Tag: Al-~Azhar

  • مصطفى عبد الرازق كما عرفته

    مصطفى عبد الرازق كما عرفته
    من آثار مصطفى عبد الرازق
    طه حسين
    كنت في السادسة عشرة حين لقيته لأول مرة حين أقبل زائرا لثلاثة من رفاقه في الأزهر ، بينهم أخي . وكانوا جميعا يقيمون في غرفات متقاربة في ربع من تلك الربوع التي كان طلاب الأزهر يحتلون باقي حوش عطي . وكانوا يجتمعون في غرفة أحدهم حين يزورهم الزائرون ، وقد كان الاجتماع في غرفتنا تلك المرة . وقد لقيت منه تابا حار الصوت ، صادق اللهجة ، عذب لحديث ، لا يرفع صوته إلا بمقدار؛ وكان قليل الحركة ، معتدل النشاط ، يمتاز من رفاقه أولئك بهذا الوقار الهادى المطمئن الذي لا يتسم به الشباب عادة ، وإنما هو سمة الشيوخ ومن يجري مجراهم من الذين تقدمت بهم السن . وكان جم الأدب ، موفور التواضع ، لا يتجاوز القصد في قول أو عمل ، يفرض عليه طبعه ذلك ، ويفرضه هو على الذين يجالسهم أو يتحدث إليهم ، كأنا كان يلقي في نفوسهم وشم ، وعلى ألسنتهم ، فضلا من وقاره وهدوء نفسه . فهم يتحدثون مثله في أناة ، ويضحكون مثله في قصد ، ويروون معه أحاديث الجد ، وربا عبثوا شيئا بنوادر الشيوخ من أساتذة الأزهر .
    ومضى وقت غير قصير قبل أن تقوى الصلة بينه وبيني .كان قد أشرف على الخروج من طور الطلب إلى طور العلياء ، وكنت في أول عهدي بالدرس ، لم أنفق في الأزهر إلا عامين أو ثلاثة . وكان أولئك الرفاق يلقونه في درس الأستاذ الإمام ، ويزورونه – إذا أقبل الليل – في داره بعابدين . فإذا عادوا تحدثوا عنه وعن إخوته ، وعمن كانوا يلقونه في تلك الدار من أصحاب المنازل الرفيعة ، يملؤون أفواههم بهذه الأحاديث ، ويشعرون بأنها ترفعهم درجة عن أمثالهم من الطلاب .
    وكان أولئك الرفاق يمتازون من زملائهم بالذكاء ، وحسن التحصيل ، والبراعة في مجادلة الشيوخ . وأكبر الظن أن هذا هو الذي لفت إليهم زميلهم مصطفى عبد الرازق ، فقد كان شديد الحرص على أن يصل أسبابه بأسباب الذين يحبون العلم ، ويمتازون فيه ، كأنه أخذ هذه الخصلة عن والده وعن أستاذه الإمام ، فكلاهما كان يرى حب العلم نادراً في مصر ، ويبحث عن الذين يتصفون به بين طلاب الأزهر وغيرهم من الشباب . وقد ظلت هذه الخصلة ملازمة لمصطفى عبد الرازق حياته كلها ، وقد وصلت أسبابه بكثير من الذين امتازوا في طلب العلم بين الأزهريين وبين المختلفين إلى مدرسة القضاء وبين الجامعيين آخر الأمر ، على اختلاف بيئاتهم وطبقاتهم .
    وكان لا يعرف محبا لطلب العلم مخلصاً في هذا الحب إلا سعى إليه واتصل به وقربه منه وفتح له قلبه وعقله وداره أيضا . ومهبا أنس فلن أنسى تلك الجباعة التي ألفها .من بعض أولئك الممتازين من طلاب العلم في الأزهر ، ونظم لها اجتماعا برياسته مساء الجمعة من كل أسبوع . وكانت هذه الجماعة تلتقي في غرفة من غرفات الطلاب في ربع من ربوعهم أيضا بخان الخليلي ، ويلقي أعضاؤها أحاديث في موضوعات مختلفة تدور كلها حول الإصلاح الذي كانت مصر كلها تتحرق ظمأ إليه ، وإلى إصلاح الأزهر خاصة بعد أن شب الأستاذ الإمام في قلوب الممتازين من شبابه جذوة الثورة على ذلك الركود الذي اطمأن إليه الأزهر قروناً طوالا .
    وكان افتتاح مصطفى عبد الرازق لجلسات تلك الجماعة هو أشد ما يعجبني ويروعني ، فهو لم يكن يزيد على أن يسمي الله ويقرأ الفاتحة ، ثم تأخذ الجماعة فيما تريد أن تدير بينها من الحديث . وأي افتتاح أبلغ وأوقع في القلوب من اسم الّّٰٰله وفاتحة الكتاب المجيد! وقد عرفت بعد ذلك أن مصطفى عبد الرازق كان يذهب في ذلك مذهب الوفاء الصادق لأستاذه الإمام الذي افتتح رسالته في التوحيد نفس هذا الافتتاح .
    وإذا كان حب العلم وطلابه المخلصين هي الخصلة الأولى من الخصال التي رمته حياته كلها ، فخصلة الوفاء هي الخصلة الثانية من خصاله . فقد عرفته محبا للعلم وطلابه كأشد ما يكون الحب وأصدقه وأعمقه ، يسعى إليهم ويقربهم منه ويؤرثهم بالخير وينزلهم من نفسه مكانة الصديق ، وعرفته كذلك وفيا لكل من أحب من الناس لا يفرق بينهم في ذلك مهما تكن الظروف ومهما يبعد بهم الزمان والمكان ومهما تلم الأحداث وتدلهم الخطوب .
    كان وفيا للشافعي ، رحمه الله ، لأنه كان يذهب مذهبه في الفقه ، ويرى الوفاء له ديناً عليه . ومن أجل ذلك ترجم رسالته وعني بدرسها وترجمتها وقتا غير قصير . وأثر هذا الوفاء لشافعي في حياته العقلية نفسها وفي نهجه الفلسفي تأثيراً شديداً ، وفتح له أبواباً من العلم لم تفتح لأحد من قبله من علماء المسلمين . فدراسته لرسالة الشافعي في الأصول ألقت في روعه رأياً خصبا لم يستغله تلاميذه بعد ، وأرجو أن يتاح لبعضهم تعمقه واستقصاء آثاره الخطيرة في تاريخ الحياة العقلية للمسلمين . فقد رأى أن الشافعي يفلسف في أصول الفقه وما يتصل به من المشكلات المختلفة في الدين واللغة و استنباط الأحكام من النصوص ، فارتقى رأيه هذا إلى من سبق الشافعى من المفكرين المسلمين الذين لم يجادلوا في أصول الفقه وحدها ، بل جادلوا فى أصول الدين أيضاً ، فأولئك الزعماء القدماء للأحزاب الإسلامية الأولى ، حين كانوا يجادلون في مذاهب أحزابهم وآرائها فيمن ثاروا بعثان ومن تابعوا عليا ومن خاصموه ومن وقف من هذه الفتنة موقف الحياد ، وحين كانوا يجادلون في مقترف الكبيرة أمؤمن هو أم كافر أم هو يصير إلى منزلة بين منزلتين من الإيمان والكفر أم هو مرجأ إلى الله يقضي في أمره بالحق ؟ وحين صاروا من هذا الجدال إلى الجدال في أمور أخرى أعمق من هذه الأمور ، فجادلوا في العدل والتوحيد ، إنما كانوا يفلسفون في مسائل الدين قبل أن يعرفوا الفلسفة اليونانية ، بل قبل أن يحسنوا العلم باللاهوت عند المسيحيين واليهود . ومعنى ذلك أن المسلمين قد أنشأوا فلسفتهم الأولى من عند أنفسهم ، وكانت فلسفة يسيرة سمحة كالإسلام نفسه ، ثم لقيت الفلسفة اليونانية بعد ذلك فأدركها ما في هذه الفلسفة من العسر والتعقيد .
    وكذلك جًره الوفاء للشافعي ، رحمه الله ، إلى استكشاف مذهب جديد في الفلسفة الإسلامية له خطره العظيم إن عرف تلاميذه كيف يتعمقون وينتهون به إلى غايته .
    وكان وفياً للذين عرفهم وحسنت الصلة ببنه وببنهم من الأساتذة الفرنسيين حين أقام في فرنسا طالباً للعلم الحديث ، بعد أن أخذ بحظه مم العلم القديم في مصر .
    عرف أستاذا فرنسيا شاباً في إحدى الجامعات هناك واشتد الإلف بينهما ، ثم أعلنت الحرب العالمية الأولى ، ودعي ذلك الأستاذ الفرنسي إلى أداء واجبه العسكري ، فاستجاب للدعاء وترك زوجه وليس لها عائل ، فكان مصطفى عبد الرازق يؤثرها على نفسه بالنصيب الأوفر مما كان يصل إليه من المال ، لا يتردد في ذلك ولا ينقطع عنه حتى عاد إلى مصر . والله يعلم ماذا فعل بعد عودته . وقد عرفت ذلك من الأستاذ الفرنسي نفسه ، وقد كلمت فيه مصطفى فغير مجرى الحديث ، وظل وفيا لهذا الأستاذ ، حتى إذا وضعت الحرب أوزارها ، ومضى شيء من الوقت ، وخلا منصب فنّي من المناصب في مصر ، ولم يكن بين المصريين من يستطيع النهوض بأعباء هذا لمنصب ، وأخذت الحكومة تبحث عن أجنبي – جدَّ مصطفى حتى اختير صديقه ذاك لهذا المنصب . وسألته عن عنايته الخاصة بهذا الأستاذ وجِدَّه في السعي له ، فأنبأني بأنه يرى فيه الكفاية لمنصبه أولاً ، وبأنه فقد زوجه وجزع لفقدها ، فمن الخير أن يترك وطنه ومدينته ويشغل عمله ذاك الجديد ، عسى أن يجد في ذلك عزاء وتسلية .
    وربما جر عليه وفاؤه ذاك بعض ما كان يضيق به من الأمر ، ولكنه لم يحفل قط بعواقب الوفاء أتكون خيراً أم شراً ، بل لم يحفل قط بعواقبها الواجب وما يمكن أن تجر عليه مما يسوؤه أو يرضيه . كان سعد زغلول منفياً عن وطنه وكانت زوجه تعيش في دارها بالقاهرة يبرها المصريون والسعديون منهم خاصة ، وكان مصطفى من أسرة تذهب مذهب الأحرار الدستوريين الذين كانوا يخاصمون سعداً أشد الخصام ، وكان مفتشا قضائيا بوزارة العدل ، وأقبل عيد من الأعياد ، فلم يتردد مصطفى في أن يذهب إلى دار سعد ويترك بطاقته هناك .
    وانقضت أيام العيد ، وذهب مصطفى إلى عمله ، فلم يكد يستقر في مكتبه حتى دعي للقاء الوزير . فلما لقيه قال له الوزير: ألم أعلم أنك ذهبت إلى دار سعد وتركت فيها بطاقتك يوم العيد ؟ قال مصطفى : قد كان ذلك . قال الوزير: أولم تعلم أن سعداً يناوئ الحكومة القائمة وأن زيارة داره سياسة محظورة على الموظفين ؟ قال مصطفى: تلك مجاملات لا شأن لها بالسياسة ولا بالحكومة . قال الوزير: فأنت مفصول منذ الآن . قال مصطفى : أنت وما تريد . وعاد مصطفى إلى داره غير حافل بما كان . ولكن رئيس الوزراء ثروت باشا ، رحمه الله ، علم بالأمر فعاتب الوزير فيه وترضى ذلك الوفي الذي وشت به الأرصاد فعوقب على الوفاء .
    والبر بطلاب العلم خاصة ، وبكل من كان يحتاج إلى البر عامة ، كان الخصلة الثالثة من خصال مصطفى عبد الرازق . فلم أعرف قط قلبا أبر بفقير ، ولا نفسا أرق لذى حاجة ، ولا يداً أسرع إلى العطاء ، من قلب مصطفى عبد الرازق ونفسه ويده .
    كان أستاذا في كلية الآداب بجامعة القاهرة ، وكنت لها عميدا فى بعض الأوقات . وكان فقراء الطلبة أكثر مما تحتمل قواعد المجانية في الكلية إذ ذاك ، . فكان يسعى إليَ في بعضهم ، فأجتهد له في ذلك حتى لا أجد سبيلاً إلى الاجتهاد ، فأشهد ما تخلف قط عن أداء نفقات التعليم عن أولئك الذين كانت تضيق بم القواعد . وكلمته في ذلك ذات يوم وقلت له : توشك ألا تجد شيئا من مرتبك آخر الشهر ؛ فضحك ضحكة حلوة ، وقدم إلي سيجارة من نوع جديد ، كما كان يقول ، ثم ألقى هذه الكلمة التي لم أنسها قط ، والتى ينبغي أن يذكرها كل قادر على العون : وماذا تريد أن نصنع بهؤلاء الطلاب ؟ أتريد أن نتركهم يصدون عن العلم ونحن نرى ؟
    ولم أره غضب قط ، إلا مرة واحدة حين تدخل بعض الأساتذة الأجانب فيا لا ينبغي للأجانب أن يتدخلوا فيه من شؤون كلية الآداب ، وألحً في تدخله ، فأخرج مصطفى عن طوره واضطره للمرة الأولى – فيما أعلم – إلى أن يرفع صوته ويظهر غضبه ويكف ذلك الأستاذ عما لم يكن له أن يدخل فيه .
    كان وفيا وكان أبيا وكان براً وكان سمح الطبع والنفس والقلب . لم أراه قط يخرج عن هذه الخصال منذ عرفته إلى أن فرق بيننا الموت . وكان لهذه الخصال كلها تأثير أي تأثير في حديثه إذا تكلم ، وفي فنه إذا كتب . واقرأ ما شئت من فصول هذا الكتاب : ما كتبه منها أيام شبابه الأول ، وما كتبه منها بعد أن تقدمت به السن ؛ ما كتبه منها حين كانت الأيام هينة لينة ، وما كتبه منها حين كانت الأيام شداداً ثقالاً .
    لم يكن شيء قادرا على أن يغير من خصاله تلك شيئاً ٠ كان سمحاً في جميع أطواره وفي أطوار من حوله من الناس وما يحيط به من الظروف . كانت الابتسامة الحلوة أدل شيء عليه ، والحديث العذب ألزم شيء له . وكان يضيف إلى خصاله هذه خصلة أخرى إذا كتب ، وهي خصلة العناية الدقيقة جداً بالتفكير أولاً وبالتعبير بعد ذلك عما فكر فيه . كان لا يكره شيئاً كما كان يكره العجلة في القول والعمل والمشي أيضا .
    كان شديد الإيثار للأناة . وكان ذلك ربما عرضه لدعابات الصديق والزملاء . فيا أكثر ما كانت تعقد الاجتماعات ، ويحضر أعضاء هذه الاجتماعات في الموعد المقدر لا يتأخرون عنه إلا الدقيقة أو الدقائق القليلة إلا مصطفى ، فكان يأتي دائما متأخراً جداً ، وكان زملاؤه لا يحبون أن يأخذوا في العمل قبل حضوره . فكانوا ينتظرون وينتظرون ، وربا اضطرهم ذلك إلى بعض الضيق ، ولكنه كان يطلع عليهم بابتسامته الحلوة تلك ، فلا يكادون يرونه حتى يضحكوا له ، ولا يأخذون في عملهم إلا بعد دعابة لا تمل .
    وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته ، فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافراً أو فجاً لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه . وأنت لا تجد فيا يكتب لفظاً نابياً عن موضعه ، أو كلمة قلقة في مكانها ، وإنا كان كلامه يجري هادئاً مطمئناً كما يجري ماء الجدول النقي ، حتى حين يدا عب صفحته النسيم . وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر : يستأنى بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب . كان يتأنق في فنه كما كان يتأنق في حياته كلها ، وكما كان يتأنق في سيرته مع الناس جميعا ، سواء منهم من كان يألف ومن كان يجفو . فلست أعرف أن أحداً سخط عليه أو ضاق به أو شكا منه . كان راضي النفس ، يبعث الرضى في نفوس الناس حين يرونه وحين يسمعونه وحين يقرأون له .
    وإني لأذكر حديثاً له ألقاه في مؤتمر من مؤتمرات المستشرقين في مدينة «ليدن» ، وكان المؤتمرون كثيرين ، وكانت أحاديثهم كثيرة متنوعة ، وكان رئيس الجلسة مضطراً إلى أن يقدر للمتحدثين عشرين دقيقة لا يعدوها أحد مهما يكن حديثه . وقد التزم المؤتمرون ذلك ولم يخالف عنه أحد منهم . فلما أخذ مصطفى في حديثه في صوته ذاك الهادى العذب الرقيق أصغت إليه الآذان ، ثم صغت إليه القلوب ، ثم اتصلت به النفوس . وكان يقطع حديثه بين حين وحين ويلتفت إلى الرئيس مبتسماً كأنه يسأله : أيمضي في حديثه ! فيشير الرئيس إليه : أن نعم ، حتى إذا أتم حديثه كان قد جاوز الأربعين من الدقائق . لم يحس أحد أنه قد أطال ، وأخذ من الوقت أكثر مما كان ينبغي له .
    واقرأ هذا السفر الضخم الذي تختلف فيه الأحاديث والموضوعات اختلافا شديدا ، فستراه على ذلك مؤتلفاً أشد الائتلاف يؤلف بين مختلفاته ما تفيض عليه نفس الكاتب الهادئة السمحة الرزينة من هدوء سمح رزين . ولو أني أرسلت نفسي على سجيتها لما وجدت لحديثي عن مصطفى غاية أنتهي إليها أو حداً أقف عنده .
    فأشهد ما مر بي يوم دون أن أفكر فيه يقظاً ، وأشهد ما مر أسبوع دون أن أراه فيما يرى النائم ، كما كنت ألقاه أثناء الحياة .
    فلأخلص أنا للتفكير في هذا الصديق العزيز ، ولتخلص أنت لقراءة أصدق حديث لأخ عن أخيه أولا ، وأسمح كلام كتبه كاتب في هذا العصر الحديث بعد ذلك .

