قضية التعليم
طه حسين
جريدة الأهرام
١١ يوليو ١٩٤٩
يُقال إنَّ السَّاكِتَ عن الحقِّ شيطان أخرس، وفي الأرضِ شياطين كثيرة، منها الناطق ومنها الصامت.
وأنا أعوذ بالله من أولئك وهؤلاء، وأبرأ إلى المصريين من أولئك وهؤلاء. ومن أجل ذلك أريد أن أقول كلمة الحق؛ لأنها يجب أن تُقال مهما تكن نابية قاسية. وقد عودت المواطنين الأعزاء ألَّا أصانعهم ولا أداريهم، وأن أذيقهم الحق مهما يكن حظه من المرارة. وقد عودني المواطنون الأعزَّاء أن يسمعوا لي دائمًا، يستجيب لي أكثرهم، ويزورُّ عني أقلهم، ولكنهم يلقون سمعهم إليَّ على كل حال. فليسمعوا إذن راشدين مشكورين موفقين.
إذا وقع الظلم على رجل واحد من الناس كان رفعه واجبًا، وإذا وقع الظلم على جماعة كثيرة من الناس كان رفعه أوجب وجوبًا وألزم لزومًا، وإذا وقع الظلم على الشعب كله كان رفعه أوجب الواجبات، وكان التقصير في رفعه إثمًا كبيرًا لا ينساه الشعب ولا يهمله التاريخ.
والظلم الذي أريد أن أتحدث عنه وأدعو مُلِحًّا إلى رفعه، واقع على الشعب كله لا يُستثنى منه قويٌّ ولا ضعيفٌ، ولا غنيٌّ ولا فقير. وهذا الظلم متصل بالتعليم ونشره، وإنصاف الناهضين به ليتمكنوا من إذاعته على أحسن الوجوه وأكملها.
وقد أُتيح لنا وقت قصير جدًّا فَهِمْنا فيه حقَّ الشعب في أن يتعلم كأحسن ما كان يمكن أن نفهمه، وذلك حين وضعنا الدستور وقررنا فيه حق الشعب في أن يأخذ أبناؤه قسطًا من التعليم، لا يكون الإنسان الحديث إنسانًا إلَّا به. وقد فرضنا هذا المقدار اليسير من التعليم على الدولة والشعب جميعًا، فعلى الدولة أن تنشره وتذيعه، وعلى الشعب أن يرسل أبناءه إليه ليأخذوا بحظِّهم منه. فإذا قصرت الحكومة في نشره سُئِلَتْ عن ذلك أمام البرلمان، وإذا قصر أبناء الشعب في تلقيه سُئِلَ المقصرون منهم أمام القضاء.
كذلك قررنا حين وضعنا الدستور، وكنَّا نؤمن بأن نشر التعليم الإلزامي على هذا النحو خطوة أولى لا يمكن الاكتفاء بها، وإنما ينبغي أن تتبعها خطوات إلى نشر التعليم العام والتعليم الفني والعليم العالي، يأخذ الشعب من هذا كله ما يريد وما يطيق.
وقد مضى ربع قرن منذ أُذِيعَ الدستور، ولم يكد الشعب يتقدَّم في أي نوع من أنواع هذا التعليم إلَّا تقدُّمًا يسيرًا ضئيلًا. والتبعة في هذا لا تقع على الشعب، الشعب يلح ويلح ويرفع صوته في كل عام — بل في كل يوم — مطالبًا بنشر التعليم، والحكومات تسمع أحيانًا ولا تصنع شيئًا، أو لا تكاد تصنع شيئًا، تضع أصابعها في آذانها أحيانًا أخرى مخافةَ أن تسمع؛ لأنها مشغولة عن التعليم بما هو أهون شأنًا وأقل خطرًا من التعليم.
ولست أنكر أن مصر قد أنشأت في هذه الفترة جامعتين وطائفة من المدارس الثانوية والابتدائية والفنية والإلزامية. ولكن الشيء المحقق هو أنها أنشأت من هذا كله أقل جدًّا مما كان ينبغي أن تُنشئ. وآية ذلك أن الجامعتين تضيقان بالطلاب على نحو مُروِّع مخيف، وأن الحكومة تريد أن تنشئ جامعة ثالثة فتعترف بعجزها عن ذلك وتتيح لنفسها من الوقت ما يمكنها من التهيؤ وإرسال البعوث. وآية ذلك أيضًا أن الحكومة تواجه في كلِّ عامٍ دراسيٍّ أزمةً عنيفةً سخيفةً؛ لأن المدارس التي أُنشئت إلى الآن أضيق مِنْ أَنْ تَسَع مَنْ يتقدَّم إليها من الطلاب والتلاميذ. وآية ذلك أن مدير جامعة فؤاد الأول أعلن بمحضر من وزير المعارف منذ شهرين أن المدارس الثانوية ستخرج في هذا العام ستة عشر ألفًا من الطلَّاب، وأن الجامعتين لن تستطيعا قبول هذا العدد الضخم.
