تيسير
من أوراق الدكتور طه حسين
تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية
بقلم: د. أحمد حسن الزيات (الهلال، ١ يونيو ١٩٨٨)
بين أوراق المرحوم العميد الدكتور طه حسين صورة خطاب غير مؤرخ وجهه إلى وزير التربية والتعليم أو وزير المعارف العمومية في ذلك الوقت عن تيسير النحو العربي وإصلاح الكتابة العربية يقول فيه: "إن هاتين المسألتين المشكلتين خطر عظيم هو أظهر من أن يحتاج إلى وصف أو بيان." وقد كان هذان الموضوعان يشغلان بال طه حسين وأهل جيله، واتجه بعضهم مثل المرحوم عبد العزيز باشا فهمي إلى التفكير استعمال الحروف اللاتينية فأنكر طه حسين ذلك عليه وخاصمه فيه أشد الإنكار وأعنف الخصام على أن هاتين المسألتين المشكلتين لا تزالان اليوم بغير حل، ولا تزالان تشغلان بال الكافة من خاصة وعامة في مصر وفي كل البلاد العربية فلعل نشر هذا الخطاب اليوم أن يساهم في الوصول إلى حل هاتين المسألتين المشكلتين يقول طه حسين في خطابه: "إن الحياة الصحيحة للغة العربية رهينة بحل هاتين المسألتين المشكلتين وإنا لنغالط أنفسنا أشد المغالطة ونخادعها أشنع الخداع حين نظن أننا نعلم تلاميذنا وطلابنا اللغة العربية ونفقههم فيها ونبصرهم بها ونمكنهم من أن يعبروا بها تعبيرًا صحيحًا بما يريدون أو يفهموها فهمًا صحيحًا إذا قرأوها في الكتب والصحف أو سمعوها من الخطباء والمحاضرين على نحو ما يعبر الناس بلغاتهم وعلى نحو ما يفهم الناس لغاتهم.
فنحن في حقيقة الأمر لا نكاد نبلغ من هذا شيئًا وقد أثبتت التجارب التي لا تقبل شكًا ولا تتعرض لريب أن شبابنا بعيدون كل البعد عن أن يعرفوا لغتهم معرفة متوسطة فضلًا عن أن يحسنوها ويتصرفوا فيها تصرف المالك لها العالم بها المتقن لدقائقها وأسرارها وشبابنا مع ذلك ينفقون في درس اللغة العربية وينفق معهم أساتذتهم وقتًا طويلًا ويحتملون في ذلك ويحتمل معهم أساتذتهم جهدًا ثقيلًا فهم يدرسونها أربعة أعوام في التعليم الابتدائي وخمسة أعوام في التعليم الثانوي، ثم يصلون إلى الجامعة أو المدارس العالية وهم عاجزون أشد العجز عن أن يصوروا آراءهم وخواطرهم تصويرًا صحيحًا بالكتابة أو الخطابة أو الحديث فضلًا عن أن يصوروا هذه الآراء والخواطر في الشعر الرائع أو النثر الفني الجميل. وقد اعترفت وزارة المعارف نفسها هذه الحقيقة بعد أن أقنعتها التجربة بها ودلتها الحوادث عليها فساقَتْ إلى الذين يُعنَون بتعليم اللغة العربية حديثًا تسألهم فيه عن أسباب هذا العجز الظاهر وعن الوسائل التي يمكن أن تتخذ لإتقانه وتبرئة الشباب وقد تلقيت سؤال الوزارة هذا منذ أشهر فيمن تلقاه وقد رد عليه كثير من الناس في أحاديث خاصة وجهوها إلى الوزارة وفي مقالات وفصول نشرتها الصحف والمجلات ولكني آثرت الصمت واخترت أن أقرأ سؤال الوزارة ثم لا أجيب عليه لأني كنت مستيئسًا من فائدة هذه الإجابة واثقًا بأنها لن تغني شيئًا مستيقنًا أنها ستصل إلى الوزارة كما يصل إليها من الإجابات فتقرأ أو لا تقرأ ثم تحفظ بعد ذلك في مكان أمين أو تُسلم إلى الإهمال الذي ينتهي بها إلى الضياع.
وكنت محقًا في نفسي أن الوزارة لن تأخذ من الوسائل التي يمكن أن أقترحها عليها بشيء لأن الأخذ بهذه الوسائل كلها أو بعضها يحتاج إلى جرأة قد لا تقدم عليها البيئات الرسمية إلا بعد تردد طويل ولعل هذا التردد أن ينتهي بها إلى الإحجام والصبر على المكروه.
وكذلك رسمت لنفسي منذ عهد غير قصير خطة الإعراض عن السعي عند الوزارة في بعض وجوه الإصلاح التي تحتاج إلى الحزم والعزم وإلى الجرأة والإقدام وإلى مواجهة بعض المصاعب التي تنشأ عن المحافظة والغلو فيها.
وآثرت أن أترك أمور هذا الإصلاح تجري مع طبيعة التطور وتفرض نفسها على الأجيال شيئًا فشيئًا وما كنت لأخرج عن هذه الخطة التي أخذت نفسي بها منذ حين لولا أني وجدت من حديث معاليكم ومن رغبتكم الملحة في إصلاح أمر اللغة العربية ما رد بعض الأمل وشجعني على أن أعود إلى التفكير في أشياء قد تركت التفكير فيها منذ زمن بعيد. وإني لسعيد كل السعادة مغتبط أشد الاغتباط حين ألحظ أن الآراء التي سمعتها من معاليكم في إصلاح النحو والكتابة مطابقة كل المطابقة ما كنت أطمع فيه وأطمح إليه منذ أعوام طويلة فليكن إقبال معاليكم على هذا الإصلاح فألًا حسنًا ومقدمة سعيدة خطوات موفقة إن شاء الله.
ولقد لاحظت منذ أعوام في تقرير رفعته إلى أحد وزراء المعارف السابقين إن النحو الذي نعلمه لتلاميذنا وطلابنا في القرن الرابع عشر للهجرة هو بعينه النحو الذي كان يُعلَّم في البصرة والكوفة وغيرها من مراكز الثقافة الإسلامية في القرن الثاني والثالث للهجرة أي أننا نعلم النحو في هذه الأيام على الطريقة التي كان يُعلَّم عليها منذ أكثر من ألف سنة. ولاحظت أن العلوم كلها قد تطورت وتغيرت أصولها وقواعدها ومناهج تعليمها والبحث عنها إلا علوم اللغة العربية فإنها ظلت كما هي لم تتطور ولم تتغير إلا أن يكون ذلك من طريق الاختصار الذي لا يذلل صعبًا ولعله يصعب السهل ويدفع الواضع إلى الغموض وليست العلوم وحدها هي التي تطورت أو بعبارة أصح لم تتطور العلوم إلا لأن العقل نفسه قد تطور وتغير فأنتج علمًا مخالفًا ما كان نتيجة عن قبل وعجز عن استساغة العلم القديم الذي كان يسيغه العقل القديم. وما من شك في أننا لا نستطيع التفكير أن نعلم الطبيعة والطب على نحو ما كان يعلمهما الرازي وابن سينا أو أرسطاطليس وجالينوس ولكننا نطمئن إلى تعليم النحو والصرف بنفس الطريقة التي كان يعلمهما بها الكسائي وسيبويه.
ومصدر هذا التناقض الغريب خطأ في التقدير تورط الناس فيه منذ زمن بعيد ثم استقر في نفوسهم وامتزج بعقائدهم وأصبح تحويلهم عنه شيئًا عسيرًا. فهم قد ظنوا أن النحو هو اللغة وأن تغيير قواعده وأصوله تغيير للغة وإفسادها ومن حيث إن اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم والسنة المطهرة فينبغي أن ترتفع عن التغيير والتبديل وأن يبقى التصرف فيها على أي وجه من الوجوه يعرضها للتغير أو التطور وأغرب من هذا أن اللغة قد تغيرت وتطورت غير مرة في تاريخها الطويل دون أن يمس ذلك لغة القرآن والحديث أو يؤثر فيها تأثيرًا قليلًا وكثيرًا ولكن الناس لم يفطنوا هذا أو لم يحفلوا به وظلوا يؤمنون بأن النحو هو اللغة وبأن تغيير قواعده وأصوله شر عظيم. ومع ذلك فليس النحو إلا قواعد يقصد بها إلى ضبط استعمال اللغة على أقرب وجه وأيسره وقد ابتكر النحو ابتكارًا في أول الحضارة الإسلامية واستحدثت قواعده بعد أن لم تكن واختلفت في تصويرها وضبطها وعرضها آراء الأئمة والعلماء فلم ينشأ عن هذا الاختلاف إفساد اللغة ولم تتعرض من أجله لخطر جليل أو ضئيل وأي خطر تتعرض له اللغة حين يختلف الكوفيون والبصريون مثلًا في أن المبتدأ مرفوع بالابتداء أو مرفوع بالخبر. وفي أن الأسماء الستة ترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء أو ترفع بضمة قبل الواو وتنصب بفتحة قبل الألف وتجر بكسرة قبل الياء أو تُعرب بالحركة والحرف جميعًا أو تُعرب بحركة مقدرة على هذا الحرف سيظل المبتدأ مرفوعًا مهما يكن رافعه وستظل الأسماء الستة معربة على هذا النحو المعروف مهما تكن علامة إعرابها وعلى هذا النحو كل اختلاف العلماء التي تشبه هذين المثالين لم تغير اللغة ولم تعرضها لسوء. فلو أننا أحدثنا مذهبًا جديدًا في ضبط قواعد النحو فقلنا أن المبتدأ مرفوع وسكتنا عن رافعه مثلًا ما كان هذا المذهب الجديد أثر في اللغة من حيث هي لأن المبتدأ سيظل مرفوعًا كما كان فتستقيم اللغة كما استقامت دائمًا. ولكن هذا المذهب الجديد قد يريح التلميذ والطالب من عناء لا حاجة إليه ولا فائدة فيه هو عناء البحث عن هذا العامل المعنوي الذي كان يرفع المبتدأ عند البصريين وهو الابتداء أو عناء فهم هذا العبث الطريف الذي كان يجعل المبتدأ رافعًا للخبر والخبر رافعًا للمبتدأ عند الكوفيين.
وما أشد حاجة التلميذ والطالب في هذا العصر الذي كثر العلم فيه وتعقدت ألوان المعرفة إلى أن نريحه من العناء الذي لا يُغني ونقدم إليه من العلم ما يستطيع أن يسيغه ونحن إن لم نفعل ذلك بغضنا إليه العلم تبغيضًا وصرفناه عنه صرفًا وأظن أننا قد نجحنا إلى الآن في تبغيض اللغة العربية وعلومها إلى التلاميذ والطلاب وما أرى أن الفتى المصري يبغض من العلوم التي يحصلها في المدرسة شيئًا كما يبغض النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع ذلك لأن هذه العلوم لا تتصل بنفسه ولا تتحدث إلى عقله ولا تلائم طبعه ومزاجه وإنما هي ألغاز لا تُفهم أو سخف لا يستطيع أن ينظر إليها نظرة الجد.
وكيف نريد التلميذ على أن يفهم أننا إذا قلنا حمدُ أقبل فلابد من أن نقدر فاعلًا مستترًا للفعل ومن أن يكون هذا الفاعل المستتر ضميرًا يرجع على حمد. وكيف نريد الطالب على أن يفهم أن هذا الضمير المستتر قد يستتر جوازًا مرة ويستتر وجوبًا مرة أخرى وهو في كل حال مبني ومحله دائمًا محل الرفع كل هذا كلام لا يسيغه العقل الحديث ولا سيما في طور الطفولة والشباب فإذا فرضناه على الصبي أو الفتى فإنما نفرضه على الذاكرة ونكلف التلميذ أن يحفظ ما لا يفهم وأن يعيده في الامتحان كما يعيد الببغاء ما تحفظ من الصيغ والألفاظ وهذه الأمثلة التي ذكرت أهون ما يلقى التلميذ حين يأخذ في درس النحو ولا أريد أن أعرض للحركات التي تُقدر ويُمنع من ظهورها التعذر أو يُمنع من ظهورها الثقل أو تُمنع من ظهورها كسرة المناسبة ولا أريد أن أعرض للاشتغال ولا أريد أن أعرض للحروف التي تنوب عن الحركات ولا الحركات التي ينوب بعضها عن بعض كالفتحة التي تنوب عن الكسرة والكسرة التي تنوب عن الفتحة ولا أريد أن أعرض لنظرية العامل التي تكلف التلميذ والطالب عناءً ثقيلًا دون أن يفهمها أو يسيغها وما أكثر ما يسأل التلميذ نفسه عن هذه الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر كيف تعمل النصب والرفع مع أنها في حقيقة الأمر لا تعمل شيئًا. فلو أرحنا الطالب من هذا كله ويسرنا له أمور النحو تيسيرًا وحببنا إليه دروس اللغة العربية وأتحنا له فهمها وذوقها والانتفاع بها في الكلام والفهم نعرض اللغة خطرًا قليلًا أو كثيرًا، كلا إنما نحط عن التلميذ عبئًا ثقيلًا ليس هو في حاجة إلى احتماله وإنا واثق كل الثقة بأن إراحة التلميذ من هذا العناء الثقيل السخيف ستغير نظرته إلى دروس اللغة العربية وإقباله عليها وستظهر نتيجة ذلك في أسرع الوقت وأقصره.
أما إصلاح الكتابة فليست الحاجة إليه أقل من الحاجة إلى إصلاح النحو ولعلها أن تكون أشد منها وأكثر شيوعًا فليس كل الناس مضطرًا إلى أن يتعلم النحو ولكن كل الناس مضطر إلى أن يقرأ ويكتب وهو في حاجة إلى أن يُعصم من الخطأ إذا قرأ وكتب وقد صور حاجة الناس إلى هذا الإصلاح تصويرًا صادقًا كل الصدق في حديثكم الذي أذعتموه منذ حين وأكبر الظن أن مصدر الشر في هذه المسألة هو بعينه مصدر الشر في المسألة السابقة فقد استقر في نفوس الناس أن الكتابة كما هي مقدسة لا ينبغي أن تُمس ولا أن ينالها التغيير كما أن النحو مقدس لا ينبغي أن يُمس ولا أن يناله التغيير وقد نسي الناس أن الكتابة تغيرت وتطورت ونالها العلماء بالإصلاح فلم يصب اللغة من ذلك شر ولم يلم بها مكروه وقد أرادت الظروف أن تكون الكتابة العربية كغيرها من الكتابات السامية ناقصة نقصًا شنيعًا تصور نصفها وتهمل نصفها الآخر، تصور حروفها الجامدة وتهمل حروفها اللينة ونشأ عن هذا أن أصبحت الكتابة لا تكاد تغني وهي على كل حال شديدة العسر ولا يحسن قراءتها إلا الذين يفهمون قبل أن يقرأوا وقد يمكن أن يُقبل هذا حين تكون الكتابة مقصورة على طبقة ضيقة من الناس تحتكرها وتتفرد بها كما كان الكهان يحتكرون العلم ويستأثرون به في بعض العصور فأما إذا فرض الدستور أن يقرأ الناس جميعًا وأن يكتبوا فأما إذا ألغت الديمقراطية هذا النوع من الاحتكار فلا ينبغي أن نطالب عامة الناس بأن يفهموا قبل أن يقرأوا وبأن يكون لهم ذكاء العلماء والمتفوقين وإنما ينبغي أن نجعل القراءة أداة تمكنهم من الفهم لا غاية يمكنهم الفهم منها وليس إلى ذلك من سبيل إلا أن تكون الكتابة كاملة كالنطق فتصور فيها الحروف الجامدة والحروف اللينة كما أن النطق كامل يصور فيه هذان النوعان من الحروف. فنحن إذا نطقنا بلفظ "كَتَبَ" لا ننطق بالكاف والتاء والباء وحدها وإنما ننطق معها بهذه الفتحات الثلاث التي هي النصف اللين هذه الكلمة فما بالنا نصورها النطق في الكتابة؟ وكيف السبيل للقارئ الساذج إذا رأى هذه الأحرف الثلاثة الجامدة أن ينطقها على الصورة التي أرادها الكاتب إلا إذا فهم قبل أن يقرأ وكيف يتاح ذلك لغير العلماء والأذكياء من الناس. وإذا كان الأئمة من علماء المسلمين قد فطنوا لخطر هذه المسألة بالقياس إلى القرآن الكريم نفسه فحاولوا تصور هذه الحروف اللينة في المصحف الشريف بالنقط مرة وبالشكل المعروف مرة أخرى فما الذي يمنعنا نحن من أن نمضي في هذه الطريق التي مهدها لنا المتقدمون أفلا يسعنا أن نصنع ما صنع أئمة القرن الأول والثاني وكيف ينكر علينا ما لم يُنكر عليهم وكيف نلام على ما لم يُلاموا عليه وأيهما خير أن نسلك هذه الطريق التي سلكوها فنتم ما بدأوا ونحقق ما أرادوا أم أن نبقى حيث نحن فنحول بين اللغة العربية وبين الحياة والخصب والنماء لو نضطر إلى أن نصطنع الكتابة اللاتينية كما اصطنعها الترك أما أنا فما أشك في أن الإقدام على هذا الإصلاح فرض لا سبيل إلى إهماله إلا إذا أبحنا لأنفسنا إهمال اللغة نفسها وتركها عرضة لتقلب الظروف ولكن تحقيق هذا الإصلاح ليس من الأشياء اليسيرة فهو قد يحتاج إلى جماعة من الفنيين الذين يتقنون العلم بأنواع الكتابة والخط ويحسنون التصرف فيها ليدرسوا هذه المسألة درسًا عميقًا ثم يعرضوا ما يتاح لهم من الحلول العملية التي تجمع بين الدقة واليسر والبساطة. وربما كانت المسابقة العامة من الوسائل المنتجة لهذا الأمر بعد أن يستقر رأي العلماء وينم اتفاقهم على ضرورة الأخذ بهذا الإصلاح.
وخلاصة القول إني أقترح أولًا أن تؤلف لجنة صغيرة تكلف تبسيط النحو ورفع ما تنتهي إليه من هذا التبسيط إلى معاليكم لتروا رأيكم ولتعرضوه إن شئتم على هيئة أوسع وأشد تنوعًا من هذه اللجنة وثانيًا أن تستشيروا في مسألة إصلاح الكتابة طبقات مختلفة من المشتغلين باللغة العربية وعلومها فيستشار الأزهر وتستشار دار العلوم وتستشار الجامعة ويستشار المجمع اللغوي فإذا اتفقت هذه الهيئات كلها على الأصل الأساسي وهو من تصوير الحروف اللينة أو الحركات على أنها جزء من الكلمات ضرورة لا بد منها وخير لا شر فيه عرض موضوع هذا الإصلاح مسابقة عامة لا في مصر وحدها ولا في الشرق العربي وحده بل في الشرق والغرب جميعًا.
وإنا أرجو أن تتفضلوا فتقبلوا مع أجمل الشكر وأحسن التقدير، أخلص التحية وأعظم الإجلال.
طه حسين
Tag: Arabic language
-
تيسير
-
قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
قوميتنا العربية بين الماضي والحاضر والمستقبل
طه حسين
مجلة الهلال
يناير ١٩٥٩
الأمة العربية من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، كانت في العصر الجاهلي مختلفة أشدَّ الاختلاف، قوام حياتها الخصام والعدوان والغارات والنهب والسلب. ولم يكن يجمعها في هذا العصر الجاهلي إلا لغتها على اختلاف شديد في لهجات هذه اللغة، وإنما الذي استطاع أن يؤلِّف شيئًا ما بين هذه القبائل المتفرقة هو الشعر الذي لم يكد ينشأ حتى فرض لهجة بعينها على الأمة العربية كلها في جميع أطرافها وأقطارها من الجزيرة العربية، فكان الشاعر العربي إذا أنشأ قصيدة وأنشدها في نادٍ من الأندية، فَهِمها عنه الناس مهما تكن قبائلهم، ومهما تكن لهجاتهم أو لغاتهم الخاصة، ثم لم يكتفوا بفهمها، وإنما كان الرواة يتناقلونها عن الشاعر. وكانت القصيدة لا تكاد تُنشَد حتى تَشِيع في الجزيرة العربية، ويحفظها كثير من الرواة في الأقطار المختلفة من أقطار الجزيرة. فأول توحيد للعقل العربي إنما جاء من هذه الناحية، من هذا اللسان الذي أتاح للغة العربية في العصر الجاهلي أن تكون لغة اجتماعية، وأن تكون لغة تستطيع القبائل — على تباعدها واختلافها وخصومها — أن يفهم بعضها البعض، وأن يشعر بعضها بما يشعر به بعضها الآخر. فالمكوِّن الأول في المحاولة لإيجاد وحدة لهذه القبائل العربية، إنما هو الأدب، والشعر من الأدب بنوع خاص؛ لأنه هو الذي سبق إلى الوجود، ولم يوجد أخوه النثر إلا بعد عصور تطاولت كثيرًا.
مَتَى تكونت القومية العربية؟ والقومية العربية، إذا أردنا أن نَعْرِف متى تكونت بالمعنى الدقيق لكلمة القومية، فينبغي أن نرد هذا إلى ظهور الإسلام، فالمكوِّن الحقيقي للوحدة العربية بجميع أنواعها وفروعها: الوحدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية واللغوية أيضًا، إنما هو النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي جاء بالقرآن، ودعا إلى الحق، واجتمع حوله الأقلُّون من أصحابه، وجعل الأقلون يَكْثُرُون شيئًا فشيئًا؛ حتى كانت الهجرة، وحتى أُسِّسَتْ أول مدينة إسلامية، أو بعبارة أدق: أول مدينة عربية منظمة عرفها التاريخ. ولا أذكر اليمن القديمة؛ لأني لا أكاد أعرف من حضارتها ونظمها شيئًا، وإنما المدينة الأولى التي عرفها التاريخ والتي تكونت فيها النواة الأساسية للقومية العربية، هي مدينة «يثرب» بعد أن هاجر النبي إليها مع أصحابه من «قريش». ومن هذه الوحدة الضئيلة الصغيرة في هذه المدينة التي لم تكن خالصة لأهلها من العرب، وإنما كان اليهود يشاركونهم فيها — من هذه الوحدة الضئيلة اليسيرة التي كان من أيسر الأشياء أن يتخطَّفها العرب من حولها، لولا أن الله أيَّد رسوله وأيَّد المدينة برسوله من هذه الوحدة؛ جعل الاتحاد العربي ينمو قليلًا قليلًا، باللين حينًا، وبالعنف والشدة حينًا آخر، ولم ينتقل النبي إلى جوار ربه إلا وقد تمت وحدة الجزيرة العربية ووجدت قومية عربية منظمة لها قانونها وهو القرآن، ولها نظامها السياسي الذي يقوم على ما دعا إليه القرآن من العدل والإنصاف والمساواة بين الناس، ولها حكامها المنَظِّمون والمنَظَّمون أيضًا، الذين لا يستأثرون على أحد ولا يؤثرون أنفسهم بخير، وإنما هم خَدَم للأمة العربية، ينشرون بينها العدل، ويعلمونها شرائع الدين، ويهيئونها لأداء واجبها الإنساني العظيم. وبعد أن أتم النبيُّ توحيدَ الأمة العربية ونَهَضَ خلفاؤه من بعده، جعلت هذه القومية العربية تتجاوز الجزيرة العربية إلى الأقطار الأخرى، وأول هذه الأقطار التي انتشرت أو التي تجاوزت العروبة جزيرتها إليها ينبغي أن نلاحظ أنها كانت أقطارًا قد استعربت شيئًا ما في العصر الجاهلي. فأول ما خرج العرب من جزيرتهم غزاة فاتحين يريدون أن ينشروا الإسلام ويدعون إلى دين الله، ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان الشام قد استعرب قبل الإسلام، لا على الحدود بينه وبين الجزيرة العربية فحسب، حيث كان الغسانيون يُقيمون، بل إلى داخل البلاد الشامية، وكانت بعض القبائل العربية قد انتشرت في الشام قبل الإسلام، وتأثرت بالحياة التي كان الناس يحيونها في هذا القطر، وهي حياة الروم، وتديَّنت بالدين الذي كان الروم يدينون به؛ وهو النصرانية. والعراق كان أيضًا قد سبق إليه العرب في الجاهلية، وتأثروا إلى حد ما بالمسيحية التي جاءتهم من الجزيرة، وتأثَّروا إلى حد ما بسياسة الفرس، الذين ذهبوا إلى العراق وإلى الشام، وكان العرب حماةً لحدود الإمبراطورية الرومانية في الشام وحماةً لحدود الإمبراطورية الفارسية في العراق. ولم يكن الفتح الإسلامي في أول أمره إلا يسيرًا عندما التقى بالعناصر المستعربة في الشام وفي العراق، ولكن عندما اهتم الفرس من جهة، واهتم الروم من جهة أخرى بهذا السيل الذي جعل يتدفَّق على الشام والعراق، أصبحت القومية العربية أمام واجب خطير، وهو أن تقف موقف الخصومة والنزاع من هاتين الدولتين العظيمتين: الإمبراطورية البيزنطية في الشام، والإمبراطورية الفارسية في العراق.
انتصار القومية العربية هنا انتصرت القومية العربية في هذين القطرين؛ في الشام وفي العراق، ولكنها لم تقف عند هذا الحد؛ وإنما تجاوزته إلى بلاد لم يكن لها بالعروبة عهد من قبل، تجاوزتها إلى مصر في المغرب، وتجاوزتها إلى الفرس والبلاد الفارسية في المشرق، وانتصرت على الروم في مصر، كما انتصرت على الفرس في بلادهم وأدالت دولتهم، ثم انتصرت على الروم بعد ذلك في شمالي أفريقية. واستقرَّت العروبة في شمالي أفريقية بعد خطوب شداد، ثم تجاوزت أفريقية إلى القارة الثالثة التي لم يكن العرب يعرفونها قبل الإسلام وهي القارة الأوروبية، ففتحت الأندلس، واستقر العرب في إسبانيا كما استقروا في أفريقية، وكما استقروا في شرق الدولة الإسلامية في بلاد الفرس، ووصلوا إلى أطراف الهند … منذ ذلك اليوم تعقَّدت القومية العربية، لم تصبح أمة تعيش في وطنها الذي نشأت فيه خالصًا لها هذا الوطن، وخالصة هي لهذا الوطن؛ وإنما أصبحت أمة تجاوزت وطنها وبيئتها ونزلت إلى أوطان وبيئات لم تكن تعرفها هي، ولم تكن هذه الأوطان والبيئات تعرف عنها إلا الشيء القليل. وأغرب ما تمتاز به هذه القومية العربية، هو أنها عندما استقرَّت في هذه البلاد التي افتتحتها، وحاولت أن تستقر فيها عندما أُتيح لها هذا النوع من الاستقرار لم تكتفِ به، ولم تكتف بأن تستقر في الشام حكومة متسلِّطة، أو في العراق حكومة متسلطة، أو في بلاد الفرس كذلك. لم تكتف بامتلاك الأرض، ولم تكتف بإخضاع الناس للسلطان؛ لأنها لم تكن تريد أن تملك الأرض، ولم تكن تريد أن تُخضِع الناس بسيطرة سياسية فحسب، وإنما كانت غايتها — قبل كل شيء — أن تملك القلوب، وأن تسيطر على الضمائر، وأن تدخل في أعماق الوجدان في البلاد التي تفتحها وتستقر فيها، وبشرط أن يكون هذا كله دون إكراه أو عنف، وإذن ينبغي أن يأتي هذا بطبعه من نفسه من غير محاولة عنيفة، بل من غير محاولة في أكثر الأحيان. فبعد أن غلب المسلمون، لم يفرضوا على بلد من هذه البلاد لغتهم، ولم يفرضوا عليها دينهم؛ لأنهم اكتفوا منهم بالأصول التي قررها الإسلام، وهي: الإسلام لمن أراد أن يسلم عن رضًا، أو أداء الجزية. وفي نصف القرن الأول — أي قبل أن يمضي نصف قرن على فتح الفرس مثلًا — كان بعض الفرس قد أتقنوا اللغة العربية وبرعوا فيها، وأخذوا ينافسون العرب في الشعر العربي نفسه، ووجد في أيام بني أمية شعراء يقولون الشعر كأفصح ما يكون الشعر في اللغة العربية، وأصولهم فارسية لم يعرفوا اللغة العربية إلا بعد أن أسلموا، وبعد أن قاموا مجاورين للعرب في بلادهم أو في جزيرة العرب نفسها. ولم يكد القرن الثاني ينتهي حتى ننظر إلى القومية العربية فنرى عجبًا من العجب، نرى مهد القومية العربية قد هُجر أو كاد يُهجر، ونرى الجزيرة العربية قد عادت إلى بداوتها القديمة، وظلت المدينة ومكة محتفظتين بما كان يدرس فيهما من الدين والعلم. ولكن البيئات القديمة البدوية في نجد عادت إلى بداوتها، وعادت إلى شيء كثير من عزلتها القديمة، وكادت الصلة تقطع بينها وبين البلاد الأخرى، وإذا القومية العربية ليست في الجزيرة العربية وحدها، وإنما هي — قبل كل شيء — في هذه البلاد التي فُتحت، والتي امتزج فيها العرب بغيرهم من سكان البلاد الأصليين. ومعنى هذا خطير كل الخطورة، فهؤلاء السكان كانوا يتكلمون لغات مختلفة جدًّا، وكان الفرس يتكلمون لغتهم الفهلوية، وكانت للشام لغات سامية، وكذلك في العراق وفي الجزيرة، وكان المصريون يتكلمون لغتهم القبطية. وكانت لغة الثقافة والسياسة في البلاد الشامية والمصرية هي اللغة اليونانية، ولغة السياسة والثقافة في العراق وبلاد فارس هي اللغة الفارسية، ولغة الثقافة والسياسة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا كانت هي اللغة اللاتينية.
قوة اللغة العربية وننظر في أواخر القرن الثاني، فإذا كل هذه اللغات قد تركت أماكنها من ألسنة الناس وعقولهم وقلوبهم لهذه اللغة العربية؛ فالفرس يتكلَّمون العربية ويكتبونها، ويُزاحِمون العرب أنفسهم فيزحمونهم، وإذا الفرس هم الذين يضعون كتب النحو العربي وأصوله، وإذا هم يعنون بجمع اللغة العربية وتدوينها، ويشاركون العرب في هذا كله ويغلبونهم عليه أحيانًا، واللغات السامية التي كان الناس يتكلمونها في سوريا ويتكلمونها في الجزيرة ويتكلمونها في العراق، عادت كلها إلى الأديرة، وأصبح الناس يتكلَّمون اللغة العربية، واللغة العربية بطبيعتها أصبحت لغة السياسة ما دام الحكام عربًا، ولكن اللغة السياسية هذه التي يتكلمها الناس لم تلبث أن أصبحت لغة للثقافة والعلم أيضًا. وإذن هناك قومية عربية جديدة أنشأها الإسلام، لم تكن تأتلف من عنصر عربي خالص، وإنما كانت تأتلف من جميع هذه العناصر، من العناصر التي كانت تسكن كل هذه البلاد، فأنشأ الإسلام إذن أمة جديدة، وجعل هذه الأمة عربية: عربية اللغة، عربية التفكير والشعور، عربية الحضارة، عربية العلم والثقافة والأدب. ومن غريب الظواهر الأدبية في حياة هذه القومية الجديدة التي أنشأها الإسلام — والتي ألغى فيها الفروق بين الأجناس، وألغى فيها أن يكون لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى — من أغرب الظواهر أن الشعراء الذين استأثروا بالشعر وامتازوا فيه، وأصبحوا هم ألسنة الأمة العربية بمعناها الجديد، لم يكن منهم شاعر عربي خالص؛ كان بعضهم فارسيًّا، وبعضهم نبطيًّا، وبعضهم يونانيًّا. لم يكن منهم شاعر عربي خالص، وإنما كانوا جميعًا من هذه الأمم التي استعربت وأعربت عن شعورها القديم، وعن عقولها القديمة، وعن وجدانها القديم في الشعر العربي، والعقل العربي، والوجدان العربي. وكانت اللغة اليونانية قد سادت في الشرق الذي نسميه الآن بالشرق العربي، وبنوع خاص في مصر والشام والجزيرة. ولكنها لم تستطع أن تمحو هذه اللغات الوطنية، فظل المصريون يتكلَّمون لغتهم القبطية، وظل أهل الشام يتكلَّمون لغتهم السامية الآرامية، وظل أهل الجزيرة والعراق كذلك، وكانت اللغة اللاتينية سائدة في شمالي أفريقية وفي إسبانيا، ولكنها لم تستطع أن تقهر لغة البربر في شمالي أفريقية، ولا أن تقهر الإسبانيين على أن يتركوا لغتهم الوطنية الأولى. ولكن اللغة العربية جاءت فقهرت اليونانية، وقهرت معها اللغات الوطنية أيضًا، وقهرت اللاتينية في المغرب، وقهرت اللغة الفارسية أربعة قرون تقريبًا. كل هذا إن دل على شيء فإنما يدلُّ على قوة اللغة العربية، وقوة الطبيعة العربية، وقوة هذا الدين الذي كان هو العامل أو المؤثِّر الأول في انتشار العرب خارج جزيرتهم، ثم في تكوين هذه الأمة العربية الجديدة. ومن المحقَّق أن البلاد التي يتألف منها العالم العربي الحديث لا يمكن أن تكون حقًّا مؤلَّفة من عناصر عربية خالصة تُنسب إلى عدنان وقحطان؛ وإنما هي عربية بلغتها، عربية بشعورها وعقلها ووجدانها، عربية بدينها، سواء أكان هذا الدين إسلامًا أم كان نصرانية، هي عربية بهذا كله، أثرت العروبة على غيرها، وأصبحت أمة عربية جديدة كَوَّنَهَا الإسلام وكوَّنها دون إكراه أو إرغام أو عنف، فتكوَّنت بهذه الوسيلة وبهذا اليسر.
سماحة القومية العربية وأخص مزايا هذه القومية العربية أنها حرة ومتسامحة، وأنها مفتوحة الأبواب لا مغلقتها، وأنها متعاونة مع الذين يحبون أن يتعاونوا معها؛ فهي قبلت الثقافات الأجنبية في عصورها الإسلامية الأولى؛ قبلت الفرس والهند واليونان، وقبلت كثيرًا جدًّا من الثقافات السامية القديمة، ومن ثقافة المصريين القدماء، قبلت هذا كله وأساغته وجعلته عربيًّا، ثم لم تكتف بهذا ولم تستأثر به دون الإنسانية المتحضرة، ولكنها جعلت تنشر ما تستطيع أن تنشره من هذا كله في الشرق والغرب جميعًا، فأثَّرت بثقافاتها الجديدة في الشرق: في الهند وفي بلاد الصين، وأثرت بثقافتها العربية الجديدة في أوروبا في الغرب، وفي أوروبا لم تؤثِّر بعلمها وفلسفتها فحسب، ولكنها أثَّرت بعلمها وفلسفتها، وأثَّرت بشعرها أيضًا، وهي التي علَّمت الشعراء الفرنسيين في القرون الوسطى أن يقولوا ذلك الشعر الذي كانوا ينتقلون به بين المدن في فرنسا. هذه هي القومية العربية، كوَّنها — أو حاول تكوينها — الشعر أول الأمر، ثم كوَّنها القرآن آخر الأمر، ثم جعلت تفرض نفسها في غير عنف ولا إكراه على العالم القديم، حتى احتلَّت مكانة الإمبراطورية الرومانية واحتلَّت مكان الدولة الفارسية. وهي الآن بعد أن عَدَتْ عليها الخطوب، وبعد أن ألحفت عليها الكوارث، وبعد أن ألح عليها التُّرْك بنوع خاص في عصور مختلفة من حياتهم، وبعد أن اضطُرَّت إلى الخمول وإلى الضعف؛ ظلَّت على الرغم من هذا كله محتفِظةً بقوميتها، محتفظة بلغتها وعقليتها وشعورها وكل ما يميزها. ظلت محتفظة بهذا كله، وقد عَرَضَتْ لها الخطوب المختلفة، فانقسمت وانفصل بعضها عن بعض ونشأت فيها دول، برغم هذا ظلت — وستظل — واحدة في الشعور، وواحدة في التفكير، وواحدة في الآلام، وواحدة في الآمال.
فضل الأدباء وإن كانت الأمة العربية قد أخذت الآن تنهض، وأخذت تعرف نفسها، وأخذت تعرف حقوقها وتعرف واجباتها؛ فالفضل في هذا كله إنما يرجع إلى الأدب وإلى الأدب وحده. ما الذي أنشأ النهضة الحديثة في هذه البلاد العربية؟ هو أنها التقتْ بالغرب، وعرفت حياة غريبة لم تكن تعرفها … كان الترك العثمانيون قد قطعوا كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فلم تكن تعرف الغرب ولا تكاد تسمع به، وكاد الغرب هو نفسه أن ينساها. اضطرت بمقتضى الحوادث التي حدثت في أواخر القرن الثامن عشر وفي القرن التاسع عشر إلى أن تعرف أوروبا، فرأت ألوانًا من الحياة جديدة، وأرادت أن تعرف من هذه الحياة شيئًا؛ فجعلت تتعلَّم اللغات الأوروبية، وإذا هي تعرف المطبعة، ولم تكد تعرف المطبعة حتى ذكرت أن لها كتبًا قديمة مكدسة في المساجد وفي الكنائس وفي الأديرة، وإذا هي تأخذ في نشر هذه الكتب، وكان إحياء الأدب العربي القديم بفضل المطبعة، وكان الاتصال بالحياة الغربية الحديثة ضمن هذين التيارين، نشأت ثقافة جديدة في هذه البلاد العربية، ومَن الذي أنشأها؟ هؤلاء الأفراد الذين تعلموا، والذين كانوا يقرءون الكتب القديمة وينشرونها، ويتعلَّمون اللغات الحديثة ويترجمون منها، والذين كانوا يُذيعون العلم والأدب في بلادهم وفي البلاد المجاورة. ومَن هؤلاء القوم؟ ومَن هؤلاء الناس؟ إنهم هم طليعة الأدباء المعاصرين. -
في الذوق الأدبي
في الذوق الأدبي
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣ أبريل ١٩٥٧
كنت أسأل منذ خمسة عشر يومًا عن الذوق الأدبي الذي عرفه المصريون في النصف الأول من هذا القرن، أَصائِرٌ هو إلى البقاء أم إلى الفناء؟ …
وكان هذا السؤال لا يخلو من الإجابة، فكل شيء يدل على أنه صائر إلى تغيير خطير هو بالفناء أشبه منه بالبقاء، ولكن التفاؤل يُغْرِي بالأمل … ولم تَخْلُ مصر بَعْدُ مِنْ قِلَّةٍ تُؤْثِر ذلك الذوقَ الأدبيَّ، وتدعو إليه، وتود لو أشاعته بين القُرَّاء وبين الكُتَّاب والشعراء معًا.
ولا بد من تسجيل حقيقةٍ ما أظنُّ أحدًا يجادل فيها، وهي أن الشِّعر المصري الحديث أقلُّ تطورًا وأبطأ حركةً من النثر؛ فالناس لا يصطنعون الشِّعر للإعراب عمَّا يضطرب في نفوسهم من شئون الحياة اليومية، وهم لا يحررون للصحف شِعْرًا ولا يكتبون فيما يريدون أن يكتبوا فيه حين يؤلفون الكتب شعرًا أيضًا، وإنما يصطنعون النثر في هذا العصر كما اصطنعوه في جميع العصور، كما تقدمت الحضارة لتأدية أغراضهم المختلفة، والشعراء يطرفون أنْفُسَهم ويطرفون قُرَّاءَهم بالقصيدة أو الديوان أو القصة التمثيلية الشعرية حين يتهيأ لهم ذلك وتدفعهم إليه الدوافع وتحس به نفوسهم وطباعهم التي تختلف حظوظها من الخصب وقدرتها على الإجادة والبراعة.
ومن هنا، كان الشعر المعاصر محتفظًا بتلك المقاييس التي ألفها شعراؤنا في أول هذا القرن لم يكادوا يتحوَّلون عنها، وهناك تجارب للتجديد في الشعر من حيث الأوزان والقوافي ومن حيث الموضوعات والأساليب، ولكنها لم تَعُد طور التجارب والمحاولات. لم يتقبلها أكثر الذين يقرضون الشعر ولم يُقْبِل عليها أكثر الذين يقرءونه ولم يمضِ فيها أصحابُها؛ لأنهم لا يجدون عليها تشجيعًا.
ومن أجل هذا، ظلَّ الشِّعْر المصري المعاصر في جملته كما عرفناه أيام الممتازين من شعرائنا لم يكد يتقدَّم خطوة إلى أمام وأصابه شيء من الجمود والعقم؛ لأن الدنيا تغيَّرت من حوله ولم يستطع هو أن يساير التغيُّر ولا أن يستجيب له.
الإجادة وإذا أُتِيحَتِ الإجادةُ لشاعر من شعرائنا المعاصرين فقَلَّ أن يضيف إلى ما ورثناه عن شعرائنا القدماء والمحدثين شيئًا ذا بال. أما النثر فأمره مختلف جدًّا؛ فهو قد ساير الحياة وتأثر بما أدركها من تطور، وتأثر كذلك بما أصابها من قصور، وعسى أن يكون قد أسرف في تطوره وتأثر بأسباب القصور والضعف أكثر مما تأثر بأسباب القوة والازدهار. ولا بد من أن نلاحظ أن الذين طوَّرُوا الذوق الأدبي في النصف الأول لهذا القرن لم يكونوا كما يظن كثير من الناس في هذه الأيام يعيشون في البروج العاجية، ولا يعتزلون الحياة الشعبية، ولا ينأون بحال من الأحوال عن آلام الناس وآمالهم، ولا يهملون قدرتهم وطاقاتهم، وإنما كانوا يعيشون مع الشعب بل يعيشون بالشعب وللشعب، يعيشون له لأنهم كانوا يعربون عن ذات نفسه، يصورون له آماله ليحرص عليها ويجد في تحقيقها، ويفتحون له آفاقًا جديدة من الأمل ليسرع إليها ويمعن فيها، ويصورون له آلامه ليبرأ منها ويضع عن نفسه أثقالها … وأيسر القراءة فيما كانوا يكتبون تُبيِّن ذلك في غير لبس ولا غموض. فهُمُ الذين صوَّروا له الاستقلال وزيَّنوه في قلبه، وهم الذين بغَّضوا إليه الاحتلال وأثاروه على الإنجليز. وهم الذين كرَّهُوا إليه الاستبداد وأطمعوه في الحرية وأغروه بالإلحاح في طلبها، وهم الذين أعدوه للثورة وأسخطوه على حياة سيئة كان يحياها، وهيأوا ضميره ليسرع إلى الخير حين يُدعَى إليه، وينصرف عن الشر حين يُرَدُّ عنه، ويتقبل الإصلاح حين يُعرَض عليه. وهم قاوموا الاستبداد ولقوا في مقاومته ضروبًا من الأذى وفنونًا من الفكر.
المعوجون وهم قوَّموا المُعْوَجين من الحكام، وجدُّوا في صرف الشعب عنهم وتزهيده فيهم. فعلوا كل هذا وتقبَّل الشعب منهم ما فعلوا، واستجاب الشعب لهم حين دعوه واستمع لهم حين تحدثوا إليه. وآية ذلك أنه كان يقرأ لهم حين يكتبون ويسمع لهم حين يخطبون أو يتحدثون. وهم على كثرة ما فعلوا وحُسن ما أبلوا قد احتفظوا للأدب العربي بروعته ونضرته وأحيوا اللغة العربية بعد أن أدركها شيء يشبه الموت، وأثبتوا شخصية وطنهم بين الأوطان المعاصرة، وأثبتوا شخصية أنفسهم بين الكُتَّاب الذين كانوا يكتبون في أطراف الأرض، وهم كتبوا لمواطنيهم أدبًا خالصًا رفيعًا كما كتبوا لهم في فنون العلم المختلفة ما غذا قلوبَهم وعقولَهم، وصفَّى طباعهم وأذواقهم، وحبَّبَ إليهم الحقَّ والخيرَ والجمالَ.
التعليم وكانوا جديرين أن يبلغوا من ذلك أكثر مما بلغوا، وأن يتيحوا للشباب من ذلك أكثر مما أتاحوا لهم لو واتتهم الظروف واستجاب لهم التعليم العام. ولكن الظروف لم تُواتِهم والتعليم العام لم يستجب لهم، ولا بد من أن يذكر القُرَّاء أن الحرية السياسية لم تَكَدْ تُتاح لمصر وأبنائها حتى أدركتها نكسة خطيرة قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها. فهذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بالحياة السياسية المصرية، والتي ملأها النكر والظلم والعبث وإهدار الحقوق ومصادر الآراء. هذه الوزارات التي ضاقت بالحرية، وبطشت بالأحرار، وجدَّتْ في إفساد الضمائر، وسلطت القسوة على الكُتَّاب والخطباء والأساتذة في جامعاتهم، وأقامت في مصر حكمًا قوامه البطش، وأرسلت بعض الكُتَّاب إلى السجون، وصادرت بعضهم الآخر في رزقه، كل هذا الشر كان عقبة خطيرة في سبيل الأدب المصري الحديث أثناء الربع الثاني لهذا القرن. والغريب أن الأدباء في تلك الأيام قد استطاعوا أن يقهروا تلك الظروف ويَنْفُذوا بما أُقِيمَ أمامَهم من المصاعب. حِيلَ بين أقلامهم وبين الحرية في الصحف؛ فأقبلوا على الكتب يؤلفونها ويستمتعون في تأليفها بالحرية الكاملة لأن الوزراء وأعوانهم لم يكونوا يقرءون الكتب ولا يفرغون لها! وكذلك كانت تلك الأيامُ السودُ أيامَ خصبٍ للتأليف والإنشاء الأدبي الرفيع، ومن الكُتَّاب مَنْ عمد إلى الرمز في بعض ما كان يكتب في الصحف وفي بعض ما كان ينشئ من الكتب؛ فداورَ السياسةَ حتى غلبها، وقال للظالمين ما أراد أن يقول. وهذه الأحكام العرفية التي اتصلت منذ أُعْلِنَتِ الحرب العالمية الثانية إلى الآن، ولم تُرْفَع في هذه السنين الطوال إلا فترات قصارًا، والأحداث الكثيرة التي عرضت فصرفت الناسَ أو كادت تصرفهم في بعض الأوقات عن الفراغ للإنشاء والقراءة. فإذا أضفت إلى هذا كله أن التعليم العام لم يستجب لحاجات النهضة الأدبية، وإنما اقتضت ظروفُه ألا يتقدَّم إلا في بطء شديد، واقتضت ظروفه أيضًا أن يحسب القائمون على أموره حسابًا أي حساب للغالين في المحافظة والمسرفين في الجمود والمبغضين لكل تطور أو تجديد؛ فظلَّتِ اللغةُ العربيةُ وعلومها وآدابها تُدرَّس للتلاميذ في مدارس التعليم العام أثناء هذا القرن كما كانت تُدرَّس للتلاميذ منذ أكثر من ألف عام.
التلاميذ وظل التلاميذ يسمعون لدروس أساتذتهم دون أن يحققوها أو يذوقوها ودون أن تُقْبِل عليها قلوبهم أو تُسِيغها عقولهم، فكانوا يرون أنفسهم مُسخَّرين لهذه الدروس تسخيرًا، وكانوا يرون الإقبال عليها شفاء والجد فيها عناء، ثم يخرجون من المدارس وهم لا يقيمون ألسنتهم إذا تكلموا ولا يُحْسِنون الإعراب عن نفوسهم إذا كتبوا؛ لأنهم لم يتعلموا وسائل التعبير الصحيح الرائق بالكتابة أو الكلام. فأي غرابة بعد هذا كله في أن يقصر الشباب عن قراءة الأدب الرفيع أو ذوقه، فضلًا عن محاولة إنشائه والمشاركة فيه؟!
الصحافة وفي أثناء ذلك تطورت الصحافة تطورًا خطيرًا، فأعرضت أو كادت تعرض عن الأدب بعد أن كانت تحبه وتكلف به وتتنافس في نشره وتغري بين الأدباء ليختصموا في مشكلاته … أعرضت عن الأدب وانصرفت إلى الأخبار والإعلان والأحاديث اليسيرة القصار التي تُقرَأ وتُفهَم في غير حاجة إلى تفكير، أو تذوق، أو أي نوع من أنواع الجهد. ثم لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما شُغِفَت الصحف بالصور، وكثرت الصحفُ الأسبوعية التي تكتب للناس باللغة التي يتكلمونها وتكثر لهم من المغريات بقراءتها والمرغبات في الإقبال عليها والتنافس في شرائها. فإذا أضفت إلى ذلك ما كان من إغراء السينما، ومن الكلام الفارغ الكثير الذي تَصُبُّه الإذاعة في آذان الناس صبًّا في كل ساعات النهار وفي كثير من ساعات الليل، لم تُنْكِر ما ظهر في الذوق الأدبي من أعراض التغيير الذي يَمِيل إلى الضعف والانحلال؛ لأنه آثرَ السهل على العسير وآثرَ من القراءة ما يُعِين على قطع الوقت، وأعرض عن القراءة التي تكلف صاحبها الجهد في الروية والتفكير، والتي تحتاج إلى الأناة والتمهل ولا يلائمها السَّرَعُ والعَجَلُ. صحف يومية جادة قد أعرضت عن الأدب إعراضًا وآثرت أيسر ما يُكتَب لِيُقْرَأ في أقصر وقت وأيسر جهد … وصحف أسبوعية تطلع مع الشمس في كل يوم على قرائها، وهي تتحدث إليهم بلغة الشارع وتنشر لهم الصور المغرية وتسليهم بالفكاهات التي لا صلة بينها وبين الجَمَال الذي يستحبه الذوق. فليس عجيبًا بعد هذا كله أن يؤثر الشباب القريب منهم على البعيد عنهم، وليس عجيبًا أن يرى كلُّ قارئ في نفسه القدرةَ على أن يكتب كلامًا يسيرًا قريبًا كهذا الذي يقرأ مصبحًا وممسيًا وغاديًا ورائحًا.
الشباب وإذا الشباب كلهم كُتَّاب، وإذا كل من استطاع أن يُجْرِي قلمًا على قرطاس يرى نفسه كاتبًا، فإنْ نَشَرَتْ له الصُّحُفُ ما يكتب فهو الأديب الذي ذاع اسمه في الآفاق وقرأته الألوف المؤلفة من القُرَّاء، وإن لم تنشر له الصحف ما يكتب فهو الأديب المغمور المظلوم الذي أُهْدِرَ حقُّه وأُنْكِرَ أدبُه، ولم تظلمه الصحف وحدها، بل ظلمه معها القراء أيضًا؛ لأن قراءته لم تُتَحْ لهم. ومن حقه أن يسخط على الناس جميعًا، ومن حق المظلوم أن يسخط على الظالمين. وأحق الناس بسخطه عليهم هم الذين تنشر لهم الصحف ويراهم أقل منه براعة، ويراهم مع ذلك قد ظفروا من الشهرة بما لا ينبغي لهم أن يظفروا به، والسخط يدعو إلى الحسد، وإذا كاتبنا المغمور المظلوم حاسد لكل كاتب يخلو له وجه صحيفة يومية أو أسبوعية.
نفس اللغة وإذا كانت الصحف تروج على هذا النحو ويُقْبِل الناس على قراءتها إلى هذا الحد، فما يمنع أن تُؤلَّف الكتب بنفس اللغة التي تُكتَب بها الصحف، وما يمنع أن تُذَاع هذه الكتب في الناس وأن تُنشَر عليهم في مواعيد منظمة كما تُنشَر الصحف والمجلات؟! وما يمنع الناس أن يقرءوها مُقْبِلين عليها، راغبين فيها، يستعينون بها على قطع الوقت وعلى احتمال أثقال الحياة، ويتسلون بها عما يعرض لهم من الأحداث وما يلم بهم من بعض ما يكرهون؟! وكذلك يتبذَّل الذوق ويتبذَّل معه الأدب، وتسقط معهما اللغة ويدركها الفساد. وفيمَ هذا العناء الكثير الذي يحتمله الأدباء المجودون؟! وفيمَ قراءة هذا الكلام الذي يشق على الكاتب أن يكتبه، ويشق على القارئ أن يقرأه، ويشق على الذوق المبتذل أن يسيغه، وابتذال الذوق والأدب وابتذال اللغة معهما لا يغير مع ذلك من الحياة شيئًا؟! فالشمس تشرق وتغرب، والليل والنهار يختلفان، والأحداث تجري فيهما كما تعوَّدَتْ أن تجري، والناس يسعدون ويشقون ويحزنون ويأسون كما كانوا يتعرضون لذلك كله حين كان الذوق مصفى، والأدب رفيعًا، واللغة نقية مبرأة من الفساد. ثم لا يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما يتعقَّد شيئًا فشيئًا؛ لأن بعض المذاهب تطرأ وتَصِل إلى مصر ويَجِد فيها بعض الشباب الذين يكتبون ملاءمةً لضعفهم في اللغة وقصورهم في الأدب وإيثارهم لليسر؛ فيستحبونها أولًا، ويكلفون بها ثانيًا، ويتعصبون لها آخر الأمر، ويريدون أن تتسلط على الإنتاج الأدبي والفني والنقد جميعًا.
المذاهب ولكنَّ حديثَ هذه المذاهب الأجنبية في الأدب وإقبال فريق من شبابنا عليها واستمساكهم بها، حتى بعد أن ضاق بها أصحابها، حديثَ هذا كله يَطُول؛ فَلْنُرْجِئْهُ إلى الأسبوع المقبل إن شاء الله. -
يسروا النحو
يسروا النحو والكتابة
بقلم الدكتور طه حسين
سيداتي وسادتي،
أريد أن أتحدث إليكم في موضوع عسى أن يكون ثقيلاً، وأعتذر إليكم من ثقله، فالحق ثقيل دائماً، لا يخف إلا على أولي العزم من الناس، والعهد بكم أنكم من أولي العزم؛ لأنكم من العرب الذين يؤثرون الجد على الهزل، ويفضلون الصراحة على المداراة والمراوغة. وبيني وبين الذين سينكرون ما أقول، ما قاله أبو العلاء:
> خذي رأيي وحسبك ذاك مني
> على ما فيَّ من عوجٍ وأمتِ
> وماذا يبتغي الجلساء مني
> أرادوا منطقي وأردت صمتي
> ويوجد بيننا أمد قصي
> فأموا سمتهم وأممت سمتي
والموضوع ثقيل؛ لأنه يتصل باللغة العربية الفصحى، وبتعليم الشعب. فما أكثر ما نتحدث عن هذه اللغة العربية الفصحى، وما أكثر ما نعلن اعتزازنا بها، واعتدادنا بتراثها، وحرصنا عليها وعلى تراثها العظيم، ويقيننا أنها هي أساس وحدتنا، وهي العروة التي تجمع الشعوب العربية على اختلاف أوطانها وتباعدها، والعروة التي لا انفصام لها. نتحدث عن هذا فنكثر الحديث، ونقول في هذا فنطيل القول، ونملأ به أفواهنا، وتطمئن إليه قلوبنا، وتثور له نفوسنا. وإذا نحن نفيض حماسة وثقة وأملاً ويقيناً. فإذا فرغنا من هذا كله، وثبنا إلى نفوسنا، أو وثبت نفوسنا إلينا، وهدأت عنا الحماسة، اكتفينا بما قلنا، وبما سمعنا، وبما صفقنا، وبما صحنا، ثم لم نكد نصنع شيئاً.
ولست أنكر أن علماء اللغة في البلاد العربية، على اختلافها، يبذلون جهوداً عنيفة، وينفقون من أوقاتهم ومن نشاطهم أكثر مما يطيقون لحماية اللغة وصيانتها، وحراستها، والمحافظة عليها من كل عبث أو كل شر يمكن أن يصيبها. ولكن السؤال الخطير الذي ألقيه الآن، وأريد أن يلقيه كل واحد من حضراتكم عن ثقة، هو: لمن نحفظ هذه اللغة؟ ولمن نصونها؟ ولمن نريد أن نخلدها؟ ولمن ننفق كل ما ننفق من جهد ووقت ومال في سبيل هذا كله؟ أنفعل هذا كله لأنفسنا، لنستأثر بالعلم، وليقال إننا علماء، حفاظ، نتصرف في اللغة العربية بعد أن طوعناها بقدرتنا، ونستطيع أن نصرفها كما نحب ونهوى؟ أم نحن نفعل ذلك لتكون هذه اللغة ملكاً للشعوب كلها، لا لطبقة معينة منها، هي طبقة العلماء، الأئمة، الحفاظ، ولكن لجميع طبقات الشعوب العربية: الطبقات الممتازة أو الراقية، والطبقات الوسطى، والطبقات الفقيرة؟
وهذا السؤال هو الذي أريد أن أدير الحديث حوله.
أما أن فينا علماء، فهذا ليس فيه شك، ويكفي أن أكون في دمشق، وأن ألقى الأعلام من أعضاء المجمع العلمي في دمشق، وأن ألقى هذه الطائفة الممتازة من المثقفين الشاميين، لأقتنع بأن اللغة العربية حية قوية، وأن لها حفاظاً، وأن لها أنصاراً يذودون عنها ويحرسونها، يذودون عنها الشر والعبث والفساد. وما أشك أن في البلاد العربية الأخرى شيئاً يشبه ما في الشام، كبيراً أو قليلاً. ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن هذه اللغة العربية، التي يبذل في سبيلها كل هذا الوقت، لم تصل بعد إلى الشعوب، أو لا يكاد يصل منها إلى الشعوب إلا أصداء لا تغني عنها شيئاً.
وليس أدل على هذا من أننا إذا استقصينا أمر اللغة العربية في الأقطار العربية الأخرى، فسنرى أن أكثر الذين يقرؤون ويكتبون لا يستطيعون أن يقيموا ألسنتهم على هذه اللغة الفصحى. وسنرى شراً من هذا؛ سنرى كثيراً من الشباب في غير قطر من الأقطار العربية يفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تساير الحياة الحديثة، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت عاجزة عن أن تعبر عن ذات النفوس في هذا العصر الحديث، ويفكرون ويعلنون أن هذه اللغة أصبحت لا تصلح لتكون لغة الكتابة، ولغة الأدب في بعض البيئات. وما أكثر الذين أخذوا ينحرفون عن هذه اللغة إلى اللغة العامية التي يتحدث بها الناس في الشوارع، وفي القرى، وفي أعماق الريف، يكتبون بهذه اللغة، ويرون الكتابة بها أيسر من الكتابة باللغة العربية الفصحى، وأطوع لهم، وأقدر على تصوير عواطفهم وأهوائهم وميولهم، وما يجول في رؤوسهم من الخواطر والمعاني، من اللغة العربية الفصحى.
وهم يعللون ذلك بأسباب كثيرة، أهمها أنهم لا يستطيعون أن يتعلموا اللغة العربية؛ لأنها عسيرة، ولأنها مملة. ولأن التلميذ إذا ذهب إلى المدرسة، واستمع إلى دروس الأستاذ في اللغة العربية، في النحو أو في الصرف أو في البيان، لم يستفد من أستاذه إلا شيئاً واحداً، وهو النفور من الأستاذ، والنفور من اللغة العربية، والانصراف إلى أي شيء آخر يلهيه ويريحه من هذا العناء الثقيل.
ولا تظنوا أنني أبالغ أو أكثر، فهذه حقيقة واقعة لا ينكرها إلا المكابرون. ولا تقولوا إن المدارس قد أخرجت طائفة من الكتاب والأدباء الممتازين، فهؤلاء هم الشذوذ الذي يثبت القاعدة، أو الاستثناء الذي يحقق القاعدة كما يقال. ولكن التلاميذ في المدارس لا يبغضون شيئاً كما يبغضون دروس اللغة العربية. وهم مع ذلك إذا استمعوا إلى محاضرة عن اللغة العربية، ومجدها القديم، وتراثها الخالد العظيم، ثاروا حماسة، وامتلأوا نشاطاً وإيماناً وإعجاباً بهذه اللغة. ولكنهم حين تسقط عنهم الحماسة يعودون إلى تذكر الأستاذ، وكلامه الثقيل الذي كان يمليه عليهم، أو يلقيه عليهم في المدرسة، وهذه الأسئلة الشاقة التي كان يمتحنهم بها بين حين وحين.
والأمر أشد من هذا كله خطورة. فنحن في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه قد آمنا بأن التعليم حق للشعب كله، منذ السن المبكرة إلى أن يبلغ الفتى أو تبلغ الفتاة الرشد. وإذن فنحن لا نبيح التعليم للقلة التي وفقت نفسها على أن تتعلم، وأتاحت لها الحياة أن تتفرغ للتعلم، وأن تنفق فيه شيئاً من الجهد والوقت والمال، وإنما نفرض هذا التعليم على الأغنياء والفقراء، وعلى الأقوياء والضعفاء، وعلى القادرين والعاجزين. نفرض هذا التعليم على الشعب كله، ونعاقب الذين يقصرون في أداء هذا الواجب، وهو تعليم أنفسهم أولاً، وتعليم أبنائهم وبناتهم بعد ذلك.
قوانيننا تعاقب الذين يقصرون في تعليم أبنائهم وبناتهم، ومعنى هذا أننا نفرض التعليم على هذه الملايين الكثيرة التي تتألف منها الأجيال في هذه البلاد العربية.
وإذا فرضنا التعليم على كل هذه الملايين، فيجب أن نبتغي إلى هذا التعليم وسائله الصحيحة التي تنتهي به إلى النجاح حقاً، ويجب ألا نكلف الكثرة الضخمة التي نعلمها، هذه الكثرة الضخمة من البنات والبنين، ما نكلف به القلة التي يتاح لها الوقت والجهد والمال. وإذن فلا بد أن يكون التعليم يسيراً، وأن يكون قريباً، وأن يكون سائغاً، لا تجد فيه هذه الكثرة مشقة ولا عنتاً، ولا تحتاج فيه إلى هذا العناء الثقيل الذي يفرض على أبنائنا فرضاً.
وأخرى ليست أقل من هذه خطورة، وهي أننا نعيش الآن في القرن العشرين، أي في العصر الذي تغير فيه التاريخ، وتغيرت فيه الحضارة المادية تغيراً تاماً، وتغيرت فيه الثقافة العقلية تغيراً يوشك أن يكون تاماً أيضاً، وتغير فيه العقل نفسه بحكم ما طرأ على الحضارة والثقافة من تغير. وما زلنا نعلم اللغة العربية في مدارسنا ومعاهدنا كما كان القدماء يعلمونها في معاهدهم ومدارسهم منذ أكثر من ألف عام.
وقد نستطيع أن نطلب إلى القلة القليلة جداً أن تحتمل هذا العناء، وأن تتكلف هذا الجهد، وأن تخرج من القرن العشرين أو التاسع عشر للميلاد، لتتعلم النحو والصرف واللغة كما كان القدماء يتعلمونها. ولكنك لا تستطيع، بحال من الأحوال، أن تطلب إلى هذه الملايين الكثيرة أن تبذل هذا الجهد، وتحتمل هذا العناء، وتخرج من حياتها التي تحياها بالمشقة، والكد، والعناء، لتعود إلى حياة أخرى لعلها لا تعرف من أمرها شيئاً.
فعندما تريدون أن تعلموا هؤلاء الأطفال في المدرسة الابتدائية، أو هؤلاء الشباب في المدارس الثانوية، عندما تريدون أن تعلموهم النحو، تعلمونهم النحو كما كان المبرد، وأستاذه المازني، وتلاميذهما المختلفون يعلمون في مساجد البصرة، وكما كان الكسائي والفراء يعلمان في مساجد الكوفة، أو في مساجد بغداد. والفرق بعيد بين المدرسة الابتدائية التي ننشئها في أعماق القرى وبين مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة، أو مسجد بغداد، والفرق هائل جداً بين القرن العشرين وبين القرن الثامن أو التاسع حين كان يعيش هؤلاء العلماء.
كان القدماء يعيشون عيشة خاصة، ويتأثرون من ناحية بالبادية العربية الأولى، ومن ناحية أخرى بالفلسفة اليونانية الطارئة، ومن ناحية ثالثة بالحضارة الفارسية المادية التي أحاطت بهم وشملتهم شمولاً. أما نحن فقد صرفنا عن البداوة العربية الأولى، وأغرقتنا الحضارة الحديثة إلى آذاننا، وقد أنستنا فلسفة أرسطاطاليس وغيره من قدماء اليونان، وأصبحت هذه الفلسفة لا يعرفها إلا الأقلون من أمثال الصديق الدكتور منصور فهمي، والدكتور جميل صليبا. وأصبحت الحضارة الفارسية شيئاً يعني الفرس حين يدرسون تاريخهم، أما حضارتنا الآن فهي الحضارة الحديثة، ونحن نعنى بحضارتنا القديمة لنستبقي منها ما يصلنا بالقديم، حتى لا تفنى شخصيتنا، وحتى لا نفقد عروبتنا، وحتى يظل الاتصال قوياً بيننا وبين ماضينا المجيد.
فإذا أردتم أن تعلموا النحو لهؤلاء التلاميذ المساكين، فكيف تريدونهم أن يفهموا أن قولك: "قُرِئَ الكتابُ" فعل مبني للمجهول، والكتاب نائب عن الفاعل؛ لأن الفاعل قد حذف لغرض من الأغراض التي تذكر في علم المعاني، وعلم النحو، وأنيب عنه المفعول به؟ فكيف تريد التلميذ المصري أو الشامي أو العراقي، الذي لم تتجاوز سنه الثانية عشرة، أن يفهم هذا الكلام؟ ما هذا الفاعل الذي حذف؟ وما هذا المفعول الذي أنيب عنه؟ ما هذا المجهول الذي بني له الفعل؟
وعندما تريد أن تفهمه قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾، قلت له: إن "أحد" في قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فاعل لفعل محذوف تقديره "استجارك"، وإن تقدير الآية: "وإن استجارك أحدٌ من المشركين استجارك".
فيسألك التلميذ: وأين توجد "استجارك" الأولى هذه؟ ومن أين نأتي بها؟ وما وجه وجود هذا الفعل مرتين؟ ولم لا نكتفي بهذا الفعل الذي اكتفى به القرآن الكريم؟ كيف تجيبون؟
أما أنا فقد سألت أحد الشيوخ عن إعراب هذه الآية، فأعربها كما تسمعون، فقلت له: "يا سيدي، أتزيد في كتاب الله؟".
وعلة هذا أن النحاة القدماء قرروا في قواعدهم أن حرف (إن) لا يدخل إلا على فعل. ولما جاء في القرآن، وفي كلام العرب، (إن) وبعدها اسم، لم يخضعوا لما جاء في القرآن، ولم يخضعوا لما جاء في كلام العرب نثرًا وشعرًا، وإنما أرادوا أن يخضعوا القرآن للقاعدة التي قرروها. وقد طوعت لهم فلسفتهم هذا النحو من التصرف، واستطاعوا أن يحتملوه، واستطاعوا أن ينهضوا بأثقاله؛ لأن عقولهم في تلك الأوقات، في تلك السنين، كانت عقولاً فلسفية متأثرة بالميتافيزيقا، أو ما بعد الطبيعة، كما يقولون، التي تركها أرسطاطاليس، وورثها العرب، فكانوا يستطيعون أن يفهموا مثل هذا الكلام. ولكن شبابنا في هذه الأيام يعيش في عصر لا يكاد يحفل بالميتافيزيقا وما بعد الطبيعة، ويعيش في عصر لا يكاد يعرف أرسطاطاليس منه إلا المختصون. فإذا حدثتهم بالفعل، وحدثتهم عن الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده، وذكرت لهم هذا الفعل، حاروا في أمره حيرة بعيدة.
وإذا أردتم أن تعلموا التلميذ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، فأفهمتموه أن "ثمود" ليست مفعولاً لـ "هديناهم"، وإنما هي مفعول لفعل محذوف تقديره "هدينا"، ثم قلتم إن معنى الآية، أو تقدير الآية: "فأما هدينا ثمود فهديناهم"، لم يستطع التلميذ إلا أن يضحك أولاً، ويسخر ثانياً، وأن ينصرف عن الأستاذ والدرس بعد ذلك. والحمد لله على أنه لا ينصرف عن الإسلام، ولا عن القرآن؛ لأن الإسلام أقوى، والقرآن أقوى من أن يؤثر فيهما مثل هذا العبث.
أو إذا قلت للطالب أو للتلميذ: "نحن المصريين نفعل كذا"، أو "نحن السوريين نفعل كذا"، وطلبت إليه أن يفسر هذا أو يعربه، ألهمته أن هناك فعلاً محذوفاً تقديره: "أخص نحن المصريين"، أو "أخص السوريين". فما موقع "أخص" هذه؟ لا معنى لها مطلقاً، إلا أننا وجدنا هذه الكلمة منصوبة، ووجدنا هذا التعبير يدل على الاختصاص، فقدرنا هذا الفعل، وقدرنا هذا العقل، ولنا أن نقدر ما نشاء، ولكن التلاميذ لهم أيضاً عقول صغيرة ساذجة، لا ينبغي أن نكلفها ما لا تطيق.
وإذا قلت للتلميذ: "إياك والكسل"، وطلبت إليه أن يعرب هذه الكلمة، اخترعت له فعلاً مقدراً لا أدري، ولا يدري هو، أنى يكون ولا من أين جاء، وهو "أحذرك". ونظراً لأنك حذفت الفعل فقد اضطررت إلى أن تستعمل الضمير المنفصل مكان الضمير المتصل، فلم تقل: "حذارك"، وإنما قلت: "إياك والكسل".
كل هذا الكلام أنا شخصياً أحبه أشد الحب، وأؤكد لكم أن النحو هو أحب علوم اللغة العربية إليَّ، وأؤكد لكم أنني أجد لذة لا تعدلها لذة حين أجلس إلى الصديق إبراهيم مصطفى، ونتذاكر باباً من أبواب النحو، ونحاول إعراب آية من آيات القرآن على قواعد النحويين، أو إعراب بيت من أبيات الشعر على قواعد النحويين.
ولا أنسى أني تذاكرت معه غير مرة في إعراب الآية الكريمة:
﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾.
كيف يكون إعراب هذه الآية؟ لأن هناك: "إذا ما أتوك لتحملهم"، "قلت لا أجد"، ثم "تولوا". فعلان، و"إذا" محتاجة إلى جواب. أين يكون الجواب؟ أهو "قلت لا أجد"، أم "تولوا"؟ ويكفي أن تنظروا إلى "إعراب القرآن" لأبي حيان لتروا ما يقال هناك. ولكن هل هذا العمل مما يعمل به التلاميذ في المدارس، صغاراً أو كباراً؟
هذا فصل، وفصل آخر ليس أهون منه.
الأصل أن الناس يكتبون ليقرأوا، ويقرؤون ليفهموا، ونحن نكتب لنقرأ، ولكننا لا نقرأ لنفهم، وإنما نفهم أولاً لنقرأ بعد ذلك. وإذا كان هذا جائزاً بالقياس إلى الممتازين النابهين الأذكياء، فهذه الملايين ما الذي تطلبونه إليها؟ كيف تطلبون من هذه الكثرة من الأطفال الصغار، في هذه السن المبكرة، أن يفهموا الكتب التي تعطى إليهم في المدارس ليقرؤوها كما ينبغي أن تقرأ؟ ويجب عليهم أن يفهموا قبل أن يقرؤوها، أو أن يقرؤوها خطأ، فيلقون من أساتذتهم ومعلميهم سخطاً.
فلا بد إذن من أن نختار بين اثنتين: إما أن نريد المحافظة على اللغة العربية في مجامعنا العلمية، على اختلافها، فنذود عنها كل شر، ونحميها من كل بأس، ونحيي تراثها القديم، ونجتهد في أن نضيف إليه كل جديد ممكن، ينفع ولا يضر، وإما أن نكون نفعل هذا كله لأنفسنا، وأشباهنا من المتخصصين، ولا نحفل بالشعب، ولا بتعليم الشعب. وإذن فنحن لا نصنع أكثر مما يصنع المتخصصون في اللغة اليونانية القديمة، وفي اللغة اللاتينية القديمة، أي ما يصنعه المتخصصون في اللغات الميتة.
أتريدون أن تكون اللغة العربية إحدى هذه اللغات الميتة التي يفرغ لها المتخصصون، ولا يحسنها غيرهم؟
هذه واحدة.
والثانية: أن نكون إنما نفعل هذا كله لتكون اللغة العربية لغة حية حقاً، كما تحيا اللغة الألمانية، والإيطالية، والفرنسية، والإنكليزية، والإسبانية، وغيرها من اللغات الحية التي يتكلمها الناس، ويكتبون بها، ويفهمونها حين يقرؤونها، أو يقرؤونها ليفهموها. فإذا قرؤوها فهموها في غير مشقة ولا عسر، وإذا تعلموها فلا يجدون فيها جهداً، ولا مشقة، ولا عناء، إلا ما يجده التلميذ في حياته العادية حين يتعلم أي شيء من هذه الأشياء التي يتعلمها في صباه.
ولم أذهب بعيداً. انظروا إلى تلاميذنا في المدارس الثانوية! إننا نعلمهم اللغة العربية، ونعلمهم لغة أجنبية أو لغتين أجنبيتين. في أي اللغتين يتثقف هؤلاء التلاميذ؟ وبأي اللغتين يسرع هؤلاء التلاميذ إلى النطق والفهم والحديث؟ أتظنون أنهم يتثقفون باللغة العربية؟ أتظنون أنهم يسرعون إلى التحدث بالعربية الفصحى، ويسرعون إلى قراءتها أو فهمها؟ أم أن الواقع شيء آخر؟
أما أنا فقد جربت كثيراً، والذي أعرفه من التجربة أن تلاميذنا يتعلمون اللغة الإنكليزية والفرنسية أسرع مما يتعلمون اللغة العربية، لولا أن عواطفهم تفرض عليهم شيئاً من التحفظ، وتفرض عليهم شيئاً من الجهد.
أؤكد لكم، أيها السادة، أن كل هذا الذي عرضته عليكم حتى الآن إنما يصور خطراً حقيقياً أشرت إليه في افتتاح مؤتمر المجامع العلمية منذ يومين، وأضيف إليه أن هناك كتاباً كباراً يقرؤون في الشرق العربي كله، ويطالب بعضهم الآن بإلغاء الإعراب وإلغاء قواعد النحو. وأنا أطالب بتيسير قواعد النحو، وتيسير الكتابة العربية، لتشيع اللغة العربية، وتصبح لغة الشعوب حقاً، ولغة حية حقاً. ولكن من الناس من كتبوا في هذه الأيام القريبة يطلبون إلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، لا لشيء إلا لأنهم لم يتعلموا اللغة العربية حين كانوا تلاميذ في المدارس، ولا لشيء إلا لأن النحو القديم، والكتابة الموروثة، والأساتذة الذين يعلمون النحو القديم والكتابة الموروثة، كل أولئك عجزوا عن أن يحببوا هذه اللغة إلى الكاتب الكبير، ويبغضوا إليه العربية الفصحى، وغرسوا في نفسه هذا البغض، وأصبح الآن لا يكاد يحب شيئاً كما يكره التكلم بهذه اللغة، ولا يتحرج أن يطالب بإلغاء قواعد الإعراب، وتسكين أواخر الكلمات، وجعل اللغة العربية الفصحى كأي لهجة من اللهجات العامية.
إنكم كذلك بين اثنتين: إما أن تريدوا وحدة الشعوب العربية حقاً، وتكونوا مؤمنين بهذه الوحدة، حراصاً عليها، مستعدين للجهاد في سبيلها بالحياة، والنفوس، والأموال، والمنافع، مهما تكن، وإذن فلا بد أن تجعلوا لغتكم العربية لغة الشعوب، لا لغة الخاصة.
وإما أن يكون حديثكم عن هذه الوحدة كلاماً لا أكثر، وأعوذ بالله وأعيذكم من ذلك. وإذن فدعوا اللغة العربية تموت، ودعوا اللغات العامية تصبح لغة الكتابة، وانظروا بعد ذلك إذا أراد السوري أن يقرأ الكتاب المصري، عليه أن يترجمه إلى لهجته السورية، ويضطر العراقي إذا اضطر أن يقرأ للسوري أن يترجمه إلى اللهجة العراقية.
اختاروا، فليس لكم بد من الاختيار. إن نحن مضينا فيما نحن عليه، وأبينا أن ننصرف عن النحو والكتابة، وأن نتيح للشباب والصبية أن يقرؤوا ليفهموا، لا أن يفهموا ليقرؤوا، إن أبينا أن نمضي كما كان النحو، وكما كانت الكتابة، فلا بد أن تنشأ عن هذه اللغة العربية الفصحى القديمة لغات مختلفة، كما نشأت الفرنسية، والإيطالية، والإسبانية، والبرتغالية عن اللغة اللاتينية القديمة.
لقد ماتت اللاتينية، وخلفها أبناؤها وبناتها، فهل تريدون أن تموت اللغة العربية، وأن تخلفها بناتها التي نشأت بالفعل في الأقطار العربية المختلفة؟
هذه هي المسألة: اختيار. وأنا أعلم أنه ليس أشق على الإنسان من الاختيار. فنحن نحب القديم، ولا نستطيع التفريط فيه إلا بعد مشقة، وجهد، وعناء، وبعد أن تتمزق قلوبنا حسرة، ولكن لا بد مما ليس منه بد.
وبعد، فلا أدعو إلى هجر القديم مطلقاً، وعسى أن أكون أشد الناس محافظة على قديمنا العربي، ولا سيما في الأدب واللغة. ولكن لم لا يكون النحو القديم، والكتابة القديمة، والبلاغة القديمة، وكل هذه العلوم العربية التي أنشئت في عصر غير هذا العصر الذي نعيش فيه، متطوراً كما تطورت العلوم؟ نحفظ قديمه لدرس المتخصصين في الجامعات وفي المعاهد، ونخصص للملايين البائسة من الصبية والشباب أن يتعلموا تعلماً يسيراً سهلاً، عسى أن يتخرج من بينهم من يضيف إلى ثروة هذا القديم، ويحسنه أكثر مما نحسنه نحن، ويحيي هذا التراث القديم أكثر مما نحييه نحن.
أنا أعرف أن هذا كله لا يرضي كثيراً من الناس، لا في دمشق وحدها، بل في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولكني لا أحب أن أكذب العرب، وقد قيل إن الرائد لا يكذب قومه، ولا أحب أن أكون كأولئك الذين يقولون إن أمة محمد بخير، ولا أريد أن أكون كأولئك الذين يطمئنون في المكان القلق، إنما أحب، وأحب للمواطنين من العرب، أن يكونوا أيقاظاً دائماً، وأن لا يؤخذوا على غرة، وأن لا ينظروا ذات يوم فإذا هم يدرسون، ويجهدون، ويجدون، ويكدون لأنفسهم لا للشعوب.
لا بد إذن أن ننظر في هذا كله، وأن ننظر فيه نظرة الشجعان الذين يواجهون الحقائق ولا يستخفون منها، ونظرة الناصحين الذين لا يريدون أن يستأثروا بالعلم دون العامة ودون الشعب. وحسب الناس شقاء أن يكون المستأثرون بالمال هم المستأثرين بالحياة المادية، وشر الاستئثار هو الاستئثار بما خلقه الله ليكون شائعاً بين الناس جميعاً، وهو العلم والمعرفة والثقافة.
لا ينبغي لعلماء اللغة العربية أن يستأثروا أنفسهم بالعلم العربي، بل يجب عليهم أن يشيعوه، ولا ينبغي عليهم أن يظنوا أنهم حين ينشرون كتاباً من كتب القدماء يشيعون حقاً. فالكتاب لا يشاع إلا بين الذين يستطيعون أن يفهموه، ويتصرفوا به.
سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذا الكتاب أو ذاك من كتب الجاحظ؟ سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ كتاب "البخلاء"، أو كتاب "التربيع والتدوير"؟ وما أشبه من الكتب القديمة التي نقرؤها فنجد فيها المتعة، والتي يقرأها بعض المستشرقين فيجدون فيها المتعة. سلوا أنفسكم: كم عربياً قرأ هذه الكتب؟ قرأها العلماء، وأشباه العلماء، وطلاب العلوم العالية، فأما ملايين العرب فلا يعرفون عنها شيئاً. وأعرف قوماً إذا ذكرت لهم هذه الأشياء هزوا رؤوسهم، ورفعوا أكتافهم، واستهزؤوا بذاكرها.
وقرأت ذات يوم في الصحف من ينكر على دار الكتب نشاطها في مصر، وقال إن هذه الدار لم تطبع إلا كتاباً واحداً، وهو كتاب "الفاضل" لأبي يزيد المبرد. ينشر هذا، أيها السادة، في صحيفة يومية! كتاب "الفاضل" لأبي يزيد المبرد! هذا الكاتب ينشر، والصحيفة التي نشرت له لا تعرف أن المبرد يسمى "أبا العباس محمد بن يزيد"، وإنما تجعله أبا يزيد المبرد، والكتاب لا يسمى "الكامل"، بل يسمى "الفاضل"، وعلى هذا النحو. وبالطبع "فوق كل ذي علم عليم". وقد يكون للمبرد كتاب يسمى "الفاضل"، ولكني أعترف أنني لم أقرأه، ولم أسمع به قبل اليوم.
ليس من شأني أن أتحدث في هذا كله، وإنما أتحدث إلى فريقين من الناس: أتحدث قبل كل شيء إلى العلماء الذين يستطيعون الخير ولكنهم لا يقدمون عليه، ثم أتحدث إلى الشباب المتعلمين الذين من حقهم أن يطالبوا العلماء أن ييسروا لهم لغتهم، وألا يباعدوا بينهم وبين عروبتهم.
ولا شك، ولا يجد الشك إلى نفسي سبيلاً، بأن الحكومات العربية، إذا قال لها العلماء: هذا هو النحو الجديد الميسر الذي يلائم عقول الشباب في هذا العصر، ولا يمس جوهر اللغة العربية من قريب ولا من بعيد، ولا يغير من طبيعة اللغة العربية شيئاً، وهذا هو الذي يعين الشباب على أن يتقنوها، وأن يتكلموها، وأن يقرؤوها، وأن يفهموها، فلا شك مطلقاً بأن الحكومات، عندما يقدم إليها العلماء هذه الكتابة اليسيرة التي تتيح للشباب أن يقرؤوا قراءة صحيحة، ويفهموا فهماً صحيحاً، ويجعلوا اللغة جزءاً من قلوبهم، ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية، لا لغة متكلفة يتكلفونها إن استطاعوا أن يتكلفوها في أوقات الحاجة، إذا قدم العلماء هذا كله إلى الحكومات، فأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن جميع الحكومات العربية لن تتردد في إقرار هذا النحو، وفي إقرار هذه الكتابة، وفي إشاعة هذا النحو في المدارس، وفي إشاعة هذه الكتابة أيضاً.
ولقد رأيت مرة كتاباً من كتب المطالعة في المدارس الابتدائية عندنا في مصر طغت عليه "البيداغوجية"، فويل لنا من البيداغوجية! زعمت أن اللغة العامية قد تكون أيسر لإفهام الصبية، فأدخلت بعض الجمل وبعض الألفاظ العامية في هذا الكتاب. فلما تحدثت في ذلك إلى وزير التربية والتعليم، لم يتردد في أن يعدني بالنظر في تلك الثورة.
فتقدموا، أيها السادة العلماء، والحديث هنا موجه إلى مجامعنا الثلاثة التي تأتمر الآن في هذه العاصمة العربية، تقدموا أيها السادة العلماء إلى الحكومات بكتابة ميسرة، ونحو ميسر، وقربوا لغتكم من الشعوب، وثقوا بأنكم إن فعلتم فستبلون بلاءً خيراً من البلاء العظيم الخطير الذي أبلاه نحاة البصرة والكوفة وبغداد في العهد القديم. -
البلاغة هى الإيجاز
كلمة الدكتور طه حسين وزير المعارف
١٨ ديسمبر ١٩٥٠
يقال إن البلاغة هي الإيجاز، وتعرفون حضراتكم أني أحرص أشد الحرص على أن أكون بليغاً، فسأحرص أشد الحرص على أن أكون موجزاً. وربما كان خير إيجاز هو الصمت، فليس لوزير المعارف أن يتحدث في هذا الحفل، وإن قضت تقاليد المجمع أن يتحدث الوزير. ذلك أن الوزير إنما هو في هذه الدار ضيف على رئيس المجمع، حتى لو كان عضوا من أعضاء المجمع، فهو ضيف وإن كان في داره. فالكلمة ينبغي أن تكون للرئيس أولا ثم للذين يريدون أن يتحدثوا عن أعمال المجمع وشئونه بعد ذلك. ولا أعرف أن لوزير المعارف في مثل هذا الحفل محلاً من الإعراب! وإنما أعرف أنه أقحم نفسه أو أقحمه المجمع على مكان ليس له. فلأوجز إذن، وليكن حديثي إليكم هو تحية الحكومة لمجمعكم الموقر، ووعدي بأن سأكون إن شاء الله عندما تحبون، لكم أعمال يجب أن تنفذ، وقرارات يجب أن تُمضى، ومشروعات يجب أن تتم، وأنتم في حاجة من أجل هذا كله إلى مساعدة وزير المعارف. فلكم علي الوعد، ما دمت وزيراً للمعارف، أن أنجز أعمالكم وأمضي قراراتكم وأعاون على أن تتم مشروعاتكم. وهذا كل ما يستطيع وزير للمعارف أن يقوله لمجمع مثل مجمعكم الموقر.
أما التحدث إليكم عن اللغة وشئونها، وعن إصلاحها والمحافظة على سلامتها إلى آخر ما جاء في مرسوم المجمع، فحديث معاد، أربأ بحضراتكم عن سماعه، وأربأ بنفسي عن الخوض فيه. وكل ما أتمناه لكم أن تكون دورتكم هذه خصبة كدورتكم الماضية، وأن تكون أعمالكم في هذه الدورة مباركة كما كانت في الدورة الماضية، وأن يتيح لكم الله من النجح والظفر بتحقيق آمالكم ما تستحقون.
أما بعد، فقد كنت حريصاً على أن أوجز ولكني أطلت، فأعتذر من إخلافي لهذا الوعد وأترك مكاني لسيادة الرئيس.
مجلة مجمع اللغة العربية مصر العدد ٨، ١ يناير ١٩٥٥ -
تكوين الصفوة المثقفة
تكوين الصفوة المثقفة
طه حسين
جريدة الأهرام
٢ مارس ١٩٣٩
شهدت قاعة «مدرسة العائلة المقدسة» مساء الاثنين الماضي حفلًا أدبيًّا ممتازًا، اجتمع فيه جمهور كبير من الصفوة المثقَّفَة؛ ليستمعوا إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك وهو يلقي إليهم حديثه الرائع عن «تكوين الصفوة المثقفة».
جلس الأستاذ العميد كما تعوَّد أن يجلس إلى طلابه، يتحدث إليهم فيملك أسماعهم وقلوبهم، واتجه إليهم قائلًا:
الناس يتحدثون إليكم بالكثير عن تبعاتكم، يتحدث بعضهم عن الزراعة والصناعة والتجارة، ويتحدث آخرون عن الدفاع وكيف يجب أن يكون، وتُلهِيهم هذه الأحاديث العذبة وتلك الأماني الحلوة عن أهم مقومات حياتنا ونهضتنا. ولست أعرف أن حياةً لأمة متحضرة تستطيع أن تستقيم في شأن من شئونها بغير التعليم؛ فالذين يتحدثون عن الزراعة والصناعة والدفاع يخدعون نفوسهم ويخدعون معهم الناس حين يُغْفِلون أساسَ هذا كله؛ وهو التعليم. وما أريد أن أتحدَّث إليكم عن التعليم عامة، ما أريد أن أتحدث عن التعليم الأولي والثانوي، بل ما أريد أن أتحدث عن التعليم العالي، وإنما أريد أن أتحدث عن تكوين فئة مثقَّفة تستطيع أن تفهم الحياة، وتقدِّر مصاعبها، وتمكِّن هذا البلد من الوصول إلى حيث يجب أن يصل بين الأمم الناهضة. كيف السبيل إلى تكوين هذه الصفوة المثقفة على شكل جدِّي ملائم لكرامتنا؟ يختلف جواب الناس عن هذا السؤال، وأكثر ما يقوم هذا الجواب على الخداع. فمن أيسر الأجوبة التي تُقال أنه يجب الإكثار من المدارس وكليات الجامعة، ولكنكم تستطيعون أن تنظروا فتروا طائفة ممن تخرجوا في المدارس والكليات وتتحدثوا إليهم، فلن تلبثوا أن تشعروا أن هؤلاء قد تعلَّموا وظفروا بالدرجات الجامعية وما تهيئه لهم من وظائف، ولكنهم لم ينالوا حظًّا من الثقافة. وما أكثر الأطباء والمهندسين المهرة الذين برعوا في فنِّهم، ولكنهم من الناحية الثقافية كعامة الناس! ليس من المهم للمثقف أن يكون قد أتمَّ مراحل التعليم أو أن يبرع في فنِّه، وإنما الرجل المثقف الذي يستحق هذا الوصف هو الذي يستطيع أن يفهم ما يعرض له ولمواطنيه من مشكلات، وأن يتحدث عنها حديث الفاهم لها المقدِّر لخطورتها، وأن يعرف ظروفها ووسائل علاجها. فإذا رأيتم المهندس الذي لا يستطيع أن يتحدث في غير الهندسة، أو المحامي الذي لا يقدر غير أعمال القضاء، إذا رأيتم أحد هؤلاء فقولوا إنه رجل تعلم التعليم العالي، ولكنه ليس مثقفًا. وإذن فيجب ألَّا نخدع نفوسنا بكثرة المتخرجين في الجامعة، وألَّا نظن أن كثرتهم تكثِّر المثقفين إلَّا أن يكون التعليم عندنا قادرًا على أن يجعل المتعلم مثقفًا. فهل وصلنا حقًّا إلى تكوين هذه الفئة؟! أمَّا أنا فأقول إن في مصر عددًا لا بأس به من الشبَّان الذين يستطيعون أن يتحدثوا حديثًا حسنًا في الأدب والسياسة والاجتماع، ولكن هل هم حقيقة يحققون ما نرجو من المثقفين؟ هل يصورون ما ننشده جميعًا من إنهاض مصر إلى مستوى الدول الذي نطمع في مسايرتها؟ أمَّا أنا، فآسفٌ أشد الأسف إذ أجيب بلا، فالمثقفون عندنا قليلون، ومع ذلك فكيف أوجدنا هذه الفئة؟ أأوجدتهم مدارسنا؟ أأوجدتهم مناهجنا؟ أمن شأن مدارسنا ومناهجنا أن توجِّه طلابها إلى هذه الغاية؟ أنا آسف إذ أجيب بلا … فنحن لم نُعْنَ بالثقافة، ولم نرد أن نتصورها على وجهها، ولم نرتفع عن الحياة العملية إلى الحياة العقلية الممتازة التي تبعد عن قيود الخبز. والذين يرسلون أبناءهم إلى المدارس لا يفكِّرون في غير الشهادات والعمل الذي يمكِّنهم من أن يعيشوا، فالعلم عندنا وسيلة لا غاية، ولست أكره أن يكون كذلك، ولكن لا بدَّ من أن توجد — في نفس الوقت — طائفةٌ تقدِّر أن العلم يصح أن يُطلب لذاته، وأن العقل يصحُّ أن يرقى لذاته، وأن القلب يصحُّ أن يهذَّب لذاته. وسيكون كذلك يوم يوجد هذا الشعور في مصر، يوم نفهم أن التعليم قد يكون لمجرد الرقي العلمي والترف العقلي. هذا غرضٌ يجب أن توجَّه إليه نفوس المصريين، وأن توجه إليه بنوع خاص نفوس القائمين بأمر التعليم في مصر؛ فقد نعذر الأسر المصرية حين تفهم العلم ذلك الفهم المادي. ولكن رجال التعليم يجب أن يكونوا صورة لهذا الفريق الذي يشعر بالرقي العلمي لغير إرضاء حاجات الجسم. وليس واجب المشرفين على التعليم أن يكثروا من المدارس، أو يدخلوا هذا العلم أو ذاك. ليس واجبهم هذا فحسب، بل يجب عليهم أن يضعوا نظمهم وينشئوا مدارسهم بحيث تبثُّ في النشء هذا التصور الجديد للعلم. يجب أن تكون المدرسة مربية للتلميذ، ومرشدة لأسرته. أفتظنون أننا وصلنا في أمور التعليم إلى شيءٍ من هذا؟ هل ينظر رجال التعليم إلى المسألة على هذا النحو؟ الذي أشعر به هو أن المعلم ليس بينه وبين غيره من حملة الشهادات فرق ما، فهناك معلم عامي يؤدي واجبه الآلي ثم ينصرف لشئونه. ولو أن وزارة المعارف قامت بإحصاء دقيق لتتبيَّن عدد المعلمين الذين يحبون العلم من حيث هو، ويحرصون على الاستزادة منه، ويفرغون للقراءة في هذا الكتاب أو ذاك، ويختلفون إلى مجالس الأدب ومتاحف الفن؛ لو قامت الوزارة بهذا الإحصاء لكانت نتيجته مؤلمة حقًّا. ولكنا نعرف أن رجال التعليم عندنا يختلفون إلى أندية الحديث والقهوات أكثر مما يختلفون إلى دور الكتب والمتاحف؛ لأنهم لم يُهيَّئُوا لحب العلم، وإنما أرسلوا إلى المدارس على أنها وسيلة من وسائل الحياة كما يُهيَّأُ الطبيب والمهندس، ولا كذلك يجب أن يهيأ الشباب في بلد متحضر كمصر، إنه آمال ومطامح. وإذا كان من المحتمل أن نتصور الطبيب العامي، فليس من المحتمل أن نتصور المعلم على أنه صاحب مهنة فحسب؛ لأننا نعتمد عليه في تكوين عقول أبناء الجيل. وويل لأمة لا تستطيع أن يكون شبابها خيرًا من شيوخها! ويلٌ لنا إذا كنَّا نكتفي بأن يكون أبناؤنا صورة طبق الأصل منَّا. إن الأب ليهيئ ابنه لحياة أفضل من حياته، فكيف لا تشعر الأمة بهذا الشعور؟ وكيف لا تشعر به الحكومة ورجال التعليم؟ لو أن أمور التعليم تخرج ما يشبهنا، أفنكون قد أدَّينا واجبنا نحو الأجيال القادمة؟ كلا … واسألوا أنفسكم، أفأنتم راضون عن معلِّميكم؟ إن صدقتم فستكون ملاحظاتكم قاسية. إن من بينكم من يختلفون إلى دروسي، وأصارحكم بأن أخرج من عندهم غير راضٍ عنهم لأنهم راضون عني! إني أبغض الإنسان الذي يرضى عن نفسه، ويطالب الغير بأن يرضى عنه! مثل هذا قد وقف ولا أمل في رقيه. ولنسأل كم يكون عدد المصريين الذين لا يرضون عن أنفسهم؟ أنا آسف إذ أقول إنهم قليلون، وإلَّا لكان عدد رواد المقاهي أقل مما نراه. ولا تظنوا أني أعتمد على الدولة والحكومة والمدارس في تكوين هذه الصفوة، ولا أعتقد أن هذا شيءٌ تُشرع له النظم والقوانين؛ لأنه ليس من الأشياء التي تصنع بأمر أو قرار. الذي أطلبه إلى المدارس ألَّا تكون عقبة في سبيل ظهور المثقف الممتاز. يجب أن تُزال العقبات من أمام الشباب المصري، فهو مهما يكن ممتاز الطبع والذكاء، يفسد طبعه إذا لم تُهيأ له السبل. وأبسط ما يطلب إلى الحكومة في مصر هو تنظيم التعليم بحيث لا يفسد عقول الصبية، ويخنق ملكاتهم، ويلغي شخصياتهم. ومن شر ما يمكن أن يصل إليه الناس أن يطلبوا إلى حكوماتهم ألَّا تفعل بدل أن يسألوها أن تفعل! على أن هناك أشياء إيجابية أتمنى أن نفكر فيها لتكوين الصفوة المثقفة، منها أن نُبيح التعليم العام للمصريين جميعًا، وأن نبرئ أنفسنا من هذا الرأي الخطير الذي يحدد عدد المتعلمين لكيلا توجد عندنا أزمة للمتعطلين. تلك أزمة لا تنشأ من التعليم، بل من عدم تدبير النظام الاجتماعي على وجه صالح. وليس التعليم هو مصدر الأزمة، ولكنه مصدر الشعور بها، وذلك خيرٌ. وإني لأتمنى أن تنشأ عندنا أزمات من التعليم بدل أن نطمئن إلى الجهل. إن النظام الاجتماعي لا يُحمى بالجهل، وأي الأمرين أفضل؛ أن يكون الجهل وجرائمه وآثاره هو قوام الحياة المصرية، أو يكون العلم وأزماته وآثاره هو قوامها؟ أيهما خير؛ أن نصدر في اضطرابنا عن علم أو جهل؟ إن المتعلمين يغضبون فيكتبون ويحتجُّون، أمَّا الجاهلون فيُجْرِمون. يجب أن يُباح التعليم، ولكن يجب أيضًا أن يُصفَّى، وأن تكون اختباراتنا معتمدة على الجدِّ والحزمِ والصرامةِ، والحياة كفيلة بعد ذلك بإتمام التصفية! إن الصفوة المثقفة موجودة عندنا بالقوة، فلأجل أن توجد بالفعل يجب أن يوضع الذكاء بحيث يتَّصِل بالثقافات المتحضرة اتصالًا مباشرًا، ومعنى هذا أني أكره أن يحكم على العقل المصري أن يظل وقفًا على العربية وحدها، أو يتجاوزها إلى الإنجليزية أو الفرنسية فحسب، فكلكم يعلم أن هناك أممًا مثقفةً نتصل بها، وألَّا نجعل عقولنا محتكرة لهذه الأمة أو تلك. لا بدَّ أن تُفتح أبواب الثقافة عندنا على مصراعيها، وأن تدخلها الثقافات كالهواء الطلق. وبهذا نستطيع أن نكوِّن العقل الحر النقَّاد القادر. فإما أن نقصر على ثقافة بعينها، أو يقتر علينا في الثقافة فلا تدخلها العناصر الأجنبية إلَّا بمقدار، فهذا هو الشر الذي لا يتفق مع كرامتنا. ثم إني أطلب شيئًا أهم من ذلك، أطلب أن تكون لغتنا العربية وأدبنا العربي أساسًا لكل ثقافة صحيحة ممتازة. وأؤكد لكم أننا لم نبذل للغتنا بعض حقها. اسألوا أنفسكم: أحقًّا أنكم تعرفونها؟ أحقًّا أنكم قادرون على تأدية معانيكم بها؟ أمَّا أنا فأشهد أنكم لا تستطيعون، وكل ثقافة لا تعتمد على اللغة الوطنية ليست إلَّا ثقافة مستعارة، والذي لا يعرف لغة وطنه غير مثقف، وأخشى أن أقول إني أشك في رجولته شكًّا كبيرًا! ولكن كيف السبيل إلى تعليم لغتنا؟ هذه قصة طويلة كثر فيها القول، وما أظن أننا نستطيع أن نؤديه في محاضرات. ولكني أؤكد لكم أن وزارة المعارف تعرف السبيل الصالحة لهذا، وأن معالي وزيرها يعرفه حق المعرفة، ولكنه لا يسلك سبيلها. لماذا؟ أَلِأَنَّه لا يريد؟ أَلِأَنَّ ظروفنا السياسية المعقدة تعطل الكفايات وتضطر الناس إلى أن يروا الخير ثم لا يفعلوه؟ أنا أشهد أن بعض وزرائنا كانوا من الكفاية والإخلاص كأحسن ما نتمنى أن يكون عليه الوزراء، ولكن ظروفنا تضطر أكفأ الناس إلى الصمت، فيرى الخير ولا يفعله، وأنا إن رحمت أحدًا من المصريين فأنا أرحم جماعة من وزرائنا يريدون ولا يفعلون. وأعود فأؤكد لكم أن هناك أشياء لا بدَّ منها لتكوين المثقف الممتاز، أهمها أمران: فتح الأبواب للثقافات الأجنبية لتمتزج بثقافتنا، والعناية بجعل اللغة العربية لغة مصرية ومادة لحديث الشباب وأذواقهم. إذا وفقنا لهذا فإننا نكون قد وصلنا إلى بدء الطريق الذي ينتهي بنا إلى تكوين الصفوة المثقفة.
وبهذا انتهى الدكتور العميد من حديثه العذب الفيَّاض؛ فأقبل عليه الجميع مهنِّئين، وخرج الشباب يديرون في خواطرهم تلك الآراء التي بثَّها فيهم، وخرج طلابه يُدِلُّون على الناس وعلى الأستاذ المحاضر نفسه بأنهم تلاميذ الدكتور طه حسين! -
في المجمع اللغوي
في المجمع اللغوي
طه حسين
جريدة المصري
١٥ مايو ١٩٣٧
لست أرى بأسًا بالرجوع إلى حديث المجمع اللغوي بعد أن أعرضت عنه منذ أسابيع، وبعد المقال الممتع الذي نشرته السياسة الأسبوعية لصديقي هيكل يوم السبت الماضي؛ فقد يقال: إن مجلس الشيوخ سينظر قانون المجمع بعد أيام، وقد يكون من الحق، بل من الواجب أن يعرض الذين لهم رأي في المجمع مذهبهم على الشيوخ قبل النظر في هذا القانون، لعل الله عز وجل أن يُوفِّق شيوخنا إلى ما لم يُوفَّق إليه نُوَّابُنا، وإلى ما لم يُوفِّق إليه الحكومة التي أنشأت هذا المجمع، فيضعوا الأمر في نصابه، وينشئوا للغة العربية مجمعًا ينفعها ولا يضرها، ولمصر مجمعًا يزينها ولا يشينها، أو يريحوا أنفسهم ولغتهم وبلادهم من هذا الحديث الذي يمكن الإعراض عنه دون أن تقف حركة الفلك، أو تطلع الشمس من مغربها.
وقد يخيل إلي أن من أخص منافع الديمقراطية أنها حين تجعل أمر الشعب إلى الشعب تبيح للناس أن يُبصِّروا شيوخ الشعب ونوابه بما ينبغي أن يبصروا به من الأمور العامة، التي لم ينفقوا أوقاتهم فيها، ولم يقفوا جهودهم عليها، والتي لا بد من أن يقضوا فيها عن بصيرة وروية، لا عن محاكاة وتقاليد.
وقصة المجمع اللغوي في مصر كقصة كثير من المنشآت المصرية لا تخلو من بعض العجب؛ فقد كان الشعور بالحاجة إلى تنظيم العناية باللغة العربية قويًّا جدًّا منذ عهد بعيد، وقد كانت محاولات لإيجاد هذا المجمع الذي يُعنى باللغة، ويحافظ على سلامتها، ويجِدُّ في تنقيتها. وكان الطبيعي أن ينتهي ذلك الشعور وتنتهي هذه المحاولات إلى أن ينشأ المجمع ملائمًا أشد الملاءمة للحاجة التي دعت إلى إنشائه والتفكير فيه.
ولكن مصر كما تعلم، أيها القارئ الكريم، مرضت في بعض أوقاتها بمرض الأبهة، وتكلف الفخامة والضخامة، والتماس مظاهر العظمة الكاذبة لتخيل إلى نفسها وإلى الناس أنها قد بلغت من أطوار الرقي ما بلغته الأمم الأوروبية التي تسود العالم وتسيطر عليه. والغريب أن هذا المرض بارع جدًّا في استغلال الشعور، وانتهاز الفرص، وتسخير الميول الطبيعية للوصول إلى هذه العظمة المتكلفة، والأبهة المتصنعة، والزخرف الذي لا يغني شيئًا ولا يدل على شيء.
شعرت مصر بالحاجة إلى العناية باللغة، فانتهز هذا المرض فرصة هذا الشعور واستغلَّه، وخيل إلى مصر أنه سينشئ لها مجمعًا يُعنى باللغة، ثم أنشأ لها مجمعًا أقل ما يوصف به أنه لا يستطيع على حاله التي أنشئ عليها أن ينفع اللغة قليلًا ولا كثيرًا، وقد يستطيع أن يضرها ضررًا بعيد الأثر.
ذلك أن هذا المرض الذي أنشأ المجمع اللغوي سنة ١٩٣٢ لم ينظر إلى حال اللغة العربية ولا إلى حاجتها، ولا إلى طاقة أصحابها نظرًا مفصلًا دقيقًا، وإنما نظر إلى أوروبا بإحدى عينيه، وإلى الشرق العربي بعينه الأخرى، وأراد أن يقول لأهل الغرب: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامعكم، وأن يقول لأهل الشرق: انظروا؛ فإن لنا مجمعًا كمجامع الأوروبيين ليس للشام مثله ولا للعراق.
أراد أن يكون هذا المجمع دعاية، ودعاية تلائم مكانة مصر من أهل الشرق وأهل الغرب جميعًا، فمصر جزء من أوروبا، وإذن فيجب أن يكون مجمعنا كمجامع أوروبا، ومصر زعيمة البلاد الشرقية العربية، فيجب أن يكون مجمعها زعيم المجامع اللغوية العربية. يجب أن يكون هذا المجمع عمارة من هذه العمارات الضخمة الفخمة التي تنطح السحاب، وتبهر الألباب، ولا تستطيع العين أن تقع على مصر دون أن تقع عليها. وليس المهم أن تكون هذه العمارة نافعة مجدية، ولكن المهم أن تكون خلابة رائعة تُخيِّل إلى الأوروبيين أننا مثلهم، وتُخيِّل إلى الشرقيين أننا سبقناهم إلى ما لم يصلوا إليه، ولم يطمعوا فيه.
ونحن نستطيع أن نبهر الغربيين والشرقيين جميعًا، وأن نلقي في روعهم أننا قادرون لا على أن نأتي بما يعجز عنه الشرق وحده، بل على أن نأتي بما يعجز الغرب نفسه أيضًا.
ولذلك نستطيع أن ننشئ مجمعًا لا يكون مقصورًا على مصر والمصريين، بل يكون شائعًا بين الشرق والغرب جميعًا، مجمعًا مختلطًا كالمحاكم المختلطة لا يساهم فيها قضاة من الشرق، وإنما يساهم فيها قضاة غربيون مصريون، فأما المجمع اللغوي فيجب أن يكون أشد اختلاطًا من المحاكم المختلطة، يجب أن يساهم فيه المصريون بالنصف، والنصف كثير، وأن يقسم النصف الثاني بين الشرق والغرب قسمة سواء عدلًا. ونحن قوم منصفون، ومنصفون من أنفسنا قبل أن ننصف من غيرنا، فلا ينبغي أن يزيد عددنا في المجمع على النصف حتى لا تكون لنا الكثرة التي تمكننا أن نقضي في أمور المجمع كما نحب.
وكذلك استصدرت الحكومة التي كانت قائمة في ذلك الوقت الحلو اللذيذ مرسومًا ملكيًّا ينشئ المجمع اللغوي، وتمدحت بهذا المجمع في خطبة العرش التي أُلقيت أمام البرلمان.
وأظرف من إنشاء المجمع على هذا النحو أن البرلمان الذي كان قائمًا في ذلك الوقت الحلو اللذيذ رضي عنه كما رضيت الحكومة، وصفق له كما صفقت الحكومة، ولكن الشعب الذي كان في ذلك الوقت سيئ الخُلق، مُرَّ الطبع، منحرف المزاج لقي المجمع مُتَجهمًا له، متبرمًا به، ساخطًا عليه، وقال الفلاسفة والحكماء وأصحاب الرأي الأصيل في ذلك الوقت: إن هذا الشعب المصري مُترف مُدلل، وجاهل مُغفل، لا يُرضيه شيء، ويجب ألا يُستشار في شيء، ويجب أن يُفرض الخير عليه فرضًا، وأن يُؤخذ بالإصلاح، رغم أنفه؛ لأن أنفه لم يُخلق إلا للرغم، ولأنه قاصر إن خُلِّي ونفسه لم يجد إلى الخير سبيلًا.
وكذلك أنشئ المجمع اللغوي في تلك الظروف الغريبة، فكان يعمل على هامش الحياة المصرية، أو قل إن شئت: كان يعمل على هامش الحياة الأدبية واللغوية.
وقد أرادت هذه الظروف الغريبة أن يكون كثير من الذين كان يمكن أن يشيروا في أمر المجمع اللغوي من خصوم الحكومة التي كانت قائمة، ومن أضدادها ومُقاوِميها، فلم يكن بدٌّ من أن يخفى أمر المجمع عليهم ويُسترَ دُونَهم، ومن أن يفاجئوا به مفاجأة — إن صح هذا التعبير.
ولقد أذكر أن وزير المعارف في ذلك الوقت السعيد أراد أن يستشير في أمر المجمع بعض المستشرقين الذين كانوا يعملون في كلية الآداب، وكنت لها عميدًا، فدعاهم إليه، وسمع منهم وقال لهم، فلما خرجوا من عنده ألقى إليهم مَن ألقى أن من الخير ألا يتحدثوا في ذلك إلى عميد كلية الآداب، ولكنهم مع ذلك تحدثوا مع العميد، وأظهروه على ما قالوا وما سمعوا.
ولم يكن بُدٌّ في تلك الظروف من أن يكون تأليف المجمع سياسيًّا، كما كان إنشاؤه سياسيًّا، وعلى ذلك طبع المجمع بذلك الطابع الرجعي، وكانت له في ذلك أُسوة حسنة بالمجمع اللغوي الفرنسي؛ فقد أنشئ إنشاء سياسيًّا، وأُلِّف تأليفًا سياسيًّا، وطبعه ريشيليو، زعيم السلطة الفردية، بطابعه القوي، وظل صورة قوية للرجعية حتى ألغته الثورة الفرنسية وأنشأت مكانه المجمع العلمي.
وقد أعيد المجمع اللغوي الفرنسي بعد أن هدأت حِدَّة الثورة، ولكنه ظل إلى الآن أقرب إلى المحافظة منه إلى التجديد.
كل هذه ظروف خارجية أحاطت بإنشاء المجمع اللغوي فلم تهوِّن أمره ولم تُيسِّر مهمته، ولم تجعله إلى الشعب حبيبًا، ولا على قلب الشعب خفيف الروح، فإذا نظرنا إلى الظروف الداخلية التي كوَّنت المجمع، ورسمت له طريقه العملية لم نجدها خيرًا من الظروف الخارجية؛ فقد طُلب إلى المجمع ما لا يستطيع، وفُرض عليه ما لا يُطيق. وليس في هذا شيء من الغرابة؛ لأن إنشاء المجمع لم يكن جدًّا في حقيقة الأمر، وإنما كان دعاية وسياسة وزينة وتخييلًا.
فلم يكن من المهم أن يعمل، وإنما كان المهم أن يوجد وكفى، غير أن المجمع لم يكتف بالوجود، وإنما أراد أن يعمل ليثبت أنه خليق بهذا الوجود الذي وُهب له وفُرض عليه، ولم يكد يبدأ في العمل حتى وجد نفسه أمام عقبات ليس إلى تذليلها من سبيل، فأخذ يضطرب ويختلط ويدور حول هذه العقبات دون أن يستطيع لها اجتيازًا. وإنك لتنظر في مجلته فترى دلائل الاضطراب والاختلاط أوضح وأجلى من أن تحتاج إلى تفصيل.
إن المعلم يُعرِّض نفسه للسخرية إذا طلب إلى وزير الأشغال أن يَعهد إليه ببناء القناطر وإقامة الجسور، ويُعرِّض نفسه للبيمارستان إذا طلب إلى وزير الصحة أن يعهد إليه بمعالجة التيفوئيد أو الملاريا أو البلهارسيا — ما دام الناس يتحدثون عن الأستاذ بلهرس في هذه الأيام — ويُعرِّض نفسه لا أدري لماذا إذا طلب إلى وزير الحربية أن يعهد إليه بتمرين الجند وقيادتهم إلى الميادين.
ما أظنك تناقش في ذلك أو تنكره، ومع ذلك فقد فُرض على المعلمين الذين أُلِّف منهم المجمع أن يكونوا علماء بالهندسة والطب والإدارة والحرب وما شئت وما لم تشأ من العلوم التي سمعوا بها، والتي لم يسمعوا بها ولا في المنام.
وقيل لهم: أيها السادة، أنتم تعرفون اللغة العربية وتحسنون علومها كما كان يعرفها ويحسن علومها علماء البصرة والكوفة في القرنين الثالث والرابع للهجرة، أو على نحو ما كان يعرفها ويحسن علومها هؤلاء الأئمة في البصرة والكوفة؛ فقد جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء بالطب وفروعه على اختلافها، وبالرياضة وأشكالها وألوانها، وبالطبيعة والكيمياء، وبعلوم الحياة وبالفنون الجميلة، وبكل ما وعى العقل الإنساني، وما أنتج العقل الإنساني، وبكل ما أحس القلب، وبكل ما أثر في الشعور، وبكل ما ينتج عن إحساس القلب وتأثُّر الشعور. ويجب أن تعلموا ذلك علمًا صحيحًا دقيقًا مفصلًا متقنًا، يُمكِّنكم من التعبير عن هذه العلوم بألفاظ صحيحة دقيقة مطابقة، لا تخطئها ولا تنحرف عنها، وهي مع ذلك تلائم اللغة العربية الفصحى أصح الملائمة وأدقها وأجلاها.
وكان الذين قالوا لهم هذا القول مازحين في أكبر الظن؛ لأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يظنوا أن هذا ممكن، ولأنهم أعقل، فيما نقدر، من أن يحسبوا أن الرجل يستطيع أن يسمي اصطلاحات العلوم تسمية مصيبة موفقة دون أن يتقن هذه العلوم إتقانًا … كانوا مازحين في أكبر الظن لأنهم لم يكونوا يريدون إلا سياسة ودعاية.
ولكن اللعب قد يجر الجد كما قال أبو نواس؛ فقد مزح الذين أنشئوا المجمع، ولم يفهم المجمع عنهم هذا المزاح، أو لم يُردْ أن يفهمه عنهم، وأراد أن يكون عالمًا بكل شيء، قادرًا على تسمية كل شيء، ونسي أن آدم حين سمى الأشياء كلها لم يسمها من عند نفسه، وإنما علَّمه الله الأسماء كلها.
ومهما يكن من شيء فقد اجتهد المجمع في أن يسمي الأشياء، سواء منها ما يتصل بالعلم، وما يتصل بالعمل، وما يتصل بالبدع أيضًا؛ فألَّف اللجان، وقسَّم بينها العلم والمعلوم، والوجود والموجود، وكلف كل لجنة بأن تصعد في السماوات العُلى إن شاءت، وأن تهوي إلى الأرضين السفلى إن أحبت، ولكن يجب أن تجد الأسماء للأشياء، تنزل بها من أعلى أو تصعد بها من أسفل، ولكن لا بد من أن تُوجِد هذه الأسماء لهذه الأشياء، وإلا كان وجود المجمع عبثًا، وإنشاؤه لعبًا، وإنفاق المال عليه تبذيرًا.
وكذلك أخذت اللجان تعمل، ثم استيقنت أنها في حاجة إلى من يعلمها العلم الذي لم تُحصِّله، فدعَت المستشارين، واختلف إليها الأطباء والطبيعيون وأصحاب الكيمياء وأصحاب الفن، ومن شئت ومن لم تشأ من الأخصائيين، وجعل كل واحد من هؤلاء المستشارين يبيع هذه اللجان علمه بثمن بخسٍ قروش معدودة، فقد كان الاصطلاح، فيما حدثني المحدثون، يُباع بخمسة وعشرين قرشًا، وكان المستشار يأتي بالكلمة الإنجليزية أو الفرنسية من اصطلاحات العلم أو الفن فيترجمها للجنة ترجمة مقاربة، حتى إذا فهمت اللجنة عنه، أو خيل إليها أنها فهمت، جعلت تبحث وتستقصي وتنقب وتُروِّي حتى تجد كلمة عربية تظن أنها تصلح للتعبير عن هذا المعنى الذي يُخيِّل إليها أنها فهمته.
وأبرع من هذا وأروع، أن الذين أنشئوا المجمع جاءوا بقوم يحسنون طائفة من العلوم، ولكنهم لا يحسنون اللغة العربية، وقالوا لهم: أيها السادة، أنتم تحسنون هذا العلم أو ذاك، ولذلك جعلناكم أعضاء في المجمع اللغوي منذ هذا المساء، فإذا أصبحتم — أي إذا قضيتم ليلة واحدة أو ليالي معدودة — فكونوا علماء باللغة تحسنونها وتتقنون علومها كما كان يحسنها الخليل وسيبويه، وكما كان يتقنها الفراء وثعلب، ثم سموا ما تعلمتم وأحسنتم من العلم بما لم تتعلموا وتحسنوا من اللغة.
وكذلك أصبح أمر المجمع عجبًا: قوم يحسنون اللغة ولا يحسنون غيرها يقال لهم: كونوا علماء وسموا ما لا تعلمون بما تعلمون، وقوم يحسنون بعض العلم ولا يحسنون اللغة يقال لهم: كونوا لُغويين وسموا ما تعلمون بما لا تعلمون. ومصدر هذا الخلط الظريف أمران؛ أحدهما: أن الذين أنشئوا المجمع كانوا يلعبون ويدعون إلى لون من ألوان الحكم، وفن من فنون النظام السياسي، والآخر: أن الذين أنشئوا هذا المجمع لم يكن لهم علم صحيح، لا بالعلوم التي يُراد أن تُسمَّى، ولا باللغة التي يُراد أن تُسمَّى بها، فنشأ عن ذلك ما ترى في مجلة المجمع من هذه الأسماء الكثيرة التي لا تلائم علمًا ولا لغة، ولا تحقق حاجة من حاجات العصر، ولا تصادف هوى من أهواء الكُتَّاب والشعراء، والتي كلفت الدولة أموالًا تستطيع وزارة المالية أن تحصيها، وكلفت رجال المجمع جهودًا يستطيعون أن يحتسبوها عند الله عز وجل.
ذلك أن حكومتنا تلك كانت تعيش في القرن العشرين، وتعمل كما كان يعمل ريشيليو في القرن السابع عشر، وتجهل أن بينها وبين ريشيليو ثلاثة قرون تغيَّر فيها كل شيء، وتجهل أن المجمع الفرنسي لم يكد ينشأ في باريس حتى نشأت من حوله مجامع علمية أخرى مضت جادة في ترقية العلوم وتسميتها، واضطرته هو إلى أن يكون مُسَجِّلًا ليس غير.
نعم وكانت حكومتنا تلك تعيش في القرن العشرين وتجهل أن اللغة لا تُشرَّع بالقوانين، ولا تُفرَض بالمراسيم، وإنما تَنبُت في البيئات التي تحتاج إليها، تَنبُت في مكتب العالِم ومَعمَل المُجرِّب ومَصنَع الصانع، وتنبت في الشارع والحقول أيضًا، ويصقلها الاستعمال ويذيعها ويشيعها ويفرضها على المجمع اللغوي؛ فإذا هو يُسجلها في المجمع، ويضع لها القيود والحدود.
ولم تكن حكومتنا تلك تجهل هذا وحده، وإنما كانت تجهل معه أشياء كثيرة أخرى، وقد أقامت المجمع على ما تجهل لا على ما تعلم؛ فنشأ مُشوَّهًا عقيمًا مقضيًّا عليه بالإخفاق.
وكان أخص ما تمتاز به وزارة المعارف في ذلك الوقت أنها كانت تعرف أوائل الأشياء، وتجهل أوساطها وأواخرها، وكانت تعرف أسماء الأشياء وتجهل معانيها وحقائقها … قيل لها: إن اللهجات شيء حلو جميل تحسن العناية به، تُعنى به الجامعات والمدارس في أوروبا، ويَكلَف به المستشرقون، فقالت: ما دامت اللهجات حلوة؛ فلنأخذ منها بطرف، ولنذق منها نصيبًا، ثم جعلت من أغراض المجمع أن يُعنى باللهجات الحديثة في مصر وغيرها من البلاد العربية، ولم تسأل نفسها، وما كانت تستطيع أن تسأل نفسها، عن معنى هذه العناية، ولا عن مداها، ولا عن نتائجها.
ولم يخطر لها أن المجمع الذي يحافظ على سلامة اللغة الفصحى ليس من شأنه أن يدرس اللهجات العامية. سمِعتْ ذِكْر اللهجات فأحبت هذا الاسم ووضعته في المرسوم الذي أنشأت به المجمع، وقالت للمجمع: أنت وما تريد، أو أنت وما تستطيع! ولم يُرِد المجمع شيئًا، ولم يستطع المجمع شيئًا إلى الآن في أمر اللهجات، وإن كان يُظهِر الحِرْص عليها، ويخاف أن يَخطفَها منه البرلمان خطفًا.
وأبرع من هذا كله وأروع، أن الحكومة طلبت إلى المجمع أن ينشئ مُعْجمًا، وصدَع المجمع بهذا الأمر، ولكنه لم يشرع في إنشاء المعجم إلى الآن؛ لأنه يريد أن يستهبط الاصطلاحات من السماء، أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل، وقد يئست الحكومة من هذا المعجم بعد أن انتظرت البدء فيه أربعة أعوام، فهَمَّتْ بإنشائه وزارةُ المعارف في العام الماضي، وتلطَّف وزير المعارف يومئذٍ، الأستاذ علوبة باشا، فأشرك المجمع في أمر هذا المعجم.
وقبِلَ المجمعُ كارهًا هذا الاشتراك؛ لأنه لم يجدْ منه بدًّا، وما كاد الوزير يتخلى عن الوزارة حتى لجأ المجمع بمرسومه إلى الوزير القائم، وقال له: أنصفني؛ فقد ظلمني سلَفُك، واردُدْ عليَّ مُعْجمي؛ فقد غصبته وزارة المعارف، واجْعَلْه لي خالصًا من دون الناس، فقد أشرك فيه الوزير السابق من ليس من المجمع في قليل ولا كثير.
واستجاب الوزير القائم لرئيس المجمع فألغى لجنة كانت بدأت في العمل بالفعل، ورد المعجم إلى المجمع في شهر يوليو الماضي، ولكن المجمع لم يصنع شيئًا إلى الآن، وتأخر المعجم سنة أخرى؛ لأن المجمع لا يستطيع أن يشرع فيه قبل أن يضع الاصطلاحات، يستهبطها من السماء أو يستنبطها من الأرض. وهذا عمل شاق طويل؛ فلا بد من الانتظار.
والدولة في أثناء هذا كله تنفق المال وتنفق المال، ولا نجني إلا هذه المجلة التي يُصدرها المجمع، والتي يعرفها بعض أعضائه وينكرها بعضهم الآخر إنكارًا شديدًا.
ثم أراد وزير المعارف القائم أن يَردَّ الأمر إلى نصابه، وأن يعيد النظر في نظام المجمع، وأن يعرض أمره على البرلمان، فوضع للمجمع قانونًا رجع فيه إلى المجمع نفسه؛ لأنه رجل دستوري، وكان قاضيًا قبل أن يكون وزيرًا، فلم يُرد أن يشعر المجمع بأنه مظلوم.
وحافظ المجمع على نظامه القديم؛ لأنه يحبه أشد الحب، ويَكلَف به أعظم الكلف، ولكن الوزير القائم لم يذُق اللهجات الحديثة كما ذاقها وزير التقاليد، فحذفها من القانون الجديد، وعني بإحياء الأدب القديم لأنه المادة التي يؤخذ منها المعجم اللغوي والمعجم التاريخي جميعًا.
فغضب المجمع، وامتلأ قلبه حزنًا وأسفًا، وشكا إلى مجلس النواب، واستعان ببعض النواب، وخيل إليهم ما خيل، وزين لبعضهم ما زين، وإذا القانون يَرِدُ في مجلس النواب كما أرادته الحكومة التي أنشأت المجمع، وكما أراده المجمع القائم نفسه، ولكن على غير ما تريده مصلحة العلم، وعلى غير ما تريده كرامة مصر العقلية؛ فما زال المجمع كما أنشأه مجلس النواب مُكلَّفًا أن يعلم غير ما يجهل، وأن يضع الاصطلاحات لعلوم ليس له منها حظ قليل أو كثير، وما زال المجمع مكلفًا أن يدرس اللهجات العامية، ويحافظ على سلامة اللغة الفصحى، ويجمع بين هذين المتناقضين؛ لأن الله عز وجل قادر أن يجمع العالم في واحد كما قال أبو نواس.
وقد عُرض قانون المجمع الآن على مجلس الشيوخ، فليأذن لنا النواب المحترمون في أن نصارحهم بأنهم قد أخطئوا وتعجلوا، أو كان يجب أن يلتمسوا الصواب وتعجلوا، وليأذنوا لنا في أن نقول لهم: إن مصلحة اللغة وكرامة مصر تفرضان عليهم أن يعيدوا النظر في هذا القانون تفصيلًا، وأن يرفعوا عن المجمع عبء الاصطلاحات العلمية؛ فليست من شأنه، وليس هو قادرًا عليها، والله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يفرض على الأفراد والجماعات إلا ما يطيقون، وأن يريحوا المجمع من اللهجات العامة؛ فليست من شأنه ولم يُخلق لها، والسيفانِ لا يُجمعان في غمد، والماء والنار لا يجتمعان؛ فإن كنا نريد اللغة العامية فلننشئ لها مجمعها، ولنترك اللغة الفصحى للذين يحسنون درسها، ويعرفون كيف ينتفعون بهذا الدرس.
نعم، وليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نطلب إليهم أن يعيدوا النظر في النظام الإداري للمجمع، ولسنا نريد أن يُرَدَّ المجمعُ مصريًّا خالصًا كما كان ينبغي أن يكون، فالمصريون ينتفعون دائمًا بمعاونة العلماء الشرقيين والمستشرقين، ولكننا نريد أن تكون أمور الإدارة في المجمع إلى المصريين، وإلى المصريين وحدهم: هم الذين ينتخبون، وهم الذين ينتخبون — بالكسر والفتح.
فأما الزملاء الشرقيون والمستشرقون فيشاركون في العلم وحده، ثم ليأذن لنا الشيوخ المحترمون في أن نُخيِّرهم بين اثنتين، فإن كانوا يريدون مجمعًا لُغويًّا، فأغراض هذا إنما هي إنشاء المعجم اللغوي والمعجم التاريخي، وإحياء الأدب القديم، وتشجيع الإنتاج الأدبي الحديث، وإن كانوا يريدون وضع اصطلاحات العلوم، فسبيلهم إلى ذلك العدول عن المجمع اللغوي، وإنشاء المجمع العلمي ذي الشُّعب المختلفة، كما هو موجود في فرنسا، على أن يكون المجمع اللغوي شعبة من شُعَبِه.
فليَختَر الشيوخ بين هذين الأمرين، وليجتنبوا ما تورطتْ فيه تلك الحكومة من التخليط؛ فليس ينبغي لمصر أن تَضحك من نفسها، وأن تُضحك الناس منها، وأن تُنفق الألوف من الجنيهات كل عام على هذه السخرية التي لا تنفع ولا تفيد. -
كلية الآداب
كلية الآداب
حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب
وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:
أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟
ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟
فتفضل بالجواب التالي:
١-
أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.
وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.
وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟
فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.
وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.
وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.
ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.
ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.
ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.
وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.
وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.
وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.
أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.
ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.
ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.
وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.
هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.
وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.
ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.
(١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.
وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.
وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.
كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.
والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.
٢-
الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:
الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.
الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.
الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.
ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.
المقتطف، يناير ١٩٣٧. -
صراع٢
حديث المساء
صراع…
بدأ منذ أسابيع، ولسنا نعرف متى ينتهي، ولا كيف ينتهي، وإن كنا نعرف حق المعرفة كيف نريد، وكيف ينبغي أن ينتهي. وهو هذا الصراع بين القومية المصرية، والتسلط الأجنبي.
والحق أن هذا الصراع قائم منذ أمد بعيد، ولكنه لم يأخذ شكله الحاد العنيف إلا في هذه الأيام، كما أنه لم يختر لنفسه ميدانًا معينًا مرسوم الحدود إلا في هذه الأيام أيضًا.
ففي هذه الأيام ظهر الصراع بين القومية المصرية والتسلط الأجنبي حادًا عنيفًا في المحاكم المختلطة. وهو قد اختار لنفسه إلى الآن ميدانين واضحين كل الوضوح، محددين كل التحديد. فأما أولهما فرئاسة الدوائر، وأما ثانيهما فاصطناع اللغة العربية في كتابة الأحكام.
أما في الميدان الأول، فكان من حق القومية المصرية أن تنتهي إلى ما تريد في غير جدال ولا حوار، وفي غير أخذ ولا رد طويلين. فليست هناك موانع من نص القانون تحول بين القضاة المصريين وبين رئاسة الدوائر حين تتاح لهم هذه الرئاسة، ولكن القومية المصرية مع ذلك لم تظفر بشيء إلى الآن، والله يعلم متى تظفر بما ينبغي لها من الفوز.
والغريب أن امتناع الفوز عليها لم يأت من ضعف القضاة المصريين في الاستمساك بها، ولا من ترددهم في الذود عنها، وإنما جاء من أن الوزارة، التي كان يجب أن تحمي ظهر هؤلاء القضاة، قد انكشفت وأسلمت، ولم تستطع أن تثبت في موقفها، ولا أن تحتفظ بحقها، بل لم تستطع أن تنظم انكشافها تنظيمًا ملائمًا للحق والكرامة.
فقد كان وزير الحقانية يؤيد القضاة كل التأييد، يعلن ذلك في مجلس النواب، ويؤكد ذلك في مجلس الوزراء، ويكتب في ذلك إلى رئيس محكمة الاستئناف، فما هي إلا أن يرد عليه الرئيس رده القاسي المعروف، حتى ينكشف عنه زملاؤه، ثم ينكشف هو عن القضاة. وإذا الناس يشيعون أنه هم بالاستقالة، وإذا رئيس الوزراء يكذب هذه الإشاعة، وإذا هو يهيئ رده على رئيس الاستئناف، ثم ينتظر بهذا الرد أيامًا، ثم يقال إن هذا الرد محص تمحيصًا، ونقح تنقيحًا، وإذا قضية المعاشات تؤجل أشهرًا طوالًا، وتنقل إلى دائرة أخرى، ثم يرسل الوزير رده بعد الأناة والانتظار.
ثم تتقدم الوزارة إلى مجلس الشيوخ، فيعلن رئيس الوزراء أن المسألة ستحل بالمفاوضات، أي كما رأت الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، ويعلن وزير الحقانية أن الحكومة معنية بالمسألة.
ثم ينتهي الأمر عند هذا الحد مؤقتًا، حتى إذا كان مساء الأربعاء الماضي عرض رد وزير الحقانية على الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف المختلطة، فأيده المستشارون المصريون، وأنكره المستشارون الأجانب، وأعلن رئيس الجمعية بعد ذلك أن الأمر قد انتهى بالقياس إلى الجمعية، وأنه أصبح من حق الحكومة المصرية أن تفاوض فيه.
ومعنى هذا الإعلان أن الوزارة انهزمت على طول الخط، كما يقولون، وأن الجمعية، أو كثرتها الأجنبية، انتصرت على طول الخط، كما يقولون أيضًا، وأن القضاة المصريين قد يرأسون الدوائر إذا أذنت الدول الأجنبية بذلك، بعد مفاوضات قد تقصر وقد تطول، ومناقشات قد تلتوي وقد تستقيم.
لم تظفر القومية المصرية إذن بشيء في هذا الميدان، لا لأن القضاة قصروا، ولا لأن الأمة قصرت، ولا لأن الصحف قصرت، بل لأن الوزارة آثرت أن تتراجع، وأن تختار أيسر الأمرين، وأقلهما كلفة، وأبعدهما عن الجهد والعناء، وأضمنهما للراحة والسلامة وطول البقاء.
وأما في الميدان الثاني، فمن حق القومية المصرية أيضًا أن تنتهي إلى ما تريد من غير حوار ولا جدال، ومن غير أخذ ولا رد. وأكبر الظن أنها ستنتهي إلى ما تريد، لا لأن الوزارة ستثبت في الذود عنها أكثر مما ثبتت في الميدان الأول، بل لأنها ليست في حاجة إلى أن تؤيدها الوزارة، وإنما هي في حاجة إلى أن يؤيدها القضاة المصريون. ولم يعرف أحد عن القضاة المصريين، إلى الآن، أنهم بخلوا على قوميتهم بالنصر والتأييد، مهما تكن الظروف.
ذلك أن القوانين صريحة في أن لغة القومية المصرية إحدى اللغات الرسمية للمحاكم المختلطة، وقد أراد أحد المستشارين المصريين، الأستاذ عبد السلام ذهني بك، أن ينفذ نص القانون، فكتب أحكامًا باللغة العربية.
وليست هناك قوة تستطيع أن تحول الأستاذ المستشار وزملاءه عن رأيهم، إلا أن تكون هناك قوة تستطيع أن تلغي القانون، أو أن تغيره، أو أن تحمل القضاة على ألا ينفذوه حملًا.
وإذن فالقومية المصرية ظافرة، من غير شك، في هذا الميدان، إلا أن تتكشف الأيام والحوادث عن بعض ما تتكشف عنه في هذه الظروف البديعة من الأعاجيب.
أبى رئيس الدائرة أن يمضي هذه الأحكام لأنه لا يفهمها، وأبى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه البلاد، لأنها لغة القومية المصرية، ولأنها معترف بها في المحاكم المختلطة بحكم القانون.
ورفع الأمر إلى الجمعية العمومية، ورغب رئيس الجمعية وأعضاؤها الأجانب إلى المستشار ذهني بك أن يغير لغة هذه الأحكام، فأبى، وأيده زملاؤه المصريون. ولم تستطع الجمعية أن تتخذ في ذلك قرارًا، لأنها إن قبلت رأي المستشار المصري، كما يقضي الحق والعدل والقانون، وجدت نفسها، فيما يقال، أمام صعاب ومشكلات لا حد لها. وإن رفضت رأي المستشار المصري خرجت على القانون، وهي لا تملك، ولا تريد من غير شك، أن تخرج على القانون.
وإذن فليس للمسألة حل في حدود القانون إلا أن تنتصر القومية المصرية في هذا الميدان انتصارًا واضحًا قاطعًا، لا شك فيه ولا غبار عليه.
ونظن أن الخير إنما هو في أن تقف الوزارة من هذه القصة الجديدة موقف الحياد التام، فقد ظهر أن تدخل الوزارة في مثل هذه الأشياء يضر أكثر مما ينفع، ويؤذي أكثر مما يفيد. وآية ذلك أنها دخلت في الأزمة الأولى، فلم تغن شيئًا، ولم تحسن البلاء، ولم تنتفع من إجماع الأمة كلها على تأييد القضاة المصريين، وإنما تركت ذلك كله يذهب مع الريح، ونظرت لما يحيط بها من الظروف، فآثرت العافية، وقبلت المفاوضات.
ونحن نخشى إن دخلت في هذه القصة، أو همت بتأييد القضاة المصريين فيها، أن تسير سيرتها الأولى، وأن يصدر عن وزير الحقانية كتاب، يرد عليه بكتاب، ثم يهيأ للرد على الرد كتاب، ثم تتخذ الجمعية العمومية فيه قرارًا كالذي اتخذ مساء الأربعاء، ثم تدخل الوزارة في مفاوضات، تقترح عليها من الدول لتأجيل اتخاذ اللغة العربية أداة رسمية للقضاء المختلط، حتى تتهيأ الظروف الملائمة لذلك.
نود إذن لو وقفت الوزارة موقف الحياد، وبخلت على المستشارين المصريين بالتأييد في هذه المرة، فرب بخل خير من الجود، ورب حياد خير من التأييد.
والمستشارون المصريون في هذه القصة أقوياء بالقانون، أقوياء بضمائرهم، أقوياء بوطنيتهم، أقوياء بإرادتهم، أن يرعوا حرمة القانون، وأن يرعوا حرمة اللغة العربية، التي هي اللغة الرسمية للقومية وللبلاد.
فتؤثر الوزارة الراحة في هذه المرة، فإنا نحب لها، ونحب لموقف المستشارين، أن تستريح.
على أننا نعتقد أن الصراع بين اللغة العربية واللغات الأجنبية في المحاكم المختلطة لا ينبغي أن ينتهي عند هذا الحد، بل ينبغي أن يتسع ميدانه، ويخيل إلينا أن المستشارين ليسوا إلا قادة في هذا الصراع، ولا بد أن يتبعهم غيرهم.
فيجب أن تكون اللغة العربية أداة عملية، لا لكتابة الأحكام فحسب، بل للمرافعات أيضًا. يجب أن يخاصم المحامون المصريون والشرقيون باللغة العربية، ويجب أن تخاصم النيابة باللغة العربية أيضًا.
ثم لا ينبغي أن يكون هذا مقصورًا على محكمة الاستئناف، بل أن يتجاوزها إلى المحاكم الابتدائية، فيجب أن تكتب أحكامها، وأن تكون مرافعاتها باللغة العربية فيها.
وما دام القانون، الذي لا سبيل إلى الخروج عليه، يقر اللغة العربية على ما يراد لها من الحق، فنحن واثقون بأن رجال القضاء، والنيابة، والمحاماة، من المصريين والشرقيين، لن يبخلوا على لغتهم بهذا الحق، ولن يقصروا في الذود عنه حتى تفرض هذه اللغة على المحاكم المختلطة فرضًا.
وقد قيل وسيقال إن القضاة الأجانب لا يحسنون اللغة العربية أو لا يفهمونها، ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، فالذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يحسنوها.
وقد قيل وسيقال إن نظام العمل في المحاكم المختلطة لا يجعل اصطناع اللغة العربية سهلًا، لأن الموظفين الذين يحسنون هذه اللغة قليلون في المحاكم المختلطة. ولكن المصريين قالوا وسيقولون إن هذا ليس ذنب اللغة العربية، وإن الذين يعملون في بلد يجب أن يتعلموا لغته وأن يفهموها، وإن الوزارة المصرية تنفق أموالًا كثيرة في ألوان من الترف الذي لا حاجة إليه، فلتنفق بعض الأموال في هذه الضرورة التي تمكن اللغة العربية من أن تكون لغة القضاء في المحاكم المختلطة، ولتعين من الموظفين من تدعو الضرورة إلى تعيينهم، ولتعزل من الموظفين من تدعو الضرورة إلى عزلهم، فإن المحاكم المختلطة لم تنشأ للموظفين، وإنما أنشئت للقضاء.
وليست اللغة العربية هي التي يجب أن يضحى بها لمصلحة فريق من الكتبة والمحضرين الأجانب، وإنما يجب أن يضحى ببعض الكتبة والمحضرين الأجانب في سبيل اللغة العربية إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
نعم، كان الأستاذ عبد السلام ذهني بك موفقًا حقًا حين أقدم على تنفيذ القانون، وحين رد إلى اللغة العربية بعض حقها، وحين رد إلى الكرامة المصرية بعض ما ينبغي أن يرد إليها من عناية المصريين وغير المصريين.
وما نظن أن الأستاذ وزملاءه يحتاجون إلى شكر أو يطمعون فيه، فإخلاصهم للوطن، وللقانون، وللقضاء، أرفع من أن يحتاج إلى الشكر.
وما نظنهم يحتاجون إلى تشجيع أو يطمعون فيه، فهم أشجع وأحرص على الحق، وأداء الواجب، وإرضاء الكرامة، وإراحة الضمير، من أن يحتاجوا إلى تشجيع.
ومع أنهم لا يحتاجون إلى شكر ولا إلى تشجيع، فسيرون أن الأمة المصرية كلها لن تتردد في أن تقدر لهم موقفهم هذا الكريم، وفي أن تعرف لهم أنهم أبناء أوفياء لأمة شديدة الحاجة جدًا إلى أن تحس من أبنائها أنهم أوفياء.
طه حسين
كوكب الشرق، ٢٠ إبريل سنة ١٩٣٤.