Tag: literary criticism

  • الكتاب والقراء

    الكتاب والقراء
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يوليو ١٩٣٤

    … القُرَّاءُ كلُّ شيءٍ بالقياس إلى الكُتَّاب، ويُوشكُ ألَّا يكون الكُتَّابُ شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء …

    … متى يُتاح للكُتَّابِ أن يثأروا من القُرَّاء وأن يُقدِّموا أنْفُسَهم عليهم، وأن يؤثروها من دونهم بالعناية؟! …

    وَتَسْتَطِيعُ أنْ تعكس العنوان؛ فإني لم أُرِد تقديمًا ولا تأخيرًا، ومن أوليات النَّحو أنَّ الواو لا تُفيد ترتيبًا ولا تَعقيبًا، فينبغي ألا يغضب القُرَّاء إذن؛ لأنَّ المُصادفة أرادت لعنوانهم أنْ يتأخر في اللفظ، فأنا أؤكد لهم أنَّ أشخاصهم مُقَدَّمون في المعنى أو مُقدَّمون في حقيقة الأمر، بل أستطيع أن أؤكد لهم أنهم فوق التقديم؛ لأنَّهم كل شيء، وليس الكُتَّاب بالقياس إليهم شيئًا، أو لا يكادون يكونون بالقياس إليهم شيئًا.

    وآية ذلك أنَّ الكُتَّاب لا يعيشون إلا للقُرَّاء، وأنَّ القُرَّاء يستطيعون أن يعيشوا، بل هم يَعِيشُون لغيرِ الكُتَّاب، يَعِيشون لأنفسهم كما يعيشون لغيرهم، ولكنَّ غيرهم هذا ليس كاتبًا أو يجب ألا يكون كاتبًا. وآيةُ ذَلكَ أَيْضًا أنَّ الكُتَّاب يفكرون في القُرَّاء حين يُقْدِمُون على الكتابة، وحين يمضون فيها، وحين يفرغون منها، فأمَّا القُرَّاء فلا يُفكرون في الكُتَّاب إلا حين يقرءونهم.

    ومن يدري؟! لعلهم يُفكرون فيما يقرءون دون أن يفكروا فيمن كتبوه. أو من يدري؟! لعلهم يَقْرَءون فلا يُفكرون فيما يقرءون، ولا فيمن كتب لهم ما يقرءون، إنما يمرون أبصارهم على هذه الحروف والسطور يتبينون ما فيها من الألفاظ، ويُلمون بما تدل عليه من المعاني إلمامًا خفيفًا جدًّا، ويقفون أو لا يقفون عند هذه المعاني؛ لأنهم يُريدون أنْ يُنفقوا الوَقْتَ أو أنْ يَتَسَلَّوا عن شيءٍ بشيءٍ أو أنْ يدعوا النَّوم إلى جفون يستعصي عليها النوم.

    القُرَّاء إذن كل شيء بالقياس إلى الكُتَّاب ويُوشك الكُتَّاب ألا يكونوا شيئًا بالقياس إلى القُرَّاء! ولو أنَّ القارئ استطاع أن يدخل بين الكاتب وبين نفسه، وأن يشهده حين يهم بالكتابة، ثم حين يهجم عليها ويمضي فيها، لرأى شيئًا عجبًا، لرأى أنَّ الكاتبَ يُصارع خصمين عنيدين:

    أحدهما: الموضوع الذي يريد أن يكتب فيه.
    والثاني: القارئ الذي يريد أن يكتب له.

    ولرأى أنَّ الموضوع في أكثر الأحيان ليسَ أشد الخصمين عنادًا ولا أثقلهما خصومة، وإنما الخصم العنيف المُخيف حقًّا هو هذا القارئ الذي لا يعرفه الكاتب، ولا يستطيع أن يُحصي مُيوله وأهواءه وعواطفه، ولا أن يَتبين ذَوقَه، ولا أنْ يَسْتَيْقِن بما يُلائمه وما يُخالفه، وإنَّما هو خطر مُحَقَّق واقعٌ، ولكنه مُبهم غامضٌ شَائِعٌ مُختلف مُتناقض مُتفاوت لا سبيل إلى حصره ولا إلى تحديده، ولا إلى العلم بالطريق التي يجب أن تُسلَك إليه.

    ومن هنا، ينبغي للكاتب المصري أن يسأل نفسه: متى يُتاح للكُتَّاب أن يثأروا من القُرَّاء، وأن يُقدِّموا أنفسهم عليهم، وأنْ يُؤثروها من دونهم بالعناية؟ ولا أقول: متى يُتاح للكُتَّاب أن يأثروا من القُرَّاء ومن أنفسهم وألا يُفكروا إلا في الفنِّ وحده، ولا يُعنَوا إلا بالفن وحده؛ فقد يظهر أن هذا الأمد ما زال بعيدًا أبعد من أن نطمح إليه أو نطمع فيه.

    ولكنَّ السُّؤال الأولَ قريبُ المَنَالِ يُمكن أنْ نقف عنده بعض الشيء، وأنْ نَلْتَمِسَ له جوابًا، فهل في مصرَ هؤلاء الكُتَّاب الذين لا يُفكرون في القُرَّاء أو الذين لا يُسرفون في العناية بالقُرَّاء واستحضار أشخاصهم الخطرة دائمًا حين يكتبون؟

    والغريبُ أنَّ كثرة القُرَّاء تُظَن، بل تُؤمَن بغيرِ هذا، تُؤمَن بأنَّ الكُتَّاب لا يفكرون فيها ولا يحفلون بها ولا يرجون لها وقارًا، وإنما يقدمون إليها ما يخطر لهم في غير عناية ولا إطالة تفكير. وقد يكون هذا شأن جماعة من الناس لا أعرفهم، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أنِّي لم أستطع في يوم من الأيام أنْ أُقْدِمَ على الكِتابة إلا وأنا أحسب للقُرَّاء أشد الحساب وأعسره.

    والشيء الذي لا أشك فيه أيضًا أني لا أعرف كاتبًا مصريًّا خليقًا بهذا الاسم تحدثت إليه إلا رأيته يخاف من القُرَّاء مثل ما أخاف، ويخصهم من العناية والتفكير بمثل ما أخصهم به أو بأكثر مما أخصهم به. ولكنَّ القُرَّاء في حقيقة الأَمْرِ صِعَابٌ ليس إلى إرضائهم من سبيل، فهم يُنكرون بعضَ ما يقرءون. لا يكتفون بالإنكار، ولكنهم يُضِيفُون إليه شيئًا من الغضب والنِّقْمَة يَظُنُّون أنَّ الكاتب لم يحفل بهم، ولم يأبه لهم، ولم يَجمع كل ما يَمْلِكُ من الجهد، ولم يبذل كل ما يملك من القوة ليرضيهم، ويقدم إليهم ما ينتظرون، كأنه يعرف ما يرضيهم، أو كأنه يعرف ما ينتظرون.

    ولا يخطر للقُرَّاء أنَّ الكاتب قد يُعطيهم كل ما يستطيع أنْ يُعطيهم، وقد يَبْذُل لهم جهد المُقِلِّ على أنه كل ما يملك. والغريب أن القُرَّاء يعرفون لأنفسهم الحق في أنْ تنشط للقراءة حين تواتيها الظروف، أو تفتر عن القراءة حين لا تواتيها الظروف، وهم لا يعرفون للكُتَّاب مثل هذا الحق، ولا يُقَدِّرون أنَّ نفوس الكُتَّاب كنفوسهم تنشط حين تتهيأ لها أسباب النشاط، وتَفْتُر حين تجتمع عليها أسباب الفتور.

    والقُرَّاء مَعْذُورون؛ فهم لا يضربون على أيديهم ولا يُكرِهونهم على الكتابة إكراهًا، وإنَّما يَعرِض الكُتَّابُ عليهم آثارَهم، فمن حقهم أن تكون هذه الآثار التي تُعرَض عليهم، والتي يُغرَون بها، ويُرغَّبون فيها، وقد يُكرَهون بالإعلان إكراهًا على شرائها وقراءتها؛ مُلائمة لما كانوا ينتظرون، مُكافئة أو كالمُكافئة لما يبذلون من نقد ولما يُنفِقون من جهد، ولما يريدون أن يضيعوا من وقت …

    وإذا كان الكُتَّاب مُعذورين لأنهم لا يستطيعون أنْ يأخذوا على أنفسهم عهدًا بالإجادة دائمًا، وإذا كان القُرَّاء معذورين؛ لأنهم لا يستطيعون أن ينفقوا مالهم وجهودهم ووقتهم في غير غناء، فمن يكون الملوم وعلى من تكون التبعة؟ فقد يجب أن يكون هناك ملوم يحتمل التبعة، ويتم على حسابه الصلح بين الكُتَّاب المظلومين والقُرَّاء المعذورين.

    هذا الملوم موجود من غير شك، ولعله ليس واحدًا، ولعله ليس اثنين، ولعل إحصاءه ليس بالشيء اليسير. فالقُرَّاء في مصر قليلون، هذا شيء لا شكَّ فيه، ولكنَّ الكُتَّاب أقلُّ منهم ألف مرة ومرة، فإحصاء القُرَّاء يَرْقى إلى الألوف، بل إلى عشرات الألوف، وإحصاء الكُتَّاب لا يكاد يرقى إلى العشرات.

    وهؤلاء القُرَّاء القليلون بالقياس إلى مصر، القليلون بالقياس إلى حاجات الكُتَّاب والناشرين، الكثيرون مع ذلك بالقياس إلى طاقة الكُتَّاب، هؤلاء القُرَّاء يختلفون فيما بينهم اختلافًا شديدًا موجبًا لليأس من إرضائهم حقًّا؛ منهم المثقفون الذين لا يُعجَبون إلا بمقدار، ومنهم أنصاف المثقفين الذين يُعجَبون حين لا يوجد ما يُعجِب، ويسخطون حين يجب أن يرضوا، ومنهم الذين لا حظ لهم أو ليس لهم إلا حظ يسير من الثقافة، ولكنهم كغيرهم مُحتاجون إلى أن يقرءوا، قادرون على أن يشتروا الصحف، والكتب، والمجلات.

    وكل فريق من هؤلاء ينقسم في نفسه إلى طوائف، هؤلاء تثقفوا في المدارس المدنية العالية المصرية، وهؤلاء تثقفوا في الجامعات الأوروبية، وهؤلاء خرجوا من الأزهر بعد أن أتموا الدرس فيه، وهؤلاء ظفروا بالشهادة الثانوية المدنية أو هم يطلبونها، وآخرون ظفروا بالشهادة الثانوية الأزهرية أو هم يطلبونها، وقوم وقفوا عند الشهادة الابتدائية، وقوم لم يجاوزوا ما تعلموا في الكُتَّاب، وكل أولئك على ما بينهم من الاختلاف والتفاوت يريدون أن يقرءوا ويريدون أن يرضوا.

    وليس في مصر إلا عدد يسير من الكُتَّاب لا يبلغ العشرات متقارب الثقافة، وهو مكلف أن يقدم لهؤلاء جميعًا ما يلائم طباعهم وأذواقهم وطاقتهم ومثلهم العليا.

    وشيء آخر يمكن أن يكون ملومًا، وهو انقطاع هذا العدد اليسير من الكُتَّاب إلى الصحف على اختلافها، وعَجْزُ أكثرِ هؤلاء الكُتَّابِ عن أن يفرغوا لما يُحبُّون من ضروب الأدب وفنون الإنشاء. ومَنْ ذَكَرَ الصحفَ فقد ذَكَرَ النظامَ والاطراد، ومَنْ ذَكَرَ النظامَ والاطراد فقد ضيَّق على الفن أشد التضييق، وقال للإجادة والإتقان: اذهبا؛ فليست مصر لكما بدار! وذلك أنَّ الفن في حاجة إلى الحرية الوَاسعة، وأنَّ الإجادة والإتقان في حاجة إلى راحة النفس وفراغ البال.

    أستغفر الله! فلست أريد من راحة النفس وفراغ البال هذا المعنى الواضح الذي يفهمه الناس جميعًا، والذي لا يُتاح للأدباء ولو أُتيح لهم ما صنعوا شيئًا، وإنما أريد راحة النفس وفراغ البال من هذا النظام والاطراد، وهذا الإلحاح الذي يخضع له الكاتب حين ينقطع لصحيفة يومية أو أسبوعية أو شهرية، فكيف إذا انقطع الكاتب لهذه الصحف جميعًا؟! وكيف إذا ألحت عليه المطبعة في كل يوم وفي كل أسبوع، وفي كل شهر؟! وكيف إذا اجتمعت عليه هذه الضروب الثلاثة من الإلحاح في يوم واحد؛ فقيل له: اكتب ليقرأ الناس إذا أصبحوا أو أمسوا، واكتب ليقرأ الناس إذا كان يوم كذا فإن المطبعة لا تستطيع أن تنتظر، واكتب ليقرأ الناس إذا كان أول الشهر؛ فإنَّ صدور المجلة لا بد من أن يكون منتظمًا مطردًا؟!

    هذا النظام الذي يهدر حرية الفن والذي يقطع الأسباب بين الكاتب وبين الإجادة والإتقان، وهو الملوم الأول حين يقصر الكُتَّاب ولا يبلغون من إرضاء القُرَّاء ما يريدون؛ لأنه يدفع الكُتَّاب إلى الإسراع والعجلة.

    ومَنْ ذكر الإسراع والعجلة فينبغي له ألا يذكر معهما الفن، ولا أنْ ينتظر منهما إجادة أو إتقانًا. وأَمْرُ النظامِ والاطراد لا يقف عند هذا الحد، فلو أنَّه يحول بين الكُتَّاب وبين الإجادة فيما يقدمون إلى الصحف من المقالات والفُصول التي لم يُقدَّر لها النضج، لهان احتماله، ولقيل للقُرَّاء: لوموا الكُتَّاب إن شئتم في هذه الفصول وأعرضوا عن قراءتها إن أحببتم، وتعزَّوْا عنها بهذه الكتب القيِّمة التي تُقدَّم إليكم من حين إلى حين. ولكنَّ الأمر أعسر من هذا كله وأشد حرجًا؛ فمن للكُتَّاب بالوقت الذي يفكرون فيه؟! ومن لهم بالقوة التي ينفقونها في الدرس؟! ومن لهم بالجهد الذي ينفقونه في الإنشاء؟! ومن لهم بفراغ البال الذي يستعينون به على الإجادة؟! من لهم بهذا كله والمطبعة من ورائهم تلهبهم إلهابًا؛ ليقدموا لها من الفصول اليومية والأسبوعية والشهرية ما ينبغي أن يصدر في نظام ودقة واطراد؟! فالصحف المنتظمة المطردة لا تمنع الكُتَّاب من الإجادة فيما يكتبون لها فحسب، ولكنها تمنعهم من الإجادة فيما يكتبون لأنفسهم وللناس.

    أستغفر الله! بل هي تمنعهم الكتابة لأنفسهم وللناس. صدِّقْني أيها القارئ العزيز، إن الكُتَّاب الذين تضيق بهم وتقسو عليهم أبطالٌ في مصر حقًّا يحتملون من العناء ما لا تستطيع أنت أن تحتمل بعضه. وأي عناء يمكن أن يُقاس إلى هذا الحزن العميق الذي يجده الكاتب حين يخطر له الموضوع الطريف فيود لو يفرغ لدرسه والكتابة فيه، ثم يُصرَف عن ذلك أشد الصرف وأعنفه؛ لأنَّ المطبعة تريد منه الفصل الذي يجب أن يظهر في نظام واطراد.

    خطرت لي هذه الخواطر منذ ساعة حين فرغت من قراءة فصل في النوفيل ليترير حول تحقيق يشتغل به بعضُ الناس في فرنسا، وموضوعه هذه المسألة: «أيستطيع الكُتَّاب أن يكونوا صحفيين؟» وصاحب هذا الفصل يجيب: «نعم» في شيء من الاحتياط. أما أنا فأحب أن أعكس المسألة: «أيستطيع الصحفيون في مصر أن يكونوا كُتَّابًا؟» ففي مصر صحافيون، فأما الكُتَّاب بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة فأخشى أن أقول: إنهم سيُوجَدون أن شاء الله بعد زمن طويل أو قصير، ولكنهم سيُوجَدون.

  • الأدب العربي والتمثيل

    الأدب العربي والتمثيل
    طه حسين
    مجلة المصور
    ١ يونيو ١٩٣٤

    وسؤال آخر لا بد من إلقائه، ومن إطالة الوقوف عنده والتفكير فيه، وهو: ما بال أدبائنا لا يُعْنَوْنَ بفن التمثيل، ولا يُقبِلون عليه؟ وما بال الذين يُقبلون منهم على هذا الفن لا يُوفَّقون فيه إلى الإجادة، ولا يظفرون فيه بالإتقان؟

    فأمَّا أنَّ أدباءنا لا يُعنَون بالتمثيل ولا يُقبلون عليه فشيء واضح محقَّق ليس إلى الشَّكِّ فيه من سبيل. فأنت قادر إنْ شئت على أن تُحصي الأدباء المصريين الذين هَمُّوا بالإنتاج في فن التمثيل فلن تبلغ بهم خمسة، ولعلك لا تتجاوز بهم ثلاثة. وأمَّا أنَّهم حين أقبلوا على فن التمثيل لم يُوفَّقوا إلى الإجادة كلها، ولا إلى الإتقان كله، بحيث نستطيع أن نقول إنَّ فنَّ التمثيل لم يوجد بعدُ كما ينبغي في الأدب العربي؛ فذلك شيء لا يحتاج إثباته إلى مشقة ولا عناء. فحدِّثني عن القصة التمثيلية العربية الرائعة التي عرضت على النَّاس ففُتِنُوا بها وتهالكوا عليها وألَحُّوا في استمرار عرضها، وأَلَحُّوا كذلك في الاختلاف إليها، وآمنت عامتهم بأنَّها تجد فيها متاعًا ولذة، وآمنت خاصتهم بأنَّها تجد فيها كل ما ينبغي من الخصائص والشروط التي تجعل القصة التمثيلية قصةً تمثيلية حقًّا خليقة بالحياة وطول البقاء.

    وهنا لا تستطيع أن تنسى شوقي — رحمه الله — فقد أقبل على التمثيل في آخر أيامه، وفتح للشعراء بابًا لم يكونوا قد ولَجوه من قبلُ، وقدَّم إلى الملاعب طائفة من القصص التمثيلية الشعرية في موضوعات مختلفة، منها العربي، ومنها المصري الروماني، ومنها المصري الفارسي، ومنها غير ذلك من هذه القصص التي شهدها الناس وقرءوها وأُعجبوا بها حينًا ثم أعرضوا عنها إعراضًا، ومن الجحود والظلم أن يُنكَر فضل شوقي في هذا الباب؛ فليس قليلًا أن يُقدِم شاعر على ما لم يُقدِم عليه الشعراء من قبلُ، وأن يُوفَّق من الإجادة في ذلك إلى حَظٍّ لا بأس به، ولكن من الإسراف والظلم أيضًا أن يُقال إنَّ هذه القصص التمثيلية الشعرية التي أنشأها شوقي — رحمه الله — قد أرضت حاجة فن التمثيل، وقاربت مُثُلَه العليا، إنَّما كانت محاولة قيمة خصبة لا بأس بها، لولا أنَّ الشَّاعر أقبل عليها بعد أنْ أدركه الضعف، ونال منه الإعياء، وهذه أيضًا حَسنة من حسنات شوقي تثبت أنَّه لم يفتر ولم يكِلَّ عن الإنتاج، بل عن الإنتاج الشاقِّ العنيف إلى آخر لحظة من لحظات حياته، وإذا كانت هناك لائمة ينبغي أن تُساق إلى أحد فهي لا تساق إلى شوقي — رحمه الله — وإنما تُساق إلى غيره من الأدباء الذين كان لهم من القوة والنشاط وسعة الثقافة وعُمقها وتنوُّعها ما لم يكن لشوقي، والذين لم يُقبلوا مع ذلك على فَنِّ التمثيل قبل أن يُقبل عليه شوقي، ولم يُحاولوا العناية به بعد أن فتح لهم شوقي هذا الباب. ومهما يكن من شيء فقد كانت قصص شوقي غناءً شعريًّا جميلًا في أكثر الأحيان، ولكنَّها لم تكن تمثيلًا بالمعنى الفني الدقيق لهذه الكلمة.

    وكذلك لا تستطيع أن تبلغ هذه المنزلة من التفكير دون أن تذكر هاتين القصتين الرائعتين اللتين وضعهما توفيق الحكيم وأخرجهما للنَّاس في هذه الأشهر الأخيرة، وهما: «أهل الكهف» و«شهرزاد»، وقد بينت رأيي في الأولى، ولعلي أُبيِّن رأيي في الثانية قريبًا. وهما على كل حال من أجمل ما أخرج للنَّاس في هذا العصر الأدبي الحديث، ولكنهما قصتان تُقرآن فتُحدِثان في نفس القارئ فنونًا من اللذة والرضى، على أن يكون القارئ مثقَّفًا واسع الثقافة مستنيرًا عظيم الحظ من المحصول الأدبي والفني. فإذا قُدِّمَتا إلى الملعب وعُرِضَتا على النظارة فلست أدري كيف يكون حالهما، ولا إلى أي مصير تنتهيان. ومصدر هذا ارتفاعهما عن جمهور النظارة من جهة، وتجاوُزُهما — أو تجاوُز إحداهما على الأقل؛ أهل الكهف — لبعض الحدود الفنية الدقيقة في التمثيل.

    وإذن فلم توجد القصة التمثيلية التي إذا قُدِّمت إلى الملعب، وعُرِضَتْ على النظارة أرضت حاجة الأدب والملعب، وحققت وجود التمثيل في الأدب العربي الحديث؛ وإذن فقد يكون من الخير أن نتبيَّن السبب الذي حال بين الأدب العربي الحديث وبين الظفر بفن التمثيل.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في اللغة العربية عن احتمال هذا الفن وتأدية رسالته إلى الناس كما يقولون، فهذا كلام لا يُغني. وما دامت اللغة العربية قد وسِعت ما تُرجم إليها من التمثيل الأجنبي، وما دام الشعر العربي قد وسِع ما حاول شوقي أن يحمله من التمثيل، وما دام النثر العربي قد وسِع ما أراد توفيق الحكيم أن يحمله من التمثيل؛ فمِنَ السُّخف أن تُتَّهم اللغة العربية بالعجز أو القصور أو الضيق عن احتمال هذا الفن.

    ومن المحقق أنَّ أممًا أخرى لم يكُن لها عهد بالتمثيل، ولكنَّها رأت اليونان يُمثِّلون فحاولت تقليدهم فوُفِّقَت، وجعلت التمثيل فنًّا من فنونها، وبرعت فيه إلى حدٍّ بعيد. فليكن أمرنا كأمر هذه الأمم نحاول التمثيل مُقلِّدين، ثم لا نلبث أن نثبت شخصيتنا المبتكرة فيه.

    ولا تقل إنَّ هذا السبب قصور في الطبيعة المصرية نفسها عن احتمال أثقال التمثيل؛ فالمصريون معروفون بأنَّهم أبرع النَّاس فيما تحتاج إليه إجادة التمثيل من التقليد والمحاكاة، ومن الحركات التي تختلف خِفَّةً وعنقًا، ومن إظهار العواطف الخفية، وإخفاء العواطف الظاهرة. والمصري في الشارع ممثِّل دائمًا حين يختصم وحين يلهو، وحين يحاور وحين يشتري أو يبيع، ولعل أوَّل أثر تتركه شوارع القاهرة والإسكندرية في نفس الأوروبيين هو أنَّ المصري ممثِّل بالطبع، وما لنا نذهب بعيدًا وقد أردنا تقليد الأوروبيين في حياتنا العامة كلها فلم نجِد في ذلك مشقَّة ولا جهد حتى خدعنا الأوروبيين عن أنفسهم وعن أنفسنا، وأقنعنا كثيرًا منهم، وخيَّلنا إليهم كلهم أننا قد أصبحنا مثلهم في كل شيء.

    نحن إذن ممثِّلون بالطبع، وممثلون بارعون، ولغتنا قادرة على احتمال أعباء التمثيل، والنهوض بأثقاله، والنفاذ إلى أسراره ودقائقه. فما الذي يحول بين أدبائنا وبين العناية بالتمثيل؟ وما الذي يمنعهم من الإجادة فيه إن حاولوه؟ شيئان لا ثالث لهما فيما أظن، شيئان ستجدهما دائمًا كلما التمست الأسباب لمظهر من مظاهر الضعف في حياتنا الأدبية والفنية، وهما: ضآلة حظِّنا من الثقافة، وضآلة حظنا من الحرية. فنحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن يجب أن نعرف ما ينبغي أن نقلِّد، يجب أن ندرس فنَّ التمثيل كما عرفتْه الأمم الأخرى في عصورها القديمة والحديثة. يجب أن نتقن هذا الفن، ونحسن العلم بأسراره وأطواره وفنونه المختلفة. يجب أن تدرَّس لنا آيات التمثيل دراسة واسعة عميقة دقيقة تُظهرنا على ما فيه من الجمال، وتُحبِّب إلينا هذا الجمال، وتدفعنا إلى تقليده ومحاكاته، ونقل روائعه إلى لغتنا العربية، فأين يُدرَّس التمثيل في مصر؟ وأين تُدَرَّس الآداب التمثيلية في مصر؟ وأين الأديب الذي يستطيع أن يقول إنه قد ظفر بثقافة أدبية تمثيلية واسعة حقًّا؟ ثم أين النظارة التي تُلِمُّ بما ينبغي أن يُلِمَّ به المثقَّف العادي من أمور التمثيل؟ ونحن قادرون على التقليد بارعون فيه، ولكن على أن يباح لنا التقليد فيما لا حظر منه على القانون أو النظام الاجتماعي، فهل يستمتع أدباؤنا بهذه الحرية الأدبية الفنية التي تبيح لهم أن يعرضوا لما يشاءون من الموضوعات، ينشِئون فيه القصص التمثيلية ويقدمونها إلى الملعب وقد تناولوا فيها ما أرادوا من فنون الحياة العامة والخاصة بالنقد والتحليل؟ كلا. ليس لأدبائنا هذا الحظ من الحرية، وإنما هم مقيَّدون بقيود وأغلال ثقال، منها المراقبة الرسمية التي لا تُبيحُ من ذلك إلا ما يرضيها هي، ومنها المراقبة الشعبية التي لا تُبيح من ذلك إلا ما يُرضي ذوقها الخاص، ومنها ألوان أخرى من المراقبة من الخير ألَّا نعرض لها الآن. وما أحسب الناس إلا يعرفونها حَقَّ المعرفة، وإذا حُرِمْنَا الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فليس الغريب أننا لا نُعنى بالتمثيل، وأننا لا ننتج فيه، وإنَّما الغريب أن نُعنَى به مثل ما عُنِينَا به إلى الآن، وأن ننتج فيه مثل ما أنتجنا إلى الآن.

    ستقول: ومن الملوم على حرمان المصريين ما ينبغي لهم في الفن والأدب من الثقافة والحرية؟

    والجواب يسير؛ فليس هناك اثنان ملومان، وإنَّما هناك مقصِّر واحد ومَلُوم واحد وهو الدولة؛ لأنَّ الدولة في مصر قد استأثرت إنْ خطأً أو صوابًا بالثقافة والحرية توزعهما على النَّاس متى شاءت وكيف شاءت، وبالمقدار الذي يرضيها، فإذا شكا المصريون من أنَّ حظَّهم من الثقافة ضئيل فهم إنَّما يشكُون بخل الدولة عليهم بحقهم من الثقافة، وإذا شكا المصريون من أنَّ حظهم من الحرية ضئيل فهم إنَّما يشكُون بُخل الدولة عليهم بالحرية، وقد أراد الله ألَّا يأخذ المصريون حاجتهم من الدولة قسرًا، وإنَّما يتقاضونها ما يريدون بالطلب والإلحاح والغُلُوِّ في الإلحاح، فتُعطي حينًا وتمنع أحيانًا. ومهما يكن من شيء فإنَّ نشأة التمثيل — وأريد التمثيل الصحيح الذي يستحق هذا الاسم — نشأة التمثيل في الأدب العربي الحديث ضرورة من ضرورات الحياة المصرية الحديثة؛ لأنَّ المصريين — مع الأسف أو مع السرور — قد أصبحوا شعبًا لا يقنع بالحياة المادية والترف المادي، وإنَّما يُريدون حياة عقلية وترفًا عقليًّا. والتمثيل من مقومات الحياة العقلية والترف العقلي، فليس للمصريين منه بُدٌّ، وليس للمصريين سبيل إليه إلا أن يظفروا بحقهم من الثقافة الواسعة والحرية الواسعة، فلينظر المصريون كيف يظفرون منهما بما يريدون.

  • النقد والطربوش وزجاج النافذة

    النقد والطربوش وزجاج النافذة
    وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشية مسلم بن الوليد في بيته المشهور:
    إذا ما علت منا ذؤابة شارب … تمشت به مشي المقيد في الوحل
    وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارا، وأذكت فيها لهيبا ونارا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعره الطويل حاد كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يعبث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظاهر الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفرى وتأبط شرا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
    كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجا من الإطالة وإشفاقا من الإطناب، وإيثارا للإيجاز البليغ.
    وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثا طويلا أو قصيرا، وأعرض عليك فيه صورا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتساما وضحكا، أو عبوسا وتقطيبا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
    وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحاما، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إلي، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
    وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصب السماء من سائل وجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
    وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظا عظيما، فجعله شاعرا مجيدا وكاتبا بارعا، وناقدا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبا له وإلحاحا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرؤون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضا كان المازني شقيا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
    فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأكره المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقا ولا مخللا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تهان وتمرغ في الوحل تمريغا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
    والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، ما دام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، ما دام قد أقبل على صناعته هذه راضيا بها أو مكرها عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضي عنه أو سخط عليه.
    وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرض، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناولوه بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فها أنا ذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد أن ينقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردا كالمردة وشيطانا لا كالشياطين.
    أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أننا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيما.
    مجلة الرسالة ٢٦ – ٣ – ١٩٣٤

  • إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره

    إحياء الأدب العربي – ضرورته وبعض صوره
    طه حسين
    مجلة الهلال
    فبراير ١٩٣٤

    في كلمة «الإحياء» هذه تجوُّز غير مستحسن ولا مستساغ؛ فليس الأدب العربي ميتًا، ولم يمت الأدب العربي منذ عرفه التاريخ فيحتاج إلى الإحياء. إنما اختلفت عليه أطوار يعرفها الناس من الفتور والضعف، وكان آخر هذه الأطوار هذا الطور الذي أدركه القرن الماضي، وجدَّ في إزالته أو تغييره فوُفِّقَ في ذلك إلى الكثير.

    ثم جاء هذا القرن فكان حظه من التوفيق أكمل وأشمل، ولعل مصدر هذا التجوُّز الرديء خطأ أو تقصير في ترجمة الكلمة الفرنسية رينيسانس، فلأمرٍ ما خطرت لنا هذه الكلمة وخطر لنا معناها وتاريخها عند الغربيين حين وازنَّا بين أدبنا العربي الحديث وأدبنا العربي في العصور التي سبقت عصرنا هذا الذي نعيش فيه؛ فلم نرَ بدًّا من أن نعبر عن نشاط أدبنا بعد فتوره، وقوَّته بعد ضعفه بما عبر به الفرنسيون عن حياة الآداب القديمة بعد موتها، ويقظتها بعد نومها الطويل، ومع ذلك فقد كان الفرق عظيمًا بين حياة الأدب العربي في عصور ضعفه وخموده، والآداب اليونانية واللاتينية في أواخر العصور الوسطى: كان الأدب العربي حيًّا ولكنه كان مريضًا، وكانت الآداب اليونانية واللاتينية ميتة أو قريبة جدًّا من الموت، لا يكاد أحد يعرف من أمرها شيئًا.

    كان الناس يعرفون اللاتينية، ولكنهم كانوا يعرفونها من حيث هي لغة الكنيسة، ولغة ما كان عندهم من الفلسفة. أما اللاتينية من حيث هي لغة الأدب على اختلاف صوره أو أشكاله فكانوا يجهلونها جهلًا عميقًا. فأما اليونانية فقد كان المثقفون من أهل القرون الوسطى إذا رأوا نصًّا من نصوصها مكتوبًا قالوا تلك الجملة التي سارت مَسِيرَ الأمثال: «يوناني فلا يقرأ.»

    فليس غريبًا أن تُسَمَّى هذه الحركة — التي ظهرت في عصر النهضة وردت الحياة إلى آداب اليونان والرومان وأذاعتها بين الناس — إحياءً أو بعثًا؛ لأنها كانت كذلك في واقع الأمر. أما أدبنا العربي فقد كان قبل هذا العصر الحديث حيًّا بأدق معاني هذه الكلمة؛ كان الناس يتخذونه مظهرًا لما يحسون ويشعرون، ووعاءً لما يفكرون وينتجون. كانوا يكتبونه ويجرونه على ألسنتهم. كانوا إذا أرادوا أن ينظموا الشعر نظموه عربيًّا مستقيم المادة والصورة والوزن، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا النثر كتبوه عربيًّا سائغًا لهم محببًا إليهم، وكانوا إذا أرادوا أن يكتبوا العلم والفلسفة كتبوهما في لغة عربية لا فساد فيها.

    وكان كل ما يشكو منه الأدب العربي إنما هو الضعف والفتور وقصور الكائن المريض، وكان مصدر هذا المرض أن أصحابه كانوا مرضى، فلما أبلُّوا من مرضهم شيئًا أَبَلَّ الأدب معهم من مرضه شيئًا؛ فالعصر الحديث لم يُحْيِ الأدب العربي، وإنما نَشَّطه وقوَّاه وأذكى جذوته. والناس يتساءلون بعد ذلك: أكان ضروريًّا تنشيط هذا الأدب وتقويته وإذكاء جذوته؟ ومعنى هذا السؤال: أن الناس حين يلقونه يريدون أن يتبيَّنوا أكان ضروريًّا أن ينشطوا هم بعد فتور، ويقوَوْا بعد ضعف، وتذكو جذوة نفوسهم وقلوبهم وعقولهم بعد خمود؟! واضح أن أقل ما يوصف به هذا السؤال أنه غريب؛ فكل مريض مدفوع بطبيعته إلى حب الصحة والرغبة فيها، وكل ضعيف مدفوع بطبيعته إلى حب القوة والطموح إليها، فإذا ظفر المريض بالصحة حرص على استبقائها، وإذا ظفر الضعيف بالقوة حرص على الاستزادة منها.

    ولقد يكون من المضحك أن نتصور الشرقيين من العرب وقد صحت نفوسهم وعقولهم وقلوبهم، ولكن ألسنتهم مع ذلك لا تُبِين وأقلامهم مع ذلك لا تجري بما يصور هذه النفوس الصحيحة القوية، وهذه العقول الخصبة الزكية، وهذه القلوب الغنية بألوان العواطف والشعور؛ هذا شيء لا سبيل إليه، بل لا سبيل إلى تصوُّره إلا لمن يريد العبث والدعابة.

    فنشاط الأدب العربي إذن ظاهرة لم يكن منها بدٌّ، دُفِعْنَا إليها دفعًا وأُكْرِهْنا عليها إكراهًا، ولم تكن لنا طاقة بالعدول عن هذه الظاهرة ولا بالمضي في حياتنا الحديثة سراعًا وتخليف الأدب من ورائنا مغرِقًا في النوم. ومع ذلك فإنَّا لم نأخذ من تنشيط الأدب العربي في أول الأمر إلا بأبسط صوره وأيسر أشكاله ومظاهره: وجدت بيننا المطبعة فأردنا استعمالها؛ فنشرنا بعض ما كان عندنا من الكتب، وبعض ما أوحت إلينا الحياة من خواطر، ثم أعجبتنا نتيجة هذا النشر؛ فأغرينا بها ومضينا ننشر الكتب ونحاول تأليفها، وكلما ظفرنا من ذلك بقسط دعانا الظَّفَر إلى أن نبتغي قسطًا آخر، حتى انتهينا من نشر الأدب القديم إلى حيث نحن الآن. وظاهر أن هذا النشر لم يكن غاية تُقصَد لنفسها، وإنما كنا ننشر الكتب لنقرأها، وكنا نقرؤها لنجد فيها اللذة والعلم، وكنا إذا وجدنا اللذة والعلم حاولنا المجاراة والتقليد؛ فكانت النتيجة الأولى لنشر الأدب القديم في الكتب والصحف: نشره في النفوس، ودفع النفوس إلى الإنتاج.

    وكل ما أخافه، وكل ما آسف لأننا تورطنا فيه بالفعل هو أن نظل على ما كان عليه آباؤنا الأقربون من فهم النشر والإذاعة للأدب القديم؛ فنشر الكتب عندنا إلى الآن نَسْخٌ ليس غير. هو تكرار لنسخة مخطوطة من كتاب نظفر بها، فنريد أن نكررها ونذيع منها صورًا كثيرة بين الناس. على ذلك مضينا منذ بدأنا ننشر الكتب، ولم نكد نتجاوز هذا الطور إلا قليلًا. على حين أخذ الأوروبيون من قبلنا ينشرون أدبنا العربي نشرًا علميًّا صحيحًا دقيقًا محقَّقًا بمقدار ما سمحت لهم ظروفهم الخاصة؛ فكانت الكتب التي نشروها أقوم جدًّا وأدنى جدًّا إلى النفع والفائدة والصواب من الكتب التي نشرناها.

    ويكفي أن تنظر لتاريخ الطبري الذي أذاعه الأوروبيون، والذي أذعناه نحن؛ لتتبين ما بينهما من الفرق المؤلم العظيم. وأغرب من هذا وأدعى إلى الحزن أن قومًا منا اتخذوا نشر الكتب تجارة، وليس بذلك بأس، ولكنهم جعلوا الغش والتدليس والإهمال قوام تجارتهم؛ رأوا كتبًا نشرها الأوروبيون مُحَقَّقَة مدروسة فنشروها في غير درس ولا تحقيق، وانتبهوا بها إلى لون من الفساد يراه الأوروبيون فيحنقون ويسخرون ويزدرون.

    وأغرب من هذا أن كتبًا أخرى سبقنا نحن إلى نشرها على طريقتنا المهملة، فتداركها الأوروبيون بالتنقيح ووضع الفهارس. وقصة الأغاني وخزانة الأدب وصبح الأعشى مشهورة ذائعة بين الناس. وقد عنيت الدولة منذ زمن بعيد بما سمته إحياء الأدب العربي؛ فأخذت في نشر كتب كثيرة، ولكن عنايتها هذه لم تزد على أن كررت النسخ المخطوطة وأذاعتها؛ رقَّت الكم ولم ترقِّ الكيف، كما يقول أصحاب المنطق.

    والآن وقد قامت الجامعة وأُنْشِئ المجمع اللغوي، نرجو أن يُوَفَّق المصريون إلى أن يذيعوا الكتب القديمة على وجه ملائم لحاجة الناس وأصول العلم، وما نظن أن ذلك سيكون يسيرًا أو قريبًا؛ فإن لذلك سننًا وتقاليد جاءت للأوروبيين من عنايتهم القديمة بإحياء الآداب اليونانية واللاتينية، ولن نظفر نحن من ذلك بما ظفر به الأوروبيون إلا إذا عرفنا ما عرفوا وسلكنا من الطرق ما سلكوا، ونحن مع الأسف بعيدون من ذلك كل البعد. على أن هذا المظهر من تنشيط الأدب القديم هو أبسط المظاهر كما قلت وأدناها إلى السذاجة، فأما التنشيط الصحيح الخصب فهو في شيء آخر غير النشر وغير التقليد، وله فيما أظن مظهران أساسيان: أحدهما يأتي من العلماء، والثاني يأتي من الأدباء.

    فأما المظهر الأول فهو هذا الدرس العلمي الدقيق العميق الذي يمكِّن العلماء من تصوير الأدب القديم على اختلاف أشكاله وإظهاره للناس كما كان، وكما ينبغي أن يفهمه العقل الحديث، وقد أخذنا نسعى في ذلك ونبلغ منه طورًا مهما يكن يسيرًا فليس به بأس، وهو بدء حسن لطريق خصبة تبشر بالفوز العظيم. ويكفي أن تقرأ طائفة من الكتب التي أخذت تظهر في درس الأدب العربي منذ أول هذا القرن لترى أننا لم نقف عند الإذاعة والتقليد.

    وأما المظهر الثاني فهو تَأَثُّر نفوسنا وقلوبنا وشعورنا وعواطفنا بحياة القدماء وآثارهم، وإظهار هذا التأثر في لغة حديثة بأسلوب حديث، يقرؤه الناس فلا يعدلون به، ولا يؤثرون من دونه ما يكتبه الأوروبيون من آثارهم المختلفة. هو هذا التملك لحياة القدماء والاستئثار بها والاستيلاء عليها، واتخاذها حياة لنا نحسُّها ونشعر بها كما كان يحسها القدماء أنفسهم وكما كانوا يشعرون بها، ثم نصورها بلغتنا الحديثة وأسلوبنا الحديث كما كانوا يصورونها بلغتهم القديمة وأسلوبهم القديم. هذا هو النحو من التعاون الأدبي بين الأجيال، الذي جعل الإلياذة غناءً بعد أن كانت قصصًا، ثم جعلها تمثيلًا بعد أن كانت غناءً، والذي جعل آداب اليونان أوعية لحياة الرومان، ثم جعل آداب أولئك وهؤلاء أوعية لحياة الأوروبيين المحدثين.

    هو هذا النحو الذي مَكَّن كورني وراسين وشكسبير وجوت من أن يستغلوا أدب القدماء من اليونان والرومان؛ فينتجوا آثارًا خالدة من آيات البيان الإنساني الباقي على الزمن. هذا النحو هو الإحياء الصحيح للأدب القديم، وهو الذي لم نكد نتقدم فيه قليلًا ولا كثيرًا، وإذا كان الفحول الذين أشرت إلى بعضهم آنفًا من الأوروبيين قد استطاعوا أن يبلغوا ما بلغوا من إحياء الآداب اليونانية واللاتينية على هذا النحو مع اختلاف ما بينهم وبين اليونان والرومان من الصلات، ومع بُعد الزمن وتباين الجنس واللغة والدين والثقافة، فكيف بنا نحن والفروق بيننا وبين العرب القدماء إن مسَّت الزمن والبيئة والثقافة فهي لا تكاد تمسُّ الجنس، وهي لا تمس اللغة والدين بحال من الأحوال، ولكن السبيل إلى هذا الإحياء طويلة شاقة عسيرة، قوامها قبل كل شيء تقريب الأدب القديم من نفوس الشباب، وتمكينهم من أن يفهموه على وجهه ومن أن يمزجوه بنفوسهم وحياتهم كلها. وإنما يكون ذلك في المدرسة أولًا، وأين مدرستنا من هذا؟! ومتى تصل مدرستنا إلى هذا؟!

  • بول فاليري

    بول فاليري

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٥ ديسمبر ١٩٣٣

    النص الحرفي للمحاضرة التي ألقاها مساء أمس الأستاذ الدكتور طه حسين بجمعية الشبان المسيحيين.

    أيها السادة

    كُنت أُريد أنْ أبتدئ هذه الكلمةَ بشكر خالص أُقَدِّمُه لجماعة الشبان المَسيحيين؛ لأنها تفضلت فطلبَتْ إليَّ أنْ أتحدَّثَ إليكم في هذه المُحاضرة عن بول فاليري Paul Valery ، وكنتُ أريد أنْ أَتَنَاوَل في هذا الشكر موضوعًا خاصًّا، وهو أنَّها حينَ قبلت أنْ أتحدث في هذا الموضوع قد أتاحت لي فرصة من الفرص السعيدة، فرصة أنْ أَخْلُو إلى كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، وشاعر من أكبر الشعراء، وفيلسوف من أرقى الفلاسفة أسبوعًا أو أكثر من أسبوع.

    ولست أدري أأستطيع في أثناء هذه المُحاضرة أنْ أُقَرِّب إليكم بعض الشيء مذهب هذا الكاتب الشاعر الفيلسوف الذي سأحدثكم عنه، ولكني أعلمُ عِلمًا يقينًا أني قد استفدت في هذا الأُسبوعِ فائِدَةً جَلِيلَة قيِّمة، وأنا مدينٌ لجمعية الشبان من هذه الناحية.

    ولكنِّي لم أَكَدْ أدخل هذا المكان حتى رأيتُ شَيئًا آخر يجعل واجب الشكر ثقيلًا، ويجعل الحظ الذي أقدمه منه مُضاعفًا، وهو هذا الاستقبال الذي تفضلتم به عليَّ، والذي لا أدري كيف أصفه لنفسي، والذي لا أدري كيف أشكره لكم، هذا الاستقبال الذي جعلني أشعر أنَّ بين المصريين من يتفضل فيحب هذا الشخص الضعيف، ويستقبله هذا الاستقبال الذي أرى أنِّي لا أستحقُّ بعضه، فضلًا عن أنْ أستحقه كله.

    وأريد الآن أنْ لا أنفق كثيرًا من الوقت في هذه الموضوعات التي يُنفق فيها المحاضرون أوقاتهم من الشكر والتَّحِيَّة. أُريد أنْ أهجم على الموضوع الذي سأتحدث عنه هجومًا، وأؤكد لكم أني في حاجة إلى شجاعة عَظيمة جدًّا لأُهاجم هذا الموضوع الخطير، ويكفي أنْ تعلموا أني سأحدثكم عن رجل أقل ما يُوصَف به أنه غير مفهوم، سأحدثكم عن رجل يكتب في لغة الوضوح والجلاء، وهي اللغة الفرنسية، ويكتب لشعب من أرقى الشعوب ومن أقدرهم على فهم النثر والشعر والفلسفة، ويكتب في عصر ارتقى فيه العقل، والعقل الاجتماعي بنوع خاص، حتى استطاع أن يحل كثيرًا من المشكلات والألغاز، وهو من أجل هذا كله غير مفهوم من كثير من الفرنسيين.

    بول فاليري علم الأدب الفرنسي في هذا العصر، وُلِدَ سنة إحدى وسبعين وثمانمائة وألف، ولم يكد يبلغ العَاشرة مِنْ عمره حتى سافر إلى إنجلترا، فأقام فيها وقتًا قصيرًا، ثم رجع إلى فرنسا، فأمضى فيها فيما يمضي فيه الشبان الفرنسيون من الدرس، حتى أتمَّ دراسته الثانوية، ولما بلغ الثامنة عشرة من عمره اتصل بالأُدباء البَارزين في ذلك الوقت اتصال قراءة، ثم لم يزل يتقدم في دراسته تقدمًا هادئًا، غير مُسرع حتى كانت سنة ١٨٩٤م فسافرَ إلى إنجلترا، وأقام فيها وقتًا طويلًا، وفي هذه المرة اتصل بجماعة كثيرة من شعراء الإنجليز وكُتَّابهم، ورجال الأدب والصَّحَافة والفن فيهم، ويَظهر أنه تأثر كثيرًا بهذه الإقامة الطويلة في بلاد الإنجليز، ثم عاد إلى فرنسا، وكان في ذلك الوقت يُحب الشعرَ، ويُحاول أنْ يَقُوله، فقال طائفة من القَصَائِدِ ونَشَرها في بعض المَجلات الأدبية التي كانت كثيرة مُنتشرة في ذلك الوقت.

    ولم تمضِ أعوامٌ حَتَّى كان بول فاليري منَ الأشْخَاصِ المَعْرُوفين البارزين في فرنسا، تستبق المجلات الفرنسية إليه وتطلب منه أن يمنحها بعض ما يُنتِجه من الشعر، وبعض ما ينتجه من النثر، ولكنه لم يكد يبلغ الثلاثين من عمره ولم يكد يظفر بهذا المجد الذي ظفر به في سرعة غريبة حتى انقطعت أخبَارُه فجأة، وأَخَذَ النَّاسُ يسألون عنه فلا يَجِدُونه، ويتلمسونه فلا يهتدون إليه، وظلَّ كَذلك أَعْوَامًا طوالًا، ثم ظَهَر فَجْأة قُبيل الحرب، فإذا هذا الشخص الجديد مُخالف تمامًا لذلك الشخص الذي كانوا يعرفونه من قبل.

    ومن ذلك الوقت، أصبح بول فاليري شغلًا شاغلًا للكُتَّاب والأدباء والنُقَّاد والمُفكرين في فرنسا، ولا يكاد الناس يقرءون ما يكتب، أو ما ينظم من النثر والشعر؛ حتى يشتد الاختلاف بينهم، وإذا هم يختصمون أشنع الخصومة، وإذا هُم يُنكر بعضهم بعضًا، ويرمي بعضهم بعضًا بالجهل والغباء والغموض والتكلف وما إلى ذلك من هذه الأشياء التي يتراشق بها الأدباء حين يختصمون، ثم في هذه الأعوام الأخيرة عَظُم أمر بول فاليري حتى فرض نفسه على الناس فرضًا، وإذا أكثر الناس إنكارًا له وإذا أشد الناس بُغضًا له، مُضَّطر إلى أنْ يُعجَب به سواءٌ أحبه أم لم يُحِبَّه، وإذا بول فاليري يتوَّج هذا التتويج الذي يعرفه الفرنسيون، فيُنتخَب عضوًا في المجمع العِلمي الفرنسي، فإذا هو أعلى الفرنسيين شأنًا وأجلُّهم في الأدب خطرًا، سواء في ذلك الشعر أو النثر أو غير ذلك من الفنون المُختلفة التي يَعْرِض لها الأدباء.

    كنت أقرأ صباح اليوم فصلًا كتبه كاتب من أكبر الكُتَّاب الفرنسيين، مات منذ شهرين، وهو القس بريمون عن بول فاليري مقدمة لكتاب وُضِع عن هذا الشاعر؛ فرأيتُ هذا الكاتب العظيم مَفتونًا ببول فاليري فتنة غريبة حقًّا فتنة تخرجه عن طوره وتضطره أنْ يقول: «إني أقرأ هذا الكتاب فلا أفهمه، ولكن امتناعه عليَّ، لا يخيفني، ولا يخذلني، ولا يَصْرِفني عن قراءته، بل يغريني بهذه القراءة؛ ذلك أني لا أكاد أبتدئ قراءته حتى أُحِسَّ أنَّ هذا الرجل يقولُ شيئًا خطيرًا، لا بُدَّ من فهمه والوصول إليه، فأتكلف في ذلك ما أتكلف، وأبحث وأُنَقِّب وأقرأ، ثم أقرأ، ثم أعيد ما قرأت، ولكني لا أفهم شيئًا، وكلما اشتد عليَّ الغموض، ازددتُ شغفًا به؛ ذلك لأني أجدُ في ألفاظه مُوسيقى لا يُمْكِنُ بحَالٍ منَ الأحوالِ أنْ ينصرف الإنسان عنها أو يزهد فيها.»

    والوَاقعُ أنَّ شخصية هذا الرجل غريبة حقًّا، غريبة في جميع أطوارِهَا الفنية والعقلية، ويكفي أنْ تعرفوا بعض الآراء التي يراها هذا الرجل لتتبينوا أنه كاتب لا كالكُتَّاب، وشاعر لا كالشعراء، هذا الرجل من أقدر الناس على الكتابة بالنثر، ومن أقدر الناس نظمًا للشعر، وهو في الوقت نفسه أشد النَّاس بُغضًا للكتابة، وأشد الناس انصرافًا عن النَّظم، وهو يقولُ إنَّه لم يكتب قطُّ إلا مُكرهًا على الكتابة، ولولا أنَّه مُضطرٌ إلى أن يُعالج موضوعًا من هذه الموضوعات شعرًا أو نثرًا لما عالج شيئًا ولما كتب شيئًا؛ ذلك أن في هذا الرجل شخصين مُختلفين. أحد هذين الشخصين نفس بول فاليري، والآخر عقل بول فاليري.

    فشخصه الأول «نفسه»: هذا الشخص الذي يتألف من القلب والعاطفة، والشعور والميول والأهواء، هذا الشخص الذي يتألف منْ هذه الخِصَال التي تجعل الإنسان حَسَّاسًا مُتأثرًا بالأشياء، مُتأثرًا بما يَرى ويَقرأ ويَسْمَعُ.

    ثم إلى جانِبِ هذا الشخص شخصه الآخر «عقله»: هذا الشخص الذي يُريد أنْ يفهم ولا يريد أن يصدر إلا عن فهم وروية وبَصِيرَة، وتحليل، وتعليل، ووصول إلى كُنهِ الأشياء وحَقَائِقِها. وبينما نفس بُول فاليري مرآة صافية تنعكس فيها صور الأشياء والأهواء المُتباينة كما هي، فإذا هي تحب وتُسرف في الحب، وتُبغض وتُسرف في البُغض، وهي مُتأثرة بكل العوامل الحساسة. إذا عقل بول فاليري يضطره إلى الأناة، ويُكرهه على السكون، ويدفعه إلى أن يدرس وإلى أن يُحلل، وإلى أن يُعلل، وأن يضع كل خصاله وكل عواطفه وكل ما يحس موضع التحليل والتعليل والتشريح؛ فهو دائمًا يدرس نفسه ويُحلل نفسه، وهو دائمًا يُقارن بين ما يُحِسُّ وبين ما يجد وما يشعر وبين ما يُريد؛ لذلك قال كثير من الكُتَّاب الذين تنَاولُوا هذا الرَّجُل أن حياته ليست إلا مأساة عنيفة، ليست إلا خصومة مُحزنة مُمَزِّقة للقلوب بين عقله وبين نفسه.

    وقد أراد شاعر فرنسي مشهور — هو بول كلودل — أنْ يُفسِّر هذا النوع من الخصومة بين نفس الرجل العظيم وعقله، وضرب لذلك مثلًا، ثُمَّ جاء القسُّ بريمُون فطبَّقه على شاعره بول فاليري.

    هذا المثل ظريف في نفسه؛ وهو أنَّ هناك شخصين أحدُهما رجل والآخر امرأة، فأمَّا الرجل فيسميه ANIMUS ومعناها باللاتينية العقل، أما المرأة فيسميها ANIMA ؛ أي: النفس. فيقول بول كلودل إنَّ الحياةَ بين هذين الزوجين ليست يسيرة وليست سهلة، ولكنهما زوجان مُختصمان دائمًا، ومع ذلك فالزَّوجة هي صاحِبَةُ الثراء، وهي الغنية، وهي التي تُمَكِّن زوجها من الحياة بأوسع معاني هذه الكلمة، فهي التي حملت إليه المهر، وهي التي تهيئ له بيته، وتُعِينُه على كل ما يحتاج إليه ليعيش عيشة مُتْرَفة، وكانَ المَعْقُول أنْ يكون زوجها شاكرًا عارفًا بهذا الجميل، مُقَدِّرًا لهذه النِّعمة. وقد كان كذلك في أول الأمر، كان الزوج راضيًا مُغتبطًا سعيدًا، بمُصاحبة زوجه، وكانت المرأة سعيدة هي أيضًا، وقضيا على ذلك دهرًا لم يطُل؛ لأنَّ الرجل لم يلبث أن تمرَّد وتكبَّر وطغى على امرأته، ولم يلبث أن اعتقد أنه أكبر من أن تمن عليه امرأته؛ فتكبر عليها وأخضعها لسلطانه الذي يملؤه الطغيان والكبرياء، وأخذ يعرض عنها ويزدريها ويحتقرها، ثم ذاتَ يوم عاد هذا الزوج إلى مَنْزِله، وقبل أن يدخل سَمِعَ صوتًا جميلًا تسمع له؛ فإذا هو صوت عذبٌ رَقِيقٌ مُؤَثِّر، فلم يكد يتسمَّع له ويُطيل الاستماع حتى فُتِنَ به افتتانًا.

    ثم دخل على امرأته وطلب إليها أن تعيد ما سمعه، وأن تُغنِّي هذه المقطوعة مرة أخرى، ولكنَّ زوجه لقيته بشيء من الازدراء؛ فأخذ يحتال ويُسرف في الحيلة، ويسلك الطرق المُختلفة ليحمل امرأته على أن تُغنِّي، ولكنَّه لم يظفر منها بشيءٍ، بل كانتْ لا تراه حتى تنقطع عن الغِنَاء وتعود كما كانت امرأة عاديَّةً لا تمتاز بشيء، وصاحبنا كلف مشغوف بهذا الصوت يريد أن يسمعه.

    احتال وتنكَّر، وأخذ يخرج، ثم يعود فيستخفي، وتظن امرأته أنها وحيدة وأنه ليس هنا، فتُغَنِّي وهو يستمتع بالغناء، وما زال يسمع هذا الغناء ولكنَّ الرجل متكبر ممتلئ بنفسه شديد الغرور، ولا يُريد أن يكون مَدينًا لامرأته بشيء، حتى ولا بهذا الصوت الجميل الذي يسمعه؛ فإذا هو يُعاهدُ نفسه على أن يجد ويجتهد ويصطنع ألوانًا من الغِنَاء تُغْنِيه عن هذا النوع من الغناء الذي يسمعه من امرأته، فإذا هو يُوفَّق إلى ما يُريد، وإذا هو يستخرج من نفسه غناء أرقى، وأشد امتيازًا وأعظم تأثيرًا من هذا الغناء الذي كان يسمعه من امرأته.

    هذا المثل الذي ضربه كلودل يمثل لنا الخصومة أو الاختلاف الذي يوجد بين نفوس الشعراء وبين عقولهم، هو بالضبط المثل الذي يُعيننا على أن نتَصَوَّر هذا الرَّجل بول فاليري الذي هو نفس وعقل كما قلت لكم.

    بول فاليري عظيم الحِسِّ، دقيق الحسِّ جدًّا، خصب الشعور جدًّا، ولكنه إلى جانب هذا قوي العقل جدًّا بين عقله ونفسه خصومة عنيفة تنتهي بأنْ يتَغَلَّب العقل على النفس؛ العقل المُفكر المُحلل المُعلل على هذه النفس الشاعرة الطيعة التي تحس، ثم لا تلبث أن تتأثر بما تحس.

    كان بول فاليري في شبابه مُتأثرًا بعَواطِفه تأثرًا شديدًا، كانَ مُتأثرًا بما يجدُ وبما يُحس وبما يَشْعُر، وكان يُوشك أنْ يكون كغيره من الشُّعراء العَاديين رجلًا قد أسلم نَفْسَه لقلبه وعاطفته وحِسِّه وشُعوره، ولكنَّه لم يَلْبَثْ أنْ تَمَرَّد على نفسه وعواطفه، وأن أخضع نفسه لسُلطان العقل، يدرس ويحلل ويعلل وينقب عن أجزائها ويتبين ما فيها من عيوب ومَزَايا، وإذا هذا التشريح وهذا التحليل وهذا التَّعليل قد أقنعه بأنَّ العَقْلَ هو كل شيء، وأنَّ النفس لا ينبغي أن تكون شيئًا، وإذا هو يَتَّهِمُ كلَّ شيء يصدر عن الإنسان، ويتهم كل ما ينتجه الإنسانُ شعرًا أو نثرًا أو تَصْويرًا، أو أي ناحية من نواحي الفن، ولا يحفل به إلا إذا أخضعَهُ للعقل واستيقن أنَّه مُلائم لما يُريد العقل أن يكون الإنسان عليه.

    سُئِلَ بول فاليري في بعض الحديث ماذا كان يحبُّ أن يكون أثناء حياته؛ فقال إنه كان يتمنى أن يكون ضابطًا في البحرية؛ لأنَّه وُلِدَ في مدينة ست، وهي مدينة من مدن البحر في فرنسا؛ فنشأ ينظر إلى البحر، ويرى السفن الحَرْبية حين ترسُو إلى هذا الثغر؛ فكان إعجابه شديدًا جدًّا بالبحرية وبالبحرية الحربية بنوع خاص، وكان لا يتمنى شيئًا إلا أن يكون من ضباط البحر، ولكنه لم يستطع أن يُحقق هذه الرَّغبة؛ لأنه في صباه وشبابه لم يُتَح له بحال من الأحوال أن يفهم — ولو أقل فهم وأيسره — المسائلَ الرِّياضية، كانَ في الحساب تلميذًا رديئًا جدًّا، يُحاول أن يفهم بسائط الحِساب والهندسة والجبر؛ فلا يفهم شيئًا.

    وواضح جدًّا أنَّ الذي لا يستطيع أن يفهم بسائط الرياضة، لا أمل له أن يكون مُهندسًا بحريًّا ولا بريًّا. ولكنَّ الشيء الغريب أن غباوة بول فاليري في الرياضة حالت بينه وبين تحقيق هذا الأمل الذي كان يطمح إليه، فلم يستطع — لسوء حظه، أو لحسن حظه، أو لحسن حظ الناس جميعًا — أن يكون ضابطًا بحريًّا.

    ثم لم يكد يتقدَّم في السن حتى أصبح من أشهر العُلماء في الرِّياضيات؛ ذلك أنَّه وجَّه نفسه إلى الحساب وعلوم الرياضة بعد أن تجاوَزَ السن التي كان يستطيع أنْ يَكُون فيها ضَابِطًا من ضُبَّاط البحر، وجَّهَ نَفْسَه إلى الرياضة لا لأنه يُحب الرياضة، بل لأنه وجَّه نَفْسَه لكي يدرس نفسه، أراد أن يتبيَّن كيف يُفكر الناس ويُلاحظون ما حولهم من الأشياء، وكيف يستطيعون بهذا التفكير أن يصلوا إلى إيجاد العلم والآثار التي يخرجونها.

    ومعنى هذا أنه أهمل كل ما وصل إليه الناس من علم وفن، وبدأ يدرس من جديد الطبيعة والرياضة كأنه الإنسان الأول، وجد نفسه أمامَ لُغْزٍ من الألغاز هو هذا الكون، فأراد أن يدرس هذا الكون بنفسه من غير معونة عامل آخر من الناس، فابتدأ يدرس نفسه ويدرس ما حوله، وهَدَتْهُ هذه الدراسةُ إلى ما هدت إليه الناس من قبل، فوجد الرِّياضة أساسًا، وإذا هو من أقدر الناس في العلوم الرِّياضية.

    هذا الاستكشاف، استكشاف بُول فاليري للرِّياضة واختِرَاعُه لها من جديد كما اخترعه الرِّياضيون اليونان من قبل، اختراعه لقوانين المِيكانيكا والرِّياضة، كل هذا كان له أثرٌ عظيم جدًّا في فهم هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنَّه صاغ عقل هذا الرَّجل للأدب والفن؛ لأنه صاغ عقل هذا الرجل صيغة رياضية بحتة، فهو يتَحَدَّث إلى أصدقائه فيقول: «أنا واثقٌ أنَّ الرُّقي العقلي سينتهي إلى أنْ تَكون صيغ الجبر وصيغ الرياضة هي المثل الأعلى للناس حين يتكلمون وحين يتحدثون وحين يصدرون الآثار الفنية.»

    استكشاف بول فاليري لحقائق العلم وقوانينه ليس شيئًا ذا خطر في حقيقة الأمر؛ لأنَّه استكشف الهندسة والجبر، فلم يأتِ بشيء جديد إذا كان الناس قد استكشفوها من قبل منذ إقليدس.

    وليس من شك أن الرياضة ليست مدينة بشيء ما لبول فاليري، ولكنه على هذا كله قد جاء بنظرية جديدة في فهم الآثار الأدبية؛ فبول فاليري يعتقد أنَّ الأثر الأدبي الذي يستحقُّ أنْ يُسمَّى بهذا الاسم ليس في الحقيقة إلا أثرًا رياضيًّا، ليس إلا بناء ليس إلا أثرًا من آثار الهندسة، فمن أراد أن يكتُب فصلًا أو ينظم قصيدة فلا بُدَّ له من أنْ يخضع لقوانين الرياضة كما يخضع المهندس حين يُقيم بناء من الأبنية.

    وهذا في ظاهر الأمر شيء بسيط لا يكاد الناس يشعرون بأثره في حياة الأدباء، ولكنكم ستشعرون بهذا عندما ترون أنَّ بول فاليري يحتقر أشد الاحتقار نوعًا من الأدب هو الذي نُسميه الأدب الملهم، الأدب الذي يصدر عن الإنسان دون أن يتكلفه، ودون أن يَجِدَّ فيه ويصنعه صنعًا، الأدب الذي يصدر عن الإنسان، كما يصدر الضوء عن الشمس أو العبير عن الزهر، هذا الأدب الذي لا يَدَ للإنْسانِ فيه إلا أنَّه ينطقُ به، هذا الأدب لا يحترمه ولا يُحِبُّه، وهو يذكر أنَّ الأُدَبَاء الذين يَستوحون الطبيعة قومٌ يمُدُّون يدهم للصَّدقات التي تأتي إليهم من السماء.

    أخص ما يمتاز به بول فاليري هو أنه لا يريد أن يكون قابلًا في الفن وإنما يريد أن يكون فاعلًا، لا يريد أن يكون مُتأثرًا وإنما يريد أن يكون مُؤثرًا، لا يريد أن يهبط عليه الوحي إنما يريد أن يخلق الفن خلقًا.

    يريد أن يضع الشعر ويوحيه إلى الطبيعة، حاول إذن أن يوحي إلى الطبيعة، وحاول أن يحقق مثله الأعلى، وحاول أن ينشئ أدبه إنشاء، وأنْ يَخْلُقه على هذه الصورة العليا التي تمثلها، فوجد أنَّ هذا ليس بالشيء اليسير، ثم وَصَل إلى بعض النتائج، كتب ونظم، وإذا هو ينظر؛ فإذا ما نظم من الشعر لا يُعَبِّر بحال من الأحوال عما كان يُريد أن يقول، وإذا ما كتبه من النثر لا يُصور ما يريد أن يقول، فاعتقد أنَّ الإنشاء نثرًا وشعرًا أشياء لا ينبغي أن يعتمد عليها الإنسان الذي يُريد أن يُعَبِّر تعبيرًا صحيحًا عمَّا في نفسه، أعتقد أنَّ الإنسان خير له أن يفكر ويدرس ويحلل ويعلل ويتخيل ويتمثل ما يريد أن يتمثل من المعاني، وأن يكتفي بهذه اللذة الفنية الخالصة، ولا ينحط بهذه الصور إلى هذه المنزلة العادية المُبتذلة التي يتبادلها الناس حين يكتبون وينظمون؛ ولذلك انقطع عن الشعر وعن النثر وانصرف إلى الدرس والتفكير.

    في ذات يوم من سنة ١٩١٣م — فيما أظنُّ — طلب إليه جماعة من أصدقائه، وعلى رأسهم الكاتب الفرنسي «إدنري جيد» أنْ ينشر بعض شعره القديم في مجلة فرنسية كانت تنشأ في ذلك الوقت فأبى، ولكنهم ألحوا عليه فألح في الإباء، وأسرفوا في الإلحاح حتى قهروه فجمعوا له طائفة من شعره الذي نظمه حين كان شابًّا، وحين كان يُحاول أنْ ينظم الشعر وكتبوها على الآلة الكاتبة وعرضوها عليه، أخذَ هذا الشعر القديم وجعل ينظر فيه مع شيء من الاحتقار والازدراء، ثم خَطَر له أن يتناوله بشيء من الإصلاح؛ فأخذ يُغيِّر كلمة ويضع مَكانها كلمة أخرى، وأخذ يحذف هذا البيت، وإذا هو يجد لذة في هذا النوع من العمل، وإذا هو يحس أنه على احتقاره لهذا الشعر والنثر يجد لذة في هذا الشيء الحقير الذي يكرهه. ولكنه مع ذلك مُصِرٌّ على أنْ لا يكون شاعرًا ولا كاتبًا؛ فهو إذن في حرب عنيفة بينه وبين نفسه، ويجدُ لذة في مُعالجة الشعر فيُقرر أنْ يُنشئ قصيدة بسيطة قصيرة، يختِمُ بها ما قاله منَ الشعر ويَجعلها أشبه شيء بتوديع لحياة الشاعر، وكان يقدر أنَّ هذه القصيدة الأخيرة لن تزيد على أربعين بيتًا، ثم يُطلِّق بعدها الشعر طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه. فأخذ يفكر في هذه القصيدة، وأنتم تذكرون أنه لم يكن يستلهم الشعر من الطبيعة، بل كان يصنعه صنعًا، ثم أخذ يفكر؛ فإذا هو ينفق في قصيدته هذه أربعة أعوام، وإذا هذه القصيدة التي قَدَّر أن لا تزيد على الأربعين بيتًا، تبلغ نحو عشرة وخمسمائة أبيات، وأظنكم توافقونني على أنَّ أربعة أعوام في إنشاء هذه القصيدة شيء كثير، كنا نعرف في أدبنا العربي القديم أصحاب الحَوليات الذين كانوا ينفقون الحَوْل في تجويد القصيدة كزُهير والحُطيئة، أما صاحبنا بول فاليري فإنه لا يكتفي بالحول الذي نعرفه إنَّما الحول عنده أربعة أعوام.

    والظريف أنه أنشأ قصيدته هذه وسماها LA JEUNE PARQUE ؛ وهي قصيدة يصوِّر فيها الأطوار التي تختلف على ضمير الإنسان في ليلة من الليالي، أو حديث الضَّمير إلى نفسه في وقت من الأوقات.

    والظريفُ أنَّ هذه القصيدة خرجت للناس وقرءوها فلم يفهموا منها شيئًا، وأغربُ من هذا أن بول فاليري نفسه إذا سُئِلَ عن معنى هذه القصيدة لم يستطع أن يعرفه أو يفسره، ولا أنْ يُعلنه إلى الناس. وأغرب من هذا أن هذه القصيدة التي كان بول فاليري يريد أن يُودِّع بها الشِّعْرَ دَفَعَتْهُ إلى الشِّعْرِ دفعًا عنيفًا، فاندفع إلى قول الشعر، وإذا هو شاعرٌ رغم أنفه، ينظم الشعر كارهًا.

    والظريف اعتذار بول فاليري نفسه عن هذا الغموض الذي أُخِذَ عليه، فهو يقول لبعض مُحَدِّثيه إن أسباب الغموض ترجع إلى أمور، منها أن يكون المعنى الذي تريد أن تُعبِّر عنه من هذه المعاني التي ليس لها اسم معروف، فأنت مُضْطر أن تُصوِّر هذا المعنى مُلتمسًا في ذلك ألفاظًا لم تُوضَع له، هب أنَّ كلمة كُرْسِي مَثلًا ليستْ مَوجُودة في اللغة، وأنت تُريد أن تُؤدِّي إليه معنى كرسي بألفاظ لم تُوضَع له وأنت تجتهد في أن تُقَرِّب بين هذه الألفاظ وبين هذا المعنى؛ فإنَّ اجتهادك مَهْمَا يَكُنْ لن يقوم مقام اللفظ المخصص.

    وأنا إنما نظمت هذه القصيدة في موضوع من موضوعات النفس، واللغة فقيرة جدًّا فيما يتعلق بعلم النفس؛ فعواطف النفس وميولها وأهواؤها ليس لها من الألفاظ ما يُؤديها تأدية حَسَنة، أَضِفْ إلى ذلك أني عِنْدَما أردتُ أَنْ أسْتَعْمِلَ هذه الألفاظ القليلة المَوجُودة في اللغة، وجدتها ألفاظًا جافَّة جافية لا تُلائم الشعر، فاضطررت أنْ أترك منها مقدارًا غير قليل، اضطرني إلى ذلك فقر اللغة؛ فليس ذنبي أن تكون قصيدتي غامِضَة إنما هو ذنب اللغة التي لا توجد فيها الألفاظ.

    سبب آخر للغموض عندما تقول إنَّ هذا النص غامض، هذا الغموض شيء مُشترك بين النص وبين من يقرؤه؛ فالنص غامض لأنه صعب عسير، والنص غامض لأنَّ من يقرؤه ليس من الذكاء والثقافة بحيث يستطيع فهمه، وطبعًا لن يقول الناس إن الغموض يأتي منهم، ولكنهم سيقولون دائمًا إنهم أذكياء وإنَّ الغموض يأتي من النص، وإنما الكُتَّاب والشعراء هم القاصرون ولا يستطيعون أن يؤدوا إليهم ما يريدون.

    من أهم الخصائص التي يمتاز بها بول فاليري إذن الصنعة، أي العمل؛ أي: مُحاولة الإنشاء. فهو — كما قلتُ لكم — يصنع شِعْرَه صنعة، ويصنعه بقواعد الرياضة وقواعد الهندسة، وبيت الشعر عنده ليس كلامًا يُقال، بل عمل رياضي يُعمَل، والقصيدة عنده ليست إلا وحدة رياضية يجبُ أنْ يكونَ هناك تناسق بين أجزائها وائتلاف وانسجام بين المعاني والألفاظ، ثم بين المعاني وبين نفسها، وبين الألفاظ وبين نفسها، ثم بين الحروف التي تتألف منها الكلمة؛ فشِعْر بول فاليري من أدق الشعر الذي نقرؤه، ومن أقدر الشعر على تصوير ما يريد أنْ يُصوره.

    ومن الملاحظات التي لُوحِظَتْ على بول فاليري أنه إذا كتب نثرًا فهو شديد الميل إلى المعاني، وإذا أتى بالصور فليست من التي تُرى بالعين إنما هي صور نفسية أو محسوسة يُدركها السمع أو الذوق أو اللمس، فإذا نظم الشعر فصُوَره كلها أو أكثرها صُوَر تُرى بالعين.

    نبحث عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري فلا نكاد نجدها، ونسأله هو عما أراد فيقول: «لم أُرِدْ شَيئًا!» سُئل: ولكنك قلت قصيدة؟ قال: «لم أَقُلْ شيئًا، إنما عملت شيئًا؛ وهي هذه القصيدة التي قالت ما تسمعون وعليكم أن تبحثوا.»

    ومع أن من العسير جدًّا أن أُصور لكم الفن الخاص لبول فاليري، فإني أريد أن أترجم لكم بيتين أو ثلاثة من شعر بول فاليري لا لتشعروا بما فيه من الجمال؛ فأنا واثق أنه إذا تُرْجِمَ إلى أي لغة أخرى فإنه يفقد جماله؛ فليس في شعره جمالٌ يُمكن أنْ يَنْتَقِل في الألفاظ إلى لغة أخرى، ولكني أعرض عليكم هذه الأبيات لِتَروا أسلوبه في التفكير والشعر.

    هذه الأبيات ينطق بها على لِسَان الحيَّة التي تصوِّر فيها إبليس وهو يغري حواء بالأكل من الشجرة، كما تقول التوراة؛ فالحيَّة «إبليس» تتحدَّثُ عن نفسها فتقول: «كنت حاضرًا كما يحضر العطر، كما تحضر نكهة فكرة من الأفكار، التي لا سبيل إلى أن يتضح ما فيها من العميق.»

    يُريد أن يقول إنَّ إبليس كان حاضرًا عند حواء حضورًا لا يكاد يُشعَر به ولا يكاد يُحَس به، كان حاضرًا حضورًا خفيًّا جدًّا جعل الشيطان يُصوِّر نفسه بعرف الزهرة؛ فمن الذي يستطيع أن يرى، أو يسمع عرف الزهرة؟!

    ثم ظهر له أن هذا التشبيه لا يكفي، وأنَّ عرف الزهرة يُمكن أن يُشَمَّ، فيبالغ في الخفاء ويخترع تشبيهًا آخر أدق وأخفى؛ فجعل الشيطان يشبه نفسه بنكهة الفكرة. تصوروا فكرة تكون لها نكهة أو عرف! إنما الشيء الذي لا شك فيه والذي لا يستطيع إنسان أن ينكره حتى أشد الناس خصومة وبغضًا لبول فاليري هو أن الذين يسمعون شعره، سواء فهموا الفرنسية أو لم يفهموها ممن يحسن قراءة الشعر لا يكادون يسمعون هذا الشعر حتى يجدوا لذة حقيقية موسيقية، يسألون عنها فلا يعرفون لها مصدرًا؛ فهي لا تأتيهم من الفهم لأنهم لا يفهمون، ولا من السمع فهم لا يعرفون اللغة، ولكنها شيء يُشبه السِّحر.

    ولا أدري — ولعل بول فاليري لا يدري — كيف استطاع أنْ يُبث في شعره هذه المُوسيقى، والظريفُ أنَّه بثَّ الموسيقى في نثره أيضًا.

    وتستطيعون أن تصدقوني فقد قرأتُ اليوم فقط كتابًا صغيرًا لبول فاليري مَرَّتين، وكنت قد قرأته من قبل مرتين، وأؤكد لكم أني سأقرؤه مرات، وفهمتُ أقله ولم أفهم أكثره، ولكني أجد فيه لذة لا تُشبهها لذة.

    هذا الكتاب موضوعه الرَّقص «لا تُراعوا لا تُراعوا؛ فليس في الأمر ما يُخيف.» بول فاليري يُصوِّر سقراط «وأنتم ترون من اسم سقراط أننا بعيدون عن الملاهي.» تصور سقراط واثنين من تلاميذه في آخر عشائهم يتحاورون، وإذا بفرقة من فرق الرقص من النساء قد أقبلت ترقص؛ فالمُحاورة بين سقراط وأصحابه تدور على ما في هذا الرقص من فن، وما فيه من معانٍ تُتخَذ أساسًا لعلم الجمال، فأنتم ترون أنَّ الكتاب ليس من كتب الخلاعة التي يُخاف منها على الأخلاق إنما هو من كتب الفلسفة العليا، ولستُ أريد أن ألخص لكم هذا الكتاب إنما الذي أريد أن أقول: إنَّ الذي يُعْجِب في قراءة بول فاليري هو — قبل كل شيء — هذه الموسيقى اللفظية التي تؤثِّر في آذاننا ونفوسنا، وإذا نحن نتعلق بها ونُفتَن بها، ونلتمس فيها ما نلتمس من جمال، وإذا نحن نستطيع أن نستغني عن المعاني التي قصد إليها بول فاليري.

    من أخص الآراء التي يحسن أنْ يُفكر فيها الذين ينظمون الشعر الآراء التي يراها بول فاليري في معنى الشعر، بول فاليري في بعض المرَّات القليلة التي استطاع أنْ يكون فيها واضحًا عرَّفَ الشعر تعريفًا يسيرًا؛ فهو عنده: القُدرة على أنْ نصور في الألفاظ هذه الأشياء التي يُحِسُّها الإنسانُ أو التي يُرِيدُ أنْ يُصَوِّرها الإنسان بالدموع إذا بكى، وبالصياح إذا صاح، وبالضحك إذا ضحك، وبما يأتي من الحركات حين يتأثر بمؤثر ما.

    وبول فاليري يرى أنَّ اللغة بطبيعتها عاجزة عن أنْ تُصَوِّر هذا الشيء تَصويرًا دقيقًا، وهو يَرَى أنَّ تصويرها بالألفاظ ضرورة لا بد منها، وهو يرى أنَّ أرقى الشعر الصحيح هو ما يُسَمِّيه الشعر الخالص، فإذا سُئِل عن الشعر الخالص قال لنا إن هذا الشعر الخالص لا سبيل إلى أن يتحقق في أكثر من بيت واحد؛ لأنَّه هذه الصورة الدقيقة الصادقة الصحيحة لعاطفة من العواطف دون أن يدخل فيها أي شيء من الأشياء التي يستطيع النثر أن يُؤديها.

    وما دامت كل الأشياء التي يستطيع النثر أن يؤديها تفسد الشعر إذا دخلت فيه؛ فالنثر يستطيع أن يُعبِّر عن كل المعاني والعواطف؛ فلا يُمكن إذن أن يوجد الشعر وجودًا حقيقيًّا.

    والشعر الخالص الذي هو المثل الأعلى لبول فاليري ليس شيئًا موجودًا إنما هو مثل أعلى يستطيع الشاعر أن يحققه في بيت أو جزء من بيت، وفي كثير من الأحيان لا يتحقق بحال من الأحوال.

    كم كنت أريد أن أطيل الحديث عن بول فاليري؛ فإني إلى الآن لم أحدثكم إلا عن أبسط نواحي هذا الرجل، لم أحدثكم عن مذهبه في النثر، ولم أحدثكم عن آرائه الخاصة في الفلسفة، لم أحدثكم عن آرائه المُختلفة، ومع ذلك فقد مَضى الوقت، وأراني قد أسرفتُ في الحديث، وحسبي أن أكون قد وُفِّقْتُ إلى أنْ أظفر منكم بهذا الشيء العجيب الذي لم أكن أتوقعه؛ وهو الإصغاء الجميل لحديث هذا الشاعر الغريب.

  • الرد

    إلى الأستاذ توفيق الحكيم من الدكتور طه حسين
    سيدي الأستاذ
    لست أدري أيعنيني حقا ويعني أصحابي، أن نعرف رأي الجيل الجديد في جهدنا الأدبي وما أحدثنا من أثر في حياتنا الأدبية الجديدة. لأن العلم الصحيح برأي المعاصرين لا سبيل له، أو لا تكاد توجد السبيل التي توصل إليه. أو قل أن هذا الجيل الجديد نفسه قد يشق عليه جدا أن يصور لنفسه فينا رأيا صحيحا مستقيما بريئا من هذه العواطف الحادة الجامحة التي تسيطر على نفوس الشباب، وتؤثر أشد التأثير فيما يكونون لأنفسهم من آراء في الكتاب والشعراء المعاصرين. فهم بين معجب يدفعه الإعجاب إلى الإغراق في الثناء، وبين ساخط يدفعه السخط إلى الإغراق في الذم. وأكاد أعتقد أن ليس من اليسير لكاتب أو شاعر أن يعرف رأي الناس فيه حقا، لأن هذا الرأي لا يظهر واضحا جليا بريئا من تأثير العواطف والأهواء والظروف، إلا حين يصبح الكاتب أو الشاعر وديعة في ذمة التاريخ. ومع ذلك فأنا أشكر لك أجمل الشكر رأيك في أصحابي وفي، وثناءك على أصحابي وعلي ويسرهم كما يسرني أن يكون رأيك فينا صحيحا، وأن يكون ثناؤك علينا خالصا من الإسراف في الحب الذي يدعو إلى الإسراف في التقدير.
    لقد قرأت كتابك الممتع فترك في نفسي آثارا مختلفة، ولكن أظهرها الإعجاب بهذا التفكير المستقيم العميق، وهذا الاطلاع الواسع الغني، وهذا الاتجاه الخصب إلى تعرف الروح الأدبي لمصر في حياتها الماضية والحاضرة والمستقبلة. وقد دفعني إعجابي بكتابك القيم إلى ألا أختص به نفسي فآثرت به قراء الرسالة وأذعته فيهم. وأنا واثق بأنهم قد رأوا فيه مثل ما رأيت وحمدوا منه مثل ما حمدت، وأثنوا عليك بمثل ما أثنيت، وهموا أن يناقشوا بعض ما جاء فيه من الآراء كما أريد أنا الآن أن أناقشها. ولست أدري أيقف أمر كتابك هذا عند إذاعته في الرسالة وردي عليه، أو يتجاوزهما إلى مناقشة طويلة عريضة، يشترك فيها كتاب مختلفون ونقاد كثيرون. فكتابك خليق بهذه المناقشة لأن أسلوب التفكير فيه جديد قيم، ومهما أفعل فلن أستطيع أن أتناول كل ما أشعر بالحاجة إلى تناوله بالنقد والتمحيص من آرائك الكثيرة المتباينة التي أفعمت بها كتابك إفعاما. ولكني أقف عند طائفة قليلة من هذه الآراء، لا أستطيع أن أدعها تمضي من غير نقد ولا تعليق.
    وأول ما أقف عنده من هذه الآراء رأيك فيما تسميه شؤون الفكر في مصر، قبل الجيل الذي نشأنا فيه، فقد ترى أن هذه الشؤون كانت كلها محاكاة وتقليدا وتأثرا للعرب، واحتذاء خالصا لمثلهم الأدبية، حتى جاء الأستاذ لطفي السيد ففتح لنا طريق الاستقلال الأدبي. وفي رأيك هذا شيء من الحق، لكن فيه شيئا من الإسراف غير قليل، فلست أعتقد أن الشخصية المصرية محيت من الأدب المصري محوا تاما في يوم من الأيام، ولست أعتقد أن كلمة أنا لم يكن لها مدلول في لغة المصريين، ولست أعتقد أن المصريين كانوا في شبه إغماء حتى أقبل هذا الجيل الذي تتحدث عنه، فرد عليهم الحياة والنشاط. كل ما يمكن أن يصح لك هو أن الشخصية المصرية في الأدب كانت ذاوية ذابلة إلى حد بعيد في وقت من الأوقات لعله يبتدئ بآخر عصر المماليك. ولكن هذه الشخصية على ذبولها وفتورها لم تمت ولم تمح، بل ظلت حية تتردد أشعتها الضئيلة في آثار الكتاب والشعراء والعلماء، إلى أن كان العصر الحديث. ويكفي أن تقرأ الأدب المصري في أيام المماليك وقبل أيام المماليك، لتعلم أن شخصيتنا الأدبية كانت قوية منتجة، وكانت جذابة خلابة في كل فرع من فروع حياتنا المعنوية. كانت في الشعر بنوع خاص أقوى منها في هذه الأيام، وأقرأ ديوان البهاء زهير فستجد صورتك فيه واضحة، وستجد نفسك فيه ظاهرة، وستجد عواطفك فيه ممثلة، وستجد هذا كله أشد جلاء وقوة عند هذا الشاعر القديم منه عند شعرائنا المعاصرين. والأمر ليس مقصورا على هذا الشاعر، بل هو شائع في شعرائنا جميعا قبل فتح الترك لمصر. وهو كذلك شائع في كتابنا وعلمائنا، ولو قد كانت شخصيتنا ضعيفة فانية وفاترة واهية، لما أتيح لنا أن نؤدي الحضارة الإسلامية ونحفظها من الضياع حين أخذ التتار والأوروبيون عليها أقطار الشرق والغرب. ولم تكن هذه الشخصية في عصور الضعف والوهن خفية ولا غامضة، فأنت تجدها واضحة في شعر هؤلاء الشعراء المتأخرين الذين عاشوا في أول القرن الماضي وفي أثنائه، والذين لا نحب شعرهم ولا نطيل النظر فيه، والذين يخيل إلينا انهم كانوا يقلدون فيسرفون في التقليد، ولكنهم برغم هذا التقليد الشديد لم يستطيعوا أن يمحوا مصريتهم ولا أن يخفوها. ولست أستطيع أن أضرب لك الأمثال هنا فذلك شيء لا ينتهي، ولكني أؤكد لك أن حكمك على هذه الشخصية المصرية في الأدب محتاج إلى التصحيح، وأنت قادر على هذا التصحيح، إن قرأت أدبنا المصري كما تقرأ الأدب الغربي وكما تقرأ الأدب العربي القديم، ستجد فيه تقليدا، وستجد فيه بديعا كثيرا، ولكنك ستجد فيه نزعة مصرية واضحة تحسها حيثما ذهبت، وأينما وجهت من أرض مصر، وتجدها عند المصريين المعاصرين الذين لم تخرجهم الثقافة الأوروبية عن أطوارهم المألوفة، في الشعور والتفكير وفي النظر إلى الحياة والتأثر بها والحكم عليها. هذه النزعة صوفية بعض الشيء، فيها مزاج معتدل من الإذعان للقضاء والابتسام للحوادث، وفيها مزاج معتدل من حزن ليس شديد الظلمة، ولا مسرفا في العمق، ومن سخرية ليست عنيفة ولا شديدة اللذع ولكنها على ذلك بالغة مقنعة، تمضي في كثير من الأحيان، ولعلك تجد هذه النزعة نفسها قريبا جدا منك. لعلك تجدها في أهل الكهف. فجيلنا إذن لم يحدث شخصية مصرية لم تكن، وإنما جلا هذه الشخصية وأزال عنها الحجب والأستار، وجيلنا لم يمنحها الحياة، وإنما منحها النشاط، وزاد حظها من الاستقلال وغير وجهتها، فلفتها إلى الأمام بعد أن كانت تصر على الالتفات إلى وراء، وليس هذا بالشيء القليل. وأنا معجب بآرائك في الفن المصري، وفي الفن الإغريقي، ولكني لا أحب لك هذا الإسراع إلى استخلاص الأحكام العامة، وإقامة القواعد التي لا تثبت للنقد والتمحيص. وآية ذلك أنك أنت نفسك قد أحسست بعض هذا الإسراع فأصلحته حين قضيت على اليونان في أول الكتاب ثم قضيت لهم في آخره. وستر أنك أسرعت في الأولى وأسرعت في الثانية، وكنت خليقا أن تصطنع الأناة فيهما جميعا. فليس من الحق أن اليونان كانوا أصحاب مادة ليس غير، وليس من الحق أن روحية اليونان هذه التي أنكرتها في أول الكتاب، وعرفتها في آخره قد جاءتهم من إلههم ديونيزوس وحده. فحظ اليونان من الروحية قديم تجده بينا في شعرهم القصصي في الإلياذة والأوديسا قبل أن تظهر فيهم الآثار العنيفة لدين ديونيزوس، وأنت تعلم أن ظهور هذا الإله عند اليونان متأخر العصر، وأنه في أكبر الظن اله أجنبي جاءهم من تراقيا، وأنه لم يعطهم هذه الحياة الروحية العليا، التي نجدها عند سقراط وعند تلاميذه، وعند أفلاطون بنوع خاص، وإنما أعطاهم حياة روحية أخرى كلها تصوف وكلها طموح إلى عالم مجهول مختلط تحيط به الأسرار والألغاز، وتعبر عنه الرموز والكنايات. وكان هذا النوع من الروحية ذا مظهرين مختلفين، أحدهما شائع مشترك، يساهم فيه الشعب كله، وأهل الريف منهم خاصة، والآخر مقصور على طائفة معينة، هي هذه التي تتعلم الأسرار وتشترك في إقامتها وإحيائها. فكان دين ديونيزوس أشبه شيء بطرق الصوفية عندنا، علمها الصحيح مقصور على خاصة المتصوفة، ونشاطها العملي الغليظ شائع في أفراد الشعب جميعا. وقد كان أثر ديونيزوس في الأدب اليوناني قويا عميقا. وحسبك إنه إله التمثيل، ولكن روحية اليونان الخصبة حقا، الممتازة حقا، التي أزعم معتذرا إليك إنك لا تستطيع أن تجد لها شبيها ولا مقاربا في مصر الروحية. هذه الروحية اليونانية تجدها واضحة جلية، عذبة ساحرة عند فلاسفة اليونان من تلاميذ سقراط، وعند أفلاطون بنوع خاص. ستقول كما قال كثيرون من قبل: إن أفلاطون قد زار مصر، وأخذ منها. ولست أنكر روحية مصر، ولكني لا أعرف عنها شيئا كثيرا، ولعلي مدين لليونان بما أعرفه من الروحية المصرية. ومهما يكن من شئ فأنت توافقني على أن اليونان لم يكونوا أصحاب مادة فحسب، ولم تأتهم روحيتهم من ديونيزوس وحده، وإنما اليونان مزاج معتدل من المادة والروح. هم الذين يحققون مثلك الأعلى من المزاوجة بين المادة والروح، والملائمة بين الحركة والسكون، وبين القلق والاضطراب، ولذلك كان اليونان هم الذين أخرجوا للإنسانية في العصر القديم أرقى تراث في الأدب والفن والفلسفة.
    قلت إني لا أنكر روحية المصريين. وأقول أيضا إني مؤمن بروحية الهنود، ومعترف بتأثير الروحية المصرية والهندية في حياة اليونان. ولكني لا أعرف من روحية المصريين شيئا كثيرا لأننا لا نعرف للمصريين فنا ناطقا، لا نعرف لهم أدبا بالمعنى الصحيح لهذه الكلمة. وأنت ترى معي أن الأدب هو أوضح مصور لحياة العقول والقلوب، لأنه يحقق مقدارا مشتركا يمكن الاتفاق عليه، ويصعب الاختلاف فيه. فنحن إذا قرأنا الشعر أو النثر معا، فهمنا فهما واحدا أو فهمين متقاربين، ولكن الفن الصامت فن البحث والتصوير وما إليهما يثير في نفوس الناس معان مهما تكن متقاربة متشابهة، فهي تختلف باختلاف الأشخاص والبيئات والعصور، ها أنت ذا تفهم من الفن المصري ما تفهم، ويشاركك فيه كثير من المثقفين ثقافة أوربية، ولكن أواثق أنت حقا بأن قدماء المصريين كانوا يرون تماثيلهم وعماراتهم كما تراها، ويفهمونها كما تفهمها، ويستلهمونها كما تستلهمها؟ أرأيتك لو سألت مصريا معاصرا لرمسيس عن رأيه في تمثال من التماثيل، أو عمارة من العمارات، أيقول فيهما مثل ما تقول؟ ومثل هذا يقال في الفن اليوناني، وفي كل الفنون الصامتة، فليس من الخير أن نعتمد عليها وحدها في تشخيص عقلية الأمم وروحيتها، إنما المشخص الصحيح للعقول والقلوب والأرواح هو الكلام، والكلام الجميل الذي نسميه الأدب ونقسمه شعرا ونثرا. فإلى أن يكشف لنا علماء الآثار المصرية عن أدب مصري قديم خليق بهذا الاسم أرجو أن تأذن لي في أن أشك في كثير جدا من هذه الأحكام التي يرسلها الأدباء والشعراء وأصحاب الفن على عقلية المصريين القدماء وروحيتهم، وبعدهم عن المادة، وقربهم من الروح.
    كل هذه عندي أحكام يتعجل بها أصحابها، ويرسلونها على غير تحقيق، وإذن فقد يكون من الإسراف أن تتخذ هذه الروحية المصرية الغامضة التي يسرع إليها الشك، والتي تعجز عن أن تثبت للبحث، والتي توشك أن تكون خيالا تخيلته أنت وتخيله أصحابك من الأدباء ورجال الفن أساسا لأدبنا المصري الحديث. فمن يدري لعل البحث عن آثار مصر أن يكشف لنا بعد زمن طويل أو قصير عن حياة مصرية قديمة تغاير كل المغايرة هذا الخيال الذي تحبونه تطمئنون إليه، ويخيل إليكم أن الفن المصري القديم يوحيه ويمليه وينطق به.
    نحن إذن أمام أمرين أحدهما عرضة للشك الشديد، لا نكاد نعرف منه شيئا، والآخر لا سبيل إلى الشك فيه؛ أحدهما حياة مصر القديمة وحضارتها العقلية – إن صح هذا التعبير – والآخر حياة العرب وحضارتهم. فإلى أي الأمرين نفزع لنقيم عليه بناء أدبنا الجديد؟ أإلى الشك أم إلى اليقين؟ وهنا يظهر الخلاف بينك وبيني شديدا حقا، فقد أصلحت أنت رأيك في اليونان، ولا أستطيع مناقشتك في أحكامك على المصريين لأنها أثر الإلهام الفني، ولكن رأيك في العرب وآثارهم في حاجة شديدة جدا إلى التقويم. فقد كنا نرى أن ابن خلدون جار على العرب فإذا أنت أشد منه جورا وأقل منه عذرا. فقد يسر الله لك من أسباب العلم بالتاريخ القديم، وتاريخ القرون الوسطى وتاريخ الحياة الأدبية والفنية والعقلية لمختلف الأمم والشعوب ما لم ييسره لابن خلدون. فإذا قبل من هذا المؤرخ الفيلسوف أن يتورط في الخطأ لأن عقله الواسع لم يحط من أمور اليونان والرومان والهند والفرس والمصريين القدماء بما نستطيع نحن الآن أن نحيط به أو نمعن فيه. فليس يقبل منك أنت هذا الخطأ وليس يقبل من المعاصرين بوجه عام. وقد ذهب إلى مثل ما ذهبت إليه جماعة من المستشرقين منهم دوزي ورينان، وأحسبكم جميعا تظلمون العرب ظلما شديدا وتقضون في أمرهم بغير الحق. فلو أنكم ذهبتم تقارنون بين العرب وبين الهنود والفرس، والمصريين القدماء لما كان من حقكم أن تقدموا هذه الأمم في الأدب على الأمة العربية بحال من الأحوال، لأننا لا نكاد نعرف من آداب هذه الأمم في تاريخها القديم شيئا يقاس إلى ما بين أيدينا من الأدب العربي. فإلى أن يستكشف أدب هذه الأمم إن كان لها أدب أكثر من هذا الذي نعرفه، يجب أن نؤمن للعرب بالتفوق عليها في الشعر والنثر جميعا. للمصريين فنهم، وللهنود قصصهم وفلسفتهم، ولكن للعرب شعرهم ونثرهم ودينهم، ولهم قصصهم أيضا. فإذا أردت أن تقارن بين العرب والرومان فأظنك توافقني على أن الأدب العربي الخالص أرقى جدا من الأدب الروماني الخالص، أي أن الأدب الروماني إنما ارتقى حقا حين أثر فيه الأدب اليوناني، فالرومان تلاميذ اليونان في الأدب والفن والفلسفة، والعرب يشبهونهم في ذلك. ولكن العرب كان لهم أدب ممتاز قبل أن يتأثروا بالحضارة اليونانية، ولم يكن للرومان من هذا الأدب الروماني الممتاز الخالص حظ يذكر. وقد تفوق الرومان في الفقه، ولكنهم لم يسبقوا العرب في هذه الناحية من نواحي الإنتاج، ولعل الأمة الوحيدة التي يمكن أن تشبه بالرومان في الفقه إنما هي الأمة العربية.
    لم يبق إذن إلا أدب اليونان، هو الذي يمكن أن يقال فيه انه متفوق على الأدب العربي حقا، ولكن من الذي يقيس رقي الأدب في أمة من الأمم برقي الأدب في أمة أخرى؟ فإذا كانت ظروف الحياة العربية مخالفة أشد المخالفة لظروف الحياة اليونانية، فطبيعي أن تختلف الآداب عند الأمتين. وليس من شك في أن الأدب العربي قد صور حياة العرب تصويرا صادقا فأدى واجبه أحسن الأداء، وكل ما يؤخذ به الأدب العربي القديم هو أنه لا يصور حياتنا نحن الآن، ولكن أواثق أنت بأن الأدب اليوناني القديم قادر على أن يصور الحياة الحديثة تصويرا يرضي أهلها؟! أما أنا فلا أتردد في الجواب على مثل هذا السؤال، فالأدب اليوناني القديم خصب غني ممتع من غير شك، ولكنه كالأدب العربي قد صور حياة القدماء، وهو قادر على أن يلهم المحدثين لا أكثر ولا أقل.
    وأراك تذكر الفن العربي فتعيبه وتغض منه، وقد تكون موفقا في ذلك، ولكن أليس من الظلم أن تحمل هذا الفن على العرب وإنما هو فن إسلامي ساهمت فيه الأمم الإسلامية المختلفة واستمدت أكثره من البيزنطيين. فإذا كان لك أن تعيب هذا الفن أو تحمده، فأحب أن تقتصد في إضافته إلى العرب، والخير أن تضيفه إلى الأمم الإسلامية. وأمر العرب بالقياس إلى الفن والأدب والعلم والفلسفة بعد العصر العباسي الأول، كأمر اليونان بالقياس إلى هذه الأشياء كلها بعد غارة الاسكندر على الشرق. كانوا ملهمين باعثين للنشاط دافعين إلى الإنتاج، مقدمين لغتهم وعاء لما تنتجه العقول والملكات على اختلافها، وقد يكون من الحق أن كل مقامة من مقامات الحريري أشبه بباب من أبواب جامع المؤيد، ولكن من الحق أيضا أن الآثار الأدبية التي تشبه مقامات الحريري والآثار الفنية التي تشبه أبواب جامع المؤيد كثيرة جدا عند اليونان في العصر المتأخر، وعند البيزنطيين، ولعل هذه الآثار اليونانية البيزنطية هي التي أحدثت عند المسلمين مقامات الحريري وأبواب جامع المؤيد. وأنت تميز اليونان بالحركة، وتميز العرب بالسرعة، وتستنبط من هذه السرعة ظلما كثيرا للعرب، كما فعل ابن خلدون من قبل، وليس من شك في أن العرب يشاركون اليونان في الحركة، ولكن ليس من شك أيضا في انك تغلو غلوا شديدا في وصفهم بالسرعة. إنما أسرع العرب في الخروج من باديتهم، ولكنهم حين بلغوا الأمصار استقروا فيها، وطال بهم المقام، فأثروا في أهلها وتأثروا بهم، وكانوا في القرون الوسطى أشبه الأمم باليونان في العصر القديم. ورأيك في الموسيقى العربية واليونانية في حاجة إلى التصحيح أيضا، فنحن نعلم من الموسيقى اليونانية شيئا يسيرا غير مضبوط، ولا نعلم من الموسيقى العربية شيئا، ولست أدري إلى أي أمة أو إلى أي جيل نستطيع أن نرد هذه الموسيقى، وهذا الغناء اللذين نتحدث عنهما. ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أن من العسير جدا أن نردهما إلى العرب القدماء. وكل شئ يدل على أن الموسيقى والغناء العربي كما كان يعرفهما العرب أيام الأمويين والعباسيين وفي الأندلس كانا متأثرين أشد التأثر بالموسيقى البيزنطية والغناء البيزنطي. فإذا أردت أن تعيبهما فلا تنس أن تعيب أصلهما اليوناني القديم.
    وأريد الآن أن أدع هذه المناقشات التي تمس أمورا جزئية وأن أخلص إلى جوهر الموضوع الذي تريد أن تعرف رأيي فيه، وهو: الروح المصري الذي ينبغي أن يقوم عليه الأدب الحديث ما هو؟ وما العناصر التي تؤلفه؟ وأنا استأذنك في أن أكون يسيرا سهلا، لا متعمقا ولا متكلفا، ولا باحثا عن الظهر في الساعة الرابعة عشرة (كما يقول الفرنسيون) فالأمر أيسر جدا من هذا كله. عناصر ثلاثة تكون منها الروح الأدبي المصري، منذ استعربت مصر، أولها العنصر المصري الخالص الذي ورثناه عن المصريين القدماء على اتصال الأزمان بهم، وعلى تأثرهم بالمؤثرات المختلفة التي خضعت لها حياتهم، والذي نستمده دائما من أرض مصر وسمائها، ومن نيل مصر وصحرائها. وهذا العنصر موجود دائما في الأدب المصري الخالص، قد حاولت تشخيصه بعض الشيء في أول هذا الفصل، فيه شيء من التصوف، وفيه شيء من الحزن، وفيه شيء من السماحة، وفيه شيء من السخرية. والعنصر الآخر هو العنصر العربي الذي يأتينا من اللغة ومن الدين ومن الحضارة، والذي مهما نفعل فلن نستطيع أن نخلص منه، ولا أن نضعفه ولا أن نخفف تأثيره في حياتنا، لأنه قد امتزج بهذه الحياة امتزاجا مكونا لها مقوما لشخصيتها، فكل إفساد له إفساد لهذه الحياة ومحو لهذه الشخصية، ولا تقل انه عنصر أجنبي، فليس أجنبيا هذا العنصر الذي تمصر منذ قرون وقرون، وتأثر بكل المؤثرات التي تتأثر بها الأشياء في مصر من خصائص الإقليم المصري، فليست اللغة العربية فينا لغة أجنبية، وإنما هي لغتنا وهي أقرب إلينا ألف مرة ومرة من لغة المصريين القدماء. وقل مثل ذلك في الدين، وقل مثله في الأدب.
    أما العنصر الثالث، فهو هذا العنصر الأجنبي الذي أثر في الحياة المصرية دائما، والذي سيؤثر فيها دائما، والذي لا سبيل لمصر إلى أن تخلص منه، ولا خير لها في أن تخلص منه، لأن طبيعتها الجغرافية تقتضيه، وهو هذا الذي يأتيها من اتصالها بالأمم المتحضرة في الشرق والغرب. جاءها من اليونان والرومان واليهود والفينيقيين في العصر القديم، وجاءها من العرب والترك والفرنجة في القرون الوسطى، ويجيئها من أوربا وأميركا في العصر الحديث. فخذ الآن أي أثر أدبي مصري فحلله إلى عناصره التي يتكون منها، فستجد فيه هذه العناصر الثلاثة دائما. ولكنك ستجد بعضها أقوى من بعض بمقدار حظ المؤلف أو المنشئ من هذه الثقافات الثلاث المختلفة. بعض هذه الآثار يغلب فيه العنصر العربي، وبعضها يغلب فيه العنصر الأوربي، وقليل جدا منها يظهر فيه العنصر المصري القديم. فإذا لم يكن بد من أن أصور المثل الأعلى لروحنا المصري في أدبنا الحديث، فإني أحب أن يقوم التعليم المصري على شيء واضح من الملاءمة بين هذه العناصر الثلاثة فتشتد عنايته جدا بالتاريخ المصري، والفن المصري، والأدب المصري على اختلاف العصور. وتشتد عنايته جدا بالأدب العربي، والتاريخ العربي، والدين الإسلامي. ثم تشتد عنايته بالثقافة الحديثة. وأخوف ما أخافه على هذا الروح المصري شيئان: أحدهما أن تلهينا الثقافة الأوربية عن الثقافة المصرية والعربية، وكل شيء يغرينا بها ويغريها بنا فهي ضرورة من ضرورات الحياة، فمن الحق علينا أن لا نضيع حظنا منها، ولكن من الحق علينا ألا نفني أنفسنا فيها. الثاني أن نؤثر ثقافة أوربية على ثقافة أوربية فنؤثر الثقافة الإنكليزية (كما يريد قوم وكما تريد سياسة الدولة) أو نؤثر الثقافة اللاتينية (كما يريد قوم آخرون، وكما كانت تريد سياسة الدولة من قبل) هذا خطر لأنه يجعل الروح المصري الناشئ وجها لوجه أمام روح أوربية أقوى منه وأشد بأسا. فيوشك أن يخضع له ويفنى فيه، فلو قد فتحنا أبوابنا للثقافات الأجنبية على اختلافها، لانتفعنا بها كلها ولأضعف بعضها بعضا، وحال بعضها دون بعض أن يفنينا أو يسيطر علينا. لذلك تمنيت وما زلت أتمنى لو لم تفرض على مصر لغة بعينها من لغات الأوربيين، بل جعلت اللغات الحية الراقية كلها مباحة للطلاب يأخذون منها ما يشاءون.
    هذا الروح المصري الذي يتكون من هذه العناصر الثلاثة، هو الذي نشهده الآن عندك وعند كثير من أمثالك المثقفين، وهو الذي نجد في نشره وإذاعته بين المصريين جميعا، وهو الذي سيطبع أدبنا المصري الحديث بطابعه القوي سواء أردنا أم لم نرد. فشخصيتنا المصرية العربية أقوى بحمد الله من أن تمحى أو تزول، والحضارة الأوربية أقوى وألزم من أن نعرض عنها، أو نقصر في الأخذ بحظنا منها. ستسألني: ولكن الأديب؛ من أين يستمد خواطره، ويستلهم وحيه؟ فأجيبك: من هذه العناصر كلها، أو من أي من هذه العناصر شاء، سيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر المصري القديم؛ أليس بين الفرنسيين من يستلهم اليونان؟ وسيكون منا الأديب الذي يستلهم العنصر العربي؛ أليس من الفرنسيين من يستلهم الرومان؟ وسيكون منا أن يستلهم العنصر الأوربي، أليس من الفرنسيين من يستلهم السكسونيين؟ بل من يستلهم الشرق الأقصى، أو الشرق الأوسط، أو الشرق القريب، بلى. والأمر كذلك عند الإنجليز وعند الألمان، وعند غيرهم من الأمم الحية. فأنت ترى أن أمر هذا الروح المصري أيسر من أن يدعو إلى الخوف أو يضطر إلى الحيرة وأكبر الظن أن مصدر هذه الحيرة وذلك الخوف إنما هو اضطراب سياسة التعليم في مصر وقيامها على غير أساس، وسيرها في غير طريق، ولو قد وضحت هذه السياسة واستقامت منذ زمن بعيد لما تساءلنا الآن عن الروح المصري، ولا عن الأدب المصري من أين يستمد الحياة.
    أما بعد؛ فقد كنت أريد أن أقتصد وأؤثر الإيجاز، ولكن الحديث معك أغراني بالإطالة وحببها إلي، وأرجو أن لا أكون ثقلا عليك ولا على غيرك من القراء، وأرجو أن تقبل تحيتي الخالصة.
    الرسالة، ١٥ سبتمبر ١٩٣٣

  • الكتب شعر ونثر

    الكتب شعر ونثر
    طه حسين
    مجلة الرسالة
    ١ يوليو ١٩٣٣

    عليَّ دين ثقيل للأستاذ العقاد حِيلَ بيني وبين أدائه إلى الآن. ويظهر أني لن أستطيع أنْ أؤديه جُمْلةً، فلا بدَّ من تأديته أقساطًا؛ فبَيْنَ يديَّ كُتُبٌ ثلاثة قرأتُها وأُعْجِبتُ بها، ولي فيها آراء وأحب أنْ أذيعها؛ وهي: كتاب الأستاذ عن ابن الرومي، وكتابه عن جوت، وديوانه الأخير وحي الأربعين.

    ولست أدري! لماذا آثرت أنْ يكون قضائي لهذا الدَّيْن عكسيًّا فأبدأ بآخر هذه الكتب الثلاثة ظهورًا؟! ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بوحي الأربعين لأنه شعر، ولأن الوقوف عند الشعر والشعراء عذب لذيذ للكُتَّاب الذين لا يحسنون قَرْضَ الشِّعْر؛ فهم يجدون في قراءته ونقده وتحليله لذَّةً لا يجدونها في قراءة النثر ونقده وتحليله. ولعلِّي إنما آثرتُ البدء بهذا الديوان؛ لأن نقده أيسر من نقد الكتابَيْن الآخرين — أيسر عليَّ، وأيسر على الشاعر الكبير نفسه — فلن يكون بيننا جدال طويل ولا قصير، ولن نحتاج إلى أنْ نرجع إلى كتب الأدب والتاريخ؛ لنثبت رأيًا أراه ويخالفني العقاد فيه، أو رأيًا يراه العقاد ولا أقره عليه، إنما هي آراء وخواطر تثيرها في نفسي قراءة هذا الديوان، وسأعرضها على العقاد وعلى قرائه الذين نقدوه والذين قرظوه، دون أنْ أحاول أنْ أفرضها على أحدٍ فرضًا، أو أنْ أتعصَّب لها أو أنْ أُجادل عنها، ودون أنْ يكون للعقَّاد وأنصاره وخصومه أنْ ينكروا هذه الآراء أو يجادلوا فيها؛ لأنها آراء تتصل بالذَّوْق وتتصل بمزاج الكاتب وطبيعته وتأثره بالفن الجميل أكثر مما تتصل بالحقائق المقررة، أو الأمور التي يكثر فيها الجدال والنضال.

    وما أظن أنَّ أحدًا يطمع في أنْ يفرض عليَّ ذوقًا غير ذوقي، أو طبيعة غير طبيعتي، أو تأثرًا بالفن الجميل غير تأثري به لمن شاء أنْ يرضى، ولمن شاء أنْ يسخط، وأنا أوثر بالطبع رضا الناس على سخطهم، ولكن إيثاري لهذا الرضا شيء وظَفَري به شيء آخر.

    ولعلِّي آخر الأمر إنما آثرت البدء بهذا الديوان؛ لأن كلام الناس قد كثر فيه، ولأن جدالهم قد اشتدَّ من حوله، ولأن نُقَّاده قد غلوا حتى جاوزوا القصد، وأنصاره قد أسرفوا حتى جاروا عن الحق، فأحببت أنْ أقول في هذا الديوان كلمة، لا أقول إنها تقر الأمر في نِصَابه، وترد المختلفين إلى الوفاق، فليس إلى ذلك من سبيل. ولكنها قد تصوِّر رأيَ جماعة من المنصفين الذين لا يرضون عن آثار العقاد ولا ينكرونها؛ لأنهم يغلون في حُبِّ العقاد أو يغلون في بُغْضه، بل لأنهم ينظرون إليها من حيث هي آثار فنية خالصة تلائم أذواقهم أحيانًا فيرضون، وتُنافِر أذواقَهم حينًا فيُنكِرون. ومن حق هؤلاء الناس أنْ تُصوَّر آراؤهم، وتظهر مذاهبهم في آثار كاتبٍ مهما يَقُلْ فيه خصومُه، فلن يستطيعوا أنْ ينكروا عليه البراعة، وشاعرٍ مهما يَقُلْ أعداؤه فلن يستطيعوا أنْ يجحدوا حظَّه من الإجادة، وتوفيقه إلى شيء كثير جدًّا من الإبداع.

    وأريد أنْ أقف وقفة قصيرة عند هذه الصفحات التي قدَّمها العقاد بين يَدَيْ ديوانِه هذا لِأُقرَّه في غير تحفُّظ، على ما ذهب إليه فيها من أنَّ بين المجدِّدين قومًا يُقلِّدون في التجديد، فيخطئون الفهمَ، ويَعْدُون الصواب، ويتورَّطون في أحكام على الشعر والفن، لا خطر لها ولا غناء. وأنْ أُقِرَّه أيضًا في غير تحفُّظ على ما ذهب إليه في هذه الصفحات، من أنَّ للشاعر المجدِّد أنْ يطرق الفنون التي طرقها القدماء دون أنْ يمس ذلك تجديدَه أو يغُضَّ ذلك من براعته، بل قد يكون من الحق عليه أنْ يطرق هذه الفنون فيُجدِّدها ويبعث فيها حياة ملائمة للعصر والبيئة، ولميول الجيل الذي يعيش الشاعر فيه.

    فليس المدح عيبًا من حيث هو مدح، وليس المدح فنًّا يجب أنْ يموت، وإنما المدح فن من فنون الشعر لا بدَّ من بقائه ما بقي الشعر، وما بقي بين الناس من يُجِيد ويُحسِن، وما بقي بين الناس من يرضى عن الإجادة ويحمد الإحسان للمحسنين. والهجاء فن من فنون الشعر لا بدَّ من أنْ يبقى ما بقي في الناس من يسيء، وما بقي في الناس من يحب نقد المفسد وتقويم المسيء.

    وقُلْ مثلَ ذلك في غير المدح والهجاء من هذه الفنون التي طرقها القدماءُ من العرب وغير العرب، لا ينبغي أنْ تزول أو أنْ تُهجَر، وإنما ينبغي أنْ تتطور لتلائم غيرها من أساليب الحياة العقلية والفنية التي يحياها الناس على اختلاف البيئات والعصور.

    ولكني وقفت مفكرًا بعضَ الشيء عند هذا التعريف، الذي أراد العقَّاد أنْ يُعرِّف به الشعر حين يقول:

    وإنَّ مَنْ أراد أنْ يحصر الشعر في تعريف محدود لَكَمَنْ يريد أنْ يحصر الحياةَ نفسَها في تعريف محدود؛ فالشاعر لا ينبغي أنْ يتقيَّد إلا بمطلب واحد يُطوَى فيه جميعُ المطالب؛ وهو: «التعبير الجميل عن الشعور الصادق»، وكُلُّ ما دَخَلَ في هذا البابِ — بابِ التعبير الجميل عن الشعور الصادق — فهو شِعْر وإنْ كان مديحًا أو هجاء أو وصفًا للإبل والإطلال، وكل ما خرج عن هذا الباب فليس بشعر، وإنْ كان قصة أو وصف طبيعة أو مُخترَع حديث.

    فالشِّعْر عند العقاد كالحياة ليس إلى حصره ولا إلى تحديده من سبيل، أو هو كالحياة يُحْصَر ويُحَدَّد، إذا أمكن حصر الحياة أو تحديدها! ولكن العقَّاد بعد ذلك يُعرِّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وهو بهذا التعريفِ نَفْسِه قد حدَّد الشِّعْرَ وجعله أضيق من الحياة، فليست الحياةُ كلُّها تعبيرًا جميلًا عن شعور صادق، بل في الحياة شعور غير صادق يُعبَّر عنه تعبيرًا غير جميل، وفيها شعور كاذب يُعبَّر عنه تعبيرًا جميلًا، وفيها شعور صادق يُعبَّر عنه أحيانًا تعبيرًا جميلًا وتعبيرًا غير جميل.

    وإذن؛ فليس الشِّعْر كالحياة لا سبيل إلى حصره، بل ليس الشعر كالحياة يُحصَر كما تُحصَر الحياة، ويُحدَّد كما تُحدَّد الحياة، وإنما الشعر لون من ألوان الحياة وتحديده ليس مستحيلًا ولا عسيرًا. وآية ذلك أنَّ العقاد نفسَه قد حاول هذا التحديد، فعرَّف الشِّعْرَ بأنه التعبير الجميل عن الشعور الصادق، وجعل كُلَّ ما يدخل في هذا الباب شِعْرًا مهما يكن جوهره، وكل ما يخرج من هذا الباب لم يجعله شعرًا مهما يكن شكله وصورته وموضوعه.

    وأظن أنَّ العقاد لم يُوفَّق في هذا التعريف، فماذا أراد بالتعبير الجميل أهو المنظوم أو المنثور؟ أم هما المنظوم والمنثور معًا؟ فإن تَكُنِ الأُولى فقد يدخل في تعريف الشعر من الكلام ما ليس منه، وإنْ تَكُنِ الثانية فقد يخرج الشعر المنظوم كله من هذا التعريف، وإنْ تَكُنِ الثالثة فكل كلام جميل يَصِف شعورًا صادقًا فهو شعر! وإذن، ففيمَ تقسيم الكلام إلى شعر ونثر؟! سيقول العقاد: إنَّ هذا التقسيم قديم لا غناء فيه، ولكن العقَّادَ نفسَهُ لم يُسَمِّ نثرَه شعرًا، ولم يُطلِق لفظ الديوان إلا على كلامه المنظوم، ووحي الأربعين — فيما أعلم — نَظْمٌ كله لا نثر فيه إلا الشرح والتفسير؛ فالتعريف إذن من هذه الناحية بعيد كل البُعد عن الدقة التي يُعرَف بها العقَّادُ.

    ويزداد هذا البُعد إذا توسَّعْتَ بعضَ الشيء في معنى التعبير الجميل؛ فالتصوير تعبير جميل، والموسيقى تعبير جميل، والغناء تعبير جميل. فكُلُّ فنٍّ جميلٍ إذن، فهو شعر! وهذا كلام يقوله الكُتَّابُ حين يتجوَّزون، أو حين لا يحرصون على التحقيق، فأما إذا أرادوا الإصابة والدِّقَّة فلا بدَّ لهم من تحديد التعبير الجميل. هذا، ولا بدَّ لهم من أنْ يلاحظوا فيه الوزنَ والقافيةَ، أو الوزنَ دون القافية، أو الانسجامَ الموسيقيَّ على كل حال. وهذا الشعور الصادق، ما هو؟ وما عسى أنْ يكون؟ وهل يطمئن العقاد حقًّا إلى أنَّ كل ما يصفه الشعراء فيجيدون وصفه إنما هو نتيجة لشعور صادق حقًّا؟ أليس من الشعراء من يُجِيد الوصف لطائفة من العواطف لا يَجِدها ولا يشعر بها شعورًا صادقًا، وإنما هو يعرفها ويُحسِن معرفتها، ويواتيه الفن فيجيد وصفها، ويُعبِّر عنها تعبيرًا جميلًا؟!

    وأظن العقَّاد يوافقني على أنَّ المعرفة الجيِّدة شيء، والشعور الصادق شيء آخر. والعقاد يَعْرِف — من غير شك — هذا المَثَل الذي ضربه أرسطاطاليس لبراعة الشعراء في التناقض، وهو مَثَلُ بندار حين طُلِب إليه أنْ يمدح بغلًا ولم يعجبه الأجر، فاستكبر وذم البغل، فلما ضُوعِف له الأجر، جعل هذا البغلَ فرسًا ذات جناحين! ومن المؤكد أنَّ بندار لم يكن يشعر شعورًا صادقًا لا بمحاسن هذا البغل ولا بعيوبه، وإنما كان يعرف هذه المحاسن والعيوب، وأعانه فنُّه فصورها تصويرًا بديعًا.

    وكُلُّنا يعلم أنَّ الشعراء والخطباء يُروِّضون أَنْفُسَهم على مَدْحِ الشيء وذمِّه، فيُجِيدون في المدح والذم جميعًا، ويُعبِّرون عنهما تعبيرًا جميلًا دون أنْ يكون شعورهم بهما صادقًا من غير شك، أو كاذبًا من غير شك، إنما هي البراعة الفنية الخالصة. وإذن؛ فصدق الشعور قد يكون مزايا الشِّعْر ومحاسنه، ولكنه لن يكون ركنًا من أركان الشعر، ولو قد جعلنا صدق الشعور ركنًا من أركان الشعر؛ لأسقطنا أكثر الشعراء من تاريخ الأدب في جميع اللغات. ولم يُخطِئ القدماء حين قالوا: إنَّ أعذبَ الشِّعْر أكذبُه. ولم يخطئ أرسطاطاليس حين أباح للشعراء ما لم يُبِح للخطباء من الإسراف والإغراق؛ فلا بدَّ إذن من أنْ يُحقِّق العقادُ تعريفَهُ هذا للشعر، ومن أنْ يُحقِّق جزأيه جميعًا. ومع ذلك، فهل يَصْدُق هذا التعريفُ على وحي الأربعين؛ بحيث نستطيع أنْ نقول إنَّ هذا الديوانَ كله تعبيرٌ جميلٌ عن شعور صادق؟

    أمَّا أنَّ شعورَ العقاد بكل ما وصفه في ديوانه صادقٌ فشيء أُحِسُّه في قُوَّة لا تقبل الشك ولا الرَّيْب. ولكن، بالقياس إلى بعض الأبواب، بالقياس إلى هذه الأبواب التي تظهر فيها شخصية العقاد ظهورًا واضحًا كل الوضوح، بالقياس إلى باب الغَزَل، مثلًا، هذا الذي تظهر فيه للعقاد شخصيَّة خفيفة الظِّلِّ جدًّا، حلوة الروح جدًّا، مُحِبَّة للحياة جدًّا، مُقبِلة على اللذة جدًّا، في حب لها واقتصاد فيها. انظر إلى هذه الأبيات:

    يا له من فمٍ!يا لها من شفَهْ!يا لشهدٍ بهاكِدْتُ أنْ أرشفَهْ!يا لزهرٍ بهاكدت أنْ أقطفَهْ!حلوة، وَيْحَها!غضة مرهفَهْحسرتي بعدهاحسرةٌ مُتْلِفَهْ
    ألست ترى فيها شخصيةً تُحِبُّ الحياة وتَكْلَف بها، وتحب اللذة وتوشك أنْ تسرع إليها، لولا أنَّ شيئًا يصدها عنها صدًّا ويَرُدُّها فترتدَّ كارهة آسفة؟! وانظر إليه كيف وُفِّق إلى الإبداع في تصوير هذه المعاني السهلة المألوفة، في لفظ جميل عذب كله أنيق، وكيف استطاع أنْ يُصوِّر من وراء هذه المعاني اليسيرة المألوفة، التي يجدها الناس جميعًا، ويراها الناس جميعًا، معنى آخرَ ليس يسيرًا، ولا مألوفًا ولا شائعًا بين الناس، وإنما هو مقصور على الذين يُسلِّطون العقل على الحس، ويُحكِّمون الإرادة في العاطفة، ويَجِدون لذة في الرغبة الحادَّة يمسكها الحرمان الشديد؛ فالعقاد مفتون بصاحبته، مفتون بهذا الفم وهذه الشفة، شديد الظمأ إلى شهدها، شديد الميل إلى زهرها، يَوَدُّ ولكنه لا يفعل، ويكاد ولكنه لا يُحقِّق، ويجد لذة قوية في هذا الحب، وفي هذا الحرمان، يخرج عن طور اللذة الغرامية المألوفة إلى طور اللذة الفلسفية الخالصة.

    في هذه الأبيات تظهر شخصية العقاد، كما هي، خفيفة جدًّا تهفو إلى الجمال وتصبو إليه، رزينة جدًّا تُؤثِر أنْ يكون استمتاعها بالجمال عقليًّا لا إثم فيه ولا جُناح.

    في هذه الأبيات تظهر براعة العقاد، ويظهر كل ما يملأ قلب العقاد من غناء، يجمع بين الحلاوة والقوة، ويُغرِي المغنين بتلحينها في هذه الأبيات، يتحقق تعريف العقاد للشعر فهي تعبير جميل عن شعور صادق.

    وقُلْ مِثْلَ هذا في هذين البيتين، وهما عندي من أجمل الشعر وأرقاه، وهما عندي يمثلان العقاد تمثيلًا صادقًا. يمثلان جُمُوحَهُ وتمرُّدَه، ويمثلان وداعته وطمأنينته.

    لا أرى الدنيا على نور الضحىحبذا الدنيا على نور العيونهي كالرَّاوُوق للنور فلاصفو إلا صفوها العذب المصون
    فانظر إليه كيف نفر وشذ وجمح في الشطر الأول من البيت الأول، فلم يرَ الدنيا على نور الضحى، كما يراها الناس جميعًا، ولم يألفها على هذا النور، كما يألفها الناس جميعًا! ثم انظر إليه كيف ثاب وأناب وهدأ واطمأن وأحب هذه الدنيا، ولكن في نور العيون بعد أن اختُصِرَتْ وهُذِّبَتْ ونُفِيَتْ عنها الأعراضُ، واستُبْقِيَتْ منها الخلاصة الخالصة والصفو الذي برئ من كل كدر، حبذا الدنيا على نور العيون. ثم انظر إليه كيف فسَّر حُبَّه لهذه الدنيا المصفاة في هذا البيت الجميل:

    هي كالراووق للنور فلاصفو إلا صفوها العذب المصون
    فالعقاد في هذين البيتين لا يحب الدنيا المبتذَلة التي يُرخِّصها نورُ الضحى، ويبيحها للناس جميعًا، وإنما يحب الدنيا المصونة الممتازة التي يحتويها نور العيون، ولا يبيحها إلا لطبقة خاصة من الناس؛ هم الشعراء.

    فإذا أردت — ويجب أنْ تريد دائمًا مع العقاد — أنْ تتجاوز هذا المعنى الظاهر الذي يفهمه كل ذي حظ من الأدب، إلى الرمز الذي يريد إليه العقاد، وإذا ذهبت — ويجب أنْ تذهب دائمًا مع العقاد — مذهب الرمزيين الذين يَدُلُّون بالقليل على الكثير، وبالواضح على الخفي، فسترى أنَّ هذين البيتين — على قلتهما وقصرهما وضيقهما — يَسَعان كلَّ شيء ويُصوِّران نفسَ الشاعر ونظرها إلى كل شيء؛ فالعقاد لا يحب الابتذال، وإنما يحب الامتياز، ولا بأس عليه من ذلك ولا جناح عليه فيه، فالشاعر الذي يستحق هذا الاسمَ أرستقراطيٌّ بطبعه، وإنْ كان أقدر الناس على تصوير الديمقراطية وفهمها وإمدادها بالحياة.

    وأكاد لا أشك في أنَّ شعور العقاد صادق في كل هذا الباب من الديوان، ولو أني ذهبتُ أُحلِّل الجيِّدَ من هذا الباب، وكله جيد، لما فرغتُ من التحليل في فصل ولا في فصول. وكم كنت أود لو أُتِيحَ لي أنْ أقف عند هذه القصيدة البديعة التي يسميها العقاد «المعاني الحية»، أو عند هذه الآية الشعرية التي يسميها العقاد «الغزل الفلسفي»، أو عند هذه الآية الأخرى من بين الموشحات، وهي التي سماها العقاد «ليلة البدر»؛ فقد اجتمع للعقاد في هذه القصائدِ الثلاثِ من محاسن الشعر الرائع ما لم يجتمع له في غيرها من قصائد هذا الديوان. اجتمع له صدقُ الشعور وعلوُّه، وصدق التصوير ودِقَّتُه، وصدق الحس وامتيازه، وجمال اللفظ الذي لا غبار عليه، واجتمع له التوفيق إلى المعاني النادرة التي قلَّما يقع عليها الشعراء عندنا، والمهارة في تأدية هذه المعاني بحيث يُخدَع عنها القراء والسامعين، فيُخيَّل إليهم أنهم يقرءون أو يسمعون شيئًا مألوفًا، وهم يقرءون ويسمعون كلامًا من أندر الكلام وأنفسه وأعلاه؛ كلامًا لا يصدر إلا عن شاعر حقًّا، اجتمع له في هذه القصائد جمال التعبير وصدق الشعور، وكاد يجتمع له جمال التعبير وصدق الشعور في كل هذا الباب، لولا ألفاظ تنبو عن سمعي وأحسبها تنبو عن سمع كثير من الناس، كلفظ المأرف في قوله:

    لك وجه كأنه طابع الصدق على صفحة الزمان المأرف
    فلست أدري لِمَ لا أحب هذه الكلمة في هذا البيت، ولِمَ أشعر بأنها قَلِقة لا تستقر في مكانها إلا كرهًا، ولِمَ أشعر بأنها صغيرة ضئيلة بالقياس إلى الزمان. وكلفظ الطين الذي أنْكَرَهُ غيري من النُّقَّاد على العقاد في قوله في القُبْلة:

    هي كأس من كئوس الخالدينلم يَشُبها المزج من ماءٍ وطين
    فأنا لا أناقش في المعنى ولا أعتدي عليه بمحاولة إفساده أو الغض منه، ولكن ذوقي هذا الذي تأثر بأدبنا العربي القديم يَنْفِر، بل يَفِرُّ، من هذا الطِّين الذي يُقرَن بالقُبْلة، وأنا أفهم أنْ يعتذر الشاعر بصحة المعنى ودقته وامتيازه وارتفاعه من مألوف الناس، ولكني مع ذلك لا أطمئن إلى هذا الطين الذي تُقرَن به القُبلة، أو يُقرَن بها.

    وهنا تظهر خصلة من خصال العقاد التي تُميِّزه من غيره من الشعراء المعاصرين؛ فهو من شعراء المعاني الذين يحرصون أشدَّ الحرص على تصحيح معانيهم، وتجويدها، وتمييزها، والارتفاع بها عن المألوف. ولكنهم لا يتكلفون مع الألفاظ ما يتكلفونه مع المعاني من تخيُّر وتدقيق في التخيُّر، ومن تحرُّج وغلو في التحرج. هم أتباع المعاني، وهم يزعمون أنَّ الألفاظ يجب أنْ تتبعهم وأنْ تدين لهم، وهم لا يطلبون إلى الألفاظ إلا أنْ تؤدِّي لهم معانيهم وتعرب عنها إعرابًا صحيحًا لا لبس فيه، فإن أُتِيحَ لها مع ذلك أنْ تكون جميلة جذلة ورقيقة عذبة فذاك، وإلا فليس عليهم بأس ولا جناح.

    ولكن العقاد خليق بإحدى اثنتين: فإما أنْ يُصلِح تعريفَهُ للشعر فلا يشترط جمال التعبير، وإما أنْ يُصلِح مَذْهَبَه في الشعر، فيكون أحرص على تجويد اللفظ وتجميله وتزيينه في السمع والقلب مما هو الآن. وأنا أؤثر له الثانية، فليس من الحق في شيء أنَّ الشعر يستطيع أنْ يستغني عن جمال اللفظ بجمال المعنى وروعته، ولعله يستطيع أنْ يستغني بجمال اللفظ عن جمال المعنى أحيانًا؛ فالشعر موسيقي أولًا، وهو إذن متجه إلى السمع، فإذا استطاع أنْ يَخْدَع السَّمْعَ بجمال اللفظ وانسجامه، فقد يستطيع أنْ يخدع القلبَ والعقلَ، وقد يستطيع أنْ يكتفي بالسمع وحده. والخير كل الخير أنْ يُوفَّق الشاعر إلى الملائمة بين جمال اللفظ وجمال المعنى، والعقاد يُوفَّق إلى هذه الملاءمة كثيرًا، ولكنها تخطئه أحيانًا.

    تخطئه حين ينسى نفسه، ويعمد إلى الفلسفة ويريد أنْ يكون فيلسوفًا موضوعيًّا — إنْ صح هذا التعبير — يَعرِض علينا الآراء الفلسفية في نفسها ومن حيث هي، دون أنْ يبعث فيها شيئًا من شخصيته، أو من حياته كأنه العالِمُ يُقرِّر أصلًا من أصول العلم أو قانونًا من قوانينه. في هذه الحال، يُتقِن العقادُ معانيَهُ ويصحِّحها تصحيحًا لا غبار عليه، ولكن هذا الإتقان والتصحيح يستغرق جهده أو أكثره، ولا يكاد يبقى له إلا ما يمكنه من النظم، وإذا شاعِرُنا مُفَكِّر من الطبقة الأولى، ولكنَّ نَظْمَهُ يُشبِه نَظْمَ أبي العلاء، تنقصه السلاسة والنصاعة وصفاء الديباجة، وهذا الانسجام الذي يخلب سمعك ويملك عليك أمرك ويجعلك نهبًا للشاعر يلقي في روعك ما يشاء.

    كل هذه الخواطر تخطر لك حين تقرأ القسم الأول من وحي الأربعين. وأحب أنْ أكون منصفًا؛ فلا يكاد الإنسان ينظر في هذا الديوان وفي غيره من دواوين العقاد، حتى يُعجَب بالشاعر إعجابًا لا حدَّ له؛ لأنه رفع نفسه ورفع الشعر معه إلى عالم لم يتعوَّد شعراء العرب أنْ يعيشوا فيه، لا أكاد أستثني منهم إلا أبا العلاء. فالموضوعات التي يقصد إليها العقاد ويَنْظِم فيها الشِّعر موضوعاتٌ عالية كلها رفيعة، حتى إذا هبط العقاد إلى حيث يعيش الناس وشاركهم — فيما تعوَّدوا — أنْ يقرضوا الشعر فيه من الفنون لم يلبث أنْ يرتفع بهذه الفنون، ويُحلِّق بها في جو لا يكاد يرقى إليه الطرف.

    وأكاد أجزم بأن العقاد لو استقامت له الألفاظ وأسمحت له اللغة، لما استطاع أحد في هذه الأيام أنْ يساميه، ولكن لغته لا تمكنه — مع الأسف الشديد — من أنْ يستمرَّ مُحلِّقًا في الجو، بل تثقل عليه وتثقل على معانيه، وتضطره إلى الهبوط، فيهبط ومن حقه أنْ يظل عاليًا. وهل يأذن العقاد في أنْ أُنْكِر عليه خصلةً أخرى في وحي الأربعين؟ وهي هذه الشروح التي يُقدِّمها بين يدَيْ طائفةٍ من قصائده الفلسفية، والتي تترك في النَّفْس أثرًا مؤلمًا ثقيلًا إلى حد ما، وتُخيِّل إلى القارئ أنَّ الشاعر قد تخيَّر بعضَ الموضوعات الفلسفية التي طرقها الناس من قبله وأتقنوها بحثًا ودرسًا فنظمها، ونظمها في غير توفيق إلى الوضوح؛ فقدَّم هذا الشرح بين يديها وجعل شِعْرَه أشبهَ بالمتون منه بالشِّعر حقًّا!

    إنَّ الذين يقرءون شعر العقاد ويذوقونه هم المثقفون المستنيرون، الذين تعوَّدوا أنْ يقرءوا الشِّعْر وأنْ يفهموه، وأنْ يقرءوا شعرًا أصعب من شعر العقاد، وأشد منه إمعانًا في الغموض، فيستطيع العقاد أنْ يُحسِن بهم الظن، وأنْ يُخلِّي بينهم وبين شعره ليفهموه كما يريدون وكما يستطيعون.

    وليس على العقاد بأس أنْ يُفهَم شعره أحيانًا على غير ما أراد هو؛ فمن يدري؟! لعله أنْ يكون هو مخطئًا، وأنْ يكون قارئه مصيبًا، ومن يدري؟! لعله أنْ يَعُود إلى شعره يقرؤه فيفهم منه غير ما كان أراد، قد يكون هذا عيبًا في النثر، ولكنه مزية من مزايا الشعر الرائع، ولو أنَّ لي أنْ أقترح على العقاد لطلبتُ إليه أنْ يلغي هذه الشروح الفلسفية في الطبعة الثانية لهذا الديوان، إنْ لم تكن قد تمَّتْ، فإني أعلم أنَّ الطبعة الأولى قد نفدت منذ حين.

    ولست أدري لِمَ لا أريد أنْ أقِفَ وأنْ أختم هذا الحديث دون أنْ آخذ العقاد بملاحظة أخرى، أود لو يُقدِّرها ويُفكِّر فيها؟! وهي أنَّ التجديد في الشعر يتناول الألفاظ ويتناول المعاني من غير شك، ولكنه خليق أنْ يتناول الوزن أيضًا؛ فلكل نَفْسٍ مذهبُها في التفكير، ومذهبها في التعبير، ولكل نفس موسيقاها أيضًا.

    وإذا صدق هذا بالقياس إلى الأفراد؛ فهو صادق بالقياس إلى الأجيال. والعقاد يعلم أنَّ كل نهضة في الشِّعْر خليقة بهذا الاسم تستتبع تغييرًا في الوزن، واستحداثًا لفنون جديدة من التوقيع. كان ذلك في شعرنا العربي في الشرق وفي الأندلس، وكان ذلك في غير شِعْرنا من الأمم، وكنت أحب أنْ يكون ذلك في شعرنا الحديث، وكنت أحب أنْ يكون العقاد من السابقين إليه، ولستُ يائسًا من ذلك؛ فإن العقاد رجل خصب النَّفْس، قوي الحس، دقيق الشعور. وأَخْلِقْ بمن تجتمع له هذه الخصال، ويكون له معها خيال قوي بعيد المدى أنْ يُجدِّد في الشعر فيُحسِن التجديد، وأنْ يتجاوز التجديد في الألفاظ والمعاني إلى التجديد في الأوزان والقوافي.

    أعترف بأني قرأت وحي الأربعين مرتين، وأني أود لو أقرأه مرة ومرة، وأني واثق بأني سأَجِد في قراءته المُقبِلة من اللذة والمتاع، ما يجعلني فيها راغبًا وعليها حريصًا.

    أهي المصادفة التي أرادت أنْ أتحدَّث عن العقاد وعن هيكل في مقال واحد، أم هو تشابه قوي أو ضعيف بين هذين الأديبين دعاني إلى أنْ أجمع بينهما في هذا الفصل، وإنْ كان الاختلاف بينهما شديدًا مُغْرِقًا في الشِّدَّة؟

    أما الذي لا أشك فيه هو أنَّ ظهور ثورة الأدب ليس هو الذي دعاني إلى الجمع بين هذين الأديبين، فقد كنتُ أستطيع أنْ أُفْرِد لكل واحد منهما فصلًا، ولَعلِّي لو فعلتُ أرحتُ القارئَ وأرحتُ نفسي من الإطالة، ولَعلِّي لو فعلت فرغت لكل واحد منهما فوفَّيْتُه بعضَ حقِّه من النقد والثناء، ولكنِّي وجدْتُ نفسي مدفوعًا إلى أنْ أنْظِمَهُما في سلك، وأجمعهما في فصل، وأبحث بعد ذلك عمَّا دفعني إلى هذا. وأظن أنه الشعور الذي كنت أجده حين كنتُ أنتقل من شعر العقاد إلى نثر هيكل، ومن نثر هيكل إلى شعر العقاد، فقد كان يُخيَّل إليَّ أني أتنقَّل بين أديبين مختلفين غاية الاختلاف، وإنما كنت أنتقل من شِعْر كثيرًا ما يشبه النثر إلى نثر كثيرًا ما يشبه الشعر، وكلاهما يمتاز بالخصب والثروة والعمق، وكلاهما يمتاز بهذه الديباجة التي ينقصها الصفاء في كثير من الأحيان، وكلاهما يمتاز بإيثار المعاني وإهمال الألفاظ إلى حد بعيد.

    وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هيكلًا، وأَحمدُ قلبَهُ الزكيَّ وعقلَه القويَّ، وبصيرتَه النافذةَ وفهمَه الصحيحَ لحقائق الأشياء التي يَعرِض لها بالبحث والدرس؟! وهل أنا في حاجة إلى أنْ أصف هذا الخصب المدهش الذي يحار الإنسان في وصفه وفي تصويره، كُلَّما فكر في هذه الجهود الهائلة التي يبذلها هيكل في غير انقطاع ولا تواني ولا فتور، والتي تستطيع مع هذا كله أنْ تحتفظ بقوة متشابهة، لا يكاد يظهر فيها التفاوت، ولا يكاد يعرض لها الضعف؟! فهيكل صاحب صحيفة يُشرِف عليها ويُدبِّر أمورها، ويكتب فيها فصلًا في كل يوم على أقل تقدير، وهو عضو في حزب سياسي يشارك زملاءه فيما يعملون، ويتحدث إليهم كل يوم في السياسة، إذا كان الصباح وإذا كان المساء، وهو أديب يقرأ فيُكثِر القراءةَ ويُنوِّعها فيُحسِن تنويعها. يقرأ في الأدب العربي، ويقرأ في الأدب الإنجليزي، ويقرأ في الأدب الفرنسي، ويقرأ في السياسة، ويقرأ في التاريخ، والغريب أنه لا يكره أنْ يقرأ في علوم القانون، وإنْ كان من رجال القانون!

    وهو على هذا كله، يكتب في الأدب في موضوعات مختلفة منه؛ يكتب في الأدب الإنشائي فإذا هو يَصِف فيُبدِع في الوصف، وإذا هو يقص فيُجِيد القصص، ويكتب في الأدب الوصفي، فإذا هو ينقض الشعر وينقض النثر، ويُوفَّق في هذا النقد إلى خير ما يطمع فيه الناقدون.

    وهو على ذلك كله، أب وزوج لا يبخل على أسرته بحقها عليه، وهو صديق لا يبخل على أصدقائه بحقوقهم عليه، وهو رجل له مكانته الظاهرة في حياتنا الاجتماعية والسياسية، وهو ينهض بما تستتبعه هذه المكانة من حقوق وواجبات.

    والغريب مع هذا كله، أنك تلقاه فإذا رجل هادئ مطمئن، كأنه أَفَاقَ منذُ حِينٍ قصيرٍ من نوم مريح، فهو لم ينشط كل النشاط بعدُ، ولكنه بعيد كل البُعد عن الخمود والفتور، ولا تكاد تتحدَّث إليه دقائقَ حتى يَفْتِنك ويروعك، فكأنك تتحدث إلى جني، ولكنه جني عذب الروح لذيذ الحديث.

    هذا هو هيكل، فالذي لا يقضي الإنسان عجبًا من قدرته على الإنتاج المتصل، في السياسة وفي أي سياسة، في الأدب وفي أي أدب، دون أنْ يظهر عليه ضعف أو إعياء أو شيء يشبه الملل.

    أصبحتُ ذاتَ يوم لا أكاد أسمع صاحبي يتلو عليَّ صحيفةً من صُحُف الصباح إلا سمعت إعلانًا في هذه الصحيفة عن كتاب لهيكل جديد، هو «ثورة الأدب»، وكان الإعلان أمريكيًّا لا عهد لهيكل بمثله. فهيكل من أنشط الناس في الأدب والسياسة، ولكنه من أشدهم فتورًا في الإعلان، فقلت: يجب أنْ يكون هيكل قد تغيَّر، ومع ذلك فليس عهدي به بعيدًا، يجب أنْ يكون شيء من حوله قد تغير، يجب أنْ يكون الله قد رزقه عفريتًا في الإعلان، كما هو عفريت في الإنتاج! وما هي إلا ساعة أو ساعتان حتى أقبل رسول يحمل إليَّ نسخة من الكتاب.

    وكنتُ أعرف هيكلًا بطيئًا في إهداء كتبه، وكثيرًا ما لُمْتُه في ذلك، وكثيرًا ما أسرفتُ في الإلحاح؛ لأظفر بنسختي مما كان يُصدِر من الكتب، فلم أزدد أمام هذه السرعة وهذا النظام إلا دهشًا، وما زلت إلى الآن دهشًا؛ لأني لم أفهم بعدُ مصدرَ هذه السرعة، وهذا النظام في الإهداء والإعلان!

    ومهما يكن من شيء، فقد أسرعتُ فأعلنتُ كتاب هيكل إلى الناس في الكوكب، كما أعلنتْهُ الصحفُ الأخرى، ثم أسرعتُ فبدأتُ في قراءة الكتاب، ولم يُخِفْني عنوانُه؛ إما لأن صديقي هيكلًا لا يُخِيف مهما يُثَرْ، وإما لأن الثورة مهما تكن لا تخيفني. ولم أحتَجْ إلى هذا التفسير الذي خُيِّل إلى هيكل أنه محتاج إليه؛ لِيَفْهمَ الناسُ عنه هذا العنوانَ؛ فأي غرابة في أنْ يُسمَّى أي كتاب في الأدب الآن «ثورة الأدب»؟! وهل حياة الأدب العربي في هذه الأيام إلا ثورة متصلة؟! نحن ثائرون حين نُنشِئ، ونحن ثائرون حين نَصِف، ونحن ثائرون حين نَنْقُد؛ كل إنتاجنا الأدبي ثورة. حتى الذين يُسمُّون أنفسَهم محافظين، ويُلِحُّون في المحافظة، ويتمدَّحون بها، ويبتغون بها الوسيلة عند الذين يحبونها ويستغلونها، هؤلاء أنفسهم ثائرون يفرُّون من القديم الذي يحرصون عليه، يريدون أنْ يؤيِّدوه، فإذا هم يُجدِّدونه ويُغيِّرونه!

    ويكفي أنْ تقرأ حتى في نور الإسلام، وهي المجلة الرسمية للأزهر، فسترى فيها ثورة ومحاولة للتجديد، وحرصًا على أنْ يظهر شيوخ الأزهر حين يفكرون ويكتبون ملائمين للعصر الذي يعيشون فيه. حياتنا الأدبية كلها ثورة إذن، وكل كتاب نكتبه في الأدب فهو ثورة الأدب؛ لذلك لم أقف طويلًا عند العنوان، وإنما أسرعتُ فمضيتُ في قراءة الكتاب.

    لم أَجِدْ في الكتاب شيئًا جديدًا، وأرجو ألا يغضب هيكل؛ فالكتاب كله جديد، ولكنِّي أعرفه! لا لأني قرأتُ كثيرًا من فصوله حين نُشِرَتْ في السياسة اليومية أو الأسبوعية، بل لأني قرأتُه وسأقرأه كلَّه في هيكل كلما لقيتُه أو تحدثتُ إليه؛ فالكتاب صورة مُطابِقة أشدَّ المطابقة وأصدقها وأجملها لنفس الكاتب. تقرأ في الكتاب فترى هيكلًا وتسمع له، وقد تُنكِر الرأيَ من آرائه، فتهم بأن تتحدث بإنكارك هذا إلى هيكل كأنه جالس إليك تراه وتسمع منه، وتريد أنْ تأخذ معه في الحديث.

    ليس في الكتاب شيء جديد؛ وهو لذلك من أخطر الكتب وأشدها غدرًا لك ومكرًا بك، تمضي فيه فيُخيَّل إليك أنك تمضي في كلام مألوف، ولكنك لا تكاد تفكر قليلًا فيما تقرأ، أو لا تكاد تُلِحُّ في القراءة، حتى يفتح هذا الكتابُ لك أبوابًا ويبسط أمامك آفاقًا ما كُنْتَ تعرفها أو تُفكِّر فيها من قبل، وإذ كل شيء جديد، وإذ كل شيء طريف، وإذا الكاتب يخدعك ويمكر بك، وإنْ لم يُرِد خداعًا ولا مكرًا.

    أُرِيدُ أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب، بشرط ألا أُلخِّصه ولا أحلِّله. لا لأني لم أقرأه كما ظن هيكل بصديقنا المازني، بل لأن تلخيصه يُفسِده ويذهب بجماله وقيمته الصحيحة، وكيف تُلخِّص في فصل واحد كتابًا يتناول التجديد والتقليد في الأدب، ويتناول القصص والتمثيل، ويتناول الأدب القومي، ويحاول الإنتاج في هذا الأدب القومي؟! كيف تريد أنْ تُلخِّص هذا الكتابَ على اختلاف ما فيه من ثمرات وألوان؟! لقد حاول صديقنا المازني أنْ يلخصه فلم يُوفَّق، ولولا أنَّ هيكلًا شك في قراءته للكتاب لَمَا تكلَّف المازنيُّ هذه المحاولةَ.

    أريد إذن أنْ أعطي قارئ الرسالة فكرةً دقيقةً عن هذا الكتاب دون أنْ أُلخِّصه، ولَعلِّي أُوَفَّق إنْ لاحظتُ أنَّ لهذا الكتاب ناحيتين، فهو تاريخ صحيح دقيق للأدب العربي المصري في هذه الأعوام الأخيرة من جهة، وهو فلسفة أدبية رفيعة موضوعها أدبنا الحديث من جهة أخرى.

    فإذا كنتَ تريد أنْ تعرف كيف نشأتِ الخصومةُ عندنا بين القديم والجديد، وكيف تطورتْ، وإلى أين انتهتْ، وما المؤثرات المختلفة التي ألحَّتْ عليها فقوَّتْها حينًا وأضعفتها حينًا آخر، وإذا كنتَ تريد أنْ تعرف مقدارَ ما كسبنا لأنفسنا من شخصية قوية أو ضعيفة في فنون الأدب على اختلافها في الشعر والنثر رسائل وقصصًا وتمثيلًا، وإذا كنت تريد أنْ تعرف الصورة التي نرسمها لأنفسنا من الأدب القومي، والحقيقة التي استطعنا أنْ ننتهي إليها من هذا الأدب، فأنت واجد هذا كله في هذا الكتاب، وأنت واجد مع هذا كله قصصًا هيكليًّا ممتعًا بديعًا.

    ثم إذا كنتَ تريد أنْ تجعل الأدبَ موضوعًا للتفكير والفلسفة، كما يجعل الفلاسفةُ الطبيعةَ وما بعد الطبيعة موضوعًا لفلسفتهم وتفكيرهم، فيُحلِّلون ويُعلِّلون ويشرحون ويُفسِّرون ويتنبأون فستجد هذا كله في هذا الكتاب؛ فقد حلَّل هيكلٌ وعلَّل، وقد شرح هيكل وفسَّر، وقد أرَّخ هيكل وتنبأ، ووُفِّق هيكل إلى كثير جدًّا من الحق في هذا كله.

    أَظْلِم هيكلًا وأَظْلِم نفسي إنْ قُلْتُ أنَّ إعجابي بكتابه يمكن أنْ يُحَدَّ؛ فهو مرآة صافية نقية صادقة لحياتنا الأدبية منذ وَضَعَتِ الحربُ الكبرى أوزارَها، ولكنِّي أظلم هيكلًا وأظلم نفسي إنْ قلتُ أني راضٍ عن كتابه كل الرضا، مُقِرٌّ بكل ما جاء فيه؛ فبين هيكل وبيني خصومة قديمة ما أرى أنها تنتهي لأنه لا يريد أنْ يُنهيَها! ولغة هيكل هي موضوع هذه الخصومة؛ فهيكل من أصحاب المعاني بين الكُتَّاب، كما أنَّ العقاد من أصحاب المعاني بين الشعراء، وهيكل يُهمِل لُغتَه إهمالًا شديدًا، ويتورَّط في ألوان من الخطأ واضطراب الأسلوب، يدنيه أحيانًا من الابتذال. والغريب أنه لا يضيق بذلك ولا يَجِد به بأسًا، ولا يعترف بأنه يُسِيء إلى نفسه وإلى أدبه معًا!

    ولستُ أريد أنْ أُحصي عليه هذه العيوبَ، ولا أنْ أضرب لها الأمثال؛ فهو لا ينكرها ولا يراها عيوبًا، ولعله يتمدَّح بها أحيانًا وهو مخطئ من غير شك؛ فإن من المؤلم أنْ تبدو معانيه الجميلة الرائعة في ثياب رثة بالية في كثير من الأحيان.

    وهيكل كالسَّيْل؛ إذا عرض لموضوع اندفع فيه فجاءَ بالجيِّد الكثير، ولكنه لا يَسْلَم أحيانًا من الغثاء؛ فكثيرًا ما يتورَّط في الخطأ لأنه يُسرِع ولا يتكلف التحقُّق والتثبُّت في بعض مسائل التاريخ. انظر إليه في المقدمة يريد أنْ يذكر الأودسا، فيذكر الإنيادة ويضيفها إلى اليونان! والإنيادة هي قصيدة فرجيل، وهيكل يعلم ذلك حق العلم، ولكنه نسي وصحَّح كتابَه، ولم يخطر له أنْ يتحقق مما يكتب.

    وانظر إليه في موضع آخر، حين يَذكُر تحرُّرَ الفرنسيين من آثار اليونان والرومان في القرن السابع عشر، كيف يذكر لابروير وموليير وهو يعلم حقَّ العلم أنَّ أولهما تأثر من غير شك بتيوفرايست، وأنَّ الثاني تأثر من غير شك بتيرانس وبلوت! وتستطيع أنْ تأخذ هيكلًا بطائفة غير قليلة من هذا الخطأ، الذي مصدره الإهمال والسرعة، وشيء من الازدراء لتحقيق المحقِّقين. ولو أني عرفتُ أنَّ هيكلًا يحفل بنقد الناقدين، أو نُصْح الناصحين لألححتُ عليه في أنْ يتخذ لفصوله الأدبية مصفاةً — إنْ صحَّ هذا التعبير — يُصفِّي بها ما يَكْتُب؛ فيُزيلَ منه الخطأَ اللغويَّ، ويزيلَ منه الإهمالَ في بعض الحقائق التاريخية!

    أَمُتَّفِق أنا بعد هذا كله مع هيكل في آرائه كلها حول القديم والجديد؟ ما أظن إلا أننا نتفق في أكثرِها ونختلف في أقلِّها، ولعل اختلافنا أنْ يكون ناشئًا من شيئين؛ أحدهما: هذا الإهمال الذي آخذ به هيكلًا، والذي يدفعه إلى المبالغة ويضطره إلى التقصير أحيانًا. والثاني: أنَّ هيكلًا رجلٌ أديبٌ، ولكن اشتغاله المتَّصِل بالسياسة قد أثَّر في تصوُّره للأشياء وحُكْمِهِ عليها بعضَ الشيء.

    فهو يُسرِف حين يُسيء الظنَّ بما يكتبه الأوربيون عنا حين يمسون حياتنا الأدبية؛ فما أظن أنَّ «جيب» وأمثاله يتخذون السياسة وأهواءها مقياسًا لدراساتهم الأدبية، وهو يُسرِف أيضًا حين يُحسِن الظنَّ بنا وبحظنا من الخيال، وقُدْرتنا على الإنتاج. ولكنه رجل سياسي حتى حين يكتب في الأدب، يريد أنْ يُدافِع عن مصر والشرق، كما يفعل في السياسة، ويريد أنْ يُرضِي المصريين والشرقيين، كما يفعل في السياسة. أَمَّا أنا فأريد أنْ أدافع عن مصر والشرق، وأريد أنْ أُرْضِيَ مصرَ والشَّرْقَ، ولكن بشرط ألا يُوَرِّطني هذا في تغيير الحقائق العلمية، أو ما مسها بشيء من التشويه ولو قليلًا؛ فالحق آثر عندي من أي شيء، ومن أي إنسان.

    أما بعدُ، فمهما نأخذ به كتابَ هيكل هذا، فلن نغُضَّ منه، ولن يستطيع أحد أنْ يُنْكِر أنَّ هيكلًا هو المؤرِّخ العربي للأدب العصري الحديث، وأنه قد فرض بذلك نَفْسَهُ، ولا أقول على هذا الجيل وحده، بل أقول على الأجيال المُقبِلة أيضًا، وأنا واثق كُلَّ الثقة بأن كتابه هذا سيصبح من المصادر القيِّمة للذين يريدون أنْ يدرسوا أدبنا المصري في نهضته هذه الحاضرة.

  • في النقد

    في النقد
    للدكتور طه حسين
    سلمى وقريتها: كتبته باللغة الفرنسية (مدام أمي خير)
    أهل الكهف: كتبه باللغة العربية (توفيق الحكيم)
    ليختصم أنصار الجديد وأنصار القديم، ما وسعتهم الخصومة وما وجدوا من أنفسهم قوة على احتمال أثقالها، والمضي فيما تحتاج إليه من الجهاد. فإن الزمن يمضي في سبيله رغم خصامهم وصلحهم. وهو لا يمضي وحده ولكنه يدفع أمامه قومًا منا، ويجر وراءه قومًا آخرين. وهو منتهٍ بأولئك وهؤلاء إلى حيث يريد هو من التغير والتطور والتجديد، لا إلى حيث يريدون هم من الوقوف والجمود والإسراف في المحافظة على القديم كل القديم.
    ولقد خطر لي هذا بعد أن فرغت من قراءة ما ينشره أصدقاؤنا في (الرسالة) حول التجديد وأنصاره، وحول المحافظة وأصحابها. وقد فرغت أيضاً من قراءة طائفة من هذه الكتب الكثيرة التي أظهرتها الشهور الأخيرة، والتي تجتمع أمامي تزداد من يوم إلى يوم، وتلح عليّ في أن أفرغ لها وأجلس إليها وأنظر فيها، فأنصرف بها عما يحيط بي من ظروف الحياة التي أعمل فيها كل يوم.
    نعم فكرت في هذا، وقد فرغت من قراءة بعض هذه الكتب، فإذا نحن نختصم في الجديد والقديم، ونسرف في الخصومة، ونغلو في التفسير والتأويل، على حين يدفعنا الزمان في طريق التجديد دفعًا لا سبيل إلى مقاومته، أو يجرنا في هذه السبيل جرًّا لا سبيل إلى الإفلات من قوته. ولكني وقفت عند ظاهرة لعلها تستحق أن يقف عندها النقاد والمفكرون، وهي هذا الشكل العقلي الفني الذي تأخذه الصلة بين الشرق والغرب في هذه الأيام، فقد كنا منذ حين نتأثر بالغرب ونسعى إليه ونقتبس منه ونريد أن ننقله إلينا إن صح هذا التعبير. وكان هذا السعي يفني شخصيتنا أو يكاد يفنيها، فإذا نحن غربيون في تفكيرنا وتعبيرنا وحياة عقولنا وقلوبنا. وإذا حظوظنا تختلف من هذه الغربية قوة وضعفًا. منا من يحسن التقليد، ومنا من يسيئه. وكان ضعف شخصيتنا هذا يبغضنا إلى المحافظين من أهل الشرق ويزهدهم فينا. وكان يثير في نفوس المجددين من أهل الغرب حبًّا لنا يشوبه العطف والاشفاق، وكنا نضيق ببغض أولئك وحب هؤلاء، ونتمنى لو نقف من أولئك وهؤلاء موقفًا طبيعيًا لا حرج فيه ولا تكلف ولا ضيق.
    كذلك كانت حال كتابنا وشعرائنا في هذا العصر الحديث حين كانوا يريدون التجديد أو يذهبون إليه. ولكن الأمر تغير في هذه الأيام فقويت شخصية الكتاب والشعراء حتى آمنت بنفسها وآمن بها الناس من حولها في الشرق والغرب جميعًا، وأصبح كتابنا وشعراؤنا ينشئون النثر ويقرضون الشعر فلا يزور عنهم كثير من المثقفين حقًّا في الشرق، ولا يرفق بهم أهل الغرب، وإنما يحبهم أولئك فيقرئونهم ويخلصون لهم النصح والنقد والتشجيع، ويقدرهم هؤلاء فيدرسونهم ويقيسون الآماد التي قطعوها في سبيل التجديد والاتصال بالحضارة الغربية والتمكين لهذه الحضارة في بلاد الشرق دون أن تفنى شخصياتهم أو يصيبها الضعف والفتور.
    وأغرب من هذا الذي تراه حين نقرأ ما يكتبه (جيب) و (كمفمير) وغيرهما عن كتابنا وشعرائنا، أنك تلاحظ في هذه الأيام، أن من أهل الشرق من يتمثلون الغرب حتى كأنهم من أهله فيتحدثون إليه بلغته ويفكرون كما يفكر، ويشعرون كما يشعر، ويشاركونه بهذا في إنتاجه الأدبي الخالص، ويصدرون كتبهم حيث يصدر الغرب نفسه كتبه في لندن أو باريس. وإذا هذه الكتب تصل إلينا من عواصم الغرب فنتلقاها كما كنا نتلقى الكتب الغربية من قبل، وتتناولها صحفنا بما تتناول به كتب الغرب من نقد وتقريظ، وترى بعض أهل الشرق يتمثلون الغرب ويسيغونه ويهضمونه إن صح هذا التعبير، ويذيبونه في أنفسهم، ويغلبون شخصيتهم عليه ويغذون قوميتهم به. ثم يتحدثون إلينا بلغتنا مهذبةً، ويفكرون معنا بطرائق تفكيرنا مصفاةً، قد أضيفت إلى ثروتها ثروة أخرى فأخصبت وأتت ثمرًا نحبه ونستعذبه ونستزيد منه فنلحُّ في الاستزادة.
    وكذلك يتصل الشرق بالغرب اتصالًا عقليًا وفنيًا بعد أن كان الاتصال بينهما ماديًا تقليديًا، وكذلك نتقدم في التجديد خطوات واسعةً قيمةً مغنيةً حقًّا، فنضيف إلى ثروة الغرب كما يضيف الغرب إلى ثروتنا.
    وأنا أريد أن أتحدث إليك الآن عن كتابين يمثلان هذه الحال التي وصفتها من الاتصال المتكافئ الكريم بين الشرق والغرب. فأما أحد هذين الكتابين فقصة كتبت بالفرنسية. وأما الآخر فقصة كتبت بالعربية، أول الكتابين قصص خالص، والآخر قصص تمثيلي؛ أول الكتابين لسيدة لبنانية هي السيدة أمي خير، والثاني لكاتب مصري هو الأستاذ توفيق الحكيم.
    أما كتاب مدام خير فهو: (سلمى وقريتها)، سمعنا عنه منذ أكثر من عام وتحدثت إلينا صاحبته، بخلاصته وقرأت علينا بعض فصوله في محاضرة ألقتها مدام خير منذ عام في قاعة من قاعات الكونتننتال حيث يجتمع أصدقاء الثقافة الفرنسية في يوم الجمعة من كل أسبوع أثناء الشتاء. وكنا قد أحببنا ما سمعنا من هذا الكتاب ومن الحديث عنه، ومَنَّيْنا أنفسنا ساعات لذيذة نقضيها معه بعد أن يتم طبعه ويعود إلينا من باريس في ثوبه الفرنسي الجديد. ولكني شديد الاحتياط، أسيء الظن بنفسي ورأيي ولا أطمئن إلى هذه الأحكام العجلى، ولست أخفي أني أسأت الظن بما أحسست من رضا عن هذا الكتاب في العام الماضي، وأشفقت أن يكون مصدر هذا الرضا براعة مدام خير في المحاضرة وحظها من حسن الإلقاء، وقدرت أن الخير أن أنتظر حتى يصل إليَّ الكتاب فأقرأه بعيدًا من صاحبته ومن صوتها العذب وحديثها الجميل.
    ووصل إليَّ هذا الكتاب منذ أسابيع، فخلوت إليه ساعات ولست أخفي أني رضيت عنه رضًا كثيرًا وأعجبت بفصول منه إعجابًا عظيمًا، ووقفت عند فصول أخرى وقفة من يشعر بشيء من الرضا لا إسراف فيه.
    موضوع الكتاب ظاهر من عنوانه، فهو قصة فتاة لبنانية وتصوير للقرية التي عاشت وماتت فيها. والمؤلفة تنبئنا بأن كتابها صورة فوتوغرافية لسلمى وقريتها. وقد يكون هذا حقًّا بل هو حق. وهو في الوقت نفسه مصدر فضل الكتاب ومصدر شيء مما يلاحظ عليه. وكم كنت أود لو أن هذا الكتاب لم يكن صورة فوتوغرافية، بل كانت صورة فحسب؛ صورة من عمل الإنسان لا من عمل الآلة الفوتوغرافية، صورة تظهر فيها شخصية الكاتبة ظهورًا واضحًا نأنس إليه ونستعين به على إساغة هذه الحقائق التي يشتمل عليها الكتاب. ولكن القصة كانت كما أرادت مدام خير صورة فوتوغرافية، فامتازت بالصدق وامتازت بالدقة، وفقدت شيئًا كثيرًا من الحياة والتأثير. ليست القصة غريبة ولا طريفة، وإنما هي شيء مألوف نكاد نقرأه في كل كتاب (أستغفر الله) نكاد نقرأه في كتب كثيرة ألفت في القرن الماضي، ونكاد نجده في كل كتاب من كتب الأدب العربي حين يتحدث عن العشاق الذين يضنيهم الحب حتى يسلمهم إلى الموت. فقد أحبت سلمى فتحي من قرية مجاورة لقريتها في شمال لبنان. مرض أبوها وقامت أمها على تمريضه وانفردت هي بالذهاب إلى المزرعة فلقيت فيها هذا الفتى الغني الموسر المثقف بعض الشيء. فمال الفتى إليها ومالت هي إليه ثم تحدثا ثم عرف كل منهما أمر صاحبه. ثم ملأ الحب قلب الفتاة وملك عليها نفسها، ثم برئ الأب من مرضه وانقطع لقاء المحبين فكانا يختلسان ساعات يلتقيان فيها. ثم ظهر الأب على بعض الأمر. فضرب الفتاة وذهب يعاتب الفتى ويعرض عليه الزواج. فاعتذر وأرسله عمه إلى مصر يلتمس فيها الثروة ويبدد فيها حبه على ضفاف النيل، وأصاب الفتاة حزن عميق كان الأمل يخففه حينًا ويضاعفه أحيانًا. ثم كان اليأس. وزوجت الفتاة من شاب كان يكلف بها. فحاولت أن تخلص له وجدّت في ذلك ولكنها لم تستطع أن تخلص من حبها القديم فيضعف قلبها وجسمها عن الوفاء بحبها الأول والإخلاص لحب زوجها فيأخذها مرض، ما يزال بها حتى تنقذها من هذه الحياة.
    فأنت ترى أن ليس في القصة شيء غريب مبتكر، ولكن جمال القصة مع ذلك شيء لا سبيل إلى الشك فيه، ومصدره فيما يظهر هذا التصوير الفوتوغرافي الذي ينقل إليك قرية من قرى لبنان. وما فيها من حياة نحب سذاجتها، ووداعتها، وجمالها الطبيعي الذي لم يفسده التكلف، ولم يشوهه الإغراق في الحضارة. والذي يمتزج فيه الإيمان الخالص الحر بالحياة الخالصة الحرة. نعم ونحب في هذه الحياة التي يملؤها النشاط المنتج في فصل العمل، وتملأها الراحة الهادئة في فصل السكون، ولعلنا نحب أيضاً هذا النوع من العشق الذي ينبعث من القلب الإنساني في غير تكلف ولا ترف ولا تأثر بفلسفة العقل وتهالكه على البحث والتحليل والاستقصاء. ثم نحن نحب بعد هذا كله وفوق هذا كله هذه الصور الفوتوغرافية لطبيعة لبنان في أشكالها المختلفة. لهذه الجبال الشاهقة يكسوها الجليد إذا كان الشتاء، ويزينها الربيع بالشجر المخضر. ولهذه الوديان التي يجاهدها الإنسان جهادًا عنيفًا ليستخرج منها القوت الذي يستعين به على الحياة، وحب اللبنانيين القوي الصادق الساذج لطبيعتهم وجبالهم وأوديتهم، حتى أنهم ليفتتنون بها فتنة تجعلهم جميعًا شعراء.
    والغريب من أمر هذه القصة أنها ليست صادقة في تصوير موضوعها وحده، بل هي صادقة في تصوير ناحية من نواحي الكاتبة نفسها، أريد بها ناحية المهارة الفنية، ففي أولها شيء من الضعف والبطء واستقصاء اللغة، كأن الكاتبة تجاهد نفسها بعض الشيء، حتى إذا مضت في القصة مرحلة أو مرحلتين أصبح قلمها طيفًا وألقت إليها اللغة الفرنسية أعنتها وانقاد لها الأسلوب الفرنسي فانطلقت حرةً سمحةً كأنها قد أتمت التمرين. لهذا كان آخر الكتاب خيرًا من أوله. ولهذا كان من حقنا أن نثق بأن الكتاب الذي ستصدره مدام خير سيكون خيرًا من الكتاب الذي أصدرته. وإذا لم يكن بد من أن ألاحظ بعض العيب فقد آسف لأن شيئًا من التهاون في اللغة لم يبرأ منه الكتاب فقد استعملت ألفاظًا عامية مبتذلة لا ينبغي أن توجد في كتاب أدبي إلا أن تدعو إليها النكتة. ولعل من أوضح الأمثلة لذلك ما يوجد في صفحة 72 و140. وجملة القول أننا مدينون لمدام خير بساعات لذيذة قيمةً قضيناها مع هذا الكتاب الممتع ولكن أملنا أكثر جدًّا من رضانا. فلنشكر لها جهدها الأول ولنهنئها به، ولننتظر من جهودها المقبلة خيرًا كثيرًا.
    أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العربي المصري وحده. بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط. وأقول هذا مغتبطًا به مبتهجًا له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول أن فنًّا جديدًا قد نشأ فيه وأضيف إليه، وإن بابًا جديدًا قد فتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن.
    نعم هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصرًا جديدًا. ولست أزعم أنها قد حققت كل ما أريد للقصة التمثيلية في أدبنا العربي، ولست أزعم أنها قد برئت من كل عيب، بل سيكون لي مع الأستاذ توفيق الحكيم حساب لعله لا يخلو من بعض العسر. ولكني على ذلك لا أتردد في أن أقول أنها أول قصة وضعت في الأدب العربي، ويمكن أن تسمى قصة تمثيلية حقًّا، ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروةً لم تكن له. ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة. ويمكن أن يقال إن الذين يعنون بالأدب العربي من الأجانب سيقرأونها في إعجاب خالص لا عطف فيه ولا إشفاق ولا رحمة لطفولتنا الناشئة. بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرأوها إن ترجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعًا خصبًا، وسيثنون عليها ثناءً عذبًا كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوربيين.
    أهذه القصة مصرية؟ أهذه القصة أوربية؟. ليست مصرية خالصة ولا أوربية خالصة، ولكنها مزاج معتدل من الروح المصري العذب والروح الأوربي القوي. وقد يكون من العسير على غير الفنيين أن يفرقوا بين هذين الروحين اللذين تتألف منهما القصة.
    ولكن الذين لهم مشاركة قوية في الأدب العربي والأجنبي يستطيعون أن يميزوا هذين الروحين حين يجدون في القصة سهولة النفس وعذوبتها، وحين يشعرون بهذا العبث الخفيف الذي يضطرهم إلى الوقوف من حين إلى حين وهم يقرأون، وحين يجدون ألفاظًا وجملًا تصور النفس المصرية الآن كما صورتها في أزمان مختلفة منذ كان للمصريين أدب عربي، ثم حين يجدون هذا التفكير العميق الخصب الدقيق الذي يلحُّ في التعمق ويغلو في الدقة، ويأبى أن يترك حقيقة من الحقائق عرضة للشك أو هدفًا للغموض، إلا أن يكون الكاتب قد تعمد ذلك وأراده وأبى أن يرسل نفسه فيه على سجيتها مراعاة لبعض الظروف.
    كل هذا يمكن النقاد من أن يتبينوا في هذه القصة روحًا مصريًا ظريفًا وروحًا أوربيًا قويًا. ولنقف وقفة قصيرة عند موضوع القصة وشكلها.
    فأما موضوع القصة فلم يخترعه الكاتب وإنما استكشفه، وفرق ظاهر بين الاختراع في الأدب والاستكشاف. ولعل الاستكشاف أن يكون أصعب في كثير من الأحيان من الاختراع، وهو في قصتنا هذه صعب عسير. موضوع القصة موجود في القرآن الكريم، وهو قبل أن يوجد في القرآن كان معروفًا في القصص المسيحية التي لها حظ من التقديس. ويكفي أن تعلم أنه حديث أهل الكهف الذين أشفقوا من اضطهاد ملك رومي للمسيحيين ففروا بدينهم من هذا الملك الظالم وأووا إلى الكهف فناموا فيه ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا. ثم بعثهم الله عز وجل فأنكروا الناس وأنكرهم الناس فعادوا إلى كهفهم وفيه قبضهم الله إليه. وأنت تعلم أن هذه القصة قد قصها الله في القرآن في آيات كريمة هي أعذب وأسمى ما نعرف من آيات البيان العربي، وأنت تعلم أن من العسير أن تستغل مثل هذه القصة في أدبنا العربي الذي لم يتعود في العصر الحديث أن يستغل الكتب الدينية استغلالًا فنيًا كما تعود الأوربيون أن يلتمسوا في الكتب المقدسة موضوعاتٍ للقصص والشعر والتمثيل والنحت والنقش والتصوير والموسيقى. فإذا استطاع الأستاذ توفيق الحكيم أن يلتمس موضوع قصته في القرآن أو في قصة فصَّلها القرآن وأن ينشئ في هذا الموضوع أثرًا فنيًا بديعًا كان خليقًا أن يهنأ بشجاعته وبراعته معًا.
    فموضوع القصة إذن شرقي عرفته أحاديث المسيحيين وفصّله القرآن الكريم. ولم يعرفه الأوربيون إلا من هذه الطريق، ومؤلفنا إذن كغيره من المؤلفين الأوربيين الذين يلتمسون الموضوعات لقصصهم التمثيلية أحيانًا في التوراة والإنجيل. ولكن مؤلفنا كغيره أيضاً من المؤلفين الأوربيين لم يحكِ حكايةً ما عرفته أحاديث المسيحيين وما جاء في القرآن، وإنما بعث في أهل الكهف حياة أخرى فيها قوة وفيها خصب وفيها فلسفة تمكنها من الاتصال بالحياة الإنسانية العامة على اختلاف العصور والبيئات من أنحاء غير الناحية التي عنى بها القرآن وعنيت به الأحاديث المسيحية. وهو يدخل في هذه الحياة عناصر جديدة لم تدخلها القصة القديمة أهمها عنصران: عنصر الفلسفة، وعنصر الحب. فالفرق عظيم جدًّا بين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم القرآن وكما تصورهم أحاديث المسيحية الشرقية في سذاجة لا حد لها ووداعة لا حد لها وإيمان لا حد له ولا غبار عليه، وبين هؤلاء الأشخاص كما يصورهم الأستاذ توفيق الحكيم وقد تعقدت حياتهم فتعقدت عقولهم أيضاً. ففقد اثنان منهم هذه السذاجة المطلقة والوداعة المطلقة والإيمان المطلق ولم يحتفظ بهذه الخصال منهم إلا شخصٌ واحدٌ، هو يمليخا الراعي، وبهذا النحو من التصوير الجديد لهؤلاء الأشخاص استطاع الكاتب أن يجعلهم أبطال قصة تمثيلية حديثة. ولو قد احتفظ الكاتب لهم بخصالهم الأولى لما استطاع أن يتجاوز بهم أبطال قصص الأسرار التي كانت تمثل في القرون الوسطى أمام الكنائس. فالكاتب مستكشف لقصته في ظاهر الأمر ولكنه مخترع لها في الحقيقة قد خلق أشخاصها خلقًا جديدًا وأدار بينهم من الحوار الفلسفي ما لم يكن يخطر لأحد منا على بال. وقد يكون من العسير أن تحقق الفلسفة التي أراد الكاتب أن ينتهي إليها، ولكن هذا العسر نفسه مزية من مزايا الكاتب وفضيلة من فضائله. فهو ليس متعصبًا ولا متأثرًا بالهوى، وهو لا يريد أن يفرض عليك رأيًا بعينه من مذاهب الفلسفة وإنما يريد أن يثير في نفسك التفكير في طائفة من الآراء والمذاهب. وهو دقيق متواضع لا يحب أن يعلن رأيه في صراحة مخافة أن يتابعه ضعاف الناس في غير بحث ولا تفكير. فهو يكتفي إذًا بأن ينبهك إلى طائفة من المسائل يحسن أن تفكر فيها وأن تلتمس لها الحل لعلك تظفر به أو تنتهي إليه. ما الزمن؟ ما البعث؟ ما الصلة بين الإنسان والزمن؟ ما الصلة بين الحي والأحياء؟ بأي الملكتين يستطيع الناس أن يحيوا وأن ينتجوا في الحياة؟ بهذه الملكة التي نسميها القلب والتي بها نحب ونبغض، أم بهذه الملكة التي يسميها العقل والتي بها نفكر ونحلل ونلائم بين الأشياء؟
    كل هذه المسائل خليقة أن تفكر فيها وأن تقف عندها فتطيل الوقوف، والكاتب يثيرها في نفسك ويصطنع لذلك فنًّا بديعًا نادرًا فيه قوة مؤثرة وفيه رفق شديد. ليس هو معلمًا ولا أستاذًا ولكنه صديق يتحدث معك ويسايرك ويلفتك إلى ما قد تمر به دون أن تقف عنده أو تنظر إليه. لا أعرف كاتبًا عربيًا كان حسن السيرة مع قرائه كالأستاذ توفيق الحكيم. فقد أكبرهم حقًّا وأرشدهم حقًّا. ونفعهم في غير إذلال ولا تيه ولا كبرياء.
    والحب هذا الحب الذي أدخله الكاتب في هذه القصة في غير تكلف ولا عناء وفي غير مصادمة للشعور الديني، والذي استطاع الكاتب أن يصوره صورتين قويتين تبلغ إحداهما من القوة حدًّا لا نكاد نجده إلا عند أشد الكتاب والشعراء الأوربيين عناية بالعشق وآماله ولذاته على اختلافها وتنوعها. وتبلغ الأخرى بالحب قوة صوفية طاهرة بريئة من كل شائبة لا نكاد نجدها إلا عند كبار المتصوفة والقديسين.
    أعترف أني معجب ببراعة الكاتب في غير تحفظ وإلى غير حد. والحياة الواقعة التي يحياها هؤلاء الناس العاديون الذين لا يتفكرون في أكثر من أعمالهم اليومية والذين لا يذوقون الفلسفة ولا يحسنون تصورها والحديث فيها كيف صورها الكاتب فأتقن تصويرها في شخص الملك ومن يحيط به من أهل القصر والمدينة. وهذا الإيمان المختلط الذي يمتاز به قوم يصطنعون العلم ولكنهم في حقيقة الأمر أنصاف متعلمين، فيهم سذاجة ولكنهم يريدون أن يكونوا أذكياء. وفيهم حب للحياة وحرص عليها ولكنهم يريدون أن يظهروا وكأنهم يؤثرون الإيمان على الحياة. ما أبرع الأستاذ توفيق الحكيم حين صوره في شخص المؤدب غالياس!
    أظنك لا تريدني على أن ألخص لك القصة فهي مطبوعة تستطيع أن تقرأها بل يجب أن تقرأها فما ينبغي لمثقف في الأدب العربي أن يجهل هذا الأثر الأدبي البديع.
    ولكنْ وكم أنا آسف لـ”لكن” هذه. وكم كنت أحب ألا أحتاج إلى إملائها. ولكن في القصة عيبان. أحدهما يسوؤني حقًّا ومهما ألم فيه الكاتب فلن أؤدي إليه حقه من اللوم، وهو هذا الخطأ المنكر في اللغة. هذا الخطأ الذي لا ينبغي أن يتورط فيه كاتب ما فضلًا عن كاتب كالأستاذ توفيق الحكيم قد فتح في الأدب العربي فتحًا جديدًا لا سبيل إلى الشك فيه. أنا أكبر الأستاذ، وأكبر قصته، وأكبر (الرسالة) عن أن أقف عند هذه الأغلاط القبيحة التي يمس بعضها جوهر اللغة ويمس بعضها النحو والصرف ويمس بعضها الأسلوب وتركيب الجمل. ولا أتودد في أن أكون قاسيًا عنيفًا وفي أن أطلب إلى الأستاذ في شدة أن يلغي طبعته هذه الجميلة وأن يعيد طبع القصة مرة أخرى بعد أن يصلح ما فيها من الأغلاط. وأنا سعيد بأن أتولى عنه هذا الإصلاح إن أراد. ولعل ما سيتكلفه من الطبعة الثانية خليق أن يعضه وأن يضطره إلى أن يستوثق من صوابه اللغوي فيما يكتب قبل أن يذيعه بين الناس.
    أما العيب الثاني فله خطره ولكنه على ذلك يسير لأن القصة هي الأولى من نوعها كما يقولون. هذا العيب يتصل بالتمثيل نفسه فقد غلبت الفلسفة وغلب الشعر على الكاتب حتى نسي أن للنظارة حقوقًا يجب أن تراعى فأطال في بعض المواضع، وكان يجب أن يوجز. وفصّل في بعض المواضع وكان يجب أن يجمل، وتعمق في بعض المواضيع وكان يجب أن يكتفي بالإشارة. ولعله يوافقني على أن من الكثير على النظارة أن يستمعوا في الملعب لهذه القصة الجميلة جدًّا، الطويلة جدًّا التي تقصها برسكا على غالياس وهي تودعه وقد اعتزمت أن تموت في الكهف مع عشيقها القديس.
    هذا العيب عظيم الخطر لأنه يجعل القصة خليقة أن تقرأ لا أن تمثل. وأنا حريص أشد الحرص على أن تمثل هذه القصة، واثقًا كل الثقة بأن تمثيلها سيضع يد الأستاذ على ما فيها من عيب فني وسيمكنه من اتقاء هذا العيب في قصصه الأخرى ومن إصلاحه في هذه القصة.
    أما بعد فإني أرجو مخلصًا أن تترجم قصة مدام خير إلى اللغة العربية وأن تترجم قصة الأستاذ توفيق الحكيم إلى اللغة الفرنسية لتؤدي القصتان ما ينبغي أن تؤدياه من تحقيق الصلة الصحيحة المنتجة بين الشرق والغرب.
    «مجلة الرسالة» ١٥\٥\١٩٣٣

  • ابن الرومي وشعره

    ابن الرومي وشعره – النص الكامل للمحاضرة التي ألقاها الأستاذ الدكتور طه حسين بقاعة بورت التذكارية
    طه حسين
    كوكب الشرق
    ١٨ مارس ١٩٣٣
    محاضرة الدكتور
    أيها السادة:

    كنتُ أود لو استمر الحال على ما كان عليه، ومضى الأستاذ جيفري في حديثه عن ابن الرومي، فقد يكون من الخير لي أن أستفيد مما كان يُلقِيه، وقد يكون من الخير لكم أن تستمعوا أيضًا إليه؛ فقد كان يأتيكم من غير شك بخير مما ستسمعون. الحديث عن ابن الرومي يخالف الأحاديث عن غيره من الشعراء حاشا أبا تمام، ومصدر هذا ما قاله الأستاذ جيفري، وما تجدونه في الكتب العربية قديمها وحديثها من أنَّ أصل هذا الشاعر يوناني صريح، لا يحتمل شكًّا ولا خلافًا، وأنَّ ابن الرومي كان قريبًا جدًّا من أصله اليوناني، لم يبعد العهد به فلم تضعف وراثته، ولم يتأثر كثيرًا بوراثات أخرى، فهو إذن بطبيعته وفنه مخالِف كل المخالفة لكثرة الشعراء الذين عرفناهم في القرون الأولى للهجرة.

    حياة ابن الرومي كحياة غيره من الشعراء المعاصرين مجهولة أو كالمجهولة، فنحن نعلم أنه وُلِد سنة إحدى وعشرين ومائتين، وأنه مات بين سنة ست وسبعين ومائتين، وسنة أربع وثمانين ومائتين، ونحن نعلم أنه مات مسمومًا، وأنَّ الذي سمَّه أو أمر مَن سمَّه هو القاسم بن عبيد الله وزير المعتضد، كان يكرهه ويشفق منه، فأغرى به مَن أطعمه شيئًا فيه السم. ونحن نعلم أنه كان سيئ الحظ في حياته، لم يكن محبَّبًا إلى الناس، وإنما كان بغيضًا إليهم، وكان محسدًا أيضًا، ولم يكن أمره مقصورًا على سُوء حظه، بل ربما كان سُوء حظه من سُوء طبيعته؛ فقد كان حادَّ المزاج مضطربه، معتلَّ الطبع ضعيفَ الأعصاب، حادَّ الحس جدًّا يكاد يبلغ من ذلك الإسراف، وكان هذا كله قد أعطاه عن الحياة صورة رديئة من ناحية، ومحبَّبة من ناحية أخرى؛ كان اضطراب مزاجه يبغض فيه الناس ويسيء رأيه فيهم، ولكن قوة حسه ورِقَّة طبعه كانت تحبِّب إليه كل اللذات، فكان يجمع بين الخصلتين، فهو رجل يحب اللذة ويسرف فيها ويتهالك عليها، فهو إذن محبٌّ للحياة أشد الحب، وهو في الوقت نفسه مبغض للأحياء قبيح الرأي فيهم، يتبرم بهم أشد التبرم، ويود لو استطاع أن يتخلص منهم. أما الأحياء فكانوا يبغضونه كما كان يبغضهم، وأما الحياة فلست أدري أكانت تحبه أم كانت تبغضه، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أنه أخذ من اللذات بحظ لا بأس به، ولعله أسرف في ذلك، فضاعَفَ ما كان يجده من ألم، وضاعَفَ ما كان في أعصابه من اضطراب وفي مزاجه من فساد.

    وكلكم يعلم ما يتحدث به الناس عن ابن الرومي، من أنه كان يتطيَّر ويسرف في الطيرة، حتى كان ذلك يؤثِّر في حياته ومزاجه تأثيرًا شديدًا، وكان يضطره إلى أن يلزم بيته أيامًا لا يخرج؛ إما لأنه رأى جاره الأحدب، أو لأنه سمع صاحبًا له هو علي بن سليمان الأخفش عبث به مرة كعادته، فمرَّ عليه في الصباح فدَقَّ الباب، فإذا قيل: مَن الطارق؟ أجاب مرة: ابن حنظلة، فتشاءم بهذا الاسم، وأقسم لا يخرج، وكان هذا يضطره أن يعذب نفسه ويعذب مَن معه.

    هذا أكثر أو كل ما نعرفه عن ابن الرومي، وهو — كما ترون — ليس بالشيء الكثير، بل نحن نعرف شيئًا آخَر، وهو أنَّ سوء حظ ابن الرومي لم يلزمه في حياته فحسب، بل لزمه بعد ذلك، فديوان ابن الرومي من أكبر دواوين الشعر العربي، بل لعله أكبرها وأضخمها، وهو أقلها انتشارًا، ولعله لم يُطبَع إلى الآن، بل لم يُطبَع منه إلا جزء صغير ومختارات اختارها كاتب أديب من هذا الديوان، فهو إذن سيئ الحظ في حياته وبعد موته. ويقال إنَّ تشاؤمه وتطيُّره قد أصاب ديوانه أيضًا، فلم يعرض له أحد إلا أصابه شيء، فبعض الناس يتندر بذلك لأن الأستاذ العقاد أراد أن يكتب عنه فسُجِن، وأرجو ألا تكون محاضرتنا عنه مصدرَ شيء من هذه الأشياء التي أعيذكم منها أنتم، أن لم أعِذْ منها نفسي.

    قلتُ: إنَّ ابن الرومي يخالف غيره من الشعراء الذين عاصروه أو جاءوا قبله، إلا واحدًا هو أبو تمام، وذلك أنَّ طبيعة أبي تمام الشعرية مشبهة لطبيعة ابن الرومي من وجوه؛ فهما متفقان من حيث إنهما يعتمدان اعتمادًا شديدًا جدًّا على العقل في شعرهما، وهما لا يستسلمان للخيال وحده، وإنما يتخذان الخيال وسيلةً إلى تحقيق ما يريده العقل، وهما يتفقان في أنهما حريصان كل الحرص على تعمُّق المعاني، وعلى استيفائها منها واستقصائها والمبالغة في هذا الاستقصاء، حتى يأتيا بالأشياء الغريبة التي يضيق بها الناس الذين تعوَّدوا أن يقرءوا المألوف من الشعر، وهما لا يرضيان أن يكون أحدهما عبدًا للغة، وإنما يبيحان لنفسيهما تصريفها كما يريدان وكما تريد المعاني، دون أن يخضعا للتشدد في أصولها ومراعاة قواعدها، يتفقان في هذا كله، ويختلفان بعد ذلك بعض الاختلاف؛ فأبو تمام أحرص جدًّا من ابن الرومي على متانة اللفظ وروعته في أغلب شعره، لا يعدل عن هذه المتانة، ولا ينصرف عن هذه الروعة إلا حين يضطره المعنى إلى ذلك اضطرارًا لا مخرج له منه، أما ابن الرومي فهو سهل في شعره، لا يريد أن يشق على نفسه ولا على سامعيه، وهو يرسل لسانه على سجيته كما يرسل نفسه على سجيتها، فهو من أقل الشعراء كلفًا بالغريب وإيرادًا له، وعنايته بالجمال اللفظي قد تُحَسُّ أحيانًا، ولكنها تُلتمَس فلا توجد في كثير من الأحيان، وقد تروعك سهولة اللفظ في البيت أو البيتين، ولكنك لا تستطيع أن تقرأ قصيدة كاملة دون أن تجد في هذه القصيدة من الألفاظ ما يغيظك أحيانًا، ويضيق به صدرك أحيانًا أخرى. ثم هما يختلفان من ناحية أخرى في أنَّ أبا تمام كان شديد الحرص على البديع والمحسنات البديعية، أو بعبارة أصح كان شديد الحرص على جمال الصنعة الفنية في الشعر؛ فهو كان يتتبع الاستعارة ويسرف في تتبُّعها، ويجدُّ ما استطاع في طلب الجناس والمطابقة وما إلى هذه الأنواع من المحسنات البديعية، وهو كان يجد في هذه الأشياء جمالًا لا بدَّ منه، وكان يحرص على أن يلائم بين جمال الألفاظ وجمال المعاني.

    أما ابن الرومي فهو لا يتحرج من البديع، ولكنه لا يتهالك عليه، وكما أنه لا يكلف بالغريب ولا يتكلف متانة اللفظ ولا جزالته ولا رصانته، فهو كذلك لا يكلف بهذا الطباق أو الجناس، إن وُفِّقَ إلى هذه الأشياء فذاك، وإن لم يُوفَّق فلا يعنيه.

    وهما يختلفان من ناحية ثالثة؛ فأبو تمام شاعر كغيره من الشعراء، قصائده متوسطة لا تسرف في الطول وله مقطوعات، أما ابن الرومي فشاعر مطيل ومطيل جدًّا، يبلغ بقصيدته المئات من الأبيات، وهذا الاختلاف بين الشاعرين في إطالة القصيدة مصدره واضح جدًّا، وهو أنَّ الشاعرين وإن اتفقا في الغوص على المعاني، فهما يختلفان في مقدار هذا الغوص، أو بعبارة أدق في مقدار البسط والتفصيل في المعاني التي يظفران بها، أما أبو تمام فهو يبحث عن المعنى، ويجدُّ في التماسه، ويظفر به ويعرضه عليك عرضًا متوسطًا لا يطيل فيه ولا يسرف، بل في نفسه شيء من الاحترام لك، والاعتراف بأن لك عقلًا يستطيع أن يتمَّ ما لم يتمه هو، والاطمئنان إلى أنك ستتم هذا المعنى اتمامًا حسنًا، دون أن تقصر أو دون أن تغلو، فهو إذن يفصِّل المعنى، ولكنه لا يسرف في التفصيل، ويهمل الزوائد ويتجافى عن الأطراف.

    أما ابن الرومي فالأمر في شعره ليس كذلك، فهو يمضي مع أبي تمام في الغوص على المعنى والتفتيش والجد في طلبه حتى يبلغ المعنى الجيد، فإذا ظفر بهذا المعنى ساء ظنه بالناس في الأدب كما يسوء ظنه بهم في الحياة العملية، فكما أنه كان يعتقد أنَّ الناس ليسوا أخيارًا في معاملتهم، فهو كذلك كان يعتقد أنَّ حظ الناس من الذكاء ليس بحيث يمكنه من أن يطمئن إليهم في فهم المعاني، فهو إذن كان حريصًا على أن يتم هو معانيه، ويستقصي البحث والعرض حتى لا يتعرض لأي عبث من الذين يسمعونه أو يقرءونه، ومن هنا كان المعنى الذي يستطيع أبو تمام أن يعرضه في بيتين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة على أكثر تقدير، يطيل فيه ابن الرومي في الأبيات التي تبلغ العشرة أو تتجاوزها، ومصدر هذا — كما قلت — هو أخذ أبي تمام بما لا بد منه وثقته بعقل الناس، وحرص ابن الرومي على أن يصل إلى كل شيء وعدم اطمئنانه إلى الذين يسمعونه أو يقرءونه.

    هل أقول أيضًا إنَّ علم أبي تمام باللغة العربية والأدب العربي كان أوسع وأعمق من علم ابن الرومي بهذه اللغة وهذا الأدب؟ الواقع أنَّ القدماء قد اتهموا أبا تمام بالسرقة لأنه كان كثير الرواية للشعر، يطيل النظر فيه، وظنوا أنه أسرف في استغلاله، ولستُ أدري أكان هذا صحيحًا، ولكن الذي لا شك فيه أنَّ إطالة الرواية وإطالة النظر في أشعار القدماء قد أثَّرت في لفظ أبي تمام، فجعلته من أرصن ألفاظ الشعراء في عصره، بينما ابن الرومي لم يُعرَف عنه تَعمُّقٌ كتعمُّق أبي تمام في الرواية ولا في اللغة، وإنما كان حظه من هذا كحظ غيره من الشعراء الذين عاصروه، فهو إذن لا يمتاز بكثرة الرواية كما امتاز البحتري وأبو تمام؛ فليس غريبًا أن يظهر أثر هذا في شعره، وأن يكون شعره من أسهل الشعر الذي نعرفه في القرن الثالث للهجرة.

    لفظ ابن الرومي غير متين، بل ربما كانت الجزالة والرصانة فيه نادرة، وشعره في هذه الناحية أقرب إلى النثر منه إلى الشعر، قريب إلى النثر من ناحيتين: إحداهما تعمُّده التفصيل والبسط والإجادة في أداء المعاني التي يريد أن يؤديها، فالذي نعرفه — لا في اللغة العربية وحدها، بل في اللغات على اختلافها — أنَّ الشعراء ليسوا في حاجة إلى الإطناب، ولا في حاجة إلى التفصيل الشديد، وأنَّ الجمال الشعري ربما اعتمد على الإيجاز دون التفصيل أو اللمحة الدالة كما يقولون، أما التفصيل والبسط والتطويل فهو من خصائص النثر ومن مزاياه، فمن هذه الجهة — جهة التفصيل والإطالة — ربما فسد شعر ابن الرومي بعض الشيء؛ لأن الشعر كما قلت لكم لا يحتاج إلى كل هذه الإطالة، ولا إلى هذا التفصيل الذي أمَلَّ القدماء، والذي أمَلَّ ابن الرومي نفسه واضطره أن يعتذر في بعض قصائده من الإطالة.

    الشعر لا يحتمل هذه الإطالة في المعاني الغنائية، وهو إذا احتمله في القصص فقلَّ أن يحتمله في غيره.

    وأما الناحية الأخرى التي تقرِّب شعر ابن الرومي من النثر، فهي هذه السهولة في اللفظ والإعراض عن التجويد اللفظي، فابن الرومي يبلغ من ذلك ما يريد أحيانًا، ولكنه لا يريد هذه الإجادة في كثير من الأحيان، ويكفي أن تقرءوا قصيدةً لابن الرومي، فسترون فيها متانة عارضة، ولكنكم سترون فيها شيئًا يشبه العلة الدائمة في شعر ابن الرومي، وهو هذا اللفظ الذي يقرب من أذهان الناس جميعًا حتى يكاد يبلغ حد الابتذال.

    بعد هذه المقارنة السريعة بين شعر ابن الرومي وأبي تمام بوجه عام، أريد أن ألفتكم إلى الخصائص التي تميِّز شعر ابن الرومي من الشعر العربي عامة، والتي تظهر فيها آثار طبيعته اليونانية وآثار ثقافته اليونانية، فقد يكون من الحق علينا أيضًا ألَّا نغلو في إضافة خصائص ابن الرومي إلى طبيعته اليونانية أو إلى الوراثة اليونانية فيه، بل قد يكون من الحق أن نلاحظ أنَّ التأثير اليوناني في شعر ابن الرومي إن عاد إلى الوراثة، فهو في الوقت نفسه يعود إلى الثقافة اليونانية الإسلامية.

    لسنا نعرف أكان ابن الرومي يحسن اليونانية أم لا، وليست هناك نصوص تدلنا على أنه كان يعرف هذه اللغة معرفة تمكِّنه من أن يتصل بالآداب اليونانية مباشرةً.

    وابن الرومي ليس يونانيًّا خالصًا، ولكنه يوناني من ناحية، وفارسي من ناحية أخرى، فإذا كان أبوه أو جده يونانيًّا فأمه فارسية، وإذن فالطبيعة الخاصة التي تؤثِّر فيه ليست هي الطبيعة اليونانية الخالصة ولا الطبيعة الفارسية الخالصة، إنما هي الطبيعة المختلطة، وإنما الذي كوَّن عقله ومَلَكته الشعرية هي ثقافته، وهذه الثقافة — فيما يظهر — كانت ثقافة متأثِّرة جدًّا بما عرفه المسلمون من الثقافات الأجنبية والعربية، وكانت في الوقت نفسه ثقافة عربية إسلامية، فهو على حظٍّ لا بأس به من العلم بالعربية ولغتها، وهو على حظٍّ لا بأس به من الدين الإسلامي وأحكامه، وحظٍّ عظيم مما كان يعرفه الرجل المثقف من علوم اليونان غير الإسلامية.

    وأنا أضيف تكوين عقل ابن الرومي إلى الثقافة الإسلامية اليونانية أكثر مما أضيفه إلى وراثته اليونانية، ومن المحقق أنَّ اجتماع الثقافة إلى تلك الوراثة هو الذي كوَّن هذه الطبيعة الخاصة التي نجدها في شعر ابن الرومي.

    نظرة ابن الرومي إلى الأشياء، ونظرته إلى الطبيعة، وتفكيره فيما يفكر فيه من المعاني؛ كل هذا يخالف المألوف عند الشعراء المتقدمين والمعاصرين، إلا في شعر أبي تمام كما قلت لكم.

    ابن الرومي كان قوي الخيال جدًّا، وكان خياله بعيدًا ليس بالقريب، وكان حاد الحس جدًّا، وكان قوي الشعور؛ فكان إذا أَلَمَّ بمعنًى من المعاني تأثَّر به تأثُّرًا واضحًا، وربما كان أحسن ما يصوِّر لنا خاصيةَ ابن الرومي أو خصائصه في الشعر أن نقف وقفة قصيرة عند شيء من شعره، لنرى أنه كان يمتاز من الذين عاصروه ومن الذين تقدموه.

    قبل أن أقف عند شيء من هذا الشعر أريد أن ألفتكم إلى نوع من النقد وُجِّه إلى أبي تمام كما وُجِّه إلى ابن الرومي؛ ذلك النقد هو أنَّ أبا تمام كان يضيف إلى الأشياء صفات ليس من المعقول أن تضاف إليها، فهم ينكرون مثلًا على أبي تمام أنه كان يشخِّص، فهو كان يجعل للدهر أخدعين، وكان يجعل الدهر طويلًا عريضًا، وكان يجعل الدهر شيئًا يُركَب، وكان يصوِّر هذه المعاني كما تُصوَّر الأشخاص، كان يتحدث إليها كما يتحدث إلى الأشخاص والكائنات الحية، ويضيف إليها من الأوصاف ما لا يُضَاف إلا إلى الأشخاص أيضًا. هذا النقد وُجِّه إلى أبي تمام، وأسرف الآمدي وغير الآمدي في أخذه به، وزعموا حين نقدوا أبا تمام أنَّ هذا النوع من الاستعارة وُجِد عند المتقدمين، ولكن أقل جدًّا مما وُجِدَ عند أبي تمام.

    هذا العيب — إن كان عيبًا — يوجد عند ابن الرومي أكثر جدًّا مما يوجد عند أبي تمام للسبب الذي قدَّمْتُه، وهو أنَّ وقوف ابن الرومي عند المعاني أطول جدًّا من وقوف أبي تمام عند هذه المعاني، ومتى كان الأمر كذلك فطول وقوف ابن الرومي عند المعاني يضطره إلى أن يطيل النظر فيها، فهو يتصرف فيها ويعبث بها أكثر مما كان أبو تمام يتصرف في معانيه. وإذا كان أبو تمام قد استطاع أن يجعل للدهر أخدعين، وأن يجعله طويلًا عريضًا، فإن ابن الرومي قد فعل ما هو أكثر من ذلك، فابن الرومي قد تصوَّر هذه المعاني على أنها أشخاص، ووقف هذه الأشخاص منه موقف المتحدث الذي يخاصمه ويطيل معه الخصومة، فهو أجرى في معانيه حياة وحركة من شأنها ألَّا تجري إلا في الكائنات الحية، ثم لم يكتفِ بذلك، بل جعل لهذه المعاني عقولًا تفكِّر وتقاضي، فهو إذن قد جعل معانيه أشخاصًا من الناس، وجعلها تفكِّر وتناقش على أصول المنطق، وهو إذن قد جعل معانيه كأنها أشخاص من الناس، وجعل الحياة ملعبًا أو مسرحًا من مسارح التمثيل، وجعل هذه المعاني هي الأشخاص أو أبطال القصة، هذا النحو من التفكير وهذا النحو من معالجة المعاني وإجراء التفكير فيما ليس من شأنه أن يفكر وإطالة هذا التفكير وهذا الحوار، من الأشياء التي تدل على أنها نتيجة من نتائج الطبيعة والثقافة اليونانية عند أبي تمام وابن الرومي، وهي هذه الطبيعة التي أنشأت فن التمثيل عند اليونان، والتي لم تستطع أن نتصور الشعر الغنائي نفسه كما تصوَّره العرب على أنه مجرد التعبير عن الآراء المختلفة والميول المتباينة، وإنما اضطرت إلى أن تثبت الحركة، واضطرت إلى أن يكون غناؤها نفسه تمثيلًا، وأن يتكلف غير واحد إنشاد الشعر الغنائي، فالشعر الغنائي عند اليونان لم يكن في أول الأمر يستقل بإنشاده شاعر واحد، وإنما كان يشاركه في ذلك شاعر آخَر، ويستعين بالمغنين والموقعين.

    هذا النوع من الكثرة، أو من التعديد، أو من إيجاد المغايرة الظاهرة جدًّا بين الفرد الذي يتأثَّر بالمعاني ويحس العواطف، هذا النوع من التفكير هو الذي يميز ابن الرومي وأبا تمام عن الشعراء الذين تقدموهما أو عاصروهما.

    ويكفي لأجل أن تفهموا هذا النوع أن تنظروا إلى هذه القصيدة التي يعاتب بها صاحبه وصديقه أبا القاسم الشطرنجي، انظروا إليه كيف يبدأ هذه القصيدة، وكيف يكون من الخصال السيئة التي اكتشفها عند صاحبه جماعة من الأشخاص يتحدث إليهم ويتحدثون إليه:

    يَا أَخِي أَيْنَ رَيْعُ ذَاكَ اللِّقَاءِأَيْنَ مَا كَانَ بَيْنَنَا مِنْ صَفَاءِأَيْنَ مِصْدَاقُ شَاهِدٍ كَانَ يَحْكِيأَنَّكَ الْمُخْلِصُ الصَّحِيحُ الْإِخَاءِكَشَفَتْ مِنْكَ حَاجَتِي هَفَوَاتٍغُطِّيَتْ بُرْهَةً بِحُسْنِ اللِّقَاءِ
    هذه الهفوات التي كشفتها حاجته عند صاحبه، هي التي سيشخصها ابن الرومي، وسيتخذ منها جماعة يسبغ عليهن ثوب النساء وسيتحدث إليهن، وسيكون بينه وبينهن حوار لو اتسعت اللغة العربية له لكان كالحوار التمثيلي، ولكنها لم تكن تتسع له في ذلك العصر، لم يسعه إلا أن يقول «قلتُ، وقُلْنَ»، أي أن يحدث بينه وبينهن سؤالًا وجوابًا «قُلْنَ وقلتُ».

    تَرَكَتْنِي وَلَمْ أَكُنْ سَيِّئَ الظَّنـْـنِ أُسِيءُ الظُّنُونَ بِالْأَصْدِقَاءِ
    انظروا أولًا إلى «الظن» و«الظنون» وإلى تكرار هذا اللفظ مفردًا في الشطر الأول، وجمعًا في الشطر الثاني، فهو يُحدِث لنا موسيقى كالبحتري حين كان يكرر الألفاظ أو يرشح في الشطر الأول للقافية التي تأتي في الشطر الثاني، كقوله:

    وَحَسْنَاءَ لَمْ تُحْسِنْ صَنِيعًا وَرُبَّمَاصَبَوْتُ إِلَى حَسْنَاءَ سِيءَ صَنِيعُهَا
    يقول ابن الرومي:

    قُلْتُ لَمَّا بَدَتْ لِعَيْنِيَ شُنْعًارُبَّ شَوْهَاءَ فِي حَشَا حَسْنَاءِ
    يقول إنه لما رأى هذه الخصال التي ظهرت له أساء ظنه بأصدقائه، ولم يكن من شأنه ذلك، وقال ربما توجد المرأة السيئة في ظل المرأة الحسناء، إذ ربما توجد الخصلة السيئة في ظل الخصال الحسنة.

    لَيْتَنِي مَا هَتَكْتُ عَنْكُنَّ سِتْرًافَثَوَيْتُنَّ تَحْتَ ذَاكَ الْغِطَاءِ
    في البيت السابق كان يتحدث إلى نفسه، ثم انتقل الحديث إلى هذه الخصال.

    وأحب أن ألفتكم إلى شيء من الإهمال في هذا البيت، وهو قوله «ذاك» كأنه يتحدث إلى مفرد، ولكنه يتحدث إلى الجمع، ولست أقول إنَّ هذا خطأ، فإنه مألوف شائع، ولكني أقول إنَّ فيه إهمالًا في الذوق، وستجدون هذا الإهمال كثيرًا جدًّا في شعر ابن الرومي:

    إن تزولا انكشافنا ما تجلتعنك ظلماء شبهة قتماء
    يقول: لولا إننا ظهرنا ما تجلت عنكَ هذه الشبهة المظلمة، التي تغشك في صاحبك أبي القاسم.

    قُلْتُ أعجب بِكُنَّ مِن كَاسِفَاتٍكَاشِفَاتٍ غَوَاشِي الظَّلْمَاءِقَدْ أفدتني مع الخبرِ بِالصَّاحِبِ أنَّ رُبَّ كَاسِفٍ مُسْتَضَاءِ
    هنا يلم ابن الرومي بالبديع؛ كاسفات كاشفات «جناس» كاسف مستضاء، ونوع من المعاينة:

    فلَنْ أعجب بمُهْتَدٍ يتمَنَّىأنَّه لم يَزَلْ عَلَى عَمْيَاءِكُنْتَ فِي شُبْهةٍ فزَالَتْ بِنَا عَنـْـكَ فَأَوْسَعْتَنَا مِنَ الْإِزْرَاءِوَتَمَنَّيْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْحِيــرَةِ تَحْتَ الْعمَايَةِ الطَّخْبَاءِ
    الخصال هي التي تتحدث إليه فتقول: إنك عجيب مهتدٍ، ولكنك تتمنى أن تظل حائرًا مع أننا نكشف عنك الشبهة:

    قُلْتُ تَاللهِ لَيْسَ مِثْلِيَ مَنْ وَدْدَ ضَلَالًا وَحِيرَةً بِاهْتِدَاءِغَيْرَ أَنِّي وَدَدْتُ سَتْرَ صَدِيقِيبَدَلًا بِاسْتِفَاضِةِ الْأَنْبَاءِقُلْنَ هَذَا هَوًى فَعَرِّجْ عَلَى الْحَقْقِ وَخَلِّ الْهَوَى لِقَلْبٍ هَوَاءِ
    أظنكم تلاحظون أنَّ الهوى كثير في هذا البيت:

    لَيْسَ فِي الْحَقِّ أَنْ تَوَدَّ لِخِلٍّأَنَّهُ الدَّهْرُ كَامِنُ الْأَدْوَاءِبَلْ مِنَ الْحَقِّ أَنْ تُنَقِّرَ عَنْهُنـْـنَ وَإِلَّا فَأَنْتَ كَالْبُعَدَاءِإِنَّ بَحْثَ الطَّبِيبِ عَنْ دَاءِ ذِي الدَّاءِ لَأسُّ الشِّفَاءِ قَبْلَ الشِّفَاءِدُونَكَ الْكَشْفَ وَالْعِتَابَ فَقَوِّمْبِهِمَا كُلَّ خِلَّةٍ عَوْجَاءِ
    فأنتم ترون إلى هذا الحوار بين ابن الرومي وبين هذه الخصال من صاحبه، وقد كان مغرمًا به مسرورًا من حُسن العشرة، وما كان يظهر له من أنه مخلص صحيح الإخلاص، ثم عرضت له حاجة فتقدم فيها إلى أخيه فلم يسعفه ولم يواته، فاستكشف أنه ليس كله حسنًا، وبدت له هذه العيوب شنيعة قبيحة، فأسف لأنه فتَّش عن صاحبه فبدت له عيوبه، ووَدَّ لو لم تظهر هذه العيوب، ولكن هذه الخصال نطقت بنفسها وقد أزلنا عنك الشبهة وعرفناك حقيقة الصديق، وهذا النحو هو الذي نجده في القصص التمثيلية اليونانية عند اسكيلوس أو سوفوكليس أو ايروبيد.

    ثم يتحدث ابن الرومي إلى صديقه وصاحبه أبي القاسم في عتاب، فانظروا كيف يستقصي المعاني ولا يطمئن إلى الإيجاز، وإنما يفصِّل ويسرف في التفصيل:

    يَا أَخِي هَبْكَ لَمْ تَهَبْ لِي مِنْ سَعْــيِكَ حَظًّا كَسَائِرِ الْبُخَلَاءِأَفَلَا كَانَ مِنْكَ رَدٌّ جَمِيلٌفِيهِ لِلنَّفْسِ رَاحَةٌ مِنْ عَنَاءِأَجَزَاءُ الصَّدِيقِ إِبْطَاؤُهُ الْعَشـْـوَةَ حَتَّى يَظَلَّ كَالْعَشْوَاءِتَارِكًا سَعْيَهُ اتِّكَالًا عَلَى سَعـْـيِكَ دُونَ الصِّحَابِ وَالشُّفَعَاءِكَالَّذِي غَرَّهُ السَّرَابُ بِمَا خَيْــيَلَ حَتَّى هَرَاقَ مَا فِي السِّقَاءِ
    أراد أن يقول لصاحبه: هَبْكَ لم تُرِدْ أن تجيبني إلى ما طلبت، وهَبْكَ لم تُرِدْ أن تسعى إلى هذه الحاجة التي كلَّفْتُك السعي فيها، أَمَا كان ينبغي أن تجيب جوابًا حسنًا أستطيع أن أطمئن إليه؟ هذا هو المعنى الذي كان يريد أن يقوله، وقد فصلته هنا تفصيلًا، ويمكن الكاتب المجيد أن يوجزه أكثر مما قلتُ أنا، ولكن ابن الرومي لا يطمئن إلى ذكاء كاتب أو سامع في أن يستكمل المعنى ويتمه إذا ظفر به.

    ثم يقول بعد ذلك:

    يَا أَبَا الْقَاسِمَ الَّذِي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِدَهْرِي قَطَعْتَ مَتْنَ الرَّجَاءِبِكرُ حَاجَات مَنْ يَعُدُّكَ لِلشِّدْدَةِ طَوْرًا وَتَارَةً لِلرَّخَاءِنِمْتَ عَنْهَا وَمَا لِمِثْلِكَ عُذْرٌعِنْدَ ذِي نُهْيَةٍ عَلَى الْإِغْفَاءِقَسَمًا لَوْ سَأَلْتُ أُخْرَى عُوَانًالَتَنَمَّرْتَ لِي مَعَ الْأَعْدَاءِلَا أُجَازِيكَ مِنْ غُرُورِكَ إِيَّايَ غُرُورًا وُقِيتَ سُوءَ الْجَزَاءِبَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنْتَ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    تلاحظون أنَّ في هذه الأبيات من أول «يا أخي» إلى آخر بيت وقفنا عنده عذوبةً في اللفظ، ورفقًا في الحديث، نلاحظ فيه العتاب بمعناه الصحيح، هو شيء بين الرضا والسخط، بل هو سخط يلبسه صاحبه ثوب الرضا، هو شيء قريب من الهجاء، ولكنه ليس هجاء … وابن الرومي يجيد هذا الفن إجادةً لا حدَّ لها، فهو شديد على صاحبه، ولكنه على شدته هذه رفيق بالحديث، وهو يحس أنه لم يبلغ من الشدة ما ينبغي من صاحبه، فهو بعد أن قال كل ما سمعتم يقول:

    بَلْ أَرَى صِدْقَكَ الْحَدِيثَ وَمَا ذَاكَ لِبُخْلٍ عَلَيْكَ بِالْإِغْضَاءِأَنَتْ عَيْنِي وَلَيْسَ مِنْ حَقِّ عَيْنِيغَضُّ أَجْفَانِهَا عَلَى الْأَقْذَاءِ
    فهو يعتذر إذن عن هذا الدرس القاسي الذي سيلقيه على صاحبه، والذي بدأ في إلقائه منذ حين.

    مَا بِأَمْثَالِ مَا أَتَيْتَ مِنَ الْأَسـْـرِ يَحُلُّ الْفَتَى ذُرَى الْعَلْيَاءِلَا وَلَا يَكْسِبُ الْمَحَامِدَ فِي النَّاسِ وَلَا يَشْتَرِي جَمِيلَ الثَّنَاءِلَيْسَ مَنْ حَلَّ بِالْمَحَلِّ الَّذِي أَنـْـتَ بِهِ مِنْ سَمَاحَةٍ وَوَفَاءِبَذَلَ الْوَعْدَ لِلْأَخِلَّاءِ سمْحًافَأَبَى بَعْدَ ذَاكَ بَذْلَ الْعَطَاءِفَغَدَا كَالْخِلَافِ يُورِقُ لِلْعَيـْـنِ وَيَأْبَى الْإِثْمَارَ كُلَّ الْإِبَاءِلَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    انظروا إليه كيف ينتقل من الحديث السهل والعتاب الرقيق والخصومة اللينة، إلى هذا العنف وهذه الشدة في التأنيب والتقريع، حتى يصل إلى أن يقول لصاحبه: إنَّ الذي يريد أن يبلغ العلى وأن يكسب المحامد للناس، لا ينبغي أن يأتي من الأمر مثلما أتيت، وليس هكذا يفعل مَن بلغوا مرتبة في السماحة، يَعِدُ ثم لا يَفِي كأنه الصفصاف يورق للعين حتى يخدعها، ثم لا يتحرج أن يصف صاحبه بالنفاق فيقول:

    لَيْسَ يَرْضَى الصَّدِيقُ مِنْكَ بِبِشْرٍتَحْتَ مَخْبُورِهِ دَفِينُ جَفَاءِ
    وهنا يحس ابن الرومي أنه اشتد على صاحبه، واشتط في الشدة، وغالى حتى آلمه وهاج حفيظته، وهو مضطر إلى أن يرق ويصرف صاحبه عن هذا الحديث الخشن الثقيل، فهو يخرج من العتاب إلى نوع من التملق واللطف، فهو يصف صاحبه:

    يَا أَخِي يَا أَخَا الدَّمَاثَةِ وَالرِّقـْـقَةِ وَالظَّرْفِ وَالْحِجَا وَالدَّهَاءِ
    انظروا إلى كل هذه الصفات التي جمعها ورتَّبَها في هذا البيت، بعد هذا التقريع العنيف هو مضطر إلى أن يخفف من حدة هذا التوبيخ، فيأتي بهذا البيت يجمع فيه كل هذه الصفات الحسنة، وهي هنا أشبه بالدش البارد، ثم لا يكتفي بهذه الصفات، بل يفصِّل فيقول:

    رُبَّمَا هَالَنِي وَحَيَّرَ عَقْلِيأَخْذُكَ الْلَاعِبِينَ بِالْبَأْسَاءِوَرِضَاهُمْ هُنَاكَ بِالنِّصْفِ وَالرُّبـْـعِ وَأَدْنَى رِضَاكَ فِي الْإِرْبَاءِوَاحْتِرَاسُ الدُّهَاةِ مِنْكَ وَإِعْصَافُكَ بِالْأَقْوِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِعَنْ تَدَابِيرِكَ اللِّطَافِ اللَّوَاتِيهُنَّ أَخْفَى مِنْ مُسْتَسِرِّ الْهَبَاءِبَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِ
    انظروا إلى هذا البيت، فهو من أجمل تشبيهات ابن الرومي، فهو يريد أن يقول إنَّ نبوغ صاحبه في لعب الشطرنج نبوغ خفي دقيق، كأنه السر في ضمير المحب الذي أفشى سره مرة فعُوقِبَ على هذا الإفشاء.

    بَلْ مِنَ السِّرِّ فِي ضَمِيرِ مُحِبٍّأَدَّبَتْهُ عُقُوبَةُ الْإِفْشَاءِفَإِخَالُ الَّذِي تُدِيرُ عَلَى الْقَوْمِ حُرُوبًا دَوَائِرَ الْأَرْحَاءِوَأَظُنُّ افْتِرَاسَكَ الْقِرْنَ فَالْقِرْنَ مَنَايَا وَشِيكَةَ الْإِرْدَاءِوَأَرَى أَنَّ رُقْعَةَ الْأَدَمِ الْأَحـْـمَرِ أَرْضٌ عَلَلْتهَا بِدِمَاءِغَلِطَ النَّاسُ لَسْتَ تَلْعَبَ بِالشَّطـْـرَنْجِ لَكِنْ بَأَنْفَسِ اللُّعَبَاءِأَنْتَ جديهَا وَغَيْرُكَ مَنْ يَلـْـعَبُ إِنَّ الرِّجَالَ غَيْرَ النِّسَاءِلَكَ مَكْرٌ يَدِبُّ فِي الْقَوْمِ أَخْفَىمِنْ دَبِيبِ الْغِذَاءِ فِي الْأَعْضَاءِأَوْ دَبِيبِ الْملَالِ فِي مُسْتَهَامِيــنَ إِلَى غَايَةٍ مِنَ الْبَغْضَاءِ
    (أو مسير القضاء)

    انظروا إلى هذا البيت جيدًا:

    أَوْ مَسِيرِ القَضَاءِ فِي ظُلَمِ الْغَيـْـبِ إِلَى مَنْ يُرِيدُهُ بِالْتِوَاءِأَوْ سُرَى الشَّيْبِ تَحْتَ لَيْلِ شَبَابٍمُسْتَحِيرٍ فِي لِمَّةٍ سَمْحَاءِدَبَّ فِيهَا لَهَا وَمِنْهَا إِلَيْهَافَاكْتَسَتْ لَوْنَ رثَّةٍ شَمْطَاءِتَقْتُلُ الشَّاهَ حَيْثُ شِئْتَ مِنَ الرُّقـْـعَةِ طَبًّا بِالْقِتْلَةِ النَّكْرَاءِغَيْر مَا نَاظِرٍ بِعَيْنِكَ فِي الدَّسـْـتِ وَلَا مُقْبِلٍ عَلَى الرُّسَلَاءِبَلْ تَرَاهَا وَأَنْتَ مُسْتَدْبِرُ الظَّهـْـرِ بِقَلْبٍ مُصَوَّرٍ مِنْ ذَكَاءِمَا رَأَيْنَا سِوَاكَ قِرْنًا يُوَلِّيوَهْوَ يُرْدِي فَوَارِسَ الْهَيْجَاءِوَالْفُؤَادُ الذَّكِيُّ لِلمُطْرِقِ المُعـْـرِضِ عَينٌ يَرَى بِهَا مِنْ وَرَاءِتَقْرَأُ الدَّسْتَ ظَاهِرًا فَتُؤَدِّيــهِ جَمِيعًا كَأَحْفَظِ القُرَّاءِ
    هذه الأبيات من أجمل ما قيل في اللغة العربية في لعب الشطرنج، ولكن ابن الرومي من غير شك لم يكن يريد أن يمدح صاحبه، ولا أن يتملقه ببراعته في لعب الشطرنج من حيث إنه بارع ماهر، وإنما هو يتخذ هذا الوصف والثناء ذريعةً إلى أن يخفِّف عن صاحبه حدة هذا التقريع، فهو يريد أن يترضاه وأن يتملقه، فيصفه بأحب الأشياء إليه، وبالشيء الذي يجد فيه هذا الرجل رضى وراحة، وهو مهارته في لعب الشطرنج، ثم يمضي ابن الرومي فيصف صاحبه بالذكاء وبالذكاء النادر، ويصفه بهذا الذكاء الذي يجمع إلى البراعة استقامة في الخلق، ولا يتهالك على السلطان، ولا يتهالك على الثروة، وهو من أجل هذا أعرض عن صحبة الملوك وصحبة المترفين والأمراء، من أجل هذا أيضًا ابتعد عن التجارة وربحها، وهو يؤثر حياة هؤلاء الناس الذين يرضون الحياة السهلة اللينة، ولكن بما فيها من ضيق اليد مع الترف الميسور واللذة العقلية، يؤثر هذا على الثروة والجاه، ويمضي في هذا حتى يوقن أنه أرضاه.

    فإذا بلغ ابن الرومي من ذلك ما أراد، بأن حمل صاحبه بأن يعجب بنفسه وخُلُقه وفلسفته، فإذا بلغ من ذلك ما أراد، وإذا نسي صاحبه ذلك التقريع والتعنيف عاد بغاية اللين والسهولة، وعاتبه وسأله أترى كل هذه الأشياء التي حدثتك عنها مجتمعة فيك، ثم يعسر عليك بعد ذلك أن تفهم مودتي وصداقتي، وأن تسعى وراء هذه الحاجة التي كلَّفْتُكَ السعي فيها؟ حتى إذا بلغ من هذا العتاب مأربه اشتد مرة أخرى وعنَّف صاحبه، ولم يكتفِ بهذا العنف وهذا التقريع، بل يلتمس قاضيًا، هذا القاضي هو أخو أبي القاسم أبو بكر، فيعرض عليه القضية ويطلب إليه أن يمضي فيها رأيه، ولا يمكن أن يكون فيها إلا عدلًا، فيصوِّر صاحبه أشنع صورة أمام القاضي، فإذا فعل ذلك عاد إليه فاستعطفه بأرق لفظ حلو، وأكَّدَ له أنه لم يُرِدْ هجاءً، إنما يريد عتابًا، ثم تنتهي القصيدة عند هذا الحد.

    فأنتم ترون أنَّ هذه القصيدة التي هي من أواسط قصائد ابن الرومي، وله كثير خير منها، لو اتسع الوقت لدرسها معكم درسًا مفصَّلًا، لكانت كافية في أن تعطينا فكرة واضحة عن ابن الرومي.

    مع أنَّ هذه القصيدة لا تكاد تتجاوز ثلاثين ومائة بيت، فقد ألَمَّ فيها بفنون مختلفة؛ فهو مادح، وهو محاور، وهو واصف، وهو بالغ بعتابه حدًّا نستطيع أن نقول إنه الهجاء، ولكنه نفسه يقول إنه لا يهجو، وهو على هذا ملِمٌّ بطائفة غير قليلة من الفنون الشعرية، وهو على هذا حريص أن يرتِّب قصيدته وألَّا يرسلها إرسالًا، وإنما هو كأبي تمام يرتِّب قصيدته ترتيبًا منطقيًّا، فأنتم حينما تقرءونها لا تستطيعون أن تقدموا جزءًا على جزء، إنما تقرءونها كما رتَّبَها هو، وأنتم مضطرون إلى أن تنتقلوا معه من معنى إلى معنى، ومن فصل من فصول القصيدة إلى فصل آخَر.

    وابن الرومي من أخص الشعراء الذين جعلوا شعرهم فصولًا كالنثر — وهذا ما يسميه أصحاب البيان من الفرنج واليونان (Perode) — فيقسم قصيدته إلى فصول، يبدأ الفصل ثم ينتقل إلى فصل آخَر فيستقصيه ويتمه، ومن حيث إنه يطيل فهذا أظهر في شعره منه في شعر أبي تمام.

    إذن هذه القصيدة — كما ترون — على جمعها لكثير من فنون ابن الرومي، تصوِّر لنا الخاصة التي يمتاز بها، وهي إسباغه الحياة والحركة على الأشياء والمعاني.

    آسَف أشد الأسف؛ لأن ساعة أو ساعات لا تكفي لأداء ما كنتُ أودُّ أن أؤديه، ولكن ما تخسرونه من ضيق الوقت ليس شيئًا، فإن ابن الرومي ظلَّ طولَ الوقت مضطهدًا، فلما جاء هذا العصر كُوفِئ عن صبره أحسن المكافأة؛ لأنه درس وفكَّر فيه أكثر ما درس غيره من الشعراء، لا أكاد أستثني إلا المتنبي وأبا العلاء، ودرس دراسة تلائم عصرنا درسه بنوع خاص الأستاذان العقاد والمازني.

    أما العقاد فكتب عنه كتابًا، هو من غير شك أحسن ما كُتِب عن ابن الرومي إلى الآن، وله قيمة ذاتية خاصة، وإن كان الأستاذ العقاد عني بالشاعر أكثر مما عني بالشعر، ولكن هذا نفسه فوز كبير، فشخصية ابن الرومي من أحسن الشخصيات الإنسانية التي يجب أن تُدرس، وأنا حين أقول الإنسانية أعني ما أقول، فالباحثون يجب أن يعنوا بابن الرومي، لا أقول في الأدب وحده، بل في الأدب والفلسفة وعلم النفس، فالأستاذ العقاد في كتابه على عنايته بالشاعر قد أحسن إلى ابن الرومي، وأحسن إلى الأدباء المعاصرين إحسانًا لا حدَّ له.

    وعني المازني في مقالاته عن ابن الرومي في كتابه حصاد الهشيم عنايةً أشهد أنها من أقوى العنايات، فلا أعرف أني قرأت شيئًا أروع ولا أمتع من هذه الفصول التي كتبها، والمازني قد يكون أكثر استشهادًا بشعر ابن الرومي من العقاد، ولكنه كالعقاد يقف عند شخصية ابن الرومي أكثر مما يقف عند الجمال والتحليل الفني، والظاهر أنهما يكلفان كلفًا خاصًّا بشخصيات الشعراء، أما أنا فربما عنيت بالشعر أكثر من عنايتي بالشاعر، وربما اتخذت الشاعر وسيلةً إلى فهم الشعر؛ ولذلك أرجو وألحُّ في الرجاء أن تتيح لي الأوقاتُ والظروفُ أن أدرس مع العقاد والمازني ابنَ الرومي، ولكن من ناحية شعره وفنِّه لا من ناحية شخصه، فأظن أنهما قد بلغا من ذلك فوق ما أريد.

  • الابتكار والتقليد في الآداب

    الابتكار والتقليد في الآداب
    طه حسين
    جريدة الجديد
    ١ ديسمبر ١٩٣٠
    كان العرب مُجمعين على تقديم امرئ القيس والنابغة والأعشى وزهير في الجاهلية، وكانوا مُجمعين على تقديم الفرزدق وجرير والأخطل في الإسلام، ثُم أجمعوا على تقديم بشار وأبي نواس، ثم على تقديم البحتري وأبي تمام، ثُم على تقديم المُتنبي وأبي العلاء. وليس من شكٍّ في أنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء شاعر مُجيد عظيم الحظ من الإجادة أمتع معاصريه، وكثير منهم لا يزال يُمتِّع كثرة النَّاس، وقليل منهم لا يكاد يعجِب الآن إلا الخاصة، ولكنَّ الشيء الذي لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ هؤلاء الشعراء جميعًا غير أبي العلاء لا يكاد نبوغهم يتجاوز أشخاصهم، ولا يكاد ظِلهم يعدوهم؛ فهم مُجيدون، وهم ممتعون، ولكنَّهم لم يوفَّقوا إلى أن يُلهِموا غيرهم أو يثيروا في نفسه الشعر، وكلُّ ما وُفِّقوا إليه هو أن يعجِبوا من سمعهم أو قرأهم، وأن يفتنوا هذا أو ذاك ببيت فيحتذيه، أو أسلوب فيحكيه.

    فأمَّا أن يخطر لأحدهم الخاطر الخصيب الذي يستغله ويستثمره القارئ أو السامع، فذلك شيء لا نكاد نظفر به عندهم، بل لسنا نظفر منه بقليل ولا كثير.

    وإنَّك لتبحث عن أثر امرئ القيس — أو غير امرئ القيس — فيمن عاصره أو جاء بعده من الشعراء، فإذا أنت مُضطر إلى أن تسجِّل أنَّ امرأ القيس أول من وقف على الأطلال فبكى واستبكى، وهو أول من قيد الأوابد، وشبَّه الخيل بالعُقبان، وأنَّ الشُّعراء قد تابعوه فوقفوا على الأطلال وبكَوْا واستبكَوْا، وقيدوا الأوابد، وشبهوا الخيل بالعقبان؛ وأنَّ النابغة قد اعتذر فأجاد الاعتذار، وحذا حذوه المعتذرون من بعده، وبرع الأعشى في وصف الخمر، وتفوق زهير في المدح، وعلى هذا النحو في الشعراء الآخرين.

    ثم نحن الآن نسخر ممن يتبع امرأ القيس في هذه المعاني، ويسلك سبيله إلى هذه الأغراض. بل قد سخر أبو نواس منذ أحد عشر قرنًا بالذين كانوا يُظهرون تقليد امرئ القيس واتباع طريقته من الشعراء المحافظين؛ وما أرى أننا نرضى الآن عن أبي نواس — مهما يكن مجددًا — بالقياس إلى من تقدمه من الشعراء.

    وإذا أردنا أن نُكوِّن لأنفسنا رأيًا فيه وفي أصحابه، فهو أنَّهم كانوا شعراء مُجيدين في العصور التي عاشوا فيها، ونحن نحب شعرهم لأنَّه يُلائم نفوسنا ويُلائم العصر الذي نعيش نحن فيه الآن.

    وليس للخصومة بين الجديد والقديم في هذه الأيام مصدر إلا أن جماعة يأبَوْن أن يتخذوا هذا الأدب العربي مثلًا أعلى في أغراضه ومعانيه، وفي ألفاظه وأساليبه، وأنَّ جماعة آخرين يأبَوَن أن تنقطع الأسباب بينهم وبينه؛ فيحكونه ويقلدونه مُسرفين في هذا التقليد أو معتدلين، ولكنَّ هناك آدابًا أخرى وشعرًا آخر تُخالف آدابنا وشعرنا أشدَّ المخالفة من هذه الناحية. كانت ممتِعة مُعجِبة في عصورها أشدَّ الإمتاع وأعظم الإعجاب، ثم انقضت تلك العصور وتبعتها عصور أخرى مختلفة متباينة، ولكنَّ هذه الآداب ظلت مصدر الإعجاب والروعة، وأورثت تلك العصور التي جاءت بعدها معانيَ وأغراضًا وفنونًا قالت فيها فأجادت القول، وبلغت أعظم حظٍّ من الإجادة. وما زالت تلك الآداب القديمة حيةً وإنْ ماتت لغتها، مثمرةً وإن بَعُدَ العهد بها، يمضي فلا يزيدها مضيُّه إلا شبابًا وجدة، وتتباين الظروف وتختلف فلا يزيدها تباين الظروف واختلافها إلا نضرة وجمالًا، بل هي تبعث الحياة في النفوس وتبعث النشاط في العقول وتبعث القوة في الشعور، وتخلق أدباء ما كانوا ليوجَدوا لو لم يصل إليهم تراثها الخالد، ماتت لغة تلك الآداب وانقضت عصورها، ولكنَّ النَّاس ما زالوا يحيون عليها ويعيشون بها، ويجدون فيها مصدرًا للعمل والحركة والحياة والإنتاج.

    أكتب هذا وقد فرغت من قراءة قصة تمثيلية حديثة مُثِّلت في باريس أثناء السنة الماضية، وعنوانها «إنڤتريون الثامن والثلاثون».

    ومعنى هذا العنوان أنَّ موضوع هذه القصة قد شغل الشعراء والكُتَّاب الممثلين حتى وضعوا فيه ثمانيًا وثلاثين قصة منذ العصر اليوناني إلى الآن، وكل هذه القصص التي تناولت موضوعًا واحدًا لا يختلف ولا يتغير قد أعجبت من شهدها أو سمعها، ولم يكره أن يرى الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، بعد أن رأى أو قرأ ما سبقها. وأستطيع أن أؤكد لك أنَّ الذين شهدوا هذه القصة الثامنة والثلاثين أُعجبوا بها إعجابًا لا حدَّ له، ومنهم من قرأ ما سبقها من القصص فلم يُسئمه ذلك، ولم يجعل للملل إلى نفسه سبيلًا، ومن يدري لعل كاتبًا آخر يضع القصة التاسعة والثلاثين أو يتم الأربعين، فيجد من النَّاس شغفًا ومن الجمهور والنظارة إقبالًا. وأقول هذا أيضًا وقد فرغت من قراءة قصة أخرى مُثِّلَتْ في باريس هذا العام عنوانها «أستاذ الإنجليزية» هي الأولى في موضوعها وفي أسلوبها، ولكنَّ صاحبها لم يبتكر شيئًا، ولم يزد على أن دلنا على أنَّه قد قرأ شكسبير وأساغه وأحسن الانتفاع به؛ فهو يصور حبًّا مزدوجًا معقدًا يقع في هذه الأيام، ولكنَّه يستعير صوره كلها من تمثيل شكسبير دون أن يأتيَ بشيء من عنده إلا الحركة التمثيلية الحديثة، فأما خواطر الأشخاص والبواعث التي تدفعهم إلى العمل، والمعاني التي تثير في نفوسهم العواطف المختلفة وتدفعهم إلى الأمل حينًا وإلى اليأس حينًا آخر، وتُعقِّد حياتهم وتُسهِّلها؛ فكلها مأخوذة من قصص شكسبير.

    أَفَتَرَى إلى الفرق بين أولئك الشعراء الذين قدَّمت لك أسماءهم وبين الشاعر الذي ابتكر موضوع القصة الأولى وشكسبير الذي ألهم صاحب القصة الثانية؛ أولئك يُعجِبون ليس غير، وهؤلاء يعجِبون ويلهِمون أبدًا. ولست أريد أن أحمد ولا أن أذم، كما أنِّي لا أريد أن أرضى ولا أن أسخط، وإنَّما أريد أن أتخذ هذه المسألة سبيلًا إلى البحث عن أمر يختلف فيه الأدباء ولا يوفَّقون فيه إلى رأي يتفقون عليه، وهو الحد بين المبتكر والمستثمر من الأدباء. فليس من شكٍّ في أنَّ صاحب الموضوع الذي وُضعت فيه هذه القصص التي نيفت على الثلاثين مبتكِر لم يُسبَق إلى موضوعه؛ فله الفضل الأول في ابتكاره، وله الشخصية القوية التي استطاعت أن تُلهم سبعة وثلاثين شاعرًا وكاتبًا، وليس من شكٍّ في أنَّ شكسبير مُبتكِر له الفضل الأول في هذه القصص التمثيلية وما اشتملت عليه من صور قوية خالدة، مكَّنت صاحبنا الحديث من أن يصنع قصته الأخيرة هذه. وليس من شكٍّ في أن الكُتَّاب والشعراء الذين وضعوا قصصهم في الموضوع الأول، والكاتب الذي وضع قصته الأخيرة هذه عيالٌ على ذلك الشاعر اليوناني وعلى شكسبير، أفَتَرَاهم جميعًا مُقلدين أم تراهم جميعًا لا شخصية لهم، ولا حظ لهم من قوة أو براعة؟ فإنْ كان هذا كذاك فكيف ظفروا بإعجاب من قرأهم أو شهد قصصهم في ملاعب التمثيل؟ ومن أين لهم هذا الحظ من الإجادة التي ضمنت لهم هذا الإعجاب؟ وإن لم يكن هذا كذاك فما الحد بين المبتكِر والمقلِّد؟ وما نصيب هؤلاء الكُتَّاب والشعراء من الشخصية الفنية التي تضمن لهم الإجادة دون أن ترقى بهم إلى مرتبة المبتكِر الأول؟

    أما نُقادنا القدماء فلم يطيلوا البحث عن موضوع كهذا؛ لأنَّ أدبنا القديم لم يُهيئ لهم الفرصة ليطيلوا مثل هذا البحث؛ فقد صادفوا شاعرًا أخذ عن شاعر آخر معنًى من المعاني، أو لفظًا من الألفاظ، أو حاكاه في أسلوب من الأساليب، ورأوا الشعراء يترامون بالسرقة ويتقاذفون بالتقليد؛ فاجتهدوا في التفريق بين السرقة والأخذ، وبين من يأخذ المعنى فيزيد فيه حتى يُصبح له صاحبًا، ومن يأخذه فلا يزيد فيه، ومن يأخذه فيفسده بالنقص والتغيير.

    ولَمَّا كان ذلك لا يُصادف في الأدب العربي إلا في البيت أو الأبيات من حين إلى حين، فليس غريبًا أن يكون حظُّه من عناية النُّقَّاد محدودًا، ونصيبه من البحث والتفصيل ضئيلًا يسيرًا.

    وليس الأمر كذلك في الآداب الأجنبية؛ فقد كانت الصلات بين المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين أوثق وأشد تعقيدًا من الصلات بين أدبائنا على اختلاف عصورهم.

    وقد كثُر الأدباء وقلَّت الموضوعات فتواردوا عليها عامدين ملحين في هذا العمد لا يحتاطون ولا يتسترون. وكان الشعراء الممثلون من اليونان يعمدون إلى موضوعات الشعر القصصي فينظمون فيها قصصهم التمثيلية، وكذلك كان يفعل الشعراء المغنون من اليونان؛ لا يكره أحدهم أن يعمد إلى موضوع من موضوعات الألياذة فينظم فيه القصيدة الفخمة الرائعة، وجاء شعراء اليونان الممثلون والمغنون فعمدوا إلى التراث اليوناني فاتخذوه موضوعًا لغنائهم وتمثيلهم، وجاء الشعراء المحدثون والكُتَّاب المحدثون فعمدوا إلى هذا التراث اليوناني الروماني فاستثمروه وأجادوا استثماره، وما يزالون في ذلك إلى الآن، وسيظلون فيه إلى غدٍ وبعد غدٍ، وكل أولئك له حظه من الإجادة، بل من التفوق، بل من النبوغ؛ فأنت ترى أنَّهم لم يبتكروا موضوعاتهم، وأنَّ ذلك لم يَحُلْ بينهم وبين التفوق والنبوغ.

    ومن ذا الذي يستطيع أن ينكر النبوغ على راسين وكورني وموليير وفيكتور هوجو وجيته، وهم جميعًا يستثمرون الأدب اليوناني ويطرقون من موضوعاته ما طرقه اليونان من قبلهم فأجادوا فيه واستقصَوْا حظهم من الإجادة.

    حل هذه المسألة يسير؛ فليس من الحق أنَّ المبتكِر لا يكون مبتكِرًا حتى يخترع موضوعه اختراعًا ويخلقه بعد أن لم يكن، ولكنَّ المبتكِر من يخترع الموضوع، والمبتكِر أيضًا من يأخذ ما سبقه إليه غيره فيجدده ويفيض عليه من شخصيته القوية ما يبعث فيه الحياة والنشاط والشباب، وأنت إذا أردت أن تلتمس أسباب الجودة في هذه الآيات البيانية الحديثة التي تتناول موضوعاتٍ طرقها القدماء فأجادوا فيها، لم تستطع أن ترد هذه الأسباب إلى الموضوعات وحدها، ولا إلى شخصيات الكُتَّاب والشعراء وحدهم، وإنَّما هي أسباب مشتركة بينها وبينهم؛ فالموضوعات في أنفسها خصبة حية قابلة للبقاء والتجدد واستئناف النشاط، والشعراء والكُتَّاب أقوياء مهرة لهم من البراعة ما يمكِّنهم من استثارة هذه الحياة الكامنة وهذا النشاط الخفي.

    ولقد كان الأثينيون يسمعون الألياذة فيأخذهم ما فيها من جمال وروعة، ثم يشهدون القصة التمثيلية تُمثِّل الموضوع نفسه فيأخذهم ما فيها من رشاقة وظرف، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع نفسه مرة ثانية، فيخلبهم ما فيها من دقة وتحليل، ثُم يشهدون قصة أخرى تمثل الموضوع للمرة الثالثة، فيستهويهم ما فيها من تفكير واستكشاف لأسرار النفس الإنسانية ودقائقها.

    فالموضوع الواحد يستطيع إذنْ أن يثير في النفس الإعجاب من نواحٍ مختلفة، وأن يبعث فيها العواطف المتباينة فيدفعها إلى الرِّضَى واللذة، وإلى السخط والألم، وإلى الهدوء والاطمئنان. وإذا كان البيان كما يقول القدماء من نقادنا إنَّما هو القدرة على تصوير المعنى الواحد في صور مختلفة، فليس غريبًا أن يُوفَّق الكُتَّاب والشعراء إلى إعجاب الجماهير ورضاهم إذا صوَّروا لهم الموضوع الواحد صورًا مختلفة، لكلٍّ منها حظه من القوة وظهور شخصية الكاتب أو الشاعر. على أنَّ هناك نوعًا من الاستثمار لا خير فيه ولا غناء، بل هو الشر كل الشر وهو الفتور كل الفتور؛ وذلك استثمار الذين لم تمددهم الطبيعة بحظ من القوة البيانية لما سبقوا إليه؛ فهؤلاء هم المقلدون الذين يفسدون ما يعمدون إليه لأنَّهم لا يستطيعون أن يبعثوا فيه حياة ولا نشاطًا، وإنما يستنفدون ما فيه من حياة أو نشاط.