Tag: مناهضة الاستعمار

  • ثورتنا هنا … وفي كل مكان | Our Revolution Is Here … and Everywhere

    ثورتنا هنا … وفي كل مكان

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٣ يوليو ١٩٦٠

    هذا هو العيد الذي نحتفل فيه بالثورة التي شبَّت في الثالث والعشرين من شهر يوليو، وما زالت قائمة ماضية في تحقيق الأغراض السياسية والاجتماعية التي شبَّت من أجلها.

    أهو عيد الجمهورية العربية المتحدة وحدها، أم هو عيد لأمم أخرى كثيرة غيرها؟ أهو عيد نحتفل به نحن وتجاملنا فيه بعض الأمم فترسل وفودها لتشهد معنا الاحتفال به، حتى إذا انقضى عادت الوفود إلى أوطانها وقد أدَّت واجب المجاملة لوطن صديق؟ أو هو عيد تشترك فيه هذه الوفود أو أكثر؛ لأن آثار الثورة التي نحتفل بها فيه ليست مقصورة على هذين القطرين اللذين تتألف منهما هذه الجمهورية العربية المتحدة، بل تتجاوزهما إلى أقطار أخرى كثيرة في القارة الأفريقية وفي القارة الآسيوية نفسها أيضًا؟

    أما أنا فأعتقد أنه عيد يشمل أممًا كثيرة في القارتين؛ لأن ثورتنا كانت مقدِّمة لاستقلال شعوب مختلفة كانت خاضعة لسلطان الاستعمار الخارجي، ولسلطان الاستبداد الداخلي أحيانًا. ولست أحب التنبُّؤ بما يكون في المستقبل، ولكني مع ذلك قد تنبَّأت حين شبَّت ثورتنا بأنها ستُحدث في الشرق مثل ما أحدثته الثورة الفرنسية الكبرى في الغرب. ولعلِّي حين كتبت هذا الكلام في الأهرام كنت أمليه مدفوعًا بالأمل العريض الذي أثارته الثورة في نفسي، وبالحب العميق لهذه الحرية التي لم أكن أحبها لوطني وحده، وإنما كنت أحبُّها وأتمنَّاها لأوطان كثيرة أخرى كانت قد حرمتها منذ عهود بعيدة جدًّا.

    وأعترف بأني لا أقرأ في هذه الأيام نبأً من هذه الأنباء التي تُذاع في أقطار الأرض معلنةً تحرر الشعوب من الاستعمار والاستبداد والظلم، إلا ذكرت ثورتنا وتحدثت إلى نفسي بأن تحرر هذه الشعوب واستقلالها واستمتاعها بالحرية والكرامة والعزة، كل ذلك إنما هو أثر من آثار ثورتنا هذه؛ فقد كنت موقنًا حين كتبت ما كتبت في الأهرام أن لنا جيرانًا في آسيا وفي القارة الأفريقية، وأن أنباء ثورتنا ستصل هؤلاء الجيران، وأنهم سيعلمون كثيرًا من نتائجها، وسيفرحون لنا، وسيغبطوننا، وسيتمنَّون لأنفسهم مثل ما أُتيح لنا من الثورة أو شيئًا قريبًا مما أُتيح لنا …

    كنت أذكر تونس والغرب الأقصى، وكنت أذكر العراق، وكنت أذكر المستعمرات الفرنسية في القارة الأفريقية. وكنت أُقدِّر أن إخراج الملك المستبد من مصر، وأن الإصلاح الاجتماعي الذي بُدئ به في مصر، وأن جلاء الجنود البريطانيين عن أرض مصر الذي ستجدُّ فيه الثورة حتى نبلغه؛ كنت أذكر أن هذا كله سيقع من قلوب جيراننا القريبين منا والبعيدين عنا مواقع الماء من ذي الغلة الصَّادي … كما كان القدماء يقولون. ثم لم ألبث أن رأيت الثورة تشبُّ في غير موطن من هذه المواطن، من هذه المواطن القريبة والبعيدة. ولم ألبث أن رأيت بعضها يبلغ ما كان يريد بعد جهاد العنف حينًا ولا يبلغ العنف حينًا آخر.

    فهذه الأوطان في شمال أفريقيا تجاهد أعنف الجهاد وأقساه، وتصلَى نار العدوان والطغيان والإثم، وتنتهي إلى أن تبلغ الغاية التي أرادت أن تبلغها، فتستقل تونس، ويستقل المغرب الأقصى بعد خطوب، وتوشك الجزائر أن تبلغ ما تريد من الاستقلال، على رغم ما تُمعن فيه فرنسا من المداورة والمناورة، وعلى رغم ما تُمعن فيه فرنسا أيضًا من ألوان الظلم والبغي ومن ضروب القمع وتعذيب الأبرياء.

    وها نحن أولاء نرى في هذه الأيام تتابُع الأنباء التي تحدثنا باستقلال المستعمرات الفرنسية، بعد أن ورَّطت فرنسا نفسها في تلك الشركة التي زعمت أنها ستنشئها بينها وبين مستعمراتها؛ فتتقي بذلك الثورة في تلك المستعمرات، تعطيها القليل وتستأثر من دونها بالكثير، تُخيل إليها أنها حرة في حياتها الداخلية وأن حياتها الاقتصادية والعسكرية والسياسية شركة بينها وبين فرنسا. ولقد غلا رئيس الجمهورية الفرنسية في يوم من الأيام فأعلن إلى هذه المستعمرات أنها حرة في أن تقبل هذه الشركة، فتشرف بالتعاون في فرنسا الكبرى أو ترفض هذه الشركة فتشقى باستقلالها؛ لأنها لا تملك الوسائل التي تتيح لها حماية هذا الاستقلال. أعلن ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية مطمئنًّا إلى أن المستعمرات ستحرص أشد الحرص على أن تقبل الشركة وتعيش مستقلة استقلالًا داخليًّا، وتشرف بالمشاركة فيما عدا ذلك من الشئون. ولكن بعض هذه المستعمرات آثرت الاستقلال فورًا، فاضطرت فرنسا إلى أن تعترف لها بهذا الاستقلال، وقبلت كثرة المستعمرات هذه الشركة أولًا، ثم لم تلبث إلا عامًا وبعض عام حتى طلبت استقلالها كاملًا موفورًا.

