Tag: literary criticism

  • أدب الثورة وثورة الأدب

    أدب الثورة وثورة الأدب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٢٣ أكتوبر ١٩٥٤

    لم تكد ثورتنا تشب وتملأ أحداثها وظواهرها قلوب الناس وعقولهم في مصر، وفيما حولها من البلاد العربية، حتى أخذ فريق من الكُتَّاب يتساءلون في إلحاح: «أين أدب الثورة؟»
    ثم لم تكد الثورة تبلغ من عمرها أشهرًا قصارًا، حتى أخذ هؤلاء الكُتَّاب يُظهِرون اليأس وخيبة الأمل؛ لأن أدب الثورة لم يستجب لهم حين دعوه، ولم يهبط عليهم من السماء كما يهبط الغيث، ولم تتفجر عنه ينابيع الأرض كما تتفجر عن الماء والبترول.
    ثم لم يلبثوا أن قرروا فيما بينهم وبين أنفسهم، ثم فيما بينهم وبين قرائهم، أنَّ الأدب المصري قد أخفق؛ لأنه لم يردد أصداء الثورة، ولم يصور حقائقها، ولم يلائم ما تتصل به نفوس الناس وقلوبهم من هذه العواطف والخواطر التي أثارتها الأحداث، ولا سيما بعد أن أُخرِج فاروق من مصر، وبعد أن أُزِيلَتْ أُسرتُه كلها، وصار الأمر كله إلى المصريين يدبِّرونه بأنفسهم، لا يتنزل عليهم وحي من العرش ولا من سلطان المحتلين.
    وما أكثر ما كانوا يقولون — وما أكثر ما يقولون الآن أيضًا — أنَّ الأدب المصري يعيش في وادٍ على حين يعيش المصريون في وادٍ آخر!
    وكذلك تقرر في نفوس كثير من الناس أنَّ أدبنا المعاصر مقصِّر أشد التقصير، مخفق أعظم الإخفاق؛ لأنه لم يحس بما تجيش به الصدور، ولم يصبح مرآة للحياة التي يحياها الناس. ونشأ عن هذا الحكم الخاطف أنَّ فريقًا من الناس استيأس من الأدب المعاصر، وكاد يستيئس من الأدب كله، وأعرض عن قراءة الأدب، وانصرف إلى قراءة الصحف يَجِد فيها ما يُعِينه على قطع الوقت وتجديد النشاط، ويَجِد فيها كذلك أصداء ما يملأ حياة الناس من الأحداث.
    وأقبل فريق من الكُتَّاب على إنشاء أدب يلائم ما يطلبه هؤلاء السادة من تصوير الثورة وحقائقها، وابتهاج الناس بما ظهر من نتائجها … وترقب الناس لما لم يظهر بعد من هذه النتائج، فأخرجوا لنا أدبًا يحسبونه أدب ثورة، وليس هو من أدب الثورة في شيء، وإنما هو كغيره من الأدب الذي أُنشِئ قبل أن تشب الثورة بالأوقات الطوال والقصار.
    ومصدر هذا الحكم بإخفاق الأدب وخيبة الأمل فيه، إنما هو هذا الخطف الذي نبَّهتُ إليه غير مرة في هذه الأحاديث، والذي يأتي من القصور عن تعمق الأشياء، وفهم الحياة الاجتماعية على وجهها، ووضع الأشياء في مواضعها.
    فليس من فقه الحياة في شيء أن ينجم الأدب فجاءة من الأرض أو ينصبَّ فجاءة من السماء؛ لأن الثورة شبت في الثالث والعشرين من شهر يوليو سنة ١٩٥٢م، وإنما نشوة الأدب وتطوره من هذه الظواهر البطيئة التي لا تستجيب للناس حتى يتعجلوها ولا تستأخر عن آبائها، وإن تمنى الناس عليها الأناة والإبطاء.
    وأكاد أعتقد أنَّ القدماء من مؤرخي أدبنا العربي كانوا أفقه بالحياة وأحسن لها فهمًا وتقديرًا من هؤلاء المعاصرين، الذين يخطفون أحكامهم خطفًا، ويظنون أنَّ ظواهر الحياة خاضعة لسلطانهم؛ يدعونها فتستجيب، ويهملونها فتنتظر، ويرجئونها فترجئ نفسها.
    فنحن نقرأ في بعض الكتب العربية، التي حاول أصحابها منذ أكثر من ألف عام أنْ يؤرخوا الأدب العربي القديم، أشياءَ لا يكاد المعاصرون يسيغونها أو يطمئنون إليها؛ لأنها تجانب ما ألفوا من السرعة، وتخالف ما استحبوا من هذا الاستعجال البغيض.
    نقرأ مثلًا عند بعضهم أنَّ ظهور الإسلام قد اضطر الشعر العربي إلى الضعف والتهافت؛ لأن العرب بهرهم القرآن وشغلتهم أحداث النظم الجديدة، وما استتبعت من الفتوح عن الفراغ لقول الشعر وتجويده والتأنق فيه كما كان الجاهليون يصنعون. والقدماء يستنبطون هذا من إعراض لبيد عن قول الشعر بعد أنْ أسلم، ومن اشتغاله بقراءة القرآن وحفظه، ويستنبطونه كذلك مما عرض لشعر حسان من الضعف في أكثر شعره الإسلامي، بعدما كان شعره الجاهلي يمتاز بالرصانة والقوة والفحولة. كما يستنبطونه من أنَّ بعض شعراء النبي ﷺ كانوا يكثرون في هجاء قريش فلا يبلغون منها شيئًا؛ لأنهم كانوا يعيبونها بالكفر والشرك، وينذرونها بعذاب الله في الحياة الآخرة، ولم تكن قريش تحفل بشيء من هذا حين كانت تعارض الإسلام وتنصب له الحرب.
    ومع أنَّ رأي القدماء هذا لم يكن دقيقًا كل الدقة، ولا صادقًا كل الصدق؛ لأنه لم يقم على الاستقراء الصحيح؛ فإنه كان يصوِّر حقيقة واقعة … وهي أنَّ الشعراء الذين أرادوا أنْ يجدِّدوا أنفسهم بعد أنْ أسلموا، وأنْ يلائموا بين فنهم وبين دينهم الجديد لم يُوفَّقوا في أكثر الأحيان إلى ما كانوا يريدون؛ لأن الطبع لا يُستكرَه على ما لا يُحِب في كثير من الأشياء … وفي شئون الأدب والفن بنوع خاص، ولم يخطئ ابن دريد حين قال:
    والشيخ إن قوَّمته من ريفهلم يَقُمِ التثقيف منه ما انحنى
    وهؤلاء الشعراء كانوا قد جاوزوا سن التطور، فلم يكن من اليسير أنْ يرجعوا أدراجهم، ولا أنْ يبتكروا لأنفسهم طبعًا جديدًا، فكان تجديدهم تكلفًا، وكان إعراض لبيد عن الشعر نوعًا من اليأس؛ لأنه عرف أنه لا يستطيع أنْ ينشئ فنًّا يجمع بين الملاءمة لحياته الجديدة التي أدركها شيخًا وبين الروعة التي أُتِيحت له فيما أنشأ من الشعر قبل أنْ يعتنق الإسلام.
    وليس أدل على ذلك من أنَّ شعراء آخرين أسلمت ألسنتهم، واستجابت ظواهر أمرهم للنظام الجديد، وظلت طباعهم جاهلية — كما كانت — فقالوا الشعر في الفنون التي أَلِفوها قبل أنْ يُسلِموا، ولم يتعرض شعرهم لضعف أو تهافت أو خمود، وإنما احتفظ بقوته كاملة كدأبها حين كان أصحابها جاهليين.
    فالحطيئة مثلًا لم يتغيَّر فنُّه بعد إسلامه؛ لأنه لم يحاول لفنه تغييرًا. ولأن الإسلام لم يصل إلى أعماق نفسه، فظل مسلمًا في ظاهر أمره، وفيما كان يبدو من بعض سيرته الاجتماعية، ولكنه ظل جاهليَّ القلب والذوق والضمير، ويقول الشعر هاجيًا ومادحًا وواصفًا، كما تعوَّد أنْ يقوله في العصر الجاهلي. وأمثال الحطيئة كثيرون نستطيع أنْ نقرأ شعرهم فيما حُفِظ لنا من شعر القدماء، فلا نرى فيه انحرافًا عن السُّنَّة الجاهلية، ولا تأثرًا عميقًا بالثورة الإسلامية الخطيرة التي قلبت حياة العرب رأسًا على عقب، وغيَّرت أمورهم كلها تغييرًا لم يكن يخطر لهم ببال.
    ومن أجل هذا، صنع بعضُ الذين أرَّخوا الشعر العربي القديم صنيعًا أقل ما يُوصَف به أنه ملائم للدقة والصدق وصواب الحكم أشد الملاءمة وأقواها، فلم يطلقوا وصف الشعراء الإسلاميين إلا على فريق بعينه يأتلف من أولئك الذين لم يدركوا الإسلام شبابًا ولا شيوخًا، وإنما وُلِدوا في الإسلام، ولم يعرفوا العصر الجاهلي إلا كما يعرف التاريخ. فالشعراء الفحول، كالأخطل وفرزدق وجرير، إسلاميون؛ لأنهم وُلِدوا بعد أنْ أسلمت الجزيرة العربية، وبعد أنْ فاض الإسلام منها على ما حولها من الأقطار، وعمر بن أبي ربيعة شاعر إسلامي؛ لأنه وُلِد — فيما يقول الرواة — في اليوم الذي مات فيه عمر بن الخطاب رحمه الله. وقُلْ مثلَ ذلك بالقياس إلى عامة الشعراء الذين وُلِدوا أيام الخلفاء وشبوا وأدركتهم الشيخوخة أيام بني أمية. هؤلاء شعراء إسلاميون لم يدركوا الجاهلية ولم يدركوها، وإنما رُوِيَتْ لهم أحداثها كما ستُروَى أحداث العصر الذي نعيش فيه للذين أخذوا يُولَدون منذ شبت الثورة؛ فهم قد نشئوا نشأة إسلامية، رأوا آباءهم يخضعون للنظام الجديد يؤدُّون الواجبات الدينية والواجبات السياسية الجديدة، ويقرءون القرآن ويروون الحديث، ويتحدثون عن النبي وأصحابه وخلفاءه، ويختلفون إلى المساجد مصبحين وممسين وبين الصباح والمساء.
    وهؤلاء المؤرخون عندما عرضوا للشعراء الذين أدركوا الإسلام أو أدركهم الإسلام، وهم شباب أو شيوخ لهم يسمونهم شعراء إسلاميين، إنما عدهم بعضهم في صراحة شعراء جاهلين؛ لأنهم تأثروا بالحياة الجاهلية التي أنضجت قرائحهم، وكوَّنت أذواقهم فلم يستطيعوا لطبائعهم تغييرًا.
    وبعض هؤلاء القدماء كره أنْ يسميهم جاهليين؛ لأنهم أسلموا وكثير منهم كان عميق الإسلام، حسن البلاء في ذات الله، فسموهم مخضرمين؛ أي: مختلطين، عاشوا بعض أعمارهم جاهليين، وبعضها الآخر مسلمين.
    ومعنى هذا كله أنَّ القدماء من مؤرخي الأدب العربي، فهموا حقيقة الصلة بين الثورة والأدب خيرًا مما يفهمها كثير من كُتَّابنا المعاصرين.
    عرفوا أنَّ الثورة مهما تكن خطيرة ومهما تكن بالغة عميقة الأثر في حياة الأفراد والجماعات، لا تُغيِّر الأدب فجأة، ولا تحوِّل طبيعة الفن إلا تحويلًا يسيرًا أقرب إلى التكلف منه إلى الفطرة التي تستجيب لما حولها من حقائق الحياة في غير جهر ولا عناء.
    وهناك وجوه أخرى للصلة بين الأدب والثورة، لا يُحقِّقها كُتَّابُنا المتعجلون، فالأدب يمهد للثورة وينشئها؛ لأنه يثير نفوس الناس. يبغِّض إليهم بعض أطوار الحياة التي يحيونها، ويعرض عليهم مُثُلًا جديدة يُحبِّبها إليهم، ويُزيِّنها في قلوبهم، ويطبعها في نفوس الناشئين والشباب الذين لم تتقدَّم بهم السن بعد.
    وهو بهذا يفتح للثورة أبواب النفوس والضمائر ويُمهِّد لها الطريق في حياة الأفراد والجماعات، يُتاح له النجح أحيانًا ويدركه الإخفاق أحيانًا أخرى. فإذا أُتيح له النجح لم تتغير طبيعته فجاءة، وإنما ظل كعهده مضطربًا بين القديم الذي هدمه وبين الجديد الذي أنشأه، حتى إذا استقرت أمور الثورة وأصبحت طبيعة للأجيال الجديدة الناهضة — كما يقال في هذه الأيام — نشأ الأدب الذي يمكن أنْ يُضاف إلى الثورة حقًّا وصدقًا.
    ويكفي أنْ تفكر في حياة الفرنسيين أثناء القرن الثامن عشر، فسترى طائفة من الأدباء والفلاسفة والمفكرين أنكروا حياة العصر الذي كانوا يعيشون فيه، وحملوا الناسَ من حولهم على إنكارها، وطبعوا هذا الإنكار في نفوس الناشئين والشباب الذين لم يتم نضجهم بعد، فأنشئوا جيلًا جديدًا هو الذي ألهب نار الثورة، وملأ بها الدنيا وشغل بها الناس، وغيَّر بها حياة فرنسا وأوروبا وأجزاء أخرى كثيرة من العالم.
    ولكن هؤلاء الأدباء والفلاسفة والمفكرين لم يدركوا الثورة التي أنشأوها، وإنما أطفأ الموت جذوة نفوسهم قبل أنْ يشعلوا هم جذوة الثورة، فماتوا قبل الثورة بوقت قصير أو طويل.
    والذين ثاروا بالفعل وملئوا الدنيا هولًا وإصلاحًا في وقت واحد، لم يُنشِئوا أدبًا ذا خطر، شُغِلوا بالعمل عن الفن، وشُغِلوا بصنع التاريخ عن كتابته، وابتكروا للأدباء الذين جاءوا بعدهم موضوعات أنشئوا فيها أدبًا حيًّا رائعًا أُتيح البقاء لكثير منه وذهب بعضه مع ما يذهب من آثار الناس.
    وابحث إنْ شئت عن الأديب الفرنسي الذي عاصر الثورة، وأنشأ في أثنائها أدبًا جديرًا بالبقاء، فلن تجد هذا الأديب مهما تُطِل في البحث والتنقيب، بل تستطيع أنْ تقرأ ما تركه رجال الثورة أنفسهم من الخُطَب والأحاديث التي ألهبتْ نفوسَ المعاصرين ودفعتهم إلى النهوض بالأعباء الثقال، وتحقيق الأمور العظام، فلن تجد في هذا الخطب ما يلائم ذوقك الفني. بل لن تجد فيه ما يرضي عقلك المستأني وحُكْمك الذي يريد أنْ يتدبر قبل أنْ يصدر؛ لأنها كانت خطبًا وأحاديث تلائم الظروف والأوقات التي أغرت بها ودفعت إليها، فلما تغيرت تلك الظروف وانْقَضَت تلك الأوقات، أصبحت تلك الخُطَب والأحاديث تاريخًا من التاريخ، لا تصلح إلا لقراءة الباحثين الذين يريدون أنْ يؤرخوا للأحداث. ولكن انظر بعد ذلك فيما أنشأ الكُتَّاب والشعراء الفرنسيون بعد أن استقرت الأمور في وطنهم، وبعد أنْ تأثرت حياة بلادهم بالثورة، وأصبحت الحرية لهم طبعًا والرقي لهم غاية لا يستطيعون عنها نكولًا، فسترى الأدب الحق والفن الجدير بالبقاء … «وسترى أنَّ أدب الثورة إنما يأتي بعد الثورة لا أثناءها».
    وما أشك في أنَّ هذا النحو من تصوير الصلة بين الأدب والثورة، هو الذي يلائم حقائق الأشياء، ويُفسِّر ما بين الأدب والسياسة من تضامن وتعاون وتفاعل — كما يقول المعاصرون — «فالأدب يثور قبل أنْ تثور السياسة.» وثورة الأدب هي التي تمهد الطريق لثورة السياسة؛ لأنها تهيِّئ قلوب الناس ونفوسهم وعقولهم، تبغِّض إليهم نظامًا قائمًا، وتحبِّب إليهم نُظُمًا تُحقِّق لهم آمالًا تمتد إليها عقولهم وتقصر عنها أيديهم. وليست الثورة السياسية آخر الأمر إلا استجابة لثورة العقول والقلوب والنفوس التي يُحْدِثها الأدب، وتُحْدِثها مع الأدب مؤثِّرات أخرى، يتصل بعضها بالحياة المادية للناس، ويتصل بعضها بالحياة المعنوية، ويأتي بعضها من الصلة بين الأمة وبين أمم أخرى تحيا حياة خيرًا من حياتها، وأدنى إلى العدل والحرية وإنصاف المظلومين من الظالمين، والمساواة بين المستأثرين الذين يجدون كل شيء، والمحرومين الذين لا يجدون شيئًا.
    ولست أعرف ثورة سياسية بالمعنى الجديد أو القديم للفظ الثورة، إلا وقد سيعقبها ثورة أدبية عقلية، كانت هي التي أعزت الناس بها ودفعتهم إليها، وأخرجتهم عن أطوارهم، فلم يستطيعوا صبرًا على ما يكرهون ولا إبطاء عما يريدون.
    هناك إذن ثورتان؛ أولاهما: ثورة العقل التي يُصوِّرها الأدب، والثانية: ثورة السياسة التي تعتمد على القوة، فتُغيِّر نظامًا وتقيم مكانه نظامًا آخر. وهناك أدبان: أدب يسبق الثورة ويدفع إليها، وأدب يأتي بعد الثورة فيصوِّرها أولًا ويصوِّر آثارها في حياة الناس، ويحبِّب إليهم هذه الآثار، ويدفعهم إلى الأمام في الرقي والإصلاح والتجديد.
    الأدب أثناء الثورة حين تضطرب نفوس الناس بالأمل والطموح، ونفوس فريق منهم بالخوف والمحافظة، متواضع مقتصد يمشي على استحياء — إنْ أمكن وصف الأدب بالمشي وبالحياء أيضًا — لأن الناس مشغولون عنه بأحداث الثورة مما يقع وما يُنتظَر، وبما تدفع إليه هذه الأحداث، ولأن الأدب — ولا سيما في هذا العصر الحديث — إنما يستمد حوله وطوله وقُوَّته وروعته من الحرية الكاملة التي معقب عليها. وهذه الحرية موقوفة مطبعة الأشياء أثناء الثورة، سواء أراد الناس في ذلك أم لم يريدوه، والأدب يجاهد في سبيل الحرية ويُحتمَل في هذا الجهاد ألوان المكروه على اختلافها قبل أنْ تصنع الثورة السياسية أمرًا واقعًا.
    وهو بجهاده وبتحمله الخطوب يدفع إلى الثورة دفعًا؛ لأنه يقاوم الاستبداد والعسف، ويدعو الناس إلى مقاومتهما، وهو في أثناء الثورة لا يستطيع أنْ يقاوم الثورة؛ لأنه مقاوم نفسه إنْ قاومها، فالثورة ابنته وثمرته، وهي لا تقف الحرية إلا لتطلقها بعد حين يقصر أو يطول.
    فالأدب الذي ينشأ أثناء الثورة إما أنْ يجري على طبيعته الأولى فيكون اتصالًا للأدب القديم، وإما أنْ يحاول مجاراة الثورة السياسية فيكون دعوة لها وإغراء بها، وهو في هذه الحال أدب ضعيف فاتر؛ لأن الأحداث المادية الواقعة أقوى منه وأخطر أثرًا، يراها الناس ويحسون آثارها في نفوسهم، وفيما حولهم من الحياة والأحياء.
    هذا هو الذي يعلل ما أصاب شعر حسَّان من الضعف، كانت الثورة الإسلامية أقوى من شعر الشعراء، وكان كل في بالقياس إليها أثناء قيامها فاتر، وهو يعلل في الوقت نفسه انصراف بعض شعراء عن الشعر؛ لأنهم لم يروا لأنفسهم فيه إربًا. وهو يعلل كذلك اتصال الشعر الجاهلي بأساليبه القديمة عند شعراء الأعراب، الذين قال الله — عز وجل — فيهم: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ).
    واقرأ إنْ شئت فيما يتصل بالأدب الفرنسي أثناء الثورة ما كتبه شاتو بريان مذكرات بأنه عن إلمامه بباريس حين كانت النفوس مضطربة ثائرة، فستراه يصف أندية الأدباء في تلك الأوقات بالضعف والفتور وقلة الغناء.
    ليس هناك معنى إذن لمطالبة الأدباء المعاصرين بإنشاء أدب الثورة؛ لأن أدب الثورة الحق لم يأتِ وقته بعد، وسيأتي وقته حين يخرج الشباب الذين تطبع الثورة نفوسهم بطابعها، والذين يتعلمون الآن في المدارس وفي الجامعات إنْ شئت؛ أي إنَّ هذا الأدب لن تظهر بواكيره إلا بعد أعوام نرجو ألا تكون مسرفة في الطول.
    ولست أشك في أنَّ أدب الثورة هذا الذي أتحدث عنه، سيكون مغايرًا مغايرة شديدة لأدبنا الذي ننتجه ونعيش عليه الآن، فسيتخلص الجيل الناشئ من تعقيدات مختلفة قاومناها نحن ما وجدنا السبيل إلى مقاومتها، ولكننا لم نستطع أنْ نعفي أنفسنا من آثارها وأعقابها.
    لن يحتاج الجيل الناشئ إلى ما احتجنا إليه دائمًا من مداورة السلطان والاحتياط من شرِّه، والاستخفاء بكثير من آرائنا، نكتمها أحيانًا في نفوسنا، فنشقى بكتمانها ونعرب عنها أحيانًا في كثير من الألغاز واصطناع للمجاز، والافتنان في التنكر، والتستر والاستخفاء لن يحتاج الجيل الناشئ إلى شيء من هذا؛ لأنه لن يجد أمامه النظام الملكي لمستأثر بالأمر من دون الشعب.
    وسيخلص الجيل الناشئ من تعقيد آخر فقاومناه ما استطعنا أنْ نقاومه، ولكنه كان يؤثر في حياتنا العقلية حتى أثناء مقاومتنا له تأثيرًا بعيد المدى، وهو تعقيد الاحتلال الأجنبي الذي كان يتغلغل في أعماق حياتنا المادية والسياسية، ويتدخل في كثير من مرافقنا، ويؤثر بذلك في مصالح الأفراد والجماعات، ويحالف النظام الملكي حينًا فيثقل علينا الهول، ويخالفه حينًا آخر فيأخذنا الشر من جميع أقطارنا، ونُضْطَر إلى كثير من المصانعة والموادعة، ونلاين حينًا ونخاشن حينًا آخر، ونشقى بتفرق الأهواء واختلاف الميول والنزعات من حولنا، ونجد العناء كل العناء في التماس ما نلتمس لأنفسنا من طريق إلى التفكير والتعبير.
    لن يشقى الجيل الناشئ بهذا الاحتلال؛ لأنه سيحيا في وطن لا يتسلط الأجنبي عليه من قريب أو بعيد، سينشأ حرًّا في وطن حر بأوسع معاني هذه الكلمة وأعمقها، وسيخلص من عقدة الاستعمار هذه التي شقيت بها الأجيال من قبله دهرًا طويلًا.
    وسيخلص الجيل الناشئ من عقدة أخرى غير هاتين العقدتين، وهي عقدة النظام الاقتصادي البغيض الذي شقيت به الأجيال من قبله، والتي قسمت الشعب إلى: الأغنياء المترفين الذين ينفقون بغير حساب فيما لا يغني عنهم ولا عن غيرهم شيئًا، والفقراء المعدمين الذين يشقون بغير حساب؛ لأنهم لا يجدون ما يقيم الأَوَد أو يرضي حاجة الإنسان الذي يستطيع أنْ يكون إنسانًا.
    وكلمات المرض والفقر والجهل والأعداء الثلاثة التي كانت الحكومات تتشدق بها فيما مضى، كلمات يسيرة حين تنطق بها الألسنة، ولكنها عسيرة معقَّدة حين نحاول أنْ نحقق معانيها في نفوسنا، فهي تُصوِّر أشقى ما يمكن أنْ يُفرَض على الناس من ضروب الحياة، وهي تمتحن نفوسهم بألوان لا تُحصى من التعقيد الذي يميت القلوب، ويفل الحد، ويلغي النشاط، ويُبغِّض العيش إلى الناس. هذا الذي لا يجد ما ينفق وله قلب ذكي وعقل راجح وقدرة على العمل الخصب والنشاط المنتج، ولكنه لا يستطيع أنْ يعمل، ولا أنْ ينشط؛ لأنه لا يجد إلى العمل ولا إلى النشاط سبيلًا، وكيف السبيل إلى العمل والنشاط إذا لم تجد من الطعام والشراب ما يمسك عليك الحياة؟!
    وهذا الجاهل الذي لا يُفرِّق بين الخير والشر، ولا يُميِّز بين ما ينفعه وما يضره، وله فضل من قوة وحظ من أيد، ولكنه لا يعرف كيف يوجه قوته، ولا فيما ينفق جهده، فهو يتخبط بين الشر اليسير والإثم المفسد لحياته، ولحياة من حوله من الناس. وامضِ ما شئت في تصوير ما يثير المرض والفقر والجهل في حياة الناس من شر، وما ينشئ في نفوسهم من عقد، وما يبث أمامهم من عقاب، وتصور جيلًا يتاح له في يوم من الأيام ما لم يُتَح للأجيال الماضية من صحة الأجسام، وذكاء القلوب، ونفاذ البصائر، وسعة المعرفة، وانظر ما عسى أنْ يكون من الفرق بين هذا الجيل السعيد وبين الأجيال التي سبقته من الأشقياء، ثم وازن بين ما يمكن أنْ ينتجه هذا الجيل السعيد من ألوان النشاط في حياته المادية والعقلية والفنية، وبين ما أنتجته أجيال الشقاء من قبله، فسترى الفرق عظيمًا خطيرًا بين إنتاج الموفورين وإنتاج المحرومين، وبين إنتاج السعداء وإنتاج الأشقياء.
    وإذا بلغت هذه الغاية من الموازنة، فقد عرفت أنَّ أدب الثورة الذي يستحق هذه الإضافة ليس هو الأدب الذي أنتجناه أو الذي ننتجه الآن، وإنما هو الأدب الذي سينتجه أبناؤنا وأحفادنا حين يُتاح للثورة أنْ تبلغ غايتها وتحقق أغراضها، وتضع عن المصريين إصر حياتهم تلك التي ضاقت بهم وضاقوا بها، وتتيح لهم حياة أخرى لا يجدون فيها قهرًا ولا عسفًا، ولا يخضعون فيها لبأس أو ظلم، ولا يشقون فيها بفقر أو جهل أو مرض، وثق بأني لا أخدع نفسي عن حقائق الأشياء، ولا أخدعك عن هذه الحقائق، فلست أنا من السذاجة بحيث أظن أنَّ الثورة ستتيح للأجيال المقبلة سعادة دائمة ونعيمًا مقيمًا، فالسعادة الدائمة الكاملة لم تُتَح للناس، ولن تُتاح لهم في هذه الحياة الدنيا، والنعيم المقيم مُدَّخَر للصالحين من الناس في حياتهم الثانية، وليس معجلًا لهم في حياتهم هذه الأولى …
    ولكن الشيء الذي أثق به كل الثقة، وأومن به أعمق الإيمان، هو أنَّ الثورة ستتيح حين تبلغ غاياتها للأجيال المقبلة من قوة النفوس وصلاح الحياة ما يمكنها من طلب السعادة والنعيم قادرة على طلبهما، ومن مقاومة البؤس والشقاء قادرة على مقاومتها …
    وليس هذا بالشيء القليل، وما أعظم الفرق بين أدب يقبل عليه أصحابه، وهم آمنون مطمئنون لا يسعى إليهم الخوف ولا يُدبَّر لهم الكيد، وأدب ينتجه قوم يختلسون الفراغ له اختلاسًا، ويسترقون العناية به استراقًا، ويجدون مِنْ حولهم ما هو خليق أنْ يبغِّض إليهم الأدب ويصرفهم عنه صرفًا، يشقون في أنفسهم ويشقون بشقاء من حولهم من الناس، ولا تُتاح لهم حتى الوسائل اليسيرة للإعراب في صراحة، وأمن عما يجدون من شقائهم وشقاء الناس.
    فانتظر إذن أدب الثورة بمعناه الصحيح من الجيل الناشئ يوم يُتاح له الإنتاج، واقرأ أدبنا هذا الثائر إنْ شئت، وأعرض عنه إنْ أحببت، فإنا لا نملك أنْ نعطيك إلا ما في أيدينا، وفي أيدينا أدب ثائر لا أدب ثورة، وما أعظم الفرق بين الأدبين!

  • ماتت الساحرة

    ماتت الساحرة

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ١٦ أغسطس ١٩٥٤

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، أم يعرفها من بينهم فريق بعينه من أولئك الذين يعنون عناية صادقة بالأدب الرفيع، ويتتبعون الإنتاج الأدبي الفرنسي بشيء من هذا الشغف الذي لا يتاح إلا للذين يسحرهم جمال الفن من حيث هو، لا من حيث إنه يحقق هذه المنفعة أو تلك، ويوصل إلى هذا الغرض أو ذاك، من حيث إنه الجمال الخالص الذي تجد النفس فيه الرضا والمتعة، وإن ضاقت ببعض ما فيه من التفصيل؟

    لست أدري أيعرفها كثير من المصريين، ولكني أعلم أن الفرنسيين جميعًا يُكْبِرونها ويُقدِّرون أثرها في حياتهم الأدبية، ويرونها من أبرع كُتَّابهم في هذا العصر الحديث، ويتجاوزون ذلك إلى ما هو أعظم منه خطرًا، فيرون أنها قد رقَّت النثر الفرنسي وارتفعت به إلى منزلة لم يبلغها إلا قليل من كُتَّابهم النابهين.

    وأعلم كذلك أن صوتها الأدبي قد تجاوز حدود وطنها منذ عهد بعيد جدًّا، فأصبحت علمًا من أعلام الأدب الإنساني في هذا القرن، وما أرى إلا أن كثيرًا من آثارها قد نقل إلى اللغات الحية الكبرى، وإنْ كنتُ لا أذكر أني رأيت ترجمة لأثر من آثارها في لغتنا العربية.

    هذه هو كوليت التي نقلت إلينا الصحف الإيطالية نعيها منذ يومين، ووصلت إلينا الصحف الفرنسية اليوم تحدثنا عن حياتها الخصبة المضطربة الرائعة المروعة بالشيء الكثير.

    وقد أخذت هذه الكاتبة تسلك طريقها الأدبي إلى المجد منذ أواخر القرن الماضي قبل أن تبلغ الخامسة والعشرين، وظلت تنتج فتبهر وتسحر بإنتاجها إلى أن أدركها الموت بعد أن جاوزت الثمانين، فهي قد أنفقت أكثر من نصف قرن منتجة للأدب الرفيع، مجاهدة ألوانًا من الجهاد الغريب في حياتها المضطربة الحافلة بالخطوب، المليئة بما يرضي وما يسخط، وبما يسرُّ وما يَسوءُ.

    وما رأيك في فتاة تنشأ في قرية من قرى بورجونيا، فلا تكاد تعقل حتى تألف الطبيعة وتهيم بها وتوشك أن تغني فيها؟ فهي كلفة بالغابات، مشغوفة بالحدائق، مولهة بكل ما يروع ويعجب من مناظر الطبيعة، وهي لا تشغف بالطبيعة كما يشغف بها أمثالها من الصبية فتتخذها متاعًا ولهوًا، وإنما تشغف بها شغفًا خاصًّا: تريد أن تبلوها، وتصل إلى أعماقها وحقائقها، وتمتزج بها، وتصير جزءًا منها، وهي إلى ذلك تحب الخلوة إلى هذه الطبيعة مُتحدثةً في أعماق نفسها إلى شجرها، وزهرها، وثمرها، وعشبها، وحيوانها النافر والمستأنس.

    تعيش بين هذا كله كما يعيش الطفل بين أهله وأدوات لعبه، وتسبغ على هذا كله من نفسها خير ما فيها من الحياة والحس والشعور، وتسبغ على نفسها من هذا كله خير ما فيه من الجمال والروعة والحياة الطلقة الحرة الجامحة التي لا تحب نظامًا ولا قيدًا.

    فإذا أرسلت إلى المدرسة لم يصرفها الدرس عن حبيبتها الطبيعة، بل أصبحت المدرسة جزءًا من هذه الطبيعة، فهي تلاحظ أترابها ومعلماتها كما تلاحظ الشجر والثمر والزهر، ولا تكاد تتجاوز العشرين من عمرها حتى يلمَّ بأسرتها فتى كاتب مستهتر من باريس فيَشْغفها حبًّا. وأكبر الظن أنها أحبته على هذا النحو الذي ألفته من حب الشجر والزهر والثمر.

    والمهم أنها كلفت به وأصبحت له زوجًا، وانتقلت معه إلى باريس، وكأنها خلبته بما كانت تتحدث به إليه من أنباء حياتها الناشئة في المدرسة، فطلب إليها أن تكتب أحاديثها هذه لينظر فيها بعد ذلك، وقد فعلتْ، ونظر الزوج فيما ألقت إلى الدفتر من أحاديث نفسها فلم يحفل بها أول الأمر، ثم عاد إليها بعد عام وبعض عام، فرضي عنها وأصلح فيها ودفعها إلى الناشر، فظهر أول كتاب شاركت فيه هذه الفتاة، ولم يكد يظهر حتى فتنت به باريس، ثم فتنت به فرنسا، ثم أصبح الحلقة الأولى من سلسلة ظهرت كلها مصورة لحياة كوليت في المدرسة وفي الأسرة وفي بيت الزوجية، وأصبحت هذه السلسلة من أعظم الكتب رواجًا في أول هذا القرن.

    يقرؤها الأديب الممتاز فيرى فيها بشائر تفوق وتجديد، ويقرؤها الفرنسي المتوسط — والفرنسية المتوسطة خاصة — فيرى فيها مرآة لنفسه وميوله وأهوائه، وخفايا ضميره التي لا يكاد يظهرها أو يجمجم بها، ويرى فيها مرآة لوطنه وطبيعته الساحرة الآخذة بالقلوب والأحباب.

    ولا يكاد القرن يبلغ السادسة من عمره حتى تضيق الكاتبة بزوجها، فيكون بينهما الطلاق الذي يفتح لها أبوابًا من الحياة الغريبة والمغامرات التي لا تنقضي؛ فهذه المرأة التي لم تجاوز الثلاثين إلا قليلًا جامحة الطبع، مرسلة نفسها على سجيتها، معتدة بقوتها وقدرتها على الجهاد، غير حافلة برأي الناس فيها أو حديثهم عنها، غير قادرة إلا لرأيها هي وحكمها هي على الناس والأشياء. وهي في الوقت نفسه مرسلة نفسها على سجيتها، مخلية بين غرائزها وبين الحياة تأخذ منها ما تحب، وتدع منها ما تكره، لا مقياس لها في ذلك إلا ذوقها هي، وحكمها هي، وما تجد من لذة أو ألم، ومن رضا أو سخط، ومن إقبال أو نفور.

    وهي في حاجة إلى أن تعيش، فما لها لا تكسب حياتها من حيث تحب أن تكسبها، وإذا هي راقصة في مراقص باريس، وإذا إقبالها على الرقص يتيح لها الإبداع فيه، وإذا هي تجدد وتبتكر ولا تكتفي بالرقص، بل تبتكر فيه فنونًا وألوانًا، فإذا ضاقت بالرقص أو أخذت منه ما يكفيها، أقبلت على التمثيل فمثَّلت قصصَ غيرِها، وأتاح لها ذلك أن تتقن دقائق التمثيل، وأن تصبح في يوم من الأيام منشئة للقصص التمثيلي، ممثلة للشخصيات التي تبتكرها.

    فإذا أخذت من هذه الحياة المضطربة بحظها أصبحت صحفية تشهد جلسات البرلمان وتصورها أبدع تصوير، وتشرف على القسم القصصي في إحدى الصحف الباريسية الكبرى، ثم تميل إلى حياة الأسرة فتتخذ لنفسها زوجًا من الأشخاص البارزين في الحياة الفرنسية، ثم تمضي في حياتها هذه المضطربة الهوجاء، المنتظمة رغم ذلك؛ لأنها تلائم طبيعة الكاتبة ومزاجها وذوقها. وهي في أثناء هذا كله متصلة الإنتاج لا يكاد يمضي عام أو عامان حتى يظهر لها كتاب يملأ النفوس إعجابًا بها، وحبًّا لها، ورضًا عن فنها، وإذا هي تصبح ذات يوم عضوًا في المجمع الأدبي البلجيكي تشغل مكان الشاعرة الفرنسية العظيمة أنادي نواي.

    ولا تمضي أعوام على هذا النُّجْح حتى تصبح عضوًا في مجمع جونكور بباريس، ثم رئيسة لهذا المجمع، وإنتاجها الأدبي مع ذلك مستمر مطَّرد، ولا يدركه ضعف ولا وهن ولا فتور، وإذا هي ملهمة للموسيقى؛ فموريس رافل يضع التلحين لإحدى قصصها التي تمثل في الأوبرا كوميك، وتلهم التمثيل الخالص فتمثل قصصها في ملاعب باريس المختلفة، وتلهم السينما فتعرض بعض قصصها في أفلام تظفر بالنُّجْح كل النُّجْح. وهي بعد هذا كله مستقرة على عرش القصة قد بلغت فيها أقصى ما يمكن أن يبلغ كاتب من الإتقان، مستقرة على عرش النثر الفرنسي قد جودته وبرزت فيه حتى أصبحت رابعة أربعة يراهم الفرنسيون أئمة النثر الفرنسي الحديث؛ وهم: أندريه جيد، وبول فاليري، وكلوديل، وكوليت.

    وربما كانت أقرب الناس في فنها إلى أندريه جيد؛ فقد أرسلت نفسها مثله على سجيتها في الحياة أولًا، وفي التعبير عن هذه الحياة بعد ذلك، ولم تحفل بسخط الناس على سيرتها أو رضاهم عنها، كما أن أندريه جيد لم يحفل بشيء من ذلك، على حين تحفظ كلوديل بحكم مسيحيته، وتحفظ فاليري بحكم فلسفته الصارمة.

    والغريب من أمر كوليت وأندريه جيد أنهما لم يحفلا بالأوضاع الاجتماعية، والتقاليد الموروثة، والسنن المألوفة بحال من الأحوال، ولم يخضعا إلا لسلطان واحد لم يحاولا في يوم من الأيام أن يخالفا من أمره، أو يخرجا على قوانينه؛ وهو سلطان الفن. كلاهما حجة في اللغة كصاحبيهما، وكلاهما حريص أشد الحرص على صفاء اللفظ ورصانته ودقته ورقته، وعلى القواعد التي رسمها الأدب الفرنسي القديم كصاحبيهما في ذلك أيضًا، وكلاهما بعد هذا حر إلى أبعد آماد الحرية في التعبير: يصف من حقائق الحياة ودقائقها ما كان الأدب الكلاسيكي يترفع عن وصفه، ويصور من شئون الغرائز والأهواء والميول ما كان الأدب الفرنسي الكلاسيكي ينأى عن تصويره.

    والغريب مع ذلك أن هذه الحرية الواسعة إلى أبعد غايات السعة، العميقة إلى أقصى غايات العمق، لم تسفل بأحدهما عن أصول الأدب الرفيع، وإنما أتاحت لكليهما آفاقًا وميادين لم يكن الأدب الرفيع يبلغهما، فكلاهما قد بسط سلطان الأدب على فنون من الشعور والميول والأهواء والحس كان الأدب يتحرج من مقاربتها، وكلاهما من أجل ذلك قد فرض نفسه على الناس فرضًا، فأخذ الناس يقرءون آثار جيد وآثار كوليت على كره شديد منهم لحياة جيد وكوليت. وقل في هذا الكره ما شئت، قل: إنه كان صادقًا عند أصحاب الوقار والتزمت الاجتماعي، وعند أصحاب الإيمان والتزمت الديني، وقل: إنه كان كاذبًا منافقًا عند الذين يتكلفون الوقار والدين.

    ولكن الشيء المحقق هو أن هذين الكاتبين قد اغتصبا إعجاب الخصوم والصديق جميعًا، وظفرا بهذا الإعجاب غلابًا؛ فرضاه فرضًا على النفوس لما أتيح لهما من صفاء الفن، وجمال الرونق، وصدق اللهجة، وإيثار الحرية الفنية على كل شيء. فليس غريبًا أن يجزع الشعب الفرنسي لموت أندريه جيد مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بأندريه جيد وحريته في القول والسيرة جميعًا، وليس غريبًا كذلك أن يبتئس الشعب الفرنسي من موت كوليت، مع أن هذا الشعب الفرنسي نفسه كثيرًا ما ضاق بهذه الحياة المضطربة التي أنتجت أدب كوليت.

    وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن الجماعات المختلفة من الفرنسيين، على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، قد جعلت تحتشد حول المنزل الذي استقر فيه جثمان كوليت بعد أن أدركها الموت. وقد كان جيد بروتسنتي النشأة، ولم يحفل قط بأن يرضى عنه أو يسخط عليه رجال الدين، وكانت كوليت كاثوليكية النشأة، ولم تحفل قط في أن يرضى عنها أو يسخط عليها رجال الدين، ولكن أسرتها حريصة فيما يظهر على أن تراعي الأوضاع الكاثوليكية في دفنها. وتحدثنا الصحف الفرنسية بأن المفاوضات تجري والمساعي تُبذل لتظفر الأسرة بإذن الكنيسة بدفن كوليت على الأوضاع المسيحية الكاثوليكية.

    وأخص ما يلاحظ حين نقرأ نعي كوليت أمران؛ أحدهما: أن هذه الكاتبة ربما كانت أعظم كاتبة فرنسية على كثرة النساء والكاتبات المتفوقات في الأدب الفرنسي منذ القرن السابع عشر، وهي مَدينةٌ بمجدها للفن وحده؛ ليست من أسرة نبيلة، وليست لها مشاركة في السياسة كما كان هذا شأن كثير من النساء النابهات قبل الثورة الفرنسية وأثناء القرن الماضي، وإنما طبيعتها الخصبة الحرة الممتازة، وصدقها في تصوير نفسها وفي تصوير الناس والأشياء من حولها، واستمساكها بالأصول التقليدية للأدب الفرنسي، كل هذه الخصال هي التي أتاحت لكوليت هذا المجد الأدبي الذي لم يُتح لكاتبة غيرها من الفرنسيات. وقد كان الناس يحتفلون في هذا العام بالكاتبة الفرنسية البارعة في القرن الماضي، جورج صاند؛ لمرور قرن ونصف قرن منذ مولدها، وهم الآن يذكرون أفول هذا النجم الفرنسي المشرق الذي ملأ الحياة الأدبية الفرنسية جمالًا ونورًا في هذا القرن.

    الأمر الثاني أن هؤلاء الأربعة الذين ذكرتهم آنفًا، والذين اعتبرهم الفرنسيون أئمة أدبهم الحديث، قد مات منهم الآن ثلاثة، كان أولهم بول فاليري، وكانت ثالثتهم كوليت، ولم يبق منهم إلا الشاعر الكاتب العبقري بول كلوديل. والغريب أن كل واحد من هؤلاء الأربعة قد أثر في الحياة الفرنسية أعظم الأثر وأعمقه، ولكن واحدًا منهم لم يترك تلميذًا يمضي على نهجه، ويحفظ سنته، ويصون مذهبه الفني من الضياع. وربما كان أندريه جيد أحسنهم حظًّا، فبَينَ الفرنسيين الذين قاربوا الشيخوخة من يكتب على مذهبه، ويحرص على منهجه الفني، ولكن الشيء الذي ليس فيه شك هو أن موت هؤلاء الأئمة الثلاثة فقر خطير للأدب الفرنسي المعاصر.

    وما أكثر ما تلقى الفرنسي الذي يلتمس غذاء عقله ومتاع ذوقه الآن عند الأمم الأخرى: عند الكتاب الأمريكيين، أو الإنجليز والإيطاليين، أو كتاب شمال أوروبا، أو الكُتَّاب الألمانيين؛ لأنهم لا يجدون أو لا يكادون يجدون ما يقرءون في الإنتاج الأدبي الفرنسي الخالص، ولكن للفرنسيين مزية تتيح لهم أن يلتمسوا المتاع الفني في الآداب الأجنبية إذا لم يجدوا في أدبهم الوطني؛ وهي عنايتهم بالترجمة، وحرصهم على الاستكثار منها ما أتاحت لهم ذلك وسائل النشر. ومن يدري لعل الأزمة المحققة التي يشقى بها الأدب الفرنسي في هذه الأعوام الأخيرة ليست إلا فصلًا من فصول الأزمة الشاملة التي تشقى بها فرنسا في حياتها كلها منذ ألمت بها كوارث الحرب العالمية الأخيرة، ولعل هذه الأزمة الشاملة أن تكون ليلة طويلة ثقيلة من هذه الليالي الطوال الثقال التي تغشى حياة الأمم بين حين وحين، والتي لا يلبث الصبح أن يبدد ظلماتها؟ ومن يدري أتجد المرأة الفرنسية في النصف الثاني من هذا القرن كاتبة تؤثر في الأدب الفرنسي، بل في الأدب العالمي مثل ما أثرت فيه هذه الكاتبة الساحرة التي تتوارى في قبرها منذ اليوم؟

  • أبو نواس أيضًا

    أبو نواس أيضًا
    طه حسين
    جريدة الأهرام
    ٣٠ مايو ١٩٥٣

    أحبب إليَّ بهذا الصمت العميق الذي يُمعن فيه العلماء والأدباء وأصحاب الفن الرفيع أشدَّ الإمعان؛ حتى ينسوا النَّاس، ويُوشك النَّاس أنْ ينسوهم، وحتَّى يُوشك أحدهم أنْ ينسى نفسه لشدة ما أمعن في الصمت، وأغرق في البحث، وشغله العمل عن كل شيء، ثُمَّ يعود إلى نفسه وإلى النَّاس ذات يومٍ وفي يده طُرْفة نفيسة يطرفهم بها في كثير من التواضع والحياء، وكان صمته ذاك الخصب يُنشد قول الراجز القديم:

    هذا جناي وخياره فيهإذ كل جانٍ يده إلى فيه
    وأحبب إليَّ كذلك بهذه الأيام الغرِّ التي تستقبلني مُصبحًا أو مُمسيًا بطرفة من هذه الطرف يهديها إليَّ أصحابُها بين حينٍ وحينٍ.

    ما أعمق هذا الرضا الذي أحسسته ونعمت به أمسِ حين استقبلني الصَّباح بطرفة تاريخية قيِّمَة جاءتني من دمشق، وحين استقبلني المساء بطرفة أدبية رائعة جاءتني من القاهرة، كلتا الطرفتين نتيجة من نتائج هذا الصمت العميق الطويل الذي يُمعن فيه أصحابه، ثم يخرجون منه بما ينفعهم وينفع الناس!

    وقد كانت طرفة الصباح مجلدًا ضخمًا قيِّمًا من هذا الكتاب العظيم الذي يُعدُّ بين الكنوز النفيسة لتراثنا العربي، وهو تاريخ دمشق لابن عساكر. أخذ المجمع العلمي العربي في نشره، وعهد بإخراج المجلد الأول منه إلى الأستاذ صلاح المنجد، وسأتحدث عنه في الأسبوع المُقبِل إن شاء الله.

    وكانت طُرفة المساء مُجلَّدًا ضخمًا كذلك يشتمل على ديوان أبي نواس عُنِيَتْ بنشره شركة مطبعة مصر، وعهدت بإخراجه وتحقيق نَصِّه إلى الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، وقدَّم له شاعرنا الكبير الأستاذ عزيز أباظة بمُقدِّمة مُمتعة، وهذا المُجلد هو الذي سأتحدث عنه اليوم في كثير من الإيجاز.

    ولأمرٍ ما أَلَحَّ أبو نواس على النَّاس في هذه الأعوام الأخيرة من حياتنا الأدبية؛ فقد أخرج الأستاذ عبد الرحمن صدقي منذ وقت قصير كتابين قيِّمين عن أبي نواس، وتحدثت في الأسبوع الماضي عن الكتاب الذي درس فيه الأستاذ الدكتور محمد النويهي نفسية أبي نُواس، وهذا ديوان أبي نواس تُخرجه لنا مطبعة مصر في صورة جديدة قد حُقِّقت نصوصها، وبرئت من شوائب التصحيف والتحريف التي أفسدت الطبعات التي شاعت بين أيدي النَّاس.

    ما عسى أن تكون الصِّلة بين هذا الجيل من أجيال المصريين وبين هذا الشاعر العظيم من شعراء القرن الثَّاني للهجرة؟ فقد ينبغي أن تكون هناك صلة خفية أو ظاهرة حملت هؤلاء السادة من المثقفين الذين أترفت عقولهم وأذواقهم، وهذبت طباعهم وأمزجتهم، على أن يُعْنَوْا بأبي نواس؛ منهم من يعرض حياته، ومنهم من يعرض فَنَّه، ومنهم من يحلل نفسَه، ومنهم من ينشر شعره نشرًا محققًا جديدًا. أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من مُجرد الميل إلى إحياء الأدب القديم؟ ولكن لماذا يُختار أبو نواس بين شعرائنا القدماء الذين لا يكاد يحصيهم العدُّ؟ لِمَ لا يختار شاعر من شعراء العصر الأموي، أو شاعر آخر من الذين عاصروا أبا نواس، أو الذين جاءوا بعده؟ وما أكثر ما يتحدث النَّاس في هذه الأيام عن الضِّيق بالقديم والزهد فيه، وعن الكلف بالجديد والشوق إليه! أيمكن أن تأتي هذه الصِّلة من أنَّ كثيرًا من المُثقفين في هذه الأيام يجدون مثلما كان يجد أبو نواس من الفراغ، ويُصرفون عمَّا أُتيح لأبي نواس من اللهو والعبث والاستمتاع بلذات الحياة؛ فهم يتعزَّوْنَ بما أُتيح لغيرهم عمَّا لم يُتح لهم، ويتسلَّوْن بوصف لَذَّات الحياة عن لَذَّات الحياة نفسها؟

    ولكنَّ أبا نواس لم يكن وحده صاحب اللهو والعبث والمجون، وإنَّما كان كثيرٌ من مُعاصريه يُشاركونه في أمره كُلِّه، يلهون كما يلهو، ويعبثون كما يعبث، ويُسرفون على أنفسهم وعلى النَّاس في الاستهتار باللهو والعبث ووصفهما في الشعر الجميل الصريح؛ وإذن فما بال هؤلاء الباحثين المجودين يُؤثِرون أبا نواس بالبحث من دون غيره من مُعاصريه؟

    يُخيَّل إليه أنَّ هذه الصلة لا تأتي من شيء من هذه الأشياء التي أشرتُ إليها، وإنَّما تأتي من شيء آخر يُصوِّر أصدق تصويرٍ هذا الروحَ الجديد الذي مَلأ الحياة المصرية وسايَرها منذ أعقاب الحرب العالمية الأولى، وكان يعنف مرة ويهدأ أخرى، وهو رُوح الثورة والطموح إلى التحرُّر من الحياة الجامدة التي تُثقلها القيود والأغلال، وتضيق فيها الأوضاع الاجتماعية ضيقًا شديدًا؛ فتؤثِر طائفة قليلة بطيِّبات الحياة، وتحرم الكثرة الكثيرة هذه الطيبات. ولست أريد بطيبات الحياة هنا هذه اللذات المادية التي تُتاح للمترفين، وتُصرف عن المحرومين، وإنَّما أُرِيدُ بهذه الطيبات ما هو أوسع من هذا سعة وأرقى منه طبيعة ومزاجًا، أريد الطيبات المعنوية والمادية جميعًا، أريد الحرية الشائعة التي لا تقصر على طبقة بعينها وإنَّما تُتاح للنَّاس جميعًا، وأريد المساواة في الحقوق التي لا تُفرِّق بين جنس وجنس ولا بين طبقة وطبقة، والتي لا تبيح الاستعلاء لبعض الناس على بعض، ولا تبيح لبعض النَّاس أن يستأثروا دون غيرهم بما يتيح لهم التفوق والامتياز، هذا الروح ملأ حياتنا المصرية منذ انتهت الحرب العالمية الأولى؛ فدفعنا إلى المطالبة بالحرية السياسية، وبالحرية الاجتماعية، وبالمُساواة في الحقوق والواجبات، وحرصنا على أن نَخلُص من التسلط الأجنبي، وجاهدنا حتى ظفِرنا بدستور يسجِّل المساواة بين النَّاس، وقضينا ثُلث القرن الذي قضيناه في جهاد عنيف حينًا هادئ أحيانًا؛ لنحقق هذه الغايات تحقيقًا لا يقبل جدالًا ولا نزاعًا، وهذا الرُّوح هو الذي أغرى المثقفين منَّا بحُبِّ أبي نواس والعناية بشعره؛ فأبو نواس ثمرة من ثمرات الثَّورة التي حققت المساواة بين العرب وغيرهم من الأمم المغلوبة، وشعر هذا الجامح الذي لا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، إنَّما هو شعر المنتصر الذي أسكره الانتصار حتى أخرجه عن طوره، وحتى دفعه إلى ألوان من الشَّطَطِ في سيرته وفي تفكيره وفي شِعْرِه الذي يصور تلك السيرة وهذا التَّفكير.

    فأبو نواس ثائر على الأوضاع الاجتماعية والسياسية القديمة كلها، ثائر على العرب يعيبهم في غير تحفُّظ، ويُفَضِّلُ عليهم الفرس، ويُحْفِظُ السلطان أحيانًا حتى يُلْقِيَه في غيابات السجن، وهو ثائر على المألوف من حياة الناس هذه الحياة الهادئة المطمئنة التي تجري على وتيرة وحيدة محتفظة بما فرض الدين عليها من النقاء والقصد والاعتدال؛ فهو يشرب الخمر ولا يريد أن يستخفي بشربها، وهو يُمعن في الشذوذ الجنسي في غير تحفُّظ ولا استحياء، وهو يسخر من المتزمِّتِين في غير رفق ولا أناة، ثم هو ثائر على المألوف من قيود الفن، فهو يُحسن الشعر العربي التقليدي أيما إحسان، ويُثبت ذلك بما يَقرِض من الشعر التقليدي الرصين؛ حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التقصير، ولكنَّه بعد ذلك يثور على هذا كله، ويُبدع في فنِّه الجديد، فيُعرض عن الأطلال ووصفها والبكاء عليها والحنين إليها، إلى اللذة وإطرائها والافتنان في وصفها إلى أبعد الحدود؛ كل ذلك لأنَّه نشأ كما نشأ أترابُه في ظل الثورة التي أدانت للمغلوبين من الغالبين، ودفعت كثيرًا من هؤلاء المغلوبين إلى فنون من الشَّطَطِ والجموح في القول والفعل جميعًا.

    وليس أبو نواس بدعًا من أترابه الذين عاصروه في البصرة والكوفة وبغداد، وقد وجد أبو نواس وأصحابه من الوزراء والأمراء ومن بعض الخلفاء رِضًى عن هذا الجموح، فتجاوزوا فيه كل حدٍّ؛ ومن هنا أخالف الأستاذ أحمد عبد المجيد الغزالي، كما خالفت الأستاذ النُّويهي من قبل في ردِّ ثورة أبي نواس هذه إلى ما زعم الرُّواة من سيرة أمه، أو إلى إخفاقه في حبٍّ جبان؛ فلم تكن ثورة أبي نواس مقصورة عليه، وإنَّما كانت شائعة في كثير من أصحابه الشُّعراء وغير الشعراء من أهل ذلك العصر.

    وأخالف الأستاذ الغزالي في شيء آخر ليس أقل خطرًا من هذا الذي ذكرتُه آنفًا؛ فالثورة الفنية التي نراها عند أبي نواس وأصحابه، والتي دفعت إلى الإغراق في وصف اللذات والاستهتار بها، ليست ثورة عباسية ولا عراقية، وإنَّما هي قدرة قديمة نشأت في الحجاز، وفي المدينة خاصة أيام الأمويين، وانتقلت من المدينة إلى الشام أيام يزيد بن عبد الملك، وعظُم خطرها أيام هشام بن عبد الملك بفضل الوليد بن يزيد الذي كان ضحية من ضحاياها، وانتقلت بعد ذلك إلى العراق فاستقرت فيه مع السلطان، ولم تهدأ إلا بعد قتل الأمين بن الرشيد ونهوض المأمون بخلافة المسلمين.

    فإذا كان في العراق أبو نواس ومسلم ومطيع وحماد ووالبة؛ فقد كان في الحجاز الأحوص، وفي الشام الوليد بن يزيد، وحديثُ هذا يطول.

    وقد كنت أحب أن أثني على هذه الطبعة الجديدة لديوان أبي نواس ثناءً لا تحفُّظ فيه، ولكني مُضْطَرٌّ مع الأسف إلى شيء كثير من الاحتياط؛ فهذه الطبعة على جودتها وعلى ما بُذل في تصحيح نصِّها من الجهد العنيف، ليست طبعة علمية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فلستُ أعرف أنَّ الأستاذ الغزالي قد استقصى النُّسخ المخطوطة لديوان أبي نواس في دور الكتب المُختلفة، ولست أعرف أنَّه قد استقصى أكثرها أو كثيرًا منها.

    وقد كنت أعلم أنَّ المستشرق الألماني الدكتور شادة قد أنفق ثلاثين عامًا من عمره دارسًا لأبي نواس يُهيِّئُ طبعة علمية لديوانه، ولكنَّه فَارَقَ هذه الدنيا، ولست أعرف إلى أي مرحلة بلغ من بحثه وتنقيبه.

    وخصلة أخرى تضطرني إلى التحفُّظ: وهي أنَّ النَّاشر ومطبعة مصر قد راعَيَا ذوق المعاصِرِين، وتخريج القوانين القائمة أكثر ممَّا راعَيَا حقَّ العلم في نشر النَّصِّ كاملًا غير منقوص فهما يهديان إلى القُرَّاءِ نسخة مُصفَّاة يستطيعون أن يقرءوها في غير حَرَجٍ، وليس هذا بالشيء القليل، وما شيءٌ خير من لا شيء، كما يقول المثل.

    فليقرأ القُرَّاء شاكرين للمطبعة والناشر هذا الجهدَ القَيِّمَ الخصبَ، ولينتظر العلماء أن يُنشر لهم نص أبي نواس، كما يريدون أن يكون.

  • جهد خصيب

    جهد خصيب

    طه حسين

    جريدة مصر الفتاة

    ١٨ مايو ١٩٥٣

    هو هذا الجهد العنيف إلى أقصى غايات العُنف المُمْتِع إلى أبعد حدود الإمتاع، الذي بذله الدكتور عبد الرحمن بدوي حول كتاب الشعر لأرسطاطاليس.

    وأقول: إنَّ هذا الجهد عنيف إلى أبعد غايات العنف؛ فقد ترجم هذا الكتاب في القرن الرابع الهجري إلى اللغة العربية، وعسى أن يكون قد تُرجم قبل ذلك في القرن الثالث، ولكن ترجمة القرن الرابع هي التي وصلت إلينا، وهي سَقيمة مُمْعِنَةٌ في السُّقم، لا تُصور كتاب أرسطاطاليس كما هو، بل لا تُصَوِّره تَصويرًا مُقاربًا، وفيها من الخلط والاضطراب شيء كثير.

    وعلى هذه الترجمة وترجمة أخرى ظهرت في القرن الرابع أيضًا ولم تَصل إلينا، اعتمدْ الفلاسفة المسلمون حين لخصوا هذا اللون من علم أرسطاطاليس، فكان علم العرب والمسلمين بهذا القسم من علم أرسطاطاليس مُشوهًا مَنقوصًا، ثم عُرف النَّص اليُوناني لهذا الكتاب في أوائل عَصر النَّهضة؛ ففرغ له جماعة من العلماء الإيطاليين في ذلك العصر مُترجمين ونَاقِدينَ، وشَارحين ومُحَلِّلين، ولم يلبث الكتاب أنْ تجاوز إيطاليا إلى غيرها من أوروبا الغربية، فعُرف في إسبانيا وفرنسا وإنجلترا وألمانيا، واشتدت عِنَاية النُّقَّاد والعُلماء به كما كانت عِنَايتهم تَشْتَدُّ بكل ما كان يصل إليهم من آثار اليونانيين عامة، ومن آثار المعلم الأول بوجه خاص.

    وما زالت هذه العناية مُتصلة إلى الآن، ثم لم يلبث الكتاب أن تجاوز بيئة العلماء والنُّقَّاد إلى بيئات الأدباء والشعراء منهم خاصة، فتأثرت به فنون الشعر في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر، ولم ينصرف الأدباء عن التأثر به إلا حين ظهرت حركة الرومنتيكيين في القرن التاسع عشر.

    فقد مَرَّ الكِتَابُ إذن في العالم الإسلامي القديم كما تَمُرُّ سَحَابَةُ الصَّيف لم يعرف منه فلاسفتنا إلا أطرافًا، لم يحققوها ولم يقنعوا بها، وإنما ألمُّوا بها إلمامًا في كُتب المَنْطِق ليُحْصُوا ما وصل إليهم من فلسفة أرسطاطاليس. وكان تأثر العالم العربي بكتاب الخَطابة لأرسطاطاليس أقوى وأعمق، ظهر ذلك في النقد الأدبي منذ عهد الجاحظ، ثم تمثل تمثيلًا قويًّا واضحًا في فنون البلاغة منذ عبد القاهر إلى الآن.

    ولكن أثر الكتاب في أوروبا كان عظيم الخطر جدًّا، فهو كما رأيتَ لم تقف العِنَايةُ به عِنْدَ المُخْتَصِّين مِنَ العُلَمَاءِ والنُّقَّاد، بل تَجَاوَزتهم إلى الشُّعراء وأصحاب التمثيل منهم خاصة.

    وكان نقصًا خطيرًا في حياتنا الأدبية أَلَّا نَعْرِفَ من هذا الكتابِ إلا اسمه، وإلا هذه الأسطر التي توجد في أواخر كتب المنطق، وكان مما يزيد خطورة هذا النقص أنَّ المحدثين قد جهلوا حتى ما عرفه القدماء من هذا الكتاب، فهم لم يعرفوا الترجمة العربية القديمة، ولم يعرف تلخيص الفلاسفة لهذه الترجمة إلا المتخصصون الذين يمكن إحصاؤهم من أساتذة الجامعات في القاهرة والإسكندرية.

    ولم يكنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يكمل هذا النقص في ثقافتنا الأدبية العربية، ويُمْحى عنها هذا العيب، وسبيل ذلك إحياء الترجمة القديمة، وتلخيص الفلاسفة لها من جهة، وترجمة الكتاب نفسه ترجمة صحيحة دقيقة من جهة أخرى.

    وهذا الجهد العنيف الممتع هو الذي فرغ له الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بدوي فوُفِّق فيه أحسن التوفيق.

    وإني لأفرغ بين حين وحين إلى هذا الكتاب الذي أهداه إليَّ صاحبُهُ منذ أسابيع؛ فأجدُ من الرِّضا والغِبْطَة ومن العَناء والمشقَّة ما لا أجده إلا قليلًا جدًّا حين أخلو إلى ما يُهدَى إليَّ في هذه الأعوام الأخيرة من الكتب.

    فأمَّا الرضا والغبطة فمصدرهما أنَّ أُستاذًا مِصْرِيًّا، من أساتذة إحدى جامعاتنا، قد استطاع أن يستخلص من وقته ومن حياته هذه المُعاصرة، التي تزدحم عليها الأحداث وتكتنفها الخطوب، جزءًا يفرغ فيه لكتاب من كتب أرسطاطاليس، وما أنفق القدماء والمُحدثون من جهود مُتصلة ليترجموه ويُلخِّصوه، وليفهموه وينقدوه، وليُقرِّبوه آخر الأمر إلى الشُّعراء يجدون فيه أصول فنهم كما عرضها زعيم الفلاسفة منذ ثلاثة وعشرين قرنًا.

    هذا إذن أستاذ مصري مُعاصر لم يكد يتجاوز الشباب بعدُ، ولم ينسَ نصيبه من الحياة المُعاصرة بما فيها من خير وشر، ولكنه على ذلك، بل من أجل ذلك يَحتمل العناء كل العناء، وينفق الجهد كل الجهد ليدرس كتابًا في أصول الشعر أُلِّفَ مُنذ ثلاثة وعشرين قرنًا، ونُقل إلى العربية منذ عشرة قرون، وشُغِل الأوروبيون به منذ خمسة قرون، لم ينصرف عنه لأنه قديم مُسرف في القدم، ولم يُعرض عنه لأنه ليس من هذه الأعمال التي تتصل بالمنفعة القريبة المادية، ولم يضق به لأنَّه كتاب لا يُعنى به إلا قليل جدًّا من المثقفين، وإنما أحب الكتاب لهذه الخصال كلها، وأقبل عليه مشغوفًا به أشد الشغف، حريصًا أعظم الحرص؛ على أن يمتع به أمثاله من مواطنيه ومن طلاب الثقافة والعلم، الذين يقرءون اللغة العربية.

    وهو قد استحيا لنفسه ولقومه من أن ينفق المستشرقون الإنجليز والنمساويون الجهود العنيفة في الأعوام المُتصلة لدَرْسِ هذا النوع منَ التراث الإسلامي العربي، ونحن عنه غافلون لا نَكادُ نَعلمُ به، فضلًا عن أن نشارك فيه.

    هو إذن يحب هذا النوع من البحث؛ لأنه يجدُ فيه متعة لنفسه، وثروة للغته، وتعليمًا لمُواطنيه، لا يصدُّه عنه قِدَمُه، بل يُرَغِّبه فيه، ولا يَصْرِفهُ عنه عسره، بل يُغْرِيه به، ثم هو ينفق ما أنفق من الجهد، ويبلغ ما بلغ من التوفيق، دونَ أنْ يَتكثر أو يستطيل، وإنما يشجعه هذا التوفيق على أن يستقبل من البحث ألوانًا ليست أقل قدمًا ولا عُسرًا من هذا اللون الذي فرغ منه.

    فالأستاذ عبد الرحمن بدوي غارقٌ في علم أرسطاطاليس إلى أذنيه. لقد كنتُ أشدَّ الناس حرصًا على أن يفرغ المُتخصصون من فلاسفتنا للترجمة العربية القديمة لمنطق أرسطاطاليس؛ فقد كان يجبُ أنْ تحيا هذه الترجمة التي عاش عليها قدماؤنا، ونبغ فيها وبها فلاسفتنا.

    وقد وقف الدكتور عبد الرحمن بدوي مقدارًا عظيمًا من وقته وجهده وماله على إحياء هذه الترجمة؛ فنشر منها ما نشر حتى إذا بلغ الشعر، ووجد الترجمة القديمة قليلة الغناء أحياها فيما أحيا، ولكنه لم يكتفِ بها، وإنما أقبل على كتاب أرسطاطاليس نفسه فترجمه ترجمة جديدة دقيقة.

    وجمع لنا في هذا السفر الذي أتحدث عنه ترجمته هذه، وترجمة أبي بشر متَّى بن يونس، وتلخيص الفارابي، وابن سينا، وابن رشد لهذه الترجمة، وقدَّم بين يدي هذا كله درسًا مُفصلًا لتاريخ هذا الكتاب في العالم العربي القديم، وفي العالم الأوروبي الحديث، وفي بيئات المُستشرقين.

    أليس هذا كله خَليقًا أنْ يُثير الرضا والغِبْطة، وأكثر من الرضا والغبطة في نفس من يُحِبُّ لمِصْرَ أنْ يُشْغَل أبناؤها بحقائق الثقافة ولبابها، لا بظواهرها وقشورها، وبصريح العلم وحده لا بما هو أقرب إلى البهرج والتمويه منه إلى أي شيء آخر؟

    أليس مما يُثير الرضا والغبطة أنْ نَجِدَ بين الشباب المصريين من يُحبُّون العِلم؛ لأنَّه العِلم، ويُقبلون عليه؛ لأنهم يجدون في الإقبال عليه والإنتاج فيه هذه اللذة العليا التي لا تذوقها ولا تستحبها إلا النفوس المصفاة؟

    أليس مما يُثير الرِّضا والغِبطة أن نَجِدَ بين الشباب المصريين من يقبلون على العلم لا لأنهم ينتظرون منه منفعة قريبة؛ بلْ لأنهم يَجِدُون فيه لذة خَالِصَةً مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، ويَجِدُون في الإنتاج فيه أخذًا بأسباب الثقافة الصحيحة التي يقوم عليها مجد الشعوب؟

    بلى، ومما يزيد الرِّضا والغِبطة أنَّ الأستاذ عبد الرحمن بدوي ليس وحيدًا في هذا النحو من حب العِلم والإقبال عليه بين مواطنيه، ولكنَّ له في جامعتنا المصرية المظلومة لداتٍ وأقرانًا، يُقبلون مثله على العِلم الخالص، ويُنتجون مثله في العلم الخالص، ويبذلون مثله هذه الجهود التي تمتع أصحابها، وتمتع الذين يقرءون آثارهم، ولكنها لا تكسب أصحابها شهرة ولا مالًا؛ لأنَّ العلم الصحيح لم يكسب أصحابه الشهرة إلا بآخرة، وهو لم يكسب أصحابه المال، وإنما كان مصدر ثروة للناشرين.

    وقد قلت: إن جامعاتنا مظلومة، وما لِيَ لا أقول ذلك ونحنُ لا نسمع في هذه الأيام إلا أنَّ جامعاتنا قد أخفقت ولم تُؤدِّ ما أنشئت لتأديته من المهام، أو لم تؤدِّ رِسَالتها، كما يُقال في هذا العصر الذي اختلط فيه كل شيء؟ كلا، لم تُخفِق جامِعَاتنا ما دامت تخرج بين حين وحين الدكتور عبد الرحمن بدوي وإخوانه، الذين يعملون وينتجون وينشئون ثقافتنا الحديثة الصَّادقة في غير تكثر ولا ضجيج ولا عجيج.

    وقد ذكرت آنفًا أني أفرغُ لهذا الكتاب، فلا أجدُ في الفراغ له الرِّضا والغِبطة فحسب، وإنَّما أجدُ المَشَقَّة والعَناء أيضًا؛ فليست قراءة أرسطاطاليس وترجمته القديمة وتلخيص الفلاسفة المُسلمين له هينة يسيرة كقراءة القصص المُمتعة، أو هذا الأدب اليسير الذي يغرقنا في هذه الأيام، وإنما هي قراءة تحتاج إلى الأناة كل الأناة، وإلى التفكير الذي يستغرق فيه صاحبه أشد الاستغراق. ولعمري ما حبب الحياة الأدبية إليَّ إلا أنها تُتيح لي بين حين وحين هذه الكتب التي أقرؤها مُستأنيًا بقراءتها، مُشاركًا لأصحابها فيما بذلوا من جهد، وما احتملوا من مشقة. وهل الأدب الصحيح إلا مُشاركة خصبة بين الكُتَّاب والقُرَّاء؟

    ليتقبل الدكتور عبد الرحمن بدوي مني أصدَقَ الشكر وأخلصه وأصفاه؛ لأنَّه أرضاني حين عني بآثار أرسطاطاليس هذه العناية القيمة، ولأنه وإخوانه جعلوا للثقافة العربية المُعاصرة قيمةً أيَّ قيمةٍ، وغَناءً أيَّ غناء.

  • صراحة الأديب

    صراحة الأديب

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٨ يناير ١٩٤٩

    بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

    والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

    ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

    وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

    ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

    وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

    فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

    فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

    كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

    وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

    ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

    هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟

  • خصومات أدبية!

    خصومات أدبية!
    للأستاذ توفيق الحكيم
    من كان يتصور أن دعوتي إلى الصفاء بين الأدباء تثير خصومات أو ذكريات عن خصومات! فلقد كتب الأستاذ (عباس محمود العقاد) في العدد الماضي من (الرسالة) قصة طريفة أهداها إليَّ، هي الآتية:
    "قيل إن الدكتور طه حسين خرج من وظيفته بالجامعة المصرية قبل سنوات. وقيل إنه أثنى على الأستاذ توفيق الحكيم في بعض ما كتب وهو على جفوة مع رؤساء تلك الأيام. وقيل إن الأستاذ توفيق أشفق من مغبة تلك الجفوة فكتب يقول إنه لا يريد مدحاً من أحد… وأدرك شهرزاد الصباح أو المساء على قصة أخرى تمثل اليوم مع العقاد؛ لأن خصومته قد تشبه خصومة الدكتور طه حسين قبل سنوات…".
    والتعليق على هذه القصة الطريفة لا يحتاج إلى عناء؛ لأن الأساس الذي بُنيت عليه – وهو شبهة الخصومة بيني وبين العقاد – قد انهار في اليوم ذاته الذي ظهر فيه مقاله. فقد طلع لحسن الحظ عدد مجلة (الثقافة) في مساء ذلك النهار وفيه تحية مني للعقاد وثناء على كتابه (عبقرية محمد) بما هو أهله.
    يضاف إلى ما تقدم أن (ما يدريه العارفون وأوشك أن يدريه غير العارفين) هو أن موقفي اليوم يشبه في كثير من الوجوه موقف العقاد، وأن من بين المجلات والصحف والأقلام ما يعلن تجريحي وخصومتي بمختلف الأسباب لعين الأغراض. بقي بعد ذلك عنصر واحد من عناصر القصة سكتُّ طويلاً عن تجليته ظنّاً مني أنه لن يُؤخذ على سبيل الجد. أما وقد أخذه الأستاذ العقاد على أنه حقيقة، فمن الواجب إذن أن أوضح، ولو كان في الإيضاح إساءة للدكتور طه؛ فإن هذا الوقت هو أحب الأوقات عندي لإساءته لا لإرضائه.
    إن حقيقة الخصومة بيني وبين طه حسين في تلك الأيام من عام ١٩٣٤ كانت خصومة أدبية صرفاً، ولكن الدكتور طه أراد أن يقحم فيها عنصر السياسة ليظهرني في صورة (يهوذا) ويظهر نفسه في صورة (المسيح). فاخترع تلك القصة اختراعاً، ولكن الحقيقة ما لبثت أن ظهرت في اليوم التالي واضحة مبينة.
    إلى هنا ينتهي التعليق على هذه القصة. ولكن هنالك قصة أخرى للأستاذ العقاد مهداة إليّ أيضاً، وربما احتاجت إلى تعليق طويل لأنها تمس قضية أدبية تحدث في جميع الآداب في كل زمان؛ تلك هي قضية الناقد والكاتب. فقد ذكر الأستاذ العقاد أني أنكر أن الدكتور طه حسين رفع من شأني بما كتب عني، وأنا حقّاً أنكر ذلك كل الإنكار، ومن يحرص على كرامة الفن لا يسعه أن يقول غير هذا القول. فما من مخلوق على الأرض يرفع أو يخفض من شأني غير فني، ولما تُرجم هذا الفن أو بعضه إلى لغات أجنبية وجد من أعلام نقادها من يرفع شأنه، كما وجد في اللغة العربية طه وأمثاله. فالفن هو الذي يكرم نفسه أو يمتهنها في كل مكان أو زمان يحل فيهما.
    حقّاً إن طه حسين استقبل كتاب (أهل الكهف) استقبالاً رائعاً، لكن لا ينبغي أن ننسى غيره. فبمراجعة تاريخ الحوادث يتضح أن أول من نوّه بالكتاب تنويهاً جميلاً كان الشيخ مصطفى عبد الرزاق، ثم الأستاذ المازني، ثم الأستاذ العقاد على هذا الترتيب. ولعل العقاد قد أشار في نقده إلى انتفاع بعض المؤلفين الأوروبيين بجوهر الأسطورة (أهل الكهف) ليدفع عني تهمة الاقتباس أو النقل عن الأجانب، وأظنه فضلها من حيث طريقة التصرف على ما قرأ في بعض اللغات عن فكرة القصة. فلما اطمأن طه حسين إلى آراء هؤلاء، أقبل فصاح صيحته المشهورة كأنها صيحة (يوحنا المعمدان) وهو يبشر بالمسيح. فقد قال بهذا النص:
    "أما قصة (أهل الكهف) فحادث ذو خطر، لا أقول في الأدب العصري وحده، بل أقول في الأدب العربي كله. وأقول هذا في غير تحفظ ولا احتياط، وأقول هذا مغتبطاً به مبتهجاً له. وأي محب للأدب العربي لا يغتبط ولا يبتهج حين يستطيع أن يقول وهو واثق بما يقول إن فناً جديداً قد نشأ فيه وأُضيف إليه، وأن باباً جديداً قد فُتح للكتاب وأصبحوا قادرين على أن يلجوه وينتهوا منه إلى آماد بعيدة رفيعة ما كنا نقدر أنهم يستطيعون أن يفكروا فيها الآن. نعم، هذه القصة حادث ذو خطر يؤرخ في الأدب العربي عصراً جديداً… ويمكن أن يقال إنها أغنت الأدب العربي وأضافت إليه ثروة لم تكن له، ويمكن أن يقال إنها قد رفعت من شأن الأدب العربي وأتاحت له أن يثبت للآداب الأجنبية الحديثة والقديمة… بل يمكن أن يقال إن الذين يحبون الأدب الخالص من نقاد أجانب يستطيعون أن يقرؤوها إن تُرجمت لهم، فسيجدون فيها لذة قوية وسيجدون فيها متاعاً خصباً، وسيثنون عليها ثناءً عذباً كهذا الذي يخصون به القصص التمثيلية البارعة التي ينشئها كبار الكتاب الأوروبيين".
    وكان لتلك الكلمة أثر قوي ذو دوي؛ لأن طه حسين وضع الأمر – كما رأينا – في صيغة التقرير بمذهب جديد، كأنه (سانت بوف) يعلن أمر المذهب الرومانتيكي عند ظهور تمثيليات (هوجو)!! ولنسلم بأن طه حسين هو المشيد الأول بشأن أهل الكهف ومؤلفها، فهل هذا حدث جديد في تاريخ الآداب؟ ألم يصح بمثل هذه الصيحة (تورجنيف) عندما استقبل أول أعمال (تولستوي) قائلاً: "ظهر كاتب روسيا الأعظم!"؟ أو لم يفعل مثل ذلك (أرنولد بنيت) عندما أشاد بقصة (ألدوس هكسلي) بقوله: "هذا كاتب يلحق مباشرة بقصاصي روسيا العظام!"؟ أو لم يصنع هذا (أناتول فرانس) بمذكرات (ماري باسكرتيسف) عندما أعلن أنها أثر خالد للإنسانية؟
    فإذا هذه الأعمال قد ظهرت ومؤلفوها قد برزوا للعالم بين يوم وليلة، هل استلزم ذلك التحميل بأثقال الديون والتكبيل بحبال الجميل نحو أشخاص النقاد؟ أو أن الأمر لا يعدو في تلك البلاد أن ناقداً أدى واجبه بأمانة وإخلاص، لا نحو شخص من الأشخاص ولكن نحو آداب وطنه وفن بلاده؟ لم نسمع في غير مصر أن الناقد إذا أثنى على كتاب حُسب أنه تفضل على مؤلفه ورفع شأنه من الحضيض، وأن على المؤلف واجباً مقدساً هو أن يشتري من فوره سبحة كيلا ينسى أن يسبح بحمد الناقد آناء الليل وأطراف النهار؛ شأنه شأن القاضي الذي يصدر حكماً ينقل أحد المتقاضين من الفقر إلى الغنى، فيظل طول عمره يقول في مجالسه: "أنا الذي أغنيت فلاناً ونقلته من حال إلى حال وخلقته هذا الخلق الجديد"، وينسى أنه كان مظهراً لحق هذا الفلان لا أكثر ولا أقل. اللهم إن في هذا لإهداراً لكرامة العدالة وكرامة الفن!
    ولكن من الإنصاف أن أقول: إني لا أشك في أن طه حسين كان يصدر حقّاً عن عقيدة الناقد الذي يؤدي واجب النقد والفن وحدهما؛ فلم يكن قد رآني وما كنتُ قد رأيته، وما كان تصادم الطباع والخصال قد لعب دوراً في تقدير الأمور. وسواء كان طه مخطئاً أو مصيباً في رأيه الذي أبداه، فهذا ليس من شأني ولا من شأن الأشخاص، إنما هو من شأن النقاد ورجال الجامعة والباحثين من هذا العصر وما بعده، ممن يعنون بتمحيص مذهب أستاذ من أساتذة النقد والأدب.
    على أني إذا تفرغتُ للنقد يوماً، فإني أرجو أن أؤدي واجبي بمثل هذه الحرارة والأمانة والقوة نحو آثار طه وغيره من الأدباء؛ وإذا تحقق أملي وأقمتُ في أوروبا بعد الحرب، فسوف يكون من شأني القيام بهذا العمل نحو هذه الآثار في تلك البلاد. إلى هنا ينتهي ما بيني وبين طه حسين، إذا كانت شؤون الآداب والفن هي حقّاً ملك البحث والدرس والزمن والوطن لا ملك الأشخاص.
    أما مشاعري الخاصة كإنسان نحو الدكتور طه، فليس الظرف اليوم مواتياً للإطناب في وصفها، وسأختار الزمان والمكان الملائمين للإفاضة بها دون أن يُحمل فعلي على غير محمله.
    وأخيراً، أوجه خطابي إلى الأستاذ العقاد قائلاً: إنك للمرة الأولى تخاطبني بهذه اللهجة التي كنت تخاطب بها (الرافعي) ﵀! أبهذه السرعة تضع الناس في صف أعدائك؟ لعلك لفرط ما قاسيتَ من شر الناس، ولقلة ما وجدتَ من خيرهم، أصبحتَ مثل (هملت): تستل سيفك لتضرب من خلف الأستار دون الوجوه، فطعنتَ صديقاً وأنت لا تدري.
    مجلة الرسالة، العدد ٤٦٢، في ١١ – ٥ – ١٩٤٢
    توفيق الحكيم

  • المعري – أشاعر أم فيلسوف

    المعري: أشاعر أم فيلسوف
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يونيو ١٩٣٨

    … أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي …

    سؤال كان يُلقيه علي أحد الأصدقاء ذاتَ يوم كنا نتحدث فيه عن هذا الجزء الذي تُخصصه «الهلال» لأبي العلاء، وعن بعض ما سيُنشر فيه من الفصول.

    وكان صديقي يُريدني على أنْ أجعل هذا السؤال موضوعًا للفصل الذي سأرسله إلى الهلال؛ لأشترك في هذه التحية التي يُهديها الأدباء إلى نابغة الأدب العربي، وقد ألقيت هذا السؤال على نفسي منذ أكثر من عشرين سنة، وأجبتُ عليه بأنَّ أبا العلاء شاعر وفيلسوف معًا، وبأنَّه أكثر من الشاعر والفيلسوف، فهو كاتب، وهو أديبٌ، وهو عالمٌ باللغة على أدق ما كان العرب يَفْهَمون هذه الألفاظ في عصره.

    وقد مرت الأعوام واختلفت الظروف، وعَرفتُ أشياء كنت أجهلها، وجهلتُ في أكبر الظن أشياء كنتُ أعرفها، ولكنَّ رأيي لم يتغير في أبي العلاء، فما زلتُ أراه شاعرًا وفيلسوفًا، وكاتبًا وأديبًا وعالمًا باللغة أيضًا، ولَعَلَّ رأيي فيه قد ازداد قوَّةً، ولَعَلَّ اقتناعي بإضافة هذه الخِصَال إليه لم يكن في يوم من الأيام أقوى مِمَّا هو الآن، كما يقول المُتجادلون في السياسة عندنا بين حين وحين.

    ومن الحقِّ أن أحدًا من الناس لم يُجادِلُني في أنَّ أبا العلاء شاعر أو كاتب أو أديب أو عالم باللغة، ولكنَّ من الناس من جادلني في أنَّ أبا العلاء فيلسوف، ولعلَّ أشدهم لي مُجادلة في ذلك الأستاذ نيكولسن المستشرق الإنجليزي المعروف. فهو لا يرى في حِكْمَة أبي العلاء التي تمتلئ بها اللزوميات، والتي تَشِيعُ في غير اللزوميات من كتبه مَظْهرًا من مظاهر الفلسفة كما يفهمها أهلُ هذا العصر الحديث، وإنَّما يَرَاها حِكْمَةً عادية تقومُ على التأمل والتفكير.

    وأخص ما يحول عنده بين أَبي العلاء وبين لقب الفيلسوف أنَّه لم يُقِم لنفسه مذهبًا فلسفيًّا واضح الإعلام؛ مُتميز النواحي مُتصل الأجزاء، نستطيع أن نبينه ونرسم حدوده كما نبين المذاهب الفلسفية ونرسم حدودها؛ حين نتحدث عن أفلاطون أو أرسططاليس أو أي فيلسوف من فلاسفة العصر الحديث.

    فالأستاذ نيكولسن يرى إذن من الإسراف وصف أبي العلاء بأنَّه فيلَسُوفٌ، ووصف اللزومِيَّات بأنَّه كتاب من كُتب الفَلسفة، ومع ذلك فأبو العلاء فيلسوف وكتاب اللزوميات كتاب فلسفي ما أشكُّ في ذلك ولا أتردد في إعلانه والجدال عنه، وكل ما في الأمر أننا مُحْتَاجُون إلى أنْ نَتَّفق على معنى الفيلسوف، وعلى معنى الفلسفة حين نُضِيف إليها كتاب كاللزوميات.

    وقد أذكر أني حددتُ مُنذ أكثر من عشرين سنة هذين المعنيين حين أضفتهما إلى حكيم المَعرة؛ وفهمتهما على نحو ما كان يفهمهما القدماء من اليونان والعرب. فالفيلسوف عندي هو الرَّجُل الذي يبحث عن الحق ما استطاع، فإذا استكشفه أو استكشف ما يعتقد أنه الحق، لاءم بين علمه وعمله، ورَتَّب حياته اليومية على ما يُهديه إليه عقله من حقائق الأشياء وأصول الأخلاق.

    وفهمتُ من الفلسفة ما كان يفهمه منها قدماء اليونان والعرب أيضًا، ورتبتها على نحو ما كانوا يُرَتِّبونها، فقَسَّمْتُها إلى فلسفة طبيعية وفلسفة رِيَاضِيَّة، وفلسفة إلهية وفلسفة عملية، ثُمَّ رأيت أنَّ أبا العلاء قد كان فيلسوفًا بهذا المَعنى الذي كان به فلاسفة اليونان والعرب فلاسفة، وأنَّ كتاب اللزوميات قد كان فلسفيًّا بنفس المعنى التي كانت به الكُتب المختلفة التي وضعها الفلاسفة كتبًا فلسفية، ولكنه كان يزيد عليه شيئًا يرفع من مَرْتَبَته ويُعلي من مَنْزِلته ويجعله مُمتازًا بين كتب الفلسفة بنفس هذه الخصلة التي امتازت بها قصيدة لوكريس في طبيعة الأشياء، وهي المَيْزة الفنية العليا؛ ميزة الشعر.

    أمَّا أنَّ أبا العلاء كان فيلسوفًا بهذا المعنى القديم؛ فما أحسبُ أنَّ أحدًا يستطيعُ أنْ يُنكرَ ذلك أو يُجادِل فيه، فقد أفنى أبُو العلاء عمره بحثًا عن الحق، ولَعَلَّه بذل في ذلك من الجهد الشخصي المُمْتَاز ما لم يبذُلْه كثير من الفَلاسفة الذين لا يُجَادِلُ أحدٌ في إضافة الفلسفة إليهم. ذلك أنَّ أبا العلاء لم يكن فيلسوفًا مُقَلِّدًا، أو قُل — إذا أردت الدقة في التعبير — إنَّه لم يكن منتميًا إلى مذهب بعينه من مذاهب الفلاسفة يُؤمن بأصوله المُقررة ويُضيف إليه ما يستكشفه بعد البحث والاجتهاد، وإنَّما كان مفكرًا بأوسع معنى لهذه الكلمة، يتعمق التفكير في كل ما يعرض له من المسائل.

    وكان مستعرضًا لكل المذاهب الفلسفية، التي عرفها المسلمون في عصره يُلم بها جميعًا فيأخذ منها ويدعها، ثم يدع ما أخذ ويأخذ ما ترك، حتى كانت حياته كلها — ولا سيما بعد العُزلة — تفكيرًا مُتصلًا ونقدًا مُسْتَمرًّا وتنقلًا بين الآراء والمذاهب الفلسفية، واستكشافًا لأشياء لعلَّ القُدَمَاء لم يَسْبِقُوه إليها. فأنتَ لا تستطيعُ أنْ تقول: إنَّه كان أفلاطونيًّا، أو إنه من أصحاب أرسططاليس، أو أنه كان من أصحاب الرواق، أو أنه كان من أصحاب أبيقور.

    ولكنك تستطيع أنْ تقول: إنَّه كانَ مِن هؤلاء جميعًا، يأخذ من كل فريق منهم ما يرضيه وما يُلائمه في اللحظة التي يُفكر فيها، بل أنتْ لا تستطيع أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز اليوناني، أو على الطراز الإسلامي اليوناني، ولا أنْ تقول: إنَّه كان فيلسوفًا على الطراز الهندي، أو على الطراز الفارسي، ولكنه كان فيلسوفًا على طراز هذه الأمم جميعًا.

    يأخذ من فلاسفة اليونان، ومن فلاسفة المسلمين، ومن حُكماء الفرس والهند، ثم لا يكفيه ذلك فيُشارك في فقه الفقهاء وحديث المُحَدِّثين وكلام المُتكلمين وتصوف المتصوفة وتشيُّع الشيعة، ثم لا يكفيه هذا كله، بل يُشارك في علوم اللغة، ويُقرب هذه العلوم إلى الفلسفة ويُخْضِعُها للفلسفة، ويستخرج منها نظامًا فلسفيًّا طريفًا ما زال في حاجة إلى من يفرغ له، ويوفيه حقه من البحث والدرس.

    لم يكن أبو العلاء إذن فيلسوفًا مُتبعًا أو مُقلدًا، أو مقصورًا على مذهب من المذاهب أو فرقة من الفرق، وإنما كان مُتخيرًا؛ كان أشبه بالنحلة التي تنتقل بين الزَّهر لا في هذه الروضة أو تلك، بل في كل ما يُمكن أن تُلِمَّ به من الرِّياض، فتأخذ من كل زهرة تقف عندها، ومنْ كل روضَة تُلِم بها، وتسيغ هذا كله وتستخلص منه هذه الفلسفة الغريبة المختلفة المتناقضة التي تمتلئ بها اللزوميات والتي تنتثر وتنتظم فيما ألف من الكتب المختلفة.

    كان الرجل جاهدًا في التماس الحق والبحث عنه، وكان صادق الجهد خالص النية في هذا البحث، وكان ملائمًا بين ما يستكشف من الحق وما يأخذ نفسه به من قوانين الحياة اليومية. وأغرب ما نجده عند أبي العلاء هو أنه على كثرة تنقله بين مذاهب الفلسفة التي عَرفتها الأمم المتحضرة كلها، وعلى كثرة ما نجد في آرائه من التناقض والاضطراب، قد رسم لنفسه خطة عملية لم تتغير، وفرض على نفسه سيرة لم ينلها الاضطراب، وإنَّما لزمها مُنذ عاد من بغداد إلى أنْ فَارَقَ الدُّنيا، لم ينحرف عنها يومًا أو بعض يوم، فقد اضطربت حياته العقلية أشد الاضطراب، وهدأت حياته العملية أشد الهدوء.

    وكان هذا التناقض بين الحياة العملية الهادئة الرَّاكدة والحياة العقلية الثائرة الجامحة، مظهر شُذوذ أبي العلاء، ثم مظهر نبوغه وتفوقه وامتيازه على كل من أنتجت الحياة العقلية الإسلامية من الفلاسفة والشعراء، ذلك أنَّه لم يكن فيلسوفًا فحسب، ولو كان شاعرًا ليس غير لاضطربت حياته العملية كما اضطربت حياته العقلية، ولكنَّه جمع بين الخصلتين؛ جمع التفوق العقلي الذي هدَاهُ إلى غرور الحياة وأقنعه بالهدوء والعُزلة والتخفف من الأثقال، إلى التفوق الفنِّي الذي دعاه إلى التفكير في كلِّ شيء والنَّقد لكل شيء والتصوير لكل ما أساغه، والتعبير عن كل ما تصوره في صورة فنية رائعة، كما كان الناس يتصورون الروعة في ذلك الوقت. وقد كنت أقرأ مُنذ حين فصلًا رائعًا لبول فاليري عن الفنان العظيم ليونارد دي فنشي، وقد حاول بول فاليري في هذا الفصل أنْ يقرب بين ليونارد وبين الفلسفة، بل أن يجعله فيلسوفًا، غاية الأمر أنه أعرب عن فلسفته بآثاره الفنية التصويرية، ولم يُعرب عنها بما تعود الفلاسفة أن يُعربوا به عَنْ فلسفتهم من الألفاظ.

    وقد انتهى بول فاليري إلى إثبات أنَّ الفلاسفة آخر الأمر ليسوا إلا جماعة من أصحاب الفن هم كالشعراء والمثَّالين والمصورين يرون الطبيعة والحياة والكون على نحو ما، ثم يظهرون ما رأوا في هذا البناء الفلسفي الجميل الذي يهدي إلينا اللذة والمتاع.

    ومن الأدلة القاطعة عنده على صحة هذا الرأي أننا ما زلنا وسنظل نقرأ أفلاطون، وليبنتز، وسبينوزا؛ فنجد في قراءتهم لذة ومتاعًا لا يَرْتقي إليهما الشكُّ، ومع ذلك فما أكثر ما بطل من فلسفة هؤلاء الفلاسفة، وما أقل ما بقي منها.

    فما مصدر هذه اللذة التي نجدها في أشياء نعلم أنَّ الفلسفة الحديثة والعلم الحديث قد قضيا عليها قضاء أخيرًا، أليس هُنَاك شبه بين هذه اللذة وبين اللذة التي تجدها عندما تقرأ هوميروس أو فرجيل أو دانت؛ أي ليس هنالك شبه بين اللذة التي نجدها حين نقرأ الفلاسفة، واللذة التي نجدها حين نقرأ الشعراء، بل لا شك في أنَّ هاتين اللذتين مُتقاربتان أشدَّ التقارب، وهُمَا مُتقاربتان؛ لأنَّ في الفلاسفة حظًّا من الشعر، أو لأنَّ في الشعراء حظًّا من الفلسفة، أو لأنَّ في أولئك وهؤلاء حظًّا مُشتركًا من الفن هو الذي يمنحنا هذه اللذة.

    وقد فكرتُ في أبي العلاء حين كنت أقرأ هذا الفصل كما فكرتُ في لوكريس، وكما فكرتُ في أفلاطون، كلهم شاعرٌ وإنْ كان ثالثهم لم يتَّخذ النَّظم وسيلةً إلى إعلان شعره، كلهم شاعرٌ وكلهم فيلسوف، وكلهم يستطيع أن يعجبنا ويمتعنا بهذا المزاج الرائع الذي يلذ قلوبنا وعقولنا.

    فمن قال إنَّ أبا العلاء شاعر فهو لم يخطئ الحق، فشاعرية أبي العلاء لا شك فيها، ولعلها قد قصرت من بعض النواحي عن شاعرية أبي تمام وأصحابه من المُبصرين، ولكنها قد تفوقت من بعض النَّواحي على شاعرية هؤلاء المُبصرين لأنها تَعَمَّقت من الحقائق ما لم يتعمقوا، وسَمَتْ من الحكمة إلى ما لم يسموا إليه. ومن قال إنَّ أبا العلاء فيلسوف لم يُخطئ الحق أيضًا؛ فقد رأيت أن الرَّجل قد شارك الفلاسفة في فلسفتهم، ولعله قد قصر عما وصل إليه ابن سينا، أو الفارابي من تعمق بعض النظريات، ومن إقامته المذاهب المنسقة المُنظمة المُضطردة التي لا يُفسدها الاضطراب والاختلاف، ولكنه قد تفوق على هؤلاء الفلاسفة؛ لأنَّه استنزل الفلسفة من معقلها وأحياها في البيئة التي يعيش فيها الناس، وجعلها إنسانية لا تبلغ العقول وحدها، ولكنها تبلُغ القلوبَ فتشيع فيها الحب والرَّحمة والحنان، كما تشيع فيها السُّخط والثَّورة والغَضب، ولكنَّه سخط لا ينتهي إلى البُغض، وثورة لا تنتهي إلى الحقد، وغضب لا ينتهي إلى إفساد ما بين الناس من الصلات.

    أبو العلاء شاعر في فلسفته، وفيلسوف في شعره، قد جَمَّل الفلسفة بما أسبغ عليها من الفن، ومنح الشعر وقارًا ورزانة بما أشاع فيه من الفلسفة، وهو من هذه الناحية فذٌّ في أدبنا العربي كما قلتُ ألف مرة، وكما سأقول ألف مرة أيضًا.

    على أنَّ هناك ناحية أشرتُ إليها منذ حين لم تُدرس كما ينبغي من فلسفة أبي العلاء وفنه معًا، وهي خليقة بالدرس وخليقة بالإعجاب، ولها خطرها في تصوير نفسية هذا الشاعر الفيلسوف، فلمْ يملك أحد أمر اللغة العربية كما ملكه أبو العلاء، ولم يفرغ أحد للغة العربية كما فَرَغ لها أبو العلاء، ولم يتحكم أحدٌ في ألفاظ اللغة العربية كما تحكم فيها أبو العلاء.

    أنفق صباه وشبابه في الدرس والتحصيل والمشاركة في الحياة الأدبية على نحو ما كان يفعل المُثقفون الممتازون في عصره، ثم كانت المِحْنة واضطر إلى العُزلة، ولَزِم داره، وأصبح رهين المحبسين أو رهين المحابس الثلاثة، رهين داره ورهين جسمه ورهين هذه الآفة التي حالت بينه وبين النظر إلى الطبيعة، وما يضطرب فيها من الكائنات.

    فعكف على نفسه ونظر فيها، فماذا وجد؟ وجد معانٍ لا تكاد تُحصى قد حصَّلها أثناء الدرس، وما زال يحصلها بعد العُزلة، ووجد ألفاظًا قد اجتمعت له من درسه اللُّغوي، وكان حَظُّه مِن هذه الثروة اللفظية عظيمًا، ثم نظر؛ فإذا هو مُضطرٌ إلى أنْ يُنفق حياته بين هذه المعاني، وهذه الألفاظ لا يستطيع أنْ يُفلت منها، ولا أن يخلص من إلحاحها عليه.

    إذا نظر في المعاني اضطربت آراؤه وثارت في نفسه العواطف المتناقضة والأهواء المتضاربة، وإذا نظر في الألفاظ أخذه الإعجاب بكثرة ما وعى منها، فهو إذن مُضَّطر إلى أن يُقاوم هذه المعاني، وإلى أن يُقاوم هذه الألفاظ، وإلى أن يحول بينها وبين أنْ تتحكم فيه، وسبيله إلى ذلك أن يتحكم فيها هو، وأن ينفق حياته مُزاوجًا بين تلك المعاني وهذه الألفاظ، وكذلك فعل.

    فأنت لا تراه إلا عابثًا بالمعاني وعابثًا بالألفاظ، يُلائم بين المعنى والمعاني، ويُخالف بين المعنى والمعنى، كما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ، وكما يُلائم ويُخالف بين الألفاظ والمعاني، وإنك لتقرأ ما بقي لنا من آثاره فلا تكاد تدفع عن نفسك الشعور بأنَّ هذا الرَّجل قد خلَّى بينه وبين المعاني والألفاظ؛ فهو يلعبُ بها ويتلهى بهذا اللعب؛ لأنه لا يجد شيئًا آخر ينفق فيه وقته وجهده.

    وعلى هذا النحو تستطيع أنْ تفهمَ هذه الخطة العنيفة التي فرضها على نفسه في «اللزوميات» فأخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم في القافية، كما أخذ نفسه بالتزام ما لا يلزم من النظم على جميع حروف المعجم، وعلى هذا النحو أيضًا تستطيع أن تفهم «الفصول والغايات»، فقد فرض على نفسه في النثر شيئًا قريبًا جدًّا مما فرض على نفسه في الشعر، فهو يضع فصوله هذه الكثيرة يلتزم السجع في كثير منها، ولكنه يجعل لكل فصل منها غاية، ويلتزم في هذه الغاية هذا السجع، ويأبى إلا أنْ يُقيم هذه الغايات على حروف المعجم كلها كما أقام اللزوميات على حروف المعجم كلها.

    وعلى هذا النحو تستطيع أن تفهم هذه القِصَّة اليسيرة الظريفة التي عَرَضَ لها في رِسَالة الغُفران، حين ذكر قصة خلف الأحمر مع أصحابه، وقد سألهم عن بيتي النمر بن تولب:

    ألم بصحبتي وهم هجوعخيال طارق من أم حصنلها ما تشتهي عسلًا مصفىإذا شاءت وحواري بسمن
    فسألهم ما عسى أن تكون قافية البيت الثاني لو أنَّ الشاعر قال في البيت الأول «أم حفص» فلما سكتوا قال خلف الأحمر «حواري بلمص»، فينتهز أبو العلاء هذه الفرصة، ويُفرع عليها كما يقول، ويفترض قافية البيت الأول على الهمزة، ثم على الباء، ثم على التاء، ويَمضي في ذلك حتى يبلغ آخر المُعجم، وقد أتى بالألاعيب والأعاجيب وأشْعَرَك بأنَّه رجل قد فرغ لهذا النحو من اللعب.

    لعبه بالألفاظ لا شك فيه ولعبه بالمعاني لا شك فيه أيضًا. وهل رسالة الغفران إلا نحو من هذا اللعب، وهل كان يستطيع أن يلعب بالألفاظ دون أن يلعب بالمعاني؟ فلكل لفظ معناه، ولا يستطيع الإنسان أنْ يتصور المعاني المُجَرَّدة التي لا ألفاظ لها، فالمعاني ألفاظ إن شئت، والألفاظ معانٍ إن أحببت، واللاعب بهذه لاعب بتلك.

    وقد لعب أبو العلاء بهذه وتلك ما يقرب من نصف قرن، وكانت نتيجة هذا اللعب ما ترك لنا من آثاره الخالدة التي جمعت بين وقار الفلسفة وجمال الفن.

    وخصلة أخرى لا بد من أن أُلِمَّ بها قبل أن أريح القُرَّاء من هذه الثرثرة، وهي أنَّ أبا العلاء بحكم هذا اللعب الفني الفلسفي أكثر الشعراء العرب حضور إرادة في آثاره الفنية، فهو لا يُصور عن طَبْعِه ولا يُرسل نفسه إرسالًا على سجيتها؛ فيما ينظم من الشعر أو يُؤلف من النثر. هو لا يستسلم للعاطفة، ولا يمضِي مع الهَوى، ولا يُلقي قياده إلى الطبع، وإنما هو مُفكر دائمًا مُتخير دائمًا، مُريد ما يقول مُتعمد ما ينظم وما يكتب.

    هو كما يقول بول فاليري: لا يقول الشعر والنثر وإنما يعملهما، يدعوه إلى ذلك هذا اللعب الفني الذي أشرت إليه، وحرصه على التحكم في الألفاظ والمعاني، وتعمده للصناعة الفنية وتجمله بها، ومُلاحظته لنفسه ونقده لغته كما تدفعه إلى ذلك حاجته إلى الاحتياط والتحفظ، واتقاء ما عسى أن يورده مَوَارِد التُّهم أو يُعرضه للسخط والنكير.

    والغريب أنَّ هذا الرجل كان يرى أنَّه مُجبَر، وأنه لا حظَّ له من الاختيار في شيء فيما يأتي أو يدع، حتى في اللزوميات. وهو مع ذلك أعظم شعرائنا حظًّا من الاختيار، وأعظمهم حظًّا من الإرادة وأعظمهم تعمدًا لما يصدر عنه من المعاني والألفاظ، وليس هذا هو المظهر الوحيد من مظاهر التناقض في حياة أبي العلاء، فقد كانت حياته العقلية كلها تناقضًا كما رأيت، ولكنَّ هناك مظهرًا آخر من مظاهر التناقض في أمر أبي العلاء كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء فيه. فقد كان الرجل مُعتزلًا زاهدًا أشدَّ الزهد في أن يحفل الناس به أو يتحدثوا عنه.

    فكيف كان يرى أبو العلاء كثرة ما يقول الناس فيه الآن؟ وكيف يتلقى عنايتهم به وإكبارهم له، وهذه الجهود التي أخذوا يبذلونها في درسه وفهمه وتفسيره وتخليد ذكره؟ وكم كنتُ أحب أن أعرف رأي أبي العلاء في نظر الأجيال إليه بعد أنْ مَاتَ، ولكنْ كيف السبيل إلى ذلك؟ وهل لأبي العلاء علم ببعض ما يُكتب عنه أو يُقال فيه؟

  • بعض وجهات التفكير الحديث

    بعض وجهات التفكير الحديث

    طه حسين

    مجلة الهلال

    فبراير ١٩٣٧

    … أوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف … ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تَسْتَمْتِعُ بالحرية الديمقراطية.

    وإنَّما أُرِيدُ التفكير الذي يمس الأدب من قريبٍ، أو التفكير الذي يصدر عنه الأدب، وتستمد منه أقلام الأدباء ما تُذيع في الناس من آثار، وواضح أنَّ فصلًا في مجلة لا يستطيع أن يُلم بوجوه التفكير الأدبي الحديث في بلد بِعَيْنه، فضلًا عن أنْ يُلِمَّ بها في أوروبا كلها، فضلًا عن أن يُلم بوجوه التفكير على اختلاف أنواعه في بيئة من البيئات، أو عصر من العُصور؛ فألوانُ التَّفكير تَخْتَلِفُ أَشَدَّ الاختلاف بالقياس إلى البيئات المُفكرة، وبالقياس إلى الأفراد المفكرين أيضًا.

    وألوانُ التَّفْكِير هذه إنَّما تَخْتَلِفُ لأنَّ طَبَائِعَ المُفَكِّرين، أفرادًا أو جماعات، شديدة الاختلاف والتنوع فيما بينها، والأصلُ أن تختلف ألوان التفكير باختلاف الأفراد الذين يُفكرون، ما دام لكل فرد طبيعته ومِزَاجه وظروفه المُحيطة به، ودائرته التي يدور فيها.

    ولكن طبيعة الحياة أرادت أنْ يجتمع الناس أحزابًا وشيعًا في الرأي، كما يجتمعون أحزابًا وشيعًا في السيرة العملية، فمهما تختلف طبائعُ الأَفْرَاد وأَمْزِجَتُهُم، ومَهْمَا يكن لذلك من أثر في تفكيرهم وفيما يُنْتِجُون من أدب، ومهما يكن لذلك من قيمة في دراسة الأديب، والتماس شخصيته الفَرْدِيَّة، وتمييزه من غيره؛ فإنَّ من اليسير ومن المألوف أنْ نبحث عن ألوان مُشتركة للرأي يمتاز بها فريق من النَّاس بالقياس إلى فريق آخر، بحيث تتكون لهذا الفَريق أو ذاك شخصيته العَقْلية الأدبية التي تشيع في أفراده جميعًا، ثم يتمايز هؤلاء الأفراد بعد ذلك — أو قبل ذلك، لا أدري — بأمزجتهم وطبائعهم الخاصة.

    فأصحاب مذهب شِعْرِيٍّ بِعَيْنِهِ يَشْتَرِكُون في خصائص نعرفها فيما ينتجون لنَا مِنْ الشِّعر، ونحنُ بحكم هذه الخصائص نستطيعُ أن نُميزهم في سهولة من أصحاب مذهب آخر من مذاهب الشعر، ثم هم بعد ذلك يتفاوتون في إنتاجهم تفاوتًا مَصدره شخصياتهم وما يُؤلفها من طبيعة ومزاج، وما يُحِيطُ بها من أحداث وظروف. وما أظنُّ أنَّ هذه القضية مُحتاجة إلى استدلال وتفسير؛ فالنَّاس قد ألفوها منذ العصور البعيدة جدًّا، وهم يُقَسِّمون الشعراء والكُتَّاب إلى فرق مُتمايزة، ومدارس مُتباينة، وهم يبينون ما لهذه الفِرَق من الخَصَائص، وما بين أفرادها من التمايز، ثم ما بينها هي من أسباب القُرْبِ والبُعد من مَظَاهِر الائتلاف والاختلاف.

    ولكن الشيء الذي قَلَّمَا نُفَكِّرُ فيه، ونُطِيلُ الوُقوف عنده، هو أنَّ الحياة الجَدِيدَة قربت بين الناسِ أَشَدَّ التقريب، وباعدت بينهم أشد المُباعدة، وأحدثت هاتين الظاهرتين المُتناقضتين في وقت واحد. فوسائل النشر والإذاعة وأسباب المُواصلات قد ألغت المسافة الزَّمانية والمَكانية إلغاء، وأتاحت للنَّاس أنْ يَظْهَر بعضهم على آراء بعض في غير مشقة ولا جهد ولا انتظار.

    كما أنَّ ظروف الحياة نفسها قد قوَّت الشخصية الفردية تقوية غريبة حقًّا، وجعلت لكل فرد مُفكر وجودًا داخليًّا يُشبه أن يكون مُستقلًّا، ويُشبه أن يكون عَالمًا مُمتازًا له حدوده التي لا يستطيع أحد أن يتجاوزها أو أن يقتحمها.

    وعلى ذلك جعلنا نُفَكِّر مُسْتقلين، ونُفَكِّر مُجْتَمِعِينَ، وجعل تفكيرنا المُستقل ينتج آراء لا تُحصى، وينتج آراء شديدة الاختلاف والتمايز فيما بينها، بحيث يكادُ أمرُها ينتهي إلى الفوضى، ويعجز بحث الباحثين واستقصاء الذين يقفون جهودهم على الاستقصاء، وجعل تفكيرنا الاجتماعي يُقارب بيننا أشدَّ المُقاربة؛ حتى يكادُ يكون هنا وحدة مُلْتَئِمَة لا يكاد يظهر فيها اختلاف، على بُعد ما بيننا من الآماد التي تُفرق بين الأمم والشعوب، وبين الفِرَق والأحزاب، وبين الأفراد أنفسهم.

    فلم يبق بدٌّ لدارس الأدب من أن يتجه هذين الاتجاهين، ويَلْتَمِسَ فيما يقرؤه منَ الآثارِ الأَدَبِيَّة مَظَاهِرَ الاستقلالِ الفَرْدِيِّ مِنْ جهة، ومَظَاهِرَ التضامن الاجتماعي والإنساني من جهة أخرى.

    ولستُ أعرف عصرًا اشتد فيه الصراع بين الفرد والجماعة كهذا العصر الحديث، ولعلك ترى معي أنَّ هذا الصِّراع قد مَرَّ بأطوار ثلاثة ظاهرة مُنذُ تحضَّر الإنسان وأخذ في التفكير والإنتاج:

    فالطور الأول: تطغى فيه الجماعة على الفرد طُغيانًا كاملًا شاملًا؛ فتفنيه في نفسها، وتنطقه بلسانها، وتُثير في نفسه عواطفها وأهواءها، فإذا أظهر الفرد شخصية مُستقلة؛ ففكر على غير ما تُفكر الجماعة، وأعلن غيرَ ما تُحِبُّ الجماعة من الرأي قاومته الجماعة أشد المُقَاومة، وبطشت به أفظع البطش، وعرضته أحيانًا إلى الموت.

    والطور الثاني: يَطْغَى فيه الفَرْدُ طُغيانًا شديدًا، فيَثُور بالنِّظام القَائِم ويَقلبه رأسًا على عقب، ويستخلص لنفسه حقوقًا ما كان ليحلم بها، وينتهي هذا الطُّغيان إلى كثيرٍ من الاضطراب والاختلاط؛ ثم تَسْتَقِرُّ الأمور وقد كسب الفرد حقوقًا لم تكن له، واستبقت الجماعة بعض ما كان لها من سلطان.

    وهذا هو الطور الأخير الذي يتحقق فيه التوازن بين حقوق الجماعة وحقوق الفرد. وواضح جدًّا أنَّ هذا التوازن لا يتصل، وإنَّما يستقرُّ حينًا ريثما يستريحُ المُختصمان كأنَّه هُدنة موقُوتة، ثمَّ تستأنف الخصومة بينهما كأشد ما كانت قوة وعنفًا.

    ومن المُحقق أننا في هذه الأيام لا نستمتع بالتوازن بين استقلال الفرد وسلطان الجماعة، وإنَّما نحنُ نعيشُ في عصر قد اختلَّ فيه هذا التوازن اختلالًا شديدًا؛ كما يقولُ أصحاب السياسة، فالأفرادُ قد كسبوا حقوقًا تُبيح لهم حرية واسعة في القول والعمل والتفكير؛ ولكن الجماعات قد أنكرت إسرافَ الأفرادِ في الاستمتاع بما كسبوا من حقوق، فهي تُرِيدُ أنْ تردهم إلى القصد، وأنْ تُخضعهم لنِظَامِها، وتفرض عليهم سلطانها من جديد.

    وأنت ترى هذا الصراع قد انتهى في هذه الأيام إلى عُنف لم يكن يَعْرِفُه من قبل، فهو الذي يقسم أوروبا هذه الأقسام الثلاثة التي يثور بعضها ببعض، ويكيد بعضها لبعض، ويبطش بعضها ببعض، والتي تتهيأ كلها لمَوْقِعة نظنها حاسمة، ولا ندري أتخرج الحضارة منها سالمة ظافرة قادرة على البقاء والنمو، أم تصبح الحضارة بعدها حديثًا من أحاديث التاريخ!

    هذه النظم السياسية الثَّلاثة التي تختصم في أوروبا ليست في حقيقة الأمر إلا مظاهر للخصومة بين الفرد والجماعة، نظامٌ يُريد أنْ يَحْتَفِظَ بالتَّوازن بينَ الشَّخصية الفَرْدِيَّة والشخصية الاجتماعية إلى حد ما، وهو النظام الديمقراطي، ونظام يُريد أن يخضع الجماعة لسلطان قوي عنيف يستأثر به وبحمايته وتنفيذه أفراد ممتازون، وهو نظام الفاشزم، ونظام ثالثٌ يريد أن يرد الأمر إلى الجماعة وإلى طبقات بعينها من الجماعة هي التي تُؤلف الكثرة الكثيرة، ويريد أن يمحو الفرد محوًا — إن جاز هذا التعبير — وأن يفنيه في الجماعة إفناء، وهو النظام الشيوعي.

    ومنَ المُحَقَّق أنَّ التفكير في هذه البيئات المُختلفة مُخْتَلِفٌ أيضًا، وأنَّ الإنتاج الأدبي فيها مُختلف باختلاف التفكير؛ فالمُفَكِّرون والمُنتجون في البيئات الديمقراطية يُفكرون وينتجون على أنهم أفراد لهم شخصياتهم المُستقلة المُتمايزة، التي كسبت ما كسبت من حقوق، والتي هي حريصةٌ أشد الحرص على ألا تضيع مما كسبت شيئًا، بل على أنْ تُضيف إليه كسبًا جديدًا مُتصلًا.

    وأصحاب النظام الفاشي يفكرون وينتجون على أنَّ الجماعة خليقة أن تَسْعَد وتَرْقَى وتبلغ ما قُدِّر لها من كمال، ولكن وسيلتها إلى ذلك إنَّما هي قوةُ الفرد المُمْتَاز وسُلْطَانُهُ وبَرَاعَتُهُ، وقُدْرَتُهُ على التنفيذ والمُقاومة والإقناع والإرْهَاب، فالجَمَاعة يجبُ أنْ تَرْقَى، ولكنْ على أن يرقيها قائدها العظيم الفذ.

    والمفكرون المنتجون في النظام الشيوعي يفكرون على نحو قريب من هذا النحو جدًّا، لولا أنَّهم لا يُغلون في تقدير القادة وإكبارهم، وإنما يجعلونهم خدامًا للجماعة، ومَظاهر لسُلطانها، وأدواتٍ لتَحْقِيقِ مَا تُريد وما تَسْمُو إليه من أمل.

    ومع ذلك، فهُم يَنْتَهُون في آخر الأمر إلى مِثل ما ينتهي إليه الفَاشِيُّون؛ لأنَّ الجَمَاعة لا تستطيع وهي جَمَاعة أنْ تُدَبِّر الأمر وتُحْكِمه وتنفذه، ولا بد لها من أن تنتهي إلى أفراد بأعينهم تطمئن إليهم، وتثق بهم، وتعتمد عليهم في التدبير والإحكام والتنفيذ.

    وما أسرع ما يسيطر هؤلاء الأفراد على الأمر كله! وما أسرع ما ينزلقون إلى الطغيان! وما أسرع ما ينجم منهم الفرد القوي الذي يستأثر بكل شيء، ويفرض نفسه ورأيه وإرادته على الجماعة فرضًا! وما أدري أيوجدُ آخر الأمر فرق بين السُّلطان الذي يستمتع به هؤلاء الأشخاص الثلاثة في أوروبا اليوم: مُوسوليني في إيطاليا، وهتلر في ألمانيا، وستالين في الروسيا!

    تُوجد فروق في الأساليب وألوان السيرة العَملية الظَّاهرة، ولكن النتيجة الأخيرة واحدة، وهي أنَّ هؤلاء الأشخاص هم كل شيء في أوطانهم، قد استأثروا بالسلطان كله؛ وفَرَضُوا على شُعوبهم إرادات لا مَرَدَّ لها، ولا سبيل إلى الخلاف عن أمرها؛ إلا أن يتعرض المُخالفون للموت.

    وأنا أعلم أن تصور الأمور الأدبية والاقتصادية والسياسية يختلف في هذه البلاد اختلافًا شديدًا، فنظام الطبقات هو أساس السياسة والاجتماع والاقتصاد في بعضها، ونظام رأس المال هو أساس هذه الأشياء في بعضها الآخر، والأدبُ يُعنى بالشعب وطبقاته الدنيا في بعض هذه البلاد، وهو يعني بالطبقات الوُسطى وبالطبقات المُمْتازة في بعضها الآخر، ويكادُ يُهمل الطبقات الدنيا إهمالًا.

    أعلم هذا حق العلم، ولكنِّي أُريد أنْ نَتَجَاوز المَظاهر إلى الحقائق، وأنْ نَصِلَ إلى أحبِّ شيء إلى الفرد، وآثر شيء عنده، وهو الحُرِّية الفردية؛ حرية التفكير والقول والعمل. أُريد أنْ نَصِلَ إلى هذه الحُرِّية، وأنْ نَلتمسها عند الفاشيين والشيوعيين، فسنجد أمرها مُتشابهًا أشد التشابه عند أولئك وهؤلاء، بل سنجد أمْرَها مُتفقًا أشد الاتفاق عند أولئك وهؤلاء، متفقة في أنها مُهدرة لا تُوجد أو لا تكاد تُوجد، فليس للفرد أنْ يظهر من الرأي في قوله وسيرته إلا ما يُلائم النِّظام القائم ولا يُخالف عنه.

    وأقل شُبهة توهم الانحراف عن النظام في قول أو عمل أو إرادة أو رأي تُعَرِّض صاحبها لخطر شديد، والأحداث التي تقع في روسيا وألمانيا وإيطاليا أكثر من أن تُحصى، وأوضح دلالة من أن تحتاج إلى شرح أو تفسير.

    على أنَّ مُؤرخ الآداب قد يجدُ راحة ثَقِيلَةً مُمضة إذا أرادَ البحث عن الآداب في هذه البلاد التي تخضع للسلطان القوي، فهو لنْ يجدَ لهذه الآداب إلا اتجاهًا واحدًا هو الذي يَفْرِضُه النِّظام القَائِمُ، ويأخذ به النَّاس أخذًا عنيفًا، ويُعَاقِبُ الذين يخرجون عليه بالموت غيلة، أو الموت بعد مُحاكمة شكلية، أو النفي إلى مكان بعيد.

    فالاتجاه الأدبي في إيطاليا وألمانيا فاشي، وهو في روسيا شيوعي. ومعنى ذلك أنَّ الناس يفكرون وينتجون في ألمانيا وإيطاليا كما يُريد لهم هتلر وموسوليني أنْ يفكروا وأنْ ينتجوا، فمن أحس منهم عجزه عن هذا الإذعان الذي لا يلائم طبيعة العقل الحُر؛ فليس له بد من أنْ ينفي نفسه من الأرض، وأنْ يَلْتَمِس لنفسه مهاجرًا يُفكر فيه، ويُنتج كما يُريد لا كما يُرَاد له.

    إنما يشق البحث الأدبي ويتعقد ويختلف حيث يستمتع الأفراد بحرية التفكير والقول والعمل، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تزهر وتتفتح كما تريد لها طبائعها وأمزجتها، وحيث تستطيع النفوس الفردية والاجتماعية أن تستملي الأدب والفن من ضمائرها، ومن الصلة بين ضمائرها وبين الحياة، لا من السلطان الجاثم في هذا القصر أو ذاك، والذي يهيئ لها من حين إلى حين ما ينبغي أن تتلقى من وحي، وما ينبغي أن تجيل من رأي، وما ينبغي أن تجد من شعور.

    اذهب إلى إيطاليا؛ فلن تجدَ إلا الأدب الفاشي، واذهب إلى روسيا؛ فلن تجد إلا الأدب الشيوعي. فإذا أراد كاتب إيطالي أو روسي أن يُفكر كما يُريد هو لا كما يريد موسوليني أو ستالين؛ فلا بد له من الهجرة إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى ما يُشبه هاتين المدينتين، ولكن اذهب إلى لندره، أو إلى باريس، أو إلى بروكسل، أو إلى لاهاي، أو إلى أمريكا؛ فستجد ألوانَ الأدب كلها تلتقي وتفترق، تأتلف وتختصم، ويكون بينها هذا الصِّراع الخَصْبُ الذي يتيح للأفراد والجماعات حياة تُلائم ما فرض الإنسان لنفسه من المُثل العُليا منذ أخذ يُفكر ويُسيطر بعقله على الأشياء.

    أنت في باريس تجد الأدب الشيوعي مُصورًا أقوى تصوير وأبرعه، وتجد الأدب الاشتراكي، وتجد الأدب الفاشي، ثم تجد الأدب الديمقراطي على اختلاف ألوانه، ثم تجد الأدب الملكي، وقد تجد الأدب الإمبراطوري الذي لم ينس، ولا يريد أن ينسى، مَجْدَ نابليون. ولا تظن أن هذا كله لغو يتصل بالسياسة وحدها؛ فإن لكل لون من هذه الألوان السياسية المُتباينة أثره في الفن والنظام الاجتماعي والشعور الديني.

    إذا قرأت الشيوعيين قرأتَ الاندفاع الشديد إلى العِناية بالطَّبقات الدُّنيا، والإصلاح من أمر البائسين، فوجدتَ الرَّحمة والرِّفق واللين، ووجدتَ إلى جانبها العُنف والغِلظة والقسوة بالقياس إلى الأغنياء المُترفين الذين يستأثرون بالنعمة دون غيرهم من سائر الناس، ووجدت الإلحاد في الدين والثورة بالكنيسة، والسخط على كل نظام قائم.

    ووجدت الآثار الفنية لهذا كله في ألوان التفكير والتعبير، بل في ألوان الفن المُختلفة التي لا تترجم عن نفسها بالكلام، وأنتَ واجِدٌ في الأدبِ الاشْتِرَاكي ما يُلائم الاشتراكية من هذا كله أشَدَّ اعتدالًا مِمَّا تجدُه عند الشيوعيين، وأنتَ واجدٌ في الأدب الديمقراطي ما يلائم الديمقراطية من هذا كله أشد اعتدالًا واتزانًا مما تجد عند الاشتراكيين والشيوعيين.

    ثم أنت واجد عند الملكيين غلوًّا شديدًا في نقائض ما تجد عند الشيوعيين. ومن هذا التناقض الشديد، ومن هذا الخِصَام العَنيف المُتَّصل بين المُتناقضات في جميع ساعات الليل والنهار تَأْتَلِفُ في البلاد الحُرَّة حياة موسيقية رائعة حقًّا، يجدُ فيها العقل ما يشتهي من ألوان اللذة العقلية المختلفة، ويُتيح له بذلك براءة من السأم والملل والضيق.

    وأغرب من هذا أنكَ تَجِدُ في البلاد الدِّيمُقراطية من تصوير الشيوعية والفاشية أروعَ مما تجد في إيطاليا ورُوسيا نفسهما؛ لأنَّ الشيوعيين الفرنسيين والفاشيين الفرنسيين يستمتعون في تصوير آرائهم، والذود عنها بحُرِّية، لا يَسْتَمْتِعُ بها نَظائرهم في إيطاليا ورُوسيا، ولهم خُصومُهم يُصَارِعُونهم في الصحف، ويُصارعونهم في الكتب، ويصارعونهم في البرلمان، ويصارعونهم في المظاهرات، فيمنحهم هذا الصراع المُتصل المُختلف حياة لا يجدها نظائرهم في البلاد التي لا يرتفع فيها للمُعارضة صوت، ولا يُسمح فيها بنقد النظام أو الإنكار على القائمين بالسلطان.

    وجملة القول أنك إذا أردتَ أنْ تَبْحثَ عن اتجاهات التفكير الأدبي؛ فلن تجد مَيدانًا لهذا البحث أخصب ولا أجدى ولا أعود بالفائدة إلا في البلاد الديمقراطية التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة. ومع ذلك، فقد حدثت في الأيام الأخيرة الماضية حادثة لا تدعُ سبيلًا إلى الشك في شيء من هذا، وهي حادِثة التَّاج البِرِيطاني.

    أرأيتَ إلى هذا الصراع العنيف بين شخص الملك وجماعة الإمبراطورية البريطانية كلها، كيف بدأ؟ وكيف اتَّصل؟ وكيفَ انْتَهى؟ وكيف خرجت مِنْهَا الجماعَةُ ظَافِرَةً؟ وكيف خرجَ الفَرْدُ مِنْهَا ظافرًا؟ وقد حفظت الديمقراطية للإمبراطورية نظامها وتقاليدها؟ وقد حفظت للملك حريته وخلَّت بينه وبين ما يريد من الاستجابة لعواطفه، والانقياد لقلبه، ورضي الملك ورضي الشعب ولم يُكْلم أحد منهم كَلْمًا، ثم اجتهد في أن تتصور حادثًا كهذا في بلد شيوعي أو فاشي، واجتهد في أن تتصوره مُبتدئًا ومُتصلًا، ثم أن تتصور غايته التي ينتهي إليها، ثم قارنْ بين الصورتين.

    أمَّا أنا فلا أكاد أَسْتَطِيعُ تصَوُّر حَادِثَةٍ كَهَذِهِ في بَلَدٍ لا يَسْتَمْتِعُ بالدِّيمُقراطية؛ إذن لفرض الفرد إرادته على الجماعة فرضًا، فأذعنت إذعانًا مُطلقًا لتحكم الأهواء، أو لفرضت الجماعة إرادتها على الفرد فأذلته وأخضعته لما لا يريد.

    ولا تظن أنَّ هذه الحادثة سياسية فحسب، بل هي أدبية عقلية أيضًا، فقد أُتيح للكتاب أن يكتبوا، وللخطباء أن يخطبوا، ولرجال الشارع أنْ يتظاهروا، وسيتيح للشعراء أنْ يقْرِضوا الشعر، ولأصحاب الفن أنْ يُصَوِّروا شُعورهم بالحادثة وآراءهم فيها كما يُريدون دونَ أنْ يُؤذى أحدٌ منهم في شيء من ذلك قليلًا أو كثيرًا. ومن الذي يستطيعُ أن يقول: إنَّ هذه الحادثة العظيمة حادثة تتصل بالسياسة وحدها، ولا تتصل الفنِّ، وبالأدبِ خاصةً، أمتن اتصال وأقواه؟ لقدْ حَدَثَتْ في التاريخ القديم حادثة تُقاربها، فتركت في الأدب آثارًا خالدة، وما أرى إلَّا أنَّ هذه الحادثة الأخيرة ستنتج في الأدب الحديث آثارًا خالدة أيضًا.

    وإذن فأوضح ما يُقال عن الاتجاهات الأدبية في هذه الأيام أنَّها تتحد اتحادًا مُزعجًا، مُرهقًا مُخيفًا حقًّا في البلاد التي تخضع للنظام القوي والسلطان العنيف، تتحد حتى تكاد تجعل الناسَ كلهم فردًا واحدًا، وتفرضُ عليهم حياة الحَيوانِ الاجْتِمَاعي، وسيرة النمل والنحل.

    ثم هي تختلف اختلافًا قويًّا خصبًا رائعًا في البلاد الحُرَّة التي تستمتع بالحُرِّية الدِّيمُقراطية، أو أنتَ تستطيع أنْ تقول: إنَّ التفكير الأدبي يتجه في ظلِّ السلطان العنيف اتجاهًا واحدًا لا يلبث أن يفيض السأم والملل، ويتجه في البلاد الحُرَّة اتجاهات لا تُحْصَى، ولكنَّها لا تفيض مللًا ولا سأمًا، ولا ينقضي منها عجب الباحث ولا حاجته القوية إلى البحث والاستقصاء. فأمَّا تشخيص بعض هذه الاتجاهات وردُّه إلى مصادره الأولى، ثم الانتهاء به إلى بعض نتائجه المُمْكنة، فشيء لا يكتب فيه فصل، وقد لا يُتاح استقصاؤه في فصول.

  • تمصير

    تمصير

    هي عاطفة طبيعية تسيطر علينا في أكثر ما نعمل وفي أكثر ما نقول. وأي غرابة في أن يكون الميل إلى تمصير الحضارة الأجنبية على اختلاف فروعها أظهر ما تمتاز به حياتنا العامة في عصر كهذا العصر الذي نعيش فيه، قد اشتدت فيه النهضة الوطنية وقوي فيه الشعور بالقومية المصرية، وظهر فيه الحرص واضحًا جليًّا على أن تكون شخصيتنا بارزة لا لبس فيها ولا غموض؟

    وقد مضى عصر كنا نستعير فيه الحضارة الأجنبية استعارة من أوروبا ونجهر بذلك، ونقدم عليه لا نجد فيه حرجًا ولا نحس منه حياء، ثم مضى عصر آخر كنا نسرع فيه إلى هذه الحضارة الأجنبية مبتهجين بالإسراع إليها، مفاخرين بالأخذ بأسبابها، يتمدح الرجل منا بأنه يحسن مجاراة الأوروبيين في هذا الأمر أو ذاك، ويحسن تقليد الأوروبيين في التفكير والقول وغيرهما من أساليب الحياة.

    مضى هذا العصر كما مضى ذلك العصر، وأصبحنا نطمئن فيما بيننا وبين أنفسنا إلى أن الحضارة الأوروبية وإن كانت ضرورة من ضرورات حياتنا الفردية والاجتماعية، فإن لنا مقومات خاصة ليست حاجتنا إليها بأقل من حاجتنا إلى الحضارة الحديثة. وأخذنا نشعر منذ عهد غير قصير بأن المشكلة التي تواجهنا والتي يجب أن نجد لأنفسنا منها مخرجًا ليست هي نقل الحضارة الأجنبية إلى وادي النيل، ولا إقرارها على ضفاف النيل، ولا التغلغل بها في أعماق الريف، وإنما هي الملاءمة بين هذه الحضارة التي نقلت بالفعل إلى مصر واستقرت فيها وبين أشياء أخرى، ولابد لنا من أن نحتفظ بها لنكون أمة من حقها أن تطمع في الاستقلال وتطمح إليه، ولنكون أفرادًا من حقهم أن يؤمنوا بأن لهم وجودًا خليقًا بهذا الاسم وشخصية خليقة أن يعترف بها الناس.

    ولعل أول ما عنينا به من ذلك إنما هو الملاءمة بين ما في الحضارة الأجنبية من علم وأدب ومن فلسفة وفن، وبين ما لنا نحن من لغة عربية مصرية نحبها ونؤثرها ونحرص عليها أشد الحرص. فقد كنا في أواخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن نلتمس العلم الأجنبي والأدب الأجنبي في لغة الأجانب وكتبهم، نقرأ ما نقرأ من ذلك ونعي منه ما نعي، لا نكاد نشعر بالحاجة إلى أن نقرأ ذلك في لغتنا العربية، أو إلى أن يقرأ ذلك منا الذين لا يحسنون لغة أوروبية. وقد أعرضنا لأمر ما عن ذلك الجهد الخصب الذي بذله جماعة من المصريين في أول تاريخنا الحديث، وأقبلنا على لغات الأجانب نتعلمها، وعلى علوم الأجانب وآدابهم ندرسها ونستظهرها، دون أن نفكر في النقل والترجمة إلا قليلًا، فضلًا عن أن نفكر في الإنشاء والتأليف. ثم اشتدت الحركة الوطنية بعض الشيء أول هذا القرن، فأخذنا نحس الحاجة إلى أن يظهر سلطان اللغة العربية واضحًا جليًّا في التعليم، وجاهدنا في ذلك حتى بلغنا منه حظًّا لا بأس به، وحتى أخذنا في تمصير أكثر ما يلقى على التلاميذ من العلم في المدارس الابتدائية والثانوية، ومضينا في ذلك موفقين أحيانًا ومخطئين أحيانًا أخرى، حتى انتهينا إلى تمصير كثير مما يلقى من العلم على الطلاب في الجامعة والمدارس العليا.

    وكنا نشهد التمثيل الأجنبي في أوروبا ونحاول تقليده في مصر، فنمصره بعض الشيء حين نفرض عليه لغتنا فرضًا، وحين نترجم قصصه ترجمة دقيقة أو مقاربة أو مباعدة للأصل. ثم اشتدت الحركة الوطنية، فإذا نحن نريد أن يكون لنا تمثيل مصري يتخذ لغتنا كما يتخذ تفكيرنا وشعورنا، ويصور حياتنا المصرية الخاصة تصويرًا صحيحًا دقيقًا، وقد وفقنا في ذلك إلى بعض الخير، ثم صرفنا عنه لأمور لست في حاجة إلى أن أبينها الآن.

    وتستطيع أن تقول مثل هذا في فروع حياتنا العامة والخاصة كلها. فقد نقلنا عن الأوروبيين فنون الحكم والإدارة والقضاء، وكنا في هذا النقل مقلدين أول الأمر، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون شيئًا فشيئًا حتى بلغنا من ذلك حظًّا لا بأس به. وكذلك قلدنا في التجارة والصناعة، ثم أخذنا نمصر التجارة والصناعة، وقلدنا في الأدب أو في بعض فنون الأدب، ثم أخذنا نمصر هذه الفنون، وما أظن صديقنا «الصاوي» قد أنشأ صحيفته الجديدة هذه إلا ليشارك فيما يجب على كل محب لمصر أن يشارك فيه من تمصير الأدب والثقافة بوجه عام.

    طبيعي إذن أن نميل إلى التمصير ونجد فيه، وأن نضيق إذا أبطأت حركة التمصير في لون من ألوان المعرفة أو فن من فنون الحياة. ولكن هذا الميل كغيره من الميول قد يحتاج إلى شيء غير قليل من المراقبة والملاحظة، وقد يحتاج إلى شيء غير قليل من التحفظ والاحتياط. فنحن في حاجة إلى تمصير العلم، وإنما يتم تمصير العلم إذا أتقناه وتمثلناه وشاركنا فيه كما يشارك فيه أصحابه الأوروبيون. فأما إذا وقفنا عند الترجمة، أو تجاوزنا الترجمة إلى تأليف هو إلى التقليد والمحاكاة أقرب منه إلى الابتكار والإبداع، فنحن لا نمصر العلم، وإنما ننقله إلى بلادنا نقلًا ونقره فيها كما يستقر الضيف.

    فإذا لم نوفق إلى الابتكار والإبداع، ثم لم نوفق إلى الترجمة الصحيحة ولا إلى التقليد المستقيم، فنحن لا نمصر ولا ننقل، ونحن لا نحسن إلى أنفسنا ولا إلى العلم الذي نريد تمصيره، ولا إلى الأوروبيين الذين نأخذ عنهم، وإنما نحن نمسخ العلم مسخًا، ونسيء إلى عقولنا كما نسيء إلى الأوروبيين أيضًا، فنصورهم صورًا لا تلائم الحق ولا ترضيهم ولا ترضينا نحن أيضًا.

    والأمر كذلك بالقياس إلى كل ما نريد أن نمصره من ألوان الحضارة الأوروبية. ولعلك تسألني إلى أين أريد أن أنتهي، وإلى أي شيء أعمد حين أسوق هذا الحديث الطويل وهذه المقدمات التي لا تريد أن تنقضي. ومن حقك أن تلقي علي هذا السؤال، ومن الحق علي أن أسرع إلى الرد عليه بعد ما بسطت هذه المقدمات. إنما أريد أن أنتهي إلى تمصير التمثيل، وقد فكرت فيه حين شهدت قصة أو جزءًا من قصة مثلت في ملعب الأوبرا مساء الخميس. فقد انتهت إلى الدعوة إلى شهود هذه القصة تحمل عنوانًا لها لم يدلني على شيء، كما أنه لم يحط به من التفسير والتعليق ما يدل على شيء. وحسبك أن تعلم أن عنوان القصة هو «السكرتير الفني».

    وأظن أنك إذا سمعت هذا العنوان أو قرأته دون أن تسمع أو تقرأ معه أن القصة مترجمة ترجمة دقيقة أو مقاربة، أو أن القصة مبتكرة ابتكارًا، لا تقدر إلا أنها قصة قد وضعت في مصر وضعًا. وعلى هذا التقدير ذهبت إلى ملعب الأوبرا وأنا أعد نفسي في شيء من الغبطة بأنني سأشهد مظهرًا من مظاهر النشاط الفني المصري، وسأرى قصة تمثيلية جديدة، وسأعرف إلى أي حد انتهى كتابنا من ترقية القصة التمثيلية، وإلى أي حد انتهى ممثلونا من ترقية التمثيل نفسه.

    ويجب أن أعترف بأنني لم أكد أسمع شطرًا من الحوار حتى ضقت بالقصة وبالأوبرا ضيقًا شديدًا، فقد كان الحوار كله باللغة العامية، والناس يعلمون أني أضيق باللغة العامية حين تتخذ أداة للفن، وأكره أن يعتمد عليها الكتاب إلا أن تدعو إلى ذلك حاجة ملحة أو ضرورة ماسة. (لا يغضب صديقي توفيق الحكيم، فقد يكون لي في قصصه العامية رأي حين أقرأه، وسيكون لي معه على كل حال في ذلك يوم أو أيام. ولعله يذكر رأيي في لغة «عودة الروح»). على أني قد أخذت نفسي منذ عهد بعيد بألا بد مما ليس منه بد، وبأن الخير كما يقول الفيلسوف القديم إذا لم يكن ما أريد أن أريد ما يكون. وإذن فقد صرفت عن نفسي ما كانت تجد من ضيق، واستقبلت التمثيل والممثلين بهذا النشاط الذي لا بد منه لأسمع منهم وأفهم عنهم وألهو مع اللاهين.

    وكان الممثلون مجيدين حقًّا، فلم أتردد في أني سأقضي ساعات ملهية مسلية في هذه الأيام التي تقل فيها التلهية والتسلية. ولكني لم أكد أنفق مع الممثلين لحظات حتى أحسست الغضب يملأ نفسي ويملك قلبي، وأحسست الحاجة الشديدة إلى أن أسلط إرادتي على نفسي تسليطًا حتى لا أظهر من الغيظ والإنكار ما يحسن كتمانه في مثل هذه المواقف وما قد يؤذي الناس الذين يجاورونني أن أحسوه أو أظهروا عليه.

    ذلك أني تبينت أن القصة فرنسية معروفة شائعة قد ترجمت في كثير من اللغات الأوروبية ومثلت في كثير جدًا من الملاعب، ثم تجاوزت الملعب إلى السينما فعرضت على الناس في أقطار الأرض المتحضرة كلها، وهي قصة «توباز» التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف بانيول.

    وقد عمد الكاتب المصري إلى هذه القصة فمسخها مسخًا وحرفها تحريفًا وذهب بما فيها من جمال فني رائع لا سبيل إلى الشك فيه مهما تختلف الآراء في تقديره، ولست أدري! أعلن الكاتب هذا أم لم يعلنه، بل أنا أريد أن أعتقد أنه أعلنه إعلانًا وأنه استأذن صاحب القصة فيه. ولكني مع ذلك آسف أشد الأسف، بل أحزن أشد الحزن لما أصاب هذه القصة الجميلة من مسخ وتشويه.

    القصة لم تكتب باللغة العامية في فرنسا وإنما كتبت باللغة الفرنسية الفصحى إن صح هذا التعبير. فهي تترك في نفسك حين تشهدها أو تقرؤها ما تتركه الآيات الأدبية الرائعة من الأثر. فإذا شهدت القصة المصرية واستمعت لأشخاصها وهم يتحدثون لغة الشارع آذاك هذا الاستماع وشق عليك هذا المسخ وآلمك هذا الابتذال.

    وفي القصة الفرنسية أشخاص مختلفون، منهم من ينتمي إلى الطبقة الوسطى ومنهم من ينتمي إلى طبقة تتكلف الأرستقراطية، منهم الغني ومنهم الفقير، ولكنهم جميعًا بعيدون عن هذا الابتذال الذي نراه في القصة المصرية حين نسمع هؤلاء الأشخاص من الرجال والنساء يتحدثون لغة الأزقة والحارات في القاهرة.

    والقصة الفرنسية تصور لونًا من ألوان الحياة في باريس وهي تمتاز بالجرأة بل بالإسراف في الجرأة، جرأة على السياسة، جرأة على العرف، جرأة على المألوف من أخلاق الناس. وقد أراد الكاتب أن يصور تهالك الناس على المنفعة وازدراءهم لما تواضعت الجماعات على إكباره من أصول الخلق والشرف والكرامة. فالقصة مرآة تنعكس فيها حياة جماعة من رجال المال والأعمال كما تنعكس فيها حياة جماعة من الطبقة الوسطى قد أفسدت أزمة الحرب مزاجهم، فهم لا يقاومون الشر وإنما يدفعون إليه ويتفوقون فيه.

    للقصة بطلان ممتازان من الرجال، أحدهما عضو في المجلس البلدي الباريسي والآخر معلم فقير. فأما عضو المجلس البلدي فمجرم يسرق ويحتال ويستغل نفوذه ويقترف آثامًا مالية منكرة ويتستر في هذا كله بأشخاص يشتريهم لذلك ويأجرهم عليه. وأما المعلم فرجل ساذج شريف نقي النفس في ظاهر الأمر يصور حياة أمثاله من الفرنسيين أحسن تصوير، ولكنه يتصل بعضو المجلس البلدي في ظرف شديد ويقبل أن يعمل معه، ثم يتبين له الحق فيثور، ثم يذعن كارهًا لحكم القضاء، ثم ما يزال يسعى إلى الفساد ويسعى الفساد إليه حتى يغلب أستاذه ويتفوق عليه ويستأثر من دونه بما كان يعينه عليه من عمل، بل يستأثر من دونه بهذه المرأة اللعوب التي كانت تحبه أو تتكلف حبه وتشاركه في الإثم فأصبحت تحب خصمه لأنه استأثر بالثروة والغنى والبراعة في السرقة والاختلاس.

    وفي القصة أشخاص آخرون لهم أطوار غريبة، منها المضحك ومنها المؤلم ومنها ما يجمع الأمرين معًا، ولكن هؤلاء الأشخاص على ذلك ليسوا من هذه الطبقات الشعبية الصريحة التي تمثلها القصة المصرية تمثيلًا واضحًا ملهيًا حقًّا.

    ليس في القصة الفرنسية سماك ينكر دوران الأرض كما في القصة المصرية، وليس فيها غير السماك من هؤلاء الأشخاص الذين يمثلون عندنا ناحية من نواحي الحياة نحبها ونضحك منها ولكننا لا نكاد نراها في مثل هذه المواقف التي تصورها القصة.

    وقد عجزت القصة المصرية عن الصراحة والجرأة ولم تبلغ من الشجاعة ما بلغت القصة الفرنسية. فالسارق المحتال عضو في شركة من الشركات لا في مجلس بلدي. وهذا معقول، فليس في فرنسا قانون يقيد الحرية الأدبية كالقوانين المصرية، وإن كان في مصر من الأحداث والفضائح ما يذكر بما أراد الكاتب الفرنسي تصويره. والغريب أن الكاتب المصري ذكر ستافسكي في قصته مع أن «توباز» ظهرت في فرنسا وتجاوزتها قبل أن تظهر الفضيحة الفرنسية الكبرى.

    وليس في قصتنا المصرية إشارة إلى الكورنيش ولا إلى ما يشبهها من الحوادث لمكان هذه المراقبة الأدبية الدقيقة. ولست أستطيع أن أمضي في تحليل القصة المصرية لأني لم أشهدها كلها، وإنما انصرفت حين أذنت لي الأوضاع الاجتماعية بالانصراف. ولولا هذه الأوضاع نفسها لانصرفت قبل أن أشهد الفصل الأول كله. لأن من المؤلم حقًّا أن يشهد الإنسان أثرًا فنيًّا بارعًا قد أصابه المسخ والتشويه وأخذه العبث من جميع نواحيه.

    ومع ذلك فقد ضحكت النظارة وأغرقت في الضحك، ولعلي أغلو وأتجاوز الحق إن زعمت أني لم أضحك، فقد ضحكت وضحكت كثيرًا. ولكني أظن أننا إنما ضحكنا من لغة القصة وعبارتها ومن براعة الممثلين وإجادتهم لا من القصة نفسها. وهبنا ضحكنا من القصة نفسها فلم يكن ضحكنا ليغير الألم الذي كنا نجده شيئًا. كنا نشهد مواقف الممثلين ونسمع ما كانوا يقولون ونذكر من مواقف الممثلين في القصة الفرنسية وما يقولون.

    في هذا النحو من التمصير شر كثير لأنه كما رأيت مسيء إلى الفن، يمسخه ويغير معالمه ويرد جماله قبحًا وجودته رداءة، ثم هو في الوقت نفسه عدوان لا أدري إلى أي حد يباح. وقد كان الجاحظ يكره أن تختصر آثاره يشفق عليها من المسخ والتشويه، فكيف بالكاتب الفرنسي بانيول لو رأى قصته وما ألم بها من الخطوب؟ وإذا كان هذا مبلغ ألمنا ونحن مصريون غرباء لم ننشئ القصة ولا نغار عليها كما يغار عليها الفرنسيون الذين أنشئت فيهم ولهم، فكيف يكون ألم الكاتب الفرنسي لو أنه تمثل هذا الخطب العظيم الذي ألم بأثر من أروع آثاره الأدبية وأبقاها؟

    وأنا أعلم أن هذا التغير الخطير يصيب كثيرًا من القصص لا في مصر وحدها بل في كثير غيرها من البلاد. ولكن هذا لا يخفف من شر هذا التغير ولا يمحو ما فيه من سوء. وليس من الحق أني أستطيع أن آتي الشر لأن كثيرًا من الناس يأتونه، وإنما الحق أني خليق أن أنصرف عن الشر حين أرى إقدام الناس عليه وتتبعهم له.

    وأنا أعلم أن طائفة من قصص موليير قد نقلت إلينا على نحو من هذا التغيير، ولكن هذا وقع منذ عهد بعيد، على أنه يجد شيئًا من الشفاعة في هذا الجمال الساذج الريفي الذي نجده في قصة الشيخ متلوف والذي يعزينا بعض العزاء عن جمال ترتوف، إن صح أن يضاف الجمال إلى ترتوف.

    حسن جدًّا أن يمصر التمثيل وأن يتخذ العربية، ولا سيما العربية الفصحى، له لغة وأداة، ولكن بشرط أن يكون تمصيره صحيحًا صريحًا لا فساد فيه ولا عدوان، بشرط أن يكون تمصيرًا مثبتًا للشخصية المصرية على أنها شخصية قوية تنتج وتبتكر أكثر مما تحاكي وتقلد، بشرط أن يكون تمصيرًا جريئًا جليًّا لا يثير حزنًا ولا ندمًا ولا حياء.

    مجلتي، ١٩٣٤/١٢/١٥

  • الشعر العربي والقصص

    الشعر العربي والقصص
    طه حسين
    الفجر
    ١٥ أكتوبر ١٩٣٤

    وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.

    وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.

    أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.

    ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.

    وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.

    والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.

    فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بيزيسترات بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.

    فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.

    إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.

    وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.

    على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:

    إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.

    والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.