Tag: والمساءلة السياسية

  • وحقوق مصر؟! | And Egypt’s Rights?!

    وحقوق مصر؟!
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢٢ نوفمبر ١٩٤٥
    وحقوق مصر ما خطبُها وما خطبُنا! ألا نزال نذكرها أم أَسْدَلَ النسيان عليها ستارًا كثيفًا؟ أنقرب منها أم نبعد عنها؟ ما خطب الجلاء! أممكن هو أم غير ممكن؟ أقريب هو أم بعيد؟ وما خطب وادي النيل! أيتحد أم ينقسم؟ أيتصل أم ينفصل؟ وما خطب المعاهد! أتبقى كما هي أم يصيبها التعديل؟ كل هذه الأسئلة خليقة أن تُلقَى في كل يوم، بل أن تلقى في كل ساعة، خليقة أن تتصل بالقلوب حتى لا يشعر الناس إلا بها، وأن تتصل بالعقول حتى لا يفكر الناس إلا فيها، وأن تتصل بالضمائر حتى لا يحيا الناس إلا بها، أو يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. ألا يلاحظ المصريون أن حكومتهم مشغولة عنها، مقصرة في ذاتها، وأنها توشك أن تشغَلهم هم أيضًا عنها، وأن تورِّطَهم فيما تورطت هي فيه من التقصير؟ أين نحن من المفاوضات، أو أين نحن من المحادثات؟! فقد قيل لنا في شهر سبتمبر الماضي إن الوقت كان أشد الأوقات مناسَبةً للأخذ في تلك المفاوضات، وقد مضى شهران أو أكثر من شهرين ولم نعلم أن أحدًا قد أَخَذَ في هذه المفاوضات، وإنما علِمنا أن حكومتنا لم تصنع شيئًا؛ لأن وزير الخارجية البريطانية أنبأ البرلمان البريطاني بأنه لم يتلقَّ منها شيئًا، ثم أنبأتنا خطبة العرش أن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات. فماذا بلغت الحكومة من هذا التمهيد؟ أمهدت السبيل كلها فلم يبقَ إلا أن تُبدئ المفاوضات، أم مهدت بعضها وما زال جزء منها طويل أو قصير يحتاج إلى فضل من التمهيد؟ وما هذه السبيل التي يُراد تمهيدُها، وما هذه المصاعب التي يُراد تذليلها، ومن أين تأتي؟ أتأتي من ناحيتنا نحن أم تأتي من ناحية حلفائنا الإنجليز؟ فأما نحن فما أعلم أننا نقيم عقبات، أو نخلق مصاعبَ في سبيل المفاوضات؛ لأننا نريدها ونحرص عليها ونتعجلها كأشد ما يتعجل الناس شيئًا. وأما حلفاؤنا فما أدري لِمَ يقيمون العقبات وكيف يقيمونها، وكيف نرضى نحن منهم أن يقيموها؟ فقد عاد السفير البريطاني إلى مصر بعد أن أُلْقِيَتْ خُطبة العرش، فظن الناس أنهم سيعرفون من أمر المفاوضات شيئًا، ولكنهم لم يعرفوا من هذا الأمر قليلًا ولا كثيرًا، واليوم يعود السفير المصري من بريطانيا إلى مصر، ويظن الناس أنهم سيعلمون من أمر هذه المفاوضات شيئًا، ولكني أؤكد لهم أنهم لن يعلموا منه قليلًا ولا كثيرًا؛ لأن حلفاءنا الإنجليز الذين يحبوننا أشد الحب قد أشفقوا علينا من خيبة الأمل، فأذاعت بياناتهم الرسمية في لندرة أن السفير إنما يزور مصر زيارة عادية يقتضيها منصبه، وأن محادثات رسمية في الحقوق المصرية لم تَجْرِ قط. وكذلك نستقبل السفير اليوم ونودعه بعد أيام دون أن نعرف من أمر هذه المفاوضات شيئًا؛ لأن هذه المفاوضات لم تبدأ بعدُ، ولأن الحكومة ما زالت على اتِّصال لتمهيد السبيل إليها، وأكبرُ الظَّنِّ أن السفير إنما أقبل لينبئ الحكومة من قرب بالعقبات التي تحتاج إلى تذليل، والمصاعب التي تحتاج إلى تمهيد. وفي أثناء ذلك تَجرى المفاوضات بين بريطانيا وفرنسا ليتحقق جلاء القوات الأجنبية عن سوريا ولبنان. ومن المؤكد أن الجلاء عن سوريا ولبنان سيتم قبل الجلاء عن مصر، فليس في طريق هذا الجلاء عقبات شِداد تحتاج إلى تمهيد طويل؛ إذ ليس في سوريا ولبنان قناة السويس، وليس لسوريا ولبنان وادٍ كوادي النيل يريد هو أن يتصل، ويريد له غيره أن ينفصل. وليس في سوريا ولبنان حكومة تخفي على الشعب أمره، وتطوي عن الشعب سره، وتستأثر من دونه بالمخبآت. وليس في سوريا ولبنان حكومة تريد أن تبقى؛ لأن البقاء في نفسه خير. وليس في سوريا ولبنان وفد يحب أن يهدم؛ لأن هدمه هو غرض الأغراض وغاية الغايات، ولأن هدمه أهم وأخطر من تحقيق المطالب القومية وجلاء القوات الأجنبية، وتوحيد وادي النيل. ليس في سوريا ولبنان شيء من هذا؛ ولذلك تجري أمور سوريا ولبنان رخاء في طريق سواء، فما هي إلا أن يتم الاتفاق بين البريطانيين والفرنسيين على تنظيم مصالحهم في الشرق الأدنى، حتى يُجلوا أولئك وهؤلاء عن هذين القُطرين العزيزين، وحتى تظفر هاتان الدولتان الشقيقتان بحقهما في الاستقلال الكامل الذي تتقطَّع قلوبنا شوقًا إليه منذ أعوام وأعوام. والذي يظهر أن قلوبنا ستتقطع شوقًا إليه أوقاتًا طويلة أخرى ما دامت حكومتنا على اتِّصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل، وما دام هذا التمهيد يمكن أن يقصر ويمكن أن يطول. وأكبرُ الظن أن حكومتنا لا تكره أن يطول؛ لأن طوله يمدُّ لها أسباب البقاء، ويمكِّن لها من وسائل السلطان. وأي شيء أنفع لمصر وأجدى عليها من بقاء هذا العهد السعيد؟! هل يعلم المصريون أن أمرهم أصبح أدنى إلى الهزل منه إلى الجِد، وأن حياتهم أصبحت أقرب إلى العبث منها إلى الحزم، وأنهم يستطيعون أن ينعموا بهذه الحياة الراضية مطمئنين بأن المسيطرين على أمورهم قد قبِلوا لهم هذا الوضع الغريب، وقالوا لهم منذ نهضوا بأعباء الحكم إن غايتهم إنما هي توفير الغذاء والكساء، وهم يَجِدُّون في توفير الغذاء والكساء ينجحون حينًا ويخفقون أحيانًا؟ وماذا يريد المصريون من حكومتهم أكثر من أن تبذل ما تستطيع لتوفر لهم الغذاء والكساء، إنها لم تأخذ على نفسها عهدًا يوم تولَّت الحكم بأنها ستسعى بهم إلى ابتغاء المكارم، وتحقيق المآثر، وارتفاع المنزلة بين الشعوب، وإنما قالت لهم إنها ستغذوهم وتكسوهم، وهي تبذل في ذلك ما تستطيع. وقديمًا قال الحطيئة لبعض خصومه: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ويريد سوء الحظ ألَّا يكون المصريون جميعًا طاعمين ولا كاسين، فمنهم الجائع الذي لا يجِد ما يقيم الأود، ومنهم العريان الذي لا يجِد ما يقي جسمه عاديات الحر والبرد، ولكن خلاصة المصريين طاعمة لا تعرف الجوع كاسية لا تعرف العُري. وإذا كانت الصفوة طاعمة كاسية راضية فلا على الكثرة أن تجوع، ولا على الكثرة أن تعرى، وما ينبغي للكثرة أن تغضب وقد رضي السادة واطمأنُّوا. وكذلك تجري أمور المصريين: سادة يرضون فيستبقون الرضى، وينعمون فيستديمون النعيم، وكثرة تسخط فلا يحفل بسخطها أحد، وتشقى فلا يلتفت إلى شقائها أحد. وشعبٌ كان خليقًا أن يجدَّ في سبيل الاستقلال، فتصرف كثرته عن الاستقلال إلى رفع الشقاء واكتمال البقاء، وتصرف قلته عن الاستقلال إلى الاستزادة من السعادة واستدامة النعيم. وتنظر حكومته إلى أولئك وهؤلاء باسمة راضية؛ لأن اشتغال الكثرة بالتماس الرزق، واشتغال القلة بالاستزادة من الترف؛ كل ذلك يُمكِّنها من البقاء، ويمد لها أسباب السلطان. وأغرب ما في الأمر أن الإنجليز يظنُّون بنا خيرًا مما نظن بأنفسنا، وينتظرون منا أكثر مما ننتظر من أنفسنا، فصحفهم تبدئ وتعيد فيما يمكن أن يكون لنا من أثر في استقرار الأمن الدولي في الشرق، وفيما يمكن أن يكون لرضانا أو سخطنا من أثر في تحقيق التوازن الدولي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وفي تأمين المواصلات العالمية. والصحف الإنجليزية مصيبة غير مخطئة، فنحن خليقون أن نؤثر في الصلة بين الشرق والغرب تأثيرًا خطيرًا بعيد المدى، ونحن قادرون على أن نفرض احترامنا على الغرب، ونكرهه على أن يحسب لنا الحساب كل الحساب. ولكن بشرط أن ننهض نحن بأمرنا كله، وألا تنهض به من بيننا قلة ضئيلة تُعنى بإخضاعنا لسلطانها أكثر مما تُعنى بالمفاوضة لتحقيق الجلاء وتوحيد وادي النيل. أيهما أحق بعناية الحكومة القائمة: أن يبقى العهد ويهدم الوفد ويخضع الشعب، أم أن يُجلوا الإنجليز ويتَّحد وادي النيل؟ إن كنت في حاجة إلى الجواب عن هذا السؤال فانظر فيما عملت الحكومة الحاضرة، وفيما قالت، وفيما هي عاملة وقائلة منذ أن تولت الحكم إلى الآن، لم تعمل إلا أن حاربت الوفد، ولم تقُل إلا أن شتمت الوفد. فأما مطالبة الإنجليز بالجلاء وتحقيق وحدة وادي النيل، وتعديل المعاهدة، فإن حكومتنا على اتصال بالحكومة البريطانية لتمهيد السبيل إلى المفاوضات؟ والأمر لا يخلو من فكاهة مؤذية؛ فإن وزراءنا مصريون يجري في دمائهم حب مصر كما يجري في دمائهم حب أنفسهم، يجدون في قلوبهم شعورًا بالكرامة الوطنية كما يجدون في قلوبهم شعورًا بالغرور الإنساني، فهم يتمنَّوْن الاستقلال لأنهم مصريون، وهم يتمنون البقاء في الحكم لأنهم ناس من الناس. وهم يخضعون لهذا الصراع العنيف بين حبهم للوطن وحبهم لأنفسهم، وهم من أجل ذلك يُقدِمون حينًا ويُحجِمون أحيانًا، يُقَدِّمون رِجلًا ويؤخرون أخرى، يرفعون أبصارهم إلى السماء ثم يَرُدُّونها مسرعين إلى الأرض. ألست تذكر أننا منذ أشهر لا نكاد نتَّفق أسبوعًا حتى نسمع أن هذا الوزير أو ذاك ساخط؛ لأنه يرى تقصير الحكومة في المطالبة بالاستقلال، وأنه قد همَّ أن يستقيل، ثم بدا له فأرجأ الاستقالة أو أنه قد استقال بالفعل، ثم بدا له فاسترد الاستقالة. وأن هذا الوزير وذاك يلتقيان ويفترقان ويُبرِمان وينقُضان، عين في الجنة وعين في النار. والجنة بالطبع هي البقاء في الحكم، والنار بالطبع هي التخلي عن الحكم، وأي العقلاء يُخَيَّرُ بين النعيم والجحيم ثم يُؤْثِرُ الجحيم على النعيم؟! وكذلك يتردد وزراؤنا بين دُورِهِم ودواوينهم، يعزمون في الليل وينهزمون في النهار. كذلك يتردد السفير البريطاني بين القاهرة ولندرة، ويتردَّد السفير المصري بين لندرة والقاهرة. ويصبح الشعب المصري متشوِّقًا إلى الاستقلال متحرقًا إلى الكرامة، فلا يكاد يقرأ صحف الصباح حتى تهدأ اللوعة وتخمد نار الشوق. ثم يُمسي متلهفًا إلى الاستقلال متهالكًا على الحرية، فلا يكاد يقرأ صحف المساء حتى يسلو ويلهو ويغل بالعبث عن الحرية والاستقلال. وكان يقال إن الحقوق لا تضيع ما دام وراءها مطالبون بها. وإني لأعلم أن لمصر حقوقًا توشك أن تضيع لأن الذين كُلِّفوا المطالبة بها يعنون بأنفسهم أكثر مما يعنون بهذه الحقوق.