    وبعضها الآخر طلب هذا الاستقلال، واحتفظ لنفسه بالحرية الكاملة، بعد أن يتم له استقلاله في أن يُحالف فرنسا أو يحالف غيرها من الدول. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا مستعمَرَاتها في القارة الأفريقية تطلب الاستقلال جميعًا، وتطلب العضوية في هيئة الأمم المتحدة. ونظرت فرنسا ذات يوم فإذا هي لا تستطيع أن ترفض لهذه المستعمرات طلبًا؛ لأن رئيس الجمهورية لم يكتف بإعلان ما أعلن من حق المستعمرات في أن تنفصل عن فرنسا أو تشترك معها، وإنما سجل ذلك في الدستور الفرنسي، فلم يبقَ لفرنسا وسيلة تتيح لها رفض ما تطلبه هذه المستعمرات من الاستقلال التام مع الحلف أو دون الحلف، ولن يأتي الخريف المقبل إلا وقد تم استقلال المستعمرات الفرنسية كلها في القارة الأفريقية، لا يُستثنى من ذلك إلا الجزائر؛ لأن الفرنسيين يرون — وما أسخف ما يرون! — أن الجزائر ليست مستعمرة، وإنما هي جزء من الوطن الفرنسي. ومع ذلك فقد اضطرت فرنسا إلى أن تُعلن — على لسان رئيس الجمهورية — أن للجزائر الحق الكامل في تقرير مصيرها، والثورة في الجزائر هي التي اضطرت فرنسا إلى ذلك، وأرغمتها عليه إرغامًا. وحسبك أن تلاحظ أن الجيش الفرنسي — على قوته وبأسه واستعانته بما يمده به حلفاء فرنسا — قد أنفق ست سنوات دون أن يسحق هذه الثورة أو يفلَّ حدها.

    ثم لم تكتفِ فرنسا بما أعلن رئيس جمهوريتها من حق الجزائر في تقرير مصيرها؛ وإنما دعت زعماء الثورة إلى المفاوضة، وبدأت هذه المفاوضات بالفعل، وهي الآن تتعثر. ولكن الأمر منتهٍ من غير شك إلى استقلال الجزائر سلمًا أو حربًا، وكذلك تفقد فرنسا كل مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية، ويضطر كاتب فرنسي إلى أن يسجل في إحدى الصحف الفرنسية الكبرى أن رئيس الجمهورية القائم قد نهض بالرياسة ليقضي على الإمبراطورية، ويرد فرنسا دولة من الطبقة الثانية. ولا يقف الأمر عند فرنسا وحدها، فبريطانيا نفسها تتخلى عن بعض مستعمراتها في هذه القارة الأفريقية طوعًا أو كرهًا، وبلجيكا تعلن استقلال الكونجو البلجيكي بعد خطوب شداد. وللكونجو البلجيكي قصة لم تنته بعد، يظهر القراء على أنبائها في الصحف كل يوم، ولكنه قد أصبح على كل حالة دولة مستقلة، وسيصبح عضوًا في هيئة الأمم المتحدة في شهر سبتمبر المقبل، بعد أن أوصى مجلس الأمن بقبوله.

    وكذلك تتغيَّر الصورة الجغرافية لهذه القارة، ويتعلَّم طلاب المدارس الثانوية شيئًا جديدًا في جغرافيا القارة الأفريقية … يتعلم هؤلاء الطلاب شيئًا لم يتعلمه إخوانهم الذين سبقوهم في هذا العام، وهو أن القارة الأفريقية قد تحرر أكثرها ونشأت فيها دول لم تكن موجودة أثناء هذه السنة الدراسية، وستكون موجودة عاملة في الحياة الإنسانية أثناء العام الدراسي المقبل.

    وحين نحتفل بعيد الثورة في هذا العام، سنضطر إلى أن نذكر أن ثورتنا كانت مقدمة لهذه الحرية التي أوشكت أن تظلل القارة الأفريقية كلها.

    والأمر ليس مقصورًا على هذا الذي كان في القارة الأفريقية، ولكن هناك أوطانًا أخرى في آسيا قد تأثَّرت بهذه الثورة، سواء اعترفت بهذا التأثر أم لم تعترف، فثورة العراق أثر من آثار الثورة المصرية، وإن كره الزعيم الأوحد والقاضي الفذ. ويُخيل إليَّ أن هناك شبهًا ما بين ثورة الجيش المصري منذ أعوام وثورة الجيش التركي في هذه الأيام، وما أشك في أن الترك يكرهون أشد الكره الاعتراف بأن لثورتنا في ثورتهم أثرًا، ولكن الشيء المحقق هو أن هذا التشابه قائم، سواء كرهه الترك أو أحبوه.

    ومن يدري، أتقف آثار ثورتنا في العالم الخارجي عند هذا الحد، أم تمضي في تأثيرها حتى لا يصبح في الأرض أثر من آثار الاستعمار كما عرفه الناس من أعوام؟ ولست أزعم أن الاستعمار قد انقضى بجميع صوره وأشكاله، فالناس جميعًا يعلمون أن التحالف مع الدول الكبرى لون من ألوان الاستعمار وشكل من أشكاله. ولكن أول الغيث قطرة ثم ينهمر، فمن حق كل مواطن في الجمهورية العربية المتحدة أن يشعر بشيء من الرضا العميق الذي يستأثر بالقلب والضمير، حين يذكر أن ثورة وطنه لم تكن مقصورة عليه، وإنما كانت مقدمة لزوال شكل بغيض من أشكال الاستعمار عن أوطان قريبة وبعيدة، ولم تكن مصر في يوم من الأيام أثرة ولا منطوية على نفسها، وإنما كان هذان القطران دائمًا مؤثرين للخير، يحبانه لأهلهما ويُشِيعانه في الأوطان الأخرى ما وجدا إلى إشاعته سبيلًا، وهما الآن يؤديان واجبهما التاريخي حين يؤثران الخير ويشيعانه في الأوطان الأخرى.

    وإذا كان خير الناس أنفعهم للناس، فخير الأوطان أنفعها للأوطان الأخرى.

