أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
١٦ يناير ١٩٥٦
تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.
ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.
والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.
أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.
ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.
وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.
وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.
وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.
وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.
وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».
وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.
وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.
فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.
ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.
وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:
ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.
وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل.
Tag: Fantasy
-
أقوى من الزمن
-
في الجو
في الجو…
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934
النقد والطربوش وزجاج النافذة
للدكتور طه حسين
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
طه حسين
«مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934 -
مدينة سبأ
مدينة سبأ
للدكتور طه حسين
كان الأديب الفرنسي ملرو نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم، ولا تجد في ذلك شيئاً من الغرابة؛ فنوم الأدباء البارعين يقظة؛ لأنه مملوء بالأحلام التي قد تكون من الصدق والدقة، ومن الخصب والإنتاج بمنزلة لا يبلغها الحق نفسه في كثير من الأحيان. ويقظة الأدباء نوم؛ لأنهم يشغلون فيها عما يحيط بهم من هذه الحقائق الممكنة الواقعة بما يملأ رؤوسهم من هذه الخيالات والأوهام التي تدنو من نفوسهم حتى تصبح كأنها جزء منها، وتبعد عن متناولهم حتى تصبح كأنها النجوم وهم يعجبون بقربها منهم فيطمعون فيها ويطمحون إليها، وهم يشفقون من بعدها عنهم فيحلون في طلبها ويجدون في إدراكها، ويكلفون في بلوغها أعنف الجهد وأشق العناء.
كان الأديب الفرنسي ملرو إذن نائماً كاليقظان، أو يقظان كالنائم. كان في ساعة من هذه الساعات الحلوة التي يقضيها الأدباء مستمتعين بلونين من الحياة؛ أحدهما مختلط مضطرب شاحب وهو لون الحياة الواقعة، والآخر واضح جلي ناصع وهو لون هذه الحياة التي يحيونها بين الخيالات والأوهام. وإنه لفي ذلك وإذا غانية حسناء رائعة الحسن، جميلة بارعة الجمال، غريبة الزي، لم يرَ مثلها قط فيمن رأى من غانيات باريس وفاتنات غير باريس من المدن الأوروبية التي زارها، بل لم يرَ مثلها فيما رأى من الصور والرسوم التي تنقل للناس ما حفظته ذاكرة التاريخ القديم والمتوسط والحديث من ملامح الغانيات وأشكالهن وأزيائهن.
وكانت تتراءى له من بعيد لا يكاد يراها حتى يفقدها، ولا يكاد يفكر فيها بعد فقدها حتى تتراءى له من جديد؛ فلا يكاد ينظر إليها حتى تستخفي، ولا يكاد يستأنف التفكير فيها حتى تبدو. وكانت إذا تراءت له ملأت الجو من حوله عبيراً وعرفاً لم يحسّ مثلهما قط فيما أحسّ من الأعطار المصنوعة ومن الأعطار الطبيعية، ومن شذى الرياض وعرف الغابات؛ وكانت إذا استخفت ذهب معها هذا العبير إلا بقية ضئيلة تضطرب في الجو كأنها البقية الضئيلة من شعاع الأمل. فكانت نفس الأديب الفرنسي ملرو تتعلق بهذه البقية الضئيلة من العبير، كما تهيم بهذا الشخص الجميل الرائع الذي كان يبدو ويستخفي في سرعة كوميض البرق.
ولو أن هذا الخيال عرض لرجل مثلك أو مثلي على هذا النحو وهو نائم لأيقظه، أو عرض له وهو يقظان لذاد عنه كل وهم أو خيال، ولدفعه إلى حياة عنيفة متنبهة تشبه الجنون. ولكنه لم يعرض لك ولم يعرض لي، وإنما عرض للأديب الفرنسي ملرو. ولهذا الأديب قوة ساحرة – فيما يظهر – تمكنه من مقاومة الحق الذي يوقظ النائمين، ومن مقاومة الوهم الذي يُنيم الأيقاظ، وتمسكه في حال بين الحالين، ومنزلة بين المنزلتين؛ فإذا هو نائم كاليقظان ويقظان كالنائم. وقد دعا إليه سحره هذا، فأعانه السحر على أن يظل على الحدود بين المملكتين: مملكة اليقظة ومملكة النوم، مملكة الحقيقة الباطلة التي يضطرب فيها مثلك ومثلي من الناس، ومملكة الخيال الصادق التي يضطرب فيها الأدباء والشعراء.
وظل في مكانه يرى هذه الجنية ويتنسم عبيرها إذا ظهرت له، ثم يتعلق بما بقي من نشرها ويهيم بخيالها إذا غابت عنه؛ وكأن هذه الجنية كانت تريد أن تعبث بالكاتب الأديب ساعة من نهار أو ساعة من ليل، وما أكثر ما تعبث الجن بأبناء الإنسان! ولكن الأديب الفرنسي ملرو كان من البراعة والمهارة، ومن السحر واللباقة، بحيث استطاع أن يعبث بهذه الجنية الماكرة الماهرة، وأن يكرهها على أن تبيح له سرها وتلقي عنه ما بينها وبينه من الأستار.
وأكبر الظن أن الأديب الفرنسي ملرو إنما تعلم هذا الفن الذي يستغوي به الجن من رياضة بسيطة، ما أجدر أدباءنا وشعراءنا أن يتكلفوها ويأخذوا أنفسهم بها، وهي رياضة الصيد في الأنهار والغدران. فهذه الرياضة تحتاج إلى صبر طويل، طويل جداً، وإلى لباقة ودقة قلما تحتاج إليهما الرياضات الأخرى؛ وقد يمكث الصائد على شاطئ الغدير ساعات طوالاً جداً ينتظر الصيد فيصيبه أو لا يصيبه، ولكنه لا ييأس على أية حال.
ظل الكاتب الأديب ملرو في حالته هذه بين الحالين، وفي مقامه هذا بين المملكتين، وظلت الجنية تبدو له فيستقبلها، وتغيب عنه فيتبعها، حتى سئمت منه هذا الصبر، وضاقت منه بهذا الثبات، واستيأست من ترويعه والعبث به، فوقفت منه غير بعيد وحدّقت فيه تحديقاً طويلاً لو حدّقته في رجل مثلك أو مثلي لملأت قلبه رعباً ولدفعته إلى الجنون دفعاً، ولكن الأديب الفرنسي ملرو ثبت لمنظرها الجميل وتحديقها الطويل، مبتسماً في هدوء ينظر إليها ولا يقول لها شيئاً.
وأخذت هي تدنو منه وتطيل النظر فيه وهو ثابت لا يضطرب، ومستقر لا يريم، حتى إذا كانت منه بمكان النجيّ، سألته في لغة غريبة لم يسمع لفظها قط، ولكنه فهم معناها كما يفهم معاني اللغة الفرنسية حين تُلقى إليه. سألته في هذه اللغة الغريبة وفي ابتسام ليس أقل منها غرابة قائلة:
"مَن تكون؟ لقد عرضتُ لكثير مثلك من الناس منذ عشرات القرون فروّعتهم ترويعاً على اختلاف أجيالهم وبيئاتهم، وتفاوت درجاتهم في العلم والجهل وفي الغفلة والذكاء، حتى اتخذتُ ترويع الناس لذة من أهون اللذات إذا فرغتُ مما أنا فيه من أعمال الجد التي تحملني كثيراً من الألم والعناء. حدثني مَن تكون؟ ولا بأس عليك من أن تجيبني باللغة الفرنسية فسأفهمها عنك، كما تفهم أنت عني الآن هذه اللغة الحميرية التي لا يتكلمها أحد من الناس في هذه الأيام، والتي يجد علماؤكم في قراءتها وتفسيرها واستنباط قواعدها وأصولها مشقة. حدثني مَن تكون أيها الفتى الذي عجزتُ عن ترويعه والعبث به؟".
قال الأديب الفرنسي ملرو وهو ينظر هادئاً مبتسماً إلى هذه الجنية:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين؟ فإني لم أعرض لكِ وإنما عرضتِ لي، وإني لم أحفل بكِ وإنما حفلتِ بي، وإني لم أدنُ منكِ وإنما دنوتِ مني، وإني لم أحاول سحركِ بلحظ ولا لفظ ولا حركة ولا عبير؛ فما ينبغي لكِ أن تسأليني وإنما ينبغي لي أن أسألكِ. ومع ذلك فإني لم أسألكِ حتى بدأتِني بالسؤال، ومع ذلك فإني قادر على أن أعفيكِ من الجواب وعلى أن أدعكِ تمضين في طريقكِ؛ فما أكثر مَن يعرض لي من أمثالكِ، وما أكثر ما أتحدث إليهن وما يتحدثن إليّ! ولئن فاتني أن أعرفكِ وأسمع من أنبائكِ فقد عرفتُ من قبلكِ خيالات أخرى أستطيع أن أستأنف لقاءها متى شئتُ، وأن أقصّ عليها من أنباء الأحياء وتقصّ عليّ من أنباء الأموات".
قالت الجنية أو قال الخيال:
"ما أشد طغيانكم أيها الناس! إنكم لضعاف أشنع الضعف، ولكن المكر يجعل ضعفكم قوة، وذلكم عزة، وجهلكم علماً. حدثني يا فتى مَن تكون؟ وإلا فإني قادرة على أن أسوءك".
قال:
"بل حدثيني أنتِ مَن تكونين، واستيقني أنكِ لا تقدرين من الإساءة إليّ على شيء، بل أنا قادر إن شئتُ على أن أغلق بيني وبينكِ الباب، وأقطع بيني وبينكِ الأسباب. وأي شيء أيسر من أن أمضي إلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة اليقظة التي لا وهم فيها ولا خيال، وإلى هذه الناحية فإذا أنا في مملكة النوم العميق التي لا تستطيع الأحلام أن تدنو منها أو تجد إليها سبيلاً".
قالت:
"فإني أراكَ على قوتك ذكياً ماهراً، تحسن الحوار وتعرف كيف تقطع الطريق على خصومك ومحاوريك. ما أرى إلا أنك جني قد اتخذتَ شكل إنسان، وما أرى إلا إننا نستطيع أن نتفق فنعبث بالناس جميعاً، ونكيد لهم جميعاً، ونخدعهم جميعاً ساعة من نهار أو يوما من أسبوع".
قال:
"بل أشهراً كاملة من عام كامل، بل عاماً كاملاً من أعوام طوال؛ فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون. واعلمي منذ الآن إني أكره ترويع الناس والعبث بعقولهم، فإن الرجل الممتاز حقاً هو الذي يحسن العبث بعقول معاصريه، فإن استطاع مع ذلك أن يعبث بخيالهم وآمالهم وأيديهم وجيوبهم فهو الرجل العبقري حقاً. فحدثيني مَن تكونين أحدثكِ مَن أكون؛ فقد يُخيَّل إليّ أن سيكون لهذه الساعة في حياة الناس شأن".
قالت وهي تبتسم ابتساماً عريضاً:
"وأنا أيضاً أرى هذا. فهل سمعتَ شيئاً من حديث تلك المملكة التي امتلأت بذكرها كتب القصص والتاريخ؟".
قال:
"أي مملكة تريدين؟ فما أكثر المملكات اللاتي ملأ ذكرهن كتب القصص والأدب والتاريخ".
قالت في شيء من الدل:
"وهذا العرف الذي يملأ الجو من حولك، والذي يكاد يذهلك لولا أنك رجل ممتاز لا يعرف الذهول إليه سبيلاً، ألا يدلك على شيء؟".
قال:
"بلى! إنه يدلني على أنكِ قد سريتِ من الشرق؛ فهذا العرف لا عهد لي بمثله إلا في كتب القصص والتاريخ. ألا تكونين قد أقبلتِ من بلاد اليمن، تلك التي تحدث عنها القدماء والمحدثون؟".
قالت:
"قد عرفتَني، فأنا جنية من أرض اليمن، أقبلتُ أعبث ببعض أهل الغرب، وأبحث للجن اليمانيين عن بعض الفرائس فظفرتُ بكَ".
قال:
"بل وقعتِ في يدي، فمن أي بلاد اليمن أقبلتِ؟".
قالت:
"من تلك المدينة العظيمة التي كانت تملكها تلك الملكة القديمة العظيمة".
قال:
"ملكة سبأ؟".
قالت:
"هي هي!".
قال:
"وعلامَ نستطيع أن نتفق؟".
قالت:
"على أن نعبث بالناس شيئاً، ثم نهدي إليهم بعد ذلك ما يعوضهم من هذا العبث أحسن تعويض".
ثم اتصل الحديث بينهما وانقطع، ثم اتصل مرة أخرى وانقطع، ثم أصبح الناس وإذا الأديب الفرنسي ملرو يمر بالقاهرة في طيارة قد أُنشئت له، فيقيم في القاهرة يوماً وبعض يوم ثم يفارقها، ثم تمضي أيام ثم يخفق البرق بأنه قد استكشف مدينة سبأ في أقل من تسع ساعات! طار من جيبوتي فعبر البحر ثم مضى حتى انتهى إلى الربع الخالي، وكانت صاحبته الجنية قد سبقته وضربت له موعداً في تلك العاصمة الجميلة، ورسمت له الطريق التي يجب عليه أن يسلكها رسماً دقيقاً صادقاً.
فلما انتهى إلى موعده صوّر من المدينة ما صوّر؛ لم يهبط إلى الأرض ولكن جنيته صعدت إليه ودلته على أجمل المناظر وأجدرها أن يخلب الناس ويسحر ألبابهم. ثم عاد إلى باريس وقد سبقته إليها الأنباء. والناس من أمره بين الشك واليقين؛ فكتب المقالات وألقى الأحاديث ونشر بعض الصور؛ فأما العلماء فأنكروا – وأي شيء أيسر على العلماء من الإنكار؟ – وأما غير العلماء فصدقوا – وأي شيء أيسر على غير العلماء من التصديق؟
ثم تنتقل الأنباء من أوروبا إلى أمريكا عابرة إليها المحيط، فيضطرب العالم الجديد اضطراباً، وإذا البرنامج كله قد تحقق؛ دهش الناس ثم اضطربوا، ثم صدقوا، ثم اندفعوا، فكان العبث بالعقول، ثم بالخيال، ثم بالأيدي، ثم بالجيوب. فإذا كان شهر نوفمبر فإن البعثة ستعبر المحيط، ثم تعبر البحر أيضاً، ثم تمضي في الصحراء. وما أكثر ما في الصحراء العربية الجنوبية من بقايا المدن القديمة التي عرفها الناس والتي لم يعرفوها.
ومن يدري! لعل هذه الجنية التي تراءت للأديب الفرنسي ملرو أن تبرّ بالوعد وتفي بالعهد، وتهدي إلى العلماء المنكرين وغير العلماء المصدقين مدينة قديمة فيها من الآثار ما يعوضهم من هذا العبث الذي يخضعون له في هذه الأيام تعويضاً حسناً.
لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه التي يمضون فيها مع الخيال والوهم، ويسمعون فيها لأحاديث الجن والشياطين، ويتبعون فيها آمالهم وأمانيهم؛ فإن هذه الحياة لذيذة في نفسها بالقياس إلى الأدباء أنفسهم، وبالقياس إلى الناس حين يسمعون أنباءها. ثم هي في كثير من الأحيان خصبة منتجة؛ تبدأ بالحلم والوهم والأمل، وتنتهي إلى اليقظة والحق واليقين. لا ينبغي أن ننكر على الأدباء حياتهم هذه، وإنما ينبغي أن نتمنى لأدبائنا وشعرائنا حياة مثلها يملؤها الوهم والخيال والأمل، ويملؤها النشاط والجد والعمل والصبر على احتمال الجهد، وعلى احتمال السخرية والاستهزاء بنوع خاص.
الرسالة ٢١ – ٥ – ١٩٣٤