  • مغالطة | A Fallacy

    حديث المساء: مغالطة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٨ أبريل ١٩٣٤

    تهزأ المورننج بوست من المصريين؛ لأن جماعة منهم فيما تزعم همُّوا بتحريق دار الشرطة حين أرادوا أن يروا الاستقلال، فحالت الشرطة بينهم وبين ما أرادوا، وسُئِلَ هؤلاء الناس عن الاستقلال ما هو؟ فقالوا إنه شيء يُؤْكَلُ، وهو على كل حال شيء يُرَى. ونعترف بأنَّا لا نفهم استهزاء المورننج بوست من هؤلاء الناس، الذين لم يُوْجَدوا من غير شك ولكنَّا نفرض أنهم موجودون، والذين لم يأتوا من غير شك ما تضيف إليهم الصحيفة الإنجليزية، ولكننا نفرض أنهم قد أتوا؛ فمن المحقَّق أن الاستقلال شيء يُرَى وشيء يُمَسُّ، ولعل من آثاره ما يؤكل أيضًا، ومن حق المصريين وقد تحملوا ألوان المشقة، وصبروا لضروب الجهد، وضحوا بالأنفس والأموال في سبيل هذا الاستقلال؛ أن يروه وأن يستمتعوا لا بالنظر إليه فحسب، بل بتذوُّق ثماره والانتفاع بآثاره كيفما كان هذا الانتفاع، أكلًا وشربًا ومساواةً، إلى غير ذلك من فنون الحس والشعور.

    ولسنا نفهم كيف يناقش الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى، وشيء يُمَسُّ، وشيء قد يؤكل وقد يشرب، وهم جميعًا يرون الاستقلال بأعينهم ويمسونه بأيديهم، ويرون كيف يستمتع به أصحابه في البلاد التي يستقر فيها الاستقلال حقًّا، ويبدو فيها للناس حرًّا طلقًا لا تُلْقَى بينهم وبينه الحجب، ولا تُسْدَل بينهم وبينه الأستار. اذهب إلى أي بلد من البلاد الحرة المستقلة، وانظر إلى أهلها حين يسعون في الأرض، وحين يضطربون في التماس الحياة؛ فسترى أن شخص الاستقلال قائم أمامهم يسعى معهم حين يسعون، ويضطرب معهم حين يضطربون، يدفعهم إلى ما يبتغون من الحق، ويصدهم عمَّا يبتغون من غير الحق، ويَذُود عنهم كل العوادي والخطوب التي تحول أو تحاول أن تحول بينهم وبين ما يبتغون في حدود النظام والقانون.

    هذا الاستقلال مستقر في دور الشرطة، يمنع الشرطيين من أن يعتدوا على أبناء الشعب، أو يهموا بالاعتداء عليهم أو يسوقوهم إلى حيث يخضعونهم لمثل ما أُخْضِعَ له بعض أهل البداري والمطيعة وبني حسين وتطون، ولمثل ما يخضع له المصريون في كل مدينة وفي كل قرية، حين يهمون أن يقولوا أو يعملوا ما لا يحب الحاكمون، وهذا الاستقلال مستقر في دور القضاء يمنع أن يُنْقَل القاضي أو يُعْزَل، أو يَمَسَّهُ غضب السلطان لأنه قضى بما لم يرضَ السلطان. وهو مستقر في الوزارات، وفي مكاتب الوزراء خاصة، يمنعهم من أن يتجاوزوا القانون في قول أو فعل، ويَقِفهم أمام لجان المحاكمة حين يتجاوزون القانون في قول أو فعل، وقد يُلْقِيهم في غيابات السجون أحيانًا، ويمنع رؤساء شركات النور ورؤساء المحاكم أن يكتبوا إليهم كتبًا فيها ما يهين الدولة ويغض من كرامة الاستقلال. وهو مستقر في مكاتب الموظفين يمنعهم من طاعة الوزراء والرؤساء فيما يخالف القانون، ويقفهم أمام مجالس التأديب إن فعلوا، وقد يقفهم أمام النيابة وأمام القضاة، وقد يلقيهم في غيابات السجون أحيانًا. وهو مستقر في البرلمان يُشعِر الذين يمثِّلون الشعب بأنهم أصحاب السلطان حقًّا، لا تُرَدُّ لهم كلمة في التشريع، ولا يحول حائل بينهم وبين مراقبة الوزارات وإسقاطها إن لم تعجبهم. ثم هو مستقر في الأرض التي تُزْرَع، والتي تملكها الدولة يحميها من أن تُسْتَبْدَل بغير حق أو في غير حق، ويَقِف الذين يُحاوِلون ذلك أو يفكِّرون فيه أمام القضاء، ويُلقِي بهم في غيابة السجن أحيانًا، ثم هو مستقر في الأرض التي يملكها الأفراد، يردُّ الحكومة عن أن تعتدي عليها بغير الحق، أو أن تحول بين أصحابها وبين ما تُنْتِجُ لهم من الثمرات. ثم هو مستقر في كل دار، ثم هو مستقر في كل متجر، ثم هو مع ذلك منتشر على الأرض كلها، منتشر في الهواء كله، منتشر في الماء كله، يراه الناس ويسمعونه ويلمسونه ويستعدونه على الظالمين، ويستعينون به على كل مَن يجاوز في معاملتهم حدود العدل والحق والمساواة؛ فلستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يُرَى؟! بل لستُ أدري كيف يجادل أحد من الناس في أن الاستقلال شيء يستمتع به الفرد بأوسع معاني الاستمتاع وأعظمها شمولًا؟! لم يخطئ هؤلاء المصريون الذين لم يُوجَدوا حين ظنُّوا أن الاستقلال شيء يُرَى، وحين طلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظْهِروا لهم هذا الاستقلال، الذي جاهدوا في سبيله واحتملوا ألوان المشقة والعناء، لا ليتحدث الناس إليهم عنه، بل ليروه ويلمسوه ويستيقنوا أنه قائم بينهم يحميهم من الظلم، ويخلي بينهم وبين الحق.

