Tag: historical fiction

  • قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي

    قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي

    طه حسين

    جريدة أخبار اليوم

    ٧ نوفمبر ١٩٦٤

    أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»، فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي! طه حسين

    ليل له آخر يظهر أن الأستاذ يوسف السباعي قد أزمع أن يكون المؤرخ القصصي لعهد الثورة كما يصنع بعض كبار القصاص الغربيين، بالقياس إلى الأحداث الكبرى التي تحدث في أوطانهم، منذ ابتكر ولترسكوت أو كاد يبتكر هذا النوع من القصص التاريخي. فقد صور الأستاذ يوسف السباعي شبوب الثورة القائمة تصويرًا رائعًا في قصته «رد قلبي»، ثم صور تأميم القناة وما تبعها من الأحداث في قصته «نادية»، وصور الوحدة بين مصر وسوريا في قصة لم تصل إليَّ؛ وهي «جفت الدموع». وهو في هذه القصة الأخيرة يصور ما كان من الانفصال بين البلدين المتحدين بعد أعوام قليلة بعد الوحدة. وهو في كل هذا التصوير التاريخي القصصي بارع حقًّا، فهو في سرد الأحداث التاريخية لا يتزيد ولا يسرف في المبالغة، وإنما يروي التاريخ رواية صادقة دقيقة، ولكنه يحيطه بالقصص الخيالي الرائع، بحيث تمر أحداث التاريخ كأنها مبتكرة كسائر ما يحيط بها من القصة، وهو في هذه القصة لا يكتفي برواية الأحداث العامة، ولكنه يضيف إليها رواية تجربة خاصة، ولكنها شديدة المرارة. وقد امتحن هو بهذه التجربة القاسية، فقد مرض ابنه الصبي ولم يستطع أن يعالجه في القاهرة فذهب به إلى لندرة، وهناك خضع الصبي لجراحات متعددة حتى أتيح له الشفاء. ومع أنه في رواية الأحداث التاريخية يصطنع الصدق الخالص، ولا يمزج التاريخ بالخيال، فهو في رواية تجربته الخاصة قد اصطنع الخيال فأحسن اصطناعه كل الإحسان، واستطاع أن يسبغ على قصته روعة ممتعة حقًّا، لم يذكر ابنه بحال من الأحوال، وإنما ابتكر بطلة القصة وجعلها فتاة سورية نشأت في أسرة واسعة الثراء، وعرض لها حادث أعجز إحدى ساقيها عن الحركة؛ فمرضت في دارها وعالجها الأطباء من مواطنيها، ولكنهم لم يبلغوا من علاجها ما أرادوا، فاضطر أبواها إلى أن يذهبا بها إلى لندرة، وهناك عولجت في أحد المستشفيات. ولكن الجرَّاح الذي عني بعلاجها لم يصب موضع المرض، فشقيت الفتاة بما لقيت من الآلام، ولم يكن أبواها أقل منها شقاء، واضطرت الأسرة إلى أن تعود من حيث أتت، واستيأست الفتاة من كل شيء، وكرهت أن تُذكر لها الجراحات، أو أن تحاول أسرتها علاجها من جديد، ورضيت بما ليس لها بد من أن ترضى به، وهو أن تمشي متوكئة على العصي، غير أنها لقيت عند بعض أقربائها ضابطًا مصريًّا شابًّا من ضباط الجيش المصري الذي رابط مع السوريين على الحدود بين سوريا وفلسطين. فلم تكد تراه حتى وقع من قلبها موقع الحب، كما شغف بها الضابط المصري أشد الشغف وأقصاه، ولكنها مع ذلك وطَّنت نفسها على هذا الحب اليائس البائس، ولكن الضابط المصري لم يحس يأسًا ولا بؤسًا، وإنما امتلأ قلبه سعادة وأملًا، فعاشت الفتاة سهير عيشة اليأس والبؤس، وعاش الفتى حمدي عيشة الغبطة والرضى، وامتلأت نفسه بالثقة في أن يتخذها لنفسه زوجًا، وتمنت هي ما تمنى حمدي، ولكنها اطمأنت إلى هذا الشقاء والقنوط. ولكن الفتى صارحها بهذا الحب وبما صحبه من رجاء، فلم تتردد هي في أن تصارحه بحبها وما صحبه من شقاء ويأس. وفي الحب قوة لا تشبهها قوة، وإذا الفتى يستطيع أن يرد إليها بعض الأمل، وإذا هي تطمع في مثل ما يطمع فيه الفتى، غير أنها علقت آمالها على الشفاء قبل كل شيء، ولم يستطع صاحبها أن يقنعها بالأمل الخالص والإعراض عن التفكير في الشفاء والعلاج، وإذا هي تعود إلى التفكير في العودة إلى لندرة، واحتمال مشقة السفر والشفاء بما فيه من مشقة، وبما في العلاج من ألم وشقاء، وأخذت تلح في ذلك على أبويها حتى أذعنا لما أرادت، ولم يستطع الفتى أن يردها عن هذا التفكير، ويجنبها المشقة والألم والتعرض لليأس مرة أخرى، فعاد بها أبواها إلى لندرة، وأتيح لها الشفاء بعد كثير جدًّا من الجهد والعناء، وعادت إلى سوريا بعد أن استردت ساقها، وعادت إلى سوريا وقد أصبحت كغيرها من حسان الفتيات. وفي أثناء هذا كله تمت الوحدة بين مصر وسوريا، وبدأ الإصلاح الاجتماعي في سوريا؛ فسعد به الشعب السوري كل السعادة، وشقي به الأغنياء كل الشقاء، فكان منهم من تحمل وتجلد واحتمل ما أصابه في كثير من الشجاعة والرضى والثقة أيضًا — وكان أبو الفتاة من هؤلاء — وكان منهم من استسلم لليأس والسخط لا يُسرُّ ذلك ولا يخفيه، وإنما يتمنى لهذه الوحدة أن تزول، وأن تعود الأمور كما كانت من قبل — وكان الشيوخ من أقارب الفتاة بين هؤلاء. ولم يظهر الخلاف بين الشيوخ من الأغنياء والشباب من أبنائهم كما ظهر في هذه الوحدة وما ترتب عليها من نتائج وآثار في ثروة الآباء، وابتئاسهم بما فقدوا، وابتهاج الأبناء بهذه الوحدة، وثقتهم بالمستقبل المشرق للوطنين المتحدين، وبما كسبوا من هذا الإخاء بينهم وبين شباب المصريين من الجنود وأسرهم التي انتقلت إلى سوريا واستقرت فيها، وإذا أواصر الحب تنشأ بين أولئك وهؤلاء حتى تنتهي في بعض الأحيان إلى الخطبة والزواج. أما سهير وصاحبها فقد استقبلا آمالًا عراضًا، وثقة باسمة بمستقبلهما السعيد بعد الزواج الذي كانا يتهيَّأن له، وفجأة ظهرت مقدمات وبوادر ما في الجيش السوري، فحدَّث عن ابتهاج الشيوخ من الأغنياء، ومشاركة الشباب من أبنائهم للشعب السوري كله في الآلام المرة، والأحزان المظلمة الثقال، وحدَّث عما أصاب فتاتنا سهير من الأسى واللوعة والإشفاق على نفسها وعلى خطيبها، وإن كان هذا كله لم يزد حبهما إلا قوة واستئثارًا بقلبيهما الفتيين. هذا تلخيص شديد الإيجاز لخلاصة القصة، ولم أتحدث عما يتصل بها من أنباء الأقارب والأصدقاء التي بسطها الكاتب مفصلة أدق تفصيل وأجمله. ومن ظلم القصة أن نكتفي منها بهذا التلخيص الموجز؛ ففيها ألوان من الروعة التي تسحر النفوس وتملؤها إعجابًا بما وفق إليه الكاتب من جمال الوصف ودقته لبعض مظاهر الحياة والطبيعة في سوريا، وفي دمشق غوطتها خاصة، ولحياة الفتاة في المستشفى، وحياة أبويها وأصدقائهما من حولها، ولبعض المناظر في لندرة. وكل هذا إنما يدل على أن الكاتب قد عاش في البلدين عيشة الملاحظ المستأني الذي تسجل نفسه كل ما يبهره ويروعه من المناظر الظاهرة، والإحساسات الخفية في نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم. ومن أجمل ما في القصة أن الكاتب لا يظهر فيها، فهو لا يتحدث ولا يقص، وإنما يترك ذلك لسهير؛ هذه الفتاة التي شقيت بالمرض والحب، ثم سعدت بالشفاء والأمل، ثم أدركتها الخيبة بعد الانفصال المتكلف بين الوطنين الشقيقين، ولكن هذه الخيبة على شدتها لم تؤثر في حب الفتاة لصاحبها، ولا في حب الفتى لها. ولعل أجمل ما في القصة دقة الوصف للمشاعر الخفية، ودخائل النفوس، وأسرار القلوب. وأشهد أن طول القصة، بل إسرافها في الطول لم يزدني إلا حبًّا لها، وإعجابًا بها، حتى قرأتها مرتين، ولا أستبعد أني سأقرؤها مرة ثالثة. وإذا لم يكن بد من النقد وشيء من القسوة على الكاتب؛ فلأكتفي بالأسف الشديد على ما في القصة من هنات تتصل باللغة والنحو، وهذه الهنات مبثوثة في القصة كلها، لا تملؤها لحسن الحظ، ولكنها تظهر فيها بين حين وحين؛ فيضيق بها القارئ، ويأسف لها أشد الأسف — إذا كان هذا القارئ يشاركني في الحرص على اللغة العربية الفصحى، والضيق بكل ما يسوءها قل أو كثر — وما أكثر ما رجوت من الكاتب الصديق أن يتحقق أو يعرض قصته قبل أن تنشر على من يتحقق له من سلامتها وبراءتها من كل خطأ عربي. وأنا على كل حال أهنئ الكاتب الصديق بقصته الممتعة، وأتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»؛ فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي!

  • الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك

    الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك – هذه القصة لم تحارب الثورة الروسية
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ١٠ فبراير ١٩٥٩

    أما أنَّ القصة رائعة فائقة الروعة؛ فشيء لا يشك فيه إلا الذين لم يقرءوها ولم يتعمقوها، أو الذين تقصر أذواقهم عن إساغة الأدب الرفيع، ولكنها تحتاج في قراءتها وتعمقها إلى صبر أي صبر، وإلى الأناة كل الأناة، وربما احتاجت إلى أنْ تُقرأ مرتين أو أكثر من ذلك، وربما احتاجت إلى أنْ يعيد القارئ قراءة بعض فصولها غير مرة.

    ومصدر ذلك أولًا: أنها طويلة شديدة الطول تتجاوز صفحاتها المئات الست، وأنَّ أشخاصها من الكثرة والاختلاف وتباين الأهواء والأمزجة بحيث يصعب على القارئ استحضارهم في ذهنه منذ يبدأ القصة إلى أنْ يتمها، ولأن أماكنها متباعدة أشد التباعد بمقدار ما يكون من التباعد في بلاد متنائية الأطراف، كالبلاد الروسية التي تختلف أقطارها في طبيعة الجو والإقليم واللغة والذوق وغير ذلك من العادات والتقاليد.

    ولأنها آخر الأمر لا تقع في عام أو عامين أو أعوام قليلة، وإنما تبدأ في أوائل هذا القرن، وتنتهي عند ثلثه الأول، أو قبله، أو بعده بقليل. فكل هذا يفرق نفس القارئ، ويجعل جمع أحداثها في ذهنه عسيرًا أشد العسر … وأعترف بأني قرأتها للمرة الأولى ثم اضطررت إلى أنْ أعود إلى قراءة فصول مختلفة منها، وأنا بعد هذا كله عاجز عن تلخيصها.

