Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

تجديد

تجديد
لا أريد تجديد الأدب، فليس هذا موضع الحديث عن الأدب القديم والجديد، وإنما أريد تجديد الأزهر، فقد كثر الحديث فيه منذ أعوام، لا في مصر وحدها، ولا في الشرق الإسلامي وحده، بل في بلاد الغرب أيضًا. وأكثر القراء يعرفون ما يتحدث الناس به في مصر وفي البلاد الشرقية عن إصلاح الأزهر، ولكن كثيرًا منهم — ولعل بينهم عددًا غير قليل من العلماء الأزهريين — يجهلون أن بعض البيئات الأوربية تعنى بما ينال الأزهر من إصلاح عناية خاصة. ويكفي أن نشير إلى فصول طوال كُتبت عن مصر باللغة الفرنسية لمجلة فرنسية من مجلات المستشرقين الكبرى، هي مجلة الدراسات الإسلامية التي يصدرها صديقنا الأستاذ لويس ماسينيون. ولا يكاد يصدر كتاب في أوربا وأمريكا عن حياتنا الأدبية والدينية إلا وفيه إلمام طويل أو قصير بموقف الأزهر من هذه الحياة، مشاركًا فيها تارة ومقاومًا لها تارة أخرى، وبما يُنتظر أن يسلك الأزهر من طريق في المستقبل القريب ليصل بين حياته القديمة وبين الحياة الجديدة في مصر خاصة وفي الشرق الإسلامي بوجه عام.

وكان مكاتب التيمس في القاهرة آخر من تحدث عن الأزهر وما يُراد به، وما يريد هو لنفسه من تجديد، في الفصل الذي نشرته له صحيفته أول أمس، ولخّصته الرسائل البرقية في الصحف المصرية. وليس الأوربيون مسرفين ولا غالين حين يقدّرون أن للأزهر خطرًا عظيمًا وأثرًا بعيدًا في حياتنا الجديدة. ولعل المصريين هم الذين يسرفون في التقصير حين ينظرون إلى الأزهر وما يناله من الإصلاح نظر المعرض عنه الذي لا يكاد يحفل به ولا يلتفت إليه.

فالأزهر مصدر من مصادر الحياة العقلية في الشرق الإسلامي، وهو أقدم هذه المصادر، وكان أقواها وأجلها خطرًا إلى عهد بعيد، وسيظل مصدرًا قويًا جدًا من مصادر الثقافة في هذا الشرق. ويكفي أن تلاحظ أمرين: أحدهما أنه أكبر معهد يُدرس فيه الإسلام.

والثاني أن الطلاب الذين يقصدون إليه ويدرسون فيه لا يُحصون بالمئات، وإنما يُحصون بالألوف. فهو من الناحية الأولى قوي أشد القوة لاتصاله بحياة المسلمين الدينية وتأثيره في هذه الحياة واضطرار المسلمين إلى أن يحوطوه ويرعوه ويحرصوا على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا، ما داموا حريصين على أن يظل — كما يحبون له — قويًا عزيزًا. وهو من الناحية الثانية بعيد الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لأن الطلاب الذين يقصدون إليه ويطيلون الاتصال به يخرجون من طبقات الأمم الإسلامية كلها مهما تختلف وتتباين، ثم يعودون إلى بيئاتهم وقد أتموا الدرس أو كادوا يتمونه، فيؤثرون في هذه البيئات تأثيرًا يلائم ما درسوا وما تعلموا، وما أثر في مزاجهم وطبائعهم من هذه المؤثرات التي تتصل بالتعليم وبالتعليم الديني بنوع خاص.

فالذين يهملون الأزهر حين يدرسون الحياة المصرية، والذين لا يحسبون للأزهر حسابًا حين يحللون هذه الحياة، وحين يقدرون مستقبلها من أي نحو من أنحائها، يسيئون إلى أنفسهم لأنهم يأخذونها بنوع من الدرس منقوص لا خير فيه ولا غناء، ويسيئون إلى أمتهم لأنهم يهملون مصدرًا من أقوى المصادر التي تؤثر في حياتها العقلية والدينية والشعورية. ثم تؤثر لهذا كله في حياتها السياسية والاجتماعية على اختلاف فروعها وأشكالها.

وما ينبغي بحال من الأحوال أن تكون عناية الأجانب بحاضر الأزهر ومستقبله أشد من عنايتنا نحن. فالأزهر لنا قبل أن يكون للأجانب. والأزهر مؤثر في حياتنا نحن قبل أن يؤثر في الصلة بيننا وبين الأجانب. ولعل مكاتب التيمس قد وفق توفيقًا عظيمًا حين لاحظ أن تلاميذ التعليم الحديث كانوا ينظرون منذ عشرين سنة إلى الأزهريين كما ينظرون إلى قوم غرباء، ليس بينهم وبينهم صلة. وأن هذه الحالة قد تغيرت الآن فقربت الآماد بين الأزهريين وبين غيرهم من المثقفين.

ولعل هذه الملاحظة تعيننا على أن نفهم إعراض الناس عن الأزهر وتقصيرهم في العناية به. فأكثرهم ما يزالون ينظرون إلى الأزهريين على أنهم غرباء أو كالغرباء. وأكثرهم ما يزالون يعتقدون أن الحياة الحديثة ستمضي في طريقها إلى الأمام، وأن الأزهر سيظل مثقلًا بالقديم فيضطره ثقل التراث الذي يحمله إلى التخلف أو إلى التقدم البطيء.

وهذا النحو من التفكير ظاهر الصواب ولكنه مغرق في الخطأ.

فالأزهر كغيره من المرافق المصرية مضطر إلى أن يخضع لضرورات الحياة الحديثة. والأزهريون كغيرهم من المصريين مضطرون إلى أن يخضعوا لضرورات هذه الحياة. وقد حاول المصلحون في مصر أن يدعوا الأزهر متخلفًا وينهضوا بإنشاء المعاهد التي تلائم حاجات الناس ومصالحهم وتخضع في سهولة ويسر للتطور الذي يخضعون له، فأنشئت دار العلوم في القرن الماضي، وأنشئت مدرسة القضاء الشرعي في أول هذا القرن، ولكن ظروف الحياة المصرية واضطراب السياسة المصرية أبت إلا أن ترد إلى الأزهر شيئًا من القوى والنشاط وتمكنه من أن يدافع عن نفسه، ومن أن يحاول النهوض بما يجب أن ينهض به من أعباء الحياة في هذا العصر الحديث، فألغيت مدرسة القضاء، ثم أعيدت ثم ألغيت. وهذه دار العلوم تريد أن تُلغى أو تريد أن تعود إلى أصلها وتفنى في الأزهر الذي أنشئت لتقاوم به أو لتأخذ عليه الطريق.

وهنا يخطئ مكاتب التيمس خطأً عظيمًا مصدره أنه لا يحسن العلم بتاريخ الأزهر منذ أول هذا القرن. فليس من الحق في شيء أن نهضة الأزهر حديثة يرجع تاريخها إلى هذه الأعوام الأخيرة، وإنما الحق الذي لا يشك فيه أن نهضة الأزهر بعيدة العهد، عرفتها مصر قبل الحرب الكبرى بأعوام. وكان للأستاذ الإمام محمد عبده الفضل الأكبر في تأسيسها وفي بعث الحياة القوية في نفوس نفر من الأزهريين، إلى بعضهم في هذه الأيام مقاليد الأمر في الأزهر، فليست نهضة الأزهر بنت الحرب الكبرى أو بنت الحركة الوطنية الأخيرة، وإنما هي بنت الحياة المصرية في أيام الأستاذ الإمام. وليس من أبناء هذا الجيل من ينسى جهود الأستاذ في إحياء الأزهر نفسه وبعد وفاة الأستاذ الإمام في الجهاد والكفاح للوصول إلى أعظم حظ ممكن فيه.

وقد استفادت نهضة الأزهر من الحركة الوطنية الأخيرة، ومن إعلان الاستقلال والدستور، كما استفادت المرافق المصرية كلها من هذه الحركة. فخُيّل إلى كثير من الأجانب الذين لا يدرسون حياتنا درسًا عميقًا أن النهضة الأزهرية قد ابتُكرت ابتكارًا في هذه الأيام.

وليس من شك في أن الفضل الأكبر لحضرة صاحب الجلالة الملك في توجيه هذه النهضة القوية وتنظيمها ورعايتها بعطفه السامي وعنايته الكريمة حتى أخذت هذه الطريق التي تسير فيها الآن.

ومن الغريب أن مظاهر النهضة الأزهرية في هذه الأيام تشبه مظاهرها قبل الحرب من وجوه كثيرة نذكر منها وجهين اثنين.

أحدهما أن الأزهريين قد أحسوا أنفسهم وطمعوا في أن يكون لهم ما لغيرهم من المصريين المثقفين من الحق والكرامة والاحترام، وفي الثقافة والعلم. ثم نظروا فرأوا أن غيرهم من المثقفين إنما يمتاز بالعلم الحديث واللغات الأجنبية، فأبوا إلا أن يكون لهم حظ من هذا العلم الحديث وهذه اللغات الأجنبية ليكونوا كغيرهم من الناس في المنزلة وفي المكانة وفي الكرامة والحرمة، وفي التفكير والتقدير.

الثاني: أن الأزهريين حين أحسوا أنفسهم طمعوا في أن ينهضوا بالواجبات المدنية كما ينهض بها غيرهم من الناس. ونظروا فإذا مناصب الدولة قد قُصرت على غيرهم وصُرفت عنهم، ولم يُحفظ لهم منها إلا اليسير. ثم نظروا فإذا مصدر هذا أن تعليمهم القديم لا يُعدهم للنهوض بالأعباء التي تفرضها هذه المناصب، فطالبوا بأن يُغيَّر التعليم في الأزهر، وبأن تُمحى الفروق بين الأزهريين وبين الطلاب في المدارس المدنية.

كان الأزهريون يشعرون بهذا أول القرن شعورًا قويًّا، وهم يشعرون بهذا الآن شعورًا قويًّا، ولن تجد تعليلًا آخر لإقبال الأزهريين على هذه النهضة يؤيدونها ويستبقون إلى أن يأخذوا منها بأعظم نصيب. ولو أن الدولة نظرت إلى الأزهر والأزهريين منذ أول هذه النهضة كما نظرت إلى غير الأزهر من المرافق وإلى غير الأزهريين من أبناء مصر، لأخذ الإصلاح الأزهري طريقه مستقيمةً منتجةً لا عوج فيها ولا التواء، ولكن الدولة كانت تخاف من المحافظين في الأزهر فلم تكن تمس الأزهر بالإصلاح إلا على إسراف في الرفق والاحتياط. وكان للأزهر من الدولة وضع خاص قبل الحياة الدستورية يجعل سلطان الدولة عليه يسيرًا ضئيلًا، فلم تستطع الحكومة أن تواجه إصلاح الأزهر بما كان ينبغي من الحزم والنشاط.

والمسألة التي يجب أن يفكر فيها المصلحون الآن حين ينظرون إلى الأزهر ويقدّرون مستقبله، ذات وجهين فيما نعتقد. أحدهما أن الأزهر معهد من معاهد التعليم، لا أكثر ولا أقل. والثاني أن الأزهر معهد من معاهد التعليم الديني الإسلامي. فالوجه الأول يقضي بأن يُحال بين الأزهريين وبين كل ما من شأنه أن يفسد التعليم أو يضعف أثره في النفوس أو يشوّه تكوينه للعقل. والوجه الثاني يقضي بأن يُحال بين الأزهر وبين كل ما من شأنه أن يضعف سلطان الدين أو يُشكّك الناس في القائمين على خدمته أو يُسيء ظنهم بالذائدين عنه.

ومعنى هذا أن أوجب ما يجب على الدولة أن تعصم الأزهر من السياسة، وتبذل كل ما تملك من قوة لتجعله بمعزل عنها ومأمنًا منها. فلم تدخل السياسة في شيء من أمور الدين إلا أثارت حوله الريب والشكوك، وألقت بينه وبين الناس حجابًا كثيفًا. وكم نحب أن يُحال بين الأزهر خاصة، ومعاهد التعليم عامة، وبين السياسة وآثارها المفسدة لكل نظام من نظم التعليم حين تندسّ إليه.

كوكب الشرق في ٦-٨-١٩٣٣

Share:

Comments

Leave a Reply