Tag: Modernity

  • الروح الجامعي

    الروح الجامعي
    إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
    فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
    وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
    ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
    وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
    وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
    ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
    والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
    ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
    فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
    فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
    وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
    الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
    الهلال ديسمبر ١٩٦٧
    بقلم الدكتور طه حسين

  • يسروا النحو

    يسروا النحو والكتابة
    بقلم الدكتور طه حسين

    سيداتي وسادتي،

    أريد أن أتحدث إليكم في موضوع عسى أن يكون ثقيلاً، وأعتذر إليكم من ثقله، فالحق ثقيل دائماً، لا يخف إلا على أولي العزم من الناس، والعهد بكم أنكم من أولي العزم؛ لأنكم من العرب الذين يؤثرون الجد على الهزل، ويفضلون الصراحة على المداراة والمراوغة. وبيني وبين الذين سينكرون ما أقول، ما قاله أبو العلاء:

    > خذي رأيي وحسبك ذاك مني
    > على ما فيَّ من عوجٍ وأمتِ
    > وماذا يبتغي الجلساء مني
    > أرادوا منطقي وأردت صمتي
    > ويوجد بيننا أمد قصي
    > فأموا سمتهم وأممت سمتي

    والموضوع ثقيل؛ لأنه يتصل باللغة العربية الفصحى، وبتعليم الشعب. فما أكثر ما نتحدث عن هذه اللغة العربية الفصحى، وما أكثر ما نعلن اعتزازنا بها، واعتدادنا بتراثها، وحرصنا عليها وعلى تراثها العظيم، ويقيننا أنها هي أساس وحدتنا، وهي العروة التي تجمع الشعوب العربية على اختلاف أوطانها وتباعدها، والعروة التي لا انفصام لها. نتحدث عن هذا فنكثر الحديث، ونقول في هذا فنطيل القول، ونملأ به أفواهنا، وتطمئن إليه قلوبنا، وتثور له نفوسنا. وإذا نحن نفيض حماسة وثقة وأملاً ويقيناً. فإذا فرغنا من هذا كله، وثبنا إلى نفوسنا، أو وثبت نفوسنا إلينا، وهدأت عنا الحماسة، اكتفينا بما قلنا، وبما سمعنا، وبما صفقنا، وبما صحنا، ثم لم نكد نصنع شيئاً.

    ولست أنكر أن علماء اللغة في البلاد العربية، على اختلافها، يبذلون جهوداً عنيفة، وينفقون من أوقاتهم ومن نشاطهم أكثر مما يطيقون لحماية اللغة وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها من كل عبث أو كل شر يمكن أن يصيبها. ولكن السؤال الخطير الذي ألقيه الآن، وأريد أن يلقيه كل واحد من حضراتكم عن ثقة، هو: لمن نحفظ هذه اللغة؟ ولمن نصونها؟ ولمن نريد أن نخلدها؟ ولمن ننفق كل ما ننفق من جهد ووقت ومال في سبيل هذا كله؟ أنفعل هذا كله لأنفسنا، لنستأثر بالعلم، وليقال إننا علماء، حفاظ، نتصرف في اللغة العربية بعد أن طوعناها بقدرتنا، ونستطيع أن نصرفها كما نحب ونهوى؟ أم نحن نفعل ذلك لتكون هذه اللغة ملكاً للشعوب كلها، لا لطبقة معينة منها، هي طبقة العلماء، الأئمة، الحفاظ، ولكن لجميع طبقات الشعوب العربية: الطبقات الممتازة أو الراقية، والطبقات الوسطى، والطبقات الفقيرة؟

    وهذا السؤال هو الذي أريد أن أدير الحديث حوله.

    أما أن فينا علماء، فهذا ليس فيه شك، ويكفي أن أكون في دمشق، وأن ألقى الأعلام من أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وأن ألقى هذه الطائفة الممتازة من المثقفين الشاميين، لأقتنع بأن اللغة العربية حية قوية، وأن لها حفاظاً، وأن لها أنصاراً يذودون عنها ويحرسونها، يذودون عنها الشر والعبث والفساد. وما أشك أن في البلاد العربية الأخرى شيئاً يشبه ما في الشام، كبيراً أو قليلاً. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن هذه اللغة العربية، التي يبذل في سبيلها كل هذا الوقت، لم تصل بعد إلى الشعوب، أو لا يكاد يصل منها إلى الشعوب إلا أصداء لا تغني عنها شيئاً.

    وليس أدل على هذا من أننا إذا استقصينا أمر اللغة العربية في الأقطار العربية الأخرى، فسنرى أن أكثر الذين يقرؤون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم على هذه اللغة الفصحى. وسنرى شراً من هذا؛ سنرى كثيراً من الشباب في غير قطر من الأقطار العربية يفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن ذات النفوس في هذا العصر الحديث، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة، ولغة الأدب في بعض البيئات. وما أكثر الذين أخذوا ينحرفون عن هذه اللغة إلى اللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع، وفي القرى، وفي أعماق الريف، يكتبون بهذه اللغة، ويرون الكتابة بها أيسر من الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأطوع لهم، وأقدر على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم، وما يجول في رؤوسهم من الخواطر والمعاني، من اللغة العربية الفصحى.
    وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأنها عسيرة، ولأنها مملة. ولأن التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة، واستمع إلى دروس الأستاذ في اللغة العربية، في النحو أو في الصرف أو في البيان، لم يستفد من أستاذه إلا شيئاً واحداً، وهو النفور من الأستاذ، والنفور من اللغة العربية، والانصراف إلى أي شيء آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل.

    ولا تظنوا أنني أبالغ أو أكثر، فهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا المكابرون. ولا تقولوا إن المدارس قد أخرجت طائفة من الكتاب والأدباء الممتازين، فهؤلاء هم الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أو الاستثناء الذي يحقق القاعدة كما يقال. ولكن التلاميذ في المدارس لا يبغضون شيئاً كما يبغضون دروس اللغة العربية. وهم مع ذلك إذا استمعوا إلى محاضرة عن اللغة العربية، ومجدها القديم، وتراثها الخالد العظيم، ثاروا حماسة، وامتلأوا نشاطاً وإيماناً وإعجاباً بهذه اللغة. ولكنهم حين تسقط عنهم الحماسة يعودون إلى تذكر الأستاذ، وكلامه الثقيل الذي كان يمليه عليهم، أو يلقيه عليهم في المدرسة، وهذه الأسئلة الشاقة التي كان يمتحنهم بها بين حين وحين.

    والأمر أشد من هذا كله خطورة. فنحن في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه قد آمنا بأن التعليم حق للشعب كله، منذ السن المبكرة إلى أن يبلغ الفتى أو تبلغ الفتاة الرشد. وإذن فنحن لا نبيح التعليم للقلة التي وفقت نفسها على أن تتعلم، وأتاحت لها الحياة أن تتفرغ للتعلم، وأن تنفق فيه شيئاً من الجهد والوقت والمال، وإنما نفرض هذا التعليم على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى القادرين والعاجزين. نفرض هذا التعليم على الشعب كله، ونعاقب الذين يقصرون في أداء هذا الواجب، وهو تعليم أنفسهم أولاً، وتعليم أبنائهم وبناتهم بعد ذلك.

    قوانيننا تعاقب الذين يقصرون في تعليم أبنائهم وبناتهم، ومعنى هذا أننا نفرض التعليم على هذه الملايين الكثيرة التي تتألف منها الأجيال في هذه البلاد العربية.

    وإذا فرضنا التعليم على كل هذه الملايين، فيجب أن نبتغي إلى هذا التعليم وسائله الصحيحة التي تنتهي به إلى النجاح حقاً، ويجب ألا نكلف الكثرة الضخمة التي نعلمها، هذه الكثرة الضخمة من البنات والبنين، ما نكلف به القلة التي يتاح لها الوقت والجهد والمال. وإذن فلا بد أن يكون التعليم يسيراً، وأن يكون قريباً، وأن يكون سائغاً، لا تجد فيه هذه الكثرة مشقة ولا عنتاً، ولا تحتاج فيه إلى هذا العناء الثقيل الذي يفرض على أبنائنا فرضاً.

    وأخرى ليست أقل من هذه خطورة، وهي أننا نعيش الآن في القرن العشرين، أي في العصر الذي تغير فيه التاريخ، وتغيرت فيه الحضارة المادية تغيراً تاماً، وتغيرت فيه الثقافة العقلية تغيراً يوشك أن يكون تاماً أيضاً، وتغير فيه العقل نفسه بحكم ما طرأ على الحضارة والثقافة من تغير. وما زلنا نعلم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا كما كان القدماء يعلمونها في معاهدهم ومدارسهم منذ أكثر من ألف عام.

    وقد نستطيع أن نطلب إلى القلة القليلة جداً أن تحتمل هذا العناء، وأن تتكلف هذا الجهد، وأن تخرج من القرن العشرين أو التاسع عشر للميلاد، لتتعلم النحو والصرف واللغة كما كان القدماء يتعلمونها. ولكنك لا تستطيع، بحال من الأحوال، أن تطلب إلى هذه الملايين الكثيرة أن تبذل هذا الجهد، وتحتمل هذا العناء، وتخرج من حياتها التي تحياها بالمشقة، والكد، والعناء، لتعود إلى حياة أخرى لعلها لا تعرف من أمرها شيئاً.

    فعندما تريدون أن تعلموا هؤلاء الأطفال في المدرسة الابتدائية، أو هؤلاء الشباب في المدارس الثانوية، عندما تريدون أن تعلموهم النحو، تعلمونهم النحو كما كان المبرد، وأستاذه المازني، وتلاميذهما المختلفون يعلمون في مساجد البصرة، وكما كان الكسائي والفراء يعلمان في مساجد الكوفة، أو في مساجد بغداد. والفرق بعيد بين المدرسة الابتدائية التي ننشئها في أعماق القرى وبين مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد بغداد، والفرق هائل جداً بين القرن العشرين وبين القرن الثامن أو التاسع حين كان يعيش هؤلاء العلماء.

