ يقول الأمريكيون: نعم، ويقول البريطانيون: لا، وينظر الروسيون إلى أولئك وهؤلاء باسمين.

    ويقول الفرنسيون بعد هذا كله: أليس من الخير أن يجتمع رؤساء الدول الكبرى ليتفقوا فيما بينهم قبل أن ينعقد المؤتمر ويصل إليه ممثلو هذه الدول الكبرى مختلفين غير مؤتلفين؟ ورؤساء الدول الكبرى عند الفرنسيين ليسوا ثلاثة كما كانوا في القرم، وليسوا أربعة بعد أن انضمت الصين إلى الدول الداعية إلى سان فرانسسكو، ولكنهم خمسة؛ فقد يجب أن يصلح الخطأ الذي وقع حين لم تُدْع فرنسا إلى القرم، وبذلك تسترد فرنسا حقَّها، وتصل مع الواصلين إلى سان فرانسسكو، وقد صُحِّح موقفها وأصبح ناصعًا لا غبار عليه.

    أترى إلى أني لم أخطئ حين قلت في أول هذا الحديث: إن السياسة ليست جِدًّا كلها، ولا هزلًا كلها، وربما كان مما يدل على اطِّراد هذا الحكم وصدقه أن تنظر في بعض ما يحدث في الشرق من الأحداث السياسية الكبرى في هذه الأيام؛ فقد أنشئت الجامعة العربية وهذا جد كل الجد، وقد صرح رؤساء الوزارات الذين أمضوا ميثاق هذه الجامعة بأن إنشاءها خطوة متواضعة، ولكن لها ما بعدها، وهذا أيضًا جد كل الجد، ولكن: ما بعدها؟ هذا هو الشيء الذي كنَّا نحب أن يكون واضحًا مفهومًا لا لبس فيه ولا غموض؛ فنحن نعيش في أيام يقال: إن مصائر الأمم تقرر فيها، والأمم العربية من هذه الأمم التي تقرر مصائرها، فهل وقفت الجامعة الناشئة من مصائر هذه الأمم العربية موقفًا واضحًا بريئًا من اللبس والغموض؟

    ولنتفق أولًا على هذه الأمم العربية: ما هي؟ وما مستقرها؟ ونظن أن الجغرافيا تجيبنا في صراحة بأن الأمم التي اشتركت في الجامعة ليست وحدها عربية؛ فهناك أفريقيا، وهناك أقطار عربية في جنوب بلاد العرب، وأولئك وهؤلاء لم يُمثَّلوا في الجامعة؛ لأنهم لا يستمتعون بمثل ما يستمتع به أعضاء الجامعة من الاستقلال. فما موقف الجامعة من هذه الأمم العربية؟! هو موقف العطف من غير شك، ولكن العطف لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو لا يردُّ حقًّا، ولا يُنقذ من بؤس. وقد قررت الجامعة أن فلسطين مستقلة شرعًا، ولكنها لم تقرر شيئًا بشأن هذه الأمم الأخرى: أمستقلة هي شرعًا أم غير مستقلة؟ فهل من الحق أن فلسطين مستقلة شرعًا، وأن تونس ومراكش غير مستقلتين؟! أم هل من الحق أن لتونس ومراكش وجودًا مستقلًّا أقوى من الوجود المستقل لفلسطين؛ لأنه فعلي؟ فهذان البلدان مستقلان يربطهما بفرنسا معاهدة الحماية، وهما يزهدان في هذه المعاهدات؟

    ونحن لا نشك في استقلال فلسطين، بل نحن نعتقد أن الجامعة لم تعالج أمر فلسطين بما يستحق من الحزم والعزم والصراحة، وبما يلائم ما تضطرب به النفوس العربية في جميع الأقطار، ولكننا في الوقت نفسه نلاحظ أن أمام هذه الجامعة طريقين: إن سلكت إحداهما سارت في الطريق التي يمتزج فيها الجد والهزل، وإن سلكت إحداهما الأخرى سارت في الطريق التي يخلص فيها الجد من كل شائبة، والتي تلائم ميول العرب وطموحاتهم، وتلائم الحق والعدل معًا. فأمَّا الطريق الأولى، فهي طريق الأثرة التي تدعو إلى التردد والغلو في الحذر، والحرص على تحقيق المنافع الخاصة العاجلة، والتي إن جاز للدول الكبرى أن تسلكها فإن سلوكها خطر كل الخطر على الدول الناشئة، وأمَّا الطريق الثانية فهي طريق الحزم والعزم والصراحة، وهي الطريق التي تقتضي المطالبة بالحق كاملًا، والامتناع على الظلم مهما يكن مصدره. وأعلام هذه الطريق واضحة، ومناهجها بينة، وهي تقتضي أن تجد الجامعة في حل مسألة فلسطين حلًّا يقوم على الإنصاف، لا على التأجيل ولا على المراوغة.

    وتقتضي أن تجد الجامعة في تمكين أفريقيا الشمالية من أن تشترك فيها، وتستمتع بحقِّها من الاستقلال، وتنظم أمرها مع أوروبا كما ننظم نحن أمرنا مع أوروبا، فإن لم تفعل الجامعة ذلك؛ فهي ليست مستمسكة بالجد، وأكبر الظن أنها فاعلة حين تعقد مؤتمرها الأول فتخطو إلى هذه الأهداف خطواتها الأولى.

  • الغد | Tomorrow

    الغد
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١ مارس ١٩٤٥

    ليس من شك في أن هذه الجلسات التي يعقدها مجلس العموم البريطاني — منذ يوم الثلاثاء — مظهر رائع من مظاهر الحياة الديمقراطية، تستطيع بريطانيا العظمى أن تفاخر به، ويستطيع الشعب البريطاني أن يرى فيه بحق مسوِّغًا لكل ما بذل من جهد، وما احتمل من مشقة، وما قدَّم من تضحية أثناء هذه الحرب. فليس من الأشياء الهينة أن يقف رئيس الوزراء ويعرض أمور الحرب والسياسة في هذه الصراحة، لا أمام مجلس العموم وحده، بل أمام العالم كله. وليس من الأمور الهينة أن يقف النوَّاب البريطانيون فينقدوا وينقدوا مسلك حكومتهم في السياسة والحرب نقدًا أشدَّ صراحة وصرامة وحرية من مذهب رئيس الوزراء نفسه حين عرض ما عرض من أمور السياسة والحرب.

    كل هذه أمور خطيرة تكوَّن منها مجد الديمقراطية عامة ومجد الديمقراطية البريطانية بوجه خاص. والحرص عليها خليق أن يُشْتَرَى بهذه الأثمان الهائلة التي تبذلها الديمقراطية والتي تبذلها بريطانيا العظمى؛ لأنها هي التي تجعل الحياة خليقة بأن تكون ملائمة للكرامة الإنسانية، وملائمة لما يطمح إليه الأفراد والجماعات في الأمم المتحضرة من السمو إلى المثل العليا ومن الدنو إلى الرقي والكمال؟

    وليس من شك في أن هذه الحرية الرائعة خليقة أن تثير في نفوس المتحضرين عواطف الإعجاب والإكبار، وعواطف أخرى تصور الحرص على أن تكون هذه الحرية شيئًا شائعًا يستمتع به المتحضِّرون جميعًا كما يستمتع به البريطانيون، وينعم به المتحضرون جميعًا كما ينعم به البريطانيون. ولكن ليس من شك في أن بين المتحضرين في العالم وبين هذه الحرية البريطانية في عرض الرأي والدفاع عنه آمادًا لا تزال بعيدة. ويكفي أن نلاحظ أن بريطانيا العظمى تبذل ما تبذل من تضحية في الحرب، وتلقى ما تلقى من أهوال الحرب، وتتعرض لما تتعرض له من كوارث الحرب، ولا يمنعها ذلك من الاستمتاع بهذه الحرية السياسية الرائعة على حين توجد أمم في العالم لا تحتمل من أهوال الحرب بعضَ ما يحتمل الإنجليز، ولا تتعرض من كوارث الحرب لبعض ما يتعرض له الإنجليز، وهي بعد ذلك لا تستمتع من حرية الرأي ببعض ما يستمتع به الإنجليز.

