في الذوق الأدبي
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣ أبريل ١٩٥٧
كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …
وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.
ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.
ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.
ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.
الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.
المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.
التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.
التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!
الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.
الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.
نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.
المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله.
في الذوق الأدبي
Share:
Leave a Reply