    وما أحسب أنَّ غيري من النقَّاد يبلغ من هذا التلخيص ما قصرت عنه لكل هذه الأسباب التي ذكرتها آنفًا … فحسبي إذن أنْ أصور الخصائص التي تمتاز بها هذه القصة من القصص الروسي المعاصر الذي أتيح لي أنْ أقرأه.

    فالقصة تبدأ — كما قلت — في أوائل هذا القرن قبيل الثورة التي شبَّت نارها في روسيا سنة ١٩٠٥، وهي تحدثنا عن صِبْيَة يختلفون إلى المدارس، وعن أُسَر هؤلاء الصبية، وهي تصف لنا أدق الوصف وأقواه ما يضطرب في نفوس هؤلاء الصبية من الخواطر التي تثيرها الأحداث من حولهم، ولا سيما حين تمس أُسَرهم من قريب أو بعيد، وما تثيره في نفوسهم من الخواطر تلك الحركات الاجتماعية؛ حركات العمال حين يضربون عن أعمالهم فيملئون شوارع موسكو ضجيجًا وعجيجًا واضطرابًا، وحركات الشرطة حين تُفرِّق مظاهرات العمال ومظاهرات الطلاب أيضًا، وتأثير هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية الذين لم يبلغوا الثالثة عشرة بعد.

    وهي حين تتعرض لأسر هؤلاء الصبية لا تقف عند تأثر هذه الأسر بالأحداث، وإنما تضطر إلى وصف حياة الآباء والأمهات، وتصوير سيرهم وأحاديثهم وحكمهم على الأشياء. وتتردد أصداء هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية فتصوغها وتطورها وتحدث فيها ألوانًا مختلفة من التأثر، وإذا هم يفكرون في أشياء لم يتعود الصبية أنْ يُفكِّروا فيها، فيألمون ويحزنون بما لا يؤلم الصبية ولا يحزنهم عادة.

    والقصة على هذا كله تصاحب هؤلاء الصبية في مدارسهم الأولى والثانوية، وفي الجامعة على اختلاف كلياتها، فهي تصحبهم من الصبا إلى أول الشباب حين تدهمهم الحرب العالمية الأولى فيدفعون إليها دفعًا … منهم من تفرضها عليهم سنهم، ومنهم من يتطوعون لحرب العدو حبًّا لوطنهم ودفاعًا عنه.

    وتصور القصة أثر الحرب في حياة المدنيين المادية والمعنوية جميعًا … كما تصور عمل هؤلاء الفتيان في الميدان وبلادهم في الحرب حين تتقدم الجيوش الروسية، وحين تضطر إلى التقهقر. وفي أثناء ذلك تحدث الثورة الكبرى سنة ١٩١٧، فتصف القصة صدى هذه الثورة في الجيش، واضطراب الجند وضباطهم بين مصمم على القتال ومؤثر للسلم والعافية، حتى إذا وصلت أوامر الثورة إلى الجيش زاد اختلافهم وتفرقهم.

    ثم يكون الصلح الذي انفردت به روسيا من دون حلفائها … ولكن الثورة قد أثرت في كل شيء في حياة الجنود المحاربين، وفي حياة المدنيين القلقين، وإذا الأمور كلها تختلط أشد الاختلاط، وإذا الناس بين مؤمن بالثورة، مخلص لها، مندفع معها حتى تبلغ ما رسمت لنفسها من غاية، ومنكر للثورة جريء على الإنكار، ومشفق من الثورة يخشى عواقبها ويخشى مقاومتها أيضًا. وقد أخذت الحياة تشق على الناس وتضيق بهم؛ طبيعة قاسية من جهة، وتعرض للجوع والبؤس من جهة أخرى، وفرار من المدينة إلى حيث يمكن أنْ تلين الحياة ويكفل الأمن.

