Tag: Administrative Malpractice

  • سوس …

    حديث المساء: سوس …

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٢ مارس ١٩٣٤

    ضَحِكَ صاحبي حين أَمْلَيْتُ عليه هذا العنوانَ، ومن حقه أن يضحك، ومن حق غيره من القراء أن يضحكوا؛ فالعنوان مضحك غريب.

    ولكني لم أعاهد أحدًا، وما كان لي أن أعاهد أحدًا على أن أتخير لهم عنوانات قوامها الجد الذي يبعث العبوس، ولا يثير الابتسام، ولا يدفع إلى الضحك، وماذا أستطيع أن أصنع إذا كان الموضوع الذي أريد أن أتحدث إلى القُرَّاء فيه هو الذي يُملي هذا العنوان الغريب المضحك، ويفرضه فرضًا؟! وهل أستطيع، وهل تستطيع، وهل يستطيع أحد غيرك وغيري أن يسمي ألوان الفساد هذه التي دبت في الحكم المصري؛ فهلهلته هلهلة، وأفسدته إفسادًا، وجعلت سمعته لَهْوَ المتحدثين وسمر السامرين باسم آخر غير السوس، الذي لا يكاد يتسلط على شيء إلا أفسده، وذهب بخير ما فيه، وجعله صورة إن استطاعت أن تخدع العين؛ فهي لا تستطيع أن تثبت للامتحان والاختبار؟! وهل كان ظلم الإدارة للناس وإسرافها في هذا الظلم وإصرارها عليه إلا سوسًا يفسد ما ينبغي أن يكون بين الناس وبين الإدارة من تعاون وتضامن، ومن ثقة واطمئنان؛ حتى يستحيل هذا كله إلى شك وخوف ويأس وعداء، وحتى يُخيَّل إلى الذين ينظرون إلى مصر من بعيد أن فيها إدارة ترفق بالناس وتشرف على أمورهم بالعدل والإنصاف، فإذا دنوا من هذه الإدارة وبلوا أمورها ورأوا قصة البدارى وما يشبهها من القصص المخزية المزرية؛ علموا أن هذه الإدارة صورة قد أفسدها السوس ولم يُبْقِ منها إلا شكلًا ومظهرًا.

    وهل كان هذا الفساد الذي سَرَى مع الأسف الشديد والحزن العميق في تدبير أموال الدولة جباية وحماية وإنفاقًا إلا سوسًا أكل النظام المالي أكلًا، ولم يُبْقِ منه إلا مظهرًا وشكلًا.

    لقد تحدثوا أن الأموال كانت تُجْبَى بالقهر، والعنف، وضرب السياط، وأخذ الناس إلى مراكز الشرطة مشدودين في الحبال والأغلال، ولقد تحدثوا أن الضرائب الجائرة التي لا يبيحها قانون ولا يحلها نظام كانت تُفْرَضُ على الناس كيدًا لهم، ومكرًا بهم، وعقابًا لهم على ما لم يقترفوا من السيئات، ولقد تحدثوا أن هذه الأموال التي كانت تُجْبَى بالقهر والظلم، وتُؤْخَذُ بالعنف والعسف، لم تكن تستقر في خزائن الدولة إلا ريثما يذهب بها الإسراف، في كل ناحية ويُبَدِّدُها العبث في كل وجه، وإذا هي تفارق هذه الخزانة لتذهب إلى حيث لم يكن ينبغي أن تذهب، منها ما يُنْفَقُ في ألوان الترف والبذخ، ومنها ما يُنْفَقُ في إرضاء فريق من الناس، وإيثارهم بالبر والخير واختصاصهم بالغنى والثراء. ولقد رَوَيْنَا من ذلك الشيء الكثير، فكم تحدثنا عن المؤتمرات! وكم تحدثنا عن تطهير الأقنية! وكم تحدثنا عن مصلحة الأملاك! وكم سمعت الوزارة القائمة والوزارة الساقطة هذه الأحاديث؛ فلم تستطع أن تنهض بإنكارها، أو الرد عليها إلى الآن!

    وهل كان أمر الكورنيش إلا سوسة من هذا السوس؟! نستغفر الله، بل كان سوسًا كثيرًا مختلف الأشكال والألوان؛ منه ما يمس البلدية في الإسكندرية، ومنه ما يمس الوزارة في القاهرة. منه ما يمس الإدارة، ومنه ما يمس المال. بل هل استطاع التحقيق الذي همَّت الوزارة به لأمر الكورنيش وأَلَّفَتْ لجنة لإجرائه أن يضع يده على هذا السوس كله؛ ليستخرجه من مكامنه، وليظهره للناس إظهارًا؟! ألم يفلت من هذا التحقيق سوس يظهر أنه مقدس، ويظهر أنه معصوم، ويظهر أن هناك قوى خفية تحميه لا من لجنة التحقيق، بل من البرلمان أيضًا؟! أفتراني مخطئًا حين أسمي ألوان الفساد هذه سوسًا، وحين أتخذ اسم هذا السوس عنوانًا لهذا المقال؟!

