Tag: والحوكمة

  • نسج العنكبوت | A Spider’s Web

    نسج العنكبوت
    طه حسين
    مجلة مسامرات الجيب
    ١٤ مارس ١٩٤٨

    هو الذي يظللنا الآن فلا يرد عنَّا شرًّا ولا يصرف عنَّا عادية؛ لأنه مهلهل، لأنه لا يقوى على صد أو رد أو مقاومة، وكل ما يستطيعه هو أن يبطئ حركتنا، ويحول بيننا وبين النشاط المُطَّرد المستقيم. له من السلطان الحكومي كل مظاهره، فوزراء يجتمعون في كل أسبوع، وقد يجتمعون غير مرة في الأسبوع، ووزراء يختلفون إلى البرلمان فيسمعون ويقولون، ووزارات ومصالح تفتح أبوابها مع الصبح، وتغلقها حين يتقدم النهار، وموظفون يغدون على مكاتبهم، ويروحون إلى دورهم، وعلى وجوه فريق منهم ابتسامات ساخرة لا تحفل بالمكاتب ولا بالدُّور، وعلى وجوه فريق آخر منهم ابتسامات حائرة لا تدري أتخلص للسخرية أم تخلص للكآبة والحزن، وفي وجوه فريق ثالث منهم شحوب عابس لا يشبهه إلا شحوب الذين يُقبِلون على الكوارث، أو تُقبِل عليهم الكوارث لا يملكون لها ردًّا، ولا يستطيعون منها خلاصًا. ولهؤلاء وهؤلاء وأولئك تُصرف في آخر كل شهر أجور خطيرة أو حقيرة لا تكاد تستقر في جيوبهم، وهي لا تصل إلى بيوتهم على كل حال.

    فكل شيء يدل على أن في مصر سلطانًا سياسيًّا منظمًا، كما أن في غيرها من البلاد المتحضِّرة سلطانًا سياسيًّا منظمًا. وكل شيء يدل على أن هذا السلطان السياسي المنظَّم في مصر من شأنه أن يصدر عن أهلها الأحداث والخطوب، وأن يحمي كرامتها من العدوان الخارجي، ويحمي لأهلها حياتهم وأموالهم وحقوقهم من العدوان الداخلي. ولكن انظر إلى ما تَعرِض عليك الصحف حين تصبح وحين تمسي في كل يوم، فسترى سواء رضيت عن ذلك أو كرهت أن هذا السلطان السياسي المنظم في مصر لا يرد عنها ولا عن أهلها، ولا يستطيع أن يرد عنها ولا عن أهلها شرًّا يهبط من السماء، أو ينجم لها من الأرض أو يأتيها من الأجنبي الخارجي، أو يأتيها من المواطن المقيم.

    جرائم تُقترف في النهار المبصر وفي الليل المظلم، وتنشر الصحف أنباءها المروعة، فلا يرتاع لها أحد؛ لأن الناس قد ألِفوا الرَّوْعَ حتى اطمأنُّوا إليه، وعاشوا فيه كما يطمئن غيرهم إلى الأمن ويعيشون فيه. وقنابل تنثر حيث يريد أصحابها أن ينثروها. يجدها الناس في وضح النهار، ويجدها الناس في غلَس الليل، وتُدعى الشرطة فتنظر إليها مكتئبة، وتنقلها متثاقلة، ويقرر المختصون من الفنيين أنها من هذا النوع أو ذاك، إلا أن تنفجر قبل أن تبلغها الشرطة فتزهق النفوس وتريق الدماء وتشيع الجراحات، ولا تكاد تشيع خوفًا أو ذُعرًا؛ لأن الناس قد ألِفوا ذلك واستسلموا له، فأصبحوا لا يخافون ولا يذعرون. وقد يعبث أصحاب القنابل أو يجِدُّون فيلاعبون الشرطة، ويداعبون الحكومة، ويكتبون على قنابلهم سائلين عن اليوم الخامس عشر من هذا الشهر أعيد هو أم غير عيد.

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون إلى المكاتب، ويروحون إلى الدور، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يجِدُّون ويكِدُّون ويجوعون ويمرضون ويجاهدون ويكافحون؛ ليُخرِجوا للدولة هذه الأموال التي تؤدَّى منها الأجور والمكافآت.

    وقد يُقبِل هذا الوباء أو ذاك من حيث لا يدري أحد، بل من حيث لا تدري الوزارة التي خصصت لرد الوباء إن أقبل، ومحق الوباء إن نفذ إلى أهل الوطن. قد يُقبِل هذا الوباء من حيث لا تدري وزارة الصحة، فلا يجد من يَرُدُّهُ ولا من يصده، فينزل في مصر على الرحب والسعة، ويرتع في نفوس المصريين غير مدفوع ولا ممنوع، ثم ينصرف من حيث أقبل، وقد ملأ يديه موتًا ويتمًا وثكلًا وتأييمًا وترميلًا وفقرًا وجوعًا!

    والوزراء يجتمعون في كل أسبوع، ويختلفون إلى البرلمان، والموظفون يغدون ويروحون، والأجور تُصرف آخر الشهر للوزراء والموظفين، والمكافآت تُصرف آخر الشهر للشيوخ والنواب، وأبناء الشعب يستخرجون من دماء قلوبهم، وعرق جبينهم هذه الأجور والمكافآت.