    وتتبع القصة بعض هؤلاء الفتية الذين عرفناهم في طور الصبا، فلا تفارقهم حتى تنتهي حياتهم أو تنتهي القصة عنهم وهم أحياء … منهم من هاجر إلى البلاد الأجنبية، ومنهم من أقام في وطنه واحتمل فيه من ألوان البؤس وفنون الشقاء والجهد ما لا سبيل إلى وصفه.

    هذه هي الصورة المجملة أشد الإجمال لموضوع القصة، فهي اجتماعية بأدق معاني هذه الكلمة من جهة؛ لأنها تصف حركات الجماعات المؤيدة للثورة والمقاومة لها أبرع الوصف وأشده تفصيلًا، وهي مع ذلك فردية بأدق معاني هذه الكلمة أيضًا؛ لأنها تتبع هؤلاء الأفراد من الفتية الذين رأيناهم صبية، لا تفارقهم ولا تدع شيئًا مما يجري عليهم من الأحداث، أو يضطرب في نفوسهم من الخواطر، أو يعرض لهم حين يخلون إلى أنفسهم إلا صوَّرته أبرع التصوير وأدقه.

    وهي تتبع من بينهم شخصًا بعينه هو الدكتور چيفاجو، لا تفارقه منذ ماتت أمه وهو صبي لم يتجاوز العاشرة، إلى أنْ مات هو في نضرة شبابه وقد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها … تتبعه هادئًا ومضطربًا، وتتبعه خائفًا، وما أكثر ما كان يخاف، وآمنًا، وما أقل ما كان يأمن، وتتبعه محاربًا لخصوم الثورة على رغمه، وهاربًا من الحرب يترقب القبض عليه بين لحظة وأخرى.

    وتتبعه مع أهله وقد تزوج فتاة عرفها صبيًّا، واقترن بها في أول شبابه، ثم تتبعه هاربًا معها، ثم تتبعه وقد أُخذ للحرب على غير علمها، ثم تتبعه وقد هرب من الحرب وعاد إلى بيته فلم يجد أهله؛ فرت زوجُه بابنها، ثم تتبعه آخر الأمر وهو ينعم — على الخوف أشد الخوف — بشيئين متناقضين أشد التناقض؛ ينعم بحياة الحب القوي إلى أقصى غايات القوة مع صديقة له عرفها أيام الصبا، وينعم إذا كان الليل بالفراغ إلى القلم والقرطاس يلقي إليهما ما يملأ نفسه من الشعر والنثر؛ فهو طبيب بارع، ولكنه أديب ممتاز في الوقت نفسه.

    وتتبعه آخر الأمر، وقد عاد إلى موسكو بعد أهوال أي أهوال، فجعل يصدر فيها رسائل يقرؤها الناس ويتحدثون عنها، ثم يعيش بعد ذلك عيشة فارغة لا معنى لها ولا غاية.

    ثم يهبط من الترام ذات يوم ليسقط ميتًا قد وقف قلبه عن الحركة فجأة، وقد تجمع الناس حوله ومرت سيدة فوقفت ونظرت ثم مضت لشأنها، ولكنها لا تلبث أنْ تعلم شخص هذا الصريع، وإذا هي صديقته تلك التي عاش معها في أقصى الشرق ناعمًا بالحب والأدب معًا، فتعود إليه بعد أنْ نُقل إلى داره، وتخلو إلى جثمانه فتحدثه بما اختلف عليها من الأهوال منذ فارقته في أقصى الشرق، ثم لا تدعه حتى يُوارى في قبره.

    وإذا انتهت القصة على هذا النحو الرائع المروع معًا، ألحق الكاتب بها شيئًا من شعر الدكتور الفقيد، ولست أتحدث عن هذا الشعر؛ لأني قرأته مترجمًا إلى الفرنسية، وما أكثر ما تُضيع الترجمة روعة الشعر، ولا سيما حين يترجم إلى شعر مقيد بالوزن والقافية أو محرر منهما.

    ولأعد إلى القصة نفسها بعد أنْ عرضت ما استطعت أنْ أعرضه عليك من موضوعها، وأعود إليها لأقف وقفات قصار عند بعض خصائصها التي تفيض عليها جمالها الرائع، وقوتها المروعة.