وآية ذلك أن الفنيين في وزارة المعارف يقدِّرون أن المدارس الابتدائية ستخرِّج في هذا العام نيفًا وأربعين ألفًا من التلاميذ، وأن المدارس الثانوية الحكومية لا تستطيع أن تقبل إلَّا أقلهم. وآية ذلك بعد هذا كله، أن المدارس الحرة تقبل وتعلِّم أكثر مما تقبل مدارس الحكومة وتعلِّم من التلاميذ. وآية ذلك آخر الأمر أن أربعة أخماس الشعب المصري لا يزالون جاهلين لا يقرءون ولا يكتبون، وأن الخمس الذي برئ من الأمية لا يزال أكثره مرتكسًا في جهل لعله أن يكون أشد خطرًا من الأمية؛ لأنه يشيع في نفوس الناس شيئًا من الغرور ويفسد تصورهم للأشياء وحكمهم عليها.
فهناك إذن ظلم عام واقع على الشعب كله، والدولة هي المسئولة عنه وهي المقصرة في رفعه، ولكن هذا التقصير الخطير لا يمكن أن يتصل ولا يمكن أن يدوم إلَّا إذا اتخذنا حياتنا العامة ومستقبلنا هزوًا ولعبًا، وإلَّا إذا ضحكنا على أنفسنا وخيَّلنا إليها أننا ناهضون، وإن لم نكن من النهضة الصحيحة في شيء. وما ينبغي أن نغر أنفسنا ولا أن نكذب عليها، ولا أن نقول لها غير الحق، فنحن لا نخدع أحدًا من الأجانب عن قصورنا وتقصيرنا؛ لأنهم يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم بل أكثر مما نعلم، ولا ينبغي أن تخدعنا الكلمات الحلوة نسمعها منهم هنا أو هناك، فإنها كلمات مصدرها المجاملة والمصانعة والحرص على قضاء المآرب وإرضاء الحاجات.
والعذر الخطير الذي تعتذر به الحكومات إذا سُئلت عن تقصيرها في نشر التعليم، هو أن الميزانية أضيق من أن تتسع للتعليم كما ينبغي، وأضعف من أن تنهض بأعباء التعليم كما ينبغي.
وهنا تأتي كلمة حق ثانية يجب أن تُقال، وهي أن حكوماتنا لم تفهم قط كلمة الميزانية على وجهها، فالميزانية عند الحكومات المصرية هي تعادل الدخل والخرج ليس غير، وهذا هو المعنى الدقيق لهذه الكلمة عند أصحاب المال. ولكن الميزانية قد تدل على معنى آخر عند الذين يفهمون سياسة الشعوب على وجهها، وهو التعادل بين ما تنفقه الدولة من المال وما يحتاج الشعب إليه من المرافق؛ فليس يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن ترضى وزارة المالية عن نفسها لأنها وازنت بين الدخل والخرج، وأن ترضى الحكومة والبرلمان عنها لأنها حققت هذا التوازن، وإنما الذي يعني الجائع والعاري والجاهل والمريض أن تجد الحكومة من المال ما يمكِّنها من إنشاء المرافق التي ترُدُّ عنهم الجوع والعري والجهل والمرض، وأن تنفق هذا المال في وجوهه إنفاقًا دقيقًا سواء عدلًا لا عوج فيه ولا التواء.
فالميزانية سياسة للشعب ورعاية لحقوقه وعناية بمرافقه، لا حساب يتعادل فيه الدخل والخرج ليس غير. وهذا ينتهي بنا إلى المشكلة الخطيرة التي تورطنا فيها أو التي اشتد تورطنا فيها أثناء هذا العام؛ فقد أشعرتنا الضرورات الخارجية المُلِحَّة بحاجتنا إلى تقوية الدفاع عن الوطن وإنشاء الجيش الذي يستطيع أن يكفل هذا الدفاع.
ولو أننا فهمنا الميزانية على أنها سياسة لا حساب؛ لعرفنا حق الدفاع علينا منذ وقت طويل، ولَمَا فوجئنا في هذا العام بهذه الميزانية التي تنفق الملايين المملينة — إن صح هذا التعبير — على حاجات جيش، وتظلم طائفة أخرى خطيرة من مرافق الشعب ومنها التعليم.
ولست أذهب مذاهب صاحب الدولة صدقي باشا في وجوب الاقتصاد في أمور الدفاع والاعتماد على المحالفات الخارجية؛ فإن الشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه طعمة مباحة للشعوب الجائعة، وما أكثر الشعوب الجائعة في هذه الأيام! والشعب الذي لا يملك الدفاع عن نفسه بنفسه لن يجد حليفًا يحترم حقه واستقلاله، وإنما يجد طامعًا فيه مستذلًّا له يتربص به الدوائر ليسومه الضيم ويسخره لما يشاء.