    كان القدماء يعيشون عيشة خاصة، ويتأثرون من ناحية بالبادية العربية الأولى، ومن ناحية أخرى بالفلسفة اليونانية الطارئة، ومن ناحية ثالثة بالحضارة الفارسية المادية التي أحاطت بهم وشملتهم شمولاً. أما نحن فقد صرفنا عن البداوة العربية الأولى، وأغرقتنا الحضارة الحديثة إلى آذاننا، وقد أنستنا فلسفة أرسطاطاليس وغيره من قدماء اليونان، وأصبحت هذه الفلسفة لا يعرفها إلا الأقلون من أمثال الصديق الدكتور منصور فهمي، والدكتور جميل صليبا. وأصبحت الحضارة الفارسية شيئاً يعني الفرس حين يدرسون تاريخهم، أما حضارتنا الآن فهي الحضارة الحديثة، ونحن نعنى بحضارتنا القديمة لنستبقي منها ما يصلنا بالقديم، حتى لا تفنى شخصيتنا، وحتى لا نفقد عروبتنا، وحتى يظل الاتصال قوياً بيننا وبين ماضينا المجيد.

    فإذا أردتم أن تعلموا النحو لهؤلاء التلاميذ المساكين، فكيف تريدونهم أن يفهموا أن قولك: "قُرِئَ الكتابُ" فعل مبني للمجهول، والكتاب نائب عن الفاعل؛ لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني، وعلم النحو، وأنيب عنه المفعول به؟ فكيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي، الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة، أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ وما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟

    وعندما تريد أن تفهمه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، قلت له: إن "أحد" في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره "استجارك"، وإن تقدير الآية: "وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك".

    فيسألك التلميذ: وأين توجد "استجارك" الأولى هذه؟ ومن أين نأتي بها؟ وما وجه وجود هذا الفعل مرتين؟ ولم لا نكتفي بهذا الفعل الذي اكتفى به القرآن الكريم؟ كيف تجيبون؟

    أما أنا فقد سألت أحد الشيوخ عن إعراب هذه الآية، فأعربها كما تسمعون، فقلت له: "يا سيدي، أتزيد في كتاب الله؟".

    وعلة هذا أن النحاة القدماء قرروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا على فعل. ولما جاء في القرآن، وفي كلام العرب، (إن) وبعدها اسم، لم يخضعوا لما جاء في القرآن، ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرًا وشعرًا، وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها. وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف، واستطاعوا أن يحتملوه، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله؛ لأن عقولهم في تلك الأوقات، في تلك السنين، كانت عقولاً فلسفية متأثرة بالميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، كما يقولون، التي تركها أرسطاطاليس، وورثها العرب، فكانوا يستطيعون أن يفهموا مثل هذا الكلام. ولكن شبابنا في هذه الأيام يعيش في عصر لا يكاد يحفل بالميتافيزيقا وما بعد الطبيعة، ويعيش في عصر لا يكاد يعرف أرسطاطاليس منه إلا المختصون. فإذا حدثتهم بالفعل، وحدثتهم عن الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده، وذكرت لهم هذا الفعل، حاروا في أمره حيرة بعيدة.

    وإذا أردتم أن تعلموا التلميذ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فأفهمتموه أن "ثمود" ليست مفعولاً لـ "هديناهم"، وإنما هي مفعول لفعل محذوف تقديره "هدينا"، ثم قلتم إن معنى الآية، أو تقدير الآية: "فأما هدينا ثمود فهديناهم"، لم يستطع التلميذ إلا أن يضحك أولاً، ويسخر ثانياً، وأن ينصرف عن الأستاذ والدرس بعد ذلك. والحمد لله على أنه لا ينصرف عن الإسلام، ولا عن القرآن؛ لأن الإسلام أقوى، والقرآن أقوى من أن يؤثر فيهما مثل هذا العبث.

    أو إذا قلت للطالب أو للتلميذ: "نحن المصريين نفعل كذا"، أو "نحن السوريين نفعل كذا"، وطلبت إليه أن يفسر هذا أو يعربه، ألهمته أن هناك فعلاً محذوفاً تقديره: "أخص نحن المصريين"، أو "أخص السوريين". فما موقع "أخص" هذه؟ لا معنى لها مطلقاً، إلا أننا وجدنا هذه الكلمة منصوبة، ووجدنا هذا التعبير يدل على الاختصاص، فقدرنا هذا الفعل، وقدرنا هذا العقل، ولنا أن نقدر ما نشاء، ولكن التلاميذ لهم أيضاً عقول صغيرة ساذجة، لا ينبغي أن نكلفها ما لا تطيق.

    وإذا قلت للتلميذ: "إياك والكسل"، وطلبت إليه أن يعرب هذه الكلمة، اخترعت له فعلاً مقدراً لا أدري، ولا يدري هو، أنى يكون ولا من أين جاء، وهو "أحذرك". ونظراً لأنك حذفت الفعل فقد اضطررت إلى أن تستعمل الضمير المنفصل مكان الضمير المتصل، فلم تقل: "حذارك"، وإنما قلت: "إياك والكسل".

    كل هذا الكلام أنا شخصياً أحبه أشد الحب، وأؤكد لكم أن النحو هو أحب علوم اللغة العربية إليَّ، وأؤكد لكم أنني أجد لذة لا تعدلها لذة حين أجلس إلى الصديق إبراهيم مصطفى، ونتذاكر باباً من أبواب النحو، ونحاول إعراب آية من آيات القرآن على قواعد النحويين، أو إعراب بيت من أبيات الشعر على قواعد النحويين.

    ولا أنسى أني تذاكرت معه غير مرة في إعراب الآية الكريمة:

    ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.

    كيف يكون إعراب هذه الآية؟ لأن هناك: "إذا ما أتوك لتحملهم"، "قلت لا أجد"، ثم "تولوا". فعلان، و"إذا" محتاجة إلى جواب. أين يكون الجواب؟ أهو "قلت لا أجد"، أم "تولوا"؟ ويكفي أن تنظروا إلى "إعراب القرآن" لأبي حيان لتروا ما يقال هناك. ولكن هل هذا العمل مما يعمل به التلاميذ في المدارس، صغاراً أو كباراً؟

    هذا فصل، وفصل آخر ليس أهون منه.

    الأصل أن الناس يكتبون ليقرأوا، ويقرؤون ليفهموا، ونحن نكتب لنقرأ، ولكننا لا نقرأ لنفهم، وإنما نفهم أولاً لنقرأ بعد ذلك. وإذا كان هذا جائزاً بالقياس إلى الممتازين النابهين الأذكياء، فهذه الملايين ما الذي تطلبونه إليها؟ كيف تطلبون من هذه الكثرة من الأطفال الصغار، في هذه السن المبكرة، أن يفهموا الكتب التي تعطى إليهم في المدارس ليقرؤوها كما ينبغي أن تقرأ؟ ويجب عليهم أن يفهموا قبل أن يقرؤوها، أو أن يقرؤوها خطأ، فيلقون من أساتذتهم ومعلميهم سخطاً.

    فلا بد إذن من أن نختار بين اثنتين: إما أن نريد المحافظة على اللغة العربية في مجامعنا العلمية، على اختلافها، فنذود عنها كل شر، ونحميها من كل بأس، ونحيي تراثها القديم، ونجتهد في أن نضيف إليه كل جديد ممكن، ينفع ولا يضر، وإما أن نكون نفعل هذا كله لأنفسنا، وأشباهنا من المتخصصين، ولا نحفل بالشعب، ولا بتعليم الشعب. وإذن فنحن لا نصنع أكثر مما يصنع المتخصصون في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغة اللاتينية القديمة، أي ما يصنعه المتخصصون في اللغات الميتة.

    أتريدون أن تكون اللغة العربية إحدى هذه اللغات الميتة التي يفرغ لها المتخصصون، ولا يحسنها غيرهم؟

    هذه واحدة.

    والثانية: أن نكون إنما نفعل هذا كله لتكون اللغة العربية لغة حية حقاً، كما تحيا اللغة الألمانية، والإيطالية، والفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، وغيرها من اللغات الحية التي يتكلمها الناس، ويكتبون بها، ويفهمونها حين يقرؤونها، أو يقرؤونها ليفهموها. فإذا قرؤوها فهموها في غير مشقة ولا عسر، وإذا تعلموها فلا يجدون فيها جهداً، ولا مشقة، ولا عناء، إلا ما يجده التلميذ في حياته العادية حين يتعلم أي شيء من هذه الأشياء التي يتعلمها في صباه.

    ولم أذهب بعيداً. انظروا إلى تلاميذنا في المدارس الثانوية! إننا نعلمهم اللغة العربية، ونعلمهم لغة أجنبية أو لغتين أجنبيتين. في أي اللغتين يتثقف هؤلاء التلاميذ؟ وبأي اللغتين يسرع هؤلاء التلاميذ إلى النطق والفهم والحديث؟ أتظنون أنهم يتثقفون باللغة العربية؟ أتظنون أنهم يسرعون إلى التحدث بالعربية الفصحى، ويسرعون إلى قراءتها أو فهمها؟ أم أن الواقع شيء آخر؟

    أما أنا فقد جربت كثيراً، والذي أعرفه من التجربة أن تلاميذنا يتعلمون اللغة الإنكليزية والفرنسية أسرع مما يتعلمون اللغة العربية، لولا أن عواطفهم تفرض عليهم شيئاً من التحفظ، وتفرض عليهم شيئاً من الجهد.

    أؤكد لكم، أيها السادة، أن كل هذا الذي عرضته عليكم حتى الآن إنما يصور خطراً حقيقياً أشرت إليه في افتتاح مؤتمر المجامع العلمية منذ يومين، وأضيف إليه أن هناك كتاباً كباراً يقرؤون في الشرق العربي كله، ويطالب بعضهم الآن بإلغاء الإعراب وإلغاء قواعد النحو. وأنا أطالب بتيسير قواعد النحو، وتيسير الكتابة العربية، لتشيع اللغة العربية، وتصبح لغة الشعوب حقاً، ولغة حية حقاً. ولكن من الناس من كتبوا في هذه الأيام القريبة يطلبون إلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، لا لشيء إلا لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية حين كانوا تلاميذ في المدارس، ولا لشيء إلا لأن النحو القديم، والكتابة الموروثة، والأساتذة الذين يعلمون النحو القديم والكتابة الموروثة، كل أولئك عجزوا عن أن يحببوا هذه اللغة إلى الكاتب الكبير، ويبغضوا إليه العربية الفصحى، وغرسوا في نفسه هذا البغض، وأصبح الآن لا يكاد يحب شيئاً كما يكره التكلم بهذه اللغة، ولا يتحرج أن يطالب بإلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، وجعل اللغة العربية الفصحى كأي لهجة من اللهجات العامية.

    إنكم كذلك بين اثنتين: إما أن تريدوا وحدة الشعوب العربية حقاً، وتكونوا مؤمنين بهذه الوحدة، حراصاً عليها، مستعدين للجهاد في سبيلها بالحياة، والنفوس، والأموال، والمنافع، مهما تكن، وإذن فلا بد أن تجعلوا لغتكم العربية لغة الشعوب، لا لغة الخاصة.

    وإما أن يكون حديثكم عن هذه الوحدة كلاماً لا أكثر، وأعوذ بالله وأعيذكم من ذلك. وإذن فدعوا اللغة العربية تموت، ودعوا اللغات العامية تصبح لغة الكتابة، وانظروا بعد ذلك إذا أراد السوري أن يقرأ الكتاب المصري، عليه أن يترجمه إلى لهجته السورية، ويضطر العراقي إذا اضطر أن يقرأ للسوري أن يترجمه إلى اللهجة العراقية.

    اختاروا، فليس لكم بد من الاختيار. إن نحن مضينا فيما نحن عليه، وأبينا أن ننصرف عن النحو والكتابة، وأن نتيح للشباب والصبية أن يقرؤوا ليفهموا، لا أن يفهموا ليقرؤوا، إن أبينا أن نمضي كما كان النحو، وكما كانت الكتابة، فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة، كما نشأت الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة.

    لقد ماتت اللاتينية، وخلفها أبناؤها وبناتها، فهل تريدون أن تموت اللغة العربية، وأن تخلفها بناتها التي نشأت بالفعل في الأقطار العربية المختلفة؟

    هذه هي المسألة: اختيار. وأنا أعلم أنه ليس أشق على الإنسان من الاختيار. فنحن نحب القديم، ولا نستطيع التفريط فيه إلا بعد مشقة، وجهد، وعناء، وبعد أن تتمزق قلوبنا حسرة، ولكن لا بد مما ليس منه بد.

    وبعد، فلا أدعو إلى هجر القديم مطلقاً، وعسى أن أكون أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لم لا يكون النحو القديم، والكتابة القديمة، والبلاغة القديمة، وكل هذه العلوم العربية التي أنشئت في عصر غير هذا العصر الذي نعيش فيه، متطوراً كما تطورت العلوم؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد، ونخصص للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلماً يسيراً سهلاً، عسى أن يتخرج من بينهم من يضيف إلى ثروة هذا القديم، ويحسنه أكثر مما نحسنه نحن، ويحيي هذا التراث القديم أكثر مما نحييه نحن.

    أنا أعرف أن هذا كله لا يرضي كثيراً من الناس، لا في دمشق وحدها، بل في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولكني لا أحب أن أكذب العرب، وقد قيل إن الرائد لا يكذب قومه، ولا أحب أن أكون كأولئك الذين يقولون إن أمة محمد بخير، ولا أريد أن أكون كأولئك الذين يطمئنون في المكان القلق، إنما أحب، وأحب للمواطنين من العرب، أن يكونوا أيقاظاً دائماً، وأن لا يؤخذوا على غرة، وأن لا ينظروا ذات يوم فإذا هم يدرسون، ويجهدون، ويجدون، ويكدون لأنفسهم لا للشعوب.

    لا بد إذن أن ننظر في هذا كله، وأن ننظر فيه نظرة الشجعان الذين يواجهون الحقائق ولا يستخفون منها، ونظرة الناصحين الذين لا يريدون أن يستأثروا بالعلم دون العامة ودون الشعب. وحسب الناس شقاء أن يكون المستأثرون بالمال هم المستأثرين بالحياة المادية، وشر الاستئثار هو الاستئثار بما خلقه الله ليكون شائعاً بين الناس جميعاً، وهو العلم والمعرفة والثقافة.

    لا ينبغي لعلماء اللغة العربية أن يستأثروا أنفسهم بالعلم العربي، بل يجب عليهم أن يشيعوه، ولا ينبغي عليهم أن يظنوا أنهم حين ينشرون كتاباً من كتب القدماء يشيعون حقاً. فالكتاب لا يشاع إلا بين الذين يستطيعون أن يفهموه، ويتصرفوا به.

    سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذا الكتاب أو ذاك من كتب الجاحظ؟ سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ كتاب "البخلاء"، أو كتاب "التربيع والتدوير"؟ وما أشبه من الكتب القديمة التي نقرؤها فنجد فيها المتعة، والتي يقرأها بعض المستشرقين فيجدون فيها المتعة. سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذه الكتب؟ قرأها العلماء، وأشباه العلماء، وطلاب العلوم العالية، فأما ملايين العرب فلا يعرفون عنها شيئاً. وأعرف قوماً إذا ذكرت لهم هذه الأشياء هزوا رؤوسهم، ورفعوا أكتافهم، واستهزؤوا بذاكرها.

    وقرأت ذات يوم في الصحف من ينكر على دار الكتب نشاطها في مصر، وقال إن هذه الدار لم تطبع إلا كتاباً واحداً، وهو كتاب "الفاضل" لأبي يزيد المبرد. ينشر هذا، أيها السادة، في صحيفة يومية! كتاب "الفاضل" لأبي يزيد المبرد! هذا الكاتب ينشر، والصحيفة التي نشرت له لا تعرف أن المبرد يسمى "أبا العباس محمد بن يزيد"، وإنما تجعله أبا يزيد المبرد، والكتاب لا يسمى "الكامل"، بل يسمى "الفاضل"، وعلى هذا النحو. وبالطبع "فوق كل ذي علم عليم". وقد يكون للمبرد كتاب يسمى "الفاضل"، ولكني أعترف أنني لم أقرأه، ولم أسمع به قبل اليوم.

    ليس من شأني أن أتحدث في هذا كله، وإنما أتحدث إلى فريقين من الناس: أتحدث قبل كل شيء إلى العلماء الذين يستطيعون الخير ولكنهم لا يقدمون عليه، ثم أتحدث إلى الشباب المتعلمين الذين من حقهم أن يطالبوا العلماء أن ييسروا لهم لغتهم، وألا يباعدوا بينهم وبين عروبتهم.

    ولا شك، ولا يجد الشك إلى نفسي سبيلاً، بأن الحكومات العربية، إذا قال لها العلماء: هذا هو النحو الجديد الميسر الذي يلائم عقول الشباب في هذا العصر، ولا يمس جوهر اللغة العربية من قريب ولا من بعيد، ولا يغير من طبيعة اللغة العربية شيئاً، وهذا هو الذي يعين الشباب على أن يتقنوها، وأن يتكلموها، وأن يقرؤوها، وأن يفهموها، فلا شك مطلقاً بأن الحكومات، عندما يقدم إليها العلماء هذه الكتابة اليسيرة التي تتيح للشباب أن يقرؤوا قراءة صحيحة، ويفهموا فهماً صحيحاً، ويجعلوا اللغة جزءاً من قلوبهم، ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية، لا لغة متكلفة يتكلفونها إن استطاعوا أن يتكلفوها في أوقات الحاجة، إذا قدم العلماء هذا كله إلى الحكومات، فأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن جميع الحكومات العربية لن تتردد في إقرار هذا النحو، وفي إقرار هذه الكتابة، وفي إشاعة هذا النحو في المدارس، وفي إشاعة هذه الكتابة أيضاً.

    ولقد رأيت مرة كتاباً من كتب المطالعة في المدارس الابتدائية عندنا في مصر طغت عليه "البيداغوجية"، فويل لنا من البيداغوجية! زعمت أن اللغة العامية قد تكون أيسر لإفهام الصبية، فأدخلت بعض الجمل وبعض الألفاظ العامية في هذا الكتاب. فلما تحدثت في ذلك إلى وزير التربية والتعليم، لم يتردد في أن يعدني بالنظر في تلك الثورة.

    فتقدموا، أيها السادة العلماء، والحديث هنا موجه إلى مجامعنا الثلاثة التي تأتمر الآن في هذه العاصمة العربية، تقدموا أيها السادة العلماء إلى الحكومات بكتابة ميسرة، ونحو ميسر، وقربوا لغتكم من الشعوب، وثقوا بأنكم إن فعلتم فستبلون بلاءً خيراً من البلاء العظيم الخطير الذي أبلاه نحاة البصرة والكوفة وبغداد في العهد القديم.

  • أقوى من الزمن

    أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ١٦ يناير ١٩٥٦

    تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.

    ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.

    والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.

    أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.

    ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.

    وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.

    وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.

    وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.

    وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.

    وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».

    وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.

    وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.

    فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.

    ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.

    وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:

    ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
    وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.

    وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل.

  • جناية العصر الحديث على الأديب

    جناية العصر الحديث على الأديب
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٣

    إنَّ حياة الأديب في العصر الحديث عَسيرةٌ شَاقَّة، ولنْ يَكُون الحديث عنها يَسيرًا ولا سَهلًا، وقد كُنَّا نَقْرَأ — وما زلنا نقرأ — أخبار الأندية والمَجَالس التي كان الأدباءُ يتحدثون فيها عن مِهْنَتِهم، فنَجِدُ فيها لذة أي لذة، ومَتاعًا أي متاع.

    أمَّا الآن، فأخشى كل الخشية أنْ يكون الحديث عن حياة الأديب شاقًّا عسيرًا لا يخلو من بعض الإظلام، ولا يخلو من إثارة شيء من التشاؤم وضِيقِ النَّفس؛ لأنَّ ظُروفَ الحَياةِ تغَيَّرت تَغيُّرًا شَديدًا، وأصبحَ الأدبُ أدنى إلى الجد الصارم منه إلى أي شيء آخر، وأصبحت حياة الأديب مُعَقَّدة تعقيدًا لم نَعْرِفه فيما مضى. ينشأ هذا التعقيد منَ الظروف التي نعيش فيها، فقد كانت الحرب العالمية الأولى؛ فتعقدت الحياة أشد التعقيد.

    ولم يكد الإنسانُ يفيقُ من الحرب الأولى حتى تبعتها الحرب الثانية، وكانتْ أخطر وأشد هولًا، وقد نَشَأ عن هاتين الحربين اللتين ثارتا في أقل من نصف قرن أن اضطربت شئون الناس الاقتصادية، واضطربت شئون السِّياسة، وظَهَرتْ نَزَعات اجتماعية خطيرة لم تكن تخطر إلا للمُفكرين والفَلاسِفة الذين يُحِبُّون أنْ يُفلسفوا حياة النفس، وننظر فإذا العَالم قد انقسم إلى قسمين:

    قسم يؤمن بالحرية، ويُحاول أن يُلائم بينها وبين العدل الاجتماعي، ولكن لا يُريد بحال أن يُضحي بالحرية في سبيل العدل، وقسم آخر يطلب العدل ويُضحي بكل شيء حتى بالحرية وبالشخصية الفردية والاجتماعية، وكذلك انقسم العالم إلى القِسْمَين اللذين يضطربان في السلم الآن، ويُخشَى أن يتجاوز السلم إلى الحرب.