    فهي تتحدث عن جيل من الروسيين نشئوا قبل الثورة، وأدركتهم الثورة في أول شبابهم، ثم عاشوا معها حتى استقر منها ما كان مضطربًا، وحتى أمنت أعداءها واستطاعت أنْ تنتصر عليهم، وحتى فرغت لحياة روسيا الداخلية والخارجية تقيم بناءها على نظمها الجديدة بعد أنْ ملأت قلوب الناس روعًا، وعرَّضتهم وتعرضت معهم لمشكلات شداد إلى أقصى غايات الشدة. وصاحب القصة لا يصور حقائق الثورة، وإنما يعنى قبل كل شيء بآثارها في نفوس الناس، وفي نفوس الذين لم يؤمنوا بها خاصة، وإنما اضطروا إلى الإذعان لها اضطرارًا.

    وقد قرأت قبل هذه القصة قصة أخرى أطول منها للكاتب الروسي المعاصر، ألكس تولستوي، عني فيها صاحبها بتصوير الثورة نفسها، وتصوير آثارها في نفوس المؤمنين بها الذائدين عنها، الباذلين في سبيل ذلك نفوسهم ودماءهم وراحتهم في غير تردد ولا فتور، وتصور كذلك مقاومتها لأعدائها من الروسيين ومن الأجانب.

    ووجدت في تلك القصة روعة أي روعة، وجمالًا أي جمال، وهي أطول من قصة باسترناك؛ لأنها تقع في مجلدات ثلاثة، ولكنها توشك أنْ تقتصر على وصف الثورة ومقاومتها، وإيمان أصحابها بحقائقها وغاياتها، وجهودهم الهائلة في حرب الذين قاوموها؛ فهي إلى أنْ تكون تاريخًا للثورة أقرب منها إلى أنْ تكون تاريخًا لنفوس هؤلاء الناس الذين فرضت عليهم الثورة، فلم تستجب لها قلوبهم، وإنما أذعنوا لها كارهين، ولقوا من أهوالها شيئًا كثيرًا.

    وهذا هو الفرق بين طريق العذاب، وهي القصة التي كتبها ألكس تولستوي، وبين الدكتور چيفاجو، وهي القصة التي نتحدث عنها والتي كتبها باسترناك، ومن الناس من يقول: إنَّ هذه القصة معادية للثورة الشيوعية، وإنَّ الذين أعطوا صاحبها جائزة نوبل إنما أعطوه هذه الجائزة لأنه خاصم الثورة الروسية.

    ولكني لا أرى هذا الرأي فقصة باسترناك هذه لم تكتب محاربةً للثورة أو مقاومة لها، ولو كتبت لهذا الغرض ما استطاع صاحبها أنْ يجد أمنًا ولا دعة، ولا أنْ يعيش — كما عاش — إلى الآن هادئًا مطمئنًا، وإنما كتبت القصة لتصور تصويرًا واقعيًّا لا تزيُّد فيه أثر الثورة وما أحاط بها من الظروف، وما ستنبعث من الأهوال في نفوس الذين لم يشاركوا فيها ولم يؤمنوا بها، وإنما ذعنوا لها لأنهم لم يريدوا ولم يستطيعوا أنْ يصنعوا شيئًا غير هذا.

    وما أكثر الذين كتبوا القصص والذين كتبوا التاريخ، وصوروا في قصصهم أو في تاريخهم أهوال الثورة الفرنسية الكبرى! وما سفك فيها من دماء، وما أزهق فيها من نفوس، وما ذاق فيها الناس من ألوان الجهد والشدة والبؤس والحرمان، دون أنْ يكونوا للثورة خصومًا أو أعداء، وإنما صوروا حقائق قد وقعت وكانت في حاجة إلى من يصورها!