لا أنكر إذن حاجتنا إلى الجيش القوي، وحق هذا الجيش علينا مهما يكن ثقيلًا مبهظًا، وإن كنت أرجو أن يكون في وزارة الدفاع من الخبراء الأكفاء من يكلفون إنفاق هذه الملايين الكثيرة كما ينبغي أن تُنفَق. ولكن هذه قصة أخرى، إنما الذي يعنيني هو ألَّا يطغى الدفاع على غيره من مرافق الشعب، فليست حاجة مصر إلى دفع العدو المغير من الناس بأقل من حاجتها من دفع العدو المقيم من الفقر، والجهل، والمرض. والشعب الفقير الجاهل المريض لا يمكن أن ينشئ جيشًا قويًّا كريمًا يقدِّر الوطن حق قدره، ويدافع عنه كما ينبغي أن يكون الدفاع. وقد تورطت حكومتنا هذا العام في التحامل على المرافق العامة الداخلية لتؤدي إلى الجيش حقه، وهذا هو الخطأ الذي لا ينبغي أن نتورط فيه. ولست أدري ماذا أصاب المرافق العامة من هذا التحامل، ولكني أعلم أن التعليم قد أصابه من هذا التحامل شرٌّ كثيرٌ، شرٌّ يثير الحزن ويثير الضحك معًا، وشر المصائب ما يضحك كما يُقال.
فوزارة المعارف تريد أن تحسِّن حال المعلمين، وهذا التحسين يحتاج إلى نصف مليون من الجنيهات فيما تقول «الأهرام»، ولكن هذا المقدار الضئيل ليس ميسورًا لوزارة المعارف. فينبغي أن تقسمه على خمسة أعوام، ومعنى ذلك أن المعلمين سيحتملون الضر في أنفسهم وأهلهم وأبنائهم وتعليمهم، وسيحملون هذا الضر لتلاميذهم؛ لأن الميزانية لا تجد نصف مليون من الجنيهات تكشف به عنهم وعن أُسَرهم وتلاميذهم هذه الغمة.
ووزارة المعارف تعترف بعجز مدارسها عن استيعاب التلاميذ المتقدمين إليها، وتنصح الأسر بتوجيه أبنائها إلى المدارس الحرة، وتعلم أن المدارس الحرة تعلِّم من التلاميذ أكثر جدًّا ممن تعلِّمهم مدارس الحكومة، وهي تريد أن تسوِّي بين التلاميذ في المدارس الحرة والحكومية وبين المعلمين في هذه المدارس وتلك؛ لأن هذه المساواة حق للمصريين جميعًا، ولأنها تحقق مصلحة الشعب ما في ذلك شك، وسبيل هذه التسوية أن تلحق المدارس الحرة بالوزارة، وأن يؤمم التعليم. ولكن هذا يحتاج إلى شيءٍ من المال لن يزيد على نصف مليون من الجنيهات، ووزارة المعارف لا تجد هذا المقدار من المال؛ لأن حاجة الدفاع تحول بينها وبين الحصول عليه.
مليون واحد من الجنيهات يحسِّن حال المعلمين، ويؤمم التعليم، ويحقق المساواة بين أبناء الشعب، ويكفل المصلحة الثقافية للأمة المصرية، ويفتح لها أبوابًا من الأمل المشرق، ولكن وزارة المعارف لا تجد هذا المليون. أجدٌّ هذا أم مزاح؟! وأي خطر لهذا المليون في ميزانيتنا الضخمة، وفي هذه العشرات من الملايين التي وجدناها فجأة للدفاع؟! يجب أن نقول الحق وإن كان مرًّا، وهو أن الذين يشرفون على الأمر فينا محتاجون إلى أن يؤمنوا بالتعليم كما ينبغي أن يكون الإيمان به، وإلى أن يرعوا حق رجال التعليم كما ينبغي أن تكون الرعاية له.
ليصدقني رئيس الوزراء، وليصدقني وزير المعارف ووزير المالية، إن اجتماعًا قصيرًا يعقده ثلاثتهم كفيل باستكشاف هذا المليون في زاوية من زوايا الخزانة، أو في عطف من أعطاف الاحتياطي، أو في ضريبة تُفرَض لأداء حق التعليم الذي ليس هو أقل خطرًا من حق الدفاع. فليتوكل هؤلاء الوزراء الثلاثة على الله، وليبحثوا في الخزانة ولو بمصباح؛ لعلهم أن يجدوا هذا المليون الذي سيكشف الضر عن ألوف مؤلفة من المعلمين والمتعلمين.
Tag: والعدالة الاجتماعية
-
قضية التعليم | The Question of Education
-
الشعب الديمقراطي | The Democratic People
الشعب الديمقراطي
طه حسين
مجلة المصور
٢٠ سبتمبر ١٩٤٠
نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.
أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.
ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.
ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.
يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.
ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.
فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.
فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.
وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.
هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.
فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.
يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.
والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.
والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.
هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.
وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.
نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.
كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.
فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.
وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.