  • الناصريزم | Nasserism

    الناصريزم
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٠ أغسطس ١٩٥٧

    هذه كلمة شائعة في غرب أوروبا وفي شمال أمريكا، ويكثر استعمالها في فرنسا خاصة، وعسى أن تكون هي التي ابتكرتها.

    ففي الفرنسيين بقية من ذكاء، وفي لغتهم فضل من مرونة، وهم من أجل ذلك أبرع الناس في ابتكار الألفاظ، يسبق إلى ذهن كاتب من كُتَّابهم أو عالم من علمائهم أو رجل من رجال السياسة فيهم، فما أسرع ما يلتمس اللفظ الذي يؤدِّي به هذا المعنى، فإن لم يجده في اللغة التي تنطق بها الألسنة وتجري بها الأقلام ولا في المعاجم، ابتكر له من عند نفسه لفظًا يؤدِّي به ما يريد، وقَبِل الناس منه لفظه هذا في غير مشقة ولا مقاومة.

    ولا أعرف أمة معاصرة تناظر الفرنسيين في تطويع لغتها لما تريد، إلا الأمة العربية التي ابتكرت ألوفًا من الألفاظ حين كانت حضارتها مزدهرة، وحين عرضت لها معانٍ كثيرة لم يكن للعرب بها عهدٌ من قبلُ. وما زال المثقفون الممتازون من العرب يبتكرون الألفاظ حين يحتاجون إليها، ولا يجدونها في أحاديث الناس ولا في بطون الكتب.

    ومعنى هذه الكلمة التي ابتكرها الفرنسيون — في أكبر الظن — وأخذتها عنهم الأمم الغربية في أوروبا وأمريكا، وهو كل ما يدعو إليه ويجد في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية، بشرط أن يسبغ الفرنسيون وأضرابهم على هذا الذي يدعو إليه رئيس الجمهورية لونًا يرونه في أعينهم وقلوبهم قاتمًا ويراه الشرقيون مشرقًا زاهيًا.

    دلائل اللفظ اليسير
    فمقاومة الاستعمار في مصر، ودعوة الأمم المغلوبة إلى مقاومته، والثبات أمام الأمم القوية الظالمة، ورفض ما تحاوله من التدخُّل السافر أو المنقب، واسترداد الحق من الغاصب له مهما يكن قويًّا غنيًّا، ورفض الانقياد لما يريده الأقوياء ويجمعون به بين حين وحين من ترهيب بالقوة والبأس والمقاطعة الاقتصادية، أو إغراء بالمال وما يشبه المال من كل ما تستجيب له النفوس الضعيفة والقلوب التي برِئت من الإيمان بالوطن والثقة بالنفس والاعتداد بالكرامة والاستمساك بحق الإنسان في الحياة الحرة المبرَّأة من كل خضوع أو خنوع.

    كل هذا يدل عليه الفرنسيون وأضرابهم بهذا اللفظ اليسير القريب الواضح، وهو «ناصريزم». واللفظ كما ترى قد أُخِذَ من اسم رئيس الجمهورية، وأضيفت إليه هذه الحروف الأخيرة التي تُصطنع للدلالة على المذاهب والنظر والعقائد في العلوم والديانات والفلسفة. وكل هذا الذي يدعو إليه ويجدُّ في تحقيقه رئيس الجمهورية المصرية بغيضٌ بالطبع إلى الغرب الأوروبي والأمريكي؛ لأنه مقاومة لما في طبيعة الغرب للطموح دائمًا إلى الاستطالة والاستعلاء وبسط السلطان والاستئثار بالخير. وما دامت هذه الدعوة إلى التحرُّر بغيضة، فكل استجابة لها بغيضة أيضًا، وكل انتشار لها خطر يجب على الغرب أن يقاومه ويجِدَّ في محوه من الأرض ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

    كلمة أخرى
    ولكن هناك كلمة أخرى لم يجدها الغرب بعدُ؛ لأنه لم يشعر إلى الآن بأنه مريض وبأن مرضه هذا جديد لم يُعرف من قبلُ ولم يدرسه الأطباء النفسيون، ولم يدرسه أصحاب التحليل النفسي الفردي أو الاجتماعي، وهذا اللفظ هو «الناصريت».

    والذين يعرفون اللغات الأوروبية، يعرفون بالطبع أن هذه الحروف التي أُضيفت الآن إلى اسم رئيس الجمهورية، تدل عند الأطباء على أسماء الأدواء والعلل التي تصيب بعض أعضاء الجسم.

    ونفوس الغربيين وساستهم خاصة مصابة بداء في هذه الأيام يأتيهم من رئيس الجمهورية المصرية، وهو بالطبع لم يُصِبْ أعضاءهم الظاهرة، وإنما أصاب أعضاءهم وملَكاتهم الباطنة؛ ففي قلوبهم مرضٌ هو بُغْضُ جمال عبد الناصر، وفي عقولهم مرضٌ هو اتهام جمال عبد الناصر بكل شَرٍّ يأتيهم من الأمم التي خضعت لسلطانهم حينًا ثم أخذت تثور به وتتمرد عليه في هذه الأيام.

    فرئيس الجمهورية المصرية هو مصدر ما أصاب الإمبراطورية الفرنسية وما لا يزال يصيبهم إلى الآن، وهو مصدر ما أصاب الإنجليز في بعض مستعمراتهم البعيدة وما لا يزال يصيبهم في قبرص وفي عمان وفي البحرين وفي مواضع أخرى من الأرض كان الاستعمار البريطاني فيه مستقرًّا ثم أصبح قلقًا مضطربًا. وكل ما يحدث في العالم العربي الشرقي والغربي إنما يدور حول رئيس الجمهورية المصرية وما يصدر عنه أو يوجَّه إليه. فإذا انحرف الأردن عن الغرب، فتخلَّص من المعاهدة البريطانية، وحرر جيشه من قيادة الإنجليز؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا تشددت تونس أو مراكش في الانتصار للجزائر، أو غضبت تونس أو مراكش لاختطاف الزعماء الجزائريين؛ فمصدر هذا رئيس الجمهورية المصرية. وإذا استمسك لبنان بما بينه وبين فرنسا وأمريكا من صلة؛ فهذا موجه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به غيظه والكيد له والتأليب عليه. وإذا مال الأردن إلى أمريكا وتأثَّر بإغرائها وقَبِل مالها وأفسد من أجل ذلك حياته الخاصة، فشرد بعض المواطنين وحبس بعضهم الآخر، وأقال حكم الشعب الأردني؛ فهذا موجَّه إلى رئيس الجمهورية المصرية، يُراد به إساءته وإثارته وإشعاره بأنه ليس مسيطرًا على الأمم العربية كلها. وإذا حاول العراق في هذه الأيام تيسير الأمر بينه وبين مصر، فلم يُفسِد الإذاعة المصرية ولم يقاومها؛ فهذا كيدٌ من رئيس الجمهورية المصرية للبريطانيين والأمريكيين.