    وحَدِّثْنِي عن هذه السيئات التي أخذت السياسة تذيعها، وتلح في إذاعتها منذ أيام، والتي اضطر رئيس الوزراء نفسه إلى أن يخوض فيها ويأخذ من إذاعتها بقسط عظيم، كيف تستطيع أن تسميها؟! أليست سوسًا يعمل في الحكم فتهلكه إهلاكًا، وينهكه إنهاكًا، ويذهب بخلاصته وصفوته وخير ما فيه، ثم لا يدع منه إلا مظهرًا تراه العيون، وشكلًا تأخذه الأبصار، فإذا مسه الامتحان والاختبار، لم يستطع مقاومة ولا ثباتًا؟!

    ماذا؟! رئيس الوزراء الرجل الطيب يعلن وهو مستقل برياسة الوزارة، ناهض بأعباء الحكم، ملزم ألا يقول إلا عن تدبر وتفكر وتقدير، أنه تلقى حين كان ينوب عن صدقي باشا في رياسة الوزراء كتابًا من صدقي باشا هذا، يذكر له فيه أن من الخير أن ينصح لوزير الأشغال بأن يحتاط في علاقاته ببعض المقاولين في لندرة؛ لأن هذه العلاقات تسيء سمعة الوزارة، ثم يعلن أنه لفت وزير الأشغال إلى هذا، وأن وزير الأشغال عاد إلى لندرة، ولقي صدقي باشا في طريقه، ثم اتصل في لندرة ببعض المهندسين والمقاولين، وتحدث إليهم في هذه الشئون، ثم رجع إلى مصر، فأنبأ رئيس الوزراء — ولم يكن حينئذ رئيس وزراء — بأن هذه الصلة التي ذكرها صدقي باشا لا تسيء سمعة الوزارة، وإنما الذي يسيء سمعة الوزارة صلة أخرى بين صدقي باشا نفسه وبين مقاول آخر أجنبي، كان يتردد على المقاولين في لندرة، فيظهر لهم صورة الدكتاتور وعليها إهداء بخطه، ويتحدث إليهم في أن الفوز بعطاء جبل الأولياء لا سبيل إليه إلا إذا رضي الدكتاتور. ماذا؟! رئيس الوزراء يتحدث بهذا كله إلى الصحف، فيسجل تسجيلًا أنه كان يشترك في الحكم مع رجلين كانا يتقاذفان، ويسيء كل منهما بصاحبه الظن، ويذيع كل منهما عن صاحبه السوء، ويشك كل منهما في حظ صاحبه من النزاهة والنقاء، كان يعلم هذا وكان يسكت عليه، وكان يشترك في الحكم مع هذين الرجلين، لا تمنعه من ذلك نفسه النزيهة، ولا قلبه الطيب، ولا ضميره النقي، حتى إذا أُخْرِجَ من تلك الوزارة إخراجًا، وأُبْعِدَ عنها إبعادًا؛ تحدث بذلك إلى الناس. وفيمَ كان ينفع ذلك الحديث؟! نعم؛ ورئيس الوزراء يسجل على نفسه تسجيلًا أنه لما أَلَّفَ وزارته أو أُلِّفَتْ له وزارته، قبل أن يشترك في الحكم مع وزير المواصلات الذي كان وزيرًا للأشغال، وقد قال عنه ما قال، وتحدث عنه بما تحدث به. أليس هذا كله سوسًا يعمل في الحكم فيفسده أقبح الإفساد، ويهدمه أشنع الهدم، عهد تقع فيه كل تلك السيئات التي أشرنا إلى بعضها آنفًا، ويسوء ظن بعض رجاله وأساطينه ببعض إلى هذا الحد الذي بَيَّنَهُ رئيس الوزراء، ويكثر عنه الحديث المنكر، وتُذَاعُ عنه الإشاعات المخجلة، ويتناول التحقيق أموره على يد النيابة حينًا، وعلى يد اللجان حينًا آخر، كيف تستطيع أن تصفه؟! وكيف تستطيع أن تسميه؟! وكيف تستطيع أن تنكر أنه عَهْدٌ قد عمل فيه السوس حتى أهلكه وأنهكه وجعله غير صالح للبقاء؟!

    لقد كنت أقرأ منذ أيام ما كان في مجلس النواب الفرنسي أثناء الاضطرابات التي حدثت في باريس في أوائل الشهر الماضي، وإذا رجل من المعارضين لا يتحرج من أن يقول لرئيس الوزارة الفرنسية وزملائه الوزراء: إن نهوضهم بالحكم خزي لفرنسا، وماذا فعل رئيس الوزارة الفرنسية ذاك وزملاؤه الوزراء أولئك؟ لم يثبت إلى الآن أنهم خالفوا أصلًا من أصول الدستور، أو تجاوزوا حدًّا من حدود القانون، أو اعتدوا على مبدأ من مبادئ الأخلاق، وإنما اتُّهِمُوا بالشدة في معاملة الشعب والضعف في التماس المحتالين، فقِيلَ لهم من أعلى المنبر في مجلس النواب الفرنسي — أي من أعلى منبر من منابر السياسة في الأرض — إن نهوضهم بأعباء الحكم في فرنسا خزي لفرنسا، ثم نُشِرَ هذا الكلام في الجريدة الرسمية الفرنسية، ثم أُذِيعَ هذا الكلام في جميع الصحف الفرنسية اليومية وغير اليومية، ثم استقال هؤلاء الوزراء بعد هذا الكلام بساعات، ثم هُم الآن يُسْأَلُون أمام لجان التحقيق، فأما في مصر فرئيس وزرائنا يُسَجِّلُ أنه كان عضوًا في وزارة يتقاذف بعض أعضائها بالسوء، وكان يعلم هذا ويصبر عليه، ثم تُسْنَدُ إليه رياسة الوزراء؛ فلا يتحرج من أن يشرك معه في الحكم بعض أولئك المتقاذفين، ثم هو لا يتحرج من أن يذيع ذلك إذاعة، ويعلن ذلك إعلانًا، لا يفكر في أن يستقيل، ولا يفكر في أن يطلب إلى زميله ذاك أن يستقيل، ولا يفكر أحد من أعضاء البرلمان في أن يسأله أو يسأل زميله، أو يسأل صدقي باشا عن حقيقة هذا الأمر، الذي يستحي منه أيسر الناس حظًّا من ثقافة وتقدير لشرف الحياة العامة.

    صِفْ كل هذا بما شئت، وسَمِّ كل هذا كما شئت، أما أنا فلا أستطيع إلا أن أرى هذا سوسًا قد أفسد الحكم، وعَرَّضَ الحياة المصرية كلها والسمعة المصرية كلها بأعظم الشر وأقبح الخطر. وإني لمُخْلِصٌ أشد الإخلاص، صادق أشد الصدق حين أؤكد لرئيس الوزراء ولزميليه الدكتاتور ووزير المواصلات أني أقرأ هذا الكلام الذي تذيعه الصحف في هذه الأيام؛ فلا أستطيع أن أقاوم الحياء، ولا أستطيع أن أتقي الخزي الذي يثور في نفسي، ولا أستطيع إلا أن أشعر بشيء من الخجل المؤلم والإشفاق الشديد أن يتحدث إليَّ بعض الأجانب في هذا السوء الذي تُوصَم به مصر، والذي ينتشر في جوها كما تنتشر الأوبئة، والذي يجعل مصر لهو اللاهين، وعبث العابثين.

    أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تحملهم على أن يدَّعُوا الحكم ويرفعوا أمر هذا كله إلى حيث يمحصه التحقيق؛ ليُؤْخَذَ المذنب بذنبه وليُعْلِنَ العدل براءة البريء؟! أليس لمصر كرامة عند هؤلاء الوزراء تلفتهم إلى أن انتشار هذا الفساد لا يقف شَرُّه عند ما لا بد منه من محو الثقة برجال الحكم، ودفع الشعب إلى أن يشك في كل شيء ويرتاب بكل شيء، بل يتجاوز هذا إلى ما ليس أقل منه شرًّا ونكرًا، فيمهد طرق التدخل للذين يريدون أن يتدخلوا، ويخلق فرصة السيطرة للذين يريدون أن يسيطروا، ويبيح للأجانب أن يقولوا اليوم ما كانوا يقولونه منذ أكثر من نصف قرن من أن المصريين بعيدون كل البعد عن أن يحتملوا أعباء الحكم بما ينبغي لذلك من نزاهة النفوس ونقاء الضمائر والأيدي والألسنة والقلوب.

    ليصدقني رئيس الوزراء أن من الحق عليه بعد أن قال ما قال، وأذاع ما أذاع، من الحق عليه لنفسه ولأمته أن يدع منصبه، وأن يُخَلِّي بين هذه السيئات التي اشترك في إذاعتها منذ أمس وبين التحقيق؛ ليعلم الناس من المصريين وغير المصريين أين المسيء وأين البريء.