    فكذلك باسترناك صور أهوال الثورة الروسية الكبرى وشقاء بعض الناس بها، وبالظروف التي لابستها، وليس في هذا عداء للثورة أو خصام لأصحابها، وإنما هو تصوير لحقائق واقعة ليس من وقوعها بد حين تضطر الثورة إلى مثل ما اضطرت إليه الثورتان الفرنسية والروسية من حماية نفسها مهما يكلفها ذلك ويكلف الناس من حولها.

    ولست أعرف كاتبًا روسيًّا صور الهلع والفزع والجزع الذي يملأ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم ويملك عليهم أمرهم كله كما صوَّر ذلك صاحبُ هذه القصة، فإذا كان الذين انتصروا في الثورة الروسية وثبتوا أصولها ومضوا بها إلى غايتها أبطالًا؛ فالذين احتملوا أهوال هذه الثورة أبطال أيضًا؛ لأنهم شقوا كما لا يشقى الناس، وذاقوا من البؤس والجوع ومن قوة الطبيعة أهوالًا نقرؤها فلا نكاد نحققها، ولا نكاد نصدقها؛ لأنها بلغت من القسوة والشدة وامتحان النفوس ما لا يصدق إلا بعد جهد أي جهد.

    ولست أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر قسوة الطبيعة حين يشتد الشتاء، وينهمر الثلج، وتجمد الأنهار، وتنقطع حركة المواصلات، ويهلك الزرع قبل أنْ يؤتي ثمره، ويشقى الناس بهذا كله لا يجدون ما يأكلون، ولا ما يلبسون، ولا ما يدفعون به عن أنفسهم هذا البرد القارس، وهم مع ذلك خائفون قد ملأ الهول قلوبهم، واستأثر اليأس من الحياة بنفوسهم؛ فهم ينتظرون أنْ يؤخذوا في كل لحظة ليقدموا إلى الموت أو ليقدم إليهم الموت، وهم لا يسمعون نبأة ولا يحسون حركة ألا ظنوا أن قد أقبل الذين سيأخذونهم ويمضون بهم إلى حيث لا يعودون، وليس منهم ألا من يفكر في صبي سيتعرض بعده للهول، أو في زوج ستشقى بعده ألوان الشقاء.

    لا أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر هذا كله كما صوَّره باسترناك في هذه القصة، ولا أعرف أيضًا كاتبًا صوَّر جمال الطبيعة حين يقبل الربيع، وتشرق الشمس، وتعود الحياة إلى كل شيء إلا إلى هذه النفوس الوجلة التي لا تفكر أو لا تكاد تفكر إلا في مصاعب الحياة ومشكلاتها، وفي هذا الموت الذي يوشك أنْ ينقض عليهم فيختطف منهم عائلًا أو حبيبًا.

    ولا أذكر أني قرأت تصويرًا لحركة الجماعات في الخوف والأمن، وفي السخط والرضى، كما قرأته في هذه القصة، ولا أعرف أحدًا وصف حياة الهاربين في القطارات التي تمضي بهم لتقف حتى ييأسوا، أو يوشكوا أنْ ييأسوا من حركتها، وهم مع ذلك يهربون من الموت أو مما يشبه الموت.

    كل هذا تجده في هذه القصة، بل أنت واجد فيها أكثر جدًّا من كل هذا، بشرط أنْ تقرأها صابرًا نفسك على قراءتها، وفارضًا على نفسك ألا تتحول عنها أثناء القراءة قيد إصبع لخاطر يعرض لك أو شيء يجري من حولك، بل أنت ملزم — إنْ شئت قراءتها والاستمتاع الصحيح بها — أنْ تقصر عليها أثناء القراءة عقلك وقلبك وذوقك جميعًا. وسترى — إنْ فعلت ذلك — أنك ستربح متعة قلَّما تربح بمثلها في قراءة كتاب.

  • أقوى من الزمن

    أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ١٦ يناير ١٩٥٦

    تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.

    ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.

    والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.

    أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.

    ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.

    وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.

    وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.

    وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.

    وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.

    وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».

    وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.

    وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.

    فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.

    ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.

    وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:

    ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
    وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.

    وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل.