Tag: literary taste

  • في الذوق الأدبي

    في الذوق الأدبي
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٣ أبريل ١٩٥٧

    كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …

    وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.

    ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.

    ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.

    ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.

    الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.

    المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.

    التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.

    التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!

    الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.

    الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.

    نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.

    المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله.

  • رمز وتصريح

    رمز وتصريح
    طه حسين
    المجلة الجديدة
    يناير ١٩٣٠

    مسألة أعرض لها اليوم لأتم تلك الملاحظات التي أشرت إليها في الفصل الماضي حين تحدثت عن الذوق؛ فللصلة بين الأدباء وقرائهم وجوه مختلفة كلها تصلح مقياسًا للذوق الذي يُمكِّن الأدباء من أن يُنتجوا، والقُرَّاء من أن يَحكُموا، ويصور إنتاج أولئك وحكم هؤلاء في صور تختلف باختلاف الأفراد والبيئات، والظروف العامة والخاصة.

    وقد رأينا الناس يختلفون في عصور كثيرة في أي الأدبين أرقى، وأحب إلى النفس، وأبلغ في تمثيل عواطفها وأهوائها وميولها، الأدب الذي يعتمد على التصريح الجلي، والبيان الواضح، الذي لا تتكلف النفس مشقة في فهمه والوقوف على أغراضه ومراميه، أم الرمز والإيماء الذي لا يفهمه إلا الراسخون في العلم، ولا يدرك أغراضه ولا ينتهي إلى غايته إلا الذين لهم من رقي النفس وسموها، ومن دقة الحس ونفاذ البصيرة ما يمكنهم من استكشاف الأسرار، واختراق الحجب، وحل الألغاز؟

    ويشتد الخلاف بين الناس ويعظم خطره، ويبعد أثره في حياة الأدباء والقُرَّاء، حين يتناول طائفة من الموضوعات تقضي الأخلاق وظروف الحياة الاجتماعية المعتدلة ألا تمس إلا برفق، وألا يعرض لها الكُتَّاب والشعراء إلا في شيء من التلطف والحيلة؛ كالغزل، ووصف الصلات الجنسية، ووصف أشياء نكره أن نراها، فلا نحب أن يتحدث عنها الأدباء إلا رمزًا، ولا أن يصفوها إلا إيماء. والناس يذكرون مناظرة كانت منذ حين بين الأستاذين توفيق دياب وسلامة موسى، فيما كانا يُسمِّيانه يومئذ الأدب المستور والأدب المكشوف، وكان لكل من الأديبين مذهبه في الفهم، وطريقته في البحث والاستدلال. وانقسم الناس معهما يومئذٍ؛ فمنهم من آثر الأدب المستور، ومنهم من آثر الأدب المكشوف.

    وكنت أرى يومئذ ما أراه الآن من أن الأديبين إنما كانا يختصمان في غير موضع للخصام، ويسيران في سبيل غير منتجة؛ فأما أحدهما فكان ينظر إلى الأخلاق والعرف وحاجة النشء إلى المُثل العليا، وأما الآخر فكان ينظر إلى الحق والصدق، وحاجة الناس إلى الصراحة، وسوء أثر النفاق في التربية وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية، وكلاهما كان يصدر في تفكيره وحكمه عن فكرة أراها قابلة للبحث، ولعلي لا أغلو إن رأيتها موضعًا للشك، وهي: أن الأديب متعمد حين ينتج آثاره الأدبية أن يمضي إلى الشمال، ولو أراد لمضى إلى الجنوب، مُخيَّر فيما يكتب، مُخيَّر فيما يقول، يصوغ صوره الأديبة صوغًا كما يصوغ الصانع آثاره الصناعية عن روية وتفكير وحرية تامة.

    وربما كان الأديب أشد حرية من الصانع الذي يجب أن يخضع لقوانين الصنعة ولا يجدد فيها إلا بمقدار، على حين نرى الأديب حرًّا مطلق الحرية لا تقيده إلا إرادته وهواه. عن هذه الفكرة كان يصدر المتناظران فيما يظهر، وإذن فكان أحدهما يطلب إلى الأديب أن يراعي الأخلاق والحياء والعرف والمُثل العليا، وكان الآخر يطلب إلى الأديب أن يراعي الحق والصدق والصراحة ويتجنب النفاق.

    ولكن الأمر الذي أهمله الأديبان — ويهمله الناس عادة إذا تحدثوا عن الأدب أو تمادوا فيه — هو أن حرية الأديب في الإنتاج الأدبي، وفي تصوير آثاره في صورة فنية ما، ليست من السعة والإطلاق بحيث يظنون، وإنما ضيقة ضيقًا شديدًا، مقيدة بطائفة من القيود، منها القوي الذي لا سبيل إلى التحلل منه، ومنها الضعيف الذي قد يستطيع الأديب تحطيمه من حين إلى حين.

    فالأديب مقيد بطبعه ومزاجه، فكما أنه لا يستطيع أن يغير لونه، ولا أن يغير خلقه المادي، فهو كذلك لا يستطيع أن يغير مزاجه العام، وإذن من العسير عليه — إن لم يكن من المستحيل — أن يضطر هذا المزاج إلى أن ينتج من الآثار الفنية ما لا يلائم طبعه وفطرته، وهو مقيد بالبيئة التي يعيش فيها، والجمهور الذي يتحدث إليه، والإقليم الذي يخضع لجوه وهوائه ومؤثراته الكثيرة المختلفة، ثم هو بعد هذا أو ذاك مقيد باللغة التي هي مادة فنِّه، ومقيد بقوانين الفن نفسها.

    وهو يستطيع طبعًا أن يحطم بعض هذه القيود من حين إلى حين، فتطغى قدرته الفنية على اللغة أحيانًا، وعلى القوانين الفنية أحيانًا أخرى؛ فيكون مجددًا من بعض الوجوه، وقد يستطيع أن يثور بما قامت عليه البيئة من نظم وأصول فيجدد، ولكن هذا الطغيان وهذه الثورة محدودان، مهما يكن حظ الأديب من القوة والبأس والنبوغ، وإذا لم يكن الأديب حرًّا في إنتاجه الأدبي، ولم يكن الذي يستحق هذا الاسم متأثرًا فيما يكتب برضا الناس وإعجابهم، كما يتأثر بشخصيته وطبعه ومزاجه، فمن الإسراف أن يطلب إليه قُرَّاؤه أن يسلك سبيلًا بعينها، ويعدل عن سبيل أخرى؛ ذلك لأنه لم يسلك السبيل التي اختارها — أو بعبارة أدق التي سلكها — إلا لأنه لم يستطع أن يسلك سبيلًا غيرها.

    فالأديب الواحد لا يستطيع أن يبرع في إنتاج الأدب المستور والأدب المكشوف معًا، وإنما هو في هذا الأدب أو ذاك؛ لأن طبيعته وما يحيط به من الظروف العامة والخاصة يضطرانه إلى هذا الأدب أو ذاك. والواقع أننا نرى في الآداب المختلفة عصورًا يتسلط فيها الأدب المستور على الأدباء، فإذا هم يجيدونه ويبرعون فيه، وأخرى يتسلط فيها الأدب المكشوف عليهم، فإذا هم يتقنونه ويتفوقون فيه.

    وإذا بحثنا عن هذه العصور والتمسنا الأسباب التي تضطر الأدباء إلى هذا النوع من الأدب أو إلى ذاك؛ فسنلاحظ أن هذه الأسباب ترجع في أكثر الأوقات إلى البيئة، وإلى الجماعة المحيطة بالأديب أكثر مما ترجع إلى الأديب نفسه، ونلاحظ أن الأدب المستور — ما دام لا بد من التعبير بهذه الألفاظ — إنما يتسلط على الأدباء والقُرَّاء حين تحيا الجماعات حياة هادئة معتدلة، معتمدة على نظام اجتماعي ثابت، ونظام سياسي مستقر، فإذا اضطرب النظام الاجتماعي، أو تعرض النظام السياسي للقلق والفساد؛ أخذ سلطان الأدب المكشوف يظهر وينبسط شيئًا فشيئًا حتى يكون له الغلب، ولكنه غلب مؤقت لا يستمر إلا ريثما يعود النظام الاجتماعي والسياسي إلى الثبات والاستقرار.

    وأنت ترى ذلك واضحًا جليًّا في حياتنا الأدبية العربية، فقد كان الأدب المستور متسلطًا على العرب في جميع أنحاء الحياة الأدبية إلا الهجاء، حتى كان العصر العباسي، فاضطرب النظام الاجتماعي والسياسي، ورغب غير العرب في التمتع بما كان للعرب من حقوق اجتماعية وسياسية، وتغير النظام السياسي نفسه، فسقطت دولة وقامت مكانها دولة أخرى، وانهار نظام من نظم الحكم، وقام مكانه نظام آخر، ونتج عن هذا كله أن طغى في النفوس ميلها إلى الحرية مع حرصها على النظام والاعتدال.

    وفي هذا العصر نفسه ظهر الأدب المكشوف في العراء ظهورًا فاحشًا؛ لأنه كان يترجم عن حياة مكشوفة، فلما كان القرن الثالث، واستقر النظام الاجتماعي الجديد، وثبت النظام السياسي الجديد، احتشم الناس في حياتهم، واحتشم الأدب نفسه، وقلد الناس أبا نواس وأصحابه في الشكل والأسلوب أكثر مما قلدوه في المعنى والموضوع.

    وكانت حياتنا نحن هادئة مطمئنة متأثرة بنظم اجتماعية وسياسية ثابتة مستقرة، فكان أدبنا مستورًا معتدلًا، ثم اضطربت نظمنا السياسية والاجتماعية، وطمعنا في ضروب من الحرية مختلفة: حرية الرأي، وحرية العمل، وحرية السياسة، وتبع ذلك أن طمعنا في حرية القول، فتحلل أدبنا من قيودها بعض الشيء، وظهر ميلنا إلى الأدب المكشوف.

    فالأديب إذن متأثر بالذوق العام حين ينتج أدبًا مستورًا أو أدبًا مكشوفًا، ومهما تدرس من آداب الأمم الأخرى فسترى نفس هذه الظواهر: تضطربُ النُّظم فيظهر الأدب المكشوف، وتستقرُّ فيتسلَّط الأدب المستور.

    على أن هناك ظاهرة أخرى أحب أن أشير إليها في هذا الفصل إشارة موجزة جدًّا، وأرجو أن أُوفَّق في يوم من الأيام إلى درسها مع شيء من التوسع، وهي أن هناك أدبًا رمزيًّا يظهر في بعض العصور، فيسيطر على الحياة الأدبية كلها، وهو يتخذ الرمز والإيماء طريقة أساسية للتعبير، ويعدل عن المألوف من الأدب الواضح الجلي مهما يكن موضوع هذا الأدب.

    وهذه الظاهرة تتجاوز الأدب إلى غيره من الفنون الجميلة كلها؛ فيصبح فن المصور والمثال والموسيقي والمغني رموزًا وإشارات تسلك بها سبلًا غير السبل المألوفة، يريد بها أصحابها أشياء لم يكونوا يريدونها في العصور المعتدلة الطبيعية، وتختلف حظوظ الناس من فهمها وتذوقها بمقدار ما تختلف حظوظهم من ذكاء القلب، ونفاذ البصيرة، ومن الميل إلى الترف المادي والمعنوي.

    وأكثر ما تكون هذه العصور حين تضطرب النظم الاجتماعية والسياسية، فتثور بالدين والأخلاق وغيرها مما تقوم عليه حياة الجماعات، ويكثر الاضطراب ويشتد ويطول زمنه، ثم لا يؤتي ثمره الذي كان منتظرًا، فيستيئس الناس من الثورة ونتائجها، ولكنهم في الوقت نفسه يكرهون أو يستحيون أن ينكروا أنفسهم، ويعودوا إلى النظم القديمة التي هدموها؛ فهم لا يريدون العودة إلى القديم، وهم يكرهون الاضطراب ولا ينتظرون منه خيرًا، وهم يلتمسون حياة جديدة — غير القديم وغير الاضطراب — دون أن يظفروا بهذه الحياة الجديدة التي يلتمسونها.

    هنا يضطر الفن والأدب إلى الرمز والإشارة والإيماء، والألغاز أحيانًا؛ ذلك أن نزعة دينية جديدة غير واضحة ولا جلية تتسلط على الناس، وتأخذ شكلًا إن لم يكن صوفيًّا فهو قريب جدًّا من الصوفية. في هذا الشكل تظهر لأصحاب الفنون الجميلة مطامع يحسونها، وتملأ نفوسهم، ولكنهم لا يفهمونها في وضوح وجلاء، فلا يستطيعون أن يعبروا عنها في وضوح وجلاء، ولا يفهمها الناس عنهم على وجهها؛ لأن أصحابها أنفسهم لا يفهمونها، أو لا يكادون يفهمونها.

    وقد لوحظت هذه الظاهرة قوية جدًّا في فرنسا آخر القرن الماضي حين سئم الفرنسيون الثورة والاضطراب والخصومة، وكرهوا أو لم يستطيعوا أن يعودوا إلى قديمهم الذي كانوا يألفونه قبل الثورة، فظهرت لهم مثل عليا أحسوها وسَمَوا إليها، ولكنهم لم يتبينونها واضحة جلية، فأخذوا يعبرون عنها بالشعر والفن تعبيرات رمزية غامضة نقرؤها الآن فنفهم منها القليل النادر، ويفوتنا منها الشيء الكثير.

    هذه الظاهرة لوحظت قوية في فرنسا، ولعلها تلاحظ في جميع الآداب — مهما تختلف الأمم والبيئات — إذا مرت الجماعات بطور يشبه الطور الفرنسي الذي أشرت إليه آنفًا. وهل الأدب الصوفي إلا لون من ألوان هذه الظاهرة؟ وهل التصوف في حقيقة الأمر إلا إنكار للقديم، وهدم له، وطلب للجديد دون تَبيُّنه والقدرة على الظفر به؟

    هذه الظاهرة أحق عندي بالعناية والبحث من مسألة الأدب المستور والأدب المكشوف، ويمكن أن تدرس من وجوه عدة أحبُّها إليَّ هذه الناحية التي تمثل الصلة بين هؤلاء الأدباء والفنانين من جهة، وهؤلاء الناس الذين يستمتعون بآثارهم الفنية من جهة أخرى، أي الذوق الذي يصل بين المنتج والمستغل في الفن، كما يقول أصحاب الاقتصاد. ولعلي أُوفَّق إلى أن أعود إلى هذا الموضوع.