حديث اليوم: بلاغ
طه حسين
جريدة السياسة
٢٧ يوليو ١٩٣٢
بلاغ أذاعته إدارة الأمن العام في الناس عن مصادرة تاريخ بغداد، أقل ما يوصف به أنه لا يدل على سعة في العقل، ولا استقامة في التفكير، ولا علم بالحقائق الواقعة في هذا البلد، ولا عناية بالحرية، ولا احترام للقانون والدستور. وقد كنت أحسب أن ضيق العقل واعوجاج التفكير حلية قصرها الله على وزارة المعارف منذ جعل أمورها إلى وزير التقاليد، وإلى عبد الفتاح باشا صبري، فإذا نحن نستكشف اليوم أن الله قد طوق بهذه الحلية جيد وزارة الداخلية، وإن كانت أمور هذه الوزارة إلى أكفأ المصريين جميعًا، وأذكاهم جميعًا، وأبرعهم جميعًا، في القول والعمل، وفي النوم واليقظة، وفي الرحيل والمقام: صدقي باشا.
نعم، إن أمر هذا البلاغ غريب مضحك محزن في وقت واحد. غريب لأن إدارة الأمن العام التي أصدرته قد علمت في آخر لحظة أن كتابًا يطبع عنوانه «تاريخ بغداد»، وكان قد طُبع من هذا الكتاب اثنا عشر مجلدًا ضخمًا في سنتين كاملتين. ومن المحقق أن إدارة الأمن العام كانت تجهل الكِتاب وتجهل صاحبه، وتجهل أن أحدًا يفكر في نشره أو إذاعته، وكانت مشغولة عن ذلك بما هو أجل خطرًا: كانت مشغولة بمراقبة الأمن واستقرار النظام، والاحتياط لانتقال المعارضين من مدينة إلى مدينة في القطر، ومن مكان إلى مكان في القاهرة.
وهي كانت موفقة في جهلها كتاب البغدادي؛ فليس من شأنها أن تُعنى بالكتب التي تُنشَر في العلم، ولكن ساعيًا سعى بالكتاب وناشره إلى شيخ الأزهر، وإدارة الأمن العام مُسخَّرة في هذه الأيام لشيخ الأزهر، فلم يكد يقول الشيخ حتى اضطربت الإدارة وصودر الكتاب ليتصفحه رجال الأمن العام، وقد تصفحوه في ساعة أو نصف ساعة، وأنا أؤكد لك أنهم لم يفعلوا؛ فإن هذا الكتاب لا يُتصفَّح في يوم ولا في أيام، ولا يستطيع أن يقضي فيه شيخ الأزهر ولا رجال الأمن العام، وإنما أمر الشيخ فأذعنت الإدارة، وظُلم الكتاب ومؤلفه وناشره وقُرَّاؤه والعلم كله، وفُضِحت مصر، وعرف الشرق والغرب أن في مصر مراقبة لا تقف عند الصحف والتمثيل والسينما، ولكنها تمتد إلى كتب العلم الخالص التي أُلِّفت وشُغف بها المسلمون وعُدت من كنوزهم الخالدة منذ تسعة قرون.
نعم، كان هذا كله بأمر من شيخ الأزهر، وطاعة من إدارة الأمن العام عن غير فهم ولا تحقيق ولا نظر دقيق في الكتاب. ولولا أني أكره أن تعود إدارة الأمن العام فتقترف إثمها مرة أخرى بأمر الشيخ الورع الصالح، وتعتدي مرة أخرى على الحرية والدستور والقانون، في ظل حكومة الحرية والدستور والقانون؛ لأظهرت لها مواضع في الكتاب لا يرضى عنها الشيخ، ولكن ما لي ولهذا وأنا حريص على أن يبقى الكتاب، وعلى أن يتم نشره دون أن يصيبه حذف أو مسخ، ولكن ما دامت هذه الأيام السود قد جعلت رأي الشيخ الظواهري فوق الدين، والعلم فوق الحرية والدستور والقانون، وجعلت إدارة الأمن العام وشرطة الدولة وجندها لعبة في يد هذا البابا الجديد، فمن الحق على هذا البابا ألا يحكم رعاياه البائسين حكم قراقوش، وأن لا يقضي في أمر حتى يفهم ويتبصر.