    وكذلك اضطربت آراء الناس في الحياة كلها: قلق من خوف الحرب، وقلق من الاضطراب الاجتماعي، وقلق من الاضطراب الاقتصادي وغيره في هذه الحياة المُعَقدة التي لا نعرف فيها كيف نُصبح حين نصبح، فإذا أمْسَينَا لم نعرف بما يُسفر عنه صبح الغد. في هذه الحياة المُضطربة، يقف الأدب مَوقفًا في حيرة، ورُبَّما كان مَوقِفُه أشدَّ حيرة من مواقف الناس؛ لأنَّ واجب الأديب الأوَّل هو أنْ يكونَ هاديًا ومُرشدًا. فهو لا يدري إلى أي وجه من وجوه الحياة يَضطرب، وهو لا يدري كيف يواجه المُشكلات التي ضَاقَتْ بها الإنسانية، وعجز التفكير الفلسفي عن حلها، ووقف الناس موقف المُرتبك الذي تأخذه الحيرة من جميع أقطاره.

    وما أظن الأديب احتاج لأنْ يُلقي السؤال الذي ألقاه الفَلاسفة: من أين نحنُ؟ وإلى أين نُريد؟ وماذا نريد؟ ما أظنُّ أنَّ الأديب احتاج لأن يُراجع نفسَهُ وضميره ويُفَكِّر ويَتَّصِلَ التفكير بمِقْدَار ما هو مُحتاج إلى هذا الآن. كل شيء من حوله مُخْتَلِطٌ مُضْطرب يعيش في ظلمة مُبْهَمَة لا يدري كيف الاتجاه فيها.

    مِنْ أجل هذا كان الحديث عن حياة الأديب عسيرًا، كما أن حياته عسيرة شاقة. ولو عاش أو إذا بُعث بعض أدبائنا القدماء وسمعوا لأحاديث المُعاصرين حين يَلقى بعضهم بعضًا؛ لما فهموا شيئًا، ولأعرضوا عنها مُنكرين، فكان شعراؤنا وكُتَّابنا القدماء إذا لقي بعضهم بعضًا تحدثوا في أدبهم، ينقدون ويُقرظون، يرضون عن شاعرٍ ويَسخطون على شاعر، يُبينون أوجه الرِّضا والسخط، وهكذا.

    أمَّا الآن، فإنَّ الأدباء قد اجتمعوا في البندقية، ولا يكادون يتحدثون عن الأدب والشعر أو النقد أو الذوق، وإنما عمَّا هو أهون شأنًا، ولكنه في الوقت نفسه أجل خطرًا. يتحدثون عن الحياة كيف يحياها الأديب، ويحتمل أعباءها، ويُؤدي مُهمَّته في العالم الحديث.

    الأديبُ تحت ظل الملوك والأمراء وكانت مُشكلات الحَياة المادية بالقياس إلى الأدباء في العصور القديمة يسيرة تُوشك أن تحل نفسها، فكان الأديب بين رجلين: أن يكون صاحب مهنة أو عمل يكسب منه القوت، ويَفتَنُّ في أدبه على أنه لون من ألوان الترف، وفن من فنون المتاع العقلي. وإما أن يكون لا مهنة له، ولكنه انقطع إلى أحد الملوك أو السلاطين فعاش من عطائه، وأفنى عُمره في ظله، أو يتنقل بين الملوك والأمراء يبيعهم فنه، ويأخذ مالهم. أما الآن فقد تعقَّد الأدبُ وأصبح من العَسير أن يُضيف لفنِّه مِهنة يكسبُ منها القوت؛ لأن الأدب في العصر الحديث يحتاج إلى كثير من الاطلاع، وكثير منَ القِرَاءة والبحثِ والاستقصاء، ثم إلى كثيرٍ من الرَّوية والتفكير لينتج، فإذا حاول الإنتاج احتاج إلى كثير من الجَهْد ليُصحح معَانيه ويُصوبها، ثم ليتخير الألفاظ التي تُؤديها صادقة من جهة، ويكفل شيئًا منَ الجَمال الفني يخلب السمع، ويُرضي القلب، ويُغذي العقل. وكل هذه الجهود خليقة أن تَسْتَغرق وقْتَه، وكل هذه الجهود خليقة أن يَضِيقَ بها وقته، فإذا احتاج ليعمل في مِهْنَةٍ غير الأدب، فهو أنْ يأخذ شيئًا من وقته أولًا، وجهده ثانيًا، وقوته على العمل والإنتاج ثالثًا، وإذن فهو لا يستطيع أن يفرغ لأدبه ويقف عليه جهده، وقد: ذهب الذينُ يُعاش في أكنافهم وبَقيتُ في خَلفٍ كجلد الأجرب فليس هناك ملوك ولا أمراء يَرعون الأدباء، ولو وُجدوا لأعرض عنهم الأدباء، ونفروا منهم أعظم النفور؛ لسبب بسيط وهو أنَّ الأدبَ قد تَحَرَّر واستَقَلَّ، وأكبر نفسه عن أن تُباح للكُبراء، ويُشترى بالمال، فلم يبق بدٌّ للأديبِ مِنْ أنْ يَعْتَمِدَ على نَفْسِه ليكسِبَ القوتَ، وفي كثير من الأحيان لا يعيش الأديب وحده؛ لأنه إنسان له من يعوله، فيجبُ عليه أن يكسب قوته وقوت من يعول؛ ويفرغ مع ذلك لإنتاجه الأدبي، ولا أريد مُجرد النظم، وإنما أريد الإنتاج الرفيع الذي لا يهان، وإنما يرتفع بقرائه إلى أرفع من عالمهم الذي يضطربون فيه.

    نشاطك وفراغ بالك فكيف يستطيع الأديب أن يُلائم بين هذين الأمرين المتناقضين: فراغ للأدب، وكسب للقوت؟ وكان الجاحظ يستطيعُ أنْ يقول للمُتعلمين للأدب: «خذ من وقتك ساعة فراغك.» أمَّا الآن فلا يستطيع أن يقول ما قال في رسالته التي يطلب فيها أن لا يفكر الأديب في أدبه وهو مشغول البال. فالأديب مشغول في هذه الحياة. كيف يستطيع إذن أن يوفق بين المتناقضين؟ هذه ناحية، والناحية الأخرى رُبَّما كانت أشد عسرًا؛ وهي ناحية الاحتفاظ بالحُرِّية كما ينبغي أن يحتفظ بها الأديب. فالحرية هي أنَّه إذا فرغ الأديب لأدبه، وأوحي إليه أو كشف لونًا من ألوان التفكير، وأدى هذا اللون في فن من التعبير، فيجبُ أنْ يكونَ مُحتفظًا بحُرِّيته كامِلَةً لا تَشُوبها شَائِبَة مَهْمَا تكن الظروف. وكلنا يَعْلَمُ إلى أي حد أصبح هذا عسيرًا في العصر الحديث! أصبحَ عسيرًا لأنَّ الأديبَ مُعَرَّض لألوانٍ منَ الرقابة مُختلفة، ليسَت رقابة الحكومة بأشدها عُسرًا، ولكنها أهونها احتمالًا! هناك رقابة الرأي العام أو الجمهور، وهناك رقابة الحكومة في السلم والحرب. وهذه الرقابة قوامها أن تحد حرية الأديب، فالرأي العام يُريد أن يكتب الأدباء ما يحب أن يقرأ، وأظنُّ القُرَّاء يوافقونني على أنَّ كتابة ما تحب الجماهير أن تقرأ ليست محببة للأديب إذا كان أديبًا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأنَّ هناك فرقًا بينَ العُصور القديمة والحديثة، ففي القديم كانتْ القرَاءة مَقصورة على أقليات أرستقراطية، أمَّا في العصر الحديث فقد أصبح التعليم إجباريًّا، وأصبحت الدولة مُكلَّفة أن تعلِّم النَّاس القراءة وتثقفهم وتهيئهم للأدب وما يقرءون. فإذا ألَّف الأديب كتابًا، فهذا الكِتَابُ لنْ تقرأه طَائِفَةٌ ضئيلة من المُثقفين، ولو قرأته هذه الطائفة لما استطاع الأديب أن يعيش، فلا بد أن يكون الكتاب قادرًا على أن يتجاوز طبقة المثقفين إلى طوائف أخرى من أوساط مُتواضعة قلما يستطيعون أن يتذوقوا الأدب الرَّفيع بمعنى الكلمة، فهم يَضيقون بما يُكلِّفهم عناء ومشقة، وهم يُحبون أن يقرءوا لينتفعوا، وهم يَجِدُّون أثناء النهار في أعمالهم، فإذا أتيحت لهم الراحة والنظر في الكتاب، فلا يضيفون تعبًا إلى تعب. وإذن فالأديبُ مُخَيَّر بين أن يكتبَ للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع، أو الطبقة الواسعة التي إن قرأته فلا بد أن يهبط إليها؛ لأنه لا يستطيع رفعها إليه. كيف يستطيع الأديب أن يفرغ لأدبه من جهة، ويتحرر من تبعات كسب الحياة المادية من جهة أخرى؟ فإذا أتيح له شيء من التحرر فكيف يتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية حين ترضى عن الأدب، وحين تسخط عليه؟ وكيف يلائم بين حريته وبين القوانين التي تُسَنُّ في بعض البلاد حتى يُضيَّق على الأدباء في حريتهم تضييقًا لا يُطاق؟ ثم كيف يخلص من الرقابة الحكومية؟ وبعد هذا كيف يحتفظ بأدبه الرَّفيع ويرفع قرَّاءه دونَ أنْ يَهْبِطَ على حساب الفن والجمال؟

    شقاء بالنهار وعناء بالليل هذه بعض المشكلات التي يشقى بها الأدب في العصر الحديث، وكان مُتخففًا من كثير منها في العصور الماضية؛ ففي العصور الماضية كان الأديبُ غير محتاج أن يضيع وقتًا ليكسب قوتًا، وإذا احتاج لقوته فطبيعة الحياة تُعفيه ما أضاع من الوقت؛ لأنه لم يكن فيها تعقيد من بُعد المواصلات والمسافات في الانتقال وأمثال هذه الأشياء، ولا سيما إذا كان موظفًا. فأديبٌ ممتاز يقتضيه كسبُ القوتِ أنْ يَعْمَل مع رئيس سخيفٍ، ويسمع أوامره. كل هذا كان الأديب معفي منه أو معفي من أكثره، أما الآن فحَياتُه مُنَغَّصة مِنْ أوَّل النَّهار إلى آخره، فإذا انقضى النهار بعنائه وأقبل الليل كان مكدودًا، ثم لم يكتف الشقاء بأن يجمع على الأديب كل هذه المشكلات، ولكن رُقيَّ الإنسان والتقدم في المدنية أبى إلا أنْ يُضيف إلى الشقاء ألوانًا من الشقاء، فظهرت منافسات خطيرة للأدب. منافسات أخشى كما خشي كثيرٌ من الأُدباء في أوروبا وأمريكا أنْ تعرض الأدب لأحد شرين: إما أن تهبط به فيُصبح يسيرًا، وإمَّا أن يُفرض عليه حظر! وهذه المنافسات تأتيه من الصحافة والراديو والسينما. وهي المحن الثلاث التي امتُحن بها إنتاج الأديب في العصر الحديث.