    الكارثة الكبرى
    ولا يحسب القارئ أني أغلو أو أتكثر، وإنما هي حقائق التفكير الغربي في فرنسا وبريطانيا وأمريكا، كما تُصوِّره الصحف والمجلات وبعض الكتب التي تصدر في هذه البلاد.

    والكارثة الكبرى عند الغربيين — وعليهم أيضًا — هي أن هذه الدعوة التي يدعو بها رئيس الجمهورية المصرية قد تجاوزت العالم العربي شرقه وغربه، واستجابت لها أمم أخرى في مؤتمر باندونج، وأصبحت لها كتلة تدعو بها في هيئة الأمم المتحدة، وهي كتلة الأمم الآسيوية الأفريقية.

    ومعنى هذا كله أن رئيس الجمهورية المصرية قد أصبح علة تُنَغِّصُ على ساسة الغرب حياتهم أيقاظًا وأحلامهم نيامًا، وأشد أمم الغرب تأثُّرًا بهذه العلة هي الأمة الفرنسية التي أصاب ساستها وكثيرًا من كُتَّابها وأدبائها شيءٌ يشبه الحُمَّى. ولهذه الحُمى الناصرية في فرنسا أوقات تشتد فيها حتى تتجاوز الأربعين وأوقات أخرى تخِف فيها، ولكن حرارتها لا تصل إلى الطور الطبيعي في يوم من الأيام؛ فأعياد الثورة المصرية قد رفعت درجة الحرارة الناصرية في فرنسا إلى أقصاها، حتى أخرجت بعض الكُتَّاب الفرنسيين من أعضاء المجمع اللغوي عن أطوارهم، وانتهت بهم إلى شيء من الهذيان، كان أروع مظاهره في مقال نشرته جريدة الفيجارو للكاتب الفرنسي المعروف فرنسوا بونسيه، وهو رجل عُرِفَ بحدة الذكاء ونفوذ البصيرة وسعة الثقافة وعمقها.

    الحمى الهاذية
    كان سفيرًا لفرنسا في برلين أيام هتلر، وحين كان يهيئ للحرب العالمية الأخيرة. وما أعرف أحدًا برع في تصوير هتلر أثناء هدوئه وأثناء غضبه وأثناء ثورته كما برع فيه هذا الكاتب. وما أعرف أحدًا نصح لحكومته أحسن النصح وأخلصه كما فعل هذا الكاتب حين كان هتلر يتهيَّأ للحرب. ولكن هذا الكاتب اشترى — فيما يظهر — طائفة لا بأس بها من أسهم الشركة القديمة للقناة، وكانت هذه الأسهم — فيما يظهر أيضًا — تعود عليه في كل عام بمال كثير، فصدمه تأميم القناة في العام الماضي صدمة أذهلته، ولم يبرأ من ذهوله بعدُ.

    وقد كتب في الأسبوع الماضي مقالًا نُشر في الفيجارو، وأشهد أنه مقال رائع حقًّا يصور الحمى الهاذية أروع الصورة وأبغضها إلى النفوس. ولست أدري أَقَرَأَ المصريون هذا المقال أم لم يقرأه، ولكني أؤكد أني لو كنت رئيسًا للتحرير في إحدى الصحف المصرية لترجمت هذا المقال؛ ليعرف المصريون كيف ترتفع حمى الناصرية في فرنسا حتى تبلغ بأصحابها أقصى حدود الخطرفة والهذيان.

    بلاء التحرر
    وهذه الحمى التي تأتي الفرنسيين من رئيس الجمهورية المصرية، لم تكد تهدأ حتى أخذت تصعد في هذه الأيام؛ ذلك أن هيئة الأمم المتحدة ستجتمع في الشهر المقبل، وأن الكتلة الآسيوية الأفريقية ستثير فيها مشكلة الجزائر، وأن أمريكا لا تُخفي ضيقها بعجز الفرنسيين عن حل هذه المشكلة. ومصدر هذا كله بالطبع رئيس الجمهورية المصرية؛ فهو المسئول الوحيد عند الفرنسيين — وعند غيرهم من أمم الغرب أيضًا — عن هذا البلاء العظيم الذي يُسمَّى التحرر، ويريد أن يرد إلى الأمم المغلوبة حقها الكامل في أن تحيا كما تشاء هي لا كما يشاء الأقوياء الأغنياء.

    وهذه الكتلة الآسيوية الأفريقية قوية — فيما يظهر — وفيها كثير من المكر وكثير من الدهاء، فليس غريبًا أن يضع الفرنسيون أيديهم على صدورهم إشفاقًا من أن تنتصر هذه الكتلة في هيئة الأمم المتحدة؛ فتظفر بحكم الجزائر أو بحكمٍ على فرنسا، وهذه هي الكارثة التي لا يرى الفرنسيون كارثة أعظم منها خطرًا.

    الداء ذو وجهين
    وكذلك أصبح اسم رئيس الجمهورية يدل على مذهب بغيض في الغرب، ويدل في الوقت نفسه على علة مُفسِدة لتفكير الغرب وحكمه على كثير من الأشياء. والغربيون لا يشكُّون في أن رئيس الجمهورية المصرية يحاول أن ينشئ إمبراطورية عظيمة تجمع الأمة العربية كلها تحت لواء واحد. والفرنسيون لا يشكُّون في أن تأييد مصر للجزائر لا يُراد به وجه الله ولا وجه الجزائر؛ وإنما يُراد به وجه الإمبراطورية المصرية، ويُراد به أن تستأثر مصر بالجزائر من دون فرنسا. وما أعرف أن الهذيان يصل بالناس إلى مثل هذا الحد، ولكن هذا الذي نراه الآن في الغرب والذي لا يحققه المصريون؛ لأنهم لا يقرءون الصحف الأجنبية، ولأن صحفهم العربية لا تصوره لهم كما ينبغي، بل لعلها لا تعرفه؛ لأنها مشغولة عنه بأحداث العالم العربي.