وأنا أعلم أن عمامة الشيخ تضيق بفهم هذه الكتب العلمية الخالصة التي يطبعها في مصر جماعة من المصريين والأجانب الشرقيين والغربيين، والتي يجب أن تصادر لأن بعضها يمس أبا حنيفة، وبعضها يمس القرآن، وبعضها يمس الحديث. وهي تطبع بين سمع الشيخ وبصره، وسيتم طبعها، وسيعجز الشيخ عن مصادرتها؛ لأن الذين ينشرونها ليسوا مصريين ولا شرقيين، ولكنهم أوروبيون تحميهم الامتيازات، وهم يأبون أن يدينوا لبابا الإسلام بعد أن أفلتوا من بابا المسيحية. ستطبع هذه الكتب، وستُرسل إلى أوروبا، وستنشر في أطراف الأرض شرقًا وغربًا، وسيحظر الشيخ قراءتها على المصريين وحدهم، ولكنهم سيقرءونها رغم الشيخ، إلا أن تطلق يده فيأمر بتفتيش الدور والبيوت الخاصة، ويأذن للشرطة أن تقف المارة وتسألهم عما في أيديهم من كتب، وما في حقائبهم وجيوبهم من أوراق؛ ويومئذ يعلم الشيخ وأنصاره إلى أين ينتهي بهم الطغيان.
تضيق عمامة الشيخ إذن بهذه الكتب، فمن الحق عليه أن ينشئ مكتبًا خاصًّا لمراقبة العلم، وأن يحشد في هذا المكتب عددًا ضخمًا من الشيوخ يرزقهم من أموال الدولة ليحموا دين الدولة ومذهب الدولة من عدوان العلم والعلماء عليهما.
غريب بلاغ إدارة الأمن العام ومضحك أيضًا؛ فقد استكشفت إدارة الأمن العام أمس أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه، ثم ينكر الناس على المصريين أنهم أذكياء، وأنهم بارعون، وأنهم مستكشفون، وأين يقع استكشاف حسنين بك للصحراء من استكشاف إدارة الأمن العام والرياسة الدينية العليا مذهب دولتنا الرسمي في الفقه؟
نعم، يقال إن دولتنا ليس لها مذهب رسمي في الفقه؛ وإنما هي بقية من حكم الترك، ويقال إننا منذ زمن طويل فكرنا في أن يكون تشريعنا الفقهي معتمدًا على المذاهب الأربعة، ويقال إن السلطان حسينًا — رحمه الله — قد تقدم في ذلك وأمر به، ويقال إننا خطونا في هذا السبيل خطوات قصارًا أو طوالًا، ويقال إن كثرة المصريين ليست حنفية المذهب، وإنما هي مقسمة بين مذهب مالك والشافعي — رحمهما الله. كل هذا يقال، ولكن الذين يقولونه هم العلماء الذين يكرههم الشيخ، وتخافهم إدارة الأمن العام؛ وإذن فقولهم يجب أن يُكذَّب، ويجب أن يصادر، ويجب أن يُعرف أن للدولة مذهبًا رسميًّا في الفقه هو مذهب أبي حنيفة، كما أن لها دينًا رسميًّا هو الإسلام.
وإذن فتعالوا أيها المالكية، تعالوا أيها الشافعية، تعالوا أيها الحنابلة، تعالوا أيها المجتهدون، تعالوا ننظم شئوننا وندبر أمورنا؛ فقد أصبحنا قلة في الفقه، كما أن المسيحيين واليهود قلة في الدين، تعالوا ننظم شئوننا الفقهية ونطلب إلى الدولة أن تحمينا كما نظم المسيحيون واليهود أمورهم الدينية وطلبوا إلى الدولة أن تحميهم فحمتهم.
بأي عقل يفكر الشيخ وتفكر معه إدارة الأمن العام؟ ماذا كانا يصنعان لو أن الخطيب نقد الشافعي أو مالكًا أو ابن حنبل؟ أكانا يصادران الكتاب؟ لا؛ لأن مذاهب هؤلاء الأئمة — رحمهم الله — ليست مذاهب رسمية للدولة، وإن كانت مذاهب للأمة المصرية، وإن كان أصحابها أئمة في الدين لهم من الحرمة والجلال مثل ما لأبي حنيفة؛ فالمسألة إذن مسألة الدولة. هي مسألة سياسية، إذن يجب أن يكون في الأمر سر، أو أن يكون بلاغ إدارة الأمن العام سخيفًا يدل على التورط والاضطراب.