  • فساد

    حديث المساء: فساد

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ٣٠ ديسمبر ١٩٣٣

    فسادٌ تضيق النفس بالتفكير فيه، وتتأذى الألسنة بالحديث عنه، وتشمئز الآذان من الاستماع إليه. لكني مع ذلك مضطر إلى أن أتحدث فيه إلى القراء وإلى أن أتحدث فيه بعد القراء أو قبلهم إلى رجلين مترفين لا يحبان الأحاديث التي تعافها النفوس، وتكرهها الألسنة، وتمقتها الأسماع. وهما الرجل الطيب رئيس الوزراء والرجل العظيم وزير المالية. فقد يكون من الخير ومن إيثار العافية أن ينأى الإنسان بنفسه عن الفساد، وأن ينفر من التفكير فيه والحديث عنه، والاستماع له، ولكن الذين يشغلون أنفسهم بالحياة العامة لا ينبغي لهم أن ينأوا عن ذكر الفساد الذي يمس أمور الناس ما داموا يرجون من ذكره إصلاحًا له ومحوًا لإثاره. وإني لأكره هذه الأحاديث التي لا يُذكر فيها إلا العبث بأموال الدولة والإهدار لمرافق الناس والتضييع لحقوقهم، ولكني مع ذلك مضطر إلى أن ألم بهذه الأحاديث من حين إلى حين، لعل الله أن يعطف قلوب سادتنا الذين يقدرون على الإصلاح، فيرفقوا بهذا الشعب ويردوا عنه، ولو قليلًا، مما يلم به ويلح عليه من السيئات والآثام. ومن المحقق أن الوزراء لم يتولوا مناصبهم ليسمعوا ثناءًا خالصًا متصلًا، وتقريظًا عذبًا غير مقطوع، ولا ليختلفوا إلى مكاتبهم يأمرون وينهون، ويتلقون طاعة المطيع وإذعان المذعن، وإنما تولوا مناصبهم ليشرفوا على أمور الشعب بالعدل والقسط، وليقوِّموا المعوج ويعاقبوا المسيء، فهم بذلك خليقون ألا يعافوا الفساد إذاعرضت عليهم صوره أو ألقيت إليهم أحاديثه، بل هم خليقون أن يهاجموا هذا الفساد ويصارعوه لعلهم أن يصرعوه ويكشفوا ضره عن الناس.