    أقول: إن هذا الداء الذي أصاب التفكير الغربي، والذي نراه في الصحف والمجلات والكتب شيءٌ ذو وجهين؛ أحدهما يَسُرُّ ويغر، والآخر يحزن ويسوء؛ فقد يسرُّ المصريين — وقد يَغرُّهم أيضًا — أن يعلموا أن الغرب مشغول بهم مبغض لهم مشفق منهم. ولكن حياة الأمم لا تقوم على السرور والغرور، وإنما تقوم على تقدير الأشياء كما ينبغي أن تُقَدَّرَ، وعلى العلم بحقائقها والانتفاع بما ينفع منها والاحتياط لما يكون منها ضارًّا أو معرضًا للخطر. وليس يضر مصر ولا يسوءُها أن تبغضها هذه الحكومة أو تلك من حكومات الغرب؛ فإن الحكومات تذهب وتجيء. وإنما الشر كل الشر والخطر كل الخطر هو أن يشيع بغض مصر والتنكُّر لها والاحتياط منها في أعماق الشعوب الغربية من كان منها مخاصمًا لنا ومن كان منها متحفظًا معنا.

    يجب مقاومة السخف
    فليس لمصر مصلحة مطلقًا في أن تفهمها الشعوب على غير حقيقتها وتظن بها الظنون. والمصريون قد يضحكون حين يُذكر لهم إنشاء هذه الإمبراطورية العربية الضخمة؛ يضحكون من هذا لأنه سُخف في نفسه، ولأن مصر التي بذلت ما بذلت من الجهد لتحقيق استقلال السودان ليست هي التي تحلم بإنشاء الإمبراطوريات في هذا الوقت الذي تنهار فيه إمبراطوريات عظمى. ولكن الواقع هو أن كثيرين جدًّا من أهل الغرب مؤمنون بهذه السخافة؛ فقد أفسدت السياسة تفكيرهم، فلم يُفَرِّقُوا بين الممكن وغير الممكن، وليس لنا بُدٌّ من أن نقاوم هذا السخف الشائع بنفس القوة وبنفس الحزم اللذين نقاوم بهما الاستعمار. وكم أحب أن تهتم لهذا الأمر وزارة الخارجية من ناحية، وإدارة الاستعلامات من ناحية ثانية، والصحافة والإذاعة من ناحية ثالثة. ولا بد من أن نصل إلى إشعار الشعوب الغربية بأن ساستها يُضلِّلونها ويكذبون عليها، وبأن مصر لا تطمع في شيء قريب من حدودها أو بعيد عنها، ولا تريد إلا أن تعيش عزيزة كريمة على نفسها وعلى الناس، وأن تعيش الأمم من حولها عيشة قوامها العزة والكرامة؛ فمصر لم تؤثِر نفسها بخير قط، وهي إذ طالبت بأن ترد الحقوق إلى أهلها في الجزائر وغيرها، فإنما تحب لإخوانها من الناس ما تحب لنفسها، مستجيبة بذلك لما فُطرت عليه من الإيثار ولما يدعو إليه القرآن والإنجيل.

  • إرادة شعب | The Will of a People

    إرادة شعب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ مارس ١٩٥٦

    في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

    فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

    وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

    وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

    لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

    تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

    وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

    أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

    وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

    انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

    بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

    بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

  • شبَّ عمرو عن الطوق | Amr Has Outgrown His Collar

    شبَّ عمرو عن الطوق
    طه حسين
    النداء
    ٣ فبراير ١٩٤٨

    وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.

    وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.

    فمن ذا الذي يلقي في رُوع …

    فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.

    وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.

    فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.

    وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.

    فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.

  • حذارِ … | Beware …

    حذارِ …
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١ فبراير ١٩٤٨

    تَعْرِض للأمم في حياتها ظروف تفرض على المثقفين من أبنائها واجبات حازمة حاسمة محرجة، لا ينبغي لهم أن يقصروا في أدائها أو يتخففوا من أعبائها، أو يتنصلوا من تبعاتها. فإن فعلوا ذلك أو فعلوا بعض ذلك أثموا في ذات أنفسهم وفي ذات أوطانهم، وفي ذات الكرامة الإنسانية من حيث هي كرامة إنسانية.

    ويُخيَّل إليَّ أن بعض هذه الظروف التي تفرض هذه الواجبات على المثقفين قد تعرض لمصر وتحيط بها، وتدعو ضمائر المثقفين من أبنائها إلى أن تستيقظ إن كانت نائمة، وإلى أن تنتبه إن كانت غافلة، وإلى أن تقدِّر حقها على أنفسها وحق الوطن عليها وحق الكرامة الإنسانية على كل إنسان كريم.

    والواقع أننا نستقبل في هذه الأيام حياة لا نبتغي أن ننعم فيها بالدعة والترف، ولا أن نخلد فيها إلى الراحة والعيش المطمئن، إلَّا بعد أن نؤدي لأنفسنا وأبنائنا واجب النصح والإرشاد والإلحاح في النصح والإرشاد مهما يحملنا ذلك من مشقة، ومهما يكلفنا ذلك من جهد، ومهما يعرضنا ذلك للأخطار والخطوب.

    فهذه الفرقة التي أفسدت ما بين الدول العظيمة المنتصرة من صلات، وفرَّقتها فريقين عظيمين، كلاهما يكيد لصاحبه ويمكر به، ويتهيأ لحربه حرب دفاع أو هجوم؛ ليست من الأشياء اليسيرة الهينة التي نستطيع أن نسمع أنباءها أو نقرأها غير حافلين ولا آبهين لها، ولا منصرفين من أجلها عما أَلِفْنا من حياة الدعة والهدوء.