    وقد يخطر لحاكم السودان أن يعبث بمصر والمصريين، وأن يخطو الخطوات الأولى أو الأخيرة لا أدري ليضيف إلى الإمبراطورية البريطانية مستعمَرة جديدة أو قديمة هي السودان. وقد يستبيح السكرتير الإداري لنفسه أن يقول في المجلس الاستشاري إن الحاكم العام للسودان يعين أعضاء المجلس التنفيذي ويعزلهم، كما أن الملك في مصر يُعيِّن الوزراء ويقيلهم، وينشر هذا كله في الصحف، ويقرؤه الوزراء والشيوخ والنواب وسائر المواطنين، فلا يغيظهم ذلك ولا يُحفِظهم؛ لأنهم قد ألِفوا الغيظ والحفيظة حتى أصبحوا لا يغتاظون، ولا تبلغ الحفيظة من قلوبهم شيئًا.

    وقد يَخطُر للإنجليز أن يظفروا بموافقة الحكومة المصرية على ما يكيدون لمصر في السودان، فإذا أشفقت الحكومة من هذه الموافقة، ولم تُجِب الإنجليز إلى كل ما أرادوا، لم يتردد بعض المتكلمين بلسان وزارة الخارجية البريطانية في أن يقول إن الحكومة البريطانية قد احتملت في مصر أكثر مما ينبغي أن تحتمل، وأن مصر قد أسرفت في التجنِّي، وأَغرقت في الدل والتيه. وينشر هذا في الصحف فلا يغتاظ له أحد؛ لأن المصريين قد ألفوا الغيظ حتى أصبحوا لا يعرفون كيف يغتاظون!

    والمهم هو أن مظاهر السلطان السياسي المنظم قائمة في مصر كما تقوم في كل بلد متحضر، ولكنها في مصر مظاهر ليس وراءها شيء، فهي أشبه بنسج العنكبوت الذي لا يصد شرًّا ولا يدفع عادية، وإنما يبطئ من الحركة ويفسد النشاط، ويثقل الناس بما يكرهون. ولا يجلب عليهم شيئًا مما يحبون … وصدق الشاعر القديم حين قال لخصمه ذلك البيت الذي لم يلائم أحدًا قط كما يلائم المصريين الآن:

    ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل

    وصدق الله العظيم حين قال: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ )، ولكن أتدري لِمَ كان السلطان السياسي المنظم في مصر مشبهًا لنسج العنكبوت؟ لسبب يسير جدًّا، هو أن نيابة نُوَّابه وشيوخه، ووزارة وزرائه، وإدارة مديريه لم تقُم على أساس من حب الشعب وإرادته وثقته، وإذا بُنيت أمور الحكم على غير حب الشعب وإرادته وثقته، فلا يمكن أن تكون إلا مشبهة لنسج العنكبوت.

  • استقال | He Resigned

    حديث الوادي
    استقال
    نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
    لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
    والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
    رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
    استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
    وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
    وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
    يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
    ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
    كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
    ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
    لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.

  • سوس … | Woodworm…

    حديث المساء: سوس …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ مارس ١٩٣٤

    ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

    ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

    وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

    لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

    وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

    وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

    ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

    لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

    صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

    أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

  • تعديل | A Reshuffle

    حديث المساء: تعديل

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ يناير ١٩٣٤

    هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

    ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

    وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

    فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

    هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

    وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

    وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

    ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

    صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.

  • هزيمة (١) | Defeat (1)

    حديث المساء: هزيمة (١)

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١١ ديسمبر ١٩٣٣

    ليست هزيمة صدقي باشا؛ فقد فرغ الناس الآن من صدقي باشا، ولعل صدقي باشا أن يكون قد فرغ من نفسه إلى وقت ما. إنما هي هزيمة هؤلاء الذين قد جمعهم حوله، وزعم لنفسه وزعم لهم أنهم حزب سياسي، شديد الأركان، متين البنيان، تستطيع أن تعتمد عليه الوزارات، بل يستطيع أن يعتمد عليه النظام.

    عن هؤلاء الناس وعما أصابهم من الهزيمة نريد أن نتحدث اليوم، فهم ما زالوا يزعمون أن لهم وجودًا سياسيًّا، وهم ما زالوا يزعمون أنهم يستطيعون أن يسندوا الوزارة، ويثبتوا النظام، ولعلهم إذا خلوا إلى أنفسهم أو تحدث بعضهم إلى بعض لا يخفون على أنفسهم أنهم ممثلون، لا يمثلون للناس فحسب، وإنما يمثلون لأنفسهم قبل أن يمثلوا للناس.

    وقد يكون حظ الرجل من الذكاء والفطنة قويًّا أو ضعيفًا، ولكنه لا يبلغ من الضعف في يوم من الأيام هذا الحد الذي يخيل إليه أنه جاد وهو يلعب، وأنه مخلص وهو ينافق، وأنه صادق وهو يكذب، وهؤلاء الناس الذين بناهم صدقي باشا ليهدموه، وأحياهم ليُميتوه، وآواهم ليطردوه. هؤلاء الناس يعلمون حق العلم أنهم إذا أشرقت عليهم الشمس، وتنفس الصبح عن وجوههم الحسان، اتخذوا لأنفسهم من السياسة ثيابًا، فإذا أقبل الليل واحتوتهم ظلمته المخيفة الرهيبة، خلعوا هذه الثياب، ورأوا أنفسهم كما هي لا تحفل بالسياسة ولا بالساسة، ولا تفكر في السياسة ولا في الساسة، وإنما تحفل بالحياة اليومية التي يجب أن تحتمل، وتفكر في المنافع العاجلة التي يجب أن تُقْضَى.

    وهم كذلك يلبسون السياسة مع الصبح، ويخلعونها مع الليل، يتخذون السياسة ليلقوا بها الناس، لا ليلقوا بها أنفسهم؛ فالسياسة عندهم عَرَضٌ من الأعراض، ووسيلة من الوسائل لا أكثر ولا أقل، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا أنبأهم بأن الدستور القديم مُضِرٌّ فصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد نافع فصدَّقوه، وهم يعلمون حق العلم أن صدقي باشا لو قد بقي في الحكم ثم أنبأهم بأن الدستور القديم خير كله لصدَّقوه، وبأن الدستور الجديد شر كله لصدقوه، وهم يعلمون حق العلم أن رئيس الوزراء القائم لو دعاهم إلى حب النظام القديم وبغض النظام الحديث؛ لاستجابوا له مسرعين، ولو دعاهم إلى بغض النظامين جميعًا، وإيثار الحياة في غير دستور؛ لما ترددوا في طاعته والاستماع له.

    وهم يعلمون حق العلم، وهم يتحدثون بهذا إذا خلوا إلى أنفسهم، وهم يتحدثون بهذا إذا اجتمعوا بعضهم بعضًا، ولكنهم على ذلك كله يجدون أقلامًا تزعم لهم أنهم حزب، ويجدون ألسنة تذيع عنهم أن لهم مبادئ وآراء. وهم ينعمون بهذه الإذاعة كما ينعمون بكل شيء، وهم يسعدون بهذه الأحاديث كما يسعدون بكل شيء؛ لأن الله قد منحهم من فراغ البال، وسعة الضمير ومرونته ما يرضيهم بكل شيء، ويلهيهم عن كل شيء، ما داموا يظفرون بما تحتاج إليه أجسامهم من هذه اللذات العاجلة الزائلة، ومن إرضاء هذه الحاجات المادية التي تسيطر على بعض النفوس فتنسيها أن وراء المادة شيئًا آخر، وأن وراء الطعام والشراب لذات أخرى تنعم بها النفوس الراقية، وتطمح إليها القلوب الكريمة، وتسعد بها الضمائر الحية، ولا يستطيع أن يعيش بدونها كرام الناس.

    لقد كان صدقي باشا منذ أشهر نابغة لم يعرف العالم نابغة مثله في عصر من العصور عند هؤلاء الناس، وكان قوام الحياة السياسية في مصر، وكان قوام النظام الحاضر، وكان منقذ مصر من الفوضى، ومخرجها من الظلمة إلى النور، وكان وجهها الوضيء، وسراجها المضيء.

    كان كل هذا، ثم أصبح الآن رجلًا ممتازًا، ولكن لا يمتاز بالنبوغ، بل يمتاز بالقصور، متفوقًا ولكن لا في الخير، بل في الشر، وظهر أنه لم يكن قوام الحياة السياسية، وإنما كان لها مفسدًا، وأنه لم يكن قوام النظام، وإنما كان مُضَيِّعًا، وأنه لم يكن فخرًا لمصر، وإنما كان وصمة لها، وأنه لم يكن هاديًا يقود مصر إلى الرقي والفلاح، وإنما كان مُدمِّرًا يدفع مصر إلى الانحطاط والشقاء، وخلعت كل تلك الصفات الباهرة التي كانت تُمْنَحُ لصدقي باشا على رئيس الوزارة القائمة عبد الفتاح يحيى باشا.

    فأصبح هو النابغة الفذ، وأصبح هو قوام السياسة، وركن النظام، وأصبح هو الوجه الوضيء، والسراج المضيء، وأصبح هو رجل مصر الذي لا تستطيع مصر أن تحيا بدونه. وكان رئيس الوزارة القائمة منذ أشهر رجلًا من عامة الناس، لا يمتاز بشيء، ولا يتفوق في شيء، دخل الوزارة فاحتمله الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أدخله الوزارة، وخرج من الوزارة فنسيه الشعبيون؛ لأن صدقي باشا أخرجه من الوزارة.

    وهَبْ الظروف تنكرت لعبد الفتاح يحيى باشا، وستتنكر له من غير شك؛ فسيتنكر الشعبيون له مع الظروف، وهب الظروف ابتسمت لعلام باشا، ورفعته إلى رئاسة الوزارة، فسيتهالك الشعبيون على علام باشا، وسيخلعون عليه من الصفات ما كانوا يخلعون على صدقي باشا أمس، وما يخلعون على عبد الفتاح يحيى باشا اليوم.

    وهؤلاء هم الذين ينهضون بأعباء السياسة المصرية، وهؤلاء هم الذين يُرجون لحل المعضلات، وإزالة المشكلات، وهؤلاء هم الذين تعتمد عليهم الوزارة. كلا، إن الوزارة لا تعتمد عليهم، ولا تحفل بهم، وإنما هم الذين يعتمدون على الوزارة، ويعيشون للوزارة وبالوزارة، عاشوا لصدقي باشا وبه منذ أشهر، وهم يعيشون لعبد الفتاح باشا وبه في هذه الأيام.

    ولو أتاحت لهم الظروف أن يعيشوا لعلام باشا وبه في يوم من الأيام؛ لكانوا بذلك مغتبطين أشد الاغتباط، مبتهجين أشد الابتهاج، هم لا يعيشون لأنفسهم، وهم لا يعيشون بأنفسهم، وإنما هم أتباع كل ناعق، وأنصار كل مستنصر، والسامعون لكل من أمر، والمستجيبون لكل دعاء.

    كلا، لم يعتمد عليهم صدقي باشا في يوم من الأيام، وإنما غَشَّ بهم نفسه، وخدع بهم الناس، وخَيَّلَ إليهم أنهم أنصاره وشيعته؛ فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، ثم جاء عبد الفتاح يحيى باشا، فبَيَّنَ لهم أن صدقي باشا كان خادعًا أو مخدوعًا، وأنهم لم يُخْلَقُوا لصدقي، وإنما خُلِقُوا لعبد الفتاح، فصدقوا ذلك واطمأنوا إليه، وإلا فحدثني كيف يستطيع هؤلاء الناس أن يخلعوا صدقي باشا، وقد كانوا لا يؤمنون إلا به، وأن يثبتوا عبد الفتاح باشا، وقد كانوا لا يثورون إلا عليه.

    كيف استطاع هؤلاء الناس أن يدينوا بالطاعة لرئيس الوزارة القائمة، وهم الذين أمطروا رئيس الوزارة القائمة منذ أيام وابلًا من الأسئلة يتهمون فيها وزارته بإفساد الحياة النيابية، والاعتداء على ضمائر النواب، وإهمال المصالح العامة، وإيثار المصالح الخاصة، كيف استطاع هؤلاء الناس أن ينسوا هذه الأسئلة، ويستكينوا للوزارة التي كانوا يلومونها فيسرفون في لومها، ويتهمونها فيتجاوزون معها القصد في الاتهام، مع أن الوزارة لم تحفل لهم بسؤال، ولم تدفع عن نفسها تهمة من هذه التهم التي وجهوها إليها؟

    فكيف غَيَّرُوا رأيهم؟ وكيف اقتنعوا بأنها وزارة العدل والإنصاف، ووزارة البر ورعاية المصالح، ووزارة النزاهة والنقاء، في السر والجهر؟ إنما غيروا رأيهم لأنهم وجدوا من الخير أن يغيروه؛ إنما اقتنعوا لأنهم لم يجدوا بدًّا من الاقتناع. هؤلاء الناس سعداء بأنفسهم راضون عنها، يفاخرون بها ويكاثرون، ولكن الغريب أن يطمئن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى إلى أمثال هؤلاء الناس، وأن يظن رجل كعبد الفتاح باشا يحيى أنه انتصر على خصمه حين غلبه على هؤلاء الناس.

    وأغرب من هذا أن يتصل التمثيل، ويستمر اللعب، ويصدق غير المصريين أن لهؤلاء الناس شأنًا في السياسة المصرية، أو أثرًا في تصريف الأمور، وأشد غرابة من هذا وذاك أن يُعْنَى بعض الناس بما يكون بين هذه الجماعات من الخلاف والخصومة حول بعض المناصب والأعمال، كما يُعنون بالجد من الأمر، مع أن الأمر لا يعدو أن يكون دعابة كله، منذ ابتدأ إلى أن ينتهي في وقت قريب، دعابة لا أكثر ولا أقل، ولكن فيها من المرارة ما يُمَزِّقُ القلوب ويملؤها لوعة وأَسًى؛ لأنها أضاعت على مصر من حياتها أعوامًا، فَوَّتَتْ على مصر كثيرًا من المنافع والحقوق.

    ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تلهو دون أن تدفع للهوها ثمنًا؟ ومَنْ الذي زعم أن الأمم تستطيع أن تسلك طريقها إلى الحرية والاستقلال، وإلى الرقي وارتفاع الشأن، دون أن تتعثر في هذه الطريق بأمثال صدقي باشا، ومَنْ يلوذ به وبهم من النفعيين والوصوليين؟

    لم ينهزم صدقي باشا وحده، ولو أن صدقي باشا وحده هو الذي انهزم لما حفل به أحد، وإنما القيمة الصحيحة لهزيمته هي أنها هزيمة عامة تتجاوز شخصه إلى سياسته كلها، سواء أكان هو المنفذ لهذه السياسة أم كان المنفذ لها رجلًا آخر مهما يكن. والقيمة الصحيحة لهذه الهزيمة هي أنها جاءت من أن هذه السياسة لم تعتمد على ما ينبغي أن تعتمد عليه السياسة الصالحة للبقاء، التي تستطيع أن تطمع في الفوز، وتظفر به، وتمتنع على الخيبة والخذلان؛ وهو حب الأمة وتأييدها وإيمانها.

    هذه السياسة التي أقامها صدقي باشا بعيدًا كل البعد عن حب المصريين وتأييدهم وإيمانهم، كانت قائمة في الهواء، معرضة بأن تعصف بها الريح في كل لحظة. وقد عصفت بها الريح، فهَوَتْ بصدقي باشا إلى الحضيض، وأظهرت من أسرار أصحابه ومواطن الضعف فيهم ما لا يستطيعون بعده أن يثبتوا لأول عاصفة تأتيهم من أي ناحية من النواحي، وإن هبوب هذه العاصفة غير بعيد.

  • مخزيات | Disgraces

    حديث المساء: مخزيات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ نوفمبر ١٩٣٣

    بين العناصر الرشيدة في هذه الأيام خصومة مضحكة في ظاهر الأمر، ولكنها عنيفة في حقيقة الأمر، يحسن أن يحتاط لها المصريون احتياطًا شديدًا؛ لأنهم إن لم يفعلوا أصابهم أذًى شديد، أشد جدًّا مما يظنون. فقد يظهر أن العناصر الرشيدة لا تريد أن تختصم في هذه المرة على هذا النحو الهادي المطمئن الذي لا يؤذي ولا يسوء. ولكنها تريد أن تتخذ للخصومة قنابلَ من طراز جديد، لا تكاد تُلقَى حتى تنفجر، ولا تكاد تنفجر حتى تُفسد الجو بما تنشر فيه من هذه العناصر الخانقة المهلكة التي تؤذي الأنوف والأسماع والأذواق، وتبغض النفوس في الحياة، وتملأ القلوب شكًّا فيما يسميه الناس أخلاقًا ونزاهة واستقامة في تدبير الأمور العامة، ولسنا ندري ما الذي أفسد الأمر إلى هذا الحد بين العناصر الرشيدة، التي تمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الشر ولا ترغب فيه، وتمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الحرب الضَّرُوس التي لا تُبقي ولا تذر، ولا تدع شيئًا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. فإن الأمر بين العناصر الرشيدة يسير جدًّا، لم يكُن ينبغي أن ينتهي بها إلى هتك الأستار، وكشف الأسرار، وغسل الثياب القذرة خارج الدار، وإظهار المصريين جميعًا والأجانب جميعًا على أن رُشد العناصر الرشيدة لا يمنعها من أن تُقدِم على إحدى اثنتين أحلاهما مر، وأنقاهما أقذر من أن يمكن الصبر عليها؛ فهي ترسل في الجو تهمًا كثيرة منكرة، إن صحَّت دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من اقتراف الآثام المخزية المزرية، وإن لم تصح دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من أن تتهم الناس بالباطل، وتقول فيهم غير الحق، وتضيف إليهم من المُخزِيات والمُزرِيات، ما يعاقب القانون على اقترافه إن صح، وعلى اتهام الناس به إن لم يصح. وحسبُك بهذا كله شرًّا ونكرًا، وحسبك بهذا كله عيبًا وخزيًا، وحسبك أن الوزارة القائمة مهما تضع أصابعها في آذانها، ومهما تأخُذْ نفسها به من الصمت والسكون، فهي مُضطَرَّة إلى أن تسمع، مُضطَرَّة إلى أن تتحرك، وهي مضطرة إلى أن تقول، فإن لم تفعل فهي تَصِمُ الحكومة المصرية وصمات لا ينبغي لها أن تصمها بها، ولا ينبغي للمصريين أن يقروها على ما تتخذ لذلك من سكون أو سكوت.

    الأمر بين العناصر الرشيدة يسير، رئيس وزارة لم يستطع أن يبقى في الحكم، فاستقال أو أُقِيل، ثم لم يستطع أن يتسلط على الوزراء فذل أو استذل، ثم أراد أن يتنمر ويستأنف النشاط، وفي وسع خصومه أن يردوه إلى ما ينبغي له من الهدوء والاطمئنان واعتزال السياسة، ولكن الأمر يخرج عن هذا الطور، وإذا قنابلُ تُقذَف فتُفسِد الجو، وتجعل التنفُّس فيه مستحيلًا، إلا أن تهب عليه ريح التحقيق النزيه، فترده إلى النقاء والصفاء.

    وليس الذين يعارضون العناصر الرشيدة هم الذين أعدوا هذه القنابل، أو هيَّئُوا لها، أو ألقَوْها، وإنما العناصر الرشيدة نفسها هي التي أعدت القنابل وألقتها، وهي التي أفسدت جوها إفسادًا، وهي التي أكرهت الخصوم والأصدقاء على أن يطلبوا التحقيق النزيه، ويُلِحُّوا فيه، ليستطيع الناس أن يتنفسوا في غير تعرُّض للأذى والاختناق.

    ما هذه الفضيحة المخزية التي أخذت «المقطم» تخوض فيها منذ أيام؛ تُفصِّلها تفصيلًا، وتحللها تحليلًا، وتطلب فيها التحقيق، وتشاركها الصحف في التفصيل والتحليل وطلب التحقيق؟ ما هذه الفضيحة المخزية التي عادت «المقطم» إلى تفصيلها وتحليلها أمس، والتي أنبأت «المقطم» أمس بأنها ستكون موضوعًا للتحقيق، والتي لم تكد تذيعها «المقطم» أمس حتى أقبلت صحيفة من صحف الحزب الشقيق — حزب الاتحاد — وهي صحيفة «الليبرتيه»، فنقلت عن «المقطم» ما قالت، واشتركت مع «المقطم» فيما طلبت من التحقيق؟

    ما فضيحة الكورنيش التي كثُر فيها الكلام، وكلام «المقطم» و«الليبرتيه» بنوع خاص، والتي تُوجَّه فيه تهم صريحة إلى وزارة الداخلية؟ ف «المقطم» و«الليبرتيه» تزعمان أن عطاءات قُدِّمَتْ في الجزء الأول من الكورنيش فرُفِضَ أقلُّها وصاحبه مصري، وقُبِلَ غيره وصاحبه إيطالي، ورفضت مصلحة البلديات في وزارة الداخلية عطاء هذا الإيطالي، معتمِدة على رأي قلم القضايا، ولكن وزارة الداخلية أجازت هذا العطاء الإيطالي مخالِفة في ذلك رأي مصلحة البلديات، ورأي قلم القضايا، مضيِّعة بذلك على البلدية والذين يدفعون لها الضرائب أكثر من ألفي جنيه.

    و«المقطم» و«الليبرتيه» لا تقِفان عند هذا الحد، بل تزعمان أن البلدية مضت مع هذا المقاول الإيطالي في إتمام الكورنيش بغير مناقصة، وغرَّها الغرور، فظنت أن إتمام الكورنيش لا يكلفها إلا مائة ألف أو أقل من مائة ألف! ثم ظهر أنه يكلفها ما يقرب من نصف مليون، وظهر أنها تخسر في هذه الصفقة أكثر من ألفي جنيه في كل خمسة عشر ألفًا من الجنيهات؛ أي إنها تخسر أربعة وستين ألفًا لا لشيء إلا لأنها حرصت على أن تمضي العمل مع هذا المقاول الإيطالي.

    وتزعم «المقطم» و«الليبرتيه» أن وزارة الداخلية أجازت هذا التصرُّف في أربع وعشرين ساعة. أقبل به ساعٍ خاص، وعاد بالموافقة عليه، والأمر لا يقف عند هذا الحد في «المقطم» و«الليبرتيه» بل هما تقولان إن هذا المشروع لم يكن موضع ارتياح القصر الملكي ولا رضاه، وإن عدم الارتياح بلغ الحكومة حينذاك.

    أليست الوزارة توافقنا على أن نقاء الحكومة، ونزاهتها وسمعتها، والمصلحة المالية، كل ذلك يفرض التحقيق النزيه فرضًا، ويجعل الإبطاء في هذا التحقيق أمرًا لا ينبغي الإقدام عليه.

    وقصة القطن والتدخل السري فيه، هذه التي أذاعتها صحيفة من صحف «المساء»، وأبَى صدقي باشا أن يقول نعم أو لا، وأخذت الصحف تتحداه وتتصدى له، فيلتوي عليها في الجواب، حتى إذا كانت قصة الاستقالة من رياسة الحزب والاختلاف بين أعضاء الحزب والعدول عن هذه الاستقالة، ظهرت «المقطم» أمس و«الليبرتيه» اليوم وفيهما قصة الكورنيش، وظهرت «الأهرام» صباح اليوم وفيها سؤال لوزير المالية من نائب شعبي كان يرى قبول استقالة صدقي باشا.

    وفي هذا السؤال تفصيل وتحليل لهذا التدخل السري في سوق القطن، في وقتٍ لم يكن ينبغي أن يكون فيه هذا التدخُّل، وبغير إذن من مجلس الوزراء، وعلى غير موافقة لهذه الخُطَّة التي كانت تنجح بها الوزارة المستقيلة، خطة الامتناع عن التدخل في السوق.

    أليست توافقنا الوزارة على أن هذه القصة في حاجة أيضًا إلى تحقيق صريح نزيه؟ تطهير التُّرع والأقنية الذي نتحدث فيه منذ أيام، ونسأل فيه الوزارة هذه الأسئلة التي يستطيع القراء أن يَرَوْهَا في غير هذا المكان من الكوكب؟ أليست توافقنا الوزارة على أن من حق الناس أن يعلموا: أصحيح ما يُذاع أم غير صحيح؟ أصحيح أن وزارة الأشغال ووزارة المالية تصرفتا في أموال الدولة هذا التصرُّف المعيب؟

    وقصة الوزيرين المختصمين في حزب الشعب — وزير الزراعة السابق ووزير الزراعة اللاحق — يقذف أحدهما صاحبه بأمور لا تليق بالوزراء، أليست توافقنا الوزارة على أن قصتهما تحتاج إلى تحقيق، ليلام المقذوف إن صح القذف، أو يلام القاذف إن لم يصح؟ وقصة المذكرة التي رفعها وزير التقاليد إلى اللجنة المالية ومجلس الوزراء، في شأن كرسي من كراسي كلية الآداب، وملأها بما يخالف الحق، وما يخالف القانون، ألا توافقنا الوزارة على أنها في حاجة إلى التحقيق؟ ليرى رئيس الوزراء على أقل تقدير أيعمل هو مع قوم ينصحون له، أم يعمل مع قوم يدفعونه إلى حيث لا ينبغي أن يُدفع رؤساء الوزارات؟

    كل هذه أمور تحتاج إلى تحقيق، وتحقيقها إن جرى — كما ينبغي — نزيهًا شريفًا حرًّا، فسينتهي من غير شك إلى عقاب قوم لأنهم أثموا في حق الوطن، أو إلى عقاب قوم لأنهم ظلموا الأبرياء وقالوا فيهم غير الحق، وأضافوا إليهم ما لم يفعلوا، وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين مخزٍ مهين، أليس غريبًا أن تذاع كل هذه الأشياء وتشاع، ويتحدث بها الناس، وتمتلئ بها الأندية، ورئيس الوزراء مشغول بصدقي باشا، أيبقى رئيسًا للحزب أم يستقيل؟

    على أن كل شيء في الحياة السياسية الرسمية الآن يدل على أن أمور هذه الفضائح لا تريد أن تقِف عند هذا الحد، ولا أن تنتهي إلى هذا المقدار، وعلى أن هناك قنابلَ من هذا الطراز يريد أصحابها أن يقذفون بها في الجو، ليزيدوه فسادًا إلى فساد، فليت شعري أيستطيع رئيس الوزراء أن يتنفس في هذا الجو الموبوء تنفسًا طلقًا حرًّا يبعث الحياة والنشاط، ويمكِّنه من تصريف الأمور كما ينبغي أن تصرف الأمور، أم سيضيق رئيس الوزراء بهذا الجو، ويعجِز عن التنفُّس فيه، فيستقيل ليترك هذه البيئة لقوم آخرين يستطيعون أن ينقوا الجو ويصفوه، أو يستطيعون أن يعيشوا في جوٍّ ليس له حظ من صفاء أو نقاء؟ زعموا أن الأيام القليلة المقبلة ستجيب في صراحةٍ على هذا السؤال.

  • عامة | The Common People

    حديث المساء: عامة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٢٧ أكتوبر ١٩٣٣

    كل مصري يأبى أن تحكم مصر بغير العدل والدستور والقانون، ويلح في أن تكون إرادة الأمة قوام
    الحكم وعماد الوزارة، ومصدر الهيئات النيابية، التي تشرع القوانين وتراقب السلطة التنفيذية. كل
    مصري من هذا الطراز رجل من العامة الذين لا ينبغي أن يقدر لهم قدر أو يقام لهم وزن، أو يحفل
    بآرائهم وإرادتهم في تصريف الأمور! وقد كان هؤلاء العامة في وقت من الأوقات يسيطرون على أمور
    مصر، يُدْعَوْنَ إلى الانتخاب أحرارًا فينتخبون وكلاءهم في البرلمان. وكان هؤلاء الوكلاء
    يمثِّلون موكليهم من العامة أحسن تمثيل، ويؤدون واجبهم لهؤلاء العامة أحسن تأدية. كانوا يرضون
    عن العامة، وكانت العامة ترضى عنهم. وكان الوزراء يصرِّفون أمور الحكم معتمدين على رضا الوكلاء
    والموكلين. فكانت العامة هادئة مطمئنة، وكانت العامة سعيدة مغتبطة، وكانت العامة تحس أن مصر
    لها، وأنها لمصر؛ فتستشعر عزة وأنفة، وتقدِّر أنها أمة كريمة تعيش في بلد كريم، وتنظر إلى
    ماضيها فتعتز بما فيه من مجد، وتتعظ بما فيه من محن، وتنظر إلى مستقبلها فترى ثقة واسعة،
    وآمالًا عريضة، وحياة مبتسمة قوامها العزة والكرامة والرقي والاستقلال.

    ولكن أمور مصر لم تصلح، وشئونها لم تعتدل على رضا العامة ووكلاء العامة من النواب والشيوخ
    والوزراء؛ لأن مصر لم تخلق للعامة، وما ينبغي أن تخلق لهم! وإنما خلقت لفريق قليل ضئيل ممتاز،
    خلقه الله من طينة أخرى، وصاغه من معدن آخر. فبينما خلق العامة من هذا الطين المبتذل الذي يُتخذ
    في البناء وفي صناعة الآنية. خُلِقَ هذا الفريق الضئيل من طين آخر فاخر نادر لا تطؤه الأقدام،
    ولا يسقيه ماء النيل، وإنما يصنع في عالم آخر بعيد راقٍ، ثم يتنزل به النسيم من السماء؛ ليحكم
    الناس ويسيطر على الأشياء.

    وبينما صاغ الله هذه العامة أو الممتازين من أبنائها من النحاس والصفيح والقصدير، صاغ هذا
    الفريق القليل الضئيل من الفضة والذهب والبلاتين، وحلاه بطائفة من الأحجار الكريمة، والجوهر
    النفيس: فيها اللؤلؤ، وفيها الزمرد، وفيها الياقوت، وفيها الزبرجد. فكان من الطبيعي، وكان من
    العدل، ألا تستقيم أمور مصر حين يسيطر عليها العامة الذين خلقوا من طين الأرض المبتذل، ومن
    معدنها الخسيس. ولم يكن بدٌّ من أن تنقل أمور مصر إلى هذا الفريق القليل الضئيل، الذي خلق من
    طين السماء، وصيغ من معادنها العزيزة، وحُلِّيَ بأحجارها الكريمة؛ ولهذا أقصيت العامة عن الحكم
    وردت إلى ما ينبغي أن ترد إليه من الطاعة، والرضا والإذعان!

    ونقلت أمور السلطان إلى صدقي باشا وأصحابه، الذين صيغوا من طين السماء ممزوجًا بماء الورد،
    ومن معادن السماء محلاة مزدانة بياقوتها وزمردها، ولؤلؤها وزبرجدها، وغير ذلك من هذا الجوهر
    الممتاز الذي يخلب العقول ويستهوي القلوب، ويسحر العيون ويفتن الألباب. ولم يكد غرة الزمان،
    وحلية الدهر، وفريدة الأيام، صدقي باشا يتسلم أعنة الحكم حتى فعل ما كان يجب عليه أن يفعل؛
    فألغى دستورًا واستصدر دستورًا آخر لتنقطع الأسباب بين فوضى العامة وبين الحكم، ولتفرغ العامة
    لما خلقت له من الطاعة والرضا والإذعان، ومن العمل في الزرع والحرث، وفي التجارة والصناعة، وفي
    كل ما يثمر المال ويمكِّن السادة الممتازين من حياة كلها القوة والبأس، وكلها الترف
    والنعيم.

    ومضى هذا الرجل الممتاز، وأصحابه الممتازون يدبرون الأمر في حكمة وحزم وعزم، حتى استيأستِ
    العامة، ورضيت بما لم يكن بدٌّ من أن ترضى به وانصرفت عن الحكم والسياسة، إلى ما لم يكن بدٌّ من
    أن تنصرف إليه.

    ولكنَّ السادة الممتازين مهما تصفُ طباعهم وتعتدلْ أمزجتهم وتَمْتَزْ جواهرهم وترقَ عناصرهم،
    معرضون لعيب واحد امتحنهم الله به حتى لا يختلطوا بالملائكة أو يصبحوا منهم، وحتى توجد الصلة
    بينهم وبين أبناء الإنسان الذين قدر عليهم الخضوع للخطوب والأحداث. وهذا العيب الذي يفرق بين
    سادتنا الممتازين وبين الملائكة، هو أنهم يتنافسون فيما بينهم: أيهم يستأثر بالسلطان والجاه،
    وأيهم يعظم حظه من السيطرة على الأمور وتصريفها كما يحب ويهوى؟ فلما استقر الحكم لسادتنا
    الممتازين تنافسوا واستبقوا، واشتد بينهم التنافس والاستباق. وكان الفوز فيما يقول الناس، وفيما
    تنشر الصحف عامة، والصحف الإنجليزية خاصة، وصحيفة التيمس بوجه أخص لصاحب السعادة زكي الإبراشي
    باشا على صاحب الدولة إسماعيل صدقي باشا.

    وقد لا نستطيع الآن أن نجد من الوقت ما يمكننا من إقامة الأدلة الواضحة والبراهين الساطعة على
    أن الإبراشي باشا إنما تفوق على صدقي باشا؛ لأنه أكرم منه جوهرًا وأرقى منه عنصرًا. خلق من طينة
    السماء الثالثة، ولم يخلق صدقي باشا إلا من طينة السماء الدنيا.

    ولعل الظروف أن تسمح لنا بوضع كتاب أو رسالة في الموازنة بين العناصر المختلفة التي يتكون
    منها سادتنا الممتازون، والتي تتيح لبعضهم الفوز والانتصار، وتضطر بعضهم الآخر إلى الهزيمة
    والاندحار!

    تفوق إذن زكي الإبراشي باشا على صدقي باشا، وأحس الدكتاتور العظيم هذا التفوق فانزعج له، ورأى
    آثاره فضاق بها. وشبت الحرب بين السماء الثالثة والسماء الدنيا، فرأى صاحب السعادة القيسي باشا
    أن يتوسط بين السماءين؛ لأنه هو خلق من طين السماء الثانية؛ فتوسطه بين جارتيه معقول ملائم
    لطبيعة الأشياء. ومع أنه بذل في ذلك جهدًا محمودًا، واتخذ إليه وسائل مختلفة، فقد أخطأه
    التوفيق، ولم يكن بدٌّ من أن تصرف أمور الحكم عن أبناء السماء الدنيا إلى أبناء السماء الثانية.
    وكذلك أقصى الدكتاتور العظيم عن رياسة الوزراء، وأقصى معه عن الحكم كلَّ أولئك الذين يشبهونه في
    العنصر ويقاربونه في الطبقة. وقامت وزارة أرقى وأعلى، وأقرب إلى صاحب السعادة الإبراشي باشا.
    والغريب أن الدكتاتور العظيم لم يقنع بما قدر له من الحكم، ولم يطمئن إلى ما قضي عليه من
    الهزيمة، فحاول المقاومة والمخاصمة، وتهيأ للقتال والنضال، ولكن متى أتيح للسماء الدنيا أن تقهر
    السماء الثانية، ولا سيما حين تعينها السماء الثالثة؟! فأذعن الدكتاتور شيئًا فشيئًا؛ قبل رئيس
    الوزراء في الحظيرة، وأعلن تأييد الحظيرة كلها للوزارة الجديدة. ثم رد الوزيرين المفصولين إلى
    الحظيرة، وطلب إليها أن ترتاح لذلك، كما ارتاح هو. ثم علم أن المفصولين سيزورون الحظيرة وكره أن
    يلقاهم فيها؛ فأقام في داره يستريح. حتى إذا تمت الزيارة ظهر أن استراحته في داره تدل على أن
    رضاه ليس كاملًا شاملًا، وإذعانه ليس تامًّا عامًّا؛ فاضطر — ولم يكن بدٌّ من أن يضطر — إلى أن
    يذهب أمس إلى مكتب رئيس الوزراء، لا ليترك البطاقة كما تركت له؛ بل ليرقى إلى حيث يقدم الطاعة،
    ويقيم الأدلة التي لا تقبل شكًّا ولا ريبًا على أنه مذعنٌ لقضاء الله، مؤمنٌ لحكم الأقدار
    فيه.

    وكذلك شرب الديكتاتور العظيم كأس المحنة إلى آخرها، وشرب رئيس الوزراء كأس النصر إلى آخرها،
    ونظر صاحب السعادة الإبراشي باشا إليهما مبتسمًا مستريحًا. وظهرت في اليوم نفسه مقالة مكاتب
    التيمس تصور الأمر على هذا النحو البديع من التصوير.

    وكان ظريفًا جدًّا من مكاتب التيمس أنه لم ينسَ هؤلاء البائسين اليائسين المعدمين المحرومين
    الذين يسميهم العامة. فقد تفضل فذكرهم؛ ذكرهم مرتين: أما الأولى فقد بين فيها كيف رد هؤلاء
    الناس إلى منزلتهم التي أعدها الله لهم من البعد عن الحكم والإذعان لطاعة السادة الممتازين.
    وأما الثانية فقد سجل فيها أن هؤلاء العامة قد راضوا أنفسهم على الطاعة وعلموها كيف تذعن وتؤمن،
    وكيف تعرض عن السياسة وتكتفي بما يقدر لها من إشباع البطون حين تجوع، وري الأكباد حين يحرقها
    الظمأ، وترك السياسة والحكم لهؤلاء المعصومين الذين خلقت لهم وحدهم السياسة وقصر عليهم وحدهم
    الحكم.

    ولكنَّ في الأمر شيئًا يحتاج إلى الفهم، فقد علمنا أن العامة من أهل مصر قد ردت إلى مكانها
    اللائق بها وفرغت للعناية بالأرض؛ لأنها صيغت من طين هذه الأرض، ونقلت أمور الحكم إلى أبناء
    السماء يستبدون به، ثم يختلفون فيه، فيغلب بعضهم بعضًا، وينهزم بعضهم لبعض. ولكن الذي نريد أن
    نعلمه هو رأي الإنجليز، لا في أمر العامة، فرأيهم في أمر العامة معروف؛ فالعامة لم تخلق إلا
    للذل، والعامة لم تخلق إلا للطاعة، والعامة لم تخلق إلا لتتعهد البقرة الحلوب، وتمنحها من
    العناية ما يجعل ضرعها حافلًا باللبن دائمًا. هذا معروف، ولولا أنه معروف واضح لما ردت العامة
    إلى حيث هي تسمن البقرة وتغذوها وتملأ ضرعها لبنًا.

    إنما الذي نريد أن نعلمه هو موقف الإنجليز من المختلفين بين الطبقة الممتازة. أيميل الإنجليز
    إلى الذين انهزموا أمس، أم يميل الإنجليز إلى الذين انتصروا اليوم؟ أم يريد الإنجليز أن يقفوا
    موقفًا وسطًا بين المنتصرين والمنهزمين؟ والظاهر أننا لن ننتظر زمنًا طويلًا لنظفر بالجواب على
    هذه الأسئلة، فقد يظهر أن في مغيب الشمس منذ أمس وفي طلوع الشمس منذ اليوم علامات، إن لم تكن
    قاطعة فإنها لا تخلو من إشارة إلى الناحية التي سيهب منها النسيم.

    فأما العامة؛ فراضية يكفيها ألا تظمأ وألا تجوع، وليس يعنيها بعد ذلك من أمر الحكم شيء. ولكن
    مَن للعامة بما يحميها من الظمأ والجوع؟!