Tag: love story

  • قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي

    قصة ممتعة للأستاذ يوسف السباعي

    طه حسين

    جريدة أخبار اليوم

    ٧ نوفمبر ١٩٦٤

    أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»، فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي! طه حسين

    ليل له آخر يظهر أن الأستاذ يوسف السباعي قد أزمع أن يكون المؤرخ القصصي لعهد الثورة كما يصنع بعض كبار القصاص الغربيين، بالقياس إلى الأحداث الكبرى التي تحدث في أوطانهم، منذ ابتكر ولترسكوت أو كاد يبتكر هذا النوع من القصص التاريخي. فقد صور الأستاذ يوسف السباعي شبوب الثورة القائمة تصويرًا رائعًا في قصته «رد قلبي»، ثم صور تأميم القناة وما تبعها من الأحداث في قصته «نادية»، وصور الوحدة بين مصر وسوريا في قصة لم تصل إليَّ؛ وهي «جفت الدموع». وهو في هذه القصة الأخيرة يصور ما كان من الانفصال بين البلدين المتحدين بعد أعوام قليلة بعد الوحدة. وهو في كل هذا التصوير التاريخي القصصي بارع حقًّا، فهو في سرد الأحداث التاريخية لا يتزيد ولا يسرف في المبالغة، وإنما يروي التاريخ رواية صادقة دقيقة، ولكنه يحيطه بالقصص الخيالي الرائع، بحيث تمر أحداث التاريخ كأنها مبتكرة كسائر ما يحيط بها من القصة، وهو في هذه القصة لا يكتفي برواية الأحداث العامة، ولكنه يضيف إليها رواية تجربة خاصة، ولكنها شديدة المرارة. وقد امتحن هو بهذه التجربة القاسية، فقد مرض ابنه الصبي ولم يستطع أن يعالجه في القاهرة فذهب به إلى لندرة، وهناك خضع الصبي لجراحات متعددة حتى أتيح له الشفاء. ومع أنه في رواية الأحداث التاريخية يصطنع الصدق الخالص، ولا يمزج التاريخ بالخيال، فهو في رواية تجربته الخاصة قد اصطنع الخيال فأحسن اصطناعه كل الإحسان، واستطاع أن يسبغ على قصته روعة ممتعة حقًّا، لم يذكر ابنه بحال من الأحوال، وإنما ابتكر بطلة القصة وجعلها فتاة سورية نشأت في أسرة واسعة الثراء، وعرض لها حادث أعجز إحدى ساقيها عن الحركة؛ فمرضت في دارها وعالجها الأطباء من مواطنيها، ولكنهم لم يبلغوا من علاجها ما أرادوا، فاضطر أبواها إلى أن يذهبا بها إلى لندرة، وهناك عولجت في أحد المستشفيات. ولكن الجرَّاح الذي عني بعلاجها لم يصب موضع المرض، فشقيت الفتاة بما لقيت من الآلام، ولم يكن أبواها أقل منها شقاء، واضطرت الأسرة إلى أن تعود من حيث أتت، واستيأست الفتاة من كل شيء، وكرهت أن تُذكر لها الجراحات، أو أن تحاول أسرتها علاجها من جديد، ورضيت بما ليس لها بد من أن ترضى به، وهو أن تمشي متوكئة على العصي، غير أنها لقيت عند بعض أقربائها ضابطًا مصريًّا شابًّا من ضباط الجيش المصري الذي رابط مع السوريين على الحدود بين سوريا وفلسطين. فلم تكد تراه حتى وقع من قلبها موقع الحب، كما شغف بها الضابط المصري أشد الشغف وأقصاه، ولكنها مع ذلك وطَّنت نفسها على هذا الحب اليائس البائس، ولكن الضابط المصري لم يحس يأسًا ولا بؤسًا، وإنما امتلأ قلبه سعادة وأملًا، فعاشت الفتاة سهير عيشة اليأس والبؤس، وعاش الفتى حمدي عيشة الغبطة والرضى، وامتلأت نفسه بالثقة في أن يتخذها لنفسه زوجًا، وتمنت هي ما تمنى حمدي، ولكنها اطمأنت إلى هذا الشقاء والقنوط. ولكن الفتى صارحها بهذا الحب وبما صحبه من رجاء، فلم تتردد هي في أن تصارحه بحبها وما صحبه من شقاء ويأس. وفي الحب قوة لا تشبهها قوة، وإذا الفتى يستطيع أن يرد إليها بعض الأمل، وإذا هي تطمع في مثل ما يطمع فيه الفتى، غير أنها علقت آمالها على الشفاء قبل كل شيء، ولم يستطع صاحبها أن يقنعها بالأمل الخالص والإعراض عن التفكير في الشفاء والعلاج، وإذا هي تعود إلى التفكير في العودة إلى لندرة، واحتمال مشقة السفر والشفاء بما فيه من مشقة، وبما في العلاج من ألم وشقاء، وأخذت تلح في ذلك على أبويها حتى أذعنا لما أرادت، ولم يستطع الفتى أن يردها عن هذا التفكير، ويجنبها المشقة والألم والتعرض لليأس مرة أخرى، فعاد بها أبواها إلى لندرة، وأتيح لها الشفاء بعد كثير جدًّا من الجهد والعناء، وعادت إلى سوريا بعد أن استردت ساقها، وعادت إلى سوريا وقد أصبحت كغيرها من حسان الفتيات. وفي أثناء هذا كله تمت الوحدة بين مصر وسوريا، وبدأ الإصلاح الاجتماعي في سوريا؛ فسعد به الشعب السوري