    وقد رأينا ما صبَّت الحرب العالمية الأخيرة على أهل الغرب والشرق من خطوب وكوارث وأهوال، منها ما أزهق الأنفس وأراق الدماء، ومنها ما نشر الخراب والدمار وقوَّض الحضارة والعمران، ومنها ما أهدر الكرامة وألغى قيم الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والتعاطف، والتراحم، والتضامن، والتعاون في سبيل الخير.

    ولم تكن الدول المتحاربة تملك من الأسلحة ووسائل الهول ما ستملكه حين تُثار الحرب الثالثة، ولم تكن أهوال الحرب العالمية الأولى على نكرها ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثانية، ولن تكون أهوال الحرب العالمية الثانية ذات خطر عظيم بالقياس إلى أهوال الحرب العالمية الثالثة التي تتهيأ لها الدول الكبرى وتُدفَع إليها الشعوب البائسة دفعًا.

    فأيسر ما يجب على المثقفين وقادة الرأي في مصر وفي البلاد التي تشبه مصر، أن يبصِّروا مواطنيهم ويوجهوهم ويحذروهم، ويحولوا بينهم وبين التعرض لهذه الكوارث والأخطار ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولا عليهم إذا أدوا الواجب ونهضوا بالحق، ونصحوا لأوطانهم أن ينجحوا فيما حاولوا أو أن تتقطع بهم أسباب النجح، فلم يخطئ شاعرنا القديم العظيم حين قال:

    وركب كأطراف الأسنة عرسوا على مثلها والليل تسطو غياهبُهْ

    لأمر عليهم أن تتم صدوره وليس عليهم أن تتم عواقبُهْ

    والمصريون الذين يقرءون الصحف، ويسمعون الراديو، ويفهمون ما يقرءون وما يسمعون؛ يلاحظون أن بريطانيا العظمى تحاول أن تتهيأ للحرب المقبلة كأحسن ما تستطيع أن تتهيأ لها، وهي من أجل ذلك تنظم صلاتها وصلات الولايات المتحدة الأمريكية مع أوروبا الغربية بعقد المحالفات وتوثيق الصلات، وهي من أجل ذلك تريد بل تحاول أن تنظم صلاتها مع بلاد الشرق الأدنى والشرق الأوسط بعقد المحالفات وتنظيم التعاون.

    حاولت ذلك وما زالت تحاوله مع مصر ولكنها لم تفلح إلى الآن، وحاولت ذلك وما زالت تحاوله مع العراق ولكنها لم تفلح إلى الآن أيضًا، وحاولت ذلك مع شرق الأردن وسنرى أتفلح في محاولتها أم تخفق. وقيل إنها تحاول ذلك مع سوريا ولبنان، ومع المملكة العربية السعودية ومع اليمن أيضًا.

    والحجة الخطيرة التي تعتد بها بريطانيا العظمى وتتخذها وسيلة إلى الترغيب والترهيب، وإلى الإغراء والتخويف هي الشيوعية؛ فبريطانيا العظمى مشفقة أشد الإشفاق على مصالح الشرق العربي من انتشار الشيوعية فيه وامتداد يدها إليه، وهي تُخوِّف بهذا الخطر العظيم أصحابَ الثراء وأصحابَ الجاه والسلطان، وتخيِّرهم — إن صح استعمال كلمة التخيير — بين محالفتها والانضواء تحت لوائها لتحفظ عليهم ثراءهم وجاههم وسلطانهم، وبين مخالفتها والانفصال عن حلفها لتتعرض للشيوعية التي تهدم النظام الاجتماعي هدمًا وتلغي الثراء والجاه والسلطان إلغاءً.

    ثم هي لا تقف عند هذا الحد، ولكنها تمعن في الإشفاق على الشرق والشرقيين، فتعرض على الدول الشرقية لا أن تشاركها في الدفاع عن أوطانها فحسب، بل أن تعينها كذلك على الإصلاح الاقتصادي، ورفع مستوى الحياة كما يُقال.

    ولا تنسى بريطانيا العظمى في أثناء ذلك إلَّا شيئًا واحدًا؛ وهو أن اشتراكها في الدفاع العسكري على النحو الذي تعرضه، إنما هو الحماية قد غُيِّر لفظها، واستقر معناها، وأن اشتراكها في الإصلاح الاقتصادي ورفع مستوى الحياة، إنما هو إهدار الاستقلال الداخلي، والتغلغل في أخص ما تحرص الأمم على أن تنفرد به وتستقل بتدبيره من الشئون.

    وواضح جدًّا أن الشيوعية نظام ينبغي أن يُتَّقى؛ لأنه لا يلائم أمزجة الأمم العربية ولا الطور الذي وصلت إليه من حياتها الحديثة. ولكن أشد من ذلك وضوحًا أن اتقاء الشيوعية لا ينبغي أن يأتينا من خارج، ولا أن يُفرَض علينا من دولة أجنبية، وإنما ينبغي أن نحاوله نحن بجهودنا الخاصة.

    وجهودنا الخاصة ليست هي شرع القوانين والحَجْر على الحرية وأخذ الناس بالظنة، وإنما هي إصلاح النظام الاجتماعي وتمكينه من أن يعتمد على نفسه، ويعتد بوجوده، ويحبب إلى أصحابه الاحتفاظ به والحرص عليه.

    فإذا استطاع النظام الاجتماعي أن يكفل للناس حياة قوامها العدل والسعة، مبرأةً من الظلم والبؤس والحرمان، كان أصحابه جديرين أن يحبُّوه ويستمسكوا به، ويكرهوا تغييره ويجنبوا أنفسهم المغامرات.

    والشيء الذي ينبغي أن نقره في قلوب المصريين ورءوسهم وضمائرهم — لا ندخر في ذلك وسعًا، ولا نضن في سبيله بجهد — هو أن هناك فرقًا عظيمًا جدًّا بين النظام الشيوعي الذي تخوِّفنا منه بريطانيا العظمى والذي يجب أن نتقيه ونقاومه بالإصلاح الصحيح لنظمنا الاجتماعية، وبين الشخصية السياسية الدولية لروسيا السوفيتية.

    فنحن نستطيع أن نكره الشيوعية، ونحتفظ بصلات المودة والتعاون في السياسة والتجارة مع روسيا السوفيتية. والبريطانيون أنفسهم يصنعون ذلك، فهم يقاومون الشيوعية في بلادهم، وهم يمضون الاتفاقات التجارية مع روسيا، والفرنسيون يصنعون ذلك وأمريكا نفسها تود لو تستطيع أن تصنع ذلك.

    ففرق إذن بين الدولة الروسية وبين النظام الشيوعي، نستطيع أن نكون أصدقاء للدولة الروسية وخصوصًا للنظام الشيوعي دون أن يكون علينا في ذلك حرج أو جُناح.

    والشيء الآخر الذي يجب أن نقره في نفوس المصريين ورءوسهم هو أن محالفة البريطانيين والأمريكيين في هذا الوقت ليس معناها إلَّا الانحياز إلى أحد الفريقين المختصمين، والتورط في كل ما ينتج من هذا الانحياز.

    ولسنا في حاجة إلى أن نخاصم الروس ولا أن نحاربهم، ما دمنا نستطيع أن نؤمن أنفسنا من نظامهم الاجتماعي، وليس الروس هم الذين يحتلون القناة وإنما يحتلها البريطانيون، والروس قد شاركوا في أوزار القضية الفلسطينية ولكن البريطانيين هم الذين أنشئوا هذه القضية وخلقوها خلقًا.

    فكل شيءٍ يأبى علينا مخاصمة الروس، وكل شيء يفرض علينا مخاصمة البريطانيين؛ حتى نستخلص منهم ومن حلفائهم حقوقنا وحقوق الشعوب العربية الأخرى.

    فليفكر المصريون في هذا كله، وليتدبروه، وليذكروا قول الشاعر القديم:

    قدِّرْ لِرِجْلِكَ قبل الخَطْوِ موضعَها فمَنْ علا زلقًا عن غرة زلجا

  • فلسطين … | Palestine…

    فلسطين …
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ٢٨ أكتوبر ١٩٣٣

    لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء الإنساني العام، الذي تشترك فيه الشعوب وأجيال الناس، مهما تختلف الأمكنة والأزمنة والظروف؛ لكان من حق الأحداث التي ألمَّت بهم أمس أن تُذِيب قلوبنا أسًى وحزنًا، وأن تملأ نفوسنا حسرةً ولوعةً، وتُشعِرنا الرثاء لهم والإعجاب بهم، والرغبة الصادقة في أن يهيئ الله لهم نصرًا يردُّ إليهم الحق، ويحفظ عليهم الكرامة والعزة، ويضمن لهم الظَّفَرَ والفوز.

    نعم، لو لم يكن بيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين إلا هذا الإخاء العام، لكان من الحق علينا ألا نقف من هذه الأحداث التي ألمت بهم أمسِ موقفَ الذين ينظرون ولا يشعرون، ويشهدون ولا يتأثَّرون؛ فإن الذين يشهدون هذه المشاهد المؤلمة ثم لا يتألمون، ويتلقون هذه الأنباء المحزنة ثم لا يحزنون، ويرون شعبًا بأسره يجاهد ليعيش فيحال بينه وبين العيش، ويُكْرَه إكراهًا بالحديد والنار على أن يخضع للذلة والفقر وما يتبع الذلة والفقر، ثم لا تثور عواطفهم ولا تضطرب نفوسهم لهذا العطف الإنساني المقدس على المظلومين، ليسوا من الناس الذين يستحقون هذا الاسم، وإنما هم قوم قَسَتْ قلوبهم فهي كالحجارة أو أشدُّ قسوة، فكيف وبيننا وبين إخواننا من أهل فلسطين صلة الجوار في الدار والاشتراك في اللغة والدين، والاشتراك في المثل الأعلى، والاشتراك فيما نلقى جميعًا من الظلم، وما نحتمل جميعًا من العسف، وما نسام جميعًا من هذا الضيم المخزي، الذي لا يرضى به ولا ينبغي أن يرضى به كرام الناس.

    كم نحب أن يشعر إخواننا من أهل فلسطين أنَّا شركاؤهم فيما يُحِسُّون من ألم وحزن، وفيما يضمرون من حسرات، وما يظهرون من زفرات، وما يُعْلِنون من سخط وإنكار، لهذا الظلم الذي يصُبُّه عليهم الأجنبي صبًّا، لا لشيءٍ إلا لأنهم يريدون أن يعيشوا آمنين في ديارهم، وادعين، لا يؤذيهم أحد ولا يؤذون أحدًا، لا يضارهم أحد ولا يضارون أحدًا، لا يطمعون فيما عند غيرهم ولا يطمع غيرهم فيما عندهم، لا لشيء إلا لأنهم يريدون أن يستمتعوا هادئين بهذه الحياة التي منحهم الله في ظل الحق، والعدل، والمساواة، والإنصاف.

    كم نحب أن يستيقن إخواننا من أهل فلسطين أننا نجد ما يجدون، ونشعر بما يشعرون، ونألم لما يألمون له. ونود لو استطعنا أن نرد عنهم بعض ما يلقون من الشر، ونكشف عنهم بعض ما يُصِيبُهم من الضُرِّ، كم نودُّ أن يستيقنوا بأن ما بينهم وبيننا من الصلات أمتنُ وأصدقُ من أن نقف مُعْرِضين أو فاترين أمام هذه المحن المنكرة التي تُسَلَّط عليهم في غير رعاية لحرمة، ولا احترام لحق، ولا تأثُّر بالدين أو الأخلاق.

    ما أشدَّ التشابه بين ما تلقون في بلادكم، وما نلقى في بلادنا أيها الإخوان الأعزاء! هذه دماؤكم الزكية تُرَاقُ، ونفوسكم التي حرمها الله إلا بالحق تزهق، لا لشيء إلا لأنكم تريدون أن تعلنوا إلى الناس في سلم وأمن وحرص على العافية أنكم مظلومون، وأنكم تكرهون الظلم، وتُنكِرونه، وتريدون أن يُرْفَع عنكم، ومن قبل ذلك أريقت في مصر دماء زكية، وأزهقت في مصر نفوس حرمها الله إلا بالحق؛ لأن المصريين كانوا يريدون أن يعلنوا إلى الناس في سلم وأمن، وإيثار للعافية، أنهم مظلومون، وأنهم يريدون أن يرفع عنهم الظلم.

    ها أنتم أولاء ترادون على أن يسلَّط عليكم الشر فلا تلقونه بإنكار ولا سخط، وإنما تؤمنون له إيمانًا، وتُذْعِنون له إذعانًا. ولو استطاع خصومكم لطلبوا إليكم أن تعلنوا الرضا عما يصيبكم والابتهاج بما يَنْزِل بكم، وأن تستزيدوا من هجرة المهاجرين. وها نحن أولاء قد أُرِدْنا على أن نحب ما لا نحب، ونرضى بما ننكر، ونبتهج لما يمزِّق قلوبنا لوعة وحسرة؛ فإن نحن حاولنا أن نلائم بين قلوبنا ووجوهنا وألسنتنا، وبين آرائنا وأعمالنا، وأن نظهر السخط لأن قلوبنا ملأها السخط، ونعلن الإنكار لأن نفوسنا ملأها الإنكار، ونطلب الحرية لأننا لا نستطيع أن نرضى بغير الحرية؛ سُلِّطَ علينا مثل ما يسلط عليكم، وأُغْرِيَ بنا مثل ما يغرى بكم، وتعرضنا لمثل ما تعرضتم له أمس، واحتملنا مثل ما احتملتم أمس، وصعدت نفوس مصرية إلى السماء كما صعدت نفوس فلسطينية إلى السماء، واصطبغت أرض مصر بدماء المصريين كما اصطبغت أرض فلسطين بدماء الفلسطينيين. ثم يزعم الأوروبيون بعد ذلك أنهم دعاة حضارة ورقي، ورسل سلم وأمن، وملائكة رحمة وحب، وهداة إلى النور بعد الظلمة.

    كلا، ليس من الدعوة إلى الحضارة ولا إلى الرقي أن يُعْتَدَى على الناس وهم آمنون، وأن يُكْرَه الناس على ما لا يريدون. كلا، وليس من نشر السلم والأمن أن تغصب الحقوق، وتنتهك الحرمات، ويجوع قوم ليشبع آخرون. كلا، وليس من الرحمة والحب أن تؤمِّن قومًا لتُخِيف قومًا، وأن تُرْضِي من تحب على حساب من لا تحب، وأن تخلق بين طبقات الناس من ألوان البغض والعداء ما ينتهي إلى مثل ما انتهت إليه الحال أمس في فلسطين. كلا، وليس إخراجًا للناس من الظلمة إلى النور أن تعلِّمهم كيف يُبْغِض بعضهم بعضًا، وكيف يعتدي بعضهم على بعض، وكيف تقوم الأَثَرَة بينهم مقام الإيثار، وكيف تقوم القوة بينهم مقام الحق، وكيف يقوم الجور بينهم مقام العدل، وكيف تسخر النفوس والقلوب والعقول لسلطان المال والحديد والنار.

    إن الأوروبيين يقولون كثيرًا ويملئون الأرض بأنهم حراص على السلم، مناهضون للحرب، جادون في أن يحقنوا دماء الناس ويعصموا نفوسهم، وفي أن يحتكموا إلى العدل والقانون لا إلى الحديد والنار، ولكنهم حين يملئون الأرض بهذا الكلام لا يريدون به إلا أنفسهم، وما يقوم بينهم من الصلات. فهم يكرهون أن تحكم بينهم سيوفهم، ولكنهم لا يكرهون — فيما يظهر — أن تحكم سيوفهم في أمر غيرهم من الشعوب، وإلا فما إخضاع مصر لقوة الإنجليز؟ وما إخضاع فلسطين لقوة الإنجليز وطمع الصهيونيين؟ وما إخضاع غير مصر وفلسطين من بلاد الأرض وأقطارها لهذه القوى الأوروبية الثائرة المتنمرة التي تتخذ أشكال السلم والأمن في بلادها، حتى إذا تجاوزتها كشرت عن أنياب حداد؟!

    إن الأوروبيين يخدعون أنفسهم حين يطمعون في أن يحبَّهم أهل الشرق أو أن يطمئنُّوا إليهم. فلم تكن القوة والعدوان في يوم من الأيام مصدرَ حب وطمأنينة، وإنما كانت القوة والعدوان دائمًا مصدر خوف وخشية أول الأمر، ثم مصدر رد الفعل الذي يديل للمظلومين من الظالمين.

    إن الأوروبيين ليعلمون حق العلم أن أهل الشرق قد استيقظوا بعد نوم، وتنبَّهوا بعد غفلة، ونشطوا بعد فتور، وتعلموا بعد جهل، وأن من المستحيل أن يقبلوا منهم اليوم ما كانوا يفرضونه عليهم أمس، أو أن يرضوا منهم اليوم هذه السيرة التي يسيرونها في قبائل الهمج التي لا حظَّ لها من حضارة ولا من أمل ولا من تاريخ.

    إن الأوروبيين حين يُلِحُّون في سيرتهم هذه مع الشرقيين لا يزيدون على أن ينشئوا لأنفسهم خصومًا ألداء وأعداءً أقوياء. إن ظهر أمرهم اليوم هينًا يسيرًا؛ فقد يكون غدًا شاقًّا عسيرًا. وقد يكون من الخير للأوروبيين أن يراجعوا أنفسهم بعض الشيء، وأن يذكروا أنهم حين يعبرون البحر من بلادهم إلى الشرق إنما ينزلون بشعوب تُحِسُّ وتشعر، وترجو وتحب العزة والكرامة، وتأبى الذلة والضيم، وتجد من هذا كله مثلَ ما يجدون. إنهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير، وأراحوا الإنسانية من نُكر لا حَدَّ له، وإن لم يفعلوا فلن يكونوا أقل من الشرقيين ندمًا، ولن يكونوا أقلَّ من الشرقيين حزنًا على ما قصروا حين كان يمكن اجتناب التقصير، وعلى ما أسرفوا حين كان يمكن اجتناب الإسراف.

    في ذمة الله شهداء فلسطين، وفي ذمة الله صرعى فلسطين، وفي ذمة الله آلام العرب في فلسطين. فليس شيء مهما يكن، وليس ألم مهما يعظم بكثير في سبيل الوطن، وفي سبيل الحرية والعزة والكرامة والاستقلال.