  • نعم واجب …

    نعم واجب …
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٢ أكتوبر ١٩٥٤

    لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أصدَقُ الشكر وأجمله على مقاله القيِّم الذي قرأته اليوم في الجمهورية، عن نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية. ولفضيلته كذلك أصدقُ الشكر وأجمله على ما تفضَّل به من ثناء، وما وجه إليَّ من دعاء … وأحب أن يطمئن الأستاذ الجليل إلى أني حريص أشدَّ الحرص على أن أكون عند ما يحب من معونته حسب طاقتي على ما يحاول من تَبْيِين حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب جميعًا … ولكني أعود بعد ذلك إلى الموضوع الذي كتبت فيه منذ حين، والذي أثار الأستاذ الجليل إليَّ الكتابة فيه اليوم، وهو ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية.

    فقد يظهر أن فضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني على أن هذه الترجمة واجبة لا ينبغي التقصير في أدائها، ويوافقني كذلك على أن الأزهر قد فكر في هذه الترجمة وأطال فيها التفكير، وتحدَّث عنها وأكثر فيها الحديث منذ عشرين عامًا، ولكنه على ذلك لم يصنع شيئًا، بل لم يأخذ في هذه الترجمة، ولم يتمَّ منها لا قليلًا أو كثيرًا.

    وكنت أظن أن الأزهر في هذا العهد الجديد سيستأنف التفكير الجاد المنتج في هذا الواجب الخطير، ويأخذ في أدائه دون إرجاء له أو إبطاء فيه، مكتفيًا بما ضاع من الوقت في التفكير والحديث أثناء هذه السنين الطوال …

    ولست أدري أمخطئ أنا في فهم الذي نشرته الأهرام للأستاذ الأكبر منذ أسابيع بهذا العنوان الذي لم ينكره الأستاذ الأكبر، ولم ينكره أحد من الأزهريين، وهو إرجاء ترجمة معاني القرآن للغات الأجنبية «مشروع جديد لمشيخة الأزهر للتعريف بأحكام الإسلام ومبادئه».

    رجال الدين مسئولون أمام «الضمير» الإنساني عن سلامة العالم، وهذا العنوان وحده يصور حديث الأستاذ الأكبر تصويرًا دقيقًا، كما أنه يصور المقال الذي نشرته الجمهورية له صباح اليوم؛ ففضيلته يرى في صراحة صريحة أن الغاية التي يقصد إليها من ترجمة معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، إنما هي تعريف حقائق الإسلام للناس في الشرق والغرب، تعريفًا صحيحًا صادقًا لا لبس فيه ولا غموض ولا التواء …

    والأستاذ الأكبر يرى الإسراع إلى تحقيق هذه الغاية بوضع الكتب والرسائل التي تعرض حقائق الإسلام وأصوله، وترجمة هذه الكتب والرسائل إلى اللغات الأجنبية المختلفة، ولا يتحدث عن الأخذ في ترجمة معاني القرآن نفسه اليوم أو غدًا أو بعد غد، وأخشى أن يُكتفى بوضع هذه الكتب وترجمتها وإذاعتها ويُستغنى بذلك عن الموضوع الذي أُلِحُّ فيه أشدَّ الإلحاح، وهو ترجمة معاني القرآن نفسه ترجمة دقيقة صادقة يمكن أن يثق الناس بها، ويطمئنوا إليها، ويعلموا أنها هي التي تصور فهم أعلام الإسلام للقرآن الكريم.

    فهناك فرق واضح أشدَّ الوضوح بين كتاب يقدم إلى الناس على أنه ترجمة لمعاني القرآن قد أقرها رجال الدين وأطبقوا على إقرارها، ولم يروا فيها عوجًا ولا انحرافًا عما ينبغي أن يفهم من نصوص الذكر الحكيم، وبين كتاب يقدم للناس على أنه عرض لهذه الحقيقة أو تلك من حقائق الإسلام قد ألفه هذا الأستاذ أو ذاك من أساتذة الأزهر الشريف أو من غيرهم.

    وما أكثر الكتب التي ألَّفَها المستشرقون عن الإسلام، والتي يستقيم بعضها؛ لأنه يصدر عن الإخلاص في حب العلم، والصدق في عرضه على الناس، وتجنب الهوى والتعصب، وحُسن العلم بالتراث الإسلامي، وينحرف بعضها عن الجادة لتأثُّر المؤلف بالهوى أو لقصوره عن فهم هذا النص أو ذاك من النصوص الإسلامية على اختلافها.

    وقُرَّاء العربية يعرفون بعض هذه الكتب؛ لأنها نقلت إلى لغتهم في عصور مختلفة وبأقلام مختلفة أيضًا، والذين يحسنون اللغات الأجنبية يقرءون كثيرًا من هذه الكتب في اللغات التي أُلِّفَتْ فيها أو نقلت إليها، فيعرفون وينكرون، ويرضون ويسخطون.

    ولست أرى بأسًا — كما قلت في الحديث الماضي — بأن يشارك الأزهريون في تأليف بعض هذه الكتب والرسائل، بل أنا أرى في ذلك الخير كلَّ الخير، وأتمنى أن يُسرع الأزهريون إليه، وأرجو أن تكون لي في بعضه مشاركة. ولكن هذا شيء والموضوع الذي أُلِحُّ فيه وأراه واجبًا لا يحتمل إرجاءً ولا إبطاءً شيء آخر.

    فأنا أريد ألا يرجئ الأزهر نقل معاني القرآن نفسه إلى اللغات الأجنبية الحية أكثر مما أرجأه إلى الآن؛ ذلك أن الناس في العالم الغربي كثيرًا ما يحرصون على قراءة الكتب المقدسة نفسها في لغاتهم التي يتكلمونها أو في اللغات الأجنبية التي يحسنونها، وهم يقرءون التوراة والإنجيل ويقرءون كتبًا أخرى تقدسها شعوب لا تؤمن بالكتب السماوية، يدفعهم إلى هذا الحرص حبهم للعلم، ورغبتهم في المعرفة، وطموحهم إلى فقه الشئون الدينية مهما يكن مصدرها. وهم يقرءون تراجم كثيرة للقرآن نشرت منذ أواخر القرون الوسطى، وما زال بعضها ينشر في هذه الأيام. وكان آخر ما وصل إليَّ منها ترجمة فرنسية نشرت بعد الحرب العالمية الثانية للأستاذ الفرنسي رجيس بلاشير أستاذ اللغة العربية بالسوربون.

    وأصحاب هذه التراجم المختلفة يحملون تبعاتهم بالطبع، وهي تبعات ثقال في أكثر الأحيان، والشيء الذي أقطع به هو أن هذه التراجم لا تقع في نفوس المسلمين المتقنين لعلوم الإسلام مواقع الرضا؛ لأنها تنحرف عن الجادة من هذه الناحية أو من تلك، بعضها يخطئ الفهم ويخطئ الأداء، وبعضها ينحرف عن السنة الموروثة في ترتيب القرآن، ويحدث اضطرابًا شديدًا في نفوس الذين يقرءونه، ولن يستطيع الأجانب أن يفهموا هذا الموقف الغريب الذي يقفه المسلمون من كتابهم المقدس الكريم، فلا يترجمون معانيه لهم، ولا يقدِّمون إليهم منه صورة يمكن أن يطمئنُّوا إليها ويثقوا بها، على حين تقدم إليهم التراجم المختلفة للتوراة والإنجيل، وكل ما يتصل بالتوراة والإنجيل من المباحث والشروح.

    والمثل الذي ضربته في الحديث الماضي ليس إلا شيئًا قليلًا من أشياء كثيرة لا أحبُّ أن أعرض لها الآن كما لم يحب الأستاذ الأكبر أن يعرض لها الآن، لا أريد أن أُثِير خصومة قوية أو ضعيفة بين المسلمين وغير المسلمين، وإنما أريد أن ينهض المسلمون بهذا الواجب الذي نهض به كثير من غير المسلمين يخلص أكثرهم وينحرف قليل منهم عن الإخلاص، ويتورط أولئك وهؤلاء في الخطأ الذي لا ينفع أحدًا، والذي يسوء الإسلام ويسوء المسلمين عن عمد وعن غير عمد. والإسلام دين يتجه إلى الناس كافة لا إلى العرب منهم خاصة، وليس من الطبيعي ولا من الممكن أن نفرض على الناس أن يقرءوا القرآن في نصه العربي إذا أرادوا أن يعرفوه؛ لأن هذا تكليف بالمحال كما يقول الأزهريون.

    فلا أقلَّ من أن يُفَسَّر لهم القرآن بنقل معانيه إلى لغاتهم؛ لنتيح لهم ما يريدون من ذلك دون أن يجدوا في ذلك مشقة أو عسرًا، ودون أن يتعرَّضوا في ذلك للخطأ أو الجهل أو التحريف.

    وفضيلة الأستاذ الأكبر يوافقني فيما أظن على أن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية ليس مستحيلًا ولا ممتنعًا، وعسى ألا يكون من العسر بحيث يظن المتحرجون.

    فأنا لا أريد أن أنقل إلى اللغات الأجنبية ما في بيان القرآن من روعة وإعجاز، وإنما أريد أن أعطي الأجانب من القرآن الكريم صورة صادقة تؤدي إليهم معانيه، وإن لم تؤدِّ إليهم روعة النظم وجمال اللفظ وبراعة الأسلوب.

    وفي معاني القرآن نفسها من الروعة والبراعة ما يؤثِّر في القلوب الإنسانية أعظم الأثر وأقواه، وما لا يدرك كله لا يترك جله، كما كان يقال لنا في الأزهر أيام الشباب، وكما يقال لطلاب الأزهر الآن فيما أظن، وما أريد أن يظن فضيلة الأستاذ الأكبر أني قصدت أن أسوء الأزهر من قريب أو من بعيد … فأنا أعرف للأزهر حقه عليَّ، وأحاول أن أؤدي إليه بعض هذا الحق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا،، ومن أداء حق الأزهر عليَّ أن أذكِّره بالواجب وأدعوه إلى أدائه وأُلِحَّ عليه في هذا التذكير والدعاء.

    فالله يأمرنا أن ندعو إلى الخير ونأمر بالمعروف ونذكر الواجب، والأزهر هو الذي علمنا أن الله يأمرنا بهذا كله، فنحن حين نطلب إليه أداء هذا الواجب الخطير في غير إرجاء ولا إبطاء ولا تريث إنما ندله على أننا استمعنا له فأحسنا الاستماع، ودرسنا فيه فأحسنا الانتفاع بما تلقينا من الدروس.

    أما بعد؛ فإني أرجو أن يتفضل الأستاذ الأكبر فيُعنى أشدَّ العناية وأقواها وأصدقها بنقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وبتأليف ما يجب تأليفه من الكتب والرسائل التي تبيِّن حقائق الإسلام للناس؛ فالاستكثار من الخير مرغوب فيه دائمًا مدعوٌّ إليه دائمًا، وفي الأزهر والحمد لله قدرة على النهوض بهذين الأمرين جميعًا، ومن حول الأزهر من المسلمين القادرين على معونته من يستجيبون له إذا دعا ويعينونه إذا احتاج إلى العون. ولا يغضبِ الأستاذ الأكبر من هذه الجملة التي رأى فيها قسوة على معهدنا العظيم، فهو يذكر من غير شك أن من القسوة ما ينفع، وهو يذكر كذلك من غير شك أن قد أتى على الأزهر حين من الدهر كان بعض شيوخه يحرجون على غير الأزهريين أن يخوضوا في حديث الدين من قريب أو بعيد، ويرون ذلك مقصورًا عليهم من دون الناس.

    وليس أحب إليَّ ولا أحسن في نفسي موقعًا من أن يكون هذا العهد قد انقضى، ومن أن يعود الأزهر الشريف إلى سماحته الأولى، فيعمل الخير ويُذِيعه ويدعو الناس إلى المشاركة فيه.

    فتلك مهمة الأزهر التي طالما دعوناه إلى أن يخلص لها نفسه وجهده ووقته ونشاطه كله، وأي شيء أحسن موقعًا في نفوس المسلمين من أن يروا الأزهر قد أقبل على واجبه يؤديه أصدقَ الأداء؟

  • واجب …

    واجب …

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢٤ سبتمبر ١٩٥٤

    نعم؛ واجب طالما أُرْجِئ واتصل التقصير في أدائه بأسباب كثيرة مختلفة منها ما يُساغ ومنها ما لا يُساغ، حتى كان التفكير في أدائه منذ أكثر من عشرين عامًا، حين أراد الأزهر الشريف أن تُنقَل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية، وأن يكون نقله إلى نفر من المسلمين الذين يحسنون العلم بدقائقه، ويفهمون أسراره حق فهمها، ويتقنون لغته حق إتقانها، ويملكون اللغة الأجنبية التي ينقلون إليها ملكًا يتيح لهم أن يتصرفوا فيها تصرف القادرين عليها المطوعين لها المجيدين لإيداعها أدق المعاني في بلاغة تلائم مكانة القرآن، ومقامه الرفيع من البيان العربي.

    وقد أحسَّ الأزهرُ الشريف أنَّ نَقْل القرآن ببيانه الرائع المعجز إلى لغة أجنبية شيء لا مطمع فيه ولا سبيل إليه؛ فآثر التواضع ولم يفكر في ترجمة القرآن كما يُترجَم غيره من الكتب، وإنما فكر في نقل معانيه إلى اللغات الأجنبية اعترافًا بالقصور عن الترجمة بمعناها الدقيق، وتجنبًا لكثير من الحرج الذي يأتي من الدين والفن جميعًا.

    وكان الأزهر موفقًا منصفًا في هذا التواضع؛ فالترجمة في نفسها عسيرة أشد العسر، وهي ممتنعة بالقياس إلى الآيات الأدبية الرائعة؛ فكيف بالقرآن المعجز الذي لم يستطع أن يأتوا بمثله في لغتهم التي نشئوا عليها وبرعوا فيها، وبلغ النابهون منهم أقصى ما يمكن أن يبلغوا من القدرة عليها والتطويع لها والسحر بما أُتِيحَ لهم من البيان والتبيين.

    وقد استجابت الحكومة في ذلك الوقت لإرادة الأزهر وقررت النهوض بالأعباء المادية لهذا النقل، وأرصدت لذلك في ميزانيتها المتتابعة مقدارًا رمزيًّا من المال يتيح للأزهر أن يبدأ عمله حتى إذا خطا فيه الخطوات الأولى أنفقت الحكومة على هذا العمل عن سعة وفي غير بخل ولا تقتير.

    ولكن الأزهر أكثر الحديث في هذا الموضوع، ثم سكت عنه فجأة، وظلت الحكومة ترصد هذا المقدار الرمزي في ميزانياتها أعوامًا متصلة، والأزهر ساكن لا يعمل شيئًا وساكت لا يقول شيئًا.

    وأشهد لقد هممت بشيء من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية غير مرة، ولكني صرفت نفسي عن ذلك صرفًا؛ لأني لم أُرِدْ أن أقحم نفسي على ما أراد الأزهر أن يُختَصَّ به من دون غيره من الهيئات، ومن دون غير الأزهريين من الناس.

    ولكني أقرأ في الأهرام التي صدرت صباح الأحد حديثًا لحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أفهم منه كما يفهم منه غيري أن الأزهر قد أعرض عن هذا الرأي، واكتفى بأن يؤلف المختصون من رجاله كتبًا ورسائل تُعرِّف الإسلام إلى الناس على أن تُترجَم هذه الرسائل إلى اللغات الأجنبية.

    ولست أشك في أن تأليف هذه الكتب والرسائل خير في نفسه وحق على القادرين عليه من المختصين، وقد كنت أتحدث في أول الصيف في شيء من ذلك إلى صديقين كريمين، واقترح أحدهما أن نضع كتابًا نُبيِّن فيه حقائق الإسلام كما ينبغي أن تُبيَّن؛ ليقرأه أصحاب الثقافات المتوسطة وليُنقَل بعد ذلك إلى بعض اللغات الأجنبية فيظهر عليه بعض القُرَّاء من الأجانب الذين لا يعرفون الإسلام إلا كما تُصوِّره لهم بعض الكتب الأجنبية تصويرًا فيه الخطأ والصواب، وفيه الإنصاف أحيانًا والجور أحيانًا، وقد أمعنَّا في حديثنا ذاك، ولم نفترق حتى وضعنا منهاجًا لهذا الكتاب، وقسَّمْنَاه على أنفسنا، واتفقنا على أن يفكر كل منا في النصيب المقسوم له من هذا المنهاج أثناء الصيف، على أن نأخذ في الكتابة بعد انصرام القيظ عنَّا.

    وفي أثناء هذا الصيف وحين كنت في عزلتي تلك الأوروبية القصيرة قرأت كتابًا فرض عليَّ التفكير المتصل فيما كان الأزهر يفكر فيه منذ أعوام طوال، من نقل معاني القرآن الكريم إلى اللغات الأجنبية تصويرًا صحيحًا أو مقاربًا.

    والكتاب الذي قرأته في تلك العزلة كتاب خطير حقًّا ألَّفَه كاتب إيطالي مسيحي معروف هو الأديب العظيم جوفني بابيني، وضاقت به الكنيسة الكاثوليكية أشد الضيق فأنكرته، وحرمت قراءته على المؤمنين من أتباعها، ولكن الكتاب مع ذلك تُرْجِم إلى اللغات الأوروبية الكبرى، وقرأته أنا في ترجمته الفرنسية.

    وموضوع هذا الكتاب هو الشيطان، والكتاب مُحيِّر حقًّا لا يدري قارئه أهو كتاب ديني أم هو كتاب أدبي، بل لا يدري قارئه أهو كتاب قُصِدَ به إلى الجد الخالص والبحث العلمي الصارم، أم هو كتاب خُلِطَ به الجد والهزل، وامتزج فيه العلم والأدب.

    فالمؤلف يُصوِّر الشيطان كما وصفته التوراة، وكما وصفه الإنجيل، وكما وصفه شُرَّاح التوراة والإنجيل من آباء الكنيسة وأحبارها، ويعرض آراء قديمة في الشيطان وفي مصيره. تغضب الكنيسة أشد الغضب، ولكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، وإنما يصور الشيطان كما وصفته آثار الأمم المختلفة قديمها وحديثها على اختلاف دياناتها ومذاهبها الفلسفية.

    ثم يتجاوز هذا كله فيصور الشيطان كما رآه الأدباء وأصحاب الفنون الجميلة على اختلاف بيئاتهم وأزمنتهم، وعلى اختلاف طبائعهم وأمزجتهم، وكما رآه هو في بعض أوقاته.

    والكتاب ممتع ما في ذلك شك، وهو يدل على علم عميق وثقافة واسعة بعيدة المدى وإحاطة بشئون الأجيال المتباينة المتباعدة من الناس منذ أخذ الناس يكتبون ويصورون إلى هذا العصر الذي نعيش فيه … ولكنه على ذلك مختلط فيه الجد وفيه الهزل، وفيه الصحيح وفيه المحال، وإن ذهب المؤلف فيه مذهب العلماء وتكلف فيه سيرة الذين يجدون ولا يعبثون.

    وقد وقفني من هذا الكتاب تصويره للشيطان كما وصفه القرآن الكريم، وهذا التصوير هو الذي اضطرني إلى أن أفكر فيما أراد الأزهر منذ ربع قرن، من نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية … ذلك أن الكاتب الإيطالي ليس مستشرقًا، فهو لا يقرأ القرآن في نصه العربي، وإنما يقرأ هذه التراجم التي نهض المستشرقون بأعبائها في اللغات المختلفة وفي العصور المختلفة أيضًا.

    ولست أدري أي ترجمة وقعت له لأنه لم يدلنا عليها، ولكنها ترجمة خاطئة مخطئة من غير شك، وقد نتج عن قراءته لهذه الترجمة واطمئنانه إليها واعتماده عليها شر عظيم يضيق به الأزهر، ويضيق به الأستاذ الأكبر أشد الضيق، وينكره المسلمون أعظم الإنكار.

    فهو قد قرأ — فيما يظهر — ترجمة لهذه الآيات الكريمة من سورة الحجر؛ حيث أنبأ الله ملائكته بأنه خالق بشرًا من صلصال من حمأ مسنون، وأمرهم إذا سوَّاه ونفخ فيه من روحه أن يقعوا له ساجدين … ( فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ).

    وقد تُرجِمَتْ هذه الآية الأخيرة على أن إبليس لم يكن من الذين يسجدون؛ لأن طبيعته وعلوه في نفسه يرفعانه عن السجود، واستنتج من هذا — ويا بؤس ما استنتج! — أن إبليس كان أقرب إلى الإسلام من الله؛ لأن إبليس أبى أن يسجد لبشر، والإسلام يحرِّم السجود لغير الله، فكان إبليس أحرص على رعاية الإسلام من الذي جعل الدين عند الله الإسلام!

    تعالى الله عما يقول المترجمون الخاطئون المخطئون علوًّا كبيرًا!

    ولكن الشيء المهم الخطير هو أن هذا الكتاب قد قُرِئَ بالإيطالية والفرنسية وغيرهما من اللغات الكبرى، وظن كثير من قرائه أن هذا الكلام في القرآن، وأن الله قد أراد الملائكة على أن يسجدوا لآدم عابدين له من دون الله، وأن إبليس قد أبى أن يشرك بالله بشرًا، وأن الله عاقبه باللعنة على هذا التوحيد.

    فما رأي الأزهر؟! وما رأي فضيلة الأستاذ الأكبر؟! ألا يزال الأزهر والأستاذ الأكبر يريان العدول عن نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية الكبرى لِيُعْرَفَ الإسلامُ في البلاد الأوروبية والأمريكية على وجهه؟! ألا يوافقني الأزهر والأستاذ الأكبر على أن التقصير في أداء هذا الواجب إثم لا ينبغي أن يتورط فيه المسلمون بعد أن كثر هذا السخف السخيف الذي يتناقله كثير من غير المسلمين منذ تُرْجِم القرآن في أواخر القرون الوسطى إلى أن تُرْجِم أخيرًا في هذا العصر الحديث تراجم أقل ما تُوصَف به أنها ليست دقيقة ولا صادقة ولا مقاربة في كثير من أجزائها، وأنها تنشر الخطأ في كثير من العقول وتلقي في روع كثير من الناس أمورًا ليست من الإسلام ولا من القرآن في شيء؟!

    وليس كل الغربيين قادرًا على أن يقرأ القرآن في نصه العربي، وليس كل الغربيين قادرًا على أن يفهم القرآن إن قرأه في النص العربي، وليس أوساط الناس مكلفين أن يتحققوا من صدق التراجم التي تُنشَر لهم ودقتها ولا قادرين على هذا التحقق، بل هم مدفوعون بطبعهم إلى أن يأخذوا هذه التراجم على أنها صحيحة دقيقة كما يأخذون تراجم الكتب الكثيرة التي تُنقَل إليهم. وكثير منهم يقرءون العهد القديم والعهد الجديد مُترجمَين إلى اللغات التي يتكلمونها، فهم يقرءون تراجم القرآن كما يقرءون تراجم التوراة والإنجيل مع هذا الفرق الخطير؛ وهو أن تراجم التوراة والإنجيل تخضع لمراقبة شديدة عسيرة من السلطات الدينية المسيحية، ولا تخضع ترجمة القرآن لمراقبةٍ ما إلا مراقبة الناقدين من العلماء، وقلَّما يحفل العلماء بهذه المراقبة، وقلَّما يقدرون عليها!

    ليصدقني الأزهر وليصدقني الأستاذ الأكبر أن هذا شر عظيم غفل المسلمون عنه دهرًا وتغافلوا عنه دهرًا، وأصبح إهماله إثمًا يجب أن تُبذَل الجهود كل الجهود للتخلص منه والتخفف من ثقله.

    وبَعْدُ، فما أكثر ما ترجم الأوروبيون القرآن إلى لغاتهم كما أحبوا أو كما استطاعوا وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يترجموا معاني القرآن بأنفسهم إلى هذه اللغات! وما أكثر ما كتب الأوروبيون الرسائل وألفوا الكتب عن الإسلام فأخطئوا وأصابوا وأنصفوا وجاروا عن قصد السبيل! وقد أصبح واجبًا على المسلمين أن يُعرِّفوا الإسلام بأنفسهم إلى غيرهم من الأمم.

    وإذا كان الأزهر لا يريد أن ينقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية — وأنا أُجِلُّه عن ذلك — فلا أقلَّ من أن يُخلِّي بين المسلمين وبين هذا النقل يجتهدون فيه حسب طاقتهم دون أن يصرفهم عن ذلك أو يحرج عليهم فيه أو يثير في سبيلهم المصاعب والعقبات.

    إن العالم الغربي يفكر في الإسلام ويتحدث عنه أكثر جدًّا مما يظن الأزهر والأزهريون، فلا أقل من أن نتيح له التفكير فيه والتحدث عنه على وجه صحيح وعن علم دقيق بأسراره وحقائقه؛ ذلك أجدر أن يعفينا من التقصير، وأن يُقرِّب الصواب إلى غير المسلمين.

  • بعض بيئاتنا الأدبية

    بعض بيئاتنا الأدبية

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٩ مايو ١٩٤٧

    لنْ يكون هذا الحديثُ شَاملًا؛ لأنَّه لا يُمكن أن يكون شامِلًا ولا قريبًا من الشمول، ففي مصر بيئات أَدَبِيَّة مُخْتَلفة لم يُتح لي أنْ أعْرِفَها، ولا أنْ أتَّصل بها.

    وفي مصر بيئات أدبية وصلتُ إلى أطراف من أحاديثها، ولكني لم أعلم من حقائق علمها شيئًا ذا خطر … بعض هذه البيئات لا يزال قائمًا يُنتج آثاره المُختلفة، ويبعث تَيَّاراتِه المُتَبَاينة في حياتنا الأدبية، وبعضُ هذه البيئات قد ذهب مع ما تذهب به الأيام في هذا العصر الذي يَمضي فيه التطور مُسرعًا إلى غاية وإلى غير غاية؛ فلن أتحدث إذنْ إلَّا عن بعض البيئات الأدبية التي عَرَفْتُها وتَأثَّرت بها من غير شكٍّ، ولعَلِّي أكونُ قد أثَّرتُ فيها بعض التأثير.

    وسيكون هذا الحديث أشبه بالذِّكرى منه بالدِّراسة، ومِنْ أَجْلِ هذا أبدأ بالحديث عن البيئة الأدبية الأولى التي عرفتها وشاركت فيها أعوامًا في أول هذا القرن … فأنت إذا دخلت الأزهر من باب الرِّواق العَبَّاسي وجدت إدارة الأزهر — أو ما كان يُسمى في ذلك الوقت إدارة الأزهر — عن شِمَالكَ، والرِّواق العباسي عن يمينك، وبين هذين البناءين في هذا الممر الضَّيق الذي يفصل بينهما نشأت هذه البيئة الأدبية الأولى في أواسط السنة الرَّابعة من هذا القرن.

    كان الرِّواق العَباسي في ذلك الوقت ملتقًى لطلاب الجديد من الأزهريين ومن غير الأزهريين، مَرَّتين في كلِّ يَومٍ، يَلْتَقُون فيه حينَ يَرْتَفِعُ الضحى ليجتمعوا حول الأستاذ الشيخ سيد المرصفي، يسمعون منه تفسير الحَمَاسة في بعض أيام الأسبوع، وتفسير المُفَصَّل للزمخشري في بعضها الآخر، ويلتقون فيه بعد أن تُصلَّى المغربُ، ليجتمعوا حول الأستاذ الإمام يسمعون منه في بعض ليالي الأسبوع دروسه في البلاغة، وفي بعضها الآخر تفسيره للقرآن الكريم.

    وكان أولئك وهؤلاء يتفرقون بعد انتهاء هذه الدروس، ولكن جماعة ضئيلة كانت قد اتخذت هذا الممر، بين الرواق العباسي وإدارة الأزهر، مُستقرًّا لها، تسبق إليه قبل أن يرتفع الضُّحى لتنتظر دَرْسَ الأستاذ المرصفي، وتُسرع إليه بعد أن تُصلي العصر لتنتظر درس الأستاذ الإمام.

    وكانت هذه الجماعة قد اختارت هذا الممر لمَكانه من الرواق العباسي أولًا، ولأنَّه كان يُتِيحُ لها أنْ ترى الداخلين إلى إدارة الأزهر والخارجين منها ثانيًا، ولأنه كان يوشك أن يكون مَكانًا أرستقراطيًّا مُمتازًا لجدَّته ووقوعه بين هذين البناءين. وكانت هذه الجماعة تتحدث حين تلتقي بما تسمع من الأستاذين — أحدهما أو كليهما — أحاديث الإعجاب والإكبار، وبما تسمعُ من الأساتذة الآخرين في الفقه والنَّحو والمَنْطِق والأصول، أحاديث السُّخرية والعَبَث! ثم كانت تعلق على إقبال المُقبلين وانصراف المُنصرفين، وعلى ما يكون بينهم من تفاوت في الأشكال والأزياء والسِّمات. تذهب في هذا كله مذهب النقد، أو مذهب العبث والتشنيع، لا تحفل بشيء ولا تأبه لأحد، ولا تتحرج من لفظ!

    كانت تسمع من الأستاذ المرصفي أن لا حياء في العلم، وكانت تسمع من أساتذة الفقه أن لا حياء في الدِّين؛ فاستقرَّ في نَفْسِها أن لا حياء في شيء من الأشياء؛ لأنَّ كُلَّ شيء من الأشياء لن يكون له خطر الدين والعلم، وإذن فمِنْ حَقِّها أن تخوض في كل شيء، وأنْ تخوض في كل شيء كما تشتهي! وكانت تسمع نقد الأزهر والأزهريين لاذعًا منَ الأستاذين الجليلين في الصباح والمساء، فكانت ترى ذلك مُباحًا لها، بل فرضًا عليها، وكانت تمضي فيه إلى غير حد، حتى فرقها الأستاذ الشيخ حسونة النواوي — رحمه الله — ذات يوم، في قصة ذكرتُها في غير هذا الحديث!

    في هذه البيئة الأدبية الأولى تخرج ثلاثة يعرفهم المِصريون في هذا الجيل؛ وهم: محمود حسن الزناتي، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين.

    على أنَّ هذه البيئة قد اتصلت ذات يوم ببيئة أدبية جديدة من طراز آخر، لم تنشأ في الأزهر ولا قريبًا مِنْه، وإنَّما نشأتْ في شَارع غيط العدة، حيث قامت إدارة «الجريدة»، وأشرف على هذه الإدارة منذ قامت أستاذنا الجليل أحمد لطفي السيد باشا.