    ويجب أن تعلم الصحيفة الإنجليزية، وأن يعلم الإنجليز جميعًا، وأن يعلم الأجانب جميعًا أن المصريين يؤمنون إيمانًا قويًّا بأن الاستقلال شيء يُرَى؛ لأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فرأوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فسمعوه، ولأنهم سافروا إلى بلاد مستقلة فاستمتعوا به في هذه البلاد الأجنبية وذاقوا من لذاته فيها ما لم يذوقوه، ولا يذوقونه في مصر إلى الآن. ومن حقهم وقد تحدَّثَ إليهم الإنجليز، وقد تحدَّثَ إليهم الفرنسيون، وقد تحدَّثَ إليهم الأجانب بأنهم كسبوا الاستقلال وظفروا به، وأقروه في بلادهم؛ أن يلتمسوا هذا الاستقلال، وأن يعرفوا أين يستقر؛ لأن لهم مظالم يريدون أن يرفعوها إلى الاستقلال، ولأن لهم شكاة يريدون أن يبثُّوها الاستقلال، ولأن لهم مطالب يريدون أن يحقِّقها لهم الاستقلال، ومن حقهم أن يغضبوا من السلطان وأعوان السلطان إن لم يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم لم يكونوا لاعبين، ولا هازلين، ولا طالبين للأوهام والأحلام حين ثاروا يبتغون الاستقلال، وحين سفكوا دماءهم في سبيل الاستقلال.

    نعم، من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يتحدَّثوا إليه، بأن بقاء الإنجليز في مصر وإعانتهم للظلم على المصريين، وتدخُّلهم في الصغير والكبير من أمورهم ؛ كل ذلك لا يستطيع أن يستقر في بلد يوجد فيه الاستقلال. من حق المصريين أن يطلبوا إلى السلطان وأعوان السلطان أن يُظهِروا لهم الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يقصُّوا عليه قصصًا كثيرة، منها ما يمس إزهاق النفوس وسفك الدماء، ومنها ما يمس إهدار الكرامات وانتهاك الحرمات، ومنها ما يمس تضييع المنافع والحقوق، ومنها ما يمس العبث بأموال الدولة، والإسراف في أملاكها، والاستهانة بسلطانها؛ وكل هذه أمور لا تستطيع أن تعيش في بلد يعيش فيه الاستقلال، كما أن جراثيم العلة والفساد لا تستطيع أن تعيش في الجسم الصالح القوي الصحيح، والسلطان وأعوانه يحدِّثون المصريين بأنهم مستقلون، فمن حق المصريين أن يسألوهم عن الاستقلال؛ ليتبيَّنوا منه كيف يستطيع أن يستقر في بلد تستقر فيه هذه الآثام، وأن يعيش في بلد فَسَدَ جوه إلى هذا الحد، الذي لا يلائم حياة الأصحاء، والمصريون منصفون ومصيبون حين يبحثون عن هذا الاستقلال؛ لأنهم يريدون أن يعرفوا جلية الأمر فيه، فلعلهم خُدِعوا حين خُيِّلَ إليهم أنه قد استقر في بلادهم، وإذن فمن الحق عليهم أن يستأنفوا سعيهم ليستقر هذا الاستقلال في بلادهم، ولعله قد وصل إلى مصر واستقرَّ فيها، ولكنه مريض دَسَّ له بعض الناس ما يُدَسُّ على الأصحاء ليفسد عليهم صحتهم؛ فمن الحق على المصريين أن يصلوا إلى هذا الاستقلال ليعرفوا علته، ويلتمسوا لها الدواء عند بعض الأطباء، ولعله مريض مُهْمَل في زاوية من زوايا الدواوين، أو في ناحية من نواحي الوزارات، فمن الحق عليهم أن ينقلوه إلى مستشفى تتهيَّأ فيه أسباب العلاج على النحو الحديث المفيد.