    والفساد الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم إلى وزير المالية وإلى رئيس الوزراء عظيم محرج حقًّا؛ لأنه متردد بين الصدق والكذب، وهو فساد على كل حال، إن صدق كان فسادًا عظيمًا يدل على أن أمور الدولة وأدوات الحكم لم تبق معرضة للخطر فحسب، وإنما هي غارقة في الخطر، قد أخذها الشر من جميع نواحيها. وإن لم يصدق كان دليلًا على أن الأخلاق في بعض البيئات الحكومية، قد انتهت إلى أقصى ما يمكن أن تنتهي إليه من النكر والسوء. رجل كتب إليَّ — وأمثاله كثيرون يكتبون إليَّ — بغير إمضاء منذ أيام يقص عليَّ أخبارًا تتصل بمصلحة من مصالح الحكومة، من هذه المصالح التي تتشرف برياسة الرجل العظيم وزير المالية، وزعم لي هذا الكاتب أن أخباره صحيحة لا غبار عليها، ولا شك فيها، وفي هذه الأخبار اتهام لبعض الموظفين باستغلال مناصبهم للاستفادة مما تحت أيديهم من حقوق الدولة والناس. أرض تشترى بغير حق وبأثمان بخسة زهيدة لا قيمة لها، وتستصلح بغير حق وتستصلح على حساب الدولة. وتعاون بين بعض الموظفين على مثل هذه الآثام، كل يخدم صاحبه ويحسن إليه، وكل يسيء بهذا الإحسان إلى الحكومة وإلى الأمة وإلى أخلاقه بنوع خاص، وواضح جدًّا أن مثل هذه الكتب المهملة التي لا يستطيع أصحابها أن يمضوها ولا أن يحتملوا تبعة ما فيها من الأخبار، خليقة ألا يقف عندها الصحفي ولا يحفل بما فيها، فضلًا عن أن ينقله إلى قرائه. ولكن هذه الأخبار التي كانت تصل إليَّ في كتب مهملة غير ممضاة كانت تذاع في صحف أخرى مطابقة أو مقاربة لما في هذه الكتب، وكانت توجه فيها الأسئلة إلى الوزراء، وكان الناس يتحدثون فيها ويكثرون الحديث. وكنت أنا مع ذلك أهملها وآمر بتمزيقها أو تحريقها. فلما كان أمس وصل إليَّ كتاب من هذه الكتب يزعم صاحبه أنه كتبه إليَّ يوضح فيه ما كتب إليَّ من أسبوعين، أو منذ عشرة أيام، ثم مضى يذكر موظفًا من الموظفين، ويضيف إليه أمورًا أقل ما توصف به أنها جنايات على حقوق الدولة وعلى حقوق الناس، وأنها مفسدة للأخلاق، لا لأخلاق الذي يقترفها وحده، بل لأخلاق الذين يعينونه عليها، ويشاركونه فيها، بل لأخلاق الذين يحيطون بهذا الموظف، ويتصلون به، ويعملون معه من قريب أو بعيد، إن كان ما يضاف إليه من الآثام صحيحًا، والكاتب يفصل هذه الآثام تفصيلًا ويتحدث عنها حديث العالم بها، المطلع على أسرارها ودقائقها الذي كأنه يراها كل يوم، فيضيق بما يرى منها، ويود لو استطاع أن يمحوها محوًا ويأخذ من يقترفونها بأشد العقاب. يذكر موظفًا اشترى أرضًا بغير حق، وبثمن بخس، وكان بعض هذه الأرض قد طال إهماله؛ لأنه موضوع خلاف بين الحكومة وبعض الأفراد. فلما اشتراه هذا الموظف، إن كان قد اشتراه، أمر فأصلح له على حساب الدولة، وبأموال الدولة وأدواتها، بل زرع له على حساب الدولة فيما يقول هذا الكاتب المجهول. والكاتب يذكر فنًّا غريبًا من فنون الفساد، فهو يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — كان يمتحن العمال ليتبين أنهم لن يدلوا عليه، ولن يتحدثوا بما يعملون له إن سألهم عن ذلك سائل. والكاتب يزعم أن هذا الموظف — إن كان موجودًا — قد قضى أشهر الصيف أو بعض أشهر الصيف على ساحل البحر في ناحية من نواحي الدلتا تظله خيام الدولة، وتظل معه أسرته، تخدمه خدم الدولة، وتخدم معه أسرته. وكان هذا الموظف — إن صح ما يقول الكاتب المجهول، وأرجو أن لا يكون صحيحًا — يلم بالقاهرة في الشهر يومًا أو يومين يأتي ويعود في سيارة من سيارات الدولة، ثم لا يمنعه ذلك — إن صح ما يقوله الكاتب المجهول، وأنا أرجو دائمًا أن لا يكون صحيحًا — من أن يأذن لنفسه بنفسه في قبض بدل السفر وأجر السفر كأنه إنما سافر لمصلحة من مصالح الدولة وكأنه إنما أقام هذه الأيام الطوال لعمل من أعمال الدولة.

    والكاتب المجهول لا يقف عند هذا الحد، بل يذكر موظفًا آخر كبيرًا يسميه باسمه، كما سمى ذلك الموظف باسمه، ويضيف إليه أمورًا ليست أقل خطرًا مما أضاف إلى صاحبه، ويزعم — وأرجو أن لا يكون صادقًا — أن هذين الموظفين قد تعاونا، ولكن لا على البر والتقوى، بل على الإثم والعدوان، والكاتب المجهول يطلب أن تتخذ هذه الحوادث التي يرويها موضوعًا لحملة قوية يُحارب بها هذا الفساد، ويُحارب بها المفسدون، وهو يرى أن الوزارة لو ألَّفت لجنة للتحقيق فإن هذه اللجنة لن تجد مشقة ما في الكشف عن حقائق هذا الشر وآثاره بشرط أن يوقف عن العمل جماعة من الموظفين الذين اشتركوا في هذه الأثام واحتملوا الكثير من أوزارها.

    وكأن هذا الكاتب المجهول قد أحس أني لا أستطيع أن أعنى بكلامه ما دمت لا أعرفه وما دام لا يسمي نفسه ولا يظهر استعدادًا لاحتمال ما في قوله من التبعات، فهو يطلب إليَّ في آخر الكتاب أن أحول رسالته إلى وزارة المالية إن رأيت منفعة في ذلك؛ ليقرأها الوزير وليرى فيها رأيه، وأنا مستجيب لدعائه ومرسل رسالته اليوم إلى وزير المالية؛ ليقرأها وليرى فيها رأيه، وأنا أعتقد أن كثيرًا من أمثال هذه الرسالة يصل إلى وزير المالية، وإلى غيره من الوزراء، وإلى كثير من كبار الموظفين. ولكن الذي يعنيني والذي كتبت من أجله هذا الفصل هو ما أشرت إليه آنفًا من أن مثل هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون لا تخلو من إحدى اثنتين، فإما أن تكون صحيحة، وإذن فأمور الدولة قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، وإما أن تكون مكذوبة، وإذن فأخلاق فريق من الموظفين قد وصلت من الفساد إلى حد بعيد، فأمر هذه الأخبار التي يكتبها المجهولون فساد كله، فساد في حال الصدق، فساد في حال الكذب، وهذا الفساد نفسه هو الذي ينبغي أن نفكر فيه، فلو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة، قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص، لما اقتُرفت مثل هذه الآثام، إن كانت قد اقترفت، ولما وجد بين الموظفين من يسعى بالكذب ويعيش للوشاية، ويتخذ النميمة أسلوبًا من أساليب الانتقام وضربًا من ضروب الكيد، ولو أن أمور الحكم عندنا مستقيمة معتدلة قائمة على الصراحة والصدق والإخلاص لما أمن موظف آثم من العقاب، إن وجد هذا الموظف الآثم، ولما خفي على الحكومة أولئك الذين يسعون بالناس، ويقولون فيهم غير الحق، ويسيئون بالسعاية والوشاية إلى بلادهم وإلى أنفسهم في غير حذر ولا احتياط. ولكن أمور الحكم عندنا مضطربة أشد الاضطراب ملتوية أشد الالتواء. الوزراء مشغولون بالسياسة وبالسياسة الحزبية التي لا خطر لها، ولا نفع فيها، والبرلمان مشغول مع الوزراء بالسياسة وبالسياسة التي يشتغل بها الوزراء، وأمور الحكم متروكة للموظفين يصرفونها كما يريدون أو كما يستطيعون، لا يخضعون في ذلك لمراقبة قوية دقيقة تضطرهم إلى الدقة والحذر والاحتياط، والمصريون يشقون بهذا ويجنون ثماره المرة في كل يوم، والأجانب ينظرون ويسخرون، والإنجليز يرون وينتظرون اليوم الذي يعلنون فيه أنهم قد تركوا للمصريين أمورهم فلم يحسنوا القيام عليها، فلا بد لهم من الرجوع إلى الاستئثار بهذه الأمور.

    أليس رئيس الوزراء ووزير المالية وزملاؤهما يرون معنا أن هذه الحال أشد خطرًا وأبعد في حياتنا أثرًا، وأحق بعنايتهم وبعناية البرلمان من إبعاد صدقي باشا عن السياسة، ومن نصب الحرب لنقابة المحامين؟

  • مخزيات

    حديث المساء: مخزيات

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ نوفمبر ١٩٣٣

    بين العناصر الرشيدة في هذه الأيام خصومة مضحكة في ظاهر الأمر، ولكنها عنيفة في حقيقة الأمر، يحسن أن يحتاط لها المصريون احتياطًا شديدًا؛ لأنهم إن لم يفعلوا أصابهم أذًى شديد، أشد جدًّا مما يظنون. فقد يظهر أن العناصر الرشيدة لا تريد أن تختصم في هذه المرة على هذا النحو الهادي المطمئن الذي لا يؤذي ولا يسوء. ولكنها تريد أن تتخذ للخصومة قنابلَ من طراز جديد، لا تكاد تُلقَى حتى تنفجر، ولا تكاد تنفجر حتى تُفسد الجو بما تنشر فيه من هذه العناصر الخانقة المهلكة التي تؤذي الأنوف والأسماع والأذواق، وتبغض النفوس في الحياة، وتملأ القلوب شكًّا فيما يسميه الناس أخلاقًا ونزاهة واستقامة في تدبير الأمور العامة، ولسنا ندري ما الذي أفسد الأمر إلى هذا الحد بين العناصر الرشيدة، التي تمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الشر ولا ترغب فيه، وتمدَّحت دائمًا بأنها لا تحب الحرب الضَّرُوس التي لا تُبقي ولا تذر، ولا تدع شيئًا أتت عليه إلا جعلته كالرميم. فإن الأمر بين العناصر الرشيدة يسير جدًّا، لم يكُن ينبغي أن ينتهي بها إلى هتك الأستار، وكشف الأسرار، وغسل الثياب القذرة خارج الدار، وإظهار المصريين جميعًا والأجانب جميعًا على أن رُشد العناصر الرشيدة لا يمنعها من أن تُقدِم على إحدى اثنتين أحلاهما مر، وأنقاهما أقذر من أن يمكن الصبر عليها؛ فهي ترسل في الجو تهمًا كثيرة منكرة، إن صحَّت دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من اقتراف الآثام المخزية المزرية، وإن لم تصح دلَّت على أن العناصر الرشيدة لا تتحرج من أن تتهم الناس بالباطل، وتقول فيهم غير الحق، وتضيف إليهم من المُخزِيات والمُزرِيات، ما يعاقب القانون على اقترافه إن صح، وعلى اتهام الناس به إن لم يصح. وحسبُك بهذا كله شرًّا ونكرًا، وحسبك بهذا كله عيبًا وخزيًا، وحسبك أن الوزارة القائمة مهما تضع أصابعها في آذانها، ومهما تأخُذْ نفسها به من الصمت والسكون، فهي مُضطَرَّة إلى أن تسمع، مُضطَرَّة إلى أن تتحرك، وهي مضطرة إلى أن تقول، فإن لم تفعل فهي تَصِمُ الحكومة المصرية وصمات لا ينبغي لها أن تصمها بها، ولا ينبغي للمصريين أن يقروها على ما تتخذ لذلك من سكون أو سكوت.

    الأمر بين العناصر الرشيدة يسير، رئيس وزارة لم يستطع أن يبقى في الحكم، فاستقال أو أُقِيل، ثم لم يستطع أن يتسلط على الوزراء فذل أو استذل، ثم أراد أن يتنمر ويستأنف النشاط، وفي وسع خصومه أن يردوه إلى ما ينبغي له من الهدوء والاطمئنان واعتزال السياسة، ولكن الأمر يخرج عن هذا الطور، وإذا قنابلُ تُقذَف فتُفسِد الجو، وتجعل التنفُّس فيه مستحيلًا، إلا أن تهب عليه ريح التحقيق النزيه، فترده إلى النقاء والصفاء.

    وليس الذين يعارضون العناصر الرشيدة هم الذين أعدوا هذه القنابل، أو هيَّئُوا لها، أو ألقَوْها، وإنما العناصر الرشيدة نفسها هي التي أعدت القنابل وألقتها، وهي التي أفسدت جوها إفسادًا، وهي التي أكرهت الخصوم والأصدقاء على أن يطلبوا التحقيق النزيه، ويُلِحُّوا فيه، ليستطيع الناس أن يتنفسوا في غير تعرُّض للأذى والاختناق.

    ما هذه الفضيحة المخزية التي أخذت «المقطم» تخوض فيها منذ أيام؛ تُفصِّلها تفصيلًا، وتحللها تحليلًا، وتطلب فيها التحقيق، وتشاركها الصحف في التفصيل والتحليل وطلب التحقيق؟ ما هذه الفضيحة المخزية التي عادت «المقطم» إلى تفصيلها وتحليلها أمس، والتي أنبأت «المقطم» أمس بأنها ستكون موضوعًا للتحقيق، والتي لم تكد تذيعها «المقطم» أمس حتى أقبلت صحيفة من صحف الحزب الشقيق — حزب الاتحاد — وهي صحيفة «الليبرتيه»، فنقلت عن «المقطم» ما قالت، واشتركت مع «المقطم» فيما طلبت من التحقيق؟

    ما فضيحة الكورنيش التي كثُر فيها الكلام، وكلام «المقطم» و«الليبرتيه» بنوع خاص، والتي تُوجَّه فيه تهم صريحة إلى وزارة الداخلية؟ ف «المقطم» و«الليبرتيه» تزعمان أن عطاءات قُدِّمَتْ في الجزء الأول من الكورنيش فرُفِضَ أقلُّها وصاحبه مصري، وقُبِلَ غيره وصاحبه إيطالي، ورفضت مصلحة البلديات في وزارة الداخلية عطاء هذا الإيطالي، معتمِدة على رأي قلم القضايا، ولكن وزارة الداخلية أجازت هذا العطاء الإيطالي مخالِفة في ذلك رأي مصلحة البلديات، ورأي قلم القضايا، مضيِّعة بذلك على البلدية والذين يدفعون لها الضرائب أكثر من ألفي جنيه.

    و«المقطم» و«الليبرتيه» لا تقِفان عند هذا الحد، بل تزعمان أن البلدية مضت مع هذا المقاول الإيطالي في إتمام الكورنيش بغير مناقصة، وغرَّها الغرور، فظنت أن إتمام الكورنيش لا يكلفها إلا مائة ألف أو أقل من مائة ألف! ثم ظهر أنه يكلفها ما يقرب من نصف مليون، وظهر أنها تخسر في هذه الصفقة أكثر من ألفي جنيه في كل خمسة عشر ألفًا من الجنيهات؛ أي إنها تخسر أربعة وستين ألفًا لا لشيء إلا لأنها حرصت على أن تمضي العمل مع هذا المقاول الإيطالي.

    وتزعم «المقطم» و«الليبرتيه» أن وزارة الداخلية أجازت هذا التصرُّف في أربع وعشرين ساعة. أقبل به ساعٍ خاص، وعاد بالموافقة عليه، والأمر لا يقف عند هذا الحد في «المقطم» و«الليبرتيه» بل هما تقولان إن هذا المشروع لم يكن موضع ارتياح القصر الملكي ولا رضاه، وإن عدم الارتياح بلغ الحكومة حينذاك.

