Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

أقوى من الزمن

أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
١٦ يناير ١٩٥٦

تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.

ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.

والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.

أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.

ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.

وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.

وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.

وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.

وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.

وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».

وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.

وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.

فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.

ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.

وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:

ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.

وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل.

Share:

Comments

Leave a Reply