    فتنت هذه البيئة كما فُتن غيرها من شباب الأزهر بالجريدة؛ لأنها كانت تُصور لونًا جديدًا من ألوانِ التَّعبير لم يَكن مَألوفًا في «المؤيد» المحافظ، ولا في «اللواء» الذي كان يلتهب وطنية، وإنما كان فيه شيء من اعتدال واستقامة في التفكير، وكانت فيه بنوع خاص نفحة من الجديد حين كان لطفي السيد يتحدث عن مونتسكيو، وروسو، وفولتير، وجول سيمون. ولم يكن تَأَثُّر هذه البيئة الأزهرية بهذا اللون الجديد من التفكير والتعبير أقلَّ من تأثر البيئات المدنية في المدارس العليا، ولا سيما مدرسة الحقوق.

    ومن هنا سعى الشباب إلى مدير «الجريدة» مُعَمَّمين ومُطربشين، وأَصبح مكتبه ناديًا أدبيًّا، يلتقون فيه مصبحين فيَشقُّون فيه على الأستاذ، ويُكلِّفونه العناء كل العناء في التماس الفراغ الذي يكتب فيه مَقَالته! ويلتقون فيه إذا أقبل المساء، فيقول بعضُهم لبَعْضٍ، ويقولون للمُدير ويَسْمعون منه، وما هي إلا أنْ يُفكر المُدير في أنْ ينظم لهم بعض المُحاضرات، يلقي بعضها هو، ويُلقي بعضها غيره من أعلام الفِكر والقانون في ذلك الوقت.

    وكذلك التقى الشباب الناشئ بعضهم ببعض، فأخذت الأسوار تنهار بين العَمَائم والطرابيش، والتقوا بالشباب الناضج والكهول والشيوخ من أعلام الحياة المصرية على اختلاف فروعها، فأخذ دم جديد يدور في جيل جديد من المصريين.

    ولم يكد يتقدم القرن نحو الحرب العالمية الأولى حتى اتَّصَلت هذه البيئة الجديدة عمائمها وطرابيشها، أو قُل حتى أنشأت هذه البيئة الجديدة لنفسها ناديًا آخر قريبًا من ناديها الأول في الجريدة. وكان هذا النادي في تلك الدَّار التي أثرت في الحياة العقلية المِصْرِيَّة أقوى أثر وأبقاه، وهي دار آل عبد الرازق.

    كانت هذه الدار ناديًا بأدق معاني هذه الكلمة وأحدثها، يجد فيه أعضاؤه ما يشتهون من أدب وعلم، وجد وفكاهة، وسياسة واجتماع، ويَجدون فيه إلى ذلك مَائدة مَنْصوبة للغداء والعشاء يسعى إليها من شاء، وما كان أكثر من يشاءون، ويتخلف عنها من أراد، وما كان أقل من يريدون، ويجدون فيه إلى ذلك ما شاءَ اللهُ من قهوة وسجائر، وما يُشبه القهوة والسجائر من ألوان الترفيه!

    ولم يكن هناك فرق بين هذا النادي وغيره من الأندية الحديثة، إلا أنَّ أعضاء النادي لم يكونوا يؤدون اشتراكًا. وفي هذا النادي تم الاتصال بين العمائم والطرابيش والقلانس على أوسع ما يُمكن أن يكون الاتصال؛ فازدادت الدورة الدموية الجديدة قوَّة وخصبًا ونشاطًا.

    في هذا النادي كانت تُحَرر الفصول الأدبية والسياسية الخطيرة في الجريدة، وفي هذا النادي أنشئت جريدة «السفور» الأسبوعية. ولست أدري أين تقرر إنشاء «السياسة»، ولكني أعلم أنَّ أهم ما كان ينشر في «السياسة» من أدب وفلسفة ونقد وسياسة كان يُهيَّأ في هذا النادي، ويَخرجُ منه مكتوبًا أو كالمكتوب ليُنشر في جريدة السياسة!

    في نادي «الجريدة»، وفي نادي آل عبد الرازق تخرَّج جيل من الأدباء والعُلماء والأساتذة والمُفكرين والوزراء، نهضوا بجزء عظيم جدًّا من الحياة العقلية والأدبية والسياسية في مصر نحو ثلاثين عامًا. في هذين الناديين نَشَأ «حزبُ الأُمَّة» في أول القرن، وفي ثانيهما نشأ الحزب الديمقراطي بعد انقضاء الحرب، ونضجت فكرة حزب الأحرار الدستوريين بعد إلغاء الحماية. ولن يتسع هذا الحديث الإجمالي ما كان لهذين الناديين من أثر بعيد أشد البعد في إحياء الأدب العربي القديم، وفي توجيه الأدب العربي الحديث.

    على أن نادي آل عبد الرازق كان كالنهر العظيم الذي تلتقي فيه نهيرات صغيرة كثيرة، منها نادي المدارس العليا، ومنها تلك البيئات الأزهرية المُختلفة، ومنها بيئات مُشتتة كانت تستقر في بعض القهوات هُنا وهناك! في باب الخلق حول حِفني ناصف، وفي حي سيدنا الحُسين حول الشيخ سيد المرصفي، وفي قهوة «متاتيا» وقهوات أخرى حول حافظ إبراهيم الذي كان يتنقل ببيئته الأدبية كما يتنقل الحي من أحياء البادية.

    وفي الصالونات الأرستقراطية التي لم يكن يرقى إليها أوساط الناس: في صالون الأميرة نازلي فاضل، وعند سعد زغلول، وفي صالون آخر كان أمره عجبًا، كان يلتقي فيه المِصْريون والشرقيون من أهل البلاد العربية وبعض الفرنجة حول آنسة كان الحديث عنها والحديث إليها مُحببًا مُمتعًا، وهو صالون «مي»، الذي كان يجتمع فيه يوم الثلاثاء من كل أسبوع حين يدنو النهار من آخره، ولا يتفرق إلا حين يتقدم الليل. كان أوله حين كنت أتردد عليه حديثًا في الأدب والفن والعلم، وكان آخره حين تنصرف كثرة الزائرين، وتبقى القلة المُختارة قراءة وعَزفًا وغِناء.

    وفي هذا النهر الكبير الذي كانت تلتقي فيه تلك النهيرات الكثيرة كان يصب نهير آخر أصبح الآن ذا خطر، وهو «لجنة التأليف والترجمة والنشر»، التي لم تكتف بحديث الفُكاهة والجد ونشر المقالات هنا وهناك، وإنما حولت نشاطها إلى ترجمة وتأليف ونشر وإصدار للصحف والمجلات، وكانت مِنْ أَهَمِّ الوَسَائل التي تجاوزت بحياتنا العقلية حدود مصر ونشرتها في جميع أقطار الشرق، وفي جميع طبقات الناس الذين يحيون في هذه الأقطار.

    وأي نُهير من هذه النهيرات خَلِيقٌ وَحْدَه بأنْ يُؤلف فيه كتاب، فكيف بها كلها حين تلتقي في هذا النهر العظيم، وكيف بأنهار ونهيرات أخرى كانت تسلك طرقها المُختلفة مُستقلة مُنحازة إلى نفسها، شديدة الحرص على ما كانت تؤثر من استقلال وانحياز؟!

    وليس من شك في أن أخص ما يمتاز به النصف الأول من القرن العشرين بالقياس إلى حياتنا العقلية في مصر، هو أنه نقلها من البساطة واليسر إلى التعقيد والعسر، وجعل مهمة الذين يُريدون أنْ يُؤرخوا الأدب المِصْرِيَّ مِنْ أَشَدِّ المهمات عُسرًا وأعظمها تعقيدًا والتواء!

    ولكنه مع ذلك، أو من أجل ذلك، قد مَنَحَها من القُوَّة والخصب والتنوع والاختلاف ما رَدَّ إلى الأدب العربي الحديث مجده القديم، ورفعه إلى حيث أصبح أدبًا من الآداب العالمية الكبرى.

  • مأساة

    حديث الوادي
    مأساة…
    فأما الذين أصابهم شرها، وهم نيف وسبعون من علماء الأزهر، فقد تلقوها كما علمهم الدين أن يتلقوا الشر بالصبر والثبات والإيمان بالحق، والثقة بعدل الله، والانتظار لهذا الإنصاف الذي إن أخره الله عنهم امتحاناً لهم، وابتلاءً لأخلاقهم، واستزادة لهم من الحسنات، واستكثارا لهم من الثواب، فهو مدركهم من غير شك؛ لأن الله عز وجل قد تأذن أنه لا يظلم الناس شيئاً، ولا يضيع على ذي حق حقه، ولا يحول بين المظلوم وبين ما ينبغي له من الإنصاف.

    وأما الذين مثلوا هذه المأساة، وصبوا شرها على المظلومين صباً، فما يزالون كما كانوا يوم أقدموا على هذه القسوة، ودفعوا أنفسهم إلى هذا العنف، أقوياء أشداء يستمتعون بلين الحياة، فينعمون بطيباتها، يبتسمون لضوء الشمس إذا أصبحوا، ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، يتحدث بعضهم إلى بعض، ويطمئن بعضهم إلى بعض، ويشفق بعضهم من بعض، ويضطربون في حياتهم بعد هذه المأساة كما كانوا يضطربون في حياتهم من قبل، لا يمس قلوبهم حزن، ولا يبلغ نفوسهم أسى، ولا ينتهي إلى ضمائرهم ندم، ولا تغشى وجوههم كآبة، كأنهم لم يحدثوا شيئاً، ولم يظلموا أحداً، ولم يحولوا بين الصغار وبين ما لا ينبغي أن يُصرف عن الصغار من هذا الرزق الحلال، الذي يكسبه الآباء الأخيار لأطفالهم الأبرياء.

    وكأنهم لم يخرجوا قوماً من هذا الأمن الذي ينبغي للعلماء، إلى هذا الخوف الذي لا ينبغي للعلماء، وكأنهم لم يصدوا عن العلم قوماً خلقوا للعلم، ولم يصرفوا عن التعليم قوماً أعدوا حياتهم للتعليم، وكأنهم لم يردوا عن تعليم الدين والدعوة إليه قوماً هيئوا لتعليم الدين والدعوة إليه.

    نعم، هؤلاء الذين أحدثوا هذه المأساة يستمتعون الآن بلين العيش، وإن نيفاً وسبعين من إخوانهم في العلم ليشكون بالعيش الخشن الغليظ، وهم ينعمون بطيبات الحياة، وإن قوماً من إخوانهم في الدين ليبتئسون بشر ما يبتئس الناس به في هذه الأيام السود، يبتسمون للشمس إذا أصبحوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون الشمس بوجوه لا ترتسم عليها ابتسامة الراحة والأمن والاطمئنان، وإنما ترتسم عليها ابتسامة الصبر، والرضى بقضاء الله، والثقة بأن عدل الله قريب.

    ويطمئنون إلى ظلمة الليل إذا أمسوا، وإن قوماً من إخوانهم في العلم والدين ليستقبلون ظلمة الليل وفي قلوبهم ألم مما مسهم به النهار من ضر، وفي نفوسهم قلق وإشفاق مما قد يمسهم به الغد من ضر، وفي ضمائرهم مع ذلك إيمان وثقة بأن عدل الله قريب.

    نعم، إن الذين أحدثوا هذه المأساة منذ ثلاثة أعوام لا يزالون كما كانوا حين أحدثوها، لم يصل الندم إلى نفوسهم بعد، ولم يبلغ الحزن قلوبهم بعد، ولم يرتسم أمام ضمائرهم أنهم قد ظلموا إخوانهم، وبطشوا بهم في غير حق، وقسوا عليهم في غير ما يدعو إلى القسوة، وابتغوا لهم الشر، وكان ينبغي أن يبتغوا لهم الخير، وألقوا بهم وبمن يعولون من النساء والأطفال، ومن ذوي القربى فرائس لهذه الوحوش الضارية التي تفسد الحياة المصرية في هذه الأيام، وحوش الخوف والقلق، والشقاء، والبؤس، والحرمان.

    نعم، لم يحزنوا، ولم يندموا، ولم يذكروا شيئاً من هذا، ولم يفكروا في شيء من هذا، ومع ذلك ففي أعوام ثلاثة ما يكفي ليتوب المذنب، ويتوب المخطئ إلى الصواب، ويتنبه الغافل من غفلته، ويستفيق الجاهل من جهله، ويعتبر من هو قادر على أن يعتبر، ويندم من هو مستعد ليذوق ألم الندم ولذته في وقت واحد.

    في ثلاثة أعوام ما يكفي للتذكر والتفكر والرجوع إلى الحق، والانصراف عن الباطل، وإصلاح الخطأ، وإنصاف المظلوم. في هذه الأعوام الثلاثة ما يكفي ليتبين شيخ الأزهر وأصحابه الذين أعانوه على هذه المأساة، أنهم كانوا مسرفين على أنفسهم وعلى هؤلاء الناس، وأن من الحق عليهم لأنفسهم ولهؤلاء الناس أن يتوبوا من هذا الإسراف، ويثوبوا إلى ما ينبغي لهم من القصد، وأنهم كانوا مخطئين، ومن الحق عليهم أن يعودوا إلى الصواب، وأن يردوا إلى هؤلاء الناس حقهم ويعيدوهم إلى حيث كانوا يعملون، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه لم يتبينوا إلى الآن شيئاً، أو هم لم يريدوا أن يتبينوا شيئاً، أو هم كانوا يعلمون كل شيء حينما أقدموا على ما أقدموا عليه، ولكنهم مع ذلك أقدموا، لا خائفين ولا وجلين، ولا حاسبين لشيء حساباً.

    ما أقسى قلوب الناس وأغلظها، وما أخشن طباع الناس وأجفاها، وما أشد ما تحب بعض الضمائر أن تخلد إلى النوم. إن شيخ الأزهر وأصحابه ليرون هؤلاء المظلومين منذ ثلاثة أعوام، وهم يحتملون الظلم، ويشقون بآلامه، ويثبتون له كراماً، ويصبرون عليه أقوياء النفوس، وإن في بعض ما يرون من أمرهم وما يعلمون من أطوارهم لما يكفي لتنغيص الحياة أثناء النهار، ورد النوم عن الجفون أثناء الليل، ولكن شيخ الأزهر وأصحابه يحيون بياض النهار سعداء ناعمين، وينامون ملء جفونهم سواد الليل، لا تؤرقهم الهموم، ولا يقلقهم الندم، ولا تروعهم الأحلام.

    لقد كنت أعلم قبل أن يبسط صدقي باشا على المصريين ظل هذا العهد، أن في الدنيا ظلماً كثيراً، وأن الناس جميعاً عرضة لأن يصدر عنهم الظلم، ويقع عليهم، ولكني ما كنت أقدر في يوم من الأيام أن الأزهر الشريف سيصيبه مثل ما أصابه في هذا العهد، وأن نيفاً وسبعين من علمائه ستقطع أرزاقهم في لحظة قصيرة في غير سؤال، ولا تحقيق، ولا محاكمة، ولا رعاية لحرمة من الحرمات، ولا لتقدير ظرف من الظروف، ولا تفكير فيما سيؤول إليه أمر هذا العدد الضخم من علماء الدين، ومن يعولون من الصغار والضعفاء، ولا حساب لأمر هؤلاء الطلاب الذين كانوا يختلفون إلى دروسهم، ويستعينون بهم على التفقه في العلم والدين.

    لم أكن أقدر أن حدثاً كهذا الحدث يمكن أن يلم بالأزهر لأني كنت أعتقد أن مكانة الأزهر من الدين ستحميه دائماً من أن يقع فيه الظلم الشنيع أو تحدث فيه الأحداث الجسام، ولكن أيام صدقي باشا أبت إلا أن ترينا كل شيء، وأن تكره التاريخ على أن يسجل ما لم يتعود تسجيله منذ أنشئ الأزهر، ويثبت أن نيفاً وسبعين من العلماء قد أخذوا بالشبهة، وعوقبوا على الظنة، وكانوا آمنين مطمئنين، فدفعوا في لحظة قصيرة إلى القلق والخوف.

    ولم أكن أقدر أن علماء الأزهر سيفقدون ما لا ينبغي أن يفقد رجال الدين من التعاطف والتراحم فيما بينهم، ومن إنكار الشر وجحود الظلم والوقوف في وجه العدوان، ولكن قسوة صدقي باشا وصرامة حكمه وهذه الألوان من العنف، التي أحاط بها كل شيء وكل إنسان، كانت أقوى فيما يظهر من التعاطف بين رجال الدين، فأخرج هذا العدد الضخم من الأزهر ودفعه إلى الشارع، ولم يظهر من علماء الأزهر إنكار، ولم يجر لسان واحد منهم باحتجاج، وأكبر الظن أن كثيرين منهم تجنبوا هؤلاء المظلومين مخافة أن يتهموا أو أن يساء بهم الظن، أو أن يصيبهم ما أصاب هؤلاء من ظلم وجور.