كل السعادة، وشقي به الأغنياء كل الشقاء، فكان منهم من تحمل وتجلد واحتمل ما أصابه في كثير من الشجاعة والرضى والثقة أيضًا — وكان أبو الفتاة من هؤلاء — وكان منهم من استسلم لليأس والسخط لا يُسرُّ ذلك ولا يخفيه، وإنما يتمنى لهذه الوحدة أن تزول، وأن تعود الأمور كما كانت من قبل — وكان الشيوخ من أقارب الفتاة بين هؤلاء. ولم يظهر الخلاف بين الشيوخ من الأغنياء والشباب من أبنائهم كما ظهر في هذه الوحدة وما ترتب عليها من نتائج وآثار في ثروة الآباء، وابتئاسهم بما فقدوا، وابتهاج الأبناء بهذه الوحدة، وثقتهم بالمستقبل المشرق للوطنين المتحدين، وبما كسبوا من هذا الإخاء بينهم وبين شباب المصريين من الجنود وأسرهم التي انتقلت إلى سوريا واستقرت فيها، وإذا أواصر الحب تنشأ بين أولئك وهؤلاء حتى تنتهي في بعض الأحيان إلى الخطبة والزواج. أما سهير وصاحبها فقد استقبلا آمالًا عراضًا، وثقة باسمة بمستقبلهما السعيد بعد الزواج الذي كانا يتهيَّأن له، وفجأة ظهرت مقدمات وبوادر ما في الجيش السوري، فحدَّث عن ابتهاج الشيوخ من الأغنياء، ومشاركة الشباب من أبنائهم للشعب السوري كله في الآلام المرة، والأحزان المظلمة الثقال، وحدَّث عما أصاب فتاتنا سهير من الأسى واللوعة والإشفاق على نفسها وعلى خطيبها، وإن كان هذا كله لم يزد حبهما إلا قوة واستئثارًا بقلبيهما الفتيين. هذا تلخيص شديد الإيجاز لخلاصة القصة، ولم أتحدث عما يتصل بها من أنباء الأقارب والأصدقاء التي بسطها الكاتب مفصلة أدق تفصيل وأجمله. ومن ظلم القصة أن نكتفي منها بهذا التلخيص الموجز؛ ففيها ألوان من الروعة التي تسحر النفوس وتملؤها إعجابًا بما وفق إليه الكاتب من جمال الوصف ودقته لبعض مظاهر الحياة والطبيعة في سوريا، وفي دمشق غوطتها خاصة، ولحياة الفتاة في المستشفى، وحياة أبويها وأصدقائهما من حولها، ولبعض المناظر في لندرة. وكل هذا إنما يدل على أن الكاتب قد عاش في البلدين عيشة الملاحظ المستأني الذي تسجل نفسه كل ما يبهره ويروعه من المناظر الظاهرة، والإحساسات الخفية في نفوس الناس على اختلاف طبقاتهم. ومن أجمل ما في القصة أن الكاتب لا يظهر فيها، فهو لا يتحدث ولا يقص، وإنما يترك ذلك لسهير؛ هذه الفتاة التي شقيت بالمرض والحب، ثم سعدت بالشفاء والأمل، ثم أدركتها الخيبة بعد الانفصال المتكلف بين الوطنين الشقيقين، ولكن هذه الخيبة على شدتها لم تؤثر في حب الفتاة لصاحبها، ولا في حب الفتى لها. ولعل أجمل ما في القصة دقة الوصف للمشاعر الخفية، ودخائل النفوس، وأسرار القلوب. وأشهد أن طول القصة، بل إسرافها في الطول لم يزدني إلا حبًّا لها، وإعجابًا بها، حتى قرأتها مرتين، ولا أستبعد أني سأقرؤها مرة ثالثة. وإذا لم يكن بد من النقد وشيء من القسوة على الكاتب؛ فلأكتفي بالأسف الشديد على ما في القصة من هنات تتصل باللغة والنحو، وهذه الهنات مبثوثة في القصة كلها، لا تملؤها لحسن الحظ، ولكنها تظهر فيها بين حين وحين؛ فيضيق بها القارئ، ويأسف لها أشد الأسف — إذا كان هذا القارئ يشاركني في الحرص على اللغة العربية الفصحى، والضيق بكل ما يسوءها قل أو كثر — وما أكثر ما رجوت من الكاتب الصديق أن يتحقق أو يعرض قصته قبل أن تنشر على من يتحقق له من سلامتها وبراءتها من كل خطأ عربي. وأنا على كل حال أهنئ الكاتب الصديق بقصته الممتعة، وأتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والتمكن من اللغة العربية الفصحى! وإذا كان الكاتب قد أوجز آماله كلها في مستقبل الوحدة بهذا العنوان «ليل له آخر»؛ فأظن أنه يوافقني على أن ليله هذا طويل أكثر مما ينبغي!

  • أقوى من الزمن

    أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
    طه حسين
    جريدة أخبار اليوم
    ١٦ يناير ١٩٥٦

    تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.

    ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.

    والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.

    أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.

    ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.

    وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.

    وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.

    وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.

    وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.

    وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».

    وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.

    وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.

    فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.

    ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.

    وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:

    ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
    وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.

    وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل.

  • من عمل الشيطان

    من عمل الشيطان

    طه حسين

    مجلة مسامرات الجيب

    ٢٤ مارس ١٩٤٦

    كان هذا من عمل الشيطان ليس في ذلك شك؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء، لأن السماء ترتفع عن
    العناية بهذه الصغائر. الحب يسعى إلى القلوب من طريق العيون، ومن طريق الآذان؛ من طريق الصورة
    التي تراها العين فتنقلها إلى النفس بما تحمل من دواعي الميل والنفور، أو من طريق الصوت الذي
    تحمله الأذن إلى القلب بما يشيع فيه من أسباب الحنان أو القسوة.

    فأما أن يصل الحب إلى القلوب، وينتهي البغض إلى النفوس من طريق الأيدي التي تلطم، والوجوه
    التي تتلقَّى اللطم، فشيء غير مألوف لم تبتكره طبيعة الأشياء، ولم تهبط به إرادة السماء، وإنما
    اخترعه عبث شيطان ماكر، أو كيد عفريت من هذه العفاريت التي تلعب بقلوب الناس ونفوسهم، وتصرف
    عواطفهم وأهواءهم كما تشتهي في كثير من الأحيان.

    وهذا الحب الذي أحدثكم عنه، وهذا البغض الذي جاء في أثره تنشئهما نظرة من هذه النظرات الحادة
    الفاترة التي يقول فيه الشاعر القديم:

    إن العيون التي في طرفها حَور قتلننا ثم لم يُحيين
    قتلانا

    صرعن ذا اللُّبِّ حتى لا حراك به وهن أضعفُ خَلْق الله
    إنسانا

    ولم يحدثهما صوت من هذه الأصوات التي يقول فيها الشاعر القديم أيضًا:

    يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل القلب
    أحيانا

    وإنما أنشأتهما لطمتان؛ إحداهما: فتحت للعاشقين باب النعيم الذي لا يوصف، والأخرى: فتحت لهما
    باب الجحيم الذي لا يطاق، ولو أن قصة هذين العاشقين كانت من هذه القصص التي يبتكرها خيال
    الكُتَّاب لما تحدثت إليكم بها، ولأعرضت عنها إعراضًا، ولرأيتها أثرًا من آثار خيال مريض لا
    يحسن التحليق في أجواء الفن بمقدار ما يحسن الإسفاف إلى الحقائق الواقعة.

    ولكنها قصة لم يخترعها الخيال، وإنما اخترعتها ظروف الحياة، وهي إن صورت شيئًا فإنما تصور سخف
    الإنسان، وعبث الشيطان، وائتلاف الحياة الإنسانية أحيانًا من أشياء قليلة الغناء حقًّا.

    كان ذلك في مدينة من مدن فرنسا تعرفونها جميعًا حق المعرفة، وفي جنة من جنات هذه المدينة ليس
    منكم إلا من ألمَّ بها مُصبحًا أو مُمسيًا؛ ملتمسًا للرياضة، أو ساعيًا إلى الجامعة، فكلكم قد
    درس في مونبلييه، وكلكم قد ألم بحديقتها المعروفة التي تسمى … وأظنكم تذكرون أن كثيرًا من
    الحفلات الشعبية تقام في هذه الحديقة.

    فقبيل حفلة من هذه الحفلات بدأت هذه القصة التي تُضحك من أراد أن يضحك، وتُحزن من أراد أن
    يحزن، وتُصور سخف الحياة على كل حال. كان الناس يزدحمون على باب الحديقة ازدحامًا شديدًا
    ليشهدوا حفلًا موسيقيًّا عسكريًّا قد خُصص إيراده لإعانة الجرحى من أبناء المدينة في الحرب
    العالمية الأولى. وكان ذلك في الساعة الثانية بعد الظهر حين فرغ الناس من غدائهم، وكان ذلك في
    آخر الربيع وأول الصيف حين يشتد في مونبلييه ذلك الحر الرطب الذي يصهر الأجسام والنفوس جميعًا،
    ويخرج الناس عن أطوارهم، ويهيئهم للغضب السريع.

    كان الناس يزدحمون ويتدافعون بالمناكب، وكان صاحبنا يزاحم مع المزاحمين، ويدافع مع المدافعين،
    وإنه لفي ذلك يتقدم خطوة ويتأخر أخرى، وإذا وجهه يتلقى على إحدى صفحتيه لطمة لم يُفِقْ منها قط،
    لطمة لفتته إلى نفسه، ولفتت الناس إليه، ولفتته إلى المصدر الذي يمكن أن يكون قد ساقها إليه،
    وملأت قلبه غضبًا وحفيظة وموجدة، بل قُل ملأت قلبه نخوة ومروءة وثورة للكرامة المهدرة، والشرف
    المُهان.

    فقد كان صاحبنا عربيًّا من أهل الريف، فلم تكد اللطمة تبلغ وجهه حتى ثارت نفسه، وهاجت عاطفته،
    وغلى الدم في عروقه، وصعد إلى وجهه الملطوم، واستيقن أن العروبة كلها قد أهينت في شخصه إهانة لا
    تردها لطمة كاللطمة التي تلقاها، ولا يغسلها إلا ذلك الدم الذي زعم المتنبي أنه وحده هو الذي
    يسلم الشرف الرفيع من الأذى حين يراق على جوانبه.

    كان هذا كله في لحظة، بل في أقصر من لحظة — إن أمكن أن يكون هناك ما هو أقصر من اللحظة — وقد
    رفع صاحبنا رأسه وتهيأ للهجوم الساحق الماحق الذي لا يُبقي ولا يذر، ولكنه لم يكد يرفع رأسه
    ويلتفت به إلى يمين حتى أطرق ولسانه يقول عن غير إرادة، وفي صوت متهدج أضحَك منه من حوله،
    وأضحكه من نفسه فيما بعد: معذرة يا سيدتي! قالت السيدة التي لطمته: معذرة من ماذا؟ بل أنا التي
    تعتذر إليك؛ فقد ظننت أنك آذيتني بهذا الدفع المنكر، ولم تكد يدي تصيب وجهك حتى عرفت أنك بريء،
    وأن الآثم شخص آخر ليس له حظ من أدب ولا من تربية.

    وكان هذا الشخص الآخر، الذي ليس له حظ من أدب ولا تربية، قد ذاب في أثناء هذا كله واستخفى.
    ومَن يدري لعله لم يكن إلا شيطانًا كاد كيده، ثم ابتلعته الأرض أو اختطفته السماء، ولعله لم يكن
    إلا خيالًا لعب برأس السيدة. والشيء المحقق هو أنها أحست أو ظنَّت أنها أحسَّت دفعًا غير كريم،
    فلطمت وجه هذا الفتى، ثم لم تلبث أن عرفت براءته، فاعتذرت إليه من لطمتها في نفس الوقت الذي كان
    هو يعتذر إليها فيه من هذا البطش الذي هم أن يبطشه بها، ومن هذا الغضب الذي همَّ أن يَصُبَّه
    عليها صبًّا.

    والشيء المحقق أيضًا هو أن هذه اللطمة التي دعت إلى تبادل الاعتذار قد دعت إلى تبادل
    الابتسام، ثم إلى تبادل الحديث، ثم إلى الاستمتاع بالموسيقى العسكرية التي خُصص إيرادها للجرحى
    من أبناء المدينة في الحرب العالمية الأولى، والشيء المحقق أيضًا هو أن الأسباب التي مدَّتها
    هذه اللطمة لم تنقطع بانتهاء الحفلة، وإنما اتصلت وكانت مصدرًا غريبًا لحب غريب.

    وما أظنكم تنتظرون أن أقص عليكم كيف خرج اللاطم والملطوم من الحديقة، وكيف سعيا معًا إلى قهوة
    فرنسا، هناك قريبًا من الإسبلاناد، وكيف تبردا فيها من حر الصيف ومن حر الحفلة بقدحين من أقداح
    الجعة، وكيف اتصل الحديث بينهما حلوًا رائقًا للنفوس حينًا، وحادًّا مُمَزِّقًا للقلوب حينًا
    آخر، حتى فرق بينهما مقدم الليل فتفرَّقا، ولكن على موعد للقاء …

    وكلكم يعرف إلام تنتهي هذه المواعيد حين تتصل، وقد انتهت مواعيد صاحبينا إلى حب هائج مضطرم لم
    يخفف من لوعته إلا الزواج، فصوروا لأنفسكم — إن كنتم في حاجة إلى أن تصوروا لها — هيام العاشقين
    أثناء هذه الخطبة التي اتصلت وقتًا غير قصير، وصوروا لأنفسكم أثر هذا الهيام في حياة الفتى، وفي
    طلبه للعلم وإقباله على الدرس، وأثره في أسرة الفتى المصرية في قرية من قرى الريف، وأثره كذلك
    في نفس الفتاة، وفي أسرتها المحافظة …

    صوروا لأنفسكم هذا كله وقدِّروا أن الحب الذي أثارته هذه اللطمة قد قهَر هذا كله، وتغلب على
    ما فيه من صعاب وعقاب، وانتهى إلى الزواج على رغم الدرس الذي أُهمل، وعلى رغم المقاومة التي
    جاءت من الريف المصري، والمقاومة الأخرى التي جاءت من الريف الفرنسي، وصوروا لأنفسكم كذلك أن
    هذه اللطمة قد أذكت الحسرة في كثير من القلوب، وشبَّت الغيظ في كثير من القلوب أيضًا: أذكت
    الحسرة في قلوب فتيات كنَّ يفكرن في هذا الشاب، وشبَّت الغيظ في قلوب شباب كانوا يفكرون في هذه
    الفتاة …

    ولكن الحب سيل جارف لا يمر بشيء إلا اكتسحه اكتساحًا، وريح عاصفة لا تدع شيئًا أتت عليه إلا
    جعلته كالرميم، والحب قاهر بطبعه: قاهر اللناس، وقاهر للأشياء، وقاهر للأحداث والخطوب أيضًا.
    وحب هذين العاشقين قد قهر كل شيء، وقهر كل إنسان، ووقف العاشقان ذات صباح أمام العمدة في مدينة
    مونبلييه فألقى عليهما سؤالين، وسمع منهما جوابين، وتلا عليهما طرفًا من أطراف القانون المدني،
    وأعلن بعد ذلك أنهما قد أصبحا زوجين … وانتهت تلك اللطمة إلى غايتها الأولى.

    ففُتح للعاشقين باب من أبواب النعيم الذي لم تر مثله عين، ولم تسمع بمثله أذن، ولم يخطر مثله
    لأحد على بال، وكأنما كانت تلك اللطمة شيئًا يشبه الطرق على الباب للاستئذان في الدخول، وكأنما
    كان الحب هو الذي اصطنع يد الفتاة فطرق بها على قلب الفتى بابه، ولم يكن باب هذا القلب عين
    الفتى ولا أذنه ولا فمه، وإنما كان صفحة وجهه الذي لم يكن رائعًا ولا جميلًا.

    وقد استمتع العاشقان بهذا النعيم ما شاء الله أن يستمتعا به، ذاقا لذائذه في فرنسا، وتنقلا
    بها بين إيطاليا وسويسرا، وعبرا بها البحر آخر الأمر إلى مصر، واستقرا بها حيث تعلمون في مدينة
    من المدن المصرية سعيدين موفورين لا يعرفان من الحياة إلا وجهها الباسم الصبوح، ولكن وجه الحياة
    ليس باسمًا دائمًا، بل قد يعتريه العبوس، وليس مشرقًا دائمًا، بل قد يغشاه الظلام
    أحيانًا.

    وقد يصدر عبوس الحياة وإظلامها عن الناس حين يأتون بعض الأمر ويدعون بعضه، حين يقولون فيكون
    ما يقولونه مصدرًا للشر، وحين يسكتون فيكون سكوتهم سبيلًا إلى الريب … حين يعملون فيكون عملهم
    مثيرًا للسخط، وحين يكسلون فيكون كسلهم وسيلة إلى الاتهام.

    والواقع أن حياة الزوجين أظلمت ذات يوم، لا لأن أحدهما قال شيئًا أو عمل شيئًا، ولكن لأن ساعة
    من ساعات الصفو الحلو البريء أبت أن تنقضي دون أن تعقب كدرًا ومرارة وشكًّا.

    فقد فرغ الزوجان ذات يوم لمجلس من هذه المجالس الكريمة التي يسمر فيها الأصدقاء بعد الغداء أو
    بعد العشاء، حين يفرغون من طعام أحسن إعداده، وشراب أحسن اختياره، وحين يقبلون على الحديث
    أحيانًا، وعلى الموسيقى أحيانًا أخرى، وعلى الرقص في أثناء ذلك، وقد أخذ الأصدقاء في تلك الليلة
    بحظهم من نعيم الحياة وتفرقوا، وخلا الزوجان وأخذا يتحدثان عن وليمتهما، وعما دار حولها من
    حديث، وعما كان بعدها من سمر.

    وكان الزوج متحمسًا في استعراض هذا كله، وكانت امرأته تسمع له في غير نشاط، أو لعلها كانت
    تسمع له بإحدى أذنيها لا بهما جميعًا، لعلها كانت ذاهلة عنه بعض الذهول، وقد نبهها رفيقًا بها
    فلم تنتبه، وقد نبهها مرة ثانية فلم يغنِ عنه التنبيه شيئًا، وإنما مضى هو في حديثه المتحمس،
    ومضت هي في استماعها الذاهل حتى رابه من أمرها شيء.

    وأيسر الريب بين العاشقين لا يخلو من خطر، فقلوبهم حساسة، ونفوسهم أشبه شيء بالحطب الجذل لا
    تكاد تمسه النار حتى يصبح حريقًا مضطربًا يملأ ما حوله لهبًا، وكأن نفس الفتى كانت معدة لشيء من
    هذا، فقد كان غيران لا يطيق الشك ولا يحتمل الريب … فلِمَ ذهولُ امرأته عن حديثه وإمعانها في
    هذا الذهول؟! ضاقت نفسه، ثم اشتد ضيقها ثم ثارت، ثم خرجت عن طورها، وإذا هو يقول أكثر مما كان
    يريد، وإذا هي تظن أكثر مما كان ينبغي، وإذا ألفاظ طائشة تلتقي ثم تصطدم، وإذا يد الفتى تمتد ثم
    تنقبض، وإذا اللطمة التي تلقَّاها في مونبلييه ففتحت باب النعيم للعاشقين قد رُدَّت إلى
    صاحبتها، في مدينة من المدن المصرية، ففتحت باب الجحيم للبائسين.

    وما أحب أن أصوِّر لكم من أمرهما أكثر من ذلك، فما أريد أن أخرج من الإشارة إلى الدلالة، ولا
    من التلميح إلى التصريح، وإني على ما تعرفون من إمعاني في البغض حين أبغض، لأكره أن أتمنى لأشد
    الناس لي عداء أن يصير إلى مثل ما صار إليه الفتى، وإلى مثل ما صارت إليه الفتاة، ألا ترون أن
    هذا الشر كله لا يمكن أن يكون إلا من عمل الشيطان.

    وهمَّ القوم أن يجعلوا هذا الحديث موضوعًا للجدال يعللون فيه ويُئَوِّلُون، وينكرون منه
    ويعرفون، ولكن أحدهم رفع صوته حتى اضطرهم إلى الصمت وقال في سخرية لاذعة: ما أكثر ما تفتح
    اللطمات أبوابًا للنعيم، ثم تفتح بعدها أبوابًا للجحيم! ألم تسمعوا أن لطمة وثَبتْ بفلان إلى
    مكان رفيع، وأن لطمة أخرى قد تهبط به قطعًا إلى مكان سحيق؟!

    قال صاحب الحديث: أما وقد أخذتم تخوضون في حديث الأشخاص، وتُلمِّحون إلى أحداث السياسة، فليس
    لي بينكم مقام. وانصرف وأصحابه يَدْعُونَه إلى أن يعود وهم يقولون: أقْبِلْ؛ فقد آمنَّا بأن
    قصتك من عمل الشيطان.

  • في القاهرة بين الإعجاب والأسف

    في القاهرة بين الإعجاب والأسف

    طه حسين

    جريدة مصر الفتاة

    ١١ نوفمبر ١٩٠٩

    قام في مسينا الداثرة بيتٌ زيَّنَتْه يَدُ الصانع بما أبدعَتْ فيه من زخرف وتصوير، وزاده
    زينةً حُسْنُ موضعه وجودةُ مكانه وما كان يحفه من جمال المنظر وجلال الطبيعة، فقد كانت تُقِلُّه
    ربوةٌ مُشْرِفة على البحر وتُحِيط به حديقةٌ جَمَعَتْ من الأشجار صنوفًا تضاعف سرور الجذل وتسلي
    هَمَّ المحزون.

    غابت ذكاء، فأشفقت السماء جزعًا عليها أو فزعًا من الليل، ولبس الإنسان عن ذلك ثوبًا من
    الغفلة والذهول كما هو شأنه لا يُعْنَى إلا بأمره ولا يأبه إلا لنفسه ولا يحفظ إلا بأمره عهدًا
    إلا ريثما يصدر عنه بحاجته. أجل؛ أبصر الإنسان الشمس وقد جنحت إلى الغروب فلم يلحظها لحظة
    وداع.

    رآها مُصْفَرَّة قد ظهر عليها الأسف لفراقه فلم يُجْزِها عن ذلك بشيء.

    رآها تُوَدِّعه، وإنه ليراها كذلك في كل يوم فلا يقع وداعها من نفسه موقعًا، على أنه لو صدق
    فيها نظره اليوم لعلم أن أسفها لفراقه مضاعف، وأنها لم تحزن قط كحزنها اليوم.

    فيمَ وعلامَ؟ ألأنها ستذهب فلا تعود أم لأنها سترجع فلا تجد منا أحدًا؟

    هل خافت صديقتنا من الليل علينا نكرًا أم هل عرفت في وجوه الكواكب الطالعة شرًّا؟ هل استبانت
    من أنباء الغيب ما سيدور به بَعْدُ الفلك بَعْدَ حين؟ هل علمت أن ثورة الغضب على الإنسان قد
    بلغت من الطبيعة مبلغها فعوَّلَتِ الليلة على الانتقام مسائل ما جوابها إلا الحقائق المُرَّة
    المؤلمة؟

    وارحمتاه للإنسان! يجاري هواه ويتمادى في غروره، يحسب إذا استعبد ضعاف الحيوان وصغار الأشياء
    أن له حولًا وطولًا، يظن إذا استخدم لأغراضه الهواء والماء والبخار والكهرباء، أنه أصبح السيد
    المُسلَّط على الطبيعة وما فيها، فما له إذن لا يمنع الأرض أن تميد ولا يزع البركان أن يهيج ولا
    يصد طغيان البحر، ولا يرد صواعق السماء؟! هيهات هيهات! كَلَّ الطالب وجَلَّ المطلوب.

    قِفْ أيها الإنسان الضعيف خاشعًا أمام هذه القوة القاهرة التي لا تستطيع لها مردًّا، هبها
    طوعًا أو كرهًا بقية حولك وطولك.

    تزود من الدنيا فإنك نازل غداة غدٍ في حيث لا تحمد
    المثوى

    ما أرقَّ العاشقَ! وما أصفى نَفْسَه! لقد وقفت من دهري موقف المعتبرة بتنقل الكواكب المتعظة
    بتحول الحال، فما أثار لي هذا الموقف إلا حزنًا وما زادني هذا الاعتبار إلا همًّا، أراني أتنبأ
    بنوى عاجلة وخطوب نازلة.

    وَيْحِي عليك أيها الحبيب! بل وَيْحِي علينا معًا! لقد وَرَدْنا إلى هذا الحُبَّ مع أمل واسع،
    وسنصدر عنه ولم نُشْفِ منه علة أو ننقع له غلة.

    تريَّثِي أيتها النازلة، ارأفي بي وبحبيبي، أمهليني وإياه ريثما نَجْتَني ثمرة هذا الحب
    الناضر؛ فقد أمسينا منها قاب قوسين.

    حِكَم غالية يمازجها شيء من عطف النساء وحنوهن تَجُول بصَدْر مَلِكة الحُسْن وربَّة الجَمال،
    وقد جلستْ في طنف من ذلك البيت على كرسي من الحرير مُطْرِقةً، وقد تلحظ بعينها النجلاء تلألأ
    القمر في السماء، وقد أدلى من أشعته الفضية بأسباب إلى غصون الحديقة وأزهارها؛ فأخذت شكلًا
    بديعًا يملأ العين رواء والقلب ارتياحًا، وربما مدَّتْ بصرها إلى أبعد من ذلك فرأت البحر هادئًا
    إلا من مداعبة النسيم، وكادت تقرأ عليه آثار العبوس لولا ما يلقيه عليه ضوء القمر وتلألأ
    الكواكب، وقد ترفع بصرها قليلًا فترى جبال كلبريا، وقد اتخذ فمها من الثلج أديمًا فضيًا يسقط
    عليه ضوء القمر، وتألق الكواكب وكأنها مصابيح شُدَّت إلى السماء بأمراس من الذهب. ترى كل هذه
    الزينة، فلا ترجع إلا بِهَمٍّ طريف وحُزْنٍ جديد.

    هي على هذه الحال، وإلى جانبها فتى معتدل القوام حَسَن الهندام، تراه فتعلم أنه من ضباط
    المشاة في الجيش قد جلس إلى جانبها يُشْعِل لفافة التبغ ويلحظها بعينين كبيرتين في ظل حاجبين
    مقوسين. يلحظها في طهارة وخشوع كما يلحظ في المحراب دمية العذراء يسألها بصوت هادئ: ما هذا
    الصمت أيتها الحبيبة؟! ما لك لا تكلميني؟! انظري إليَّ، أسمعيني صوتك الرخيم، تكلَّمي، فيمَ
    تفكرين؟

    أفاقت الحسناء من ذهولها الطويل وأجابت بصوت يرن رنة الحزن: لا أدري أيها الحبيب، بل ما كنت
    أفكر في شيء ما … حتى ولا في عرسنا القريب. لا، ما فكرت فيه الآن، لماذا وهل يوجد ما يَحُول
    بيننا وبينه؟! كلا؛ ليس في العالم من يستطيع ذلك، لا شيء أيها الحبيب، لا شيء إلا الموت على أن
    قراننا في ذمة الله وهو خير الحافظين، أراني حزينة جدًّا، أرى صدري ضيقًا حرجًا أشعر بآلام
    كثيرة.

    لماذا أيتها الحبيبة؟ مِمَ يحزن العاشق وكيف يكون حزنه؟ أليس الحب هو كل السعادة؟ بلى، فهل
    تخافين على حُبِّنا شيئًا؟ كلا؛ إن الله قد ضمن أن يكلأه. إذن فمِمَّ تحزنين؟! ثم مال إليها
    قليلًا، فمس بشفتيه جبينها الوضاح، وتناولت عودًا كان إلى جانبها، فاندفعت تُغنِّي.

    ليت الليالي والأيام إذ حفظت حبي وحبك لا تغري بنا
    النوبا

    من لي ومن لك بالصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    تُرَدِّد هذا الغناء بصوت لا تكاد تسمعه الآذان، ولكن له في العقول والألباب فِعْل الصهباء؛
    فلا بدع أن ينسى الفتى نفسه حتى ابتدأت نار اللفافة تلذع شفتيه، فألقى بها وأسلم نفسه إلى
    الغناء، ولما فرغت الحسناء تناول العود واندفع يُغنِّي ويضرب بأصابع ما كانت لِتُحْسِن إلا
    تحريك السيف في ميدان القتال:

    إن الليالي والأيام قد حلفت أن لا تخون ولا تغري بنا
    النوبا

    أنَّى لنا ولك الصفو المقيم إلى أن تبلغ النفس من آمالها
    أربا؟!

    هذا ما نتمناه. وما فرغ الفتى من غنائه حتى أعلنت نواقيسُ البِيَع أن قُضِيَ من المساء عشر
    ساعات، وأخذ كل شيء في المدينة يقتضي نصيبه من الهدوء.

    استودعتُكِ اللهَ أيتها الحبيبة، استودعتُكِ الله يا زنتا. بعدًا للرقباء! ولكن لا تحزني
    فعمَّا قليل يجمعنا الليل بعد أن كان يُفَرِّقنا.

    أناتَكَ يا جنار، تمهَّلْ ريثما أملأ عيني منك. تقول ذلك وقد مدَّتْ إليه ذراعيها وعانقته
    طويلًا، وتلألأ في عينها دمعتان كاللؤلؤ الرطب، وهي تقول: لقد أخشى أن لا أراك بعد الآن. وبعد
    حين انفصل المتعانقان، وقالت بصوت هادئ: الآن تستطيع أن تمضي في ذمة الله؛ فقد حلَّ قلبي شخصك،
    امضِ يا جنار نَمْ ملء جفنيك، احلم إذا أردتَ بما تشاء، أنت أنا.

    مضى وأمانيه إليه لذيذة وأسلمها للهم
    والحسراتِ

    تعاني جوى الحب القديم وتصطلي لظى جمرات منه
    مشتعلاتِ

    فنام وما ذاقت من النوم والكرى سوى عبرات تقتضي
    زفراتِ

    أفاق من نومه مذعورًا وقد مضى من المساء ساعات أربع، ما الذي أيقظني الآن ولم أنل نصيبي من
    الراحة؟! لقد كنت مستغرقًا في نوم لذيذ تتخلله أحلام جميلة، لقد كنت سعيدًا في جوار
    حبيبتي.

    تنفَّسَ فإذا الهواء مليء برائحة الكبريت، أطَلَّ من النافذة فإذا النجوم متغورة وإذا الجو
    مكفهر، تبيَّنَ البحر فإذا بوادر الثورة قد بدرت منه وكأنه يتحفز للوثبة؛ فوقف حائرًا يعبث
    بقلبه الخوف، ثم استرجع حوادث أمسه فذكر حزن حبيبته، وعلم أنها كانت تنبأ بحق وما هي إلا أن سمع
    كأن انفجارًا عظيمًا في جوف الأرض.

    إنه الزلزال، يَجِب أن أنقذ حبيبتي، يجب أن أخلص زنتا. فأسرع في لبس ثيابه، وإذا بهزة عظيمة
    عَرَتْه وعملت حتى أطراف أصابعه، اختطف رداءً خفيفًا اشتمل به، وخرج عَدْوًا إلى بيت حبيبته،
    وكان على مسافة من بيته، فلما توسَّطَ الطريق أخذته رجَّة عظيمة ألقته على ظهره وأخذه
    الدوار.

    فتح عينيه، فإذا أبنية المدينة ترقص رقصًا محزنًا وسمع أمواج البحر تلتطم كأنها موسيقى
    الجنائز، إلا أن هذه تشيع ميتًا واحدًا، وتلك كانت تندب مدينة بأسرها.

    يا للطبيعة تجني وتتألم في وقت واحد! هَمَّ الفتى بالقيام فأعاقته صخرة ضخمة سقطت على صدره،
    فرضَّتْه وكسرت له ضلعين وأسلمته إلى الإغماء، ثم رنَّ في أذنيه صوت حبيبته تستغيث، فأفاق والدم
    يتدفق من فِيه وعالج الصخرة حتى زحزحها عن صدره، ثم عدا فاقد الشعور إلى بيت حبيبته، وبعد جهد
    ما وصل إليه فتسوَّرَ الحديقة، وإذا البيت قد تهدَّم نِصْفُه والنصف الآخر يتداعى، ولولا غشاء
    الدوار على عينيه لدلَّتْه على مكان حبيبته ذوائبُ ذهبية تعبث بها نسمات الصباح، ولكنه جاهد حتى
    دخل حجرة نومها؛ فإذا السرير منكس، وإذا أجزاء السراج متناثرة في أنحاء الغرفة، فكر إلى الطنف
    وفيه رأى الحسناء قد سقطت مثنية إلى جانب الإفريز، وأسلمت ذوائبها الصفر للنسيم، فخلع رداءه
    وألقاه عليها، ثم ابتدأ يتسمع خفقان القلب، فإذا قد وقفت دقاته، وإذ ذاك علقت بقلبه سهام اليأس؛
    فأخرج من فمه صيحة يحملها الدم المتدفق وخرَّ إلى جانبها صريعًا ثلاثة أيام على هذه
    الحال.

    وفي صباح اليوم الرابع، أَلْقَتِ السفن مراسيها على شاطئ المدينة الدائرة ودوَّتْ في الفضاء
    مدافعُ الحزن على الإنسانية؛ فأفاق الفتى على أصوات القنابل ودوي المدافع: مكانَك يا جنار، ليست
    هذه مدافع العدو إنما هي مدافع أبناء الإنسان جاءوا لنصرة إخوانهم. نظر فلم يَرَ إلا سباع الطير
    تنهش لحم الإنسان، تنفَّسَ فكاد يخنقه نتن الجِيَف.

    وبعد حين، سمع أصوات الناس فصاح بصَوْتٍ خافت: الغوث الغوث، الإعانة الإعانة! فما هي إلا أن
    نُصِبَ سُلَّم رَقَتْ عليه الحسناءُ تخاطر بحياتها ولا تبالي بما ستلقاه، رَقَتْ مُسْرِعة
    نَشِطة، فلم تَكَدْ ترى مصرع الحبيبين حتى انكسر قلبها حزنًا على ابن الشعب وحامي حماه، أمَّا
    هو فلم يكد يرى حسناء تحمل حقيبة صغيرة لها قفل من الذهب حتى عرفها.

    أجل؛ عرف ولية نعمته، عرف ربَّة التاج، عرف مَلِكة إيطاليا التي طالما شاهَدَها مع مولاه
    الملك في أعياد رومية؛ فأهدى إليها كلمة الشكر ودَنَتْ منه بشيء من الأدوية المسعفة، ولكن ماذا
    ينفع الدواء إن الفتى قد عاد إلى غشيته؟!

    جَفَتْ وبها من داخل القلب لوعة وللعين دمع وَاكِف
    العَبَراتِ

    تصلي بنسك للإله ولم يكن ليرجع نسك ميتًا
    لحياةِ

    جَثَتْ ربَّة التاج إلى جانبه حزينة منتحبة تقول الصوت تقطعه العَبْرة: يا لله! حبيبان
    يحملهما الموت على جناح واحد!

    انظري أيتها الملكة الشفيقة، إن الفتى قد ذهبت بعقله غمرات الموت؛ فهو ينظر متلهفًا يظنك
    حبيبته، اسمعي إنه يدعوك بصوت خافت: عانقيني أيتها الحبيبة عانقيني بازنتا، إنني سأموت الآن!
    مالتْ إليه ربةُ التاج، فأغمضت عينيه بقُبْلَتَيْن طاهرتين وعانقته طويلًا، وإن على شفتيه
    لابتسامة خفيفة، وهو يقول: لقد كنت أوقن بأنك حية.

    في ذمة الله أيها الحبيبان، ولك الثناء الطيب أيتها المَلِكة.