    كلا، لم يخطئ المصريون الذين لم يُوجَدوا، والذين تتحدَّث عنهم المورننج بوست حين قالوا إن الاستقلال شيء يرى، وإنما أخطأ المصريون الموجودون لأنهم صدَّقوا ما يقال لهم من أن الاستقلال شيء معنوي لا يُرَى ولا يُحَسُّ، أخطأ هؤلاء المصريون، والواجب على كل مثقف حر يشعر بكرامته وكرامة وطنه، أن ينبِّه المصريين إلى أن الاستقلال شيء يُرَى ويُحَسُّ، وإلى أن استقلالهم محجوب عنهم، وإلى أن من الحق عليهم لأنفسهم وبلادهم ولسعادة أبنائهم وذكرى آبائهم أن يسألوا عن هذا الاستقلال، وأن يلحوا في السؤال حتى تُرفَع بينهم وبينه الحجب، وحتى يروه ويحسوه ويسمعوه ويستعينوا به على الحياة، من الحق عليهم أن يسألوا السلطان وأعوان السلطان، ومن الحق عليهم أن يسألوا الإنجليز وأنصار الإنجليز، ومن الحق عليهم أن يسألوا الأجانب جميعًا، فكل هؤلاء يلقون الحجب الكثيفة بينهم وبين الاستقلال الذين جاهدوا في سبيله، واحتملوا ألوان المشقة والعناء ليظفروا بالحياة الحرة في ظلِّه الوارف، وجوِّه الصفو، وهوائه الطلق، وثوره المحيي للنفوس.

    فإذا كانت المورننج بوست تسخر من المصريين لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، فإنَّا نحن نلحُّ على المصريين في أن يؤمنوا بأن الاستقلال شيء يُرَى، ونؤكِّد لهم أنهم حين يؤمنون بذلك سيرون الاستقلال وسيحسونه، وسيأكلون من ثماره، وسيستمتعون بآثاره، وسيفرضون احترامهم على الإنجليز فرضًا، ويومئذٍ لا تسخر منهم المورننج بوست لأنهم يظنون أن الاستقلال شيء يُرَى، وإنما تعجب بهم المورننج بوست وتحسب لهم كل حساب؛ لأنهم يرون الاستقلال ويشيرون إليه، ويعتزون به كلما طمع فيهم طامع أجنبي، وكلما ظلمهم ظالم مصري، ويومئذٍ لا تتحدث المورننج بوست عن نظام اللورد كرومر، ولا عن ضم مصر إلى الإمبراطورية البريطانية؛ لأن الاستقلال الذي يُرَى يقطع عليها كلَّ سبب بينها وبين هذا الحديث.

  • تعديل | A Reshuffle

    حديث المساء: تعديل

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٦ يناير ١٩٣٤

    هو هذا الذي تتحدث الصحف بأنه سيمس الوزارة الفرنسية؛ لأن عضوًا من أعضائها قد يُحتاج إلى سؤاله أو التحقيق معه في أمر الفضيحة المالية التي ظهرت أخيرًا في تلك البلاد. وقد أسرع هذا الوزير فيما تقول رسائل البرق إلى تبرئة نفسه مما وجه إليه أو قيل فيه بكتاب رسمي أذاعه في الصحف. ولكنه مع ذلك سيستقيل؛ لأنه لا يريد، ولأن زملاءه لا يريدون، ولأن التقاليد لا تريد أن يُسأل في أمر كهذا رجل يصرف أمور الحكم بأي نحو من الأنحاء. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن الوزارة الفرنسية مضطرة إلى أن تقف في البرلمان موقف الدفاع عن نفسها بعد يوم أو يومين؛ لأن هجماتٍ عنيفة قد وُجِّهت إليها مباشرة، فهي لا تستطيع الصمت على هذه الهجمات ولو رغبت فيه أو مالت إليه؛ لما رضيه البرلمان منها ولما أقرها البرلمان عليه. وتقول رسائل البرق أيضًا: إن رئيس الوزراء الفرنسيين قد أخذ نفسه بألا تدع الوزارة بابًا يوصل إلى الحق في هذه الفضيحة إلا فتحته على مصراعيه مهما تكن الظروف، ومهما يكن الأشخاص الذين قد يظهرهم فتح الأبواب على مصاريعها.

    ونقرأ نحن هذه الأنباء كلها فتثير في نفوسنا طائفة من الخواطر يفكر فيها بعضنا تفكيرا طويلًا أو قصيرًا، ويتحدث بها بعضنا إلى بعض في الأندية وفي أسمار رمضان، وتنتهي بنا دائمًا إلى التفكير في أنفسنا وفيما يلم بنا من الخطوب أو يحدث بيننا من الأحداث. فأما أصحاب السذاجة والتفكير اليسير فتبهرهم الأرقام والأسماء والمناصب؛ فهم يدهشون لأن فضيحة كهذه الفضيحة تقع في بلد عظيم متحضر كفرنسا، وهم يدهشون لأن المقدار الذي اختلسه المزورون من الناس يرتفع إلى مئات الملايين، وهم يدهشون لأن أسماء بعض الوزراء والنواب ورجال السياسة تذكر مقرونة إلى هذه الفضيحة. ومنهم من لا يكتفي بهذا الدهش، بل ينتقل منه إلى الشك في قيمة الحضارة والرقي وفي صلاح النظم الديمقراطية وامتناعها على الفساد. ومنهم من يتعجل فيرى أن مصر بخير؛ لأن أحدًا لم يختلس من أهلها الملايين، ولأن أسماء وزرائها ونوابها لم تقرن بمثل هذه الفضائح، وبأن هذه الفضائح لو ظهرت بالفعل في مصر فلن يكون من شأنها أن تهز الوزارات أو تضطر الوزراء إلى أن يستقيلوا أو تضطر مجلس النواب إلى سؤال أو استجواب؛ لأن الوزراء المصريين مهما يكونوا والنواب المصريين مهما يكونوا ورجال السياسة المصريين مهما يكونوا لا يمكن ولا ينبغي أن تقترن أسماؤهم بمثل هذه الآثام.

    وإذن فمصر بخير والشر كل الشر في تلك البلاد الأجنبية التي يعظم فيها سلطان الشعب وتنتهي فيها الديمقراطية إلى أقصاها، فأما في بلد كمصر لا يؤخذ من الديمقراطية إلا بمقدار معتدل يسير، فالأمور تجري كلها على خير حال. كذلك يفكر أصحاب السذاجة والنظر اليسير، ولعلهم يحمدون الله؛ لأنه حماهم من الديمقراطية وأوزارها وأوضارها ولم يجعلهم حديث البرق والصحف والناس في أقطار الأرض. هؤلاء الناس خليقون أن يثوبوا إلى أنفسهم بعض الشيء، وأن تزال عنهم غشاوة السذاجة وأن يبرءوا من هذا النظر اليسير القصير، فهذه العيوب التي يضيفونها إلى الديمقراطية ليست في حقيقة الأمر إلا مزايا ومحاسن من حق الديمقراطية أن تفاخر بها ومن حق الشعور أن تتخذها وسيلة إلى حب الديمقراطية والاستزادة منها.

    فليس عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم وتقترف الآثام، وإنما عيب الديمقراطية أن ترتكب الجرائم ثم تخفى وأن تقترف الآثام ثم تظل مجهولة، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ المجرمون ولا يعاقب الآثمون، وإنما عيب الديمقراطية أن تظهر الجرائم والآثام، ثم لا يؤخذ من المجرمين والآثمين إلا الضعفاء والخاملون الذين تستطيع الأيدي أن تمد إليهم وتستطيع أبواب السجون أن تغلق من دونهم، دون أن يقوم في سبيلها منصب أو جاه أو مكان رفيع.

    هذه هي العيوب التي ينبغي أن تؤخذ بها الديمقراطية وأن يؤخذ بها كل نظام من نظم الحكم إن وجدت في ظله؛ لأنها هي الآثام حقًّا، لأنها هي الفساد الذي ليس بعده فساد، لأنها هي إقرار الشر وإعانة الأشرار. فأما وقوع الجريمة واقتراف الإثم، فمظهر من مظاهر الضعف الإنساني يوجد في كل مكان ويلاحظ في كل بيئة ويشاهد في كل جيل. وقد تعب الفلاسفة وأصحاب الأخلاق ورجال الدين وأصحاب القوانين، فلم يستطيعوا أن يطهروا نفوس الناس من كل إثم، ولكنهم استطاعوا — وهذا هو المهم — أن يفرضوا لكل إثم عقوبة، وأن يستكشفوا الوسائل لأخذ الآثمين، وأن يحوطوا الجماعة بسياج قوي حصين يحميها من شرهم بقدر ما تستطيع وسائل الناس أن تحمي الأبرياء من المجرمين.

    وخصوم الديمقراطية يستطيعون أن يقولوا فيها ما يشاءون، ولكنهم لن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها بعيدة كل البعد من أن تخفي الجرائم والآثام، بل هي أشد النظم ملاءمة لظهور المجرمين والآثمين. ولن يستطيعوا أن ينكروا عليها أنها تمهل المجرم والآثم، أو أنها تفرق بين مجرم ومجرم، وبين آثم وآثم، هذه أمور لا يمكن أن تعاب بها الديمقراطية التي تستحق أن تسمى بهذا الاسم كديمقراطية الفرنسيين أو الإنجليز أو الأمريكيين، ولولا أن فرنسا بلد ديمقراطي حقًّا لما ظهرت فيه مثل هذه الفضيحة، بل لوقعت ووقع أمثالها، ثم لوجدت ما يمكنها من الاستخفاء وما يمكِّن أصحابها وجناتها، لا نقول من الإفلات من يد العدل، بل نقول: من أن يعيشوا عيشة السادة والقادة، ويحيوا حياة الزعماء الأشراف الذين لا يرقى إليهم الشك ولا يجد إليهم سوء الظن سبيلًا.

