مؤتمر
يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.
كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.
وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.
وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.
أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!
فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.
وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!
وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!
وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.
وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.
كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!
وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟
وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟
تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.
فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!
وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.
وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟
كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣
Tag: معارضة
-
مؤتمر | A Conference
-
عناد | Obstinacy
عناد
زعم المصريون أن المستشار المالي نصح للحكومة المصرية ألا تتعجل إنشاء خزان جبل الأولياء، ثم أكد المصريون هذا الزعم وجعلوه يقينًا، ثم نشرته الصحف! وطلبت وطلبنا معها إلى الحكومة أن تبين للناس وجه الحق فيه. وقد أخذ الإنجليز يزعمون وينشرون كما كان المصريون يزعمون وينشرون أن المستشار المالي لا ينصح بالمضي في هذا المشروع الآن. وكل شيء يدل على أن الإنجليز سيستيقنون بعد ما زعموا كما زعم المصريون ثم استيقنوا. وإذن فمن المحقق — إلى أن تقول الحكومة المصرية غير هذا — أن الرجل الذي تصر الحكومة الإنجليزية على بقائه في منصبه بمصر رقيبًا على تصرفات مصر المالية، لا يريد أن يحتمل تبعة الصمت على هذا التصرف الغريب في هذه الأزمة المنكرة. ومعنى هذا كما قلنا من قبل أن المستشار الإنجليزي لا يتردد في أن يقهر عواطفه الإنجليزية، ويعرض عن المنافع الإنجليزية، ويعلن إلى الحكومة رأيًا مكتوبًا، وهو الأصح بتأجيل المشروع الآن.
كل هذا حق إلى أن تنفيه الحكومة نفيًا صريحًا واضحًا، لا يحيط به من الغموض والإبهام مثل ما أحاط بموقف وزير الأشغال من هذا المشروع. وإذن فقد تمضي الحكومة في إنشاء الخزان دون أن يحتمل الإنجليز في ذلك تبعة ما، بعد أن نصح مثلهم الرقيب على تصرفاتنا المالية بالتريث والأناة نصحًا لا لبس فيه ولا غموض. فإذا كانت هناك تبعة فمصر الرسمية وحدها هي التي تحتمل هذه التبعة، لأن الشعب قد كره المشروع وأعلن كرهه وألح في العدول عنه أو في تأجيله، ولأن الإنجليز — على حبهم للمشروع وكلفهم به وانتظارهم المنافع المختلفة من ورائه — قد نصحوا على لسان المستشار المالي بتأجيله والتريث فيه.
وليس يعنينا كما قلنا من قبل أن تكون نية الإنجليز صادقة أو غير صادقة حين قدموا هذا النصح، ولا أن يكون هذا النصح ملائمًا أو غير ملائم لأمانيهم ودخائل نفوسهم. وإنما الظاهر من أمرهم الرسمي وحده هو الذي يعنينا. وإذا كان الشعب المصري الذي سينفق على هذا المشروع، والذي سيحتمل آثاره الضارة أو سينعم بآثاره النافعة، يكرهه ويلح في العدول عنه، وإذا كان الإنجليز أنفسهم ينصحون بتأجيله واصطناع الأناة في تنفيذه، فمن الحق على كل عاقل أن يسأل: وإذن فما مضي الحكومة في هذا المشروع؟ ولمن تريد الحكومة أن تقيم الخزان وقد كرهه المصريون وأظهر الإنجليز الزهد فيه؟
من الحق على كل عاقل أن يسأل هذا السؤال، ومن الحق على الحكومة أن تجيب على هذا السؤال، وأن تجيب عليه في صراحة ووضوح. ونظن أن الحكومة توافقنا على أن ذلك العصر الذي كانت تُكره فيه الشعوب على ما لا تريد إكراهًا، والذي كان سادتها وقادتها يعلنون فيه أنهم ينفعونها رغم أنوفها، ويحققون لها الخير على كره منها، قد انقضى وعفت آثاره. وأصبحت الشعوب الآن تقدر حقها في أن تريد أو لا تريد، وفي أن تنتفع أو لا تنتفع. وقد عصفت الحياة الحديثة بعصمة السادة والقادة، ونزعتهم عن الخطأ، فأصبحوا رجالًا كغيرهم من الناس، لا تكسوهم المناصب سيادة على الأمم، ولا تمكن لهم في الأرض، ولا تتيح لهم أن يكرهوا الشعوب على ما لا تريد. أصبحوا قومًا تأجرهم الشعوب ليحققوا لها آمالها ومنافعها العامة كما تريد هي، لا كما يريدون هم. فإن اتفقت آراؤهم مع آراء الشعوب فذاك، وإلا وجب عليهم الإذعان لرأي الشعوب والتخلي عن مناصبهم.
انتقلت السيادة من الحكام إلى المحكومين في هذه الأيام، وأصبح المحكومون هم السادة، وأصبح الحاكمون عمالًا يعملون بأمرهم وينفذون قضاءهم. وأنا أعلم أن هذا كلام قد تبتسم له الحكومة في ضرب من الاستهزاء والسخرية، لأنها لا ترضاه ولا تؤمن به، ولكني أعلم أيضًا أن هذا الكلام هو وحده الذي يرضاه الشعب ويؤمن به، ويطمئن إليه، ويراه مرآة صادقة لما يملأ نفسه من الشعور بسيادته وحقه الخالص في الإشراف على الأمور العامة.
الشعب إذن لا يريد هذا الخزان الآن، والإنجليز لا يلحون فيه ولا يصرون عليه، فلمن تقيمه الحكومة؟
ولندع النظريات، فلو قد مالت الحكومة إلى تصور الصلة بينها وبين الشعب على هذا النحو الذي وصفناه، والذي يقوم على سيادة الشعب وحده، لأراحت نفسها من اللوم المتصل، ولأراحتنا نحن من عهدها هذا الطويل السعيد، ولتخلت عن الحكم ومناصبه منذ عهد بعيد.
لندع إذن هذه النظريات، ولنسأل الحكومة عن الفائدة العملية التي تنتظرها هي لنفسها من إقامة هذا الخزان بعد أن ظهر في وضوح وجلاء أن الأمة لا تنتظر الآن منه خيرًا. إنما تقدم الحكومة على الأعمال الخطيرة لأمرين: إما لتحقيق منفعة شعبية عامة، وإما لتحقيق منفعة سياسية خاصة. فما هذه المنفعة السياسية الخاصة التي تريد الحكومة تحقيقها بإقامة هذا الخزان؟
كأن الناس يقولون إن الحكومة تتقرب بهذا الخزان إلى الإنجليز لتستطيع الوزارة أن تبقى في مناصبها، ولكن الإنجليز لا يلحون الآن في هذا الخزان، فهل ترى الحكومة أن من الكرامة أن تسرف في الإلحاح إلى حيث تضع نفسها موضع الذي يريد أن يكره الإنجليز على تحقيق منافعهم، ويأخذهم بقضاء مآربهم السياسية رغم أنوفهم؟ وهل من المصلحة السياسية الخاصة للحكومة عند المصريين وعند الإنجليز أنفسهم أن يقال عنها إنها تحرص على المنافع البريطانية أكثر مما تحرص عليها بريطانيا العظمى نفسها؟
لست أدري أتجد الحكومة أم تهزل؟ فليس في إصرارها على إقامة الخزان رغم المصريين ورغم النصيحة الإنجليزية الرسمية شيء من الجد، وليس هذا الموضوع مما يصلح للهزل، فيا له من هزل هذا الذي يعرض مالية الدولة للاضطراب.
ولوزير الأشغال كلمة لا تخلو من ظرف، ولكنها لا تخلو من عبرة وعظة. قال لبعض الصحافيين الذين تحدث إليهم منذ أيام: «هاتوا لنا مياهًا بمقدار أربعة أمثال ما عندنا الآن، ونحن نعرف كيف نوزعها».
ومن المؤكد أن وزير الأشغال لن يضيق بأضعاف ما عندنا من الماء، وأي شيء أيسر من التوزيع والتبديد؟ والحكومة تقيم في كل يوم أدلة واضحة قاطعة على أن التوزيع نفسه ليس معجزًا ولا شاقًا، وإنما المعجز الشاق هو التوزيع المنتج الذي يفيد. إن الحكومة توزع أموال الدولة حتى تحتاج إلى أن تستدين، وهي قادرة على أن تفرغ ما تستدين حتى تضطر إلى أن تستدين مرة أخرى. ويستطيع وزير المالية بالأصالة، أو وزير المالية بالنيابة، أن يقول: هاتوا لنا أضعاف ما عندنا من المال ونحن نعرف كيف ننفقه. ليس شيء أيسر من الإنفاق، ولكن المسألة هي أن نعرف: أنافع هذا الإنفاق أم ضار؟ أمفيد هو أو غير مفيد؟
تستطيع المياه أن تكثر، فقد يمهد لها الطريق إلى البحر، وقد يمهد لها الطريق إلى الصحراء، وقد تترك لها الحرية فتطغى وتملك كل شيء. ولكن المسألة التي لم يقل فيها وزير الأشغال شيئًا هي قدرته أو عجزه عن توزيع هذه المياه بحيث تبعث في أرض مصر الخصب والثروة.
والظاهر — كما يقال — أن وزير الأشغال كان يؤمن في وقت من الأوقات أن هذا التوزيع المنتج المفيد ليس بالشيء اليسير الآن على أقل تقدير. ما أجدر وزير الأشغال، وقد جعلت الظروف إليه أمر وزارة المالية في هذه الأيام، أن يفكر في إنفاق المال إذا كان يسيرًا، فقد يكون جمعه من العسر والمشقة أحيانًا ما يضطر الحكومات والأمم إلى الإفلاس. وما أجدره، وقد جعلت إليه الظروف شؤون المالية، ألا يمهد بيده سبيل مصر إلى هذا الشر الذي يشفق منه المستشار المالي الإنجليزي، فينصح الحكومة بالانتظار.
كوكب الشرق ١٣-٣-١٩٣٣