    وقد قلت إن المستر تشرشل وزملاءه النواب البريطانيين لم يتحدث بعضهم إلى بعض فحسب، وإنما تحدثوا إلى العالم كله، وعرضوا على الإنسانية المتحضرة كلها المسلك السياسي الذي سلكته بريطانيا العظمى في مؤتمر القرم. وقد رضي بعضهم عنه كل الرضا، وسخط عليه بعضهم كل السخط، وسلك بعضهم الآخر طريقًا بين ذلك فرضي عن بعض الأشياء وسخط على بعضها الآخر. وأكبر الظن أن المناقشة ستنتهي مساء اليوم في مجلس العموم بإعلان الثقة بالوزارة البريطانية، والرضا عن مسلكها السياسي في هذا المؤتمر.

    وقد ظفر المستر تشرشل بهذه الثقة في مواقف لم يبلغ فيها من الصراحة في عرض المشكلات السياسية ما بلغه هذه المرة؛ لأن البريطانيين يقدِّرون الحرب وضروراتها، ويقدرون الجهود الهائلة التي بذلها رئيس وزرائهم في تدبير أمور الحرب والخروج ببلاده من مشكلاتها، ويعلمون أنه الرجل الذي يجب أن يمضي بهذه الحرب إلى غايتها. فالثقة به في هذه الأيام ضرورة من ضرورات الحرب بالقياس إلى البريطانيين. ولكن الشيء المحقق منذ الآن هو أن الشعب البريطاني نفسه ليس راضيًا كلَّ الرضا عن السياسة الخارجية لحكومته. فهو يقبلها وهو يؤيدها لأن مصلحته أثناء الحرب تفرض عليه هذا القبول وهذا التأييد، ولأن التحول عن هذه الطريق يعرِّض مصالحه للخطر، ولكن هذا شيء والرضا عن هذه السياسة الخارجية شيءٌ آخر.

    وليس أدلَّ على ذلك من أن فريقًا من النوَّاب البريطانيين ومن حزب رئيس الوزراء نفسه، ينكرون أشد الإنكار موقف الحكومة البريطانية بالقياس إلى المشكلة البولندية. وهم قد ذهبوا في هذا الإنكار مذهب العنف العنيف؛ فاقترحوا تعديلًا لما عرضه المستر تشرشل على مجلس العموم من اقتراح الثقة بالوزارة، وطلبوا أن يقرر المجلس أسفه لأن الحكومة البريطانية لم تحافظ على ما تعهدت به لبولندا من حماية الوطن البولندي كاملًا وضمان استقلاله غير منقوص. ولو قبل اقتراح هؤلاء النوَّاب لتعرض موقف الوزارة البريطانية للخطر، وهو من أجل ذلك لم يقبل وإنما رفضته كثرة ضخمة من النواب، ومن المرجح أن الذين قدموه كانوا يعلمون حق العلم أنه لن يقبل، ولكنهم أرادوا أن يظهروا رأيهم واضحًا صريحًا، وأن يكون في إظهار هذا الرأي شيءٌ من لوم الحكومة؛ لأنها لم تبرَّ بوعودها لبولندا من جهة، ولأنها ضعفت أمام حليفتها الروسية من جهة أخرى.

    وإذا كانت هذه الحال في مجلس العموم البريطاني نفسه، وإذا كان المستر تشرشل لم يتحدَّث إلى البريطانيين وحدهم، وإنما تحدث إلى العالم كله؛ فمن الطبيعي أن يكون موقع خطبته في الرأي العالمي العام مختلفًا، يلقاه بعض الناس بالرضا، ويلقاه بعضهم بالنقد، ويلقاه بعضهم الآخر بكثيرٍ من التحفظ والاحتياط.

    فمؤتمر القرم قد رتَّب أمور الحرب ترتيبًا لا يزال العالم يجهله كلَّ الجهل، وسيعلمه شيئًا فشيئًا حسب تنفيذ الخطة التي رُسِمت. وهو رتَّب أمور السياسة ترتيبًا يعرف العالم بعضه ويظهر أنه يجهل منه شيئًا كثيرًا برغم هذه الخطبة الصريحة الواضحة التي ألقاها المستر تشرشل في مجلس العموم. وآية ذلك أن المستر روزفلت رئيس الولايات الأمريكية المتحدة نفسه قد تحدَّث إلى الصحفيين بأن مؤتمر القرم قد عقد اتفاقات سرِّية ستظهر حين يكون ظهورها ملائمًا. فهناك إذن أشياء لم تعرف بعد مما تم عليه الاتفاق بين الثلاثة الذين اجتمعوا في يالتا. والأمور التي عرفت مما قرره هذا المؤتمر لم تظفر برضا الأمم المحررة كلها.

    فأمر بولندا واضح كلَّ الوضوح، أو غامض كلَّ الغموض، وليس في ذلك شيءٌ من الغرابة. فالحكومة البولندية المقيمة في لندرة تنكر ما قرر المؤتمر بشأنها، والحكومة البولندية المقيمة في بولندا تقبله، والبولنديون المتفرقون في العالم الخارجي ينقسمون بشأنه أشدَّ الانقسام، والشعب البولندي نفسه لم يقل كلمته بعد، فرأيه إذن غير معروف، وليس هناك شيء واضح إلَّا إرادة الحلفاء الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم. وأغرب من ذلك أن الحكومة البريطانية لم تنكر إلى الآن الحكومة البولندية المقيمة في لندرة، وستظل معترفة بها حتى تنشأ الحكومة البولندية المؤقتة التي قرر الثلاثة إنشاءها. والله يعلم متى يكون إنشاء هذه الحكومة.

    وقد كان سخط فرنسا واضحًا كل الوضوح في الأسبوع الماضي، ومن المؤكد أن ما صرح به المستر تشرشل في خطبته بشأن فرنسا — على ما فيه من تلطف — ليس من شأنه أن يخفف هذا السخط، ولكن هذا السخط أخذ يخفُّ من غير شك؛ لأن الحلفاء قد خطوا في سبيل إرضاء فرنسا خطوات إيجابية لها قيمتها. فأمَّا الولايات المتحدة فأمضت مع فرنسا اتفاقًا اقتصاديًّا عظيم الخطر يمكِّنها من تقوية الجيش وإحياء الصناعات الفرنسية في وقت قصير بمقتضى قانون الإعارة والتأجير، وأمَّا بريطانيا العظمى فدعت وزير الخارجية الفرنسية إلى لندرة وأوضحت له قرارات المؤتمر الذي عقد في القرم، وبيَّنت له مقاصد بريطانيا العظمى نحو فرنسا، وحرصها على تقوية التعاون الفرنسي الإنجليزي.

    وقد صرَّح المستر تشرشل بأن بريطانيا العظمى تعترف لفرنسا بمركز ممتاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبأنها قد بذلت وستبذل جهودًا لإصلاح الأمر بين فرنسا من جهة وبين سوريا ولبنان من جهة أخرى. وأكبر الظن أن الحلف المنتظر بين فرنسا وبريطانيا سيعقد في وقت قريب. ومعنى هذا كله أن الدولتين السكسونيتين تحرصان على إرضاء فرنسا، وتخطوان في سبيل هذا الإرضاء خطوات حاسمة؛ ليتحقق التوازن بينهما وبين روسيا فيما يكون من علاقتهما مع الشعب الفرنسي.

    أمَّا بلاد الشرق الأدنى فقد تحدث المستر تشرشل بشأنها إلى مجلس العموم حديثًا لا يخلو مما يدعو إلى التفكير والاعتبار؛ فهو يرحِّب بانضمام دوله إلى الأمم المتحدة، ويقدِّر ما بذلت مصر من معونة للحلفاء، ويرجو أن تظفر تركيا بمركزها الدولي الذي تستحقُّه، ويعتب على تركيا؛ لأنها تأخرت في الانضمام إلى الأمم المتحدة، ويقرر ما كان من اعتراف باستقلال سوريا ولبنان، ويقرر حرصه على تقريب المسافة بين هاتين الدولتين وبين فرنسا، ولكنه يصرح بأن مشكلات الشرق الأدنى سيحاول حلها بعد انتهاء الحرب. وما كان أيسر الأمر لو أن مشكلات الشرق الأدنى حلَّت قبل انعقاد مؤتمر السلم.