    وقد نحب أن يفكر الناس في أن الذي يختلس دينارًا من رجل واحد كالذي يختلس الدنانير كلها من الناس جميعًا، هو عدو للجماعة؛ لأنه سرق واحدًا منها، فهو خليق أن يسرقها كلها لو وجد السبيل إلى ذلك، والذي يقتل رجلًا واحدًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا كما يقول القرآن الكريم، هو عدو الجماعة كلها؛ لأنه قتل فردًا من أفرادها ولو استطاع لما أبقى على الأرض منها أحدًا، فارتفاع الأرقام مهما يكن خطره لا يغير جوهر الإثم. وإذن، فهل من الحق أن مثل هذه الفضيحة التي ظهرت في فرنسا لا تقع في بلد كمصر؟ أما أنا فأشك في ذلك شكًّا عظيمًا. ولعلِّي أعتقد أن الحياة المصرية لو خضعت للسلطان الديمقراطي الصحيح لتكشفت عن شر عظيم أول الأمر على أقل تقدير. ثم هب هذه الفضائح الكبرى لا تقع في مصر؛ لأن المصريين لم يبلغوا بعد من المهارة أن يرتكب الآثمون منهم كبار الآثام؛ ولأن المصريين لا يبلغون من الثروة أن يختلس المختلسون منهم مئات الملايين، فمما لا شك فيه أن فضائح أخرى تقع في مصر تلائم حظ المصريين من المهارة وتلائم حظهم من الثروة، فقد نحب أن نعرف كيف تكشف الديمقراطية المصرية عن هذه الفضائح، وكيف تعاقب الديمقراطية المصرية أصحاب هذه الفضائح. أما القانون فلا غبار عليه، وأما القضاء فلا غبار عليه، ومتى ظهر مجرم أو آثم وظفرت به يد القضاء فليس من شك في أنه سيلقى من العقاب مثل ما يلقى المجرم أو الآثم في أي بلد من البلاد المتحضرة. ولكن المهم هو أن يستكشف المجرم، ولكن المهم هو أن تظفر يد القضاء بالمجرم، وقد نحب أن نعرف أيضًا أين تقف التقاليد السياسية الديمقراطية من بعض الذين يخالفون القانون ويخرجون على الأخلاق ويتمردون على النزاهة ويعبثون بالتقاليد؟ قل ما شئت، فلن تستطيع أن تنكر أن من الوزراء المصريين من اتهموا بمخالفة القانون جهرة، وقالت فيهم الصحف: إنهم قدموا مصالحهم على مصالح الدولة، وإنهم عبثوا بأموال الدولة، وإنهم استفادوا لأنفسهم من مناصبهم، وإنهم أفادوا الأولياء والأصفياء على حساب الدولة. فحدثني متى استقال واحد من هؤلاء الوزراء أو أُقيل لشيء من هذه الأشياء؟! لقد ظلت صحيفة من الصحف أسابيع طوالًا تتهم وزيرًا من زملاء صدقي باشا بأنه تجاوز القانون وقدم حقه على حق الدولة، وانتهى الأمر بهذه الصحيفة إلى أن تطلب إلى وزارة صدقي باشا أن تحيلها إلى النيابة وإلى القضاء لتثبت على الوزير ما اتهمته به، أو ليظهر أن الوزير بريء، فهل تظن أن الوزير استقال ليثبت براءته؟ وهل تظن أن الوزير أُقيل ليستطيع إثبات براءته، ولتبقى الوزارة بعيدة عن الشك؟ أو هل تظن أن الصحيفة أحيلت إلى القضاء؟ لم يقع من ذلك شيء، وإنما ظل الوزير مستمتعًا بالسلطان حتى انتهزت فرصة من الفرص لإخراجه من الوزارة على غير انتظار.

    ولست أكثر منك علمًا بهذه الفضائح التي انهمرت في الجو المصري انهمارًا حين ظهر الخلاف بين رئيس الوزراء وصدقي باشا، وبهذه الأسئلة التي انهالت من النواب على بعض الوزراء بشأن هذه الفضائح، فحدثني أي هذه الفضائح أحيل إلى القضاء؟ وأي الوزراء السابقين واللاحقين سئل من هذه الفضائح عن قليل أو كثير؟ كلهم بخير مطمئن آمن مستقر يستمتع بالحياة، راضيًا مسرورًا. والذين شقوا بأعمال هؤلاء الوزراء مكرهون على أن يبتلعوا شقاءهم ابتلاعًا، ويصطلوا ناره اصطلاء. ثم يزعم الزاعمون أن الديمقراطية تغري بالفضائح، وتهيئ لاقتراف الآثام! كلا، لو أن وزراءنا تعلموا أو علمتهم التقاليد أن يستقيلوا أو يقالوا حين تحيط بهم الشكوك أو ترقى إلى أعمالهم الريب لكانت مصر الآن في حال غير هذه الحال.

    صدقني أيها القارئ العزيز! إني أوثر الحياة التي تقع فيها قصة ستافسكي؛ فتضطرب لها الوزارة كلها ويضطرب لها البرلمان، على الحياة التي تقع فيها مأساة البدارى وقصة حنا نعمان وما يشبههما، فلا تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل البدوي القديم.