  • احتكار!

    احتكار!
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢ أبريل ١٩٤٨
    لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في أسباب المواصلات المُختلفة، فتريحهم بالقوة الصريحة، أو بالحيلة المُلتوية — من الطَّائرات، أو من السفن، أو من القطر، أو من السيارات، أو من الترام، أو من البرق، أو التليفون، أو البريد — لو قيل للمصريين إنَّ حكومتهم ستقتر عليهم في هذه الأسباب الكثيرة المُختلفة التي يتخذونها وسائل ليلتقوا ويفترقوا، وليتصلوا وينفصلوا؛ لضاقوا بذلك أشدَّ الضِّيق، ولسخطوا على حكومتهم أشدَّ السخط، ولما استقر لهم قرار حتى يردوا حكومتهم إلى العقل والرشد والصواب؛ ذلك لأنَّ المصريين كغيرهم من النَّاس يُؤمنون بالحضارة الحديثة، ويُؤمنون بالنَّاحية المادية من هذه الحضارة الحديثة خاصة أشدَّ الإيمان وأقواه، ويُريدون أن يأخذوا من أسباب هذه الحضارة الحديثة المادية ما يستطيعون أن يأخذوا به في غير تردد ولا تلكؤ، ولا إبطاء ولا تقصير، واسمع إلى المصريين الذين يختلفون إلى أوربا وأمريكا في الطائرات كيف يحمدون ما تكفل لهم من السرعة والراحة، وتحقيق المنافع البعيدة في الآماد القصيرة، وكيف يوازنون بين سرعة الطائرات، وبطء السفن والقطارات. ومن الممكن لو فرغ النَّاس للقول والتفكير، وهذا الترف الأدبي الذي لا يكاد يغني عن أصحابه شيئًا؛ أن تنشأ ألوان جديدة من الأدب الحديث، تُوازن بين أسباب المواصلات في الإسراع والإبطاء، وفي الرَّاحة والعناء، وفي العَجل والمهل، كما تخيل الشعب في أواخر القرن الماضي وأوائل هذا القرن تلك المناظرة الطريفة بين القطار والبرق في ذلك الكُتَيِّب الظريف الذي كنَّا نقرأه أطفالًا، ونستمتع فيه بالمحاورة بين السلك والوابور!

    ولكنَّنا في هذه الأيام معجلون عن كل شيء، لا نكاد نستبقي أدبنا القديم، فكيف باستحداث آداب جديدة، حول وسائل المواصلات أو غيرها؟ والمهم هو أنَّنا نحرص أشدَّ الحرص على أن نستبقي وسائل المواصلات هذه كلها، ونسرع إلى ما يمكن أن يستحدث منها، لا يخطر لنا أن نتردد في ذلك، أو أن نحتاط، فأمَّا وسائل المواصلات العقلية بين الأفراد والجماعات، وبين الأمم والشعوب، وبين أقطار الأرض على تباعدها، وبين ألوان الحضارة على تباينها؛ فإننا لا نحفل بها، ولا نقف عندها، ولا نكاد نلتفت إليها، ولا نفكر في الاحتفاظ بما عندنا منها، فضلًا عن أن نُفكِّر في أن نُضيف إليها وسائل جديدة لم يسبق لنا الانتفاع بها، وفضلًا عن أن نلوم حكومتنا أن قصرت في استبقاء ما عندنا من هذه الوسائل!

    وهذه الوسائل بالطبع هي اللغات الأجنبية؛ فالطائرات والقطارات والسيارات والسفن تنقل أجسامنا، وتتيح لعقولنا أن تفكر، وتتزيد من المعرفة، واللغات تنقل عقولنا، وتتيح لها أن تتصل بما تنتجه عقول الأمم الأخرى، وتنقل قلوبنا، وتتيح لها أن تتصل بما يثور في قلوب الأمم الأخرى من العواطف والشعور.

    ولكننا خلقنا هكذا: نُعنَى بأجسامنا قبل أن نُعنَى بعقولنا، وأكثر مما نعنى بعقولنا، ونهتم لمنافعنا المادية قبل أن نهتم لمنافعنا المعنوية، وأكثر مما نهتم لمنافعنا المعنوية، وآية ذلك أننا نتحضر في المادة قبل أن نتحضر في العقل، وإنَّك تجد كثيرًا من المصريين — بل تجد المصريين كلهم — ينتفعون بوسائل الحضارة المادية، دون أن يسألوا أنفسهم عن هذه الوسائل كيف نشأت، وكيف أُتيحت لهم، يركبون القطار، والطائرة، والسفينة، والسيارة، ولا يعنيهم إلا أن يركبوها! وليس في ذلك شيء من الغرابة، فليس كل إنسان مُكلفًا أن يفهم كل شيء، وليس ينبغي لكل إنسان أن يفهم كل شيء، وإنَّما الغريب ألا يفكر أولو الأمر في أنَّ الطبيعي أن يكون منَّا قوم يتقسمون فيما بينهم العلم بدقائق الحضارة وحقائقها، وفهم هذه الوسائل التي يُتاح لنا الانتفاع بها على كثرتها واختلافها وتنوعها.

    وأنا أبسط هذا الحديث الطويل بمناسبة عناية وزارة المعارف بتعليم اللغات الأجنبية في مصر، فقد كان يُظنُّ أنَّ طبيعة الحياة المصرية، وطبيعة الصِّلات التي أنشأتها الحياة الحديثة بيننا وبين أمم الأرض وشعوبها، وطبيعة الرقي الذي دفعنا إليه وظفرنا منه بحظٍّ لا بأس به؛ كل ذلك سيلقي في روع وزارة المعارف أنَّ التَّوسع في تعليم اللغات الأجنبية المُختلفة قد أصبح ضرورة من ضرورات حياتنا الحديثة، وسيلقي في روعها أيضًا أن استئناف النَّظر في برامج التعليم ومناهجه فُرصة يجب أن تنتهز؛ لنجعل التَّوسع في تعليم اللغات حقيقة واقعة، ولكني أنظر فأرى وزارة المعارف لا تلتفت إلى هذا التطور الخطير في حياتنا العقلية إلا لتقلل من عنايتنا بدرس اللغات الأجنبية!

    كنت أظن أنَّ حياتنا الحديثة ستحمل وزارة المعارف على أن تتيح لبعض الصبية والشباب من أجيالنا الناشئة تعلُّم بعض اللغات الأجنبية الكبرى، ليكون منَّا الذين يُحسنون الاتصال بالثقافات العالمية على اختلافها مباشرة لا بالوساطة، فيكون بين شبابنا من يترجم عن الألمانية والإيطالية والإسبانية، ولولا أن أحفظ بعض الصدور لذكرت اللغة الروسية أيضًا، ففي الثقافة الروسية أدب وعلم وفن، وليست الثقافة الروسية شيوعية كلها! ولكنَّ وزارة المعارف مع الحزن الشديد لم تُفكِّر في شيء من ذلك، وإنَّما استبقت اللغة الإنجليزية كما هي أو زادتها قوة — ولست أجد بذلك بأسًا — وأضعفت اللغة الفرنسية وردتها إلى شيء من الضيق يجعل دراسة الشباب لها إضاعة للوقت لا تنفع ولا تفيد، ولعلها تضر وتبغض إلى التلاميذ الدرس والتحصيل!

    ***

    وليس المهم أن تُعنى الوزارة أو لا تُعنى بهذه اللغة أو تلك، وإنَّما المهم أن تلتفت الوزارة إلى أنَّ اللغات الأجنبية هي وسائل المواصلات العقلية، وإلى أنَّ المواصلات العقلية هي أساس المواصلات المادية، وإلى أنَّ حياتنا الحديثة تفرض علينا أن نُشارك في الثقافة الإنسانية العالمية مُشاركة فعلية مباشرة، كما تفرض علينا أن نفهم أصدقاءنا وخصومنا، وكما تفرض علينا أن ننفع وننتفع، وكما تفرض علينا أن نعتمد على أنفسنا في النفع والانتفاع، وألا نكون عيالًا على غيرنا.

    ***

    وكل ذلك يفرض علينا أن نُتيح للشباب المصريين درس اللغات الأجنبية على كثرتها واختلافها؛ فليس من ذلك بدٌّ إذا أردنا أن نكون أمة راشدة حقًّا، وقد جعلنا العقل المصري حكرًا تقتسمه الثقافة الفرنسية والإنجليزية منذ بدأت نهضتنا الحديثة، وقد آن لنا أن نُحرِّر العقل المصري والقلب المصري من هذا الاحتكار، وسبيل ذلك أن تعدل وزارة المعارف أولًا عما عمدت إليه في إصلاحها الأخير من إهمال اللغة الإضافية، سواء أكانت فرنسية أم إنجليزية، وأن تستأنف النظر في تعليم اللغات فتبيح للشبان والصبية وأسرهم أن يختاروا لغتين أجنبيتين من اللغات العالمية الكبرى، لا يتقيدون بهاتين اللغتين اللتين ألفناهما إلى الآن!

    ***

    وإذا لم تتح لوزارة المعارف أن تُجاري هذا التطور الحديث، فإنَّ البرلمان لم ينشأ عبثًا، وإنَّما أُنشئ ليرد الحكومة إلى القصد إنْ جارت عنه، وليبصرها بمواضع النفع. وإصلاح التعليم معروض على البرلمان أو سيعرض عليه، فلتؤد وزارة المعارف واجبها، وليؤد البرلمان واجبه، وليذكر المثقفون أنَّ للثقافة عليهم حقوقًا ينبغي أن تُراعى.

  • في الذوق

    في الذوق

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٢٥ أبريل ١٩٤٧

    يقال: إن الذوق ملاك الحضارة المترفة، ويقال من أجل ذلك: إنه يوجد ويقوى ويشيع حيث يتاح للحضارة أن ترقى وتترف وتبسط سلطانها على النفوس، ويقال: إنه من أجل ذلك يوجد في المدن أكثر مما يوجد في القرى، ويوجد في العواصم أكثر مما يوجد في مدن الأقاليم، ويوجد في القصور أكثر مما يوجد في الدور، ويوجد في الدور أكثر مما يوجد في الأكواخ!

    يقال هذا ويقال شيء كثير غير هذا حول الذوق؛ فالذوق يكون في الأدب والفن، والذوق يكون في الحياة الاجتماعية اليومية، والذوق يكون خصلة من خصال الفرد المترف الممتاز، ويكون خصلة من خصال الجماعة المثقفة المهذبة، ويكون خصلة من خصال الشعب الذي عظم حظه من الحضارة وإمعانه فيها … ويظهر أن المصريين قد سبقوا غيرهم من الشعوب إلى الحضارة وضروب الترف، فكان حظهم من الذوق عظيمًا، وقسطهم منه موفورًا … يقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه: إنه صاحب ذوق، ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يمدحه أيضًا: إنه «رجل ذوق» بالإضافة، ورجل ذوق بالوصف! ويقول المصري عن المصري إذا أراد أن يعيبه: إنه قليل الذوق، وعديم الذوق، ويقول الرجل من أهل القاهرة لصاحبه إذا فعل أو همَّ أن يفعل شيئًا لا يليق: «استذوق» يريد أن يقول له: اصطنع الذوق، وتجنَّب ما من شأنه أن يغض من ذوقك، أو من امتيازك في الحضارة المترفة المهذبة التي تتيح للناس أن يعاشروا الناس، وأن يجدوا في معاشرتهم راحة ولذة وسرورًا!

    ويُعرِّف بعض المعاجم الذوق بأنه ملكة طبيعية تسبق التفكير، وتعين على تمييز الجيد من الرديء، والحسن من القبيح، وما يليق مما لا يليق.

    ويقول هذا المعجم: إن لكل إنسان من هذا الذوق حظًّا، ولكن هذا الحظ يقوى ويضعف باختلاف ما يكون عليه الإنسان من ثقافة وحضارة وإتراف في العقل والقلب والضمير … ويقال كذلك: إن الذوق يتغير بما يصيب الحضارة من تطور، فيفسد بعد صلاح، ويقبح بعد حُسن، ويشيع فساده وقبحه بمقدار ما يصيب الحضارة من ضعف وانحطاط!

    وأكثر ما يفسد الذوق حين يطرأ على الحضارة المستقرة المطمئنة التي بعد بها العهد، وألفتها النفوس، وتوارثها الأجيال، طارئ عارض عنيف يغير من سيرة الناس في حياتهم المادية أولًا، ثم في حياتهم العقلية بعد ذلك.

    فالرجل المترف من أهل القاهرة في أول هذا القرن كان قد ورث عن أسرته ألوانًا من الأخلاق والعادات تأثرت بها سيرته فيما بينه وبين نفسه، وفيما بينه وبين أهله، وفيما بينه وبين الناس، فهو لا يظهر لأهله إلا في لون معين من لبسة المتفضل، وهو لا يتحدث إليهم إلا بألفاظ مختارة منتقاة، ثم هو لا يظهر للناس إلا في زينة أنيقة معتدلة قد لاءم بين دقائقها ملاءمة شديدة الاتساق والانسجام، وهو لا يتحدث إلى الناس إلا بألفاظ عذاب رفاق، وفي صوت معتدل لا يرتفع فيؤذي الآذان، ولا يسرف في الانخفاض فيشق على النفوس.

    وهو رفيق رقيق متأنق في إشاراته وفي حركاته، وهو حين يخرج من داره إلى عمله، أو إلى زيارة صديق يتخذ عربته تلك المترفة، يجرها الجواد المترف، ويسوقها السائق الأنيق!

    فلما تقدم القرن شيئًا تغيَّرت الدنيا، وهجمت الحضارة الغربية هجومًا جعل يزداد عنفًا من يوم إلى يوم، ثم بلغ أقصى غايات العنف بعد الحرب العالمية الأولى … فأخذ المترفون من المصريين يتركون ترفهم القديم الأنيق الذي كانوا يعرفونه ويألفونه، ويحسنون تنميقه والتأنق فيه، إلى الترف الغربي الجديد الذي لم يعرفوه ولم يألفوه، ولم يُتح لهم أن يَفْتنُّوا فيه، وإنما أخذوه كما هو، واندفعوا فيه غير متحفظين، فكانوا محدثين!

    وقد تغيَّر تصورهم للحياة بتغيُّر ما يحيط بهم من الأداة، فاضطربت أحكامهم على الأشياء، وساء تقديرهم للظروف، وتغيَّر ذوقهم شيئًا فشيئًا.

    وقل مثل هذا بالقياس إلى الحياة العقلية؛ فقد كان المصريون إلى أوائل هذا القرن أميل إلى المحافظة في ثقافتهم، يغذون عقولهم بالتراث العربي أكثر مما يغذونها بالتراث الأجنبي، ثم هجمت الثقافة الأجنبية هجومًا لم يكن أقل عنفًا من هجوم الحضارة الأجنبية، فاضطربت لهجومها العقولُ، واختلطت لها الأمور، وتأثرت بها الأخلاق، وتغير بها الذوق، وكانت الموقعة الهائلة بين الأدب القديم والأدب الجديد!

    ثم كانت الحرب العالمية الثانية؛ فأقبلت معها حضارة مادية عنيفة، ولم تكد تنقضي حتى كان كل شيء قد اضطرب في حياة المصريين المادية والعقلية والخُلقية جميعًا، وكان اضطراب الذوق بعد هذا كله، وبتأثير هذا كله، شيئًا لا بد منه، ولا سبيل إلى اتقائه!

    وربما كان أخص ما يمتاز به هذا الهجوم الذي غيَّر الحضارة المصرية، فغيَّر الذوق المصري تغييرًا عنيفًا خطيرًا، أنه تأثر بالعنصر الأمريكي أكثر مما تأثر بالعناصر الأوروبية، فقد صحبنا الحضارة الأوروبية منذ أول القرن الماضي، بل منذ أواسط القرن الثامن عشر، وتأثرنا بمصاحبتها، وتغيَّرت لها أخلاقنا وأذواقنا وحياتنا تغيُّرًا شديدًا، ولكن هذا التغير تم في اعتدال لم يعنف بنا، ولم يخرجنا عن أطوارنا بمقدار ما عنف بنا هذا التغير الطارئ بين الحربين، ومنذ أثيرت الحرب الثانية بنوع خاص، ومنذ انقضت هذه الحرب الثانية بنوع أخص!

    وليس لهذا كله مصدر — فيما أظن — إلا هجوم الحضارة الأمريكية المادية، والثقافة الأمريكية اليسيرة التي لا تحب التعمق ولا التمحيص ولا الأناة، وإنما تُؤثِر السرعة، والمعرفة الخاطفة، والإلمام السريع، ويمكن أن يقال: إننا مدينون لها بهذا الاضطراب الخُلقي العنيف الذي ينعم به الجيل الناشئ، ويشقى به الجيل المنقرض، وتتعرض به مصر لخطر عظيم!

    فإذا رأيت قيم الأشياء تتغير إلى هذا الحد الذي نشهده، وإذا رأيت الشباب لا يحفلون بشيء، ولا يتحرجون من شيء، ولا يتحفظون في قول أو عمل، وإذا رأيت الصحف تخوض فيما لم تتعود أن تخوض فيه من قبل، وعلى نحو مُجافٍ لكل ما ألفنا من سماحة الخُلق، وسَجاحة الطبْع، وصفاء النفوس، ورِقَّة الأذواق، فأجمل هذا كله غير متردد ولا متهيب على هذه الحضارة الطارئة التي غرتنا بها أمريكا، فكانت بعيدة الأثر في حياتنا المادية والاقتصادية والأدبية، ومع ذلك تهافت الناس عليها تهافتًا عنيفًا وهم لا يشعرون!

    وقد تسألني عما حملني على أن أتحدث إليك في الذوق، وفي معناه، وفي تطوره، وفي فساده، فسلْ نفسك عما تقرأ، وعما ترى؛ فستجد في نفسك وستجد في نفس غيرِك الجوابَ على هذا السؤال!

  • في الجو

    في الجو…
    للدكتور طه حسين
    أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
    كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
    وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
    وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
    الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
    ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
    لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
    رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
    أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
    طه حسين
    الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934

    النقد والطربوش وزجاج النافذة
    للدكتور طه حسين
    وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
    كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
    وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
    وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
    وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
    وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
    فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
    والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
    وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
    أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
    طه حسين
    «مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934

  • إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره

    إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
    طه حسين
    مجلة الهلال
    فبراير ١٩٣٤

    في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.

    ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.

    كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»

    فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.

    وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.

    ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.

    فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.

    وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.

    ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.

    وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.

    والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.

    فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.

    وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.

    هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟!

  • نهضتنا الأدبية وما ينقصها

    نهضتنا الأدبية وما ينقصها

    طه حسين

    مجلة الهلال

    نوفمبر ١٩٣٣

    لست أخاف على نهضتنا الأدبية شيئًا كما أخاف عليها الغلو في إكبارها، والإعجاب بها، والاطمئنان إليها، ولعلي من أجل هذا الخوف أكره التفكير فيها، والوقوف عندها، وتناولها بشيء من الدرس والتحليل، فهي نهضة قوية من غير شك، لها من الخصب حظٌّ عظيم، تناولت آدابنا القديمة فأحيتها، ثم لم تقف عند هذا الإحياء بل أضافت إلى تلك الآداب القديمة آدابًا حديثة لم يعرفها القدماء، ولم يفكروا فيها، وهي ماضية في إحياء الأدب القديم، وإنشاء الأدب الحديث، يُصيبها الفتور من حين إلى حين، ويدركها الضعف من وقت إلى وقت، ولكنَّها لا تلبث أن تخلص من هذا الفتور، وتبرأ من هذا الضعف، وتمضي في طريقها نشطة قوية لا تلوي على شيء، وهي من هذه الجهة خليقة بالإكبار والإعجاب حقًّا.

    فليست قصيرة هذه الطريق التي قطعناها منذ أواسط القرن الماضي، وليس قليلًا هذا الجهد الذي بذلناه منذ أول هذا القرن، وليس يسيرًا هذا التوفيق الذي ظفرنا به منذ وضعت الحرب الأخيرة أوزارها. وليس من شك في أنَّ هذا كله خليق أن يُثير فينا شيئًا من الرضى يوشك أن يبلغ التيه، وأن يدفعنا كارهين إلى أن نلقي على المرآة نظرة لا تخلو من حب للنفس وثقة بها.

    ولكني على ذلك — أو قل لذلك — أكره هذه النظرة؛ لأنِّي أخاف أن تفتننا، وتستهوينا، وتضطرنا إلى حب المرآة، وإطالة النظر فيها، والانصراف إلى هذه الصورة التي تعكسها لنا عن الطريق البعيدة التي لا بد من أن نمضي فيها حتى نصل إلى غايتها إن كانت، وما أظن أنَّ لها غاية تنتهي إليها. ومن ذا الذي يستطيع أن يحد الطريق التي يسلكها الطامحون إلى مُثلهم العليا؟ ثُمَّ إنِّي لست واثقًا بأنَّ الصورة التي ستعكسها لنا المرآة — إنْ نظرنا فيها — جميلة كل الجمال، محببة إلى النفوس من جميع نواحيها، ولعلي واثق بأنَّ بعض نواحيها لا يخلو من عيب شديد بغيض، وأنا أخشى إنْ وقفت أبصار الناظرين في المرآة عند هذه العيوب أن تسوءهم، وتلقي في نفوسهم شيئًا إلا يكن يأسًا فليس بعيدًا من اليأس. لذلك أحببت، وما زلت أحب للأدباء أن يمضوا في طريقهم محيين للأدب القديم، منشئين للأدب الحديث، دون أن يقفوا، أو دون أن يُطيلوا الوقوف، ودون أن ينظروا في المرآة، أو دون أن يُطيلوا النَّظر في المرآة، لعلهم يأمنون شرَّ الفتنة بقوتهم، وشرَّ اليأس من ضعفهم، فهم في حقيقة الأمر مُعرضون لهذين الشرَّين جميعًا.

    ولكنَّ «الهلال» تُحبُّ دائمًا أنْ تتعرف إلى أيِّ حد بلغت النهضة، وإلى أي حد انتهى نشاط الأدب والأدباء، وهي بذلك تضطرنا إلى هذا الوقوف الذي لا أحبه، وإلى هذا النظر في المرآة الذي أكرهه للأدباء، ولكن إذا طلبت «الهلال» إلينا أن نقف، أو أن ننظر في أنفسنا، فهل نستطيع أن نأبى عليها، أو أنْ نُخالف ما تريد؟

    ومن يدري لعل «الهلال» موفقةٌ إلى الصواب حين تطلب إلينا من وقت إلى آخر أن ننظر إلى الطريق التي قطعناها لعلنا نجد من طولها وعرضها وخصبها ما يبعث فينا قوة، ويجدد فينا نشاطًا، ويدفعنا إلى أن نمضي أمامنا لا كسلين ولا يائسين.

    ولست أدري لماذا طلبت «الهلال» إليَّ أن أُبيِّن ما ينقص نهضتنا من أسباب القوة، ولم تطلب إليَّ أن أُبَيِّن ما يُزيِّن هذه النهضة من مظاهر الكمال. بل لست أدري لِمَ اختارت الهلال أن تجعلني ترجمانًا عن العيب مصوِّرًا لمواضع الضعف، وآثرت غيري من الكتَّاب بموضوعات أخرى يسرهم أن يدرسوها، ويكتبوا فيها، ويسر غيرهم من النَّاس أن يقرءوا درسهم إياها وتصويرهم لها؟ أهو مكر من «الهلال» بي وكيد لي، أم هو ثقة وحسن ظن؟ فإن تكن الأولى فإني خليق أنْ ألقى مكرًا بمكر وكيدًا بكيد، وإنْ تكن الثانية فإني خليق أنْ أشكر للهلال حسن رأيها فِيَّ وحسن ظنها بِي.

    وأكبر الظن أنَّ «الهلال» قد جمعت بين المكر وحسن الظن، فلأمكر بها كما مكرت بي، ولأجزل لها الشكر كما أحسنت بي الظن.

    ولأسجل قبل كل شيء لأردَّ على «الهلال» مكرها أنَّ نهضتنا آية من آيات هذا العصر الحديث يكاد فهمها وتفسيرها يكون أبعد من أن تناله العقول، ويظفر به التفكير الطويل، فقد خلقنا أنفسنا خلقًا جديدًا، وأكرهنا العالم الأوروبي لا على أن يعترف بنا، ويؤمن لنا بالحياة الخصبة المنتجة فحسب، بل على أن يحسب لنا حسابًا، ويستيقن بأنَّ العالم الحديث لن يستطيع أن يعيش بغير جهودنا، ولا أحد يستغني عن مشاركتنا في احتمال هذه الأعباء الثقال التي تفرضها الحضارة على الشعوب الراقية.

    ويكفي أنْ نقرأ ما يكتبه المستشرقون عن جهودنا في الإحياء والإنشاء لتوافقني على أنَّنا لم نبقَ كما كنَّا من قبل شعوبًا لا يُفكر فيها الغربيون إلا من حيث إنَّها أدوات تستغل، وتستذل، وتسخر في سبيل المنافع والمآرب التي يسعى إليها الاستعمار، وإنَّما نحن شعوب قد استيقنت الأمم الغربية بأنَّها قد أفلتت من يدها، وآمنت بنفسها وحقها. فهذه الأمم الغربية لا تكاد تتعزى عن إفلاتنا من يدها، ولكنَّها مع ذلك تُحاول ما استطاعت أن تجد الوسيلة لا لإذلالنا واستغلالنا، فلم يبقَ إلى هذا من سبيل؛ بل لتنظيم الصلة بينها وبيننا على أحسن وجه يلائم منافعها وأغراضها وآمالها في الحياة. كل ما تقرؤه في كتب المستشرقين وفصولهم الطوال التي تنشرها المجلات، والتي تتناول حياتنا الحديثة، وآدابنا الحديثة، إنَّما تُمهد لهذا اليوم الذي لا بد من أن يجيء، ومن أن يجيء في وقت أقصر مما نظن ويظنون، والذي سيجد الغرب فيه نفسه أمام شرق قوي عزيز كله خصب، وكله إنتاج، وكله أمل، وكله عمل، ولا بد من أن تنظم معه صلات قوامها الاحترام والسلام.

    فمن ظنَّ أنَّ هذه النهضة التي انتهت بنا إلى هذه المنزلة، والتي ستنتهي بنا بعد قليل إلى حيث ينظر إلينا الغرب كما ينظر الند إلى الند، والنظير إلى النظير؛ أقول من ظنَّ أنَّ هذه النهضة يسيرة، أو ضئيلة، فهو مسرف في الطمع لا يعرف لآماله حدًّا تقف عنده أو تنتهي إليه. وأنا أحد هؤلاء المسرفين الذين يرضون عمَّا وصلنا إليه من الرقي، ولكنَّهم مع ذلك يأبون أن يقنعوا به، أو يطمئنوا إليه، أو يروه لائقًا بما نستحق وبما نستطيع من التقدم والرقي، فأنا راضٍ ساخطٌ معًا! ومن هذا الرضى وهذا السخط يأتلف لي مزاج فيه الابتسام والعبوس، وفيه التفاؤل والإشفاق. ولعلك إنْ سألتني عمَّا يسخطني ويبعث في نفسي الخوف والإشفاق بعد أن عرفت ما يرضيني ويبعث في نفسي الأمل والرجاء، لم تجد عندي جوابًا يقنعك، ولكنَّه يقنعني أنا، ويدعوني لا إلى اليأس ولا إلى الوقوف، بل إلى الأمل وإلى الجهاد الذي لا يعرف مللًا ولا فتورًا.

    فنهضتنا على كل هذا الفوز الذي ظفرت به تنقصها أشياء أساسية لا بقاء للنهضة من دونها. وليس الغريب أننا لم نكمل هذا النقص أو لم نتبينه، وإنَّما الغريب أنَّنا نهضنا ومضينا في نهضتنا برغم هذا النقص حتى انتهينا من الرقي حيث نحن الآن، ولكننا فيما أظن قد بلغنا طورًا من حياتنا الأدبية لا يمكن أن نعدوه إلا إذا تبينا مواضع الضعف في حياتنا، وبذلنا ما نملك من قوة وجهد لإصلاحها والتخلص من آثارها السيئة.

    وأظهر مواضع الضعف في نهضتنا الأدبية الخالصة أربعة فيما أظن:

    الأول: أنَّ اتصالنا بأدبنا القديم ضعيف لم يبلغ ما ينبغي له من القوة، فكثير جدًّا من أدبائنا يعرفون من الأدب الأجنبي أكثر مما يعرفون من الأدب العربي. فالذين يأخذون بحظ من الثقافة اللاتينية يحدثونك في تفصيل دقيق، وإطالة ممتعة عن الأدباء اللاتينيين، وآثارهم، وخصائصهم، فإذا سألتهم عن أدبائنا القدماء فقليل منهم — أستغفر الله — قليل جدًّا بينهم من يستطيع أن يُطيل معك الحديث. وقل مثل ذلك في أدبائنا الذين تثقفوا بالأدب السكسوني، وقد فرغ الناس من إثبات أنَّ كل حديث لا قيمة له ولا غناء فيه إذا لم يعتمد أصدق الاعتماد على الأدب القديم، فنحن في هذه الحال التي نحن فيها الآن نبني في الهواء، ونقيم أدبنا الحديث على غير أساس، ولا بد من مضاعفة النشاط في إحياء الأدب القديم ونشره وتوثيق الصلة بينه وبين الأدباء المحدثين حتى يشعروا شعورًا قويًّا بأنَّه أدبهم لا أدب آبائهم وأجدادهم، وبأنَّهم محتاجون إلى أن يستمدوا منه القوة والحياة. الثاني: أنَّ أدباءنا لم يوفقوا إلا إلى ثقافة محدودة من الأدب الأجنبي نفسه، فهم بين متأثر بالأدب اللاتيني لا يكاد يعدوه إلى غيره، ومتأثر بالأدب السكسوني لا يكاد يعدوه إلى غيره، وذلك نقص قبيح لا بد من إكماله والتخلص من شرِّه؛ هو نقص؛ لأنَّه يضيِّق أفق الثقافة والمعرفة، وهو نقص؛ لأنَّه يوشك أن يفني شخصية الأديب وقرائه في هذا الأدب اللاتيني أو السكسوني الذي يتأثره ويكاد يفنى فيه. والأديب الخليق بهذا الاسم جدير أن يأخذَ بأعظم حظ ممكن من الثقافات الأدبية المختلفة؛ ليتم بذلك شخصيته، ويوسع بذلك أفقه، ويعصم بذلك نفسه من الفناء والغلو في التقليد. الثالث: أنَّ أدباءنا الذين يُحسنون الأدب الأجنبي يُحسنونه طولًا وعرضًا، ولا يحسنونه عمقًا — إن صح هذا التعبير الغريب — فهم يجهلون الآداب القديمة التي أنشأت هذا الأدب الأجنبي الحديث. يجهلون الأدب اليوناني واللاتيني كما يجهلون الأدب العربي، أو أكثر مما يجهلون الأدب العربي. فهم يستطيعون على كل حال أن يقرءوا آثار العرب في لغتها، ولكنَّهم لا يستطيعون أن يقرءوا آثار اليونان والرومان إلا في التراجم، وقليل منهم من يقرؤها في التراجم. ولست أدري لماذا أعجز كل العجز عن أنْ أصدق أنَّ إنسانًا يستطيع أنْ يُتقن شيئًا من الأشياء إذا لم يتقن أصله الذي نشأ منه، وينبوعه الذي فاض منه. وأنا أعلم حق العلم أنَّ في أوروبا قومًا ممتازين لا يحرصون على درس الأدب القديم، ولكنِّي أحبُّ ألا يخدع أدباؤنا بهذا الميل الظاهر عند هؤلاء الأوروبيين، فهم لا يريدون أن تكون الآداب القديمة، واللغات القديمة فرضًا على كل المثقفين، كما كانت من قبل. ولكنَّهم لا يستطيعون أن يتصوروا أديبًا خليقًا بهذا الاسم إلا إذا أحسن هذه الآداب القديمة، وأتقن درسها والعلم بها. وأنا أبعد الناس عن أن أفكر في فرض الآداب القديمة على طلابنا جميعًا، أو على المثقفين عندنا جميعًا، ولكنِّي أحرص النَّاس على أن يأخذ أدباؤنا المنتجون من هذه الآداب القديمة بحظ معقول. الرابع: أنَّ أدباءنا لا يحفلون بالعلم، ولا يأخذون أنفسهم بدرسه والإلمام بطائفة حسنة منه — ومن جهل العلم — ولا سيما بعض العلم — فقد جهل الحياة. ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يكون أديبًا حقًّا دون أن يكون أدبه صورة من صور الحياة، ولست أدري كيف يستطيع الأديب أن يُصوِّر الحياة وهو يجهلها ولا يعرف من أسرارها ودقائقها ولا من ظواهرها وقوانينها شيئًا.

    ولعل هذه الأنواع التي أشرت إليها من الضعف هي التي تعلل ما نشكو منه جميعًا، وما يأخذنا به المستشرقون من أنَّ أدبنا الحديث مصنوع غير مطبوع، ومتكلف غير مصور لحياتنا. فلو قد عظم حظنا من العلم بالأدب العربي القديم، ولو قد عظم حظنا من العلم بأنواع الأدب الحديث على اختلافها، ولو قد عظم حظنا من العلم بالأصول الأولى لهذا الأدب الحديث، ولو قد أخذنا من العلم الخالص بحظٍّ معقول، لو قد كمل لنا هذا كله؛ لما استطاعت الحياة أن تمر بنا — أو لما استطعنا نحن أن نمر بالحياة — ونحن عنها غافلون، لو كمل لنا هذا كله؛ لحيينا حقًّا، ولتأثرنا بالحياة حقًّا، فأحسسنا ما فيها من لذة وألم، ومن عظة وعبرة، وما يدعو إلى البحث والتفكير. ولو قد أحسسنا هذا كله؛ لما استطعنا أنْ ننصرف عن تصويره، وأن نبلغ من ذلك ما نُريد.

    فأنت ترى أنَّنا رغم هذه العيوب القبيحة قد استطعنا أن ننهض، وأن نحدث لأنفسنا أدبًا معاصرًا خليقًا بالإكبار والإعجاب! فكيف بنا لو محونا هذه العيوب، وأكملنا هذا النقص، ووضعنا أنفسنا من أدباء الغرب بحيث وضعوا أنفسهم وأبينا أن نلقاهم فنعجز عن فهمهم إذا قالوا، وعن التحدث إليهم إذا انتظروا منا الحديث؟

    بديع أن نبلغ ما بلغنا على نقص الأسباب، وضعف الوسائل، وقصور الأدوات، ولكن أبدع من هذا وأروع أن نشعر بما في نهضتنا من الضعف فنزيله، ونضع مكانه القوة والخصب والنشاط. وكم أتمنى أن نأخذ في أسباب ذلك منذ الآن، وكم أتمنى بعد أن تمضي أعوام غير طوال أن تعود الهلال فتعرض عليَّ مثل هذا الموضوع، إذن لا أتهمها بالمكر، ولا أخاف منها الكيد، ولا أتحرج من أن أجيبها إلى ما تريد سعيدًا بإجابتها إليه مغتبطًا بتسجيل ما نكون قد وفقنا إليه من فوز لا يذكر بجانبه ما نسجله الآن.

  • بدعة

    بدعة
    أرأيت إلى هذه البدعة المنكرة التي أخذ يدعو إليها المجددون منذ أمس في طائفة من صحف المساء والصباح؟ ألم تضق بها؟ ألم تتنكر لها؟ ألم تستعد السلطة على الذين يبدعونها ويسرفون في الدعوة إليها؟ إنهم يريدون مصر أن تعدل عن سنتها، وتخرج عن طبيعتها، وتقلد بلاد الغرب، وتسير هذه السيرة الحقيرة التي تضطر أصحابها إلى التواضع والاقتصاد، وإلى أن يقيسوا آمالهم وأعمالهم بحاجاتهم وطاقاتهم، لا بما يصور الخيال ولا بما تمليه الأحلام.
    هؤلاء المبتدعون خليقون أن يحاسبوا حسابًا عسيرًا، وأن يعاقبوا عقابًا ثقيلًا، لأنهم يأبون على مصر الحديثة أن تسير سيرة مصر القديمة، ويريدون لمصر الشرقية أن تسير سيرة الأمم الغربية، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا.
    ينكرون على مصر الحديثة أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة تمتاز بها من بلاد الأرض طولًا وعرضًا وارتفاعًا في السماء، وزينةً وزخرفًا وافتتانًا في البهاء، ويزعمون أن هذا إسراف في أموال الدولة، وأن هذا ظلم لأبناء الشعب، وأن هذا تجاوز للطاقة وتكلف لها لا نقدر عليه.
    ويقولون إن مصر لم تبلغ من الرقي العلمي حظًا يلائم هذا الغلو في الترف، وهذا التهالك على الزينة والمفاخرة بها. وهم يعلمون حق العلم أن آباءنا الأقدمين الذين أقاموا الأهرام وما يشبه الأهرام من هذه العمارات الشاهقة والأبنية الشامخة لم يسألوا أنفسهم عما تتكلفه هذه الآثار الخالدة من النفقات والأموال: أقليل هو أم كثير؟ أثقيل هو أم خفيف؟ ولم يسألوا أنفسهم عن رأي الفلاحين فيما تحتاج إليه هذه الآثار من مال وجهد، أكانوا راضين به أم ساخطين عليه، ولم يسألوا أنفسهم عن ملاءمة هذه الآثار الخالدة لطاقة مصر وحاجتها، وإنما فكروا في شيء واحد، وعملوا لشيء واحد، وهو مجد مصر وعظمتها وتفوقها على سائر بلاد الأرض.
    وقد وفقوا كل التوفيق. فحدثني عن بلد من بلاد الأرض يستطيع أن يفاخر مصر أو يثبت لها بما فيه من الأهرام والمعابد والآثار. وحدثني أليس من الحق أن المعاصرين لبناء الأهرام والمعابد قد شقوا ببنائها، واحتملوا في سبيله البؤس والجهد والضيق؟ ولكننا نحن نفاخر بها ونكاثر ونعجب بها ونتيه. فهم قد شقوا لنسعد، وهم قد ذلوا لنعز، فلم لا يكون حبنا لأبنائنا كحب آبائنا لنا؟ ولم لا نشقى نحن الآن ليسعد أبناؤنا بعد حين؟ ولم لا نبتئس نحن الآن ليتيه أبناؤنا بعد حين؟
    لن نستفيد نحن من قاعة المحاضرات هذه إلا قليلًا، ولكن أبناءنا سيفاخرون بها ويكاثرون، وسيقولون عنا بألسنة ينطقها الحب والإعجاب والفخر: رحم الله هذا الجيل الذي أقام لنا هذا الأثر الخالد، فقد كان يتمثل دائمًا قول الشاعر القديم:
    نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
    أولئك بنو الأهرام، وهؤلاء بنو قاعة المحاضرات. وسيقول أبناؤنا عنا بألسنة ينطقها الحب والإشفاق والرحمة والرثاء: رحم الله هذا الجيل، لقد ذاق أبناؤه ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوى، ليبنوا لنا قاعة المحاضرات، كما ذاق المصريون القدماء ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوع، وعاشوا على الخبز والبصل ليبنوا لنا الأهرام.
    كذلك أراد الله لمصر أن تشقى أجيالها الحاضرة لتسعد أجيالها المقبلة. وليس من شك في أن أجيالنا المقبلة التي ستسعد بقاعة المحاضرات سيتيح لها الله وزارة كوزارتنا القائمة، تدعوها إلى التضحية، وتأخذها بإقامة بناء أو أبنية لا تقل عظمة عن قاعة المحاضرات وعن الأهرام. فمصر مريضة بفن البناء، لأن مصر مريضة بمقاومة الزمان وما يحمل من أعراض الفناء، كما يقول صاحب «أهل الكهف».
    وإذن فلتبنِ مصر ولتبنِ، ولتشْقَ مصر ولتشْقَ، فإن الله قد خلقها للشقاء والبناء معًا. ولتبسط الوزارة يدها على هؤلاء المبتدعين الذين يريدون أن يصرفوا مصر عما كتب الله لها من الشقاء والبناء، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.