وقد ذكرت للشيخ ولإدارة الأمن العام كتاب نهج البلاغة، وفيه ذم قبيح لأبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية — رضي الله عنهم — فلم يأمر الشيخ بمصادرته، لماذا؟ لأن هؤلاء الخلفاء لا يتصلون بالدولة ولا بمذهبها الرسمي، ومع ذلك فهم أئمة الإسلام وأصحاب النبي، والمسلمون جميعًا يكبرونهم إلا جماعة من الشيعة. أفتراهم أهون على الشيخ من أبي حنيفة؟ رحم الله أبا حنيفة، إنه لمظلوم، وإن الشيخ ليسيء إليه ويعتدي على حرمته ومكانته حين يتخذ اسمه ومذهبه وسيلة للظلم.
لم يكن أبو حنيفة — رحمه الله — جبانًا ولا ضعيفًا، ولم يكن يشفق من النقد، ولم يكن يخاف السلطان ولا يحفل به؛ وإنما كان رجلًا شجاعًا مستقل الرأي، يُعلِّم مذهبه في مسجد الكوفة، ويصبر لنقد الناقدين، ومعارضة المعارضين. ولقد أراده ابن هبيرة على القضاء فأبى عليه، وأراده العباسيون على القضاء فأبى عليهم، ولقي من الأمويين والعباسيين مشقة وظلمًا، فلم يحفل بأولئك ولا هؤلاء. كان أيام الأمويين معارضًا هاشمي الهوى، وكان أيام العباسيين معارضًا علوي الميل، وكان مع هذا كله لا يرى رأي الشيعة، وإنما يرى رأي المرجئة، أفمثل هذا الرجل يحتاج إلى الشيخ الظواهري ليحميه من نقدٍ نُشر في كتاب؟ إنما يشفق من النقد ويتقيه بالشرطة وسلطان الدولة أمثال الشيخ الظواهري، من هؤلاء الذين لا يحسون ثقة بأنفسهم، فهم يحتاجون دائمًا إلى من يتكئون عليه، فأما أبو حنيفة وأضرابه من أئمة المسلمين فهم أعلى قدرًا، وأكرم أنفسًا، وأعز جانبًا من أن يحتاجوا إلى حماية هذا الشيخ أو إدارة الأمن العام.
وبلاغ إدارة الأمن العام محزن أيضًا؛ فقد أرادت أن تصلح ظلمًا فتورطت في ظلم شر منه، أرادت أن تنفي مصادرة الكتاب، فأعلنت أنها اتفقت مع الناشر كتابةً على حذف جزء وبعض جزء من الكتاب، وأنبأتنا الأهرام أن الاتفاق تم بين الناشر والشيخ في الإسكندرية، ثم أمضته إدارة الأمن العام، وأذعنت له ونسبته لنفسها في بلاغها الرسمي، كأنها تجعل شيخ الأزهر فوق التبعات، أو كأنها تنتحل لنفسها من الفهم والفقه ما ليس لها.
وإدارة الأمن العام تعتقد أن حذف ما حذفته من الكتاب بأمر الشيخ أخف من مصادرته، وهذا دليل جديد على حظ إدارة الأمن العام والشيخ من سعة العقل واستقامة التفكير؛ فكل رجل واسع العقل، مستقيم التفكير، معتدل الذوق، يوافقنا على أن مصادرة الكتاب وإخفاءه كله أهون من مسخه وتشويهه. وليس هناك فرق أمام الأخلاق، وأمام الذوق، وأمام القانون، وأمام العدل الطبيعي بين من يعتدي علي فيسرق مني أو يغصب درهمًا، ومن يعتدي عليَّ فيسرق أو يغصب كل ما أملك.
ذلك أن السرقة والغصب هما السرقة والغصب قلَّ المسروق والمغصوب أو كثر. فكيف إذا أضيف إلى هذا الغصب حذف وبتر ومسخ وتشويه؟ كلا، إن اعتداء الشيخ وإدارة الأمن العام قائم، وظلمهما صارخ، وما زال العلم يطلب منصفًا ومجيرًا، وإذا لم يجد العلم منصفًا ولا مجيرًا من الحكومة، فسيجد منصفًا ومجيرًا من العلماء آخر الأمر. وأنا أتحدى الشيخ، وأتحدى إدارة الأمن العام، وأتحدى ناشر الكتاب أيضًا، وأعلن إليهم جميعًا في صراحة وحزم، أن هذا الجزء الذي حذف من الكتاب ظلمًا وعدوانًا، وتجنيًا على العلم، سينشر، وسينشر في مصر، وستنشره أيد مصرية؛ لأن الدستور والقانون وأصول العدل الطبيعي، كل أولئك يبيح نشره. نعم، سينشر في مصر بأيد مصرية، وستصادره إدارة الأمن العام، ولكن إدارة الأمن العام يومئذ ستؤدي حسابًا عن هذه المصادرة أمام القضاء.