    فليس من شك في أن الخير كلَّ الخير في أن تذهب دول الشرق الأدنى إلى مؤتمر السلم راضيةً مطمئنة، واثقةً لا تحسُّ خوفًا ولا قلقًا، ولا تفكر إلَّا في أن تبذل ما تملك من جهد متواضع ولكنه خصب في بناء العالم الجديد، وفي تنظيم السلم وضمان الأمن في هذه الأقطار العربية التي يعظم شأنها الجغرافي والسياسي والاقتصادي من يوم إلى يوم.

    وفرقٌ عظيمٌ بين أن تذهب هذه الدول الشرقية إلى المؤتمر لتدافع عن وجودها الخاص وعن استقلالها الخاص، ثم لتشارك بعد ذلك في تنظيم شئون العالم الجديد، وبين أن تذهب هذه الدول وقد اطمأنَّت على وجودها الشخصي واستقلالها الصحيح، وفرغت للمشاركة في تنظيم أمور السلم العامة. ذلك أحرى أن يدفعها إلى العمل في قوة وصراحة ونصح وإخلاص. ولكنها ستذهب الآن حذرة قلقة، لا تخطو خطوة إلَّا تساءلت عمَّا يمكن أن يكون لهذه الخطوة من أثر في مصيرها ومستقبلها. والمفهوم أن مؤتمر السلم إنما يقرر فيه مصير الأمم المغلوبة لا الأمم الغالبة. ومهما يكن من شيء، فإن دول الشرق العربي لم تمتحن في يوم من الأيام كما تمتحن الآن. فأيسر ما يطلب إليها منذ الآن هو أن تكون يقظة حريصة على أن تقرر مصيرها الملائم لحقها وكرامتها من جهة، وعلى أن تشارك ناصحة مخلصة في إقامة بناء العالم الجديد الذي يراد أن يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلِئت جورًا.

  • ماذا؟ | What Then?

    ماذا؟
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ فبراير ١٩٤٥

    يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.

    ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.

    وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.

    أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.

    فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.

    وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.

    ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.

    وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.

    أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.

    وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.

    هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟

    وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.

    وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.

    وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.

    وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.

    هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.

    ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام.

  • طبيعة الأشياء | The Nature of Things

    طبيعة الأشياء
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ فبراير ١٩٤٥

    وأخيرًا أصدر الثلاثة الذين اجتمعوا في القرم بيانهم المشترك بعد أن طال انتظار اجتماعهم أولًا، وبعد أن طال انتظار قراراتهم ثانيًا. فأما الاجتماع فلم يكن شيئًا يسيرًا؛ فقد دعا إليه رئيس الوزارة البريطانية منذ شهور، وألح في الدعوة إليه حتى خيِّل إلى العالم أن أموره لن تستقيم إلَّا إذا عُقد هذا الاجتماع. وكان رئيس الولايات المتحدة الأمريكية مشغولًا بانتخابات الرياسة في وطنه، وكان رئيس الحكومة الروسية مشغولًا بإحراز الانتصارات الهائلة الرائعة التي أحرزها الجيش الأحمر وما زال يحرزها إلى الآن. ثم تمت الانتخابات، وزُلِّلت المصاعب، ويُسِّرت الأمور، واجتمع الأقطاب، وجعل العالم ينتظر ما سيتكشف عنه الاجتماع.

    وقد تكشف الاجتماع عن نوعين من القرارات؛ أحدهما: خطير كل الخطورة له أبعد الأثر في مصير العالم، ولكنه مجهول كل الجهل، سيعلمه الناس شيئًا فشيئًا مع الشمس التي تطلع، ومع الشمس التي تغيب. وهو هذه القرارات التي تتصل بتنظيم خطط الحرب حتى تتم الهزيمة الألمانية، وحتى يمحق النظام محقًا، ويسحق النظام العسكري الألماني سحقًا، وتصير ألمانيا إلى حال من العجز يمنعها من إزعاج العالم مرة أخرى بهذه الحروب المنكرة التي تثيرها من حين إلى حين.

    وما دام الثلاثة قد قرروا أن خططهم هذه لن تعلن إلَّا وقت تنفيذها؛ فلن يستطيع العالم إلَّا أن يمضي في انتظار الأخبار التي يخفق بها البرق، ويضطرب بها الجو، وتنشرها الصحف، ويذيعها الراديو كشأنه منذ شبت هذه الحرب. ومن يدري لعل الخير في هذا الانتظار. وقد تعلَّم النوع الإنساني في هذه الأعوام الخمسة ألوانًا من الانتظار وضروبًا من المفاجأة، فلن يضيره أن ينتظر، ولن تخرجه المفاجآت عن طوره.

    أمَّا النوع الثاني من القرارات، فمعلوم كل العلم أو بعضه، وهو واضح الاتجاهات على كل حال وضوحًا كافيًا، ولكن الغريب أنه لم يعلم الناس شيئًا، ولم يحدث في نفوسهم حتى هذا الاضطراب العنيف أو الخفيف الذي تحدثه الأنباء ذات الخطر، كأنما كان العالم ينتظر مطمئنًا أن ينتهي الثلاثة إلى هذه القرارات السياسية التي أصدروها؛ لأن طبيعة الأشياء كانت تفرض عليهم أن يُصدروها كما هي.

    وقد لاحظ الرأي العام العالمي قبل كل شيء أن الدول الثلاث الكبرى أغرقت في تشجيع فرنسا، والاعتراف بمركزها الخطير، وبأنها يجب أن تسترد مكانتها القديمة بين الدول المنظمة لشئون العالم، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن بين هذا الإغراق في تشجيع فرنسا وبين الحقائق الواقعة أمرًا بعيدًا. فلم تدع فرنسا إلى هذا الاجتماع الذي وضع الأسس الأولى لتنظيم العالم. وإنما ظلت منتظرة متحفظة حتى انتهى الاجتماع، وقرر الثلاثة أن فرنسا تستطيع أن تشترك في الاجتماعات المقبلة التي سيعقدها وزراء الخارجية، أو التي سيعقدها السفراء. ومن قبل ذلك، لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين هي الدولة الرابعة أثناء غيبة فرنسا حين كان العدو يحتل أرضها، وأنه كان يقال: إن الصين ستشترك في تنظيم العالم، ووضع أسس السلام، ثم لاحظ الرأي العام العالمي أن الصين غابت عن اجتماع الثلاثة كما غابت عنه فرنسا، وأنها ستُدعى بعد هذا الاجتماع كما ستُدعى فرنسا إلى الاجتماعات الأخرى، أمَّا بقية الأمم المتحدة فستُدعى إلى نوع ثالث من الاجتماعات.

    ومعنى ذلك أن هناك طبقات ثلاثًا للدول: الطبقة الأولى تتألف من الدول الثلاث التي اجتمع رؤساؤها في القرم، الطبقة الثانية تتألف من هذه الدول الثلاث على أن تضاف إليها فرنسا والصين، الطبقة الثالثة تتألف من الأمم المتحدة جميعًا. وقد يكون في هذا شيء مما يؤذي الخلق، ويخيب الأمل، مما أشرت إليه في الحديث الماضي من هذه الأهوال الهائلة التي احتملتها فرنسا والصين وغيرهما من الأمم المحاربة، والتي كانت تستحق تقديرًا أكثر من التقدير الذي ظهر إلى الآن، ولكن هذا الوضع الذي تكشف عنه اجتماع الثلاثة في القرم ملائم كل الملاءمة لطبيعة الأشياء في هذا الوقت على أقل تقدير.

    وطبيعة الأشياء لم تُعط على نفسها عهدًا لئلا تؤذي الخلق، ولا تخيب الأمل من قريب أو بعيد، وطبيعة الأشياء واضحة جدًّا، فأعباء الحرب في هذه الأيام إنما تنهض بها هذه الدول الثلاث. ومن عزَّ بزَّ كما يقول المثل العربي القديم.

    وما دامت الجيوش الروسية تحرر ما تحرر من الأمم، وتجتاح ما تجتاح من الأرض، وما دامت الجيوش البريطانية والأمريكية تقاتل في خطوط سيجفريد، وتصب الهول على ألمانيا، وما دامت الأساطيل البريطانية الأمريكية تحمي طرق البحار، فرؤساء هذه الدول الثلاث هم الذين يستطيعون أن يقضوا في أمور العالم، سواء حضر العالم هذا القضاء أو غاب عنه.

    وطبيعة الأشياء قد تتغير فتقوى فرنسا بعد ضعف، ويصبح لها جيش وأسطول يحسب لهما حساب، ويومئذ تستطيع فرنسا أن تشترك في القضاء والحكم ووضع النظام؟

    وهناك شيء آخر ملائم لطبيعة الأشياء كل الملاءمة، وهو أن القرارات السياسية التي أصدرها الثلاثة في القرم لم تصادف رضًا خالصًا من قلوب الشعوب التي لم تشهد هذا الاجتماع. ففرنسا مثلًا لم تنس مكانها القديم، ولا تضحياتها الهائلة، ولا آمالها الكبرى، ولا ثقتها بالمستقبل، وهي من أجل ذلك لم تتلق هذه القرارات راضية عنها كل الرضا، وإنما أعلنت أنها ستأخذ منها ما يلائمها، وستتحفظ فيما عدا ذلك.

    فقد قرر الثلاثة دعوتها إلى الاشتراك في احتلال ألمانيا — وهي تقبل هذا الاشتراك بطبيعة الحال — وقرروا دعوتها إلى الاشتراك في اللجنة التي ستشرف على شئون هذا الاحتلال، فهي تقبل هذا الاشتراك أيضًا، ولكنها تتحفظ في قبول ما دعيت إليه غير ذلك إلى أن تدرس وتستقصي وتتبين الأساس كما كنَّا نقول منذ حين. فهي مثلًا لا تريد أن تشترك في الدعوة إلى مؤتمر الأمن العالمي الذي سيعقد في أبريل المقبل إلَّا بعد الدرس والاستقصاء وتحديد الأساس.

    وليس الأمر مقصورًا على فرنسا، فالحكومة البولندية في لندرة ساخطة كل السخط، منكرة كل الإنكار، والرأي العام في أمريكا يظهر مشاركة لها في هذا السخط والإنكار، ولكن أمر الحكومة البولندية في لندرة يسير جدًّا، فقد أظهر المستر تشرشل منذ زمن بعيد أن من الحق عليها أن تقبل ما طلبته روسيا من تعديل الحدود، ولكنها لم تفعل، فناب عنها الثلاثة في هذا القبول.

    ومن المرجح أنهم لم يفعلوا إلَّا عن بصيرة بعد أن تبينوا إرادة الشعب البولندي، ويقال: إن إيطاليا تشعر بشيءٍ من خيبة الأمل، ولكن إيطاليا أمةٌ مغلوبةٌ، فليس عليها بأس من خيبة الأمل، بل ذلك قد يكون أيسر ما ينتظرها من العقاب.

    وقد نظَّم الثلاثة شئون يوجسلافيا على النحو المعروف، فلم يبق بدٌّ من تنفيذ الاتفاق الذي تم بين روسيا وبين الماريشال تيتو وحكومة المسيو سوبازيك، وقد أخذ في تنفيذ هذا الاتفاق بالفعل، والشيء الواضح هو أن الدول الثلاث قررت أن تمكن الشعوب المحررة، أو التي خرجت أو أخرجت من حلف المحور من أن تختار نظام الحكم الذي تريد أن تحكم عليه بواسطة الانتخاب الحر، وحتى ولو احتاجت إلى أن تشرف إشرافًا فعليًّا في هذا الانتخاب، فستبين الأيام إلى أي حد توفق الدول الثلاث إلى ما تريد من إرضاء الشعوب.

    وهناك شيءٌ آخر ليس أقل وضوحًا من كل ما مضى، وهو أن الدول الثلاث لم تهتم إلَّا بأوروبا المغلوبة والمحررة. فأمَّا الدول المحايدة أو التي كانت تتكلف الحياد، فلم يتخذ الثلاثة بشأنها قرارًا، وأمَّا الدول التي ساعدت الحلفاء، وتعرضت للخطر في سبيل هذه المساعدة، وذاقت مرارة الحرب، واحتملت أثقالها في شرق البحر الأبيض المتوسط مثلًا، فلم يتعرض لها الثلاثة فيما أصدروا من القرارات. وأكبر الظن أنهم تعرضوا للأمور التي لم يكونوا يستطيعون أن يهملوها. فأمَّا الأمور التي تستطيع أن تنتظر، أو تحمل نفسها في يسر وفي حدود ما يسمُّونه مناطق النفوذ؛ فليس من الضروري أن تدرس في القرم، أو أن يشغل الثلاثة بها أنفسهم.

    ولذلك مضى العالمُ في سنة ١٩٤٥ كما كان يمضي من قبل، يقضي في أمره أولو القوة وأصحاب الحل والعقد على مقدار طبقاتهم ومراتبهم من القوة، ومن الحل والعقد أيضًا. والشيء المهم هو أن العالم سيستمتع قطعًا بما ضمَّنه ميثاق الأطلنطي للشعوب من اختيار نظم الحكم، ومن أن تعيش في أمن من الظلم والخوف والجوع.

    وفي أثناء هذا التطور الذي أحدثه اجتماع الثلاثة في القرم طبقًا لطبيعة الأشياء؛ جاءت الأنباء بأن السلم قد استقر في بلاد اليونان آخر الأمر، وبأن الأحكام العرفية قد ألغيت في بلاد اليونان، وهي جزء من أوروبا، ليس بينها وبين ميادين الحرب البحر الأبيض المتوسط؛ فلنهنئ اليونان بما اكتسبوا من سلم وأمن، ولنتمنَّ لهم مخلصين ما هم أهل له من مجد وعز وكرامة.

    وفي أثناء هذا التطور أيضًا جاءت الأنباء بأن الجنرال سبيرس، الوزير السابق لبريطانيا العظمى، وهو في مجلس العموم البريطاني أهتم بمشكلات الشرق الأدنى، وأهم من ذلك أنه استطاع أن يُؤلِّف من كثير من أعضاء البرلمان البريطاني لجنة لشئون الشرق الأدنى تدرس وتعمل وتتكلم وتسعى برياسته.

    وقد عرفت مصر بين الحربين هذه اللجان التي تؤلف في البرلمان البريطاني لدرس الشئون الخارجية بطريقة غير رسمية. فلها خطرها من غير شك؛ لأنها تنشر الدعوة، وتبصر الرأي العام، ولكن الخطأ كل الخطأ أن نغلو في تقدير آثار مثل هذه اللجان، وأن نتخذ أعمالها وأقوالها أساسًا لما نقرر من خطة، أو نعتقد من رأي، أو نداعب من أمل.

    وإذا كان من الحق على الذين يقودون الرأي العام في بلاد الشرق العربي أن يعرفوا حقائق الأشياء، ويبصروا بها قومهم؛ فإني أعتقد أن حقيقة واحدة يجب أن تظل ماثلة دائمة أمامهم، وهي أن العالم سيمضي اليوم وغدًا كما مضى أمس وأول أمس، وأن الشاعر العربي القديم لم يخطئ حين قال:

    وكنت إذا قوم رموني رميتهم فهل أنا في ذا يال همدان ظالم

    متى تجمع القلب الذكي وصارمًا وأنفًا حميًّا تجتنبك المظالمُ