    أليست الوزارة توافقنا على أن نقاء الحكومة، ونزاهتها وسمعتها، والمصلحة المالية، كل ذلك يفرض التحقيق النزيه فرضًا، ويجعل الإبطاء في هذا التحقيق أمرًا لا ينبغي الإقدام عليه.

    وقصة القطن والتدخل السري فيه، هذه التي أذاعتها صحيفة من صحف «المساء»، وأبَى صدقي باشا أن يقول نعم أو لا، وأخذت الصحف تتحداه وتتصدى له، فيلتوي عليها في الجواب، حتى إذا كانت قصة الاستقالة من رياسة الحزب والاختلاف بين أعضاء الحزب والعدول عن هذه الاستقالة، ظهرت «المقطم» أمس و«الليبرتيه» اليوم وفيهما قصة الكورنيش، وظهرت «الأهرام» صباح اليوم وفيها سؤال لوزير المالية من نائب شعبي كان يرى قبول استقالة صدقي باشا.

    وفي هذا السؤال تفصيل وتحليل لهذا التدخل السري في سوق القطن، في وقتٍ لم يكن ينبغي أن يكون فيه هذا التدخُّل، وبغير إذن من مجلس الوزراء، وعلى غير موافقة لهذه الخُطَّة التي كانت تنجح بها الوزارة المستقيلة، خطة الامتناع عن التدخل في السوق.

    أليست توافقنا الوزارة على أن هذه القصة في حاجة أيضًا إلى تحقيق صريح نزيه؟ تطهير التُّرع والأقنية الذي نتحدث فيه منذ أيام، ونسأل فيه الوزارة هذه الأسئلة التي يستطيع القراء أن يَرَوْهَا في غير هذا المكان من الكوكب؟ أليست توافقنا الوزارة على أن من حق الناس أن يعلموا: أصحيح ما يُذاع أم غير صحيح؟ أصحيح أن وزارة الأشغال ووزارة المالية تصرفتا في أموال الدولة هذا التصرُّف المعيب؟

    وقصة الوزيرين المختصمين في حزب الشعب — وزير الزراعة السابق ووزير الزراعة اللاحق — يقذف أحدهما صاحبه بأمور لا تليق بالوزراء، أليست توافقنا الوزارة على أن قصتهما تحتاج إلى تحقيق، ليلام المقذوف إن صح القذف، أو يلام القاذف إن لم يصح؟ وقصة المذكرة التي رفعها وزير التقاليد إلى اللجنة المالية ومجلس الوزراء، في شأن كرسي من كراسي كلية الآداب، وملأها بما يخالف الحق، وما يخالف القانون، ألا توافقنا الوزارة على أنها في حاجة إلى التحقيق؟ ليرى رئيس الوزراء على أقل تقدير أيعمل هو مع قوم ينصحون له، أم يعمل مع قوم يدفعونه إلى حيث لا ينبغي أن يُدفع رؤساء الوزارات؟

    كل هذه أمور تحتاج إلى تحقيق، وتحقيقها إن جرى — كما ينبغي — نزيهًا شريفًا حرًّا، فسينتهي من غير شك إلى عقاب قوم لأنهم أثموا في حق الوطن، أو إلى عقاب قوم لأنهم ظلموا الأبرياء وقالوا فيهم غير الحق، وأضافوا إليهم ما لم يفعلوا، وكلا الأمرين شر، وكلا الأمرين مخزٍ مهين، أليس غريبًا أن تذاع كل هذه الأشياء وتشاع، ويتحدث بها الناس، وتمتلئ بها الأندية، ورئيس الوزراء مشغول بصدقي باشا، أيبقى رئيسًا للحزب أم يستقيل؟

    على أن كل شيء في الحياة السياسية الرسمية الآن يدل على أن أمور هذه الفضائح لا تريد أن تقِف عند هذا الحد، ولا أن تنتهي إلى هذا المقدار، وعلى أن هناك قنابلَ من هذا الطراز يريد أصحابها أن يقذفون بها في الجو، ليزيدوه فسادًا إلى فساد، فليت شعري أيستطيع رئيس الوزراء أن يتنفس في هذا الجو الموبوء تنفسًا طلقًا حرًّا يبعث الحياة والنشاط، ويمكِّنه من تصريف الأمور كما ينبغي أن تصرف الأمور، أم سيضيق رئيس الوزراء بهذا الجو، ويعجِز عن التنفُّس فيه، فيستقيل ليترك هذه البيئة لقوم آخرين يستطيعون أن ينقوا الجو ويصفوه، أو يستطيعون أن يعيشوا في جوٍّ ليس له حظ من صفاء أو نقاء؟ زعموا أن الأيام القليلة المقبلة ستجيب في صراحةٍ على هذا السؤال.