    وكذلك انتهى الفساد إلى أقصاه، وبلغ الشر غايته في هذه الأيام؛ يقع الظلم العنيف حيث لا ينبغي أن يقع الظلم، حتى إذا وقع لم ينكره أحد، وإنما استكان له الناس جميعاً، وخاف منه الناس جميعاً، وأصبح الذين كان ينبغي أن يكونوا دعاة إلى العدل وحماة للحق خائفين وجلين، يسألون الله أن يدرأ عنهم الشر، ويدفع عنهم السوء، ويلطف بهم في القضاء.

    لا يمكن أن يصل الضعف إلى شر من هذا، لا يمكن أن يعقد الأمل بقوم ينتهون من الضعف إلى مثل هذا، لا يمكن أن ينتظر الخير من قوم يلقون الشر بمثل هذا.

    لا يمكن أن يرجى الصلاح عند قوم يطمئنون إلى الفساد مثل هذا الاطمئنان، ومع ذلك فإن هؤلاء العلماء الذين نيفوا على السبعين، والذين صبروا لهذا الظلم ثلاثة أعوام، مؤمنون بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، ونحن نؤمن معهم أصدق الإيمان بأن عدل الله واقع، وبأنه قريب، وبأنه سيرد عليهم حقهم، ولكن لا على أيدي الأزهريين، بل على أيدي قوم آخرين.

    طه حسين
    الوادي، ١٧/ ٩/ ١٩٣٤.

  • راحة٢

    راحة
    لم يكن غنيًا يتدحرج على الذهب، ولا معدمًا ينام على القش، وإنما كان رجلًا من أوساط الريف، يأكل حتى يشبع، ويشرب حتى يروى، وينام ملء جفونه إذا جنه الليل. ولم يتكلف في كسب هذا العيش المطمئن الفارغ مشقة ولا جهدًا، إنما تركت له أسرته، التي كانت حسنة الحال فيما مضى من الزمان، بقية من أرض كثر عليها الدين، وتنازعها الغرماء، ولكنها كانت، على ذلك، تقيه وتقي أهله شر الجوع والحرمان.

    ولم يكن مثقفًا ولا قريبًا من المثقف، وإنما تركت له أيام النعيم بقية من علم بالقراءة، كانت تتيح له أن ينظر فيما يصل إلى القرية من الصحف بين حين وحين، وكانت تمكنه من أن يقرأ في بعض هذه الكتب التي يمر بها الطوافون على أهل الريف، فيحملون إليهم قصصًا وطنيًا يجدون في قراءته والاستماع له لذة ومتاعًا.

    وكان راضيًا عن حاله، مطمئنًا إليها، مغتبطًا بها، لا يفكر في أن يغيرها أو ينتقل إلى حال خير منها. بل كان يضيق صدره كلما أحس من أهله رغبة في سعة، أو تمنيًا لخلاص أرضه من الدين والغرماء.

    وكان عقله نائمًا أو كالنائم، لا يكاد يفكر في غير ما يحيط به من أمور أهل القرية. وكان أهل القرية ينظرون إليه في شيء من الإكبار والازدراء والإشفاق معًا. يكبرون أسرته القديمة ذات المجد التليد، ويزدرون فتوره وخموده، وما انتهت إليه حاله من الخمول، ويشفقون عليه مما اضطر إليه من ضيق بعد سعة، وضعة بعد ارتفاع.

    وكان كل شيء من حوله مضطربًا شديد الاضطراب. فالأحزاب تختصم في غير هدنة ولا أمل في الهدنة، والانتخابات النيابية يتبع بعضها بعضًا في سرعة غير مألوفة، لا يكاد يسفر انتخاب عن مجلس من مجالس النواب حتى يحل ويتفرق أعضاؤه، ثم يستأنف الجهاد، وتشب الحرب، ويكون انتخاب جديد، ومجلس جديد، لا يكاد يفتتح ويبدأ عمله حتى يرد أعضاؤه إلى حيث كانوا، فإذا هم يتفرقون مرة أخرى في مدنهم وقراهم، ليستأنفوا الجهاد، ويعيدوا حرب الانتخاب جذعة كما كانت قبل أشهر أو قبل أسابيع.
    ولم يكن صاحبنا يحفل بهذا كله، بل قل إنه لم يكن يفهم من هذا كله شيئًا. قيل له ذات يوم: لا بد من أن تثبت اسمك في جدول الانتخاب، ففعل. ثم قيل له: لا بد من أن تذهب إلى حيث الانتخابات، ومن أن تختار نائبًا أو ناخبًا لنائب، ففعل.

    ويجب أن ننصفه، فنؤكد أنه كان شديد الثقة بالعمدة، لا يأتي في الانتخاب وما يتصل به من الأعمال أمر إلا بعد أن يشيره. فإذا أشار عليه استمع له، ولم يخالف عن أمره مهما تكن الظروف، ومهما تكن المغريات بالخلاف.

    ولم تكن ثقته بالعمدة رهينة بشخص العمدة، وإنما كانت رهينة بمنصبه، فقد كان العمد يغيرون ويبدلون في سرعة ملائمة لسرعة الانتخابات وتتابعها بين حين وحين. وكان صاحبنا دائمًا رهينًا بمشورة العمدة القائم، مطيعًا لأمره في ثقة وتسليم وإذعان.

    وأشرقت الشمس ذات يوم على ما يحيط بالقرية من البراري، وما يطوقها من الحدائق والحقول. واستفاق صاحبنا من نومه سعيدًا راضيًا، كدأبه في كل يوم. فلما خرج من فراشه أكل كعادته فأكثر الأكل، وشرب كعادته فأكثر الشرب، وأخذ يشعل السيجارة في إثر السيجارة حتى أحرق منها خمسًا، كدأبه كل يوم إذا امتلأ من طعام الصباح وقهوته، حتى إذا استقرت معدته في جوفه، وقلبه في صدره، وعقله في رأسه، عمد إلى عصاه الغليظة فأخذها، وخرج يعبث بها حينًا، ويعتمد عليها حينًا آخر، في شيء من الخيلاء لم يكن يقدم عليه أحد من غير هذه الأسرة الخاملة بعد علو الذكر ونباهة الشأن.

    ولم يكد يتجاوز باب الدار قليلًا حتى لقيه العمدة، ومعه من يمثل الإدارة، فسلم عليه العمدة في شيء من الإكبار لم يعهده من قبل، وهو يقول:

    — أين تذهب؟ لقد كنا نريد أن نزورك.

    قال صاحبنا في شيء من الدهشة والعجب:

    — تفضلوا، على الرحب والسعة.

    ثم التفت إلى العمدة وقال:

    — ولكن هلا بعثت إلي ولم تتكلف مشقة هذا السعي؟

    قال العمدة:

    — وإذا لم يسع إلى ابن فلان وحفيد فلان، فإلى من يكون السعي؟

    ثم كانت الزيارة، وكان حديث لست أدري أفهمه صاحبنا أول الأمر حين فهمه، ولكنه أكبره ودهش له على كل حال.

    ومنذ ذلك اليوم كثر تردده على دار العمدة، وتردد العمدة على داره، وكثر انتقاله من القرية إلى حيث تقيم الإدارة، وكثر تردد رجال الإدارة على القرية. وتحول صاحبنا نشيطًا بعد فتور، يقظًا بعد غفلة، ذكيًا بعد غباء.

    وما هي إلا أسابيع حتى كان صاحبنا عضوًا في البرلمان، لا يقيم في قريته البعيدة النائية في أقصى الريف، وإنما يقيم في باريس أكثر العام.

    وكان في أول أمره صامتًا في المجلس، طويل الصمت، ثم أخذ يتكلم قليلًا، ينطق بالجمل القصار، ثم الجمل الطوال، ثم أصبح خطيبًا يسهب ويطنب، ويفصح ويبين!

    تغير في شكله وهيئته كل شيء، وانقطع عنه إلحاح الغرماء، وخلصت له أرض أبيه، وأصبح العمدة يكبره، لا عن تكلف، ولا عن خضوع لأمر الحكام.

    ولكن شيئًا واحدًا لم يتغير فيه، وهو أنه لم يصدر فيما يأتي من الأمر، أو يلقي من الخطب، إلا عن رأي رجل قام في حياته الجديدة مقام العمدة في حياته القديمة. وهذا الرجل هو الوزير، فقد ارتفع صاحبنا عن منزلته الأولى بين أهل الريف، حيث كان يذعن للعمدة، إلى منزلة جديدة في العاصمة، فأصبح يذعن للوزير.
    وطالت به هذه الحال، فانقضى عام وجاء بعده عام، ولكن صاحبنا أخذ يستفيق بعض الشيء في العام الثاني. وحياة العواصم قوية خصبة، تذكي الشعور الخامد، وتنبه العقل النائم، وتفتح البصائر المغلقة.

    فما أيسر ما تنبه صاحبنا إلى موقفه، وشعر بمكانته، وعرف أنه قد أصبح قوة لا يستهان بها، ولا يستغنى عنها، فكبر في نفسه، وأراد أن يكبر في نفوس الناس. وهنا وجد صاحبنا المشقة، والعناء كل العناء. نظر فإذا زملاؤه ووزراؤه ورفاقه السياسيون لا يزالون ينظرون إليه اليوم كما كانوا ينظرون إليه من قبل، ولا يكبرونه ولا يشعرون بجلال خطره. وكلما هم بأن يتقاضاهم شيئًا من الإعظام والإكبار ابتسموا له، ونغضوا إليه رؤوسهم ساخرين، فإذا ألح ذكروا له بيئته الأولى، وحياته الأولى، وأنبأوه بأن طريق العودة إلى هذه البيئة وتلك الحياة ليست بالشاقة ولا بالطويلة.

    ونظر فإذا كثرة الناس من أهل العاصمة، أولئك الذين لا يظفرون بشرف السياسة ومغانمها، ولكنهم يحتملون أثقالها ومغارمها، ينظرون إليه شزرًا، ولا يقبلون عليه إلا بمقدار ما تدعو إليه الحاجة الماسة إلى الحديث. فضاقت به العاصمة على سعتها، وضاق هو بالعاصمة على حبه لها، وأعرض عن أنديتها ومجالسها، وأعرض عن ملاعبها وملاهيها، وآثر أن يلزم ناديه السياسي، ويكثر الاختلاف إلى اللجان البرلمانية في الصباح، وإلى الجلسات البرلمانية في المساء.

    حتى إذا كان آخر الدورة، وطلب إلى النواب والشيوخ أن يتفرقوا ليستريحوا من عناء العمل، ويريحوا الوزارة من طول الحديث وكثرة الكلام، تنفس صاحبنا كالمبتهج السعيد، فقد آن له أن يدع زملاءه الذين يزدرونه، وأن يدع أهل العاصمة الذين ينكرونه، وأن يذهب إلى الريف، هنالك حيث الهواء الطلق، والبراري الجميلة، وحيث الجبال الشاهقة تحيط بالقرية من بعيد، وقد اتخذت على قممها عمائم من الثلج الناصع النقي، وحيث أهل الريف وطباعهم السمحة، ونفوسهم الساذجة، وقلوبهم الطاهرة التي لا تعرف إسرافًا في الحقد والبغض، ولا غلوًا في الحسد والمنافسة، والتي لا تجحد فضل الأسر القديمة، ولا تعرض عن أبنائها، ولا سيما حين يكون هؤلاء الأبناء قد أعادوا المجد القديم، وارتفعوا إلى حيث أصبحوا من أولي الحل والعقد، ومن الذين يرجع إليهم في تصريف الأمور.

    وبلغ صاحبنا قريته مع الصباح، بعد سفر أنفق فيه ليالي طوالًا، وكان يقدر أنه لن يدع العربة حتى يلقاه أهل القرية جميعًا مكبرين له، مبتهجين بلقائه. أليس قد بلغ رسالتهم، وأبلى في الدفاع عنهم ما أقام في العاصمة؟

    ولكنه ترك العربة، فلم يجد أحدًا إلا خادمه الشيخ قد أقبل ينتظره، فلما رآه حياه، ثم شغل عنه بما كان يصطحب من متاع. وتقدم النائب خطوات، وأبى أن يركب العربة التي كانت تنتظره، وآثر أن يبلغ داره ماشيًا، وكان من غير شك يقدر أن هؤلاء الجاحدين الذين لم يخرجوا للقائه سيرونه رغم أنوفهم وهو يسعى في الطريق، وسيحيونه كارهين.

    ولكنه مضى في الطريق يمر أمام المتاجر، وأمام الدور، ويمر به الناس ذاهبين وجائين، فلا يلتفت إليه منهم أحد، ولا يشعر به منهم أحد. وهو يتكلف من الأشكال والصور ما يظهره للناس، ولكنهم يمرون وكأنهم لا يرونه. فإذا تلقاه أحد منهم بالتحية رد عليه تحيته، ومضى مسرعًا لا يلوي على شيء.

    ولم يبلغ الرجل داره حتى كان ضيقه بالقرية وأهلها كضيقه بالعاصمة ومن ترك فيها من الناس.

    على أن أهله كانوا قد تهيأوا للقائه فرحين مبتهجين به، ولكنه لم يكد يراهم، ويرى ابتهاجهم به، والتفافهم من حوله، حتى أظهر من الفتور والانقباض ما رد فرحهم إلى شيء، إن لم يكن حزنًا فهو قريب من الحزن.

    ومضت ساعة وساعة، والصمت طويل بين الرجل ومن يحيط به من أهله وذوي قرباه. فلما أذن الله لهم بالحديث، أظهر صاحبنا بعض العجب لفتور أهل القرية في استقباله، وإعراضهم عنه حين كانوا يلقونه في الطريق.

    فابتسمت زوجته، وكانت ذكية فطنة، وقالت في رفق:

    — أكنت تنتظر منهم غير ذلك؟ وقد ذهبت إلى العاصمة، وعدت منها، وأقمت فيها ما أقمت، وأبليت في العاصمة ما أبليت، فلم ينجل عنهم هم، ولا رد عنهم بأس، ولا فرج عنهم كرب.

    لقد كنت أظن أنك قد أقدمت على ما أقدمت عليه، وأنت تعلم حق العلم أنك معرض لدفع ثمنه، احتمالًا لتجهم الناس لك، وتنكر المتنكرين منهم، وسخط الساخطين فيهم.
    منذ ذلك اليوم أقام صاحبنا في الريف كما كان يقيم في العاصمة، لا يرى الناس ولا يراه الناس. وإنما يلزم داره أكثر النهار، فإذا لم يكن بد من خروج، فإلى دار العمدة في القرية، وإلى مستقر الإدارة في المدينة.

    حتى إذا انقضى الصيف، ورجع إلى العاصمة ليستأنف حياته العامة، لقي زملاءه مبتهجًا، راضيًا، مسرورًا. وكان يقول كلما لقي منهم أحدًا:

    — هلم إلى العمل، ما أكثر ما ينتظرنا من الجهد هذا العام! لقد لقينا الناس، وتحدثنا إلى الناخبين، وعرفنا حاجاتهم، فقد آن لنا أن نقضي هذه الحاجات، ونحقق هذه الآمال، وإلا فما نحن عنهم بنواب، وما نحن لهم بممثلين.

    كان ذلك في فرنسا في أوائل القرن الماضي.

    كوكب الشرق ١٤ — ٧ — ١٩٣٣

  • تجديد

    تجديد
    لا أريد تجديد الأدب، فليس هذا موضع الحديث عن الأدب القديم والجديد، وإنما أريد تجديد الأزهر، فقد كثر الحديث فيه منذ أعوام، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بلاد الغرب أيضًا. وأكثر القراء يعرفون ما يتحدث الناس به في مصر وفي البلاد الشرقية عن إصلاح الأزهر، ولكن كثيرًا منهم — ولعل بينهم عددًا غير قليل من العلماء الأزهريين — يجهلون أن بعض البيئات الأوربية تعنى بما ينال الأزهر من إصلاح عناية خاصة. ويكفي أن نشير إلى فصول طوال كُتبت عن مصر باللغة الفرنسية لمجلة فرنسية من مجلات المستشرقين الكبرى، هي مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها صديقنا الأستاذ لويس ماسينيون. ولا يكاد يصدر كتاب في أوربا وأمريكا عن حياتنا الأدبية والدينية إلا وفيه إلمام طويل أو قصير بموقف الأزهر من هذه الحياة، مشاركًا فيها تارة ومقاومًا لها تارة أخرى، وبما يُنتظر أن يسلك الأزهر من طريق في المستقبل القريب ليصل بين حياته القديمة وبين الحياة الجديدة في مصر خاصة وفي الشرق الإسلامي بوجه عام.

    وكان مكاتب التيمس في القاهرة آخر من تحدث عن الأزهر وما يُراد به، وما يريد هو لنفسه من تجديد، في الفصل الذي نشرته له صحيفته أول أمس، ولخّصته الرسائل البرقية في الصحف المصرية. وليس الأوربيون مسرفين ولا غالين حين يقدّرون أن للأزهر خطرًا عظيمًا وأثرًا بعيدًا في حياتنا الجديدة. ولعل المصريين هم الذين يسرفون في التقصير حين ينظرون إلى الأزهر وما يناله من الإصلاح نظر المعرض عنه الذي لا يكاد يحفل به ولا يلتفت إليه.

    فالأزهر مصدر من مصادر الحياة العقلية في الشرق الإسلامي، وهو أقدم هذه المصادر، وكان أقواها وأجلها خطرًا إلى عهد بعيد، وسيظل مصدرًا قويًا جدًا من مصادر الثقافة في هذا الشرق. ويكفي أن تلاحظ أمرين: أحدهما أنه أكبر معهد يُدرس فيه الإسلام.

    والثاني أن الطلاب الذين يقصدون إليه ويدرسون فيه لا يُحصون بالمئات، وإنما يُحصون بالألوف. فهو من الناحية الأولى قوي أشد القوة لاتصاله بحياة المسلمين الدينية وتأثيره في هذه الحياة واضطرار المسلمين إلى أن يحوطوه ويرعوه ويحرصوا على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا، ما داموا حريصين على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا. وهو من الناحية الثانية بعيد الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لأن الطلاب الذين يقصدون إليه ويطيلون الاتصال به يخرجون من طبقات الأمم الإسلامية كلها مهما تختلف وتتباين، ثم يعودون إلى بيئاتهم وقد أتموا الدرس أو كادوا يتمونه، فيؤثرون في هذه البيئات تأثيرًا يلائم ما درسوا وما تعلموا، وما أثر في مزاجهم وطبائعهم من هذه المؤثرات التي تتصل بالتعليم وبالتعليم الديني بنوع خاص.

    فالذين يهملون الأزهر حين يدرسون الحياة المصرية، والذين لا يحسبون للأزهر حسابًا حين يحللون هذه الحياة، وحين يقدرون مستقبلها من أي نحو من أنحائها، يسيئون إلى أنفسهم لأنهم يأخذونها بنوع من الدرس منقوص لا خير فيه ولا غناء، ويسيئون إلى أمتهم لأنهم يهملون مصدرًا من أقوى المصادر التي تؤثر في حياتها العقلية والدينية والشعورية. ثم تؤثر لهذا كله في حياتها السياسية والاجتماعية على اختلاف فروعها وأشكالها.

    وما ينبغي بحال من الأحوال أن تكون عناية الأجانب بحاضر الأزهر ومستقبله أشد من عنايتنا نحن. فالأزهر لنا قبل أن يكون للأجانب. والأزهر مؤثر في حياتنا نحن قبل أن يؤثر في الصلة بيننا وبين الأجانب. ولعل مكاتب التيمس قد وفق توفيقًا عظيمًا حين لاحظ أن تلاميذ التعليم الحديث كانوا ينظرون منذ عشرين سنة إلى الأزهريين كما ينظرون إلى قوم غرباء، ليس بينهم وبينهم صلة. وأن هذه الحالة قد تغيرت الآن فقربت الآماد بين الأزهريين وبين غيرهم من المثقفين.

    ولعل هذه الملاحظة تعيننا على أن نفهم إعراض الناس عن الأزهر وتقصيرهم في العناية به. فأكثرهم ما يزالون ينظرون إلى الأزهريين على أنهم غرباء أو كالغرباء. وأكثرهم ما يزالون يعتقدون أن الحياة الحديثة ستمضي في طريقها إلى الأمام، وأن الأزهر سيظل مثقلًا بالقديم فيضطره ثقل التراث الذي يحمله إلى التخلف أو إلى التقدم البطيء.

    وهذا النحو من التفكير ظاهر الصواب ولكنه مغرق في الخطأ.

    فالأزهر كغيره من المرافق المصرية مضطر إلى أن يخضع لضرورات الحياة الحديثة. والأزهريون كغيرهم من المصريين مضطرون إلى أن يخضعوا لضرورات هذه الحياة. وقد حاول المصلحون في مصر أن يدعوا الأزهر متخلفًا وينهضوا بإنشاء المعاهد التي تلائم حاجات الناس ومصالحهم وتخضع في سهولة ويسر للتطور الذي يخضعون له، فأنشئت دار العلوم في القرن الماضي، وأنشئت مدرسة القضاء الشرعي في أول هذا القرن، ولكن ظروف الحياة المصرية واضطراب السياسة المصرية أبت إلا أن ترد إلى الأزهر شيئًا من القوى والنشاط وتمكنه من أن يدافع عن نفسه، ومن أن يحاول النهوض بما يجب أن ينهض به من أعباء الحياة في هذا العصر الحديث، فألغيت مدرسة القضاء، ثم أعيدت ثم ألغيت. وهذه دار العلوم تريد أن تُلغى أو تريد أن تعود إلى أصلها وتفنى في الأزهر الذي أنشئت لتقاوم به أو لتأخذ عليه الطريق.

    وهنا يخطئ مكاتب التيمس خطأً عظيمًا مصدره أنه لا يحسن العلم بتاريخ الأزهر منذ أول هذا القرن. فليس من الحق في شيء أن نهضة الأزهر حديثة يرجع تاريخها إلى هذه الأعوام الأخيرة، وإنما الحق الذي لا يشك فيه أن نهضة الأزهر بعيدة العهد، عرفتها مصر قبل الحرب الكبرى بأعوام. وكان للأستاذ الإمام محمد عبده الفضل الأكبر في تأسيسها وفي بعث الحياة القوية في نفوس نفر من الأزهريين، إلى بعضهم في هذه الأيام مقاليد الأمر في الأزهر، فليست نهضة الأزهر بنت الحرب الكبرى أو بنت الحركة الوطنية الأخيرة، وإنما هي بنت الحياة المصرية في أيام الأستاذ الإمام. وليس من أبناء هذا الجيل من ينسى جهود الأستاذ في إحياء الأزهر نفسه وبعد وفاة الأستاذ الإمام في الجهاد والكفاح للوصول إلى أعظم حظ ممكن فيه.

    وقد استفادت نهضة الأزهر من الحركة الوطنية الأخيرة، ومن إعلان الاستقلال والدستور، كما استفادت المرافق المصرية كلها من هذه الحركة. فخُيّل إلى كثير من الأجانب الذين لا يدرسون حياتنا درسًا عميقًا أن النهضة الأزهرية قد ابتُكرت ابتكارًا في هذه الأيام.

    وليس من شك في أن الفضل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة الملك في توجيه هذه النهضة القوية وتنظيمها ورعايتها بعطفه السامي وعنايته الكريمة حتى أخذت هذه الطريق التي تسير فيها الآن.

    ومن الغريب أن مظاهر النهضة الأزهرية في هذه الأيام تشبه مظاهرها قبل الحرب من وجوه كثيرة نذكر منها وجهين اثنين.

    أحدهما أن الأزهريين قد أحسوا أنفسهم وطمعوا في أن يكون لهم ما لغيرهم من المصريين المثقفين من الحق والكرامة والاحترام، وفي الثقافة والعلم. ثم نظروا فرأوا أن غيرهم من المثقفين إنما يمتاز بالعلم الحديث واللغات الأجنبية، فأبوا إلا أن يكون لهم حظ من هذا العلم الحديث وهذه اللغات الأجنبية ليكونوا كغيرهم من الناس في المنزلة وفي المكانة وفي الكرامة والحرمة، وفي التفكير والتقدير.

    الثاني: أن الأزهريين حين أحسوا أنفسهم طمعوا في أن ينهضوا بالواجبات المدنية كما ينهض بها غيرهم من الناس. ونظروا فإذا مناصب الدولة قد قُصرت على غيرهم وصُرفت عنهم، ولم يُحفظ لهم منها إلا اليسير. ثم نظروا فإذا مصدر هذا أن تعليمهم القديم لا يُعدهم للنهوض بالأعباء التي تفرضها هذه المناصب، فطالبوا بأن يُغيَّر التعليم في الأزهر، وبأن تُمحى الفروق بين الأزهريين وبين الطلاب في المدارس المدنية.

    كان الأزهريون يشعرون بهذا أول القرن شعورًا قويًّا، وهم يشعرون بهذا الآن شعورًا قويًّا، ولن تجد تعليلًا آخر لإقبال الأزهريين على هذه النهضة يؤيدونها ويستبقون إلى أن يأخذوا منها بأعظم نصيب. ولو أن الدولة نظرت إلى الأزهر والأزهريين منذ أول هذه النهضة كما نظرت إلى غير الأزهر من المرافق وإلى غير الأزهريين من أبناء مصر، لأخذ الإصلاح الأزهري طريقه مستقيمةً منتجةً لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الدولة كانت تخاف من المحافظين في الأزهر فلم تكن تمس الأزهر بالإصلاح إلا على إسراف في الرفق والاحتياط. وكان للأزهر من الدولة وضع خاص قبل الحياة الدستورية يجعل سلطان الدولة عليه يسيرًا ضئيلًا، فلم تستطع الحكومة أن تواجه إصلاح الأزهر بما كان ينبغي من الحزم والنشاط.

    والمسألة التي يجب أن يفكر فيها المصلحون الآن حين ينظرون إلى الأزهر ويقدّرون مستقبله، ذات وجهين فيما نعتقد. أحدهما أن الأزهر معهد من معاهد التعليم، لا أكثر ولا أقل. والثاني أن الأزهر معهد من معاهد التعليم الديني الإسلامي. فالوجه الأول يقضي بأن يُحال بين الأزهريين وبين كل ما من شأنه أن يفسد التعليم أو يضعف أثره في النفوس أو يشوّه تكوينه للعقل. والوجه الثاني يقضي بأن يُحال بين الأزهر وبين كل ما من شأنه أن يضعف سلطان الدين أو يُشكّك الناس في القائمين على خدمته أو يُسيء ظنهم بالذائدين عنه.

    ومعنى هذا أن أوجب ما يجب على الدولة أن تعصم الأزهر من السياسة، وتبذل كل ما تملك من قوة لتجعله بمعزل عنها ومأمنًا منها. فلم تدخل السياسة في شيء من أمور الدين إلا أثارت حوله الريب والشكوك، وألقت بينه وبين الناس حجابًا كثيفًا. وكم نحب أن يُحال بين الأزهر خاصة، ومعاهد التعليم عامة، وبين السياسة وآثارها المفسدة لكل نظام من نظم التعليم حين تندسّ إليه.

    كوكب الشرق في ٦-٨-١٩٣٣

  • جهاد

    جهاد
    جهاد علمائنا في سبيل الله معروف، وذود علمائنا عن حق الله معروف، وبلاء علمائنا في ذات الله لا غبار عليه. وآية ذلك أن كلمة الإسلام هي العليا، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في البلاد التي تسود فيها الديانات الأخرى أيضاً، لا يستطيع أحد أن يعرض للإسلام بسوء، فهو إن قال في الإسلام ما لا يحب المسلمون نهض له علماء الإسلام من أهل الأزهر فما زالوا به يحاجونه ويجادلونه، ويناضلونه حتى يلزموه الحجة ويفحموه ويضطروه إلى الإذعان وإلقاء السلاح. ومن عرض للإسلام بعمل قليل أو كثير ينافي أصوله أو يناقض قواعده، نهض له العلماء من أهل الأزهر فردوه رداً، وصدوه صداً، واستعدوا عليه سلطان الدولة، وأجلبوا عليه بخيل الدولة ورجلها حتى يتوب ويثوب، أو ينزل به ما هو أهل له من العقاب.
    وعلماء الإسلام من أهل الأزهر يلقون في ذلك جهداً جاهداً، ويحتملون في ذلك عناءً معنياً، وضنىً مضنياً، يؤرقهم بالليل ويكدهم بالنهار، ويذيب قلوبهم غيرةً وحفيظةً لدين الله، وينهك أجسامهم ذوداً عن دين الله حتى بدا عليهم الضر، وحتى ظهرت على وجوههم وأشكالهم آثار العناء. وهم إلى هذا كله قيام بالليل، صيام بالنهار، تلاوة للقرآن، حراص على الصلاة، لا يعيشون إلا لله، ولا يخلصون إلا لله، ولا يخافون فيما نصبوا أنفسهم للذود عنه من حق الله لومة لائم، ولا سلطان متسلط، ولا قوة متكبر جبار. وهم لذلك مستقر الهيبة، لا تقع العين على أحدهم إلا امتلأ له القلب إجلالاً وإكباراً، وامتلأت له النفس حباً وإعظاماً، وهم لذلك شجىً في حلوق الطغاة، وأذىً في أجواف البغاة. هم أبطال الإخلاص للدين في هذا العصر الحديث من غير شك ولا ريب. انظر إليهم وقد اجتمع مجلس الشيوخ أمس، فكان مما نظر فيه أمر من الأمور للدين فيه حكم قاطع، ورأي ساطع، ومذهب واضح، لا سبيل إلى النزاع فيه. وكان
    القانون الذي عرض على مجلس الشيوخ أمس يريد أن ينحرف بعض الشيء عن حكم الدين، ويميل إلى أن يزور بعض الشيء عن محجة الصواب. فلما عرف أمر هذا القانون بين علماء الإسلام ضاقوا به وتنكروا له، واجتمعوا أفواجاً، يزورون شيخهم الأكبر، ملحين عليه أن يجرد عزمة، وينضي همه، ويذهب إلى مجلس الشيوخ حتى إذا عرض هذا القانون أرسل على الشيوخ والوزراء من لسانه العضب، وبيانه العذب صواعق النذير والتحذير حتى يسترد الوزراء قانونهم ويرفضه الشيوخ.
    وكانت أفواج العلماء قد كلفت نفسها هذا العناء في غير غناء، فما كان الشيخ – أيده الله – في حاجة إلى التذكير، وهل ينفق الشيخ بياض يومه وسواد ليله إلا ساهراً ناظراً، ومراقباً محاسباً، يبحث عن شكوك الشاكين وريب المرتابين، وكيد الكائدين، ومكر الماكرين، فيرد سهام هؤلاء جميعاً في نحورهم، ويحمي الإسلام من شرورهم. فكان – أعزه الله وأصلح باله – لا يستقبل وفداً من وفود العلماء، ولا يلقى فوجاً من أفواجهم إلا قال: بارك الله فيكم، لقد نبهتم غير غافل، وأيقظتم غير نائم، فارجعوا مأجورين مشكورين موفورين!!
    حتى كان مساء أمس، أقبل الشيخ ومن حوله زملاؤه العلماء الذين يشتركون في أعمال مجلس الشيوخ، وفي وجوههم سماحة الإيمان، وعلى وجوههم شدة الغضب للحق. فلما دخلوا المجلس نظر إليهم الأعضاء من غير العلماء فامتلأت قلوبهم حباً ورعباً! ثم عرض القانون فما هي إلا أن يهم الشيخ بالكلام حتى ينهض وزير الحقانية مضطرباً حيراناً، كأنما أخذه دوار، فيعلن في صوت متهدج من الخوف أنه يرى على وجه الشيخ وأصحابه – أبقاهم الله ذخراً للإسلام، وعزاً للمسلمين – إنكاراً لهذا القانون، فهو يسترده معتذراً عن تقديمه، واعداً ألا يعود إلى مثله، مستعطفاً للشيخ وأصحابه، فيغض الشيخ في تواضع وعزة ورضا، ويصفق الأعضاء، ويكفي الله المؤمنين القتال، فلا نزال ولا نضال، بل انتقال إلى جدول الأعمال.
    كذلك تحدثت شهرزاد، ولكن الصباح لم يلبث أن لاح فسكتت عن الكلام
    المباح، وخرج الناس من بيوتهم مع الشمس فاشتروا ما تعودوا أن يشتروه من الصحف، وقرأوا أخبار مجلس الشيوخ، فقرأوا شراً ورأوا نكراً. ووجدوا في الأهرام خلافاً لما تحدثت به شهرزاد! وجدوا أن الشيخ الأكبر – أعزه الله وأبقاه – تخلف عن المجلس مساء أمس، وأن الناس فسروا تخلفه بأنه أراد ألا يشترك في إقرار هذا القانون. ووجدوا في الأهرام أن تفسير الناس لغيبة الشيخ لم يكن فيما يظهر خطأً، فقد أيده خروج عالمين من علماء الدين، أحدهما مفتي الديار المصرية من المجلس حين عرض هذا القانون، وأيده أن عالماً ثالثاً من علماء الدين، وهو من هيئة كبار العلماء لم يخرج ولكنه أعلن أنه لا يوافق على القانون.
    أما الأعضاء الآخرون من غير العلماء فقد وافقوا على هذا القانون بالإجماع، وأما وزير الحقانية فقد خرج ظافراً بقانونه الذي أقره له المجلسان. كذلك قالت الأهرام صباح اليوم، أما «الشعب» فسكتت عن غيبة الشيخ الأكبر، وعن خروج المفتي الأكبر وصاحبه، وذكرت مخالفة الشيخ الذي لم يغب ولم ينسحب.
    وقرأ الناس هذا كله فحاروا وداروا، أيصدقون شهرزاد؟ وإذن فيجب أن تحاكم الأهرام لأنها أهانت علماء الإسلام، وأضافت إلى شيوخ الدولة ووزرائها ما لم يفعلوا ولم يقولوا؟ أم يصدقون الأهرام وإذن فيجب أن تحاكم شهرزاد، لأنها تخيل للناس غير الحق، وتصور لهم أن علماءهم ورجال دينهم يؤدون واجبهم للدين على أحسن وجه، ويؤدون واجبهم للرأي على أحسن وجه، فلا يخافون ولا يفزعون، ولا يفرون ولا ينسحبون، وإنما يحضرون ثم ينكرون ثم يظفرون، كذلك تصور شهرزاد للمسلمين أمر علماء المسلمين فتملأ قلوبهم ثقةً وأملاً واطمئناناً حتى إذا أصبح الصباح وأضاء بنوره ولاح جاءت الأهرام بغير هذا الكلام، فخابت الآمال، وساءت الحال، وتبدل الناس من ثقتهم شكاً، ومن طمأنينتهم خوفاً، ومن أملهم يأساً. يجب أن تحاكم شهرزاد؟ إنها تضرب في البلاد ولعلها الآن في بغداد أو في إرم ذات العماد، تلك التي شادتها عاد!!
    وبعد، فهل تعرف هذا القانون الذي غاب له الشيخ، وانسحب له شيخان، وأبى أن يوافق عليه شيخ رابع، هو تعديل لطائفة من مواد قانون العقوبات حول الاعتداء على أعراض الصبيان من البنات والغلمان.
    فقد كان قانون العقوبات يعاقب المعتدي على هذه الأعراض برضا الصبي أو الصبية إلى سن الرابعة عشرة. فعدل بحيث أصبح يعاقب على هذا الاعتداء برضا الصبي أو الصبية إلى سن السادسة عشرة، فهو إذن يتشدد في حماية الصبيان من العدوان، ولكن إذا تجاوز الصبي أو الصبية هذه السن، سن السادسة عشرة، فلا عقاب على من يعتدي على أعراضهما برضاهما!!
    وهنا موضع الخلاف بين أحكام الدين وأحكام القانون. فالدين يعاقب على كل انتهاك للأعراض مهما تكن السن، وسواء رضي القسيم في الإثم أم لم يرضَ.
    وكان الشيوخ من غير شك يودون لو استطاعوا أن يخضعوا قوانين العصر لأحكام الدين، ولكنهم يئسوا قبل أن يحاولوا، فمنهم من انسحب، ومنهم من أنكر. وكلهم قد أدى واجبه. فمن لم يستطع أن يغير المنكر بيده، غيره بلسانه، ومن لم يستطع أن يغير المنكر بلسانه غيره بقلبه وهو أضعف الإيمان فيما يقول الأثر.
    وويل للظروف التي تضطر كبار الشيوخ إلى أن يقنعوا بأضعف الإيمان.
    كوكب الشرق ٣٠ – ٥ – ١٩٣٣

  • ‌‌مصر في الصباح

    مصر في الصباح
    ولابد من الكتابة عن (مصر في الصباح) بعد أن كتب صديقي الزيات عن الحالة الحاضرة، فهما عنوانان طالما ترددا في أفواه ثلاثة من الشبان، ظلوا أعواما طوالا يلتقون كل يوم إذا كان الضحى، ثم لا يفترقون حتى يتقدم الليل. وكانوا إذا التقوا أخذوا في فنون من الحديث والقراءة وتناشد الشعر، والاختلاف إلى الدرس، وإطالة المقام في دار الكتب. ودفعوا إلى ألوان من الهزل، وضروب من العبث، حتى كانوا مضرب المثل عند الذين يعرفونهم والذين لا يعرفونهم من الأزهريين.
    وكان هؤلاء الشبان الثلاثة قد اتفقوا على الضيق بالدرس الأزهري القديم، والابتهاج بما لم يكن مألوفا في بيئات الأزهر من درس الأدب والعناية به، وقراءة الصحف والإغراق فيها، ومن التطلع إلى ما كان يقوله ويأتيه المثقفون الممتازون، أولئك الذين كانوا يدبجون الفصول في الصحف، يمسون بها السياسة والأخلاق وشؤون الاجتماع. وأولئك الذين كانوا يخطبون في المحافل والمجامع ويتحدثون في الأندية، وتنشر الصحف خطبهم ومحاضراتهم، ويتناقل الناس أحاديثهم ومحاورهم، وتذكر أسمائهم فتمتلئ بها الأفواه، وتبتسم لها الشفاه، وتشرق لها الوجوه، ويشتد بها الإعجاب، ويتخذ الشبان أصحابها مثلا عليا لما شئت مما يطمع فيه الشباب من بعد الذكر وارتفاع الشأن، والظفر بما يظفر به عظماء الرجال من الإكبار والإجلال. وكان هؤلاء الشبان الثلاثة إذا التقوا وفرغوا من قراءة في كتاب، أو استماع لدرس، أو إنشاد الشعر، أو نظروا أمامهم إلى هؤلاء العظماء المثقفين، فأجلوا وأكبروا، ونظروا من حولهم إلى شيوخهم الأزهريين فتفكهوا وتندروا، وأطلقوا ألسنتهم بالفكاهة والنادرة، ولعل من الناس من كان يجلس إليهم ويسمع منهم، ثم ينتقل فيذيع ما سمع، ويملأ به هذه الحلقات التي كانت تنحلق من حول الصحن وعند القبلة القديمة أو القبلة الجديدة، وكانت أصداء ذلك ترد عليهم فيفرحون، وكان إنكار ذلك يبلغهم فلا يرتاعون، حتى أقبل ذلك اليوم الذي دار فيه الملاحظون في الأزهر، يجمعونهم من دروس الظهر جمعا، ويدفعونهم إلى مجلس الشيخ الأكبر دفعا، ثم يسألون، فمنهم من يجهر ومنهم من يجمجم، ثم ينهرون، فمنهم من يبسم ومنهم من يعبس، ثم يعلن الشيخ إليهم أنهم مطرودون، وأن درسهم الذي كانوا يحبونه موقوف ممنوع، وأن شيخهم الذي كانوا يكبرونه مكلف أن يدرس المغني لابن هشام بدل الكامل للمبرد، منفي من الرواق العباسي، مقرون إلى أسطوانة من هذه الأساطين داخل المسجد يختارها له (رضوان).
    هنالك ضاق الشبان الثلاثة بعض الضيق، وفرقوا بعض التفريق، ثم لم يلبثوا أن استأنفوا الحياة ومضوا فيها باسمين، يطمحون إلى ما كانوا يطمحون إليه، يسخرون مما كانوا يسخرون منه، حتى ضرب الدهر بينهم بضرباته، كما قال حافظ رحمه الله في ترجمة البؤساء، وقد كانوا يعجبون بهذه الجملة إعجاباً شديداً، ويرددونها ترديدا متصلا. وهنالك مضى كل منهم في سبيله، وأخذوا لا يلتقون إلا من حين إلى حين، فإذا التقوا كانت ساعات اللقاء أضيق من أن تسع ما كان يضطرب في نفوسهم من الخواطر والآراء والأحاديث.
    وكانوا في حياتهم تلك، كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر، ونفوس تتغنى، وكانت عقولهم غافلة أو كالغافلة، فكانوا ينشئون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون في النثر، فإن فكروا فيه قلما يحاولونه، فإن حاولوه فقلما يجيدون. وكانوا لا يخطر لهم موضوع إلا تناولوه مسرعين، فنظموا فيه الشعر وتنافسوا في الإجادة، ولم يتحرجوا من أن ينقد بعضهم بعضا. وكانوا يبلغون من ذلك ما يريدون، يجيدون قليلا، ويسيئون كثيرا، ويرضون دائما. وكانوا يحسون أنهم ضعاف في النثر، وأنهم في حاجة إلى أن يأخذوا منه بحظ، وكان الزيات يحاول أن يقوم من صاحبيه مقام الأستاذ، لأنه كان أحب منهما للصحف، وأكثر منهما عكوفا عليها وإغراقا في قراءتها، ويجب أن نعترف بالحق، فقد كان أوسع منهما صدرا للتجديد، يحب الكتاب المحدثين وما كانوا يحدثون من الآداب، على حين كان صاحباه يكلفان من الأدب بقديمه، بل بأقدمه. كان الزيات يكلف بالمتنبي بين الشعراء القدماء، وكان صاحباه يسخران منه ومن المتنبي، ويكرهان أن يسمعا له حين ينشد شعره البديع. كان الزيات يقرأ المثل السائر، وكان صاحباه لا يعترفان بمن بعد الجاحظ من الكتاب. كان الزيات يؤثر شوقي، وكان صاحباه يؤثران حافظا، ويتعصبان للبارودي، ويسرفان في تقديم الكاظمي عليهم جميعا. كان الزيات إذن يقيم نفسه من صاحبيه مقام الأستاذ في النثر، وكانا لا يتحرجان من أن يُقِرَّا له بهذه الأستاذية، فإذا أراد أن يزعمها لنفسه في الشعر كان الجدال والنضال، وكان تذاكر الغرزمة وآثار الغرزمة، وكان انتحال الشعر الرديء وحمله عليه وإضافته إليه، وكان انتحاله هو للشعر الرديء وحمله على صاحبيه وإضافته إليهما، وكان إنشاد لمثل هذين البيتين:
    بموسم عاشوراء قد عمت البشرى … وضاءت لنا الأكوان مذ علت الذكرى
    ونادى المنادي أيها الناس يمموا … ضريح الحسين الشهم تنجوا من الأخرى
    ولست أدري أي الثلاثة قال هذا الشعر الرائع، أو لعله شائع بينهم جميعاً. ولعل ثالثهم محموداً أن يكون قد حفظ هذا الشعر فيما حفظ من آثار هذا العصر، فقد كان إليه تخليد هذه الآثار التي لم تكن تستحق أقل من الخلود.
    وفي ذات يوم أقبل الزيات يقترح على صاحبيه التفكير فيما ينبغي لهم في العناية من النثر، ويبين لهما ولنفسه أسباب هذه العناية ومذاهبها، ويرى أن ليس إلى ذلك من سبيل إلا أن يفعل الثلاثة كما يفعل الطلاب في المدارس، حين يعالجون الإنشاء، ويعرض عليهما وعلى نفسه هذين الموضوعين: (الحالة الحاضرة)، و (مصر في الصباح). وكان يقول ذلك جاداً كل الجد، مؤمنا كل الإيمان، وكان صاحباه يسمعان له في موقف بين الجد والهزل، يريدان أن يكتبا ويعلمان أنهما لن يستطيعا. فيقدمان ثم يضطران إلى الإحجام، ويستران ضعفهما بالهزل والعبث، ثم يفزعان إلى الشعر فينظمان منه ما شاء الله لهما أن ينظما بين الجيد والسخيف. وكانت الأيام تمضي وتمضي، والأصدقاء يلتقون ويتحدثون في النثر، والزيات يقترح الكتابة في الحالة الحاضرة ومصر في الصباح. وصاحباه يسألانه عن مصر في الصباح كيف هي؟ وماذا يقول فيها؟ فلا يحير جواباً، فيتمثل ثالثنا بهذا البيت الذي كان يغيض الزيات ويحفظه:
    شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
    وقد فتح الله على الزيات بعد خمسة وعشرين عاما فكتب في الحالة الحاضرة. ولم يفتح الله عليه ولا على صاحبيه بعد خمسة وعشرين عاماً ليكتبوا عن مصر في الصباح. ولكنه قد كتب على كل حال، فما زال إذن قائمًا من صاحبيه مقام الأستاذ، ولن يستطيع صاحباه منذ يوم الاثنين الماضي أن يصدماه بهذا البيت:
    شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
    وإني لأخشى أن يستطيل هو على صاحبيه، وقد عجزا ربع قرن عن أن يكتبا في الحالة الحاضرة، أو يصورا مصر في الصباح، فيصدمهما بهذا البيت بعد أن كان يخافه ويضيق به، ويكره استماعه منهما.
    ولست أدري أأشفق ثالثنا من هذا النذير فاستعد لهذه الساعة الخطرة التي يلتقي فيها الأصحاب لتصفية الحساب، أم شغل بكتبه وأسفاره عن كل هذا الحديث. أما أنا فأعترف بأني فكرت بهذه الساعة، وقدرت أنها ستكون عصيبة محرجة، وأشفقت من هذا الحرج، وحاولت أن أحتاط له، واستعد لهجمة الزيات، وأربأ بنفسي عن أن أسمع منه هذا البيت الذي كنا نخوفه به، فأصبح خليقاً أن يخوفنا به:
    شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
    فحاولت منذ أسبوع أن أطرق هذا الموضوع، وأن أكتب عن مصر في الصباح، فإذا بلغت من ذلك ما أريد أمنت الزيات وحالفته على صديقنا الثالث، كما كنت أحالف صديقنا الثالث عليه، ثم ذهبنا إلى صاحبنا نسعى إليه مبتسمين، حتى إذا بلغنا مجلسه لم نبدأه بتحية ولا مصافحة ولا حديث، وإنما وضعنا الرسالة بين يديه وفيها الحالة الحاضرة
    للزيات، وفيها مصر في الصباح لطه حسين. ثم أبدرناه معاً بهذا البيت:
    شيخ لنا من ربيعة الفرس … ينتف عثنونه من الهوس
    ثم انصرفنا عنه راجعين وتركناه يغلي كالمرجل. ولكن الله الذي فتح على الزيات فألهمه وصف الحالة الحاضرة لم يفتح علي ولم يلهمني وصف مصر في الصباح. ذلك أن الزيات راغ وزاغ وعدل عما كان يراد منه من وصف تلك الحالة الحاضرة قبل نيف وعشرين سنة إلى وصف هذه الحالة الحاضرة التي نبغضها أشد البغض ونضيق بها أعظم الضيق. وأي الكتاب لا يقدر على أن يصف الحالة الحاضرة الآن؟ وأي الكتاب لا يقدر على أن يجيد في هذا الوصف ويأتي فيه بالأعاجيب؟ ومن يدري؟ لعلي أحسن إذا ذهبت إلى صديقنا الثالث فالتقيت في روعة أن الزيات قد ذكر اسمه القديم فراغ وزاغ، ووصف ما لم يكن يراد على وصفه.
    وإذن فهو ما زال عاجزا كصاحبيه، وإذن فما زلنا ننتظر من يصف الحالة الحاضرة ويصور مصر في الصباح.
    أما أنا فلم أشك في أن مصر في الصباح موضوع خطير لابد من الكتابة فيه، ولكن أي مصر، أهي مصري أنا أم مصر الزيات أم مصر صديقنا محمود؟ فقد كانت لنا أمصار ثلاث مختلفة فيما بينها اختلاف غير قليل. كانت مصري أنا تبتدئ في ربع من ربوع حوش عطى، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بمشهد الحسين والحلوجي بعد أن يقطع السالك إلى هذا المشهد الكريم إحدى طريقين: حارة الوطاويط، أو شارع خان جعفر.
    وأما مصر محمود فكانت تبتدئ في الظاهر في حارة ضيقة قريبة من بيت الشيخ الأنبابي رحمه الله، وتنتهي إلى الأزهر الشريف مارة بما شئت من الطرق التي تستقيم إن أردت لها أن تستقيم، وتلتوي إن أحببت لها الالتواء.
    وأما مصر الزيات فكانت تبتدئ في حارة ضيقة على قلعة الكبش، ثم تنحدر إلى شارع لا أذكر اسمه، ولكنه ينتهي إلى مسجد السيدة زينب. ثم تصل بعد ذلك إلى الأزهر من طرق تستطيع أن تستقيم وتستطيع أن تلتوي، تستطيع أن تقصر وتستطيع أن تطول. فأي هذه الأمصار الثلاث أصف؟ وعن أي الأمصار الثلاث أتحدث؟ فأما مصري أنا فقد كانت حلوة لذيذة في الصباح، ولكنها لم تكن تعجب الزيات، ولم تكن تلذ لمحمود. كان يوقظني فيها مع الفجر صوتان: أحدهما صوت المؤذن الذي كان يدعو إلى الصلاة في جامع بيبرس، والآخر صوت جارنا الشيخ الذي كان شافعيا موسوسا، ينفق نصف ساعة في إقامة الصلاة: ال… ال… الله الله… ال… الله أكبر، ثم يبدو له فيخرج من الصلاة أو يستأنف الدخول فيها: أل… أل… الله… الله… أل… الله أكبر ثم يمضي في صلاته حتى يتم الفاتحة أو يكاد وإذا هو يخرج ويستأنف الدخول فيها. وما يزال يقبل ويدبر، ثم يبدأ ويعيد، ثم يقيم الصلاة ويستأنف إقامتها حتى إذا أشفق من فوات الوقت عزم أمره، وهجم على صلاته فاقتحمها اقتحاما ثم مضى إلى درسه في الأزهر الشريف.
    أستغفر الله فقد نسيت صوتا ثالثا كان يوقظني في السحر لا في الفجر صوت ذلك الشيخ الظريف الذي لم يكن عالما ولا شيء يشبه العالم، وإنما كان تاجرا أعرض عن التجارة، وانقطع للفكاهة والضحك في النهار، وللصلاة والنسك في الليل. فإذا أقبل السحر خرج من غرفته يهمهم ويجمجم ويضرب الأرض بعكاز غليظ، ويبعث في الجو صوتا هائلا رائعا يحمل جملاً متقطعة من الورد الذي كان يبدأه في غرفته ليتمه، ثم يستأنفه في مسجد الحسين، حتى إذا صلى الصبح عاد هادئا مطمئنا قد خف وقع عكازه على الأرض، وخف ارتفاع صوته في الجو، لأن الذين كانوا نياما في السحر قد أصبحوا إيقاظًا حين ارتفعت الشمس.
    أستغفر الله، وقد نسيت أصواتاً أخرى، كانت تنبعث بعد أن ينقطع صوت المؤذن: فهذا سائق عربة قد أقبل يحل خيله أو يحل حماره الذي عقله تحت النافذة. وهذه (حمدة) التي كانت تبيع ألوان الفاكهة على اختلافها باختلاف الفصول، تفرضها علينا نحن المجاورين فرضا. فإما اشترينا وإما تعرضنا لغضبها، وويل لمن كان يتعرض لغضب (حمدة) فقد كان عنيفا مخيفا يضطرب له الربع ويزلزل له حوش عطى زلزالا!!
    على هذه الأصوات كنت أستقبل مصر، وكانت تستقبلني مصر في الصباح، فإذا هبطت من الربع ومضيت إلى مدخل حوش عطى، فهذا صاحب القهوة قد أفاق، وهو يحك عينه من بقية النعاس، ويهيئ (الجوزة) للحاج فيروز، فإذا مضيت قليلا فهذه الحوانيت تستيقظ شيئا فشيئا، وهؤلاء باعة الفول والبليلة والطعمية قد ازدحم من حولهم الناس، حتى إذا تقدمت بعض الشيء عطفت ذات الشمال إن كنت مستعجلا، فمضيت من حارة الوطاويط، حيث أقذر مكان خلقه الله، وحيث أعظم الناس حظا من البؤس رجالا ونساءً، قد جلسوا في أقبح شكل وأبشعه يسألون الناس. وإن كنت مستأنيًا عطفت ذات اليمين، فمضيت من خان جعفر، وانتهيت على كل حال إلى شارع الحسين، ثم المفارق الأربعة ثم انغمست في شارع الحلوجي، ثم دفعت إلى باب المزينين. هذه مصري التي كان الزيات يريدني على أن أصورها له في الصباح وأقسم لو فعلت لنفر مني وهزأ بي وازور عني ازورارا. ولكني واثق الآن بأني حين أتحدث إليه عنها أثير في نفسه عواطف يحبها وأحلاماً يرضاها وأبلغ من استحسانه ما أقصر عنه من غير شك لو أني صورت له مصر في الصباح هذه التي تبتدئ من داري في الزمالك، وتنتهي عند الكوكب في عابدين.
    إن الزيات ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ من قلعة الكبش، وتنتهي إلى الأزهر، وإنما محمودا ليحسن أعظم الإحسان لو أنه وصف لنا مصره في الصباح، تلك التي كانت تبتدئ في ظاهر القاهرة المعزية، كما كان يقول، وتنتهي إلى الأزهر، فأما مصرهما الأخرى هذه التي تبتدئ في شبرا وتنتهي عند الرسالة، أو عند قبة الغوري، فلسنا في حاجة إليها الآن، وقد يحتاج إليها أبنائنا بعد ربع قرن، كما نحتاج نحن إلى أمصارنا تلك العزيزة في أيامنا هذه.
    طه حسين
    الرسالة ١٦ – ٤ – ١٩٣٤

  • زيارتان

    زيارتان

    من المحقق أن حظَّ الأزهر من الرعاية لم يجد حظَّ الجامعة المصرية في هذه الأيام، لا بالقياس إلى حضرة صاحب الجلالة الملك، فهو يرعى مرافق مصر كلها بما ينبغي لمقامه السامي من العدل والعطف والبر بشعبه الكريم عليه، المخلص له، بل بالقياس إلى الحكومة التي لا تتنزّه عن الأثرة، كما أنها لا تتنزّه عن الإيثار. وقد تعلم أنت كما أعلم أنا أن رئيس وزرائنا هو حامي الدين، والذائد عن الإسلام، والأثير عند الشيخ الأكبر مهما تختلف الظروف وتتبدل الخطوب، والذي لا يأتي عملًا إلا التمس له الشيخ الأكبر تأييدًا أو تخريجًا في كتاب من كتب الفقه، أو سفر من أسفار الأصول.

    وحكومتنا – كما تعلم أنت وأعلم أنا – حكومة تقليد لا تجديد، قامت لتحقيق غرض واحد، هو أن تردّ مصر والعالم الإسلامي إن استطاعت إلى سماحة الإسلام وطهارته، وأن تمحق البدع محقًا، وتمحو الإلحاد محوًا. فلا غرابة في أن تؤثر الأزهر بالعناية والرعاية، وتنكب الجامعة ما استطاعت إلى التنكيل بها سبيلًا، فإن أعياها ذلك وضعت الجامعة موضع المغضوب عليه، المزهد فيه.

    ولست أريد الآن أن أذكر ما ربح الأزهر، أو بعبارة أدق ما ربح الأزهريون من عطف الحكومة على الأزهر، وما خسرت الجامعة والجامعيون من غضب الحكومة على الجامعة، فقد يكون لهذا يوم قريب. وإنما أقف عند شيء واحد لا أعدوه، ذكرته حين قرأت ما نشرته الصحف من وصف الزيارة الملكية لكلية أصول الدين أمس.

    في أواخر فبراير من السنة الماضية، تفضّل جلالة الملك فشرّف الجامعة بزيارته الكريمة. فزار كلية الحقوق والآداب والمكتبة، ثم تفضّل فذهب إلى سرادق الجامعة حيث سمع النثر والشعر، وحيث تفضّل فوزّع بيده الكريمة بعض شهادات الدرجات الجامعية العلمية والتشريفية على أصحابها.

    ولاحظ الناس يومئذ أن الجامعة لم يُسمَع لها في هذا الحفل صوت.

    وإنما سمعوا وزير المعارف يخطب بصوته العميق العريض فيطيل، وسمعوا مفتشًا من وزارة المعارف ينشد قصيدة لشوقي رحمه الله، وتفضّل صاحب الجلالة فزار كلية من كليات الأزهر أمس، فلم يُسمع في هذه الزيارة لغير الأزهر صوت. لم يُسمع صوت المعارف في عمقه وعرضه، ولم يقل مفتش من وزارة المعارف شعرًا ولا نثرًا. ومن الناس من يظن أن مصدر هذا الاختلاف أن الأزهر كان أحرص من الجامعة على أن يتكلم بين يدي حامي الأزهر ومنشئ الجامعة، ولكن هنا يجب الإنصاف، وهنا يجب أن يكتب التاريخ.

    فقد أُرغمت الجامعة إرغامًا على ألا تتكلم، لأسباب يعرفها وزير المعارف ووكيله، والذين كانوا يرقون إليه بالكيد، وينزلون عليه بالوحي. واستقال مدير الجامعة أو همَّ أن يستقيل. وتعب عمداء الجامعة في هذا تعبًا شديدًا، وسعى وكيل الجامعة في هذا سعيًا معقدًا ملتويًا طويلًا. وانتهى مدير الجامعة إلى أن نزل لوزير المعارف عن الكلام بين يدي صاحب الجلالة. فتكلم وزير المعارف وبرع في الكلام، وقال فأطال القول، وانتهت الزيارة، وانصرف الناس، وبعضهم يتحدث إلى بعض بأنهم أقبلوا ليستمعوا لمدير الجامعة فإذا هم يستمعون لوزير المعارف. وتنبأ بعضهم لبعض بأن منع الجامعة من الكلام بين يدي منشئ الجامعة لا يدل على خير، وكان بعضهم يسبق الحوادث فيرى في منع الجامعة من الكلام نذيرًا بأنها ستمنع من العمل قليلًا أو كثيرًا. وكان بعضهم يرى في إنشاد مفتش من وزارة المعارف للشعر في حفل جامعي نذيرًا بأن يد وزارة المعارف ستنبسط في الجامعة والجامعيين حتى تخضع الجامعة لوزير المعارف ووكيله والذين يرقون إليه بالكيد، والذين ينزلون عليه بالوحي.

    ولم تمض أيام أربعة حتى كان من أمر الجامعة ما كان، ولم يتم العام دورته حتى غُيّر قانون الجامعة فقصّت أجنحتها، وحيل بينها وبين العمل الجامعي الصحيح. وفي أثناء هذا العام أُقصي من الجامعة من كرههم الوزير ووكيله، وضُيّق على الذين لم يُكرهوا ولم يُخافوا، ولكنهم وُضعوا موضع الشك والريبة، ووُسّع فيها على الذين عرفوا كيف يدورون حول الأقطاب في القمة والحضيض، وجرت أمور الجامعة – كما علمت – متعثرة، مشي المقيد في الوحل كما يقول مسلم بن الوليد.

    أما الأزهر الشريف فلا أظن أن أحدًا نازع شيخه الأكبر في الكلام بين يدي زائره الكريم، وتعليل ذلك يسير، فكلام الشيخ الأكبر بين يدي صاحب الجلالة المتديّن أهون على الله والناس من أن يُخاف أو يُحسب له حساب.

    وشخص الشيخ الأكبر ألين عودًا، وأشد مرونة من أن ينكره رئيس الوزراء أو يحاول التخلص منه. وقد بذل الشيخ الأكبر من الجهد والقوة في تأييد رئيس الوزراء وأعماله وأقواله وآماله ما لم يبذله مدير الجامعة السابق. وطمع رئيس الوزراء من شيخ الأزهر فيما لم يطمع في مثله من مدير الجامعة السابق. فما الذي يمنع حامي الإسلام أن يُخلي بين شيخ الإسلام وبين الكلام؟

    ولا تقل إن شيخ الأزهر رجل دين فيجب أن يتكلم، لأن الوزراء لا يحسنون من علم الدين ما يُحسن. فأنا أؤكد لك أن مدير الجامعة السابق رجل علم، فكان يجب أن يتكلم، لأن الوزراء، وفيهم وزير التقاليد، لا يحسنون من العلم بعض ما يُحسن. وأنت تعلم أن كثيرًا من الوزراء إذا تكلموا لم ينشئوا الكلام، وإنما أُنشئ لهم. وقد أُنشئت لوزير التقاليد خطبته يوم الجامعة، فتلاها بصوته العميق العريض. فكان من الممكن أن تُنشأ خطبة أزهرية لوزير مختص بشؤون الأزهر فيتلوها، ولكن شيخ الأزهر أُثير، ومدير الجامعة لم يكن مرغوبًا فيه، ولكن رجال الأزهر تورطوا في تأييد رئيس الوزراء، ورجال الجامعة أبوا أن يكونوا أداة سياسية لرئيس الوزراء. وكان رجال الأزهر يريدون، أو يرضون، أن يكونوا دعاة إلى الرجوع، وكان رجال الجامعة يريدون أن يكونوا رسل الرقي، ولكن رجال الأزهر يجدون في بسط سلطان الحكومة القائمة على الشعب خيرًا، وكأن رجال الجامعة لا يفكرون في حكومة ما، وإنما يريدون تحرير العقل. وتحرير العقل خطر، لأنه وسيلة الحرية والديمقراطية. وإذن فيجب أن يُخفت صوت الجامعة، ويجب أن يرتفع صوت الأزهر.

    وكان في الجامعة قوم لا يحبون أن تخفت أصواتهم فأُبعدوا عنها، وليس في الأزهر إلا من يحب أن يرتفع صوته إن شاءت الحكومة، ويخفت صوته إن شاءت الحكومة، فيجب أن يُقربوا جميعًا.

    ولا تقل إن رجال الأزهر رجال دين فيجب أن تُعرف لهم مكانتهم الدينية، فإن رجال الجامعة رجال علم، وقد أدوا واجبهم العلمي أحسن أداءً، ورفعوا مكانة مصر العلمية وكرامتها في أقطار الأرض، ولم يؤدِّ رجال الدين واجبهم الديني، ولا نهضوا منه بشيء.

    أتذكر أننا استفتينا شيخ الأزهر في التمثيل والرقص والغناء، وما يُنفق عليها من أموال المسلمين في الأوبرا، وأكدنا لك أن الشيخ سينكر إعانة الأوبرا في مجلس الشيوخ. فقد مرت ميزانية وزارة المعارف أمام مجلس الشيوخ يوم الاثنين، أي قبل الزيارة الملكية للأزهر بليلة واحدة، فلم تُذكر إعانة الأوبرا، ولم يُسمع صوت الشيخ. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة عمدًا لتبرأ ذمته من إعانة التمثيل والرقص والغناء، فغيّر المنكر بالصمت، واكتفى بأضعف الإيمان. ومن يدري؟ لعله تخلّف عن هذه الجلسة مضطرًا ليتمرن على إلقاء خطبته بين يدي صاحب الجلالة، فآثر حسن الإلقاء على حسن البلاء في سبيل الإسلام والمسلمين.

    لا تقل إن رجال الأزهر رجال دين، فيجب أن تُراعى مكانتهم الدينية، فإن رجال الدين لا يسكتون على موت السنوسي، لأن وزارة مصر الإسلامية أبت أن تأذن له بالاستشفاء في مصر الإسلامية. إنما رجل الدين هو الحاخام الأكبر، الذي لم يتردد في أن يشارك الإسرائيليين في الاحتجاج على ما يُقال إن اليهود يلقون من الشر في ألمانيا.

    لا، ليست المسألة مسألة دين ولا مسألة علم، وإنما هي مسألة سياسية ليس غير. رأت الوزارة في الجامعة معهدًا خطرًا على سياسة القهر والتسلط فغضبت عليها، ورأت في الأزهر – أو في شيوخه – مؤيدًا لهذه السياسة فرضيت عنه وآثرته بالخير. أما الأمة فإنها تعلم حق العلم أين الذين يؤيدونها وينصرونها، ويهيئون لها وسائل الحرية والعزة والكرامة، فتنظر إليهم في حب، وترمقهم في أمل.

    فليهنأ الأزهر برضى الحكومة، ولتهنأ الجامعة برضى الأمة وغضب الوزارة.

    كوكب الشرق ٢٩-٣-١٩٣٣