أعرف أن في مصر ظلمًا، وهذا شيء لا شك فيه، ولكني أعرف أيضًا أن في مصر عدلًا، وأن أنصار هذا العدل إن أذعنوا للحكومة فيما يتصل بالسياسة والإدارة، فلن يذعنوا لها في ظلم العلم. وإذا كانت الحكومة لا تحفل بمعارضة السياسيين، فإني أنصح لها أن تحذر مقاومة العلماء؛ فإنها أشد خطرًا، وأبعد أثرًا، وأبقى على الزمان مما يُقدِّر الظالمون.
وبعدُ، فهل من الحق أن الكتاب قد صودر دفاعًا عن أبي حنيفة وعن مذهب الدولة الرسمي في الفقه كما تقول إدارة الأمن العام؟ إن في مصر ألسنة تلهج بغير هذا، وقومًا يزعمون أن أبا حنيفة — رحمه الله — قد اتخذ دريئة وستارًا؛ وأن أبوابًا أخرى في الكتاب وآراء وأحاديث وآثارًا هي التي دعت إلى هذه المصادرة.
فلما كتبت الصحف واشتدت في الكتابة، وأوشك الأمر أن يفتضح تُرك الكتاب، وحذف ما حذف منه سترًا لموقف سيئ وظلم قبيح. في مصر ألسنة تلهج بهذا الكلام، وقوم يذيعونه ويؤكدونه، ولست أدري أصحيح هو أم غير صحيح، ولكني أعلم أن علماء الدين كان ينبغي أن يكون حبهم لأبي حنيفة أطهر وأكرم من هذا.
ومهما يكن من شيء، فإن تصرف الشيخ وإدارة الأمن العام قد أعلن أمر هذا الكتاب أحسن إعلان، وخدم الخطيب البغدادي أحسن خدمة، وأصبح من الحق أن يعرف الناس هذا الكتاب، وأن يوجز لهم ما فيه مما حذفته الحكومة وما لم تحذفه، ومن هذه الفصول التي يلهج بها اللاهجون. ولعلي أوفق في وقت قريب إلى أن أوجز للقراء هذا كله، إلا أن تغضب إدارة الأمن العام فترسل الجند والشرطة لينزعوا الكتاب مني انتزاعًا.
Tag: والأزهر
-
بلاغ | Notice
-
ثقافة | Culture
ثقافة
لا أزال أذكر محاضرة قرأتها منذ أعوام للأديب الفرنسي العظيم بول فاليري، ألقاها في لوزان، وحاول فيها أن يرد العقل الأوروبي إلى العناصر الأولى التي عملت في تكوينه، والتي تميزه من العقول الأخرى، وتقدمه عليها، وتبيح للأوروبيين ما يستمتعون به من التفوق في الحياة العقلية والعملية معًا.
لا أزال أذكر هذه المحاضرة؛ لأنها كانت من دقة التفكير، وقوته، ووضوحه، بحيث فرضت علي الإعجاب بها، واضطرتني إلى أن أقرأها غير مرة، وحببت إلي قراءة ما يكتبه صاحبها، على ما في أسلوبه وتفكيره، في أكثر الأحيان، من التواء وغموض، مهما يعجب بهما الفرنسيون في هذه الأيام، فهما مصدر مشقة لقرائه من الفرنسيين المثقفين، فضلًا عن الأجانب.
كان بول فاليري يرد العقل الأوروبي إلى مكونات ثلاثة عظيمة الخطر، هي: العقل اليوناني وما أنتج من أدب وفن وفلسفة، والعقل الروماني وما أنتج من تشريع ونظام، والدين المسيحي وما نتج من حب للخير وميل إلى الإحسان.
وكان يرى أن لكل واحد من هذه العقول أثرًا عظيمًا في تكوين الحياة الأوروبية المعنوية، ثم في تكوين الحياة العملية، التي هي في حقيقة الأمر أثر من آثار التفكير الأوروبي، ومرآة ينعكس فيها هذا التفكير.
فهم يونان حين يفكرون وينتجون في الأدب والفن والفلسفة، وإن بعد العهد بينهم وبين اليونان، وإن اشتد التطور حتى خيل إليك أن ليس بين آثارهم وآثار اليونان من صلة. وهم رومان حين يشرعون، أو يحاربون، أو يستعمرون، مهما يكن الفرق عظيمًا بينهم وبين الرومان في التشريع والحرب والاستعمار. وهم مسيحيون حين يحسنون أو يطمحون إلى الخير، مهما يأخذ إحسانهم وطموحهم من أشكال تباعد بينهم وبين الإحسان الذي صورته المسيحية الأولى.
وهم لهذا كله قد جمعوا خير ما يتفوق به الرجل على الرجل، وأعظم ما يمتاز به الإنسان من الإنسان.
أعجبت بهذا البحث، وأعجب به كثير من القراء الأوروبيين حين ألقي، وحين نشر في كتاب، وإن كنت لم أعن بتحقيقه، ولم أحفل بأن يكون الكاتب قد وفق إلى الصواب أو تورط في الخطأ، ولكني على كل حال حمدت لهذا الكاتب أنه استطاع أن يتصور عقلًا أوروبيًا، على اختلاف الأوروبيين في اللغة والنظم، وفي الآثار المختلفة التي يستتبعها اختلاف اللغات والنظم.
كما أني حمدت للأوروبيين أنفسهم ألا يكون تفاوتهم في الجنس، واللغة، والنظام، وما إلى ذلك كله، مانعًا من أن يكون لهم عقل واحد متشابه، يستطيع كاتب أن يدرسه ويحلله ويرده إلى أصوله المشتركة.
وكثيرًا ما حاولت، منذ قرأت هذا الفصل، أن أتصور عقلنا المصري وأدرسه، وأرده إلى عناصره الأولى التي كونته كما هو. فلم يكن هذا التصور ولا هذا الدرس شيئًا يسيرًا، ونحن مع ذلك أمة واحدة لها مقومات واحدة نشترك فيها جميعًا، فنحن مشتركون في الجنس، والإقليم، واللغة، والمنافع الاقتصادية، والنظام السياسي والاجتماعي. ولكننا، على هذا كله، مختلفون في العقل اختلافًا ظاهرًا جدًا، وربما كان خطيرًا، وربما كان مصدر كثير من المشقة التي نلقاها في حياتنا الحاضرة.
ذلك أني ما أظنك تنازعني في أننا لا نقوم الأشياء تقويمًا واحدًا، ولا نحكم عليها أحكامًا متقاربة، لأننا لا نتصورها تصورًا متقاربًا.
وليس من شك في أننا الآن أقل تشابهًا واتحادًا من هذه الناحية العقلية مما كنا في أي وقت مضى. فقد كان المصريون في أول القرن الماضي، وإلى أن تقدم القرن الماضي حتى تجاوز نصفه، متشابهين في التفكير والتعبير، ثم في حياتهم العملية، كأن لهم عقلًا واحدًا يعبرون عنه بلغة واحدة، وأسلوب واحد، ويصدرون في كل ما يأتونه من الحركات والأعمال.
أما الآن، وقد أخذنا نتصل بالأوروبيين، وأخذ اتصالنا بالأوروبيين يشتد شيئًا فشيئًا، ويمتد قليلًا قليلًا، فقد تغيرت هذه الحال، وانشق المصريون خاصة، والشرقيون عامة، إلى فريقين: فريق ما زال يفكر ويعبر ويحيا على شيء من الأسلوب القديم، قد يكون قويًا، وقد يكون ضعيفًا، ولكنه على كل حال ظاهر يمكن تصوره وتشخيصه. وفريق آخر يفكر ويعبر ويحيا على أسلوب جديد أوروبي، لا تكاد تظهر الصلة بينه وبين حياتنا القديمة.
وهذا في نفسه شيء طبيعي لا غرابة فيه، فهو التطور والانتقال من حال إلى حال، وهو الصراع بين القديم والجديد، والنزاع بين حضارة وحضارة، وانتصار إحدى هاتين الحضارتين المتنازعتين على الأخرى، في سرعة أو بطء، باختلاف الظروف التي تحيط بهذا التطور.
ولكن تطورنا لا يخلو من غرابة، فقد خضعنا له، فيما يظهر، غير شاعرين به، ولا آبهين له، ولم نستطع أن نقدره قدره، ولا أن نحسب حسابًا للآثار التي قد ينتجها. فمضى فريق منا مع الحركة الجديدة، ومضى فريق آخر في الحياة القديمة، واضطرب فريق بين أولئك وهؤلاء.
وأنا أعلم أن محمد علي الكبير كان يعرف ما يريد، وكان ما يريد من الأمر حين كان ينقل إلى مصر ما كان ينقل إليها من أساليب الحياة الأوروبية والتفكير الأوروبي. وربما كان قليل جدًا بين أعوانه يشاركونه في الشعور بقيمة هذا العمل، ولكني أشك أشد الشك في أن الناس كانوا يقدرون هذا العمل أو يحسبون له حسابًا. إنما كانوا يخضعون له كما كانوا يخضعون لغيره من أمر السلطان، على كره شديد أو رغبة فاترة.
وتستطيع أن تقول مثل هذا في إسماعيل وأعوانه، وإن كان الفرق بين إسماعيل ومحمد علي وأعوانهما ظاهرًا من بعض الوجوه. فقد كان محمد علي يقدر لنقل الحضارة الأوروبية إلى مصر منفعة عاجلة، هي النهضة الصناعية التي تنهض بحاجات بلد يريد أن يجاهد ويسود، ولكنه لم يكن يفكر كثيرًا فيما كان يفكر فيه إسماعيل من الرغبة في الرقي لأنه رقي، وفي الحضارة لأنها حضارة، والعلم لأنه علم.
وكذلك كان أعوان محمد علي يعينونه على الوصول إلى هذه المنفعة العاجلة المؤقتة، بينما كان أعوان إسماعيل يعينونه على الطموح إلى مثل أعلى يسمو فوق المنافع العاجلة، ويبعد كلما دنا منه طلابه، فيضطرهم إلى السعي، ويبعث فيهم النشاط.
ولكن أولئك وهؤلاء كانوا قلة لا تكاد تظهر، وكانت كثرة الناس تخضع للتطور عن كره شديد ورغبة فاترة، كما قلنا.
كان من أثر هذا أن الذين أشرفوا على هذا التطور في مصر لم يأخذوا له عدته، ولم يضعوا له من النظم والأصول ما يمكنه من أن يسير سيرًا مضطردًا منتجًا، وإنما كانوا يترددون ويضطربون ويشفقون، ويحسبون حسابًا لظروف لا تكاد تحصى. فهم إذا تقدموا من ناحية وقفوا أو تأخروا من ناحية أخرى، ونشأ عن هذا أنا وصلنا إلى حيث نحن الآن.
ورقينا، مهما يكن عظيمًا، ليس مستويًا ولا متشابهًا، ففيما بيننا بيئات راقية جدًا، وبيئات منحطة جدًا، وفي بعض نواحي حياتنا العامة رقي يشبه أن يكون طفرة، وفي بعض نواحيها الأخرى انحطاط يشبه أن يكون جمودًا. فنحن من الناحية التشريعية والقضائية قد خطونا خطوات بعيدة، بحيث تستطيع أن تقول إن الفرق بيننا وبين كثير من الأمم الأوروبية لا يكاد يذكر. ونحن كذلك، من بعض النواحي العلمية القليلة، لا بأس بالشوط الذي قطعناه، ولكننا من نواحٍ أخرى كثيرة لا نزال أطفالًا وعيالًا على الأوروبيين.
هذا الاضطراب الذي نلاحظه واضحًا جليًا في حياتنا العامة، يظهر أشد وضوحًا وأكثر جلاء في ناحية بعينها من نواحي هذه الحياة، وهي ناحية الحياة العقلية. فقد عني محمد علي، وعني بعده إسماعيل، بإرسال البعوث إلى أوروبا، وتنظيم المدارس المدنية في مصر. وعنيا أيضًا بتشجيع الترجمة والتأليف، وكان لهذا كله أثر ظاهر، فوجدت في مصر طائفة مثقفة على الأسلوب الأوروبي، وسيطرت هذه الطائفة على حياة مصر، فتولت الحكم والقضاء وتدبير الأمور.
واتصلت منذ ذلك الوقت سنة الأميرين العظيمين في العناية بالبعوث، وتنظيم التعليم المدني، وتشجيع الترجمة والتأليف، تقوى حينًا وتضعف حينًا آخر، ولكنها اتصلت على كل حال، وأنتجت آثارها الطبيعية، فكثرت هذه الطائفة المتأثرة بالثقافة الأوروبية، واشتدت سيطرتها على الحكم، واستئثارها بتسيير الأمور.
