الروح الجامعي
إن تقدير الهلال لشخصية الدكتور طه حسين بك هو الذي حدا به لاقتراح هذا الموضوع عليه. وما ذلك إلا ليقين الهلال بأن الدكتور هو خير من يعالج هذا الموضوع الخطير الوثيق الصلة بحياتنا الفكرية ومستقبلها الثقافي والهلال في هذا لم يكن متجنيا على الدكتور. بل طامعا في الوقوف على رأي من يشرف على إحياء الروح الجامعي في مصر. لم أختر هذا الموضوع مادة لهذا الحديث، وإنما اقترحته «الهلال» متحكمة به وفرضت به عليّ، وما أكثر ما تتحكم «الهلال» في أصدقائها من الكتاب، وما أكثر ما تتجنى به عليهم وما أشد إذعان هؤلاء الأصدقاء لهذا التحكم والتجني، كأنهم طلاب يقترح عليهم أساتذتهم بين حين وحين هذا الموضوع أو ذاك، ليكتبوا فيه ما يفتح الله به عليهم من الجيد والرديء، من المحال والمستقيم. وما أظن أننا نستطيع بعد أن قدمنا الإذعان لـ«الهلال» أن نثور بها ونتمرد عليها، خلافا لما تصدر إلينا بين حين وحين من أمر يطاق أو لا يطاق، ويستحب أو لا يستحب . فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث.
فلنكتب إذن في هذا الروح الجامعي الذي هبط الوحي على «الهلال» بأن تبتلينا به وتمتحننا فيه. وليكتب الله لنا التوفيق فيما ندير في نفسنا من رأي، وما نملي على كاتبنا من لفظ، وما نسوق إلى قارئنا من حديث وأول ما أقول في ذلك أني لا أكاد أتبين معنى واضحا دقيقا محدود الأطراف والنواحي لهذا الذي تسميه «الهلال» روحا جامعيا وتريد أن نشيعه في نفوس الطلاب. فهذا اللفظ في لغتنا جديد ما أعرف أن عهدنا قد بعد به، وما أرى أنه قد بلغ العشرين من عمره. وأكبر الظن أنه لم يكد يتجاوز الخامسة عشرة، وأكبر الظن أنه لم يشع في مصر إلا بعد أن أنشئت الجامعة المصرية الحكومية وأخذ صاحب المعالي الأستاذ أحمد لطفي السيد باشا مدير الجامعة يتحدث عن جامعته مبينا ما يفهمه من هذا اللفظ وما يجب أن يفهمه الطلاب والأساتذة، والنواب والشيوخ أيضا من لفظ الجامعة، وأخذ بعض الأساتذة المصريين الذين اختلفوا إلى الجامعات الأوروبية يتحدثون عن الجامعة ومثلها العليا، وعما يفهمون وما يحبون أن يفهم عنهم إذا تحدثوا عن الجامعة ومثلها العليا.
وقد يكون من المفيد أن نبحث لو أتيح لنا الوقت وهيئت لنا الفرصة عن أول نص عربي حديث استعمل فيه لفظ الروح الجامعي هذا. ولكن الوقت لا يتاح لنا والفرصة لا تتاح. ولعل «الهلال» لا ترضى منا مثل هذا البحث اللغوي التاريخي الثقيل. فالشيء الذي لا شك فيه هو أن اللفظ العربي الفصيح في نفسه أجنبي المعنى، قد جلب معناه من أوروبا ومن أمريكا وأسبغ عليه لفظ عربي صريح لا غبار على عربيته ولا شبهة في صراحته. فهو في ذلك كالسيارة والدراجة والحاكي والمذياع، ألفاظ تستقيم من الناحية اللغوية استقامة حسنة، ولكنها تدل على أشياء طريفة لم تعرف من قبل. ولو سمع الجاحظ وأشباهه لفظ الروح الجامعي هذا لما فهم منه شيئا ولما انتهى منه إلى شيء، إلا أن نبين له ما نريد وما نقصد إليه حين نستعمل هذا اللفظ العربي القديم في هذا المعنى الأجنبي الحديث.
ومع ذلك فلا بد من أن نلاحظ شيئين في ملاحظتهما إنصاف وتحقيق الأول: أن معنى الروح الجامعي إذا كان مستحدثا طريفا في لغتنا فلعله ألا يكون مستحدثا من جميع الوجوه ولعله أن يكون قد وجد عندنا قبل أن تنشأ الجامعة الحكومية أو الحرة، ولعله أن يكون قد وجد قبل هذا العصر الحديث في القرون الوسطى في مصر وفي غير مصر من أقطار الأرض الإسلامية التي نظم فيها التعليم على نحو ما والتي اطّردت فيه سنن وعادات الجماعة المشتغلين بالعلم والمنقطعين له والعاكفين عليه لعله أن يكون قد وجد بل قد وجد بالفعل، ولكننا لم نحاول أن نشخصه أو نسميه كما يفعل الأوروبيون والأمريكيون وكما نفعل نحن في هذا العصر الحديث. فليس من شك عندي في أن المعلمين والمتعلمين من أهل الأزهر الشريف منذ العصور البعيدة قد اتخذوا لأنفسهم عادات وسننا شملتهم جميعا ورأوا على مضي الزمان واختلاف الظروف أن الخضوع لها والرعاية لحرمتها أصل من أصول الآداب الأزهري الذي لا تليق المخالفة فيه أو الخروج عليه.
وقل مثل هذا في الذين اشتغلوا بالتعليم المنظم من غير الأزهريين في معاهد العلم الإسلامي وفي غير القاهرة من مراكز الثقافة الإسلامية.
وليس التاريخ الصحيح للأزهر وأشباهه من معاهد العلم إلا تحقيق هذا الروح الأزهري الذي يشمل المنقطعين له والعاكفين عليه مهما تختلف ظروفهم ومهما تتغير ألوان حياتهم. وهذا الروح الجامعي قد وجد كذلك في أوروبا أثناء القرون الوسطى في البيئات التي نشأت فيها الجامعات القديمة، فكان للجامعة الباريسية روحها الجامعي في القرن الرابع عشر، كما كانت لجامعة أوكسفورد وكمبردج روحها الجامعي الخاص الذي تطور مع الزمن. ولكننا نستطيع أن نتقصى تاريخه ونشخصه على اختلاف العصور والظروف ومعنى هذا كله أن الروح الجامعي ليس حديثا ولا هو من الأشياء التي ابتكرها هذا العصر الذي نعيش فيه. ليس حديثا في أوروبا وليس حديثا في الشرق. وإنما التكلم عنه والإشادة به والعناية بإشاعته في نفوس الشباب هو الجديد.
ومعنى هذا أيضا أن الروح الجامعي شيء حي قائم يتطور ويتغير، ويساير في تطوره وتغيره ما يختلف عن الحضارة الإنسانية من ألوان التطور والتغير. وما أرتاب في أن الأكاديمية التي كان يشرف عليها أفلاطون، واللوقيون التي كان يشرف عليه أرسطاطليس، ومدرسة الإسكندرية قد كان لكل منها روحه الجامعي الخاص الذي يشترك فيه الأساتذة والطلاب جميعا والذي تتوارثه أجيالهم حريصة عليه محتفظة به مجتهدة في حمايته من أن يدخل عليه ما ليس له أو أن يصيبه الضعف من التقصير في حمايته والذود عنه. فهذا أول الأمرين اللذين أردت أن ألاحظهما قبل كل شيء.
والأمر الثاني: أن الذين يذكرون الروح الجامعي الآن من المصريين لا يكادون يتفقون اتفاقا دقيقا على ما يريدون منه وما يدلون به عليه. فالروح الجامعي يختلف باختلاف الجامعات وهو من أجل ذلك يختلف عند الجامعيين المصريين باختلاف الهيئات الجامعية التي نشأوا فيها وتأثروا بما لها من العادات والتقاليد.
ومن المحقق أن الروح الجامعي الفرنسي ليس هو بالضبط الروح الجامعي الإنجليزي، بل من المحقق أن الروح الجامعي الإنجليزي نفسه يختلف في إنجلترا اختلافا شديدا. فهناك الجامعات الإنجليزية القديمة ذات التراث العظيم الذي تحرص عليه أشد الحرص وتذود عنه أعظم الذود. وهناك الجامعات الحديثة التي أنشئت في القرن الماضي مناهضة للجامعات القديمة أو مكملة ما كان ينقصها. وما من ريب في أن الروح الجامعي في أوكسفورد ليس هو بالضبط الروح الجامعي في كمبردج. ثم ما من ريب في أن الروح الجامعي في لندن بعيد كل البعد عن أن يطابق الروح الجامعي في هاتين الجامعتين العظيمتين. ومثل هذا يقال في فرنسا بالقياس إلى السوربون وإلى الجامعات الفرنسية في الأقاليم وإلى بعض المعاهد العلمية الحديثة في باريس نفسها، ومثل هذا يقال في ألمانيا وفي إيطاليا. فإذا تجاوزت أوروبا إلى أمريكا فالاختلاف أعظم وأوسع مدى. والأوروبي يبتسم عادة إذا ذكر له كثير من الجامعات الأمريكية، والأمريكي يضحك كثيرا جدا من تقاليد الجامعات الأوروبية.
فالروح الجامعي إذن شيء مختلف أشد الاختلاف متباين أشد التباين، يختلف باختلاف الظروف والبيئات ويختلف باختلاف الطبائع والأمزجة في الأمم التي تنشأ فيها الجامعات. فالرياضة البدنية مثلا عنصر مقوم للروح في إنجلترا، ولكنه ليس كل شيء، فإذا ذهبت إلى فرنسا فالروح الجامعي يستغنى استغناء تاما عن الرياضة البدنية في تكوينه، ويستطيع الشاب الفرنسي أن يكون جامعيا بأدق معاني الكلمة وأشملها دون أن يشارك في الألعاب الرياضية أو يكون له حظ من العلم بها قليل أو كثير.
فإذا ذهبت إلى أمريكا فالألعاب الرياضية هي العنصر الأول الذي يقوم الروح الجامعي وتكون الحياة الجامعية. وعلى هذا فالمصريون الجامعيون إذا ذكروا الروح الجامعي لا يكادون يتفقون على ما ينبغي أن يفهم من هذا اللفظ يفهم منه السوربوني معنى، ويفهم منه خريج أوكسفورد معنى ويفهم منه خريج لندن وليفربول معنى، ويفهم منه خريج جامعة برلين أو لايبزج معنى ويفهم منه خريج الجامعات الأمريكية معنى يكاد يخالف كل هذه المعاني أشد الاختلاف. وقد تغيرت نظم الحياة الإنسانية في هذا العصر الحديث الذي نعيش فيه، وكان من أشد مظاهر هذا التغيير تقريب مسافات الخلاف ومحاولة إلغاء الفروق بين الجامعات الإنسانية في كثير من أنحاء الحياة. فنظمت علاقات بين الجامعات تمكنها من التبادل والتعاون، ونظمت علاقات بين الطلاب تمكنهم من أن يلتقوا ويتعارفوا ويتعاونوا ويفهم بعضهم بعضا ويؤثر بعضهم في بعض، هذا إلى أنواع من المواصلات القهرية التي لا يستطيع الإنسان أن يخلص منها بل هو مضطر إلى أن يخضع لها سواء أراد أو لم يرد كالكتب والصحف والمجلات والراديو والسينما وما يشبه ذلك. كل هذه الأسباب تقرب بين الناس على اختلافهم من جهة وتتيح لأصحاب الصناعات المتقاربة والمهن المتشابهة أن يزدادوا تقاربا وتشابها من جهة أخرى. وقد شهدت أثناء الصيف الماضي في باريس محاولة من هذه المحاولات كان لها في نفسي أبلغ الأثر وأغربه. فقد عقد في باريس مؤتمر للتعليم العالي مثلت فيه جامعات الشرق والغرب وسمعنا فيه ممثلي الجامعات الأوروبية والأمريكية والآسيوية والإفريقية يتحدثون عن الجامعة وعما يفهمونه من الروح الجامعي. وكانت أحاديث ممتعة حقا، لأنها كانت مختلفة أشد الاختلاف متناقضة أشد التناقض، ولأنها كانت مع ذلك يسيرة سائغة فهمناها جميعا واستطعنا أن نجادل فيها ونستخلص منها نتائج وقرارات.
وهذا هو الذي أريد أن أنتهي إليه بعد هذه الإطالة وبعد هذا التفصيل فأجيب في إيجاز عن السؤال الذي ألقته علي الهلال: ما الروح الجامعي ؟ وكيف نشيعه في نفوس الطلاب؟ الروح الجامعي الذي يسمو على كل الفروق ويرتفع فوق كل لون من ألوان الخلاف، هو الذي ميز الإنسان وسيميزه من الكائنات الحية كلها، هو حب الحق والبحث عنه هو الرغبة في المعرفة والحرص عليها، هو الإقبال على العلم من حيث هو لا من حيث ما قد ينتج من الخير أو يحقق من النفع. هذا الروح هو الذي مكن ممثلي الجامعات المختلفة فيما بينها أشد الاختلاف من أن يفهم بعضهم بعضا ومن أن ينتهوا إلى نتائج وقرارات. هذا الروح من طبعه أن يرفع الإنسان عن الصغائر ويبرئه من الدنيات، لأنه يرفعه من المنافع العاجلة التي تثير الخصومات الرديئة بين الناس وتفسد صلات الود والحب الروح الجامعي هو الذي يجعل الناس إخوانا في العلم، ويقيم أخوتهم على المودة والحب، وعلى الحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، هذا هو الروح الجامعي. فأما السبيل إلى إشاعته في نفوس الطلاب فيسيرة جدا لأنها لا تكلف صاحبها عناء ولا مشقة أن يكون الأستاذ مثلا صالحا لطلابه لا يفرض عليهم نفسه ولا رأيه ولا يأخذهم بشدة الحاكم ولا يسير فيهم سيرة المتحكم وإنما يصطنع منهم روح المودة التي تنشأ من حب للعلم والتعاون على تحصيله في غير مماراة ولا تهالك على الخصومة ولا اعتزاز بالنفس ولا اعتداد بالرأي.
الروح الجامعي هو التعاون على طلب الحق، ولن تشيعه بين الطلاب إلا إذا ضربت لهم من نفسك أحسن الأمثال وأصدقها في حب الحق والسعي إليه. ثم يختلف الروح الجامعي بعد ذلك باختلاف البيئات والظروف، ولكن جوهره الذي لا يختلف ولا يتباين مهما تختلف البيئات والظروف هو حب الحق والإذعان لسلطان هذا الحب.
الهلال ديسمبر ١٩٦٧
بقلم الدكتور طه حسين
Tag: Tradition
-
الروح الجامعي
-
حظوظ
حديث الوادي حظوظ . . .
لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.
هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.
فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:
صدّت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!
فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.
أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.
أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.
[طه حسين]
حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤. -
في الجو
في الجو…
للدكتور طه حسين
أما في العصور القديمة حين كان الإنسان رشيدًا حذرًا يطلق خياله إلى أبعد مدى ممكن، لأن إطلاق الخيال لا يضر ولا يخيف ولا يرسل عقله وجسمه إلا في أناة وبمقدار، لأن إرسال العقل والجسم بغير حساب قد يؤدي إلى ما لا يحب، أما في تلك العصور فقد كان الناس يطيرون في الخيال. يطيرون مجازًا لا حقيقة، وقد تتحدث أساطيرهم بأن منهم من حاول أن يطير حقًّا، فلما ارتفع في الجو دنا من الشمس فذابت أجنحته التي اتخذها من الشمع ولم يلبث هو أن هوى إلى الأرض فاندق عنقه، ولقي من الموت جزاء على هذه الجراءة التي سمت به إلى أرقى ما يجب أن يسمو إليه الناس. فقد خلق الناس ليمشوا على الأرض لا ليطيروا في الجو، فمن عدا منهم طوره أو تجاوز حده لقي هذا الجزاء الذي لقيه طائر الأساطير اليونانية حين أذابت أجنحته الشمس، أو ما لقيه طائر الأخبار العربية حين كان جسمه أثقل من خياله فلم يكد يسلم نفسه إلى الهواء حتى خانه الهواء وأسلمه إلى أمه الأرض فدقت عنقه أولًا. ثم حنت عليه بعد ذلك كما تحنو الأم الرؤوم على ابنها العزيز.
كان ذلك في العصر القديم حين كان خيال الإنسان أكبر من عقله. وأشد من اجتراء على الطبيعة وما يلبث فيها من المصاعب والعقاب، وكان أسلافنا من أدباء العرب وشعرائهم محبين للأناة، يطيرون ولكن دون أن يفارقوا أماكنهم، تطير نفوسهم وقلوبهم شوقًا إلى من يحبون، وتطير نفوسهم وقلوبهم فرقًا ممن يكرهون، وقد تطير أجسامهم إلى ساحة الحرب وميادين القتال حين يأتيهم الصريخ ويبلغهم فزع المستغيث. ولكن أجسامهم كانت تطير دون أن تفارق أقدامهم الأرض، كانوا يسرعون في العدو فيحسبون أنهم يطيرون، ولعل منهم من كان يطير في الجو، ولكن على ظهر ناقة أو جمل. فكان يباعد بين قدميه وبين الأرض، ولكنه كان يتخذ بينه وبين الأرض سببًا على كل حال. ومنهم من كان يسعده الحظ وتواتيه الثروة فيطير على ظهر فرس أو جواد، ويحسب مع ذلك أنه يطير حقًّا، وربما عبث به الوهم ولعب به الخيال فظن حينًا أنه يطير، وظن حينًا آخر أنه يسبح في الماء، أما الآن فلست أدري أضعف الخيال أم لم يضعف، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أن العقل والجسم أخذا يسابقان الخيال فيسبقاه في كثير من الأحيان، فلم يبقَ الطيران في الجو حلمًا ولا وهمًا ولا نبأ من أنباء الأساطير، وإنما أصبح أداة يسيرة من أدوات الانتقال. وكان منذ أعوام أداة مقصورة على أصحاب الجرأة من الفنيين، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الجرأة والسعة من المترفين وفارغي البال، ثم تجاوزهم إلى أصحاب الثروة الذين يحبون السرعة ويستطيعون الإنفاق، ثم أخذ منذ حين ينزل ويتدلى دون أن يفارق الجو، ولكنه ينزل ويتدلى على كل حال حتى بلغ أمثالك وأمثالي من أهل الطبقات الهينة اليسيرة المتواضعة التي يسمونها الطبقات الديمقراطية. وأصبح الطيران في هذه الأيام أداة من أدوات الانتقال قد يعجز العمال عن استخدامها، ولكن أهل الطبقات الوسطى لا يعجزون عن ذلك ولا يترددون فيه، والغريب أنه بعد أن تقدم أو تأخر في أوروبا وأمريكا إلى هذا الحد وصل إلى مصر واستقر فيها، إن صح أن الطيران يستطيع أن يستقر. وصل إلى مصر وأصبح أداة للانتقال يستخدمها المصريون الذين عرفهم الزمان ببغض السرعة وحب الأناة والحرص على الثبات والاستقرار. أليس آباؤهم قد بنوا الأهرام؟ ومع ذلك فقد أخذ المصريون يطيرون، ولم يقتصر الطيران على الرجال في مصر، بل تجاوزهم إلى النساء فهن يطرن أيضًا وهن يسابقن في الطيران، وهن يسبقن الطائرين، وقد كان مكتوبًا عليهن أن يلزمن الدور ويعكفن من وراء الخدور. ولكن ماذا نصنع وقد ارتقى العقل حتى سابق الخيال، وارتقى الجسم حتى استطاع أن يطير ويبلغ آمادًا وبيئات لم يكن يبلغها من قبل إلا الخيال والوهم. وأغرب من هذا وذاك أن الطيران قد هان ولان وسهل أمره وابتذلت قيمته حتى أصبح مباحًا لقوم ما كان ينبغي أن يباح لهم لولا أن الفساد قد دب إلى كل شيء وتسلط على كل شيء وأصبح الناس ينظرون فلا يعرفون أين يعيشون، ولا كيف يعيشون.
وهؤلاء القوم الذين سُخِّرَ لهم الطيران في آخر الزمان هم الأدباء. والأدباء المصريون، أرأيت إلى أديب عربي يطير؟ أين نحن من أيام طرفة بن العبد، وعلقمة بن عبدة، وزهير، وغيرهم من الشعراء الذين كانوا إذا حز بهم الأمر وألح عليهم الهم وعبث بهم شيطان الشعر يعمدون إلى نوقهم فيركبونها ثم يخرجون بها في الصحراء ليسلوا عن أنفسهم همها، وليتلقوا عن شياطينهم ما يريدون أن يوحوا إليهم من جد الكلام وهزله. ثم يعودون وقد فتنوا بهذه النوق وقالوا في وصفها ما لا نزال نتكلف في فهمه وتفسيره ضروب المشقة وألوان العناء. كذلك كان يفعل أسلافنا من شعراء الجاهلية والإسلام، أما الآن فصديقنا الأستاذ عبد العزيز البشري يطير لا بالخيال ولا بالعقل ولا على جناح الفلسفة، وإنما يطير حقًّا، يطير من هليوبوليس إلى الإسكندرية، ثم يتحدث عن طيارته كما كان يتحدث طرفة عن ناقته، أو كان يتحدث صاحب العرداة عن عرادته، أو كما يتحدث أبو نواس عن ناقته في تلك الأبيات التي يحسن الأستاذ عبد العزيز البشري خاصة إنشادها وتوقيعها، يتحدث عن هذه الطيارة حديثًا أي حديث، حديثًا ساحرًا حقًّا، باهرًا حقًّا، نشرته الأهرام في الصيف فأعجبت به حتى لم أنسه إلى الآن على كثرة ما قرأت منذ الصيف، حديثًا لا تكاد تمضي فيه حتى تحس كأن الأستاذ يعرف طيارته كما كان طرفة يعرف ناقته، ومع ذلك فما أظن أن للأستاذ علمًا مفصلًا بهذه الشياطين التي تطير بالناس في الجو منذ طغى العلم الحديث. ولكن للبيان سحرًا ينطق صاحبه بالأعاجيب، وما دام الأدباء وقد أخذوا يطيرون، وما دام الطيران قد أصبح أداة من أدوات الانتقال فلابد من أن تتغير لغة الناس بعض الشيء، ولابد من أن يلتمس المبالغون لأنفسهم ألفاظًا أخرى يعبرون بها عن السرعة حين يريدون أن يصفوا السرعة، فقد كانوا يطيرون شوقًا حين كان الطيران أمرًا مستحيلًا، أما الآن فيجب أن يجدوا للشوق أداة ينتقل بها غير الطيارة، وبيئة ينتقل فيها غير الجو.
وقد أخذ الأدباء الأوروبيون يسلكون الطريق الطبيعية إلى هذه الغاية، وأول ما كان ينبغي أن يفعلوه من ذلك إنما هو تسخير الطيارة للأدب بعد أن سُخِّرَتْ للعقل والجسم، ولعقول الأدباء وأجسامهم بنوع خاص، أخذوا يفهمونها ثم يصفونها ويعبرون عنها تعبيرًا أدبيًّا بعد أن كان وصفها والتعبير عنها مقصورين على العلماء الذين يخترعون، والعمال الذين ينفذون، والصناع الذين يعالجون أجزاء الطيارة في كل ساعة من ساعات النهار. ثم لم يكتفِ الأدباء بالفهم والوصف والتصوير فيما يكتبون من المقالات، وما ينظمون من القصائد وما يذيعون من الأحاديث، ولكنهم تجاوزوا ذلك فاستغلوا الطيارة في فنون الأدب كلها. فما الذي يمنع أن تكون الطيارة موضوعًا يلهم أصحاب القصص، ويلهم أصحاب التمثيل، وإذا كان من الحق أن الناس يأتلفون ويختلفون وتثور بينهم عواطف الحب والبغض فتؤثر في حياتهم أبلغ الأثر وأعمقه، وتلهم القصاص أن يصوروا من ذلك ما يريدون، فإذا بعضهم يصور من ذلك ما يقع في قطار، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في سيارة، وبعضهم يصور من ذلك ما يقع في عربة تجرها الخيل، أقول إذا كان من الحق أن كرسي البريد وعربة الخيل والسيارة والقطار والزورق والسفينة الشراعية والسفينة البخارية، كل ذلك قد ألهم الأدباء في الشعر والنثر والقصص والتمثيل، فما الذي يمنع الطيارة أن تلهم الأدباء في هذه الفنون جميعًا، ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الطيارة أقل قدرة على الإلهام، وأقل حظًّا من الفصاحة وسحر البيان من هذه الأدوات التي ذكرناها آنفًا. ومن الذي يستطيع أن يزعم أن الأدباء الذين سخروا للأدب كل هذه الأدوات يعجزون عن أن يسخروا للأدب هذه الأداة الجديدة التي تطير بأجسام الناس بعد أن طارت صورتها بما كان لهم من عقل أو خيال.
الطيارة قادرة على الإلهام، والأدباء قادرون على أن ينطقوها رغم أنفها سواء أكان لها أنف أم لم يكن. وتستطيع أن تنظر في الآداب الأوروبية الحديثة فسترى أن الأدباء قد أغنوا فنون الأدب وأضافوا إلى ثروته الضخمة ثروة أخرى قيمة حين اتخذوا الطيارة أداة من أدوات القصص. وأنا زعيم بأنك إن بدأت القصة التي أنشأها الكاتب الفرنسي كيْسل منذ أعوام وسماها إكيباج فلن تستطيع أن تدعها حتى تتمها، ولن تتردد في أن تعترف بأنها من خير ما أنتجه القصص الحديث. وليس لهذه القصة موضوع إلا اختصام جنديين من جنود الطيران في الجيش الفرنسي أثناء الحرب حول امرأة كانت زوج أحدهما فأحبها الآخر وهو لا يعرف زوجها. ثم جمع الطيران بين الزوجين فأحب كل منهما صاحبه حبًّا عميقًا، ثم ظهر لهما أنهما يحبان امرأة واحدة. وصور أنت لنفسك كيف تنتهي القصة، ولكن يجب أن تعلم أن الطيارة هي الأداة التي بها تنتهي القصة والتي عليها تقوم القصة. وإذا استطاعت الطيارة أن تدخل فن القصص، فما الذي يمنعها أن تدخل في فن التمثيل وأن تلهم الممثلين أو كتاب التمثيل آيات بينات وقد فعلت. وقد بلغت من الإجادة في ذلك أمدًا بعيدًا حقًّا، تستطيع أن تقرأ إن لم تستطع أن تشهد هذه القصة التمثيلية الممتعة التي وضعها الكاتب الفرنسي المعروف فرنسيس دي كروا وسماها طيران العرس، فسترى إتقانًا في الأداء، وإتقانًا في العرض، وإتقانًا في تصوير الصراع بين هذه العواطف الجديدة التي استحدثها الطيران في نفوس الناس لا عهد للأدب بمثله من قبل، وسترى من هذه القصة التمثيلية ومن تلك القصة الأخرى أن الطيران لم يكد يوجد لنفسه بيئة خاصة من الذين يحبونه ويتخذونه صناعة أو لهوًا حتى أوجد لهذه البيئة أخلاقها الخاصة وعواطفها الخاصة ولغتها وأساليبها في الحسن والشعور ومذاهبها في التعبير والتصوير.
ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل تجاوزه إلى شيء عظيم الخطر حقًّا، لست أدري أنافع هو أم ضار، ولكن من الذي يستطيع أن يقيد العقل والخيال بما ينفع أو بما يضر. وإذا كان الرقي العلمي قد انتهى بالناس إلى حيث يتنافسون الآن في اختراع أدوات الموت والتدمير وما يمحو الحضارة محوًا ويرد الإنسان إلى شر ما عرف من أطوار الوحشية، فما الذي يمنع الرقي العلمي من أن يدفع بالطيران إلى ما يفسد العلم إفسادًا ويجعله أداة من أدوات الشعوذة والتضليل؟
لست أدري أعرفت أن كاتبًا فرنسيًّا شابًّا هو الأديب مالرو قد مر بمصر منذ أسابيع، فقد طار هذا الشاب من مصر إلى غرض لم يرد أن يعينه، ولأمر لم يرد أن يدل عليه، ثم أصبحنا اليوم وإذا الصحف تنشر رسائل برقية تنبئ بأن هذا الكاتب الشاب قد طار إلى بلاد العرب وتغلغل في أحشائها، ولكن من فوق، لأن أحشاء البلاد العربية خطرة تهضم الذين يقتحمونها هضمًا. قالت الرسائل البرقية إن هذا الكاتب الشاب قد استكشف شيئًا عجيبًا وطار فوق أخطار جسام، استكشف مدينة سبأ التي تحدثت عنها التوراة وتحدث عنها القرآن وامتلأت بأنبائها كتب التاريخ والأساطير، وليس من شك في أننا سنقرأ تفصيلًا واسعًا لهذا الاستكشاف، ولكن الشيء الذي لا أشك فيه هو أننا سنقرأ كتابًا لهذا الأديب الشاب عن مدينة سبأ هذه. وسيكون هذا الكتاب من أقوم الكتب الأدبية، وسيكون على كل حال من أروجها وأكثرها انتشارًا، ولن يكون حظه من الرواج والانتشار أقل من حظ القصة التي وضعها الكاتب الفرنسي بيير بنوا وسماها الأطلنطيد والتي فتحت لصاحبها أبوابًا ثلاثة: باب الثروة وباب الشهرة وباب المجمع اللغوي. سمع بيير بنوا بأحاديث القارة الموهومة أتلانتيس وسمع باستكشافات الجغرافيين للصحراء الكبرى، فزعم أن صاحبه قد ذهب يستكشف فانتهى إلى بقية من هذه القارة، ولقي هناك الملكة أنتينيّا من سلالة نبتون إله البحر. ثم وصف شخصها وقصرها وبيئتها وصفًا رائعًا عجيبًا، وسمع الكاتب الشاب مالرو أحاديث سبأ وقصة بلقيس، وسمع أحاديث المستكشفين الذين يتجشمون الأهوال لاستكشاف البلاد العربية. ووجد الطيارة فطار مستكشفًا، والله يعلم هل عبر البحر إلى بلاد العرب، وهل وصل إلى طرف من أطراف الربع الخالي حقًّا. ولكن مما لا شك فيه أنه وجد مدينة سبأ، ومن يدري لعله رأى ملكتها، وتحدث إليها ولو بالإشارة من طيارته، ولعل الملكة أن تكون قد شغفت به، ولعله هو أن يكون قد فتن بما رأى من حسنها البارع. ولعله قد انصرف عنها بعد أن ألقى إليها بقلبه من أعلى الجو، فهو مضطر إلى أن يعود إليها ليلتمس قلبه هناك حيث ألقاه في ذلك القصر الممرد من قوارير، والذي يقوم في تلك المدينة العظيمة التي ترتفع أسوارها الشاهقة في طرف من أطراف الربع الخالي. وسيكون حظ هذه القصة المنتظرة كحظ تلك القصة التي فرضت بيير بنوا على الأدب الفرنسي فرضًا.
رأيت أن بيير بنوا قد استغل الاستكشاف العلمي للصحراء فدل الناس على بقية القارة المفقودة، وأن مالرو قد استغل الاستكشاف الجغرافي والطيارة، وسيدل الناس على ما بقي من ملك السبئيين.
أما بعد فإنا نبحث منذ قرون عن مدينة ضائعة في الصحراء يقال أنها تنتقل من مكان إلى مكان يحسبها بعضهم من الذهب والفضة، ويحسبها بعضهم من النحاس والحديد. وهي إرم ذات العماد. ويقول بعضهم أنها ليست إلا هرمًا من هذه الأهرام التي تقوم في الجيزة، والتي تستكشف من حولها المقابر والتماثيل والأدوات المختلفة. ولدينا طيارون، ولدينا طيارات. فهل نستطيع أن ننتظر من أديب من أدبائنا وليكن صديقنا عبد العزيز البشري أن يطير مع بعض شبابنا البارعين في هذا الفن لعله أن يعثر – إن أمكن أن يعثر الناس في الجو – بهذه المدينة القديمة العظيمة إرم ذات العماد؟ وليس عليه بأس إن لم يجدها أن يخترعها اختراعًا وأن يزعم لنا أنه وجدها كما فعل بيير بنوا وكما سيفعل مالرو. وليس ينبغي أن نخاف من صديقنا عوض وأصحابه الجغرافيين فإن الكاتبين الفرنسيين لم يحفلا بأعلام الجغرافيا في السوربون.
طه حسين
الرسالة العدد 36 – بتاريخ: 12-03-1934
النقد والطربوش وزجاج النافذة
للدكتور طه حسين
وتستطيع أن تضيف إلى هذه العنوانات عنوانات أخرى، فهناك أزقة ضيقة شديدة الضيق، ملتوية شديدة الالتواء، قد كثر على أرضها الوحل، حتى أن الذي يمشي فيها لينزلق، أو يمشي مشي المقيد في الوحل. وقد أمطرت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من المطر، منها السائل ومنها اليابس، نستغفر الله، بل قد صبت سماؤها أو نوافذ ما يقوم فيها من الدور ألوانًا من البلاء، منها مرق الفول النابت، وماء المخلل، وفيها أشياء أخرى جامدة كانت تهوي على الرؤوس، وربما مست العيون، وربما دخلت الأفواه ووصلت إلى الحلوق فانعصرت فيها انعصارًا، وأذكت فيها لهيبًا ونارًا، وقد كان في هذه الأزقة مارد من مردة الجن أو مردة الإنس، له صدر عريض قد انتفش فيه شعر طويل حادٌّ كأنه الأسنة، يصطدم به الرجل القصير فإذا هذا الشعر الطويل الحاد يداعبه ويلاعبه، فيبعث بوجهه، ويدخل في أنفه وفي فمه وفي عينيه. وقد كان في هذه الأزقة غلام شرير، لسانه عذب، ويده مرة، وقد كان في هذه الأزقة شاب ظهرت عليه الغباوة والبله، خفي المكر والغدر، شديد البأس والبطش، يخيف من ليس من شأنه أن يخاف، ويضطر أثبت الناس قلبًا وأشدهم استهزاء بالحياة إلى أن يعدو عدو الشنفري وتأبط شرًّا وابن براق، حتى يدفع إلى دار من الدور، ثم إلى بيت من بيوت هذه الدار، فلا يدخل هذا البيت من بابه كما أمر الله أن تؤتى البيوت، وإنما يدخله من إحدى نوافذه. وفي هذه الأزقة شيخ وقور، ظاهره يخيف، وباطنه فيه الرحمة واللين، وفيه الرفق والدعة، وفيه الأدب وحسن الذوق.
كل هذه الأشياء، وكل هؤلاء الأشخاص، يمكن أن تضاف ويمكن أن يضافوا إلى هذه العنوانات التي قدمتها بين يدي هذا الكلام، ولكني لم أضفها تحرجًا من الإطالة وإشفاقًا من الإطناب، وإيثارًا للإيجاز البليغ.
وأنا أستطيع بعد أن وضعت هذا العنوان وأتبعته بهذا الكلام، أن أتحول بك إلى ما شئت أنت أو ما شئت أنا من الموضوعات فأتحدث إليك فيه حديثًا طويلًا أو قصيرًا، وأعرض عليك فيه صورًا جميلة أو دميمة، وأثير في نفسك به عواطف هادئة أو جامحة، وأرسم على وجهك به ابتسامًا وضحكًا، أو عبوسًا وتقطيبًا، حتى إذا بلغت من هذا كله ما تريد أنت، أو ما أريد أنا، أو ما نريد جميعًا، ذكرت النقد والطربوش وزجاج النافذة. واعتقدت أنا أو خُيِّلَ إليك أني أعتقد، واعتقدت أنت أو خُيِّلَ إليك أنك اعتقدت، واعتقد صديقي الأستاذ المازني، أو خُيِّلَ إلى نفسه وإلينا أنه يعتقد، أني قد أمتعت الرسالة وقراء الرسالة بفصل قيم أو غير قيم، قوامه الحديث عن النقد والطربوش وزجاج النافذة!
وتسألني ما بال الأستاذ المازني يقحم هنا إقحامًا، وما خطبه مع النقد أو الطربوش وزجاج النافذة ومرق الفول النابت، وماء المخلل، وما يتبع هذا كله من الأشياء والأحياء؟ فأجيبك بأن هذا السؤال لا ينبغي أن يساق إليَّ، وإنما ينبغي أن يساق إلى الأستاذ المازني، فهو الذي تحدث عن هذا كله، وهو الذي أثارني إلى أن أتحدث عن هذا كله، وليس من شك في أن الأستاذ المازني سيقول في دعابته الحلوة الظريفة، وما أنت وجر الشكل، وما لك تدخل بيني وبين النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الملحقات؟ ولكن الأستاذ يوافقني أو لا يوافقني – فهذا سواء – على أنه صاحب فن، وعلى أن أصحاب الفن إن كتبوا لأنفسهم فهم ينشرون للناس، وعلى أن صاحب الفن لا يملك أثره الفني بعد أن يلقيه إلى الناس. وعلى أن من حق الناس إذا ألقي إليهم شيء أن يتناولوه كما يحبون، يعجبون به أو يسخطون عليه، يرغبون فيه أو ينصرفون عنه، يحمدونه أو يسلطون عليه اللوم.
وإذن فقد ألقى إلينا الأستاذ المازني فصله الممتع البديع الذي أثارني إلى أن أتحدث إليك عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، أو إلى أن أتحدث إليك عن الأستاذ المازني نفسه من وراء هذه الأشياء التي لا تحصى، والتي لا أكره تكرارها، وما أظنك تكره تكرارها، وهي النقد والطربوش وزجاج النافذة والأزقة وما يتراكم على أرضها من الوحل، وما تصبه سماؤها من السائل والجامد، ومن يمشي بين ذلك من الأشرار والأخيار.
وللأستاذ المازني مع هذه الأشياء كلها، ومع هؤلاء الناس كلهم، ومعك أنت، ومعي أنا، قصة طريفة ظريفة، خليقة أن تقص، وخليقة أن تثير الإعجاب. فهل تدري ماذا دفع الأستاذ المازني إلى أن يتحدث عن هذه الأشياء، وعن هؤلاء الأشخاص، فيثيرني إلى أن أتحدث عنه، وعنها، وعنهم؟ هو شيء يسير، يسير جدًّا، هو أنه أديب يقرأ في الكتب، ويكتب في الصحف، وينقد الكتاب والمؤلفين. وقد تتغير الأزمنة وتتبدل ظروف الحياة وترقى الأجيال بعد انحطاط، ولكن هناك شيئًا لا يتغير ولا يتبدل في حقيقة الأمر، وهو أن الأدب محنة يمتحن بها الأدباء، ونقمة يصيب الله بها هؤلاء الذين يمنحهم شيئًا من حسن الذوق والقدرة على فهم الأدب وتقريبه إلى الناس. وقد امتحن الله صديقنا المازني ووفر له من نقمة الأدب وبلائه حظًّا عظيمًا، فجعله شاعرًا مجيدًا وكاتبًا بارعًا، وناقدًا مسموع الكلمة، مهيب الجانب، مقدور الرأي، لا يصدر كتاب إلا أراد الناس أن يعرفوا رأيه فيه وحكمه عليه. وكان صاحب الكتاب نفسه أحرص الناس على ذلك وأشدهم طلبًا له وإلحاحًا فيه. والكتب تمطر على الأستاذ المازني، ويمطر معها طلب النقد وطلب التقريظ، والنقد والتقريظ يحتاجان إلى القراءة والدرس. وإذن فالمازني المسكين مصروف عن نفسه وعن فنه وعن كتبه، إلى هؤلاء الناس الذين يكتبون، وإلى هؤلاء الذين يقرأون. ومن هنا ومن جهات أخرى أيضًا كان المازني شقيًّا بالأدب، وإن كان الأدب سعيدًا بالمازني، وأي دليل على شقاء المازني بالأدب وسعادة الأدب بالمازني، أقوى من هذه القصة التي أحدثك عنها الآن؟
فقد أخرج كاتب من الكتاب كتابًا من الكتب، وأهداه إلى الأستاذ بالطبع. وعرف الناس أن هذا الكتاب قد أهدي إليه فأخذ الناس ينتظرون، وأخذ صاحب الكتاب بنوع خاص ينتظر، فلما طال الانتظار كان الطلب، ولما كان الطلب ولم يجد شيئًا كان الإلحاح. واضطر المازني إلى أن يذعن، وأُكْرِهَ المازني على أن يكتب، ولكنه كان قد أرسل الكتاب إلى من يجلده. فلما اشتد عليه الإلحاح ذهب في طلب الكتاب من المجلد. فدفع إلى رحلة غريبة، وإلى استكشاف أغرب. دفع من هذه الأحياء المتحضرة التي تتسع فيها الشوارع، وتجري فيها السيارات، وتنتشر فيها الشرطة، والتي لا تتغطى أرضها بالوحل، ولا تمطر سماؤها مرقًا ولا مخللًا، إلى أزقة ضيقة ملتوية فاسدة الهواء، تعيش فيها أجيال من المردة والشياطين، وفي هذه الأزقة عرف المازني الخوف والفرق، وعرف الهرب والغلو فيه، وعرف كيف يكون وقع الأحجار على الأجسام، وكيف يكون وقع الشتائم في النفوس. ثم عرف كيف يفقد الناس طرابيشهم، وكيف ينظرون إليها وهي تُهان وتُمرَّغ في الوحل تمريغًا، ثم عرف كيف يدفع الهاربون إلى اقتحام الدور والاستخفاء في البيوت وقد غاب عنها أهلها. ثم عرف قصة الرجل الذي ذهب يطلب كتابًا ففقد طربوشه وعاد صفر اليدين.
والغريب أن هذه الرحلة الهائلة وما امتلأت به من الأخطار كانت كلها في القاهرة، وفي ساعات قصيرة، ولست أدري فيم يحتاج الذين يحبون الأخطار إلى التماسها في الصحراء أو في الجبال أو على البحر المحيط، مادام الانتقال من حي من أحياء القاهرة إلى حي آخر، خليقًا أن يرينا من الهول والخطر مثل ما رأى صديقنا الكاتب الأديب. ومن هنا نستطيع أن نفهم ضيق المازني بالأدب والأدباء، وبالكتب والمؤلفين وتضرعهم المتصل إلى الله أن يعفيه من هذه الصناعة التي يشقى بها، ولكنها تسعد به وتسعد الناس أيضًا. ولكن الأستاذ المازني يتساءل في شيء من الحيرة أيجب أن يقرأ ما يريد هو أم يجب أن يقرأ ما يريد الناس؟ وإذا سمح لي بأن أجيبه فإني أرى أنه ملزم بأن يقرأ ما يريد، وبأن يقرأ ما يريد الناس، مادام قد أقبل على صناعته هذه راضيًا بها أو مكرهًا عليها، ولكن السؤال الذي أحب أنا أن أسأله هو: هل يظن الأستاذ المازني أنه أبرأ ذمته أمام القراء وأمام المؤلف بهذا الفصل البديع الذي كتبه منذ أيام، فحدثنا فيه عن النقد والطربوش وزجاج النافذة، وعما تحمل الأرض من وحل، وما تمطر السماء من مرق؟ فإن كان يظن أنه قد أرضى قراءه وصاحبه بهذا الفصل فقد أصاب وأخطأ في وقت واحد: أصاب لأن الفصل بديع، وأخطأ لأنه لا يغني من النقد شيئًا، فلن يعفيه صاحب الكتاب من الإلحاح عليه، ولن يدعه حتى يقول إنه قد قرأ هذا الكتاب فرضى عنه أو سخط عليه.
وسؤال آخر، أحب ألا يغضب صديقي المازني حين أسوقه إليه. ما باله يطغى على نفسه ويسرف عليها في الطغيان، ويصورها هذا التصوير الذي لا يلائمها بحال من الأحوال، والذي لا نحبه لها؟ فهل من الحق أنه هَيَّاب إلى هذا الحد؟ كلا، ولكنه يحب أن يعبث بنفسه فيسرف في العبث، وأكبر الظن أننا إن حدثناه في ذلك ضاق بنا وضجر، وشكا من هؤلاء الطفيليين الذين يدخلون بين الناس وبين أنفسهم، وقال إذا لم يكن لي الحق في أن أعبث بنفسي فلمن يكون الحق في أن يعبث بها إذن؟ أما أنا فأجيب الأستاذ بأن هذا الحق ليس مباحًا لأحد، ولكن الناس يستبيحونه لأنفسهم، سواء أرضي الأستاذ أم لم يرضَ، وأنا أتحداه، وأطلب إليه، أن يريني كيف يستطيع أن يمنع الناس من أن يتناوله بما يحبون من ألوان النقد والعبث لا بما يحب هو، كيف يستطيع أن يمنع الناس من ذلك دون أن يخرج عن طور الكاتب الأديب؟ وإذن فما له يظلم نفسه هذا الظلم، ويلح عليها بهذا العبث الذي لا قصد فيه، أم هل ضاقت الدنيا بالأستاذ كما ضاقت بالحطيئة ذات يوم فيما يقال فهجا نفسه، لأنه لم يجد من يهجوه، أم هل كره الأستاذ الأخذ والرد، وضاق بالحوار والجدال، وكره أن يذكر الناس فيغريهم بذكره، فآثر أن يذكر نفسه هذه المسكينة التي لا تجد من يدافع عنها ويحميها من صاحبها الطاغية. فإن تكن هذه فقد أخطأ المازني، فهأنذا أدافع عن المازني برغم المازني. أخشى ألا يكون لشيء من هذا كله أصل ولا فرع كما يقولون، وأن يكون المازني قد أراد نقد الكتاب الذي طلب إليه نقده، فمضى به الخيال ومضت به الدعابة إلى هذه الأزقة الضيقة الملتوية، يبحث فيها عن الكتاب وصاحب الكتاب، فلم يفد إلا أن فقد طربوشه وأضاع على صاحبه الشيخ زجاج نافذته، ولم يجن لنفسه ولا لصديقه المؤلف شيئًا. وويل للكتاب وللمؤلفين من دعابة المازني ومجونه، وويل للكتاب والمؤلفين من ألغاز المازني ورموزه، بل ويل للمازني نفسه من طغيان خياله وجموحه، فإن في هذا الجسم النحيل الضئيل جسم هذا الرجل الهادئ الوديع ماردًا كالمردة وشيطانًا لا كالشياطين.
أما بعد، فلنذكر النقد والطربوش وزجاج النافذة، وما يتصل بها من الأشياء والأشخاص، لنختم المقال كما بدأناه، وليعلم المازني أنا لم نتحدث عنه، ولم نشر إليه، ولم نفكر فيه، وإنما تحدثنا عن كتاب نقد، وطربوش فُقِدَ، وزجاج حطمه فتى من الفتيان تحطيمًا.
طه حسين
«مجلة الرسالة» العدد 38 – 26-03-1934 -
ربع مية
ربع مية
للدكتور طه حسين
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ … أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيلاً لا أُسَائِلُهَا … عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
ولم يكن ربع مية بالعلياء فالسند، وإنما كان في صحن الأزهر، وعند القبلتين القديمة والجديدة؛ حيث كانت الحركة المتصلة في الليل والنهار، وحيث كان ذلك الدوي الغريب الذي لم يكن ينقطع إلا في أوقات الصلاة العامة. والذي كثيراً ما فكرت فيه وسألت نفسي عن هذه الأجزاء التي لا تُحصى، والذرات التي لا تُعد، والتي كانت تؤلف جوهره وتكون مزاجه، وتجعل منه وحدة لا يظهر فيها الاختلاف، ولا يُحس فيها التباين؛ فإذا حللتها رأيت اختلافاً لا حد له، وتبايناً ليس له آخر: رأيت أصوات قوم يتحدثون في متاع الدنيا ولهوها، وأصوات قوم آخرين يتحدثون في جد الحياة وآلامها، وقوماً يذكرون الله، وقوماً يدرسون العلم، وقوماً يتلون القرآن، وقوماً يقرأون ما يخطر لهم وما لا يخطر لك على بال، وقوماً يخوضون فيما تظن وما لا تظن من فنون الحديث. ومن هذه الأصوات كلها ينعقد صوت واحد قوي ضخم عميق عