سحر العمر: بقلم الأستاذ توفيق الحكيم
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
٣٠ يناير ١٩٦٥
ليس هذا الكتاب تاريخًا لحياة الأستاذ توفيق الحكيم فيما يقول، ولكنه تصوير دقيق لحياته إلى أن أصبح كاتبًا معروفًا، وما أظن هذا يرضيه، ولكنه الحق على كل حال.
فالذي يُنبئُنا بأنه وُلِد هادئًا لا يصيح ولا يبكي كما يفعل كل وليد، والذي يحدثنا عن طفولته الأولى وعن تعلمه منذ اختلف إلى الكتاتيب، ثم إلى المدرسة الابتدائية إلى أن يظفر بإجازة القانون، والذي يحدثنا عن البيئات المختلفة التي تنقل بينها أثناء طفولته الأولى، وفي آخر الصبا وأول الشباب، ويحدثنا عن ذهابه إلى فرنسا وعودته منها دون أن يظفر بإجازة الدكتوراه؛ لأنه لم يحفل بالقانون، وإنما عني بالثقافة عامة، وفن التمثيل خاصة، والذي يصور لنا حياته في باريس، وعودته إلى مصر، وتقلُّبه بين المناصب المختلفة، إنما يكتب لنا تاريخ حياته.
بل هو يذهب إلى أبعد من هذا، فهو يحاول أن يفسر هذه الحياة، ويرد كثيرًا من ظواهرها إلى الوراثة، ويحاول أن يرد هذه الوراثة إلى أبويه يعطي كل واحد منهما نصيبه من هذه الحياة. ولا يكتفي بكتابة تاريخ حياته، ولكنه يجتهد في أن يفلسفها، ويريد أن يقسم ظواهر حياته بين أبويه، فيحدثنا عما يمكن أن يكون قد ورث من طبع أبيه، وما يمكن أن يكون قد ورثه عن طبع أمه، إنما يصور تاريخ حياته تصويرًا دقيقًا، ويضيف إليها فلسفتها، وهو مع ذلك ينبئنا بأنه لم يكتب تاريخ حياته.
وسواء أرضاه هذا الحديث أم لم يرضه، فإني أؤكد أنه قد أعطانا صورة واضحة لحياته كل الوضوح، دقيقة كل الدقة، ومع أنه يزعم أن أمله أكبر من جهده، وأن جهده أكبر من موهبته، وأن موهبته سجينة طبعه الذي ورث أكثره عن أبويه؛ فإني أؤكد أولًا أن أمل كل كاتب أكبر من جهده، وأن هذه هي مزية الكاتب الجدير بهذه الصفة، كما أنها مزية الشاعر الممتاز والفنان البارع بوجه عام، وويل للأديب الذي يكون أمله على قدر جهده؛ فهذا الرجل ليس من الأدب الحق في شيء، إنما هو الأديب المتكلف، والمتكلف لما لا يحسن ولما لم يخلق له. وأما أن يكون جهده أكبر من موهبته، فقد يكون هذا على شيء من الحق؛ لأن الأستاذ توفيق ينحرف عن موهبته أحيانًا، ويغامر بها فيما لم تُهيَّأ له كما فعل في أمرين — على الأقل — أذكرها الآن.
أولهما: حين أراد أن يكون فيلسوفًا وينشئ نظرية التعادل، مع أن موهبته لم تخلق للفلسفة ولم تهيأ لها، وإنما خلقت لإنشاء القصص التمثيلي الممتع، والثاني: حين حاول أن يكتب القصص غير المعقول، فكتب يا طالع الشجرة وما يشبهها، مع أنه لم يخلق لهذا، وإنما خلق ليكون معقولًا حين يكتب وحين يقرؤه قُرَّاؤه. وأما أن موهبته سجينة طبعه، فلا غرابة في هذا؛ لأن المواهب كلها سجينة الطباع التي فطر عليها أصحابها، وليس من الممكن غير هذا؛ لأن مانحها يلائم دائمًا بين ما يَهبُ وما يفطر الناس عليه، فلا يُؤاخِذُ الأستاذ توفيق إذا قلتُ: إن هذه العبارة التي ابتدأ بها كتابه أشبه شيء بالسراب يحسبها الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجد شيئًا.
وبعد هذا كله أقول — لا لأرضي صاحب الكتاب، بل لأرضي الحق: إن هذا الكتاب ممتع، وأشهد لقد قرأته مرتين في أقل من ثلاثة أيام، وأقل ما فيه من المتعة أنه يصور حياة كاتب بارع أحبه الناس وكلف به أكثرهم، ثم لا يكتفي بتصوير حياة الكاتب وحده، وإنما يصور حياة أبويه. ولست أدري ماذا يكون تاريخ الحياة إذا لم يكن وصفًا دقيقًا لمولد الكاتب ونشأته وأطواره التي تنقل بينها حتى انتهى إلى مكانته المرموقة الآن، وإذا دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن أمل الأستاذ توفيق الحكيم أكبر من جهده. قد أرَّخها تاريخًا دقيقًا. وحياته في نفسها جديرة بأن تُؤرَّخ؛ فهي حياة نادرة في بيئتنا، وإن كانت مألوفة في بيئات كثيرة.
وقد نبأنا أنه مشغوف بالكاتب الفرنسي أناتول فرانس، فليعلم إذن أن هذا الكاتب الفرنسي العظيم لم يظفر بالشهادة الثانوية، وإنما أضحك منه لجنة الامتحان حتى وصفه أحد الممتحنين بأنه حمار؛ فليحمد صديقنا لربه أنه قد ظفر بالشهادة الثانوية، وبشهادة الليسانس في الحقوق، ولا بأس عليه إن لم يظفر بالدكتوراه، بل هو المسئول الأول عن ذلك؛ لأنه حين ذهب إلى باريس لم يطلب هذه الدرجة، وإنما طلب الثقافة العامة وفن القصص التمثيلي. ودرجة الدكتوراه في الحقوق، أو في الآداب، أو ما شئت من الدراسات لا تهبط على الناس من السماء، وإنما على الناس أن يَجِدُّوا ويَكِدُّوا ليظفروا بها.
وصاحبنا لم يبذل في سبيل الدكتوراه جهدًا أكبر من موهبته أو أصغر منها، ولو كان أبواه في باريس حين ذهب إليها لبذل هذا الجهد، ولأصبح دكتورًا في الحقوق على رغمه.
والمهم هو أنه كتب لنا كتابًا قيِّمًا ممتعًا؛ لا لأنه أرَّخ لنا حياة كاتب ممتاز فحسب، بل لأنه مع ذلك أرخ للتمثيل في مصر تأريخًا دقيقًا مفصلًا شيِّقًا واضحًا كل الوضوح، ثم صور لنا حياته الأدبية أدق تصوير وأبرعه، حتى كأننا كنا معه نسجل ما اختلف عليه من الأطوار. وليس هذا كله بالشيء القليل، وإذا كان هذا كله لا يكفيه ولا يرضيه؛ فليس ذلك غريبًا ولا متناقضًا لطبائع الأشياء؛ لأن الكاتب المتقن لفنه لا يرضى عما يكتب إلا إذا ملأه الغرورُ واستأثر بعقله وطبعه.
وقد كنا نجهل — أو كان أكثر قرائه يجهلون — أنه قد كتب القصص التمثيلي أثناء دراساته في مصر، وأن بعض ما كتب قد أتيح له أن يُمثَّل ويراه النَّظَّارة، ولم أكن أعلم أنه كان يكتب شعرًا أو ما يشبه الشعر. كان يكتب كلامًا يلحنه الملحنون، ويغنيه المغنون، ولست أدري لما أعرض منذ ذهب إلى فرنسا عن هذا اللون من الكلام الذي يغني فيه. ومن يدري لعله لو استمر على كتابة هذا النوع من الشعر وما يشبه الشعر لكان أكثر من كاتب القصص التمثيلي، ولأضاف إلى ذلك إنشاء الأوبرا والأوبريت، ولكن فرنسا فيما يظهر قد صرفته عن هذا اللون من القول.
وأنا أشكر للكاتب إشارته إليَّ وذِكْرَه أننا صِرْنا صديقين، ولكني لا أدري لماذا لم يبين كيف صرنا إلى الصداقة. ومن يدري لعل ذلك لأن طبعه أكبر من موهبته ومن جهده ومن أمله معًا؟
ويقول الكاتب: إنه قد ورث عن أبيه — رحمه الله — كثيرًا من الخصال؛ منها: إيثار كالاقتصاد في الإنفاق والقول، ولعله قد نسي خصلة أخرى، وإن كنت لا أدري عمن ورثها؛ وهي الاقتصاد في الحركة أيضًا.
فهو قليل الحركة لا يطيق إنفاق جهده في شيء غير الكتابة، ولعله لا يشق على نفسه وحدها في ذلك، وإنما يشق على غيره أيضًا، ولست أدري أكان أبوه — رحمه الله — تغريه وتسيطر عليه رؤية الدنانير، ولكني أعلم لأنه سجل ذلك في بعض كتبه. أعلم أنه كان يساوم ناشرًا للكتب، فلما رأى في يد هذا الناشر ورقة مالية لم يستطع أن يستمر في المساومة، وإنما أعطى الكتاب وأخذ الورقة ذات العشرة الجنيهات.
ولست أصدق ما يردده دائمًا من أنه يؤثر المال إلى حد البخل به، لا أصدق ذلك لأني جربت كرمه وسخاء يده في البذل، وقد قلت ذلك حين استقبلته في المجمع اللغوي، وإن كان قد عتب علي في ذلك بعد انتهاء الجلسة، معللًا عتبه بأن هذا القول قد يطمع فيه الناس، ويغري به أصحاب الحاجات.
وأنا على كل حال أهدي إلى الكاتب الصديق تهنئة خالصة، وشكرًا جميلًا؛ لأنه تفضل فلم يرسل إليَّ كتابًا من كتبه منذ سنين، فله الشكر كل الشكر، وإن كنت أرجو أن يأذن لي في أن آخذ شيئًا من هذا الشكر لأهديه إلى الصديق الكريم الذي أعارني هذا الكتاب.
Tag: literary criticism
-
سحر العمر بقلم الأستاذ توفيق الحكيم
-
أبو حيان التوحيدي
أبو حيان التوحيدي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
٢٨ نوفمبر ١٩٦٤
كتاب ممتع كل الإمتاع، هذا الذي تفضل بإهدائه إلي الأستاذ الدكتور أحمد الحوفي أستاذ الأدب العربي بدار العلوم.
فيه دراسة متقنة كل الإتقان، عميقة كل العمق، لكاتب من أعلام الكتاب في القرن الرابع للهجرة قلَّت العناية به أثناء حياته، وكثر الكلام عنه بعد وفاته. ولكن الذين كتبوا عنه في العصور الماضية لم يعنوا به حق العناية، وإنما ألموا به إلمامًا، منهم من يثني عليه لغزارة علمه وبراعة أدبه، ومنهم من يتهمه بالزندقة ظالمًا له في أكبر الظن. وإنما اشتدت به العناية في هذا العصر الحديث … فكتب عنه كثير من الباحثين، ولم يوفِّه أحد حقه من التعمق وحسن الاستقصاء كما فعل الدكتور أحمد الحوفي، فهو قد بذل أقصى ما يستطيع من الجهد، واحتمل أشد وأقسى ما يمكن أن يحتملَ باحث في بحثه حتى وفَّاه حقه، وبلغ في درسه غاية ما يستطيع الباحث أن يبلغ من الإتقان والاستقصاء. لم يدع كتابًا من كتبه التي وصلت إلينا إلا وقف عنده فأطال الوقوف وحلله فأحسن التحليل؛ فكان كتابه مثالًا لدقة البحث وحسن التحقيق.
وأخص ما يمتاز به هذا الكاتب أنه كان يائسًا في حياته، ضيقًا بالناس أشد الضيق، يكبر نفسه أعظم الإكبار، ولا يجد من معاصريه معنيًّا به أو ملتفتًا إليه، وكان ضيق الحال أقرب إلى البؤس والشقاء منه إلى السعادة والرخاء.
وكان ذلك يحزنه كل الحزن، ويوئسه من الناس والزمان أشد اليأس. ومع ذلك قد شارك مشاركة حسنة في كل ألوان المعرفة التي أُلِّفت في زمانه، فكان أديبًا متفلسفًا مشاركًا في فروع الفلسفة على اختلافها، وكان بارعًا في الكتابة مجودًا لها مفتنًّا فيها ما استطاع إلى الافتنان فيها سبيلًا. وقد حاول أن يجمع بين مذهب الذين عاصروه من الكتَّاب ومذهب القدماء من المترسلين، فاصطنع السجع كما اصطنعه معاصروه، وترسل كما كان الجاحظ يترسل؛ فكان يوشك أن ينفرد بهذا الجمع بين مذهب المعاصرين ومذهب القدماء المترسلين.
ولعله أسرف في الأمرين معًا حتى انتهى إلى ما يشبه الإملال في كتابته؛ لإسرافه في الجمع بين هذين المذهبين. وكان إلى ذلك راضيًا عن نفسه كل الرضا، ساخطًا على عصره كل السخط، يرى غيره من الكتاب والشعراء يعيش عيشة اليسر والرخاء، يتصلون بالوزراء والأمراء وأصحاب الثراء، فيظفرون منهم بالجوائز وألوان العطاء، وكان يحاول أن يصنع صنيعهم، فلا يكاد يبلغ شيئًا مما كان يريد.
وكان يعيش من صناعة لم يلبث أن ضاق بها أشد الضيق؛ وهي نسخ الكتب، وكانت صناعته هذه تتيح له حياة ضيقة قاسية، فحاول أن يتصل بالوزراء والسادة، فلم يظفر عند أكثرهم بشيء، وربما لقي منهم أشد الإعراض عنه والازدراء له. وقد حاول أن يجد الحظوة عند الصاحب ابن عباد، فلم يجد منه إلا الضيق به والإعراض عنه والازدراء له. وحاول ذلك عند أبي الفتح بن العميد فلم يصل عنده إلى شيء، واضطر آخر الأمر إلى أن يهجو هذين الوزيرين في كتاب أفرده لمثالبهما، وقد استيأس آخر الأمر من الناس، ولكنه لم يستطع أن يقنع بحياته الضيقة فاشتد سخطه، وانتهى إلى شيء من التشاؤم، ولعل هذا كله هو الذي دفعه إلى شيء من التصوف. طلب اليسر فلم يستطعه، فحاول أن يرتفع على اليسر والعسر معًا، وأن يأخذ نفسه بالزهد، وأن يفرغ لمحاولة الاتصال بالله. ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يصل إلى التصوف بمعناه الدقيق، وإنما كان متكلفًا في تصوفه لا تستطيع نفسه أن تزهد في سعة الرزق وطيبات الحياة، ولا يستطيع أن يبلغ من سعة الرزق وطيبات الحياة بعض ما كان يطمح إليه؛ فكان مضطربًا أشد الاضطراب، يتقلب بين القناعة التي لا تطمئن إليها نفسه، وبين الطمع الذي لا يُبَلِّغه أملًا ولا يحقق له رجاءً.
كان في أثناء ذلك يكتب الكتب ويذيعها ما وجد إلى إذاعتها سبيلًا، ولكن هذه الكتب على كثرتها لم تبلغه شيئًا مما كان يتمنى، فلما تقدمت به السن واستيأس من كل شيء ومن كل إنسان، انتهى إلى اليأس من كتبه أيضًا فحرقها؛ لأنها لم تجدِ عليه نفعًا، ولم تحقق له مأربًا، ولم ترغب فيه أحدًا من أصحاب الجاه والثراء، ولم ترشحه لجائزة ولم تيسر له سعة ذات اليد.
كره الناس فأبى أن يترك لهم كتبه لينتفعوا بقراءتها؛ لأنه هو لم ينتفع بكتابتها. والغريب أنه لم يكتف بكره الذين عاصروه، وإنما أضاف إلى الضيق بمعاصريه ضيقًا بالناس جميعًا على اختلاف أجيالهم وعصورهم. على أن سوء حظه لم يبلغه من تحريق كتبه ما كان يريد، فهو قد حرق ما كان عنده من هذه الكتب، ولم يخطر له أنه كان قد أذاع هذه الكتب، وأن بعض ما أذيع منها قد بقي حتى وصل إلينا، فنحن نقرؤه ونتقن دراسته كما فعل الأستاذ الدكتور الحوفي على كره أبي حيان؛ لأنه لم يستطع أن يجمع ما كان في أيدي الناس من كتبه، فحرق الأصول، وبقي ما بقي من النسخ التي تداولتها الأجيال إلى الآن، وستتداولها إلى آخر الدهر.
ولست أدري كيف أشكر للدكتور الحوفي جهده الخصب، فقد استمتعت بقراءة كتابه استمتاعًا لا حد له، أردت أن أقرأ منه شيئًا فإذا أنا أدفع إلى قراءته إلى آخر كلمة منه، ثم أعود إليه فأقرأ للمرة الثانية فصولًا منه؛ وذلك لأنه تعمق درس هذا الكاتب تعمقًا قل أن نرى مثله في هذه الأيام التي لا يعرف الناس فيها أناة في البحث ولا استقصاء للدرس، وإنما يلمون بالموضوعات التي يكتبون فيها إلمامًا، ويخطفون العلم والمعرفة خطفًا، ويرضون عن أعمالهم مع ذلك، ويضيقون بناقديها أشد الضيق، ولا كذلك الدكتور الحوفي الذي بدأ يدرس أبي حيان في كتاب نشره، ثم أراد أن يعيد طبعه، فأعاد النظر فيه قبل ذلك، وأحس حاجة كتابه إلى الإكمال والتجديد وحسن الإتقان؛ فحذف منه وأضاف إليه وجدد بعض فصوله، وغير في ترتيب هذه الفصول شيئًا، فخرج الكتاب في طبعته الثانية بالغًا أحسن ما كان يرجى له من حسن البحث وكمال الإتقان.
والدكتور الحوفي كغيره من الذين كتبوا عن أبي حيان معجب به أشد الإعجاب، ويوشك أن يفضله على الجاحظ كما فعل الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، ولكنه آثر الاعتدال، فوازن بينه وبين الجاحظ وأحسن الموازنة. ولعلِّي لا أوافقه ولا أوافق المعجبين بأبي حيان؛ لأني أجد في قراءة كتبه شيئًا من الملل، ذلك لأنه حاول أن يترسل كما ترسل الجاحظ فأسرف على نفسه وعلى قرائه في الترسل، وبلغ الإطناب الذي يضيق به القارئ أحيانًا.
ذلك إلى حرصٍ على السجع في كثير من المواضع، بحيث يبلغ الملل من قارئه، ومن الحق أنه لا يسرف في الاستطراد كما كان الجاحظ يفعل، ولكن استطراد الجاحظ كان يضيف إلى فائدة كتبه فوائد أخرى كثيرة.
والجاحظ بريء من إطناب أبي حيان، وهو بريء كذلك من إيثار السجع والغلو فيه كما يفعل أبو حيان. وإذا كان أبو حيان قد عاش في عصر بلغت فيه العلوم عند العرب أقصى ما كان يمكن أن ينتظر لها، على حين عاش الجاحظ في عصر كان يمتاز بالترجمة أكثر مما يمتاز بالابتكار كما يقول الأستاذ الحوفي، وكما قال من قبله الأستاذ أحمد أمين رحمه الله، فإن أبا حيان لم ينتفع بغزارة العلم والمعرفة في عصره من حيث الأسلوب، وإنما أراد أن يكتب كما كان القدماء يكتبون، فلم يبلغ من ذلك ما أراد.
وقد كان الجاحظ في كتبه أشد عناية بالأدب الخالص من أبي حيان، فأنت لا تجد في كتب أبي حيان مثل ما تجد عند الجاحظ من العناية بالأدب القديم والجمع بينه وبين الثقافة الأجنبية التي أخذ في ترجمتها في ذلك الوقت.
واقرأ كتاب «الحيوان» وكتاب «البيان والتبيين» وغيرهما من كتب الجاحظ ورسائله، فستجد فيها مزاجًا رائعًا حقًّا من الأدب العربي والثقافة المستحدثة. ولا سبيل للملل على نفسك حين تقرأ كتب الجاحظ، على حين يسرع إليك الملل حين تقرأ كتب أبي حيان؛ لإسرافه في الإطناب والجمع بينه وبين السجع في كثير من الأحيان. واقرأ إن شئت هذا النص من كتاب أبي حيان المعروف ﺑ «الإشارات الإلهية»:
يا هذا! الغريب من غربت الشمس جماله، واغترب عن حبيبه وعزاله، وأغرب في أقواله وأفعاله، وغرَّب في إدباره وإقباله، واستغرب في طمره وسرباله. يا هذا! الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة، ودل عنوانه على الفتنة عقيب الفتنة، وبانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة. الغريب من إن حضر كان غائبًا، وإن غاب كان حاضرًا. الغريب من إن رأيته لم تعرفه وإن لم تره لم تستعرفه.
أما سمعت القائل حين قال:
بم التعلل؟ لا أهل، ولا وطنولا نديم، ولا كأس ولا سكن؟
ولولا أن أغرقك في سأم لا تجد منه مخلصًا، لرويت لك إلى هذا النص نصوصًا أشد من هذا غلوًّا في الإطناب وإغراقًا في السجع، ولكنك تستطيع إن شئت أن تقرأ في أي كتاب من كتب أبي حيان التي بين أيدي الناس، فستجد نفس هذا الأسلوب فيها شائعًا مضطردًا.
وأين هذا من أسلوب الجاحظ وغيره من الذين عاصروه؟!
وأنا أحمد للدكتور الحوفي اعتداله في التقدير وإنصافه في الموازنة، وأحب أن أهنئه أصدق التهنئة بهذا الكتاب الرائع، راجيًا أن يهدي إلينا أمثاله بين حين وحين إن شاء الله. -
الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك
الدكتور چيفاجو … للكاتب الروسي باسترناك – هذه القصة لم تحارب الثورة الروسية
طه حسين
جريدة الجمهورية
١٠ فبراير ١٩٥٩
أما أنَّ القصة رائعة فائقة الروعة؛ فشيء لا يشك فيه إلا الذين لم يقرءوها ولم يتعمقوها، أو الذين تقصر أذواقهم عن إساغة الأدب الرفيع، ولكنها تحتاج في قراءتها وتعمقها إلى صبر أي صبر، وإلى الأناة كل الأناة، وربما احتاجت إلى أنْ تُقرأ مرتين أو أكثر من ذلك، وربما احتاجت إلى أنْ يعيد القارئ قراءة بعض فصولها غير مرة.
ومصدر ذلك أولًا: أنها طويلة شديدة الطول تتجاوز صفحاتها المئات الست، وأنَّ أشخاصها من الكثرة والاختلاف وتباين الأهواء والأمزجة بحيث يصعب على القارئ استحضارهم في ذهنه منذ يبدأ القصة إلى أنْ يتمها، ولأن أماكنها متباعدة أشد التباعد بمقدار ما يكون من التباعد في بلاد متنائية الأطراف، كالبلاد الروسية التي تختلف أقطارها في طبيعة الجو والإقليم واللغة والذوق وغير ذلك من العادات والتقاليد.
ولأنها آخر الأمر لا تقع في عام أو عامين أو أعوام قليلة، وإنما تبدأ في أوائل هذا القرن، وتنتهي عند ثلثه الأول، أو قبله، أو بعده بقليل. فكل هذا يفرق نفس القارئ، ويجعل جمع أحداثها في ذهنه عسيرًا أشد العسر … وأعترف بأني قرأتها للمرة الأولى ثم اضطررت إلى أنْ أعود إلى قراءة فصول مختلفة منها، وأنا بعد هذا كله عاجز عن تلخيصها.
وما أحسب أنَّ غيري من النقَّاد يبلغ من هذا التلخيص ما قصرت عنه لكل هذه الأسباب التي ذكرتها آنفًا … فحسبي إذن أنْ أصور الخصائص التي تمتاز بها هذه القصة من القصص الروسي المعاصر الذي أتيح لي أنْ أقرأه.
فالقصة تبدأ — كما قلت — في أوائل هذا القرن قبيل الثورة التي شبَّت نارها في روسيا سنة ١٩٠٥، وهي تحدثنا عن صِبْيَة يختلفون إلى المدارس، وعن أُسَر هؤلاء الصبية، وهي تصف لنا أدق الوصف وأقواه ما يضطرب في نفوس هؤلاء الصبية من الخواطر التي تثيرها الأحداث من حولهم، ولا سيما حين تمس أُسَرهم من قريب أو بعيد، وما تثيره في نفوسهم من الخواطر تلك الحركات الاجتماعية؛ حركات العمال حين يضربون عن أعمالهم فيملئون شوارع موسكو ضجيجًا وعجيجًا واضطرابًا، وحركات الشرطة حين تُفرِّق مظاهرات العمال ومظاهرات الطلاب أيضًا، وتأثير هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية الذين لم يبلغوا الثالثة عشرة بعد.
وهي حين تتعرض لأسر هؤلاء الصبية لا تقف عند تأثر هذه الأسر بالأحداث، وإنما تضطر إلى وصف حياة الآباء والأمهات، وتصوير سيرهم وأحاديثهم وحكمهم على الأشياء. وتتردد أصداء هذا كله في نفوس هؤلاء الصبية فتصوغها وتطورها وتحدث فيها ألوانًا مختلفة من التأثر، وإذا هم يفكرون في أشياء لم يتعود الصبية أنْ يُفكِّروا فيها، فيألمون ويحزنون بما لا يؤلم الصبية ولا يحزنهم عادة.
والقصة على هذا كله تصاحب هؤلاء الصبية في مدارسهم الأولى والثانوية، وفي الجامعة على اختلاف كلياتها، فهي تصحبهم من الصبا إلى أول الشباب حين تدهمهم الحرب العالمية الأولى فيدفعون إليها دفعًا … منهم من تفرضها عليهم سنهم، ومنهم من يتطوعون لحرب العدو حبًّا لوطنهم ودفاعًا عنه.
وتصور القصة أثر الحرب في حياة المدنيين المادية والمعنوية جميعًا … كما تصور عمل هؤلاء الفتيان في الميدان وبلادهم في الحرب حين تتقدم الجيوش الروسية، وحين تضطر إلى التقهقر. وفي أثناء ذلك تحدث الثورة الكبرى سنة ١٩١٧، فتصف القصة صدى هذه الثورة في الجيش، واضطراب الجند وضباطهم بين مصمم على القتال ومؤثر للسلم والعافية، حتى إذا وصلت أوامر الثورة إلى الجيش زاد اختلافهم وتفرقهم.
ثم يكون الصلح الذي انفردت به روسيا من دون حلفائها … ولكن الثورة قد أثرت في كل شيء في حياة الجنود المحاربين، وفي حياة المدنيين القلقين، وإذا الأمور كلها تختلط أشد الاختلاط، وإذا الناس بين مؤمن بالثورة، مخلص لها، مندفع معها حتى تبلغ ما رسمت لنفسها من غاية، ومنكر للثورة جريء على الإنكار، ومشفق من الثورة يخشى عواقبها ويخشى مقاومتها أيضًا. وقد أخذت الحياة تشق على الناس وتضيق بهم؛ طبيعة قاسية من جهة، وتعرض للجوع والبؤس من جهة أخرى، وفرار من المدينة إلى حيث يمكن أنْ تلين الحياة ويكفل الأمن.
وتتبع القصة بعض هؤلاء الفتية الذين عرفناهم في طور الصبا، فلا تفارقهم حتى تنتهي حياتهم أو تنتهي القصة عنهم وهم أحياء … منهم من هاجر إلى البلاد الأجنبية، ومنهم من أقام في وطنه واحتمل فيه من ألوان البؤس وفنون الشقاء والجهد ما لا سبيل إلى وصفه.
هذه هي الصورة المجملة أشد الإجمال لموضوع القصة، فهي اجتماعية بأدق معاني هذه الكلمة من جهة؛ لأنها تصف حركات الجماعات المؤيدة للثورة والمقاومة لها أبرع الوصف وأشده تفصيلًا، وهي مع ذلك فردية بأدق معاني هذه الكلمة أيضًا؛ لأنها تتبع هؤلاء الأفراد من الفتية الذين رأيناهم صبية، لا تفارقهم ولا تدع شيئًا مما يجري عليهم من الأحداث، أو يضطرب في نفوسهم من الخواطر، أو يعرض لهم حين يخلون إلى أنفسهم إلا صوَّرته أبرع التصوير وأدقه.
وهي تتبع من بينهم شخصًا بعينه هو الدكتور چيفاجو، لا تفارقه منذ ماتت أمه وهو صبي لم يتجاوز العاشرة، إلى أنْ مات هو في نضرة شبابه وقد بلغ الأربعين أو كاد يبلغها … تتبعه هادئًا ومضطربًا، وتتبعه خائفًا، وما أكثر ما كان يخاف، وآمنًا، وما أقل ما كان يأمن، وتتبعه محاربًا لخصوم الثورة على رغمه، وهاربًا من الحرب يترقب القبض عليه بين لحظة وأخرى.
وتتبعه مع أهله وقد تزوج فتاة عرفها صبيًّا، واقترن بها في أول شبابه، ثم تتبعه هاربًا معها، ثم تتبعه وقد أُخذ للحرب على غير علمها، ثم تتبعه وقد هرب من الحرب وعاد إلى بيته فلم يجد أهله؛ فرت زوجُه بابنها، ثم تتبعه آخر الأمر وهو ينعم — على الخوف أشد الخوف — بشيئين متناقضين أشد التناقض؛ ينعم بحياة الحب القوي إلى أقصى غايات القوة مع صديقة له عرفها أيام الصبا، وينعم إذا كان الليل بالفراغ إلى القلم والقرطاس يلقي إليهما ما يملأ نفسه من الشعر والنثر؛ فهو طبيب بارع، ولكنه أديب ممتاز في الوقت نفسه.
وتتبعه آخر الأمر، وقد عاد إلى موسكو بعد أهوال أي أهوال، فجعل يصدر فيها رسائل يقرؤها الناس ويتحدثون عنها، ثم يعيش بعد ذلك عيشة فارغة لا معنى لها ولا غاية.
ثم يهبط من الترام ذات يوم ليسقط ميتًا قد وقف قلبه عن الحركة فجأة، وقد تجمع الناس حوله ومرت سيدة فوقفت ونظرت ثم مضت لشأنها، ولكنها لا تلبث أنْ تعلم شخص هذا الصريع، وإذا هي صديقته تلك التي عاش معها في أقصى الشرق ناعمًا بالحب والأدب معًا، فتعود إليه بعد أنْ نُقل إلى داره، وتخلو إلى جثمانه فتحدثه بما اختلف عليها من الأهوال منذ فارقته في أقصى الشرق، ثم لا تدعه حتى يُوارى في قبره.
وإذا انتهت القصة على هذا النحو الرائع المروع معًا، ألحق الكاتب بها شيئًا من شعر الدكتور الفقيد، ولست أتحدث عن هذا الشعر؛ لأني قرأته مترجمًا إلى الفرنسية، وما أكثر ما تُضيع الترجمة روعة الشعر، ولا سيما حين يترجم إلى شعر مقيد بالوزن والقافية أو محرر منهما.
ولأعد إلى القصة نفسها بعد أنْ عرضت ما استطعت أنْ أعرضه عليك من موضوعها، وأعود إليها لأقف وقفات قصار عند بعض خصائصها التي تفيض عليها جمالها الرائع، وقوتها المروعة.
فهي تتحدث عن جيل من الروسيين نشئوا قبل الثورة، وأدركتهم الثورة في أول شبابهم، ثم عاشوا معها حتى استقر منها ما كان مضطربًا، وحتى أمنت أعداءها واستطاعت أنْ تنتصر عليهم، وحتى فرغت لحياة روسيا الداخلية والخارجية تقيم بناءها على نظمها الجديدة بعد أنْ ملأت قلوب الناس روعًا، وعرَّضتهم وتعرضت معهم لمشكلات شداد إلى أقصى غايات الشدة. وصاحب القصة لا يصور حقائق الثورة، وإنما يعنى قبل كل شيء بآثارها في نفوس الناس، وفي نفوس الذين لم يؤمنوا بها خاصة، وإنما اضطروا إلى الإذعان لها اضطرارًا.
وقد قرأت قبل هذه القصة قصة أخرى أطول منها للكاتب الروسي المعاصر، ألكس تولستوي، عني فيها صاحبها بتصوير الثورة نفسها، وتصوير آثارها في نفوس المؤمنين بها الذائدين عنها، الباذلين في سبيل ذلك نفوسهم ودماءهم وراحتهم في غير تردد ولا فتور، وتصور كذلك مقاومتها لأعدائها من الروسيين ومن الأجانب.
ووجدت في تلك القصة روعة أي روعة، وجمالًا أي جمال، وهي أطول من قصة باسترناك؛ لأنها تقع في مجلدات ثلاثة، ولكنها توشك أنْ تقتصر على وصف الثورة ومقاومتها، وإيمان أصحابها بحقائقها وغاياتها، وجهودهم الهائلة في حرب الذين قاوموها؛ فهي إلى أنْ تكون تاريخًا للثورة أقرب منها إلى أنْ تكون تاريخًا لنفوس هؤلاء الناس الذين فرضت عليهم الثورة، فلم تستجب لها قلوبهم، وإنما أذعنوا لها كارهين، ولقوا من أهوالها شيئًا كثيرًا.
وهذا هو الفرق بين طريق العذاب، وهي القصة التي كتبها ألكس تولستوي، وبين الدكتور چيفاجو، وهي القصة التي نتحدث عنها والتي كتبها باسترناك، ومن الناس من يقول: إنَّ هذه القصة معادية للثورة الشيوعية، وإنَّ الذين أعطوا صاحبها جائزة نوبل إنما أعطوه هذه الجائزة لأنه خاصم الثورة الروسية.
ولكني لا أرى هذا الرأي فقصة باسترناك هذه لم تكتب محاربةً للثورة أو مقاومة لها، ولو كتبت لهذا الغرض ما استطاع صاحبها أنْ يجد أمنًا ولا دعة، ولا أنْ يعيش — كما عاش — إلى الآن هادئًا مطمئنًا، وإنما كتبت القصة لتصور تصويرًا واقعيًّا لا تزيُّد فيه أثر الثورة وما أحاط بها من الظروف، وما ستنبعث من الأهوال في نفوس الذين لم يشاركوا فيها ولم يؤمنوا بها، وإنما ذعنوا لها لأنهم لم يريدوا ولم يستطيعوا أنْ يصنعوا شيئًا غير هذا.
وما أكثر الذين كتبوا القصص والذين كتبوا التاريخ، وصوروا في قصصهم أو في تاريخهم أهوال الثورة الفرنسية الكبرى! وما سفك فيها من دماء، وما أزهق فيها من نفوس، وما ذاق فيها الناس من ألوان الجهد والشدة والبؤس والحرمان، دون أنْ يكونوا للثورة خصومًا أو أعداء، وإنما صوروا حقائق قد وقعت وكانت في حاجة إلى من يصورها!
فكذلك باسترناك صور أهوال الثورة الروسية الكبرى وشقاء بعض الناس بها، وبالظروف التي لابستها، وليس في هذا عداء للثورة أو خصام لأصحابها، وإنما هو تصوير لحقائق واقعة ليس من وقوعها بد حين تضطر الثورة إلى مثل ما اضطرت إليه الثورتان الفرنسية والروسية من حماية نفسها مهما يكلفها ذلك ويكلف الناس من حولها.
ولست أعرف كاتبًا روسيًّا صور الهلع والفزع والجزع الذي يملأ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم ويملك عليهم أمرهم كله كما صوَّر ذلك صاحبُ هذه القصة، فإذا كان الذين انتصروا في الثورة الروسية وثبتوا أصولها ومضوا بها إلى غايتها أبطالًا؛ فالذين احتملوا أهوال هذه الثورة أبطال أيضًا؛ لأنهم شقوا كما لا يشقى الناس، وذاقوا من البؤس والجوع ومن قوة الطبيعة أهوالًا نقرؤها فلا نكاد نحققها، ولا نكاد نصدقها؛ لأنها بلغت من القسوة والشدة وامتحان النفوس ما لا يصدق إلا بعد جهد أي جهد.
ولست أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر قسوة الطبيعة حين يشتد الشتاء، وينهمر الثلج، وتجمد الأنهار، وتنقطع حركة المواصلات، ويهلك الزرع قبل أنْ يؤتي ثمره، ويشقى الناس بهذا كله لا يجدون ما يأكلون، ولا ما يلبسون، ولا ما يدفعون به عن أنفسهم هذا البرد القارس، وهم مع ذلك خائفون قد ملأ الهول قلوبهم، واستأثر اليأس من الحياة بنفوسهم؛ فهم ينتظرون أنْ يؤخذوا في كل لحظة ليقدموا إلى الموت أو ليقدم إليهم الموت، وهم لا يسمعون نبأة ولا يحسون حركة ألا ظنوا أن قد أقبل الذين سيأخذونهم ويمضون بهم إلى حيث لا يعودون، وليس منهم ألا من يفكر في صبي سيتعرض بعده للهول، أو في زوج ستشقى بعده ألوان الشقاء.
لا أعرف كاتبًا روسيًّا معاصرًا صوَّر هذا كله كما صوَّره باسترناك في هذه القصة، ولا أعرف أيضًا كاتبًا صوَّر جمال الطبيعة حين يقبل الربيع، وتشرق الشمس، وتعود الحياة إلى كل شيء إلا إلى هذه النفوس الوجلة التي لا تفكر أو لا تكاد تفكر إلا في مصاعب الحياة ومشكلاتها، وفي هذا الموت الذي يوشك أنْ ينقض عليهم فيختطف منهم عائلًا أو حبيبًا.
ولا أذكر أني قرأت تصويرًا لحركة الجماعات في الخوف والأمن، وفي السخط والرضى، كما قرأته في هذه القصة، ولا أعرف أحدًا وصف حياة الهاربين في القطارات التي تمضي بهم لتقف حتى ييأسوا، أو يوشكوا أنْ ييأسوا من حركتها، وهم مع ذلك يهربون من الموت أو مما يشبه الموت.
كل هذا تجده في هذه القصة، بل أنت واجد فيها أكثر جدًّا من كل هذا، بشرط أنْ تقرأها صابرًا نفسك على قراءتها، وفارضًا على نفسك ألا تتحول عنها أثناء القراءة قيد إصبع لخاطر يعرض لك أو شيء يجري من حولك، بل أنت ملزم — إنْ شئت قراءتها والاستمتاع الصحيح بها — أنْ تقصر عليها أثناء القراءة عقلك وقلبك وذوقك جميعًا. وسترى — إنْ فعلت ذلك — أنك ستربح متعة قلَّما تربح بمثلها في قراءة كتاب. -
شعر الرعاة
شعر الرعاة
طه حسين
؟؟
٧ مايو ١٩٥٨
إن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه لا تخلص لهؤلاء الرعاة.
هذا كتاب قيِّم ممتع يشكر صاحبه أصدق الشكر وأجمله لما بذل في تأليفه وترجمة نصوصه من الجهد والوقت، وما احتمل في ذلك من المشقة والعناء.
ويشكر لإدارة الثقافة العامة في وزارة التربية والتعليم نشره على الناس أولًا؛ لأن من حق اللغة العربية أن تعنى به وبأمثاله مما يصور روائع الأدب اليوناني القديم، وثانيًا لأن من الحق على الأدباء والمتأدبين من العرب أن يقرءوا هذه الآداب ليمتعوا بها أنفسهم، ويثقفوا بها عقولهم وقلوبهم وأذواقهم، وأخيرًا لأن من الحق علينا أن نجدد سنة العرب الأولين ونترجم الآداب القديمة على اختلافها ما استطعنا إلى ترجمتها سبيلًا؛ فقد أقام العرب الأولون حضارتهم الرائعة على ترجمة الثقافات القديمة، فعرفوا ثقافة اليونان والهند والفرس في الشرق، وأضاف أهل المغرب إلى هذه الثقافات ثقافة الرومان؛ ترجموها من اللغة اللاتينية إلى لغتهم العربية.
والأولون من العرب لم ينتفعوا وحدهم بهذه الثقافات، وإنما نفعوا بها الأمم التي خضعت لسلطانهم، ثم نفعوا بها أممًا أخرى لم تذعن لحكمهم؛ وهي الأمم الأوروبية الغربية التي أخذت عنهم الطب والفلسفة والرياضة في القرون الوسطى. وتغلُّب الأعاجم على سلطان العرب في تلك العصور البعيدة هو الذي أصاب الهمم بالفتور والقصور، فوقف المضي في الترجمة، وانتهى آخر الأمر إلى أن وقف الانتفاع بما كان قد ترجم. وقد أراد الله لعلمائنا وفلاسفتنا أن يقاوموا فتور الهمة وكلال الجد، وأن يدرسوا الثقافات الأجنبية ويسيغوها ويضيفوا إليها من عند أنفسهم، حتى تركوا لنا هذا التراث الرائع الذي نعتز به في غير فهم له، ونعتدُّ به في غير فقه لحقائقه ودقائقه، حتى إذا اتصل التغلب الأعمى على العرب، وأصبح شاملًا، وأطبق على الأقطار العربية كما تطبق الظلمة الكثيفة فتحجب النور.
هنالك عم الركود، وخمدت جذوة الثقافة، وأصبح الأخلاف يجترون قليلًا من آثار الأسلاف لا يبلغون أعماقها، ولا يضيفون إليها شيئًا ذا بال.
وأدركنا هذا العصر الحديث فرأينا الغرب الأوروبي قد تفوق في العلم والأدب والفن وألوان الفلسفة، فأقبلنا عليه ندرس ما عنده، وننقل ما يتيسر لنا النقل من آثاره، ولم ننس إلا شيئًا واحدًا، وهو أن تراثنا القديم الذي أهملناه قد كان الأساس الأول لنهضة الغرب وأمتنا؛ سُنَّة الأولين الحميدة في ترجمة الثقافات القديمة، وإذا نحن عيال على الغرب في كل ما يثقف العقل، ويهذب الطبع، ويصفي الذوق، ويذكي القلب، وإذا نحن ننسى أو نوشك أن ننسى تراثنا القديم، فلا يفكر فيه إلا القليلون من العلماء الذين يفرغون له ويعكفون عليه، ويحتملون في سبيل ذلك كثيرًا من العبث بهم والسخر مما يصنعون.
ثم أعرضنا إعراضًا تامًّا عن الآداب القديمة، بل عن الثقافات القديمة كلها، فلا نترجم منها شيئًا، ولِمَ نترجمها وقد ترجمها الأوروبيون إلى اللغات التي نعرفها من لغات أوروبا؟ فلنَقْرَأها في تلك الترجمات إن احتجنا إلى قراءتها، ولا بأس على كثرة المثقفين من أن تُجهل هذه الثقافات جهلًا مطبقًا كثيفًا.
على أن قلة من المصريين قد أخذت تفكر في هذه الثقافات القديمة، وتذكر أنها أصل ثقافتنا العربية، وأصل الثقافة الأوروبية الحديثة أيضًا، ولم تكد هذه القلة القليلة تُظهر العناية بشيء من الثقافة اليونانية حتى أخذ الناس يتندرون بها، ويتحدثون عنها وعلى ثغورهم هذه الابتسامات الساخرة التي يُحسِن المصريون رسمها على الثغور. وإني لأذكر سياسيًّا من كبار ساستنا في العهد الماضي القريب كان يسمى أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد صاحب الكون والفساد؛ لأنه عني بترجمة كتب لأرسطاطاليس.
لست أنسى أني كنت أطلب بإلحاح أن تدرس اللغة اليونانية في جامعتنا المصرية القديمة، فقال لي عضو من أعضاء مجلس الإدارة لتلك الجامعة — رحمها الله ورحم أيامها — قال لي: أكل ما أتيت به من أوروبا هو أن تطالب بتعليم لغة البقالين في الجامعة. ثم ضحك وضحك معه الأعضاء، وضحكت أنا معهم أيضًا.
وقد بعدت عن الكتاب الذي أريد أن أتحدث عنه اليوم؛ فلأعد إليه، وهو كتاب يسير صغير الحجم لا تتجاوز صفحاته العشرين والمائة، ولكنه على ذلك امتحان خطير جدًّا لذوق الأدباء والمتأدبين في هذه الأيام؛ فهو يتحدث إليهم عن عصر الإسكندرية أيام البطالمة؛ أي منذ أكثر منذ ألفي سنة، ويتحدث عن ازدهار الثقافة اليونانية في هذه المدينة التي كانت عاصمة العالم المثقف، والتي انتشر منها العلم والحضارة اليونانية في أقطار الشرق، والتي حفظت من آثار اليونانيين أشياء قيِّمة ما زال الغرب الأوروبي يعنى بها أشد العناية، ويحتفل بها أعظم الاحتفال.
ومؤلف هذا الكتاب قد وقف حياته على درس اللغتين القديمتين اليونانية واللاتينية وآدابهما. بدأ درسه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وأتمه في جامعة باريس، وهو الآن يعلمهما في الكلية التي درس فيها. وقد عني عناية خاصة بالأدب الإسكندري، وهو يعرض علينا في هذا الكتاب الصغير الكبير حياة شاعر من شعراء الإسكندرية وشيئًا من شعره. وهذا الشاعر هو ثيوقريط الذي نشأ في صقلية، وألمَّ بمدن يونانية مختلفة ثم استقر بالإسكندرية؛ لأنه وجد في قصرها الملكي ما كان يطمح إليه من الخفض والدعة والنعيم.
والمؤلف يعرض علينا في إيجاز حسن خصائص الشعر الإسكندري عامة، وخصائص شعر ثيوقريط خاصة، ويبين لنا تأثير هذا الشاعر في الشعراء الذين جاءوا بعده من اليونان، وفي الشعراء الرومان وكبيرهم فرجيل، ثم يقدم إلينا نماذج من شعر ثيوقريط في فن خاص من فنون الشعر يظهر أنه استحدث في الأدب الإسكندري أولًا، ثم انتقل منها إلى بعض مدن اليونان وإلى الرومان في إيطاليا، وهو الفن الذي يسميه المؤلف: شعر الرعاة؛ أي الشعر الذي يصور حياة الرعاة في الريف وفي الجبال والغابات، ويعرض لوصف قطعانهم ومراعيها ومواردها من الأنهار والجداول والينابيع، ويصور بنوع خاص ما يعرض لهؤلاء الرعاة من العواطف والميول والأهواء، وما يلمُّ بقلوبهم من الحب فيسعدهم قليلًا ويشقيهم كثيرًا، وما يكون بينهم من التفاخر بقطعانهم وما تنتج من الألبان، وكل ما ينتج من الألبان كذلك.
ومعنى هذا كله أن هذا الفن من الشعر مقصور على حياة الطبيعة خارج المدن، ولكن الطبيعة عند هذا الشاعر وتلاميذه من اليونان والرومان لا تخلص لهؤلاء الرعاة؛ لأن الآلهة اليونانية والرومانية تحب هذه الطبيعة وتألفها، وتكثر الاتصال بها، ومخالطة الرعاة، والتدخل في حياتهم بما يسعدهم ويشقيهم. ومن أجل ذلك يكثر ذكر الآلهة في هذا الشعر، ويكثر كذلك ما يروي فيه من أساطير، وهو كما ترى غريب بالقياس إلينا كل الغرابة، فليس في شعرنا ما يفرغ فيه الشعراء لوصف هذه الطبيعة في يسرها وسذاجتها وحياتها الخشنة واتصال الآلهة بها، وليس للعرب أساطير يتناقلونها من آلهتهم أيام الوثنية. ولم ينكر أن آلهة العرب الوثنيين يخالطون الناس، والرعاة منهم خاصة، في حياتهم المألوفة، على حين كان هذا كثيرًا شائعًا عند اليونان، وعند الرومان بعد أن درَس شعراؤهم اللغة اليونانية وآدابها.
ومن أجل أن هذا الشعر غريب بالقياس إلينا أشد الغرابة، قلت: إن هذا الكتاب امتحان خطير لذوقنا الحديث؛ لأننا لم نألفه في أدبنا، ولا في عاداتنا القديمة أو الحديثة، وقد يقال: لِمَ لم يترجم العرب في عصورهم الأولى شيئًا من هذه الآداب اليونانية القديمة؟ والجواب يسير جدًّا؛ فالعرب لم يعرفوا هذه الآداب، ولو قد عرفوها لترجموا منها شيئًا، ولتأثر شعرنا بهذه الترجمة، والعرب لم يعرفوا هذه الآداب لأن المسيحية البيزنطية كانت تكرهها، وتصد عنها، وتحرم قراءتها ودرسها؛ لكثرة ما فيها من ذكر آلهة الوثنية.
وبمثل هذا الجواب يرد على الذين يسألون: لمَ يترجم العرب التمثيل اليوناني؟! فلمْ يخلُ التمثيل اليوناني من ذكر الآلهة، وكثيرًا ما كان الآلهة يمثلون شخصيات كبيرة في المسرحيات اليونانية.
ولست أدري أيذوق الأدباء والمتأدبون منا هذا النحو من الشعر، أم يصدون عنه ويزهدون فيه؟ ولكني أعلم حق العلم أن من الحق عليهم أن يقرءوه ويكثروا من قراءته، ويطلبوا إلى الذين يحسنون اللغات القديمة أن يترجموا لهم من هذه الآداب أعظم قدر ممكن. إنهم يقرءون الآداب الغربية الحديثة لأنهم يجدون في قراءتها متاعًا، ويجدون فيها ثقافة، ويجدون فيها قربًا من ذوقهم، ولكن من الحق عليهم أن يقرءوا الآداب القديمة أيضًا؛ فهي أصل الآداب الحديثة، وفيها ثقافة كثيرة لا شك في ذلك، وفيها متاع للذين يألفونها بكثرة قراءتها. والغريب لا يُترك لأنه غريب، وإنما يدرس ويعرف ويؤلف كذلك. تدعو إلى ذلك غرابته كما يدعو إلى ذلك أن الإنسان المثقف، والأديب خاصة، جدير أن يحب الغريب، ويسعى إلى استكشاف غرابته وإلى إلْفِه، ولو ترك الناس كل غريب لأنه غريب ما عرفوا شيئًا.
وكم كنت أحب أن أورد في هذا الحديث شيئًا من هذه النماذج الممتعة التي عرضت في هذا الكتاب! ولكني أخشى أن أسرف في الإطالة، والكتاب بعد ذلك قريب المنال يستطيع كل إنسان أن يقرأه.
وفي الكتاب هنات قليلة تتصل باللغة، وأنا أوثر للذين يترجمون الشعر خاصة أن يحرصوا على صفاء اللغة ونقائها، ولست أمثل لهذه الهناة إلا بمثال واحد تجنبًا للإطالة أيضًا.
فالمترجم يصطنع في صفحة ٧٧ كلمة «التريض». خيل له أنها تأتي من الرياضة، ومن الرياض، ونسي أن الياء في هذه الكلمات كلها أصلها الواو، والفعل راض يروض، والرياض جمع روضة، والخير أن يصطنع المترجم لفظ «التروض» بالواو لا بالياء.
ومهما يكن من شيء، فالجهد في هذا الكتاب قيِّم خصب، والكتاب نفسه ممتع رائق، وأنا أهدي إلى المؤلف أصدق التهنئة وأخلصها، وأرجو أن يُكثِر من هذه الكتب، وأن يَكثًرَ إخوانُه الذين يُحسنون هاتين اللغتين من ترجمة الآداب اليونانية واللاتينية؛ فإنهم يؤدون بذلك إلى مواطنيهم أعظم النفع، ويزيدون أدبنا العربي خصبًا ونماء. -
في الذوق الأدبي
في الذوق الأدبي
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣ أبريل ١٩٥٧
كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …
وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.
ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.
ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.
ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.
الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.
المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.
التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.
التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!
الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.
الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.
نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.
المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله. -
أصداء النيل
أصداء النيل
للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
طه حسين
جريدة الأهرام
١٣ مارس ١٩٥٧
أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.
هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.
بدوي النشأة
ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.
وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».
الجزء الأول
وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.
كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.
هذا الجهد
وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.
واقرأ معي هذه الأبيات:
طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
القافية التامة
وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:
قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.
وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.
شطره الأخير
وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.
وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.
يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:
ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.
وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.
مر الليالي
وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.
كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.
والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.
وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.
الشعراء يرضون
فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»
وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.
بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
وفيها يقول:
اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:
أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.
وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.
ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.
وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.
فاسمع له كيف يقول:
مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.
ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.
وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.
واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.
وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟
فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.
والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:
على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!
وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.
وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.
أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.
وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.
وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.
وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.
ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.
ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.
والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.
والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:
وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:
إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا. -
أدبنا العربي أدب عالمي …
أدبنا العربي أدب عالمي … من الحمق أن يُقال إن أدبنا أدب محلِّي
طه حسين
مجلة الهلال
مارس ١٩٥٧
عُقِدَ في سبتمبر الماضي بدمشق المؤتمر الثاني لأدباء العرب، وكان من بين المحاضرات القيِّمة التي أُلْقِيَتْ فيه هذه المحاضرة النفيسة التي ننشر منها هذه الصفحات.
ما هو الأدب العالمي؟
أول شيء أُحِبُّ أن نتساءل عنه هو معنى هذه الكلمة «الآداب العالمية»، والذي يُراد بهذه الكلمة، وما الذي يفهمه الناس منها؟
أحب — قبل كل شيء — أن أنحِّي فكرة شائعة في هذه الأيام، فكرة شائعة مصدرها وَهْم قديم آنَ له أن تنجلي عنا غُمَّته؛ فالأدب العالمي عند كثير من الناس في هذه الأيام إنما يدل على هذه الآداب التي تُقرَأ في كثير من البلاد ومن البلاد الغربية الأوروبية والأمريكية خاصة؛ ذلك لأن هذه البلاد قد عرفها الناس في هذه العصور قوية متسلطة ناشرة قوتها وسلطانها على كثير من أقطار الأرض؛ فهم يشعرون بأن الآداب التي تُقرَأ في بلاد هذه الدول القوية هي الآداب العالمية. فالأدب الإنجليزي مثلًا أدب عالمي لأنه يُقرَأ في بلاد كثيرة، يُقرَأ في بريطانيا العظمى ويُقرَأ في الولايات المتحدة الأمريكية ويُقرَأ في بلاد الدمنيون، ثم يُترجَم إلى اللغات الأوروبية المختلفة.
فهو أدب عالمي لا شك في ذلك، ولكننا نظن أو لا يزال بعضنا يظن أن أدبنا العربي لأجل أن يكون عالميًّا يجب أن يُقرَأ في مثل هذه البلاد التي تُقرَأ فيها تلك الآداب الإنجليزية.
ومثل هذا يُقال بالقياس إلى الأدب الفرنسي، وإلى الأدب الألماني، وإلى الأدب الإيطالي، وإلى الأدب الروسي مثلًا. كل هذه الآداب عالمية لا شك في ذلك؛ لأنها تُقرَأ بنصوصها في بلاد كثيرة وتُترجَم إلى لغات بلاد كثيرة فهي آداب عالمية، إنما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه منذ الآن هو أن نظن أن أدبنا لن يكون عالميًّا إلا إذا قُرِئَ في تلك البلاد.
الأدب العالمي هو الأدب — فيما أعتقد — الذي تعيش عليه أجيال كثيرة في أقطار كثيرة من الإنسانية؛ فالأدب العالمي ليس هو أدب الذي يملك البأس والقوة والسلطان، ولكنه هو الأدب الذي يكسب قوته وسلطانه على النفوس وانتشاره في أقطار الأرض من طبيعته هو لا من قوة تأتيه من البأس السياسي أو من القدرة الاقتصادية أو من أي مصدر من هذه المصادر التي تتيح للأمم أن تكون قوية متسلطة.
فهل أدبنا العربي على هذا النحو، هل أدبنا العربي عالمي؟ وما مكانته بين هذه الآداب العالمية؟
وواضح جدًّا أننا عندما نتحدث عن الأدب العربي لا نستطيع أن نتحدث عن أدب عصر بعينه، وإنما يجب أن نتحدث عن الأدب العربي في جملته، عن الأدب العربي منذ كان إلى حيث هو الآن.
الأدب العربي القديم عالمي
فالشيء الذي ليس فيه شك أن أدبنا العربي في عصوره الأولى كان أدبًا عالميًّا كأرقى وأقوى ما تكون الآداب العالمية، هذا لا يختلف فيه اثنان ولا يجادل فيه إلا المحمقون، كذلك إن هذا الأدب العربي — وأريد بالأدب معناه العام — الأدب الذي يُصوِّر إنتاج العقل الإنساني في أمة من الأمم.
هذا الأدب العربي ولغته العربية كان مصدر حياة خصبة قوية دائمة لأمم كثيرة في الأرض؛ فهو لم يكد يتجاوز جزيرة العرب منذ العصور القديمة حتى ظهور الإسلام، لم يكد يتجاوز هذه الجزيرة حتى تأثرت به أمم أخرى غير الأمة العربية، وبعد ظهور الإسلام فرض نفسه على العالم القديم كله تقريبًا، فهو قد كان أدب الأمة الإسلامية لا أدب الأمة العربية بمعناها الدقيق، بل أدب الأمم التي خضعت للدولة الإسلامية مهما تكن لغات هذه الأمم ومهما تكن خصائصها.
وأحب أن ألفت إلى فكرة بسيطة، مقارنة بين الأدب العربي والأدبين القديمين العظيمين الأدب اليوناني والأدب اللاتيني؛ فقد كان الأدب اليوناني في العصور القديمة عالميًّا، وعسى أن يكون أول أدب يستحق هذا الاسم؛ ذلك أنه لم يقتصر على الأمة اليونانية التي كانت تنتجه وتستمتع به، بل إنما تجاوز حدود البلاد اليونانية، ولا سيما بعد أن انتشر سلطان اليونان في الشرق بعد أن فتح الإسكندر ما فتح من البلاد.
وظل هذا الأدب اليوناني، وظلت الثقافة اليونانية واللغة اليونانية قوام حياة الإنسانية المتحضرة أكثر من عشرة قرون، وبهذه الطريقة يمكننا أن نقول إن الأدب اليوناني هو الأدب العالمي الأول من الناحية التاريخية؛ ففي الأرض أمم بسطت سلطانها على الإنسانية قبل الأمة اليونانية، ولكنها لم تستطع أن تصل بهذا السلطان إلى أكثر من السلطان السياسي المادي، ولم تصل إلى أعماق النفوس ولا إلى دخائل القلوب، ولم تحمل أفرادًا وجماعات من غيرها على أن يتكلموا لغتها ويشاركوا في إنتاجها، على حين استطاع الأدب اليوناني أن يصنع هذا كله، فشارك في الإنتاج باللغة اليونانية قوم لم تكن بينهم وبين اللغة اليونانية صلة من قبل.
فرضت اللغة اليونانية نفسها بالسياسة أولًا، وثانيًا بقوة هذه اللغة وقوة آدابها وثقافتها، فاتخذوها لأنفسهم ولقلوبهم ولعقولهم لغة شاركوا في إنتاجها الأدبي كأنهم كانوا من الأمة اليونانية نفسها.
وبرغم هذا كله، وبرغم ما أُتِيحَ لهذا الأدب اليوناني من السيطرة على الشرق القديم كله، مهما تختلف الأمم التي كانت تعيش في الشرق القديم، برغم هذا كله لم يستطع الأدب اليوناني أن يفرض لغته على الشعوب بحيث تتخذ هذه اللغة لغة حياتها اليومية، وإنما فرض لغته وأدبه على طائفة بعينها هي طائفة الذين يعملون في السياسة، وطائفة الذين يعملون في الشئون الثقافية والعلمية.
وظل المصريون مثلًا يتحدثون لغتهم التي تطورت فيما بعد إلى اللغة القبطية، وظل أهل الشام يتحدثون لغتهم الآرامية على اختلاف لهجاتها، وظل أهل العراق يتحدثون لغتهم الآرامية أو ما انتهت إليه لغتهم البابلية والآشورية القديمة، وظل الفُرْس يتحدثون لغتهم الفارسية، وفي أثناء هذا كله وُجِدَتْ طوائف من العلماء والأدباء تعلمت اللغة اليونانية، وشاركت في درسها وفي إنتاجها، وشاركت في الإنتاج الأدبي نفسه قليلًا أو كثيرًا.
لم تستطع اللغة اليونانية، على قوة الإسكندر وعلى قوة القادة والملوك الذين خلفوا الإسكندر وعلى قوة الدول التي نشأت عن فتوح الإسكندر، لم تستطع هذه اللغة أن تؤثر في حياة الشعوب تأثيرًا عميقًا حقًّا، فظلت الشعوب محتفظة بكثير من لغاتها، محتفظة بلغاتها المختلفة، وكانت اللغة اليونانية لغة السياسة ولغة الثقافة ليس غير.
وجاء الرومان بعد اليونان ففرضوا لغتهم على غرب أوروبا ولم يستطيعوا أن يقاوموا اللغة اليونانية في الشرق، ظلت اللغة اليونانية هي لغة السياسة في الشرق وظلت الشعوب محتفظة بمقوماتها ومحتفظة بلغاتها، تنتج في لغاتها وتنتج في اللغة اليونانية أحيانًا، ولكنها احتفظت بمقوماتها كاملة، ولم تستطع اللغة اللاتينية على قوة الجمهورية الرومانية وعلى بأس السلطان — سلطان الإمبراطورية — لم تستطع اللغة اللاتينية أن تفرض نفسها إلا في غرب أوروبا في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا؛ لأن هذه البلاد لم تكن لها في تلك الأوقات حضارة بارزة.
أما لغتنا العربية، فإنها لم تكد تتجاوز الجزيرة قبل الإسلام حتى تكلمها كثير من أهل الشام قبل الفتح الإسلامي، وتكلمها كثير من أهل العراق قبل الفتح الإسلامي أيضًا، فكانت لغة حديث إلى جانب اللغات الأخرى التي لم تستطع اللغة اليونانية أن تمحوها ولا أن تضعفها.
وبعد الإسلام، وبعد أن انتشر القرآن الكريم في البلاد التي فُتِحَتْ، نظرنا فإذا الأمور تتغير حقًّا، وإذا التاريخ يأخذ طريقًا جديدة لم نعرفها من قبل، وإذا هذه اللغات التي قاومت اللغة اليونانية والسلطان اليوناني وقاومت اللغة اللاتينية وسلطان الرومان لا تثبت للغة العربية، لا لأن السلطان العربي فرض على الناس أن يجهلوا لغتهم وأن يتخذوا اللغة العربية لغة لهم، بل لأن هذه اللغة العربية تمتاز بشيء من قوة الطبيعة وتمتاز بشيء من السحر الخاص الذي ينفذ إلى القلوب ويسيطر على العقول ويستأثر بملكات الناس.
وكذلك لم يأتِ القرن الثاني ولم ينقضِ هذا القرن حتى كانت اللغة العربية هي لغة الشعوب في كثير من أقطار الأرض في العراق، والشام، ومصر، وشمالي أفريقيا، وفي إسبانيا أيضًا.
تفوق اللغة العربية
أصبحت اللغة العربية لغة حديث ولغة علم وأدب وثقافة في البلاد الفارسية، ووصلت في تلك الأوقات إلى بلاد الهند أيضًا وإلى جزر المحيط كذلك. ثم ننظر فإذا هذه اللغة العربية لم تستطع أن تكتفي بالانتشار وبأن تصبح لغة عامة للثقافة والسياسة والأدب والحديث، ولكنها استأثرت بهذه الشعوب أو بأكثر هذه الشعوب استئثارًا تامًّا، وإذا اللغات التي ظلت حية مقاومة لليونان والرومان والفرس من قبل أولئك وهؤلاء، إذا بهذه اللغات تتضاءل شيئًا فشيئًا، ويضيق سلطانها قليلًا قليلًا حتى تنحصر بالأديرة، وفي بعض المحافل الخاصة، ثم تصبح لغات قديمة ميتة يدرسها العلماء وأصحاب البحث التاريخي وأصحاب البحث اللغوي، ولكن الشعوب تنساها نسيانًا تامًّا.
فالشعب المصري مثلًا لا يتحدث اللغة القبطية، والشعب السوري لا يتحدث اللغة الآرامية، والعراق لا يتحدث لغة آرامية، ولا يتحدث تلك اللغة التي كان العرب القدماء يسمونها لغة النبطية، والتي كانت بقايا من لغة بابل وآشور. كل هذه اللغات أصبحت لغات قديمة ميتة يختص بها العلماء وحدهم، والشعوب تجهلها جهلًا تامًّا.
ثم لم تكتفِ اللغة العربية بذلك، وإنما أثبتت أنها لغة لا تكتفي بأن تتسلط وتقهر، ولكنها لغة طامحة حريصة على أن تسيغ وتهضم كل ما تستطيع أن تلقاه أمامها من أنواع البحث والعلم والحضارة على اختلاف فروعها؛ فكل ما كتبه اليونان وأكثر ما كتبه الرومان وكل ما كانت الشعوب الأفريقية والآسيوية التي عرفها العرب، كل هذه الحضارات وكل هذه الثقافات أساغتها اللغة العربية وحولتها إلى ثقافة واحدة وحضارة واحدة؛ هي الثقافة العربية والحضارة العربية.
والشيء المحقق أن السلطان العربي لم يصنع شيئًا ليفرض هذه اللغة، بل نحن نعرف أكثر من هذا، نعرف أن كثيرًا من قضاة المسلمين في مصر كانوا يتعلمون اللغة القبطية ليستطيعوا أن يسمعوا الخصوم من الأقباط وليستطيعوا أن يقضوا بينهم عن علم بما يقولون وعن علم بما يختمون فيه. هذا هو الذي فعله المسلمون حين استقروا في أقطار الأرض التي فتحها الله عليهم.
وبرغم كل هذا وبرغم كل هذه الأشياء التي ورثتها الشعوب وتوارثتها شعوبها أجيالًا، وبرغم هذا التسامح العظيم الذي امتاز به العرب في حكمهم في جميع الأقطار التي استطاعوا أن يحكموها، وبرغم هذا كله استطاعت اللغة العربية أن تتجاوز جيلها الذي كان يتكلمها وهو الجيل العربي، وأن تصبح لغة هذه الأجيال الكثيرة من الناس على مر العصور وتطاول القرون.
أكثر من هذا أن هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق وتجاوزت البلاد التي كانت تتكلم لغة من جنسها — وبينها وبين اللغات السامية شيء من جوار — هذه اللغة العربية عندما تجاوزت الشرق واستقرت في غرب أوروبا في إسبانيا لم تصنع شيئًا لتفرض نفسها على المقهورين، وإنما تنافس المغلوبون في تعلمها وفي إتقانها وفي مشاركة أهلها فيها ومشاركتهم في إنتاج أدبهم.
وكتب بعض القسس في تلك الأوقات «القرن الثالث للهجرة»، كتب بعض القسس يأسف ويحزن ويصور قلبه الذي كانت الحسرة تذيبه لأن الشباب المسيحي يهجر اللغة اللاتينية هجرًا خطيرًا، ويسرع إلى تعلم اللغة العربية ولا يكتب شيئًا في اللغة اللاتينية التي هي لغة المسيحية، مع أنه محتفظ بمسيحيته.
ولم يَنْسَ هذا القسيس الذي كتب هذا النص إلا شيئًا واحدًا هو أنه هو نفسه حين كان يكتب باللغة اللاتينية كان متأثرًا باللغة العربية، ومتأثرًا باللغة العربية الممتازة التي كان العرب يرونها أروع ما يمكن للناس أن ينتجوه؛ فاللغة اللاتينية لا تعرف القافية في شعر ولا في نثر، وقسيسنا هذا كان يكتب لغته اللاتينية في هذا النص الذي أشرت إليه الآن، كان يكتبها في سجع لاتيني لم تعرفه اللغة اللاتينية إلا منذ عرفت اللغة العربية ووصل سجعها إليها.
الغرب مدين للثقافة العربية
ومع هذا كله، فهذا الغرب الأوروبي والأمريكي مدين بثقافته للأمة العربية أولًا وللأمة اليونانية بعد ذلك، أكثر من هذا أن اللغة العربية حاولت أن تفرض نفسها لا بسلطان السياسة — كما قلت — بل بسلطان الإنسانية، فأُتِيحَ لها النجاح ولم تجد إلا وطنًا واحدًا حاول مقاومتها ونجح في هذه المقاومة، هذا الوطن هو الوطن الفارسي، نجح في هذه المقاومة بعد ثلاثة قرون، ولكنه أثناء هذه القرون الثلاثة الأولى كان يتخذ العربية لغة حديث ولغة أدب وإنتاج علم، فلمَّا أُتِيحَ له النجاح فيما بعد وأصبحت اللغة الفارسية الحديثة لغة حديث يومي بين الناس ولغة التعامل بين الفرس، لم يستطع الفرس أن يخلصوا من تأثير اللغة العربية، ولن يخلصوا منه إلى آخر الدهر. ذلك لسببين بسيطين؛ لأن علومهم ظلَّتْ تُكتَب باللغة العربية إلى عصر متأخر جدًّا، إلى القرن التاسع للهجرة، ظل الفرس إذا أرادوا أن يكتبوا في العلم كتبوا في اللغة العربية، ولأن الشعر الفارسي الذي هو مكتوب باللغة الفارسية إنما يُقاس ويُوزَن على أوزان الشعر العربي؛ فالشعر الفارسي أوزانه كلها هي نفس الأوزان العربية أخذوها عن العرب، والشاهنام التي هي صورة لمجد الفرس القدماء والتي هي آية من آيات الأدب القصصي الفارسي — على طولها — تجري على وزن بحر عربي من بحور الشعر العربي، وهو البحر المتقارب.
كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على أن أدبنا العربي في عصوره الأولى قد كان عالميًّا بأوسع معاني هذه الكلمة وأقواها، كان عالميًّا لأنه شمل العالم المتحضر كله في ذلك الوقت، وكان عالميًّا لأنه فرض نفسه على أمم لم تكن تعرفه وكانت لها لغاتها وأدبها؛ فنسيت لغاتها وآدابها وشُغِفَتْ باللغة العربية وآدابها، وكان عالميًّا بنوع خاص؛ لأنه حَمَل أممًا كثيرة على أن تشترك في تهيئة هذه الحضارة الإنسانية التي تعيش الإنسانية عليها الآن، فمن الحمق ومن التعصب الممقوت أن ينكر أحد أن العِلْم الذي ترجمه العرب عن الأمم القديمة وأضافوا إليه ما أضافوا هو بعينه الذي نُقِلَ إلى أوروبا أثناء القرون الوسطى، وأتاح لأوروبا الغربية أن تنهض نهضتها الأولى، وأتاح لها أن تتحضر شيئًا فشيئًا، حتى كان فتح القسطنطينية، فاتصلت أوروبا بالعلوم اليونانية والثقافة اليونانية اتصالًا مباشرًا بفضل العرب واتصالًا غير مباشر.
مزاعم وأخطاء
بعد هذا كله هناك مشكلات أُثِيرَتْ وما زالت تُثار حول هذا الأدب العربي القديم الذي نقول إنه أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة.
يقول بعض الأوروبيين: إن الأدب العربي أدب ساذج تنقصه أشياء كثيرة مما تمتاز به الآداب الغربية، ونصدقهم نحن أو يصدقهم منا كثير في هذا القول، فيقولون إن الأدب العربي خلا مثلًا من الأدب التمثيلي وليس في الأدب العربي القديم تمثيل، وهذا صحيح لا شك فيه، ولكننا نعرف أن الأدب اللاتيني مثلًا لم يكن فيه تمثيل قبل أن يُعرَف التمثيل اليوناني فنُقِلَ إلى اللغة اللاتينية وقلده اليونان وأنشئوا تمثيلهم.
واللغات الأوروبية الحديثة لم تعرف التمثيل لسبب بسيط؛ هو أنها لم تكن أمة يونانية، ثم لم تكن لها هذه العبادات وهذه الديانات الوثنية القديمة كالتي كانت للأمة اليونانية، والتي كانت تقتضيها أنواع من العبادة منها العبادة بالتمثيل.
والأمة العربية لم تترجم التمثيل اليوناني لسبب بسيط هو أن التمثيل اليوناني في الوقت الذي كانت الأمة العربية تترجم فيه، كان مقبورًا في الأديرة وفي الكنائس وفي الكتب، وكان محرمًا أن يُمثَّل ومحرمًا أن يُقرأ لأن الديانة المسيحية كانت تحرمه تحريمًا قاطعًا وتراه من آثار الوثنية.
والأمة العربية لم تعرف الإلياذة والأوديسة لسبب بسيط؛ لأن الإلياذة والأوديسة لم تكونا معروفتين ولم تكونا منشورتين، بل كانتا معدودتين من أعمال الوثنية، فكانت المسيحية تحرمهما ولم يكن النظر فيهما مباحًا لأحد من الناس.
الأدب القصصي ليس في اللغة العربية كما يُقال، هذا أيضًا من الأخطاء الكثيرة الشائعة؛ لأن الأدب العربي لا يفقد الأدب القصصي، ولكن قصصه على طبيعته هو، على طبيعة العرب.
والذين يقرءون شعرنا القديم، ويقرءون أخبار الحروب وأيام الناس وأيام العرب، ويقرءون النقائض بين جرير والفرزدق والأخطل، يعرفون أن الأدب العربي لم يَخْلُ مطلقًا من قصص الأبطال والحروب، وما إلى ذلك من الأشياء التي تصورها الإلياذة، ويصورها الأدب القصصي اليوناني.
وهناك خطأ آخر يُقال: وهو أن أدبنا العربي ليس كالأدب الأوروبي الحديث، لا يشبه الأدب الفرنسي والإنجليزي، وليس فيه مثل هذه الأشياء الكثيرة التي تُوجَد في هذه الآداب الحديثة. فهذا بالقياس إلى أدبنا القديم هو الظلم كل الظلم؛ لأن أدبنا القديم عاش في عصور مَضَتْ عليها قرون طوال، وليس من المعقول أن نكلف أدبًا قديمًا أن يكون مجاريًا ومشبهًا ومطابقًا لمقتضيات العصر الحديث الذي نعيش فيه؛ لأننا لا نملك أن نقدم دورة الزمن عن ميقاتها.
أدبنا القديم إذن أدب عالمي بأوسع معاني هذه الكلمة، وقد وصفته منذ زمن طويل في بعض الأحاديث في المرتبة التالية للأدب اليوناني القديم، ووضعته بين هذين الأدبين القديمين اللاتيني واليوناني، قلت: إن الأدب العالمي الأول في العصور القديمة كان في اليونان، ويليه الأدب العربي، ثم يأتي بعده الأدب الروماني …
أدبنا الحديث أدب عالمي
أما أدبنا الحديث، فهل هو عالمي بالمعنى الذي قدمته الآن، أم هو أدب محلي؟
من أحمق الحمق أن يُقال إن أدبنا العربي الحديث أدب محلي وليس أدبًا عالميًّا؛ أولًا: لأنه أدب ينتجه ويفهمه ويذوقه مقدار ضخم من أجيال الناس من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، وإذا كان هذا القسم الضخم من العالم مثقفًا في ذوقه وفي عقله وفي شعوره، يتكلم لغة واحدة ويكتب بلغة واحدة ويفهم أدبًا مهمًّا تختلف طبيعته أو أشكاله؛ فهو أدب عربي يذوقه كل إنسان في هذا الجزء من الأرض ويتأثر به كل إنسان.
هذا الأدب يمكن أن يكون أدبًا محليًّا لو أن ما ينتج بالشام لا يستطيع المصريون أن يقرءوه ولا أن يترجموه، وحين يكون الأدب المصري مستحيل القراءة في الشام أو في العراق أو في مراكش، فأما وما يُكتَب في العراق وفي الشام نستطيع قراءته في جميع أقطار الأرض العربية، فلا يمكن أن يُشَك في أن أدبنا العربي الحديث هو أدب عالمي — وبالمعنى الآن — المعنى الذي أنكرته في أول هذا الحديث؛ أي أن يكون أدبنا عالميًّا تحفل به الأمم الأجنبية الغربية.
أعتقد أن أدبنا العربي الحديث قد أخذ — أيضًا — يصبح أدبًا عالميًّا بهذا المعنى، وأخذ الأوروبيون والأمريكيون يهتمون له، ويحتفلون به، ويكلفون أنفسهم جهودًا لا بأس بها في قراءته، وفي ترجمته إلى لغاتهم.
وكان الروسيون أسبق الأوروبيين إلى هذا؛ فهم أول من حاول أن يترجم لما كتبه العرب في هذا القرن، ثم تبعتهم أمم أخرى فترجمت بعض الآثار العربية إلى لغات مختلفة، إلى الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية.
يجب أن نكون عربًا
وبرغم هذا، فهناك أشياء تحول بين أدبنا الحديث وبين هذه العالمية التي يطمع فيها كثير من الناس.
هذه الأشياء تنقسم إلى قسمين أوجزهما؛ أما القسم الأول: فيأتي منا نحن، ومن أدبائنا؛ فأدباؤنا يحتاجون إلى أن يعتنوا بأدبهم أكثر ممَّا عُنُوا به إلى الآن، محتاجون إلى أن يُعْنَوْا بأدبهم عناية مضاعفة تقتضيهم أن يتفهموا أدبهم القديم قبل أن ينتجوا أدبهم الحديث، وتقتضيهم أن يفتحوا عقولهم لكل الآداب والثقافات الحديثة مهما يكن مصدرها، فلو اعتمدنا على الأدب القديم وحده لكُنَّا تاريخًا قديمًا يعيش في العصر الحديث، ولو اعتمدنا على الأدب الأوروبي الحديث وحده لبرئنا من جنسيتنا ومن تاريخنا كله، وإذن فليس لنا بد من أن نجمع في عقولنا وقلوبنا بين هذا القديم الذي لا يجحده إلا جاحد لنفسه، والذي لا قوام لحديث بدونه، وبين هذا الحديث الذي هو من مقتضيات الحياة التي نحياها.
يجب أن نكون عربًا، ويجب أن نعرف كل ما عند الأمم الأخرى، وإذا استطاع أدباؤنا أن يبدءوا بتثقيف أنفسهم أوسع ثقافة ممكنة في القديم والحديث وأعمق ثقافة ممكنة في القديم والحديث، يوم يستطيعون هذا سيشعرون وسيجدون في أنفسهم هذا الشعور الإنساني الواسع الذي لا ينبسط في العالم الحديث وحده، وإنما ينبسط إلى أعماق الزمان، ينبسط إلى القديم أيضًا، يومئذ يكون الإنتاج العربي إنتاجًا إنسانيًّا بأوسع معاني هذه الكلمة، ويوم يكون إنتاجنا العربي إنتاجًا إنسانيًّا ينسجم فيه القديم بالحديث انسجامًا موسيقيًّا رائعًا، يومئذ يفرض أدبنا نفسه على اللغات الأجنبية فرضًا، ويضطر الناس من الأجانب إلى أن يترجموه وإلى أن يقرءوه في لغاتهم مترجمًا.
برغم هذا كله، فقد أخذ أدبنا ينتشر شيئًا فشيئًا في أوروبا أكثر مما يُظَن؛ لأننا إلى الآن ننتظر أن نرى كتبنا منتشرة في اللغات الأجنبية ولا نرى أنفسنا قد أنتجنا أدبًا عالميًّا إلا إذا نُشِرَ في الصحف أن كتاب فلان قد تُرْجِمَ إلى هذه اللغة، وهذا شيء لا معنى له مطلقًا …
أدبنا أخطر جدًّا مما نعلم ومما نُقدِّر، ويكفيني أن تطوفوا في أقطار أوروبا وأمريكا لتروا كتبًا عربية لا تخطر لأحد منكم في بال تُدرَّس في الجامعات الأوروبية يقرؤها طلابها باللغة العربية، ويكتبون عنها لأساتذتهم ويعلقون عليها ويتحدثون بها، ويسعون بعد ذلك إلى هذه البلاد العربية ليلقوا أصحابها وكُتَّابها وليتحدثوا إليهم، ثم يعودون وقد عرفوا عنهم ما استطاعوا أن يعرفوا ما الذي نريد إذا كانت آثارنا التي ينتجها شبابنا الآن تُدرَّس في الجامعات وتُعرَض موضوعًا للامتحانات العليا في بعض الجامعات الفرنسية؟ أليس هذا دليلًا على أن أدبنا قد أخذ يتجاوز الحدود العربية إلى بلاد أخرى غير هذه البلاد العربية، وإلى بلاد كنا إلى وقت قريب نراها بلاد القوة والبأس والسلطان …
مقاومة الغرب لنا
إن أدبنا قد أخذ يُترجَم إذن إلى اللغات الأجنبية، وأخذ يُدرَّس بنصوصه في الجامعات الأجنبية على اختلافها في أوروبا وفي أمريكا، فهو من هذه الناحية يمضي إلى الأمام في العالمية الحديثة، ولكنه يجد برغم هذا كله مقاومة خطيرة من الغرب، وهذا هو القسم الثاني الذي يجب أن نلتفت إليه، وأن نتأهب للدفاع عن أنفسنا أمام هذه المقاومة، هذه المقاومة تأتي من أن الغرب لا يزال إلى الآن ينظر إلى الأمة العربية على أنها أمة خضعت لسلطانه ولا يزال يطمع في أن يخضعها لسلطانه السياسي أو سلطانه العقلي أو سلطانه الاقتصادي.
وإذن؛ فأدبنا العربي قديم عالمي كأوسع ما تكون العالمية، وحديثه قد أخذ يصبح أدبًا عالميًّا بالمعنى الصحيح، ولكنه في حاجة إلى جهود كثيرة جدًّا ليفرض نفسه على الغرب، وليفرض نفسه على الأمم المختلفة مهما تكن قوتها، ومهما يكن بأسها، والمهم قبل كل شيء هو أن يشعر الأديب العربي بأنه إنسان لا يعمل لنفسه، ولا يعمل لوطنه وحده، وإنما يعمل للناس جميعًا، وهو إذن مكره على أن يعلم علم الناس جميعًا، وعلى أن ينتفع بهذا العلم، ثم مكره على أن ينفع الناس جميعًا.
وسبيلنا إلى ذلك — كما قلت وأقول دائمًا — إنما هو أن نفتح عقولنا وقلوبنا لقديمنا أولًا، ثم للثقافات الحديثة مهما تكن ومهما يكن مصدرها، ومهما تكن الفروق بينها. يوم نصنع هذا أؤكد لكم أن أدبنا سيكون أدبًا عالميًّا، سواء أكنتم فهمتم من هذه الكلمة معناها الصحيح الذي صورته آنفًا، أو هذا المعنى الذي يطمع فيه شبابنا عندما يتمنون أن يُترجَم أدبهم إلى اللغات الأجنبية.
يوم نكون أقوياء في أنفسنا، أقوياء في تفكيرنا، أقوياء في حياتنا العملية، نفرض أنفسنا على الأدب الغربي، نضطر الغرب إلى أن يترجمنا كما اضطرنا الغرب إلى أن نترجمه الآن. -
أقوى من الزمن
أقوى من الزمن: نقد لقصة يوسف السباعي
طه حسين
جريدة أخبار اليوم
١٦ يناير ١٩٥٦
تدور كلها حول بناء السد في أسوان، ومصدر ذلك بالطبع هو حرص الأستاذ يوسف السباعي — كما ذكرت منذ وقت قريب — على أن يُسجِّل الأحداث المعاصرة الكبرى، والتي يشهدها، فكما سجَّل الثورة وأحداثها، وكما سجل قصة تأميم القناة وما أثارت من خطوب، كما سجل الوحدة بين مصر وسوريا وسجل انفصال سوريا عن مصر، يُسجِّل في هذه القصة التمثيلية، وبناء السد، وما يثير في نفوس النَّاس على اختلافهم من العجب والإعجاب.
ولست أحاول أن أُلخص هذه القصة كما ينبغي تلخيصها، فلسنا في حاجة إلى هذا؛ لأنَّ رأي النَّاس؛ سواء أكانوا مصريين أم أجانب، معروف لا يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وإنَّما أكتفي بالإطار الذي ابتكره الكاتب ليضيف إلى المعروف من أمر السدِّ شيئًا جديدًا لا يبتكره إلا كاتب ذو خيال ممتاز، فكما أنَّ المألوف في القصة الطويلة التي تُحكى أنَّ بثوبها شيئًا من الحب، ففي القصة التمثيلية أيضًا لا بدَّ من بعض الحب؛ ليثير شوق القُرَّاء حين يقرءون، والنظَّارة حين يشهدون التمثيل.
والحبُّ الذي ابتكره كاتبنا في هذه القصة التمثيلية غريب حقًّا؛ فهو يثور فجأة بين شخصين لا يمكن أن يجتمعا إلا في الخيال، أحدهما مهندس مصري مُعاصر يعمل في بناء القناة، والشخص الثاني فتاة مصرية أيضًا، ولكنَّها عاشت منذ آلاف السنين، وهي مِريت بنت أحد الفراعنة الذين ملكوا مصر في عصر من أقدم عصور التاريخ المصري القديم.
أما كيف التقى هذان الشخصان فهو العجب كل العجب؛ ذلك أنَّ هذا المهندس واسمه عمر كان في سيارة ومعه زميل له يُساعده، فتقف سيارتهما فجأة لأنَّها في حاجة إلى شيء من الماء، ويشفق سائق السيارة من أنْ يأخذ الماء من النَّهر؛ مخافة أن تزلَّ قدمه فيلتهمه الماء، ولكنَّه يرى أمامه معبدًا، ويُخيَّل إليه أنَّه قد يجد في هذا المعبد ما يحتاج إليه من الماء، فهو قد أَلِف المساجد التي لا تخلو من ميضاءة، ومع أنَّ المهندس قد لفته إلى أنَّ هذا معبد وليس مسجدًا، فقد صمم على أن يلتمس فيه الماء، وقد ذهب بإنائه إلى المعبد، ثم لم يلبث أن دعا عمر وزميله مصطفى إلى المعبد مُلحًّا في الدعاء؛ لأنَّه قد رأى فيه عجبًا، ويذهب المهندسان إلى المعبد فيريان فيه عجبًا أي عجب، يريان فيه فتاة حسناء رائعة الحسن هي مِريت بنت فرعون.
ولا يخطر ببالهما أنهما يريان شبحًا من الأشباح لا تتكلم، وهذه الفتاة تتحدث إليهما، تسأل عنهما وعما يعملان، ولا يكاد عمر يرى هذه الفتاة حتى يقع حبها في قلبه موقع الصاعقة، وقد اتصل الحديث بينهم، فعرفت شيئًا عن عملهما في السد، ووقع في نفسها أنهما طليعة لجيش قد أقبل غَزِيًّا لوطنها، فقد تنبأ بعض المتنبئين إلى أبيها بأنَّ جيشًا سيُقبل من الشمال ليغزو هذا الوطن، وهي تهمُّ أن تدعو الحراس ليأخذوا هذين المهندسين، ولكنَّ عمر قد فتنها كما فتنته، فهي تنذر، ولا تجرأ على تحقيق ما تنذر به.
وإنَّما تمضي في الحديث إلى هذين الفنِّيَّيْن، وقد أقبل أخوها يستعجلها، فتنبئه بأنَّها ستعود إليه بعد قليل، وهي تعود إليه بعد قليل كما وعدته، ولكنَّها قد وعدت عمر بأن تعود إليه لتعرف جلية أمرهما.
وهي تعود إليه كما وعدته، ولا يلبث ما بينهما من الحب أن يسيطر عليهما، ويستأثر بهما، فهما يتصارحان، ويُعرب كل منهما لصاحبه عما يملأ قلبه وعقله من الحب، ولكن عقبة تحول بين الفتاة وبين الاستجابة لهذا الحب، فهذه أخت عمر التي تعمل في الإذاعة قد أقبلت ومعها أداة التسجيل، فلا تكاد مِريت تعرفها حتى يثور اليأس في نفسها، فقد استيقنت بأنَّ عمر متزوج من أخته، ولكنَّ عمر ينبئها بأنَّ زواج الأخوين محرم، فلا تكاد تصدق؛ لأنَّها هي مخطوبة لأخيها، ثم لا تلبث أن تطمئن فقد ذكرت أنَّها ليست الآن في عصر الفراعنة، وإنَّما هي في عصر آخر بعيد عن عصر الفراعنة كل البُعد.
وهي لا تفهم كما أننا نحن لا نفهم كيف وصلت إلى هذا العصر على ما بينه وبين عصرها من البُعد، والشيء الذي لا شك فيه أنَّ الحب قد استأثر بها كما استأثر بصاحبها، فقد صمما على أن يقترنا، وهي تدعو صاحبها وزميله إلى أن يذهبا معها إلى حيث يتم القران.
وكما أننا لم نفهم كيف وَثَبَتْ هذه الفتاة من عصرها القديم إلى عصرنا الحديث، فلسنا نفهم كيف وثب المهندسان من عصرهما الحديث إلى عصر قدماء المصريين! فهما يُقبلان على فرعون وحوله زوجه، وابنه، ووزيره، وقائد جيشه، وكثير من الحراس، وغير بعيد منه أُعدت معدات الاحتفال بالزواج، فقد هُيئت موائد الوليمة، ووقفت الراقصات ينتظرن الأمر بالرقص، وقد استطاعت مريت أن تقنع أباها وأمها ومَن حولهما بأنَّ المصلحة كل المصلحة في أن تتزوج من صاحبها بعد أن قطعت خطبتها لأخيها. ويتم الزواج بين العشيقين، ولكنَّ عمر يتحدث إلى زميله مصطفى بما سيكون من غرقهم حين يتم بناء السد، ويناقشه زميله بعض المناقشة في هذا، وقد سمع أخو الفتاة هذا الحديث، وسمعه معه بعض الحاضرين، فيأمر أخو الفتاة بالقبض على المهندسَيْن وسائقهما، وإيداعهم السجن إلى أن تتم محاكمتهم.
وقد أودعوا السجن، وهم الآن في إحدى حجراته، وليس بد من أن يكون في القصة شيء يُضحك، وهذا الشيء هو السائق صبحي الذي فُتن بخادمة الفتاة، واسم هذه الخادمة سخمت، فيسميها صبحي: سخام البرك أو «سخامة البرك».
وفاتني أنْ أنبه إلى أنَّ هؤلاء المصريين الثلاثة قبل أن يدخلوا على فرعون قد سموا أنفسهم بأسماء المصريين القدماء، وانتحلوا لأنفسهم مناصب ذات خطر في الشمال. فعمر هو أمير الشمال، واسمه محب، ومساعده مصطفى هو قائد الجيش، واسمه أوزيرو، والسائق هو كبير الكهان، واسمه سمنكرع، وهم الآن في السجن، ولكنَّ كبير الكهان قد أحسَّ الحاجة الشديدة إلى التدخين، فهو يلح على حارس السجن في أن يُعطيه سيجارة، والحارس لا يفهم شيئًا، ويزداد الكاهن في الإلحاح، كما يصعب على الحارس أن يفهم عنه ما يريد.
وفي أثناء ذلك تأتي مريت، وتنبئهم سرًّا بأنَّ كلَّ شيء قد أُعدَّ لهروبهم من السجن، وما هي إلا لحظات حتى يظهر أنَّهم يستطيعون الهرب من نافذة حجرتهم التي هُيئت لذلك، وقد استيأس الزوجان من أن يلتقيا.
فإذا كان الفصل السادس من هذه القصة، فقد عاد عمر وصاحبه إلى أعمالهما، ولكن عمر يعيش في ذهول متصل؛ لأنَّه ترك قلبه عند صاحبته، وليس من سبيل له إلى السلو والنسيان، وقد لاحظ زملاؤه هذه الحياة الذاهلة التي يحياها زميلهم.
ولا بد للقصة من أنْ تنتهي، ومن أن تكون نهايتها مُرضية كل الرضى لقرائها، ونظَّارتها في ملعب التمثيل إنْ مُثِّلت، وفي دار السينما إن عُرضت على النَّاس كما أقدِّر أن سيكون ذلك غدًا أو بعد غد.
وما دام لا يستطيع أن يسلو وينسى، فليس له بد من أن يذهب بين حين وحين إلى المعبد لعله يرى صاحبته؛ فإن لم يُتَح له ذلك فلا بد من وقفة قصيرة وطويلة في دار الأحبة كما كان الشعراء القدماء يقولون، وقد صدق شاعرنا القديم حين قال لصاحبيه:
ألِمَّا بمي قبل أن تطرح النوىبنا مطرحًا أو قبل بَيْنٍ يُزيلهافإلا يكن إلا تذكُّر ساعة قليلفإني نافع لي قليلها
وهذا عمر يعود ذات يوم إلى المعبد فيرى فتاة حسناء رائعة الحُسن توشك أن تشبه صاحبته فلا يشك في أنَّها هي، وقد أقبل عليها فعرف أنَّ اسمها مريم، وأنَّها فتاة مصرية تخرَّجت في قسم الآثار من كلية الآداب، فلا يشك في أنَّه قد لقي صاحبته فالاسمان متشابهان، والشكلان متشابهان كل الشَّبه، فيلزمها ولا يريد أن يفارقها. وما يزال بها حتى تخرج معه، ولكنهما لا يكادان يخرجان حتى يصيح حارس المعبد مناديًا للشرطة ملحًّا في النداء، فإذا سُئل عمَّا به أنبأ أنَّ مومياء قد سُرقت من تابوتها، فتحاول مريم أن تعود لترى ما حدث، ولكنَّ عمر لا يُخلِّي بينها وبين ما تريد؛ لأنَّه ظفر بها بعد اليأس منها، ولكنَّ السائق صُبحي يقول للحارس: إنَّك دائمًا حارس خائب يهرب منك الأحياء والأموات.
وأظنُّ أنَّ القارئ ليس في حاجة إلى أن أُفصَّل له ما في هذه القصة من الطرافة؛ فهذا التلخيص الموجز أشد الإيجاز يُغني عن كل تفصيل. -
عَوْد إلى شكسبير
عَوْد إلى شكسبير
طه حسين
جريدة الجمهورية
٢٠ سبتمبر ١٩٥٥
فريقان من الأدباء يختصمان في فرنسا منذ وقت طويل جدًّا لا أدري متى بدأ، ولكني أعلم أني لم أكد أتذوق الأدب الفرنسي حين كنت طالبًا في باريس حتى رأيت مظاهر هذا الخصام، ولم أنس بعد خصومة شغلت الصحف الفرنسية، وشغلت بعض أساتذة الأدب في السوربون وقتًا طويلًا أثناء الحرب العالمية الأولى.
كان بعض الأساتذة الجامعيين يلقي محاضرات عامة عن جان جاك روسو، وعرض ذات مساء للظروف التي أحاطت بانتقال جان جاك روسو من مذهبه الديني البروتستنتي إلى المذهب الكاثوليكي، وكان بعض الأدباء غير الجامعيين حاضرًا ذلك الدرس، فلما أصبح تناول بالنقد حديث الأستاذ الجامعي في صحيفة «التان»، وكانت في تلك الأيام أرفع الصحف الفرنسية مكانًا، وأنفذها إلى دقائق الأدب والنثر، ورد الأستاذ الجامعي في درسه المقبل على نقد ذلك الأديب، واتصل الحوار بين الأديبين وقتًا غير قصير، واشتركت فيه صحف أخرى غير صحيفة التان. يقول الأستاذ الجامعي في درسه. يَسمَع النُّقَّادُ الأحرار، إن صح هذا التعبير، ثم يجادلون الأستاذ وينقضون عليه آراءه وأقواله في صحفهم.
وأكبر الظن أن هذه الخصومة بين أساتذة الأدب من الجامعيين وبين الأدباء والنُّقَّاد الأحرار أقدم جدًّا من ذلك الوقت الذي عرفتها فيه.
والمستقر في نفوس الجامعيين أن أولئك الأدباء والنُّقَّاد الذين يكتبون في الصحف، ويؤلفون الكتب في الأدب والنقد، وتقبل عليهم كثرة ضخمة من القُرَّاء، إنما يكتبون على غير منهج، فيخطئون الصواب في كثير من الأحيان، ويظفرون به في قليل من الأحيان، وهم من أجل ذلك صحفيون وليسوا علماء، وحظهم من الثقة قليل.
ويرى هؤلاء الأدباء الأحرار أن الأساتذة الجامعيين يسرفون على أنفسهم، وعلى قرائهم وتلاميذهم، وعلى الأدب نفسه حين يخضعون خضوعًا خالصًا لهذه المناهج الجافة الضيقة التي تقتل روح الفن، وتذهب بجماله، وتذوي نضرته، وترده إلى غذاء خشن غليظ قد يرضي المناهج، ولكنه لا يرضي الذوق، ولا يحيي القلب، ولا يروق الطبع الفني الصحيح.
***
وليس أحب إليَّ حين ألقى الأساتذة الجامعيين للأدب من أن أذكر لهم كتابًا أو مقالًا لهذا الأديب أو ذاك من الأدباء الأحرار، فأثير عند بعضهم سخطًا شديدًا، وغضبًا جامحًا، وفنونًا لاذعة من النقد لا تخلو من فكاهة مرضية، ودعابة مسلية، فإذا لقيت بعض الأدباء الأحرار صنعت معهم نفس الصنيع، وذكرت لهم كتاب هذا الأستاذ أو ذاك عن كاتب عظيم، أو شاعر ممتاز، فأثرت فيهم سخرية حلوة مرة معًا.
وقد يلتقي أساتذة الأدب وهؤلاء الأدباء الأحرار فلا يختصمون، ولا يثور بينهم الجدال؛ لأنهم يتجاذبون الحديث في كل شيء إلا في الأدب، قد استقر في نفوسهم جميعًا أن بعضهم لن يفهم بعضًا، ومتى استطاع الأحياء والموتى أن يأخذوا بينهم بأطراف الحديث، وأن يفهم بعضهم عن بعض، والأحياء بالطبع هم الأدباء الأحرار الذين لا يتقيدون بهذه المناهج الجامدة الثقيلة التي لا تعرض للون من ألوان الأدب إلا ذهبت بما فيه من حياة وخصب، وردته مجدبًا عقيمًا، ثم تطورت هذه الخصومة منذ أعوام، واتخذت شكلًا آخر لا يخلو من طرافة، فأساتذة الأدب في الجامعات يعنون بشخص الأديب، والظروف التي أحاطت به، والأحداث التي عرضت له، والخطوب التي أثرت فيه، وهم من أجل ذلك يتتبعون أسرار حياته الخاصة، ويحاولون أن يتبينوا تأثيرها في إنتاجه الأدبي، فهم يشغلون أنفسهم بالأدباء أكثر مما يشغلونها بآثارهم الأدبية، يتبعون في ذلك مناهج القرن الماضي، وهم من أجل ذلك يدرسون تاريخ الأشخاص أكثر مما يدرسون آثارهم، وهم يفسدون بذلك عقول الطلاب وأذواقهم، ويصرفونهم عن نصوص الأدب وما فيها من حياة وجمال وروعة إلى أشخاص الأدباء الذين ماتوا وأصبحوا تاريخًا.
والأدباء الأحرار يرون أن الأدب حي دائمًا، وأن الجمال في النصوص الأدبية الجديرة بهذا الاسم لا يخضع لسلطان الزمان، وإنما هو باقٍ على تتابع العصور، وتعاقب الأجيال، وهو من أجل ذلك جدير أن يشغلنا؛ لأن الحياة القوية التي تشيع فيه لا تلبث أن تتجاوزه إلى عقولنا وقلوبنا وأذواقنا.
وكذلك يعاب أساتذة الأدب في الجامعات الآن بأنهم يعنون بالتاريخ الأدبي أكثر مما يعنون بالأدب نفسه، وقد ثارت هذه الخصومة من جديد بين الأساتذة الجامعيين والأدباء الأحرار في هذه الأيام، وكان موضوعها وما زال هو ترجمة شكسبير، فقد ترجم شكسبير إلى اللغة الفرنسية مرات كثيرة جدًّا، ترجم منذ القرن السابع عشر، وما يزال يترجَم إلى الآن، تنشر الترجمة ثم لا يمضي عليها وقت طويل حتى تنسخها ترجمة جديدة.
***
وقد تُرجم شكسبير إلى الفرنسية شعرًا ونثرًا، ولكن الترجمة التي ترضي كل المحبين لشكسبير والمكبرين لفنه لم توجد بعد على كثرة ما نُشر من التراجم، وعلى كثرة من شارك في هذه التراجم من أعلام الأدباء الفرنسيين في العصور المختلفة.
وقد أخذ جماعة من الأدباء الممتازين المعاصرين، وكلهم أو أكثرهم شعراء، في إعداد ترجمة جديدة لشكسبير، وأعلنوا أنهم قد احتفلوا لهذه الترجمة كما لم يحتفل لها أحد من قبل، وأنهم سينشرون هذه الترجمة وينشرون معها النص الإنجليزي الأخير الذي حققه المختصون من الإنجليز بأدب شكسبير ونشر في كمبريدج. سينشرون النص والترجمة في المجلدات يتبع بعضها بعضًا، بحيث تستطيع أن تقرأ الترجمة الجديدة، وترجع متى شئت إلى النص في الصفحات المقابلة، ولن ترجع إلى النص وحده، بل سترجع معه إلى التعليقات والملاحظات التي سجلها المحققون.
وقيل في هذا الإعلان: إن هذه الترجمة الجديدة ستصور الروح الحق للشاعر الإنجليزي العظيم، وستكون ترجمة حية لا ميتة كهذه التراجم التي نشرها المتخصصون في الإنجليزية من الأساتذة الجامعيين الذين يتقيدون بالمناهج، ويترجمون ترجمة توشك أن تكون لفظية، ويجهلون ما بين الروح الإنجليزي والروح الفرنسي من التباين والاختلاف.
ولم يكد أحد الأدباء الأحرار يتحدث عن هذه الترجمة الجديدة في صحيفة الموند حتى ثار بعض الأساتذة الجامعيين، وقال قائلهم أو سأل سائلهم — وهو أستاذ للأدب الإنجليزي في جامعة بوردو: ماذا يريد المترجمون؟ أيريدون أن يظهروا في ترجمتهم الجديدة شكسبير، أم يريدون أن يقنعوا وأن يقنعوه من ذات نفوسهم؛ أي ينفخون فيه من روحهم هم؟ وكيف يستقيم للشعراء وأشباههم من الأدباء الذين لم يتخصصوا في اللغة الإنجليزية، ولم يتقنوا العلم بحقائق هذه اللغة كما اصطنعها شكسبير، كيف يستقيم لهم أن يترجموا هذا الشاعر العظيم ترجمة صحيحة دقيقة مطابقة، إذا لم يستعينوا بأهل الذكر من الجامعيين الذين وقفوا حياتهم على هذا الدرس؟ وكيف يتفق الاعتماد على آخر نص محقق تحقيقًا علميًّا لأدب شكسبير مع الرغبة في تجديده وإشاعة الحياة العصرية فيه؟
ثم تساءل الأستاذ: ما عسى أن تصور هذه الترجمة الجديدة؟ أتصور شكسبير نفسه وتصور أدبه كما صدر عنه؟ وإذن فليس بد من التزام المناهج العلمية الدقيقة التي تنتج ترجمة صحيحة مطابقة، أم تصور الشعراء الذين يترجمون عن شكسبير؟ وإذن فليست هي بالترجمة الدقيقة للشاعر الإنجليزي العظيم، وإنما هي صورة لأثر هذه الروائع الإنجليزية في نفوس المترجمين وأذواقهم فيها، قليل من روح الشاعر الإنجليزي، وكثير من روح الشعراء الفرنسيين الذين يترجمون أو ينشئون ويزعمون أنهم يترجمون.
وتشعبت الخصومة، ويظهر أنها ستتشعب إلى فنون من الجدل لا يتسع لها هذا الحديث الذي إنما أمليه لأصور الفرق بين قوم لم يترجم لهم هذا الشاعر العظيم ترجمة مقاربة إلى الآن، وهم مع ذلك زاهدون في ترجمته، راغبون عنها، يثور ثائرهم لأن فريقًا منهم همُّوا بترجمته إلى اللغة العربية، وقومًا آخرين ترجم لهم شكسبير مرات كثيرة جدًّا في صور مختلفة، منها النثر، ومنها الشعر، ومنها النثر الشعري، أو الشعر المنثور، ومثل في ملاعبهم على اختلاف الأجيال وتتابعها، وما يزال يمثل في لغته الأولى أحيانًا، ومترجمًا إلى اللغة الفرنسية على اختلاف التراجم أحيانًا أخرى.
ثم هم لا يقنعون بما عندهم، وإنما يضيفون التراجم إلى التراجم، بحيث نستطيع أن نقول: إن الفرنسيين لم يعرفوا منذ وصل إليهم أدب شكسبير عصرًا لم تظهر فيه ترجمة أو تراجم لهذا الأدب، وهم مع ذلك لا يكتفون بما أتيح لهم، وإنما يجددون ويضيفون ويختصمون في التجديد والإضافة اختصامًا متصلًا.
وهم لا يفعلون ذلك بأدب شكسبير وحده، وإنما يفعلونه بروائع الأدب العالمي كله قديمه وحديثه، ثم لا يشغلهم ذلك على كثرته وشقته، وكثرة ما يتكلف من نفقات الترجمة والنشر عن العناية بالعلوم والفنون كأحسن ما تكون العناية، بل لا يشغلهم ذلك عن ترجمة الآثار الأدبية اليسيرة التي ترضي حاجة أوساط الناس إلى القراءة، وتمنعهم من أن يعكفوا على أنفسهم يُجهِّلون العالم الذي يعيشون فيه، بل لا يمنعهم ذلك من أن يترجموا أكثر ما يصل إليهم من هذا القصص المثير الذي يسمونه القصص البوليسي، بل لا يمنعهم كل هذا من أن يكونوا منتجين في فنون الأدب على اختلافها، كما ينتجون في ضروب العلم على اختلافها، وفي الفنون الجميلة على اختلافها أيضًا.
بل ليس من شك في أن الترجمة نفسها وسيلة من أخصب الوسائل إلى الإنتاج، فهي تغري به، وتدفع إليه، وتيسر النُّجْح فيه، والشعوب العاكفة على نفسها، المعتزلة لغيرها، الجاهلة لما حولها، مضطرة آخر الأمر إلى العقم والجدب، وإلى أن تعيد نفسها وتقول اليوم ما كانت تقول أمس، وتعيش غدًا على ما تعيش عليه اليوم، ويوشك أدبها أن يكون أشبه بهذيان المحموم، يؤذي صاحبه ويؤذي الناس من حوله حين يسمعون له، وإذا قلت: إن الفرنسيين لا يصنعون هذا بشكسبير وحده، لكنهم يصنعونه كذلك بالأدب العالمي كله قديمه وحديثه، فلست أقصر هذا الجهد على الفرنسيين، فالشعوب الحية كلها تصنع صنيع الفرنسيين بالقياس إلى شكسبير وإلى غيره من أعلام الأدب على اختلاف العصور.
ولقد قرأت في أيام قليلة جدًّا أحاديث أنبأتني بأن شكسبير وكورني وراسين كانوا موضع العناية أخيرًا في يوجسلافيا، حين مُثِّلت بعض آثارهم في مدينة زغرب، وأنا أقرأ اليوم أن الروس أرادوا أن يحتفلوا بزيارة رئيس الوزراء لألمانيا الغربية لبلادهم، فدعوه إلى ملعب من ملاعبهم مُثِّلت فيه قصة من قصص شكسبير تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وهي قصة روميو وجوليت.
وكانت نفس هذه القصة تمثل أخيرًا في باريس تمثيلًا موسيقيًّا راقصًا، وتمثيلًا مسرحيًّا خالصًا أيضًا، ولو قد عُني باحث باستقصاء ما يمثل من آثار شكسبير في أقطار أوروبا أثناء هذا الفصل من فصول العام لأظهرنا على العجب العجاب، ولبين للذين يريدون العلم أن شكسبير وأشباهه من فحول الشعراء الممثلين ما زالوا وسيظلون قوام الحياة الأدبية للشعوب الحية التي تذوق الفن وتقدر الثقافة، ولا يشغلها شأن من شئون الحياة العقلية عن شأن آخر.
فما أجدر كُتَّابنا الذين يوجهون الشباب أن يقرءوا أكثر مما يقرءون، ويستقصوا أكثر مما يستقصون، وأن يوسعوا آفاقهم ليوسعوا آفاق قرائهم، وأن يأخذوا الحياة بالقوة والجد؛ ليأخذها قراؤها بالقوة والجد أيضًا، ولتعلم الأجيال الناشئة من الشباب أن الحياة العقلية الراقية لا تتاح باللعب، ولا بقراءة الأدب الرخيص الذي يقطع الوقت ويدعو إلى النوم.