ولكن تعليمًا آخر مصريًا خالصًا كان موجودًا في أيام محمد علي وفي أيام إسماعيل، لم يستطع هذا الأمير أو لم يرد هذا الأمير أو ذاك أن يمسه بشيء من التغيير أو التبديل، أو أن يخضعه لشيء من هذا التطور، تحرجًا وإشفاقًا، أو لما شئت من الأسباب. فظل هذا التعليم المصري الخالص في الأزهر الشريف متصلًا، محافظًا على تقاليده وأساليبه القديمة، منتجًا آثاره الطبيعية، من إخراج جماعات من الناس يتصورون، ويفكرون، ويعبرون، ويحيون على الأسلوب القديم.
وأخذ سلطان هذه الجماعة يضعف ويتضاءل، وأخذت هذه الجماعات تشعر شيئًا فشيئًا بضعف سلطانها، وتضاؤله، وإفلات الأمور من أيديها، فما هي إلا أن كان الألم، ثم الشكوى، ثم الإنكار يوشك أن يكون ثورة.
وأحس أولو الأمر شيئًا من هذا، فحاولوا التجديد في هذه الناحية، ولكن على استحياء وتحرج، فكانت نتيجة هذا التجديد المستحي تعقيدًا لحياتنا العقلية، وإسرافًا في التفريق بين عقولنا، وأساليبنا في الحس والشعور.
أنشأوا دار العلوم، التي لا تحافظ كل المحافظة، ولا تجدد كل التجديد، وأنشأوا كذلك مدرسة القضاء الشرعي على نحو من هذا التجديد المستحي، وأنشأوا مدارس المعلمين للتعليم الأولي على نحو من هذا التجديد المستحي.
فأنتج التجديد الخالص من ناحية في المدارس المدنية، وأنتجت المحافظة الخالصة من ناحية أخرى في الأزهر وملحقاته، من ناحية ثانية، وأنتج التجديد المضطرب في هذه المدارس الغريبة من ناحية ثالثة.
وكانت النتيجة أن عقلياتنا لا تكاد تحصى الآن، فأنت تستطيع أن تلقي على الناس مسألة بعينها، ثم تحاول أن تعرف فهمهم لها ورأيهم فيها، فترى في هذا اختلافًا شديدًا. فللذين أنشأتهم المدارس المدنية فهم ورأي، وللذين أنشأهم الأزهر فهم ورأي، وللذين أنشأتهم تلك المدارس العرجاء فهم ورأي.
ومن غريب الأمر أن التجديد الخالص نفسه لم يخل من اضطراب وتذبذب. فقد سننا منذ أواخر القرن الماضي لأنفسنا التردد في إرسال الطلبة إلى أوروبا، نرسل بعضهم إلى إنجلترا، وبعضهم إلى فرنسا، وبعضهم إلى ألمانيا، ولا نحسن الإشراف على أولئك ولا هؤلاء، فيتعلم أولئك وهؤلاء كما يستطيعون، وحيث يستطيعون، ثم يعودون إلينا ولهم عقولهم المختلفة، يفهمون من الأشياء فهمًا متباينًا، ويحكمون عليها أحكامًا متباعدة.
وحاول التجديد آخر الأمر أن يدخل الأزهر، فأفسد كثيرًا ولم يصلح شيئًا. ذلك أنه لم يكن تجديدًا صريحًا ولا صحيحًا، وإنما كان ظاهرًا من التجديد، وقشورًا من العلم، تخيل إلى أصحابه أنهم قد حفظوا العلم كله، على حين لم يعرفوا منه إلا صورًا مشوهة.
وظهرت مسرعة نتائج هذا التجديد المفسد، فثقفت طبقات من الأزهريين بشيء من العلم الغريب، كان ينقل إليها في الصحف والمجلات عن كتب لا قيمة لها، تمس ما وراء المادة وما بعد الطبيعة، على أسلوب الروحيين، لا على أسلوب الفلاسفة.
وكم ضحكت وأسفت حين رأيت رجلًا من كبار العلماء ذات يوم يرد على بعض من يسميهم الملحدين، فينقل لهم جملًا من بعض هذه القصص الأمريكية التي تذاع بين الناس على أنها آراء علماء أوروبا في صحة الديانات وقوتها.
هذه حالنا الآن: اضطراب لا تكاد تعرف له حدًا في الفهم والحكم.
أفتظن أنا نستطيع أن نتصور عقلًا مصريًا كما تصور بول فاليري عقلًا أوروبيًا، وأنا نستطيع أن نرد هذا العقل إلى أصوله، ونحلله إلى العناصر التي عملت في تكوينه؟ كلا.
لنا عقل أوروبي خالص، ضعيف لم يقو بعد، فهو يحاول أن يتصور الأشياء ويقضي فيها على المذهب الأوروبي.
وكان لنا عقل مصري خالص في الأزهر، كان يتصور الأشياء ويقضي فيها على النحو القديم، ولكن التجديد السيئ يفسده شيئًا فشيئًا، فلست أدري كيف يفهم الآن، ولا كيف يقضي، ولكني أعلم أنه يعبث بالأشياء أكثر مما يفهمها ويقضي فيها.
ولنا عقل ثالث، لا أدري كيف أشخصه؛ فيه أيسر ما كان في الأزهر، وفيه أيسر ما في الجديد الخالص، كل ذلك ممسوخ مشوه.
فقدر أنت تصور هذا العقل للأشياء، وقضاءه فيها، وقدر أنت بعد هذا كله مقدار حظنا من الاتحاد والاشتراك في التصور والحكم، ثم في الشعور والطموح إلى المثل الأعلى.
يرى الجغرافيون أن الجنس، واللغة، والدين، والنظام السياسي، والإقليم، مقومات تكفي لتكوين الأمة. وقد يكون هذا صحيحًا، ولكن هذه المقومات نفسها تستتبع مقومًا آخر لا بد منه لتحيا هذه الأمة حياة صالحة، وترقى رقيًا مضطردًا، وهو الثقافة.
فلا بد للأمة التي تستحق هذا الاسم من ثقافة قومية تمثل ميولها، ومثلها العليا، وجهودها في سبيل الرقي، وفي سبيل الوصول إلى الحق وإلى الخير. ويجب أن تكون هذه الثقافة متشابهة، يختلف مقدارها باختلاف الأفراد والبيئات، ولا أريد أن أقول الطبقات، ولكن نوعها لا يختلف كما يختلف عندنا الآن.
ويجب أن يكون حظ معين من الثقافة مشتركًا بين أفراد الأمة جميعًا في طور من أطوار حياتهم، وأن تكون لهؤلاء الأفراد بعد ذلك أنواع من الثقافة تختلف في الأغراض أكثر مما تختلف في الطبيعة والمنهج.
ومن غريب الأمر أننا لا نحاول أن نستفيد بتجارب الأمم من قبلنا. فقد خضع الناس من قبلنا لهذا التطور الذي نخضع له، فنشأ التعليم المدني، فزاحم التعليم الديني، حتى زحمه واستأثر من دونه بالسيطرة والسلطان. ولكن رجال الدين في أوروبا كانوا من المهارة والمرونة بحيث احتفظوا بتعليمهم الديني، فرقوه وأصلحوه، ثم شقوا في الوقت نفسه لأنفسهم طرقًا في التعليم المدني، فشاركوا فيه غيرهم من الناس، وظفروا بإجازاته، وأخذوا نصيبهم من الإنتاج فيه. فلم لا نسير نحن سيرة غيرنا من الناس؟
تعنى الحكومة منذ أعوام بإصلاح مناهج التعليم وبرامجه، وهذا خير، ولكن الغريب أنها تصلح في الألفاظ والنظريات، ولا تحاول أن تصلح جوهر التعليم، ولا تفكر في هذه الفروق العقلية العنيفة التي تقسم الأمة الواحدة إلى فرق متمايزة، والتي يجب أن تزال، وأن تقوم مقامها وحدة عقلية تمكن الناس من أن يشعروا معًا، ويفهموا معًا، ويحكموا أحكامًا متقاربة.
في وزارة المعارف حركة إصلاح، وفي الأزهر حركة إصلاح أيضًا، وكلتا الحركتين تأخذ طريقًا غير الذي تأخذه الأخرى. فما أجدر المشرفين هنا وهناك أن يفكروا قليلًا، وأن يدنو بعضهم من بعض، حتى يصلوا إلى طريق يسلكونه معًا، فيحتفظ الأزهر بتعليمه الديني الخالص، ويشق لمن شاء من أبنائه، مع ذلك، طريق التعليم المدني العام.
طه حسين
المجلة الجديدة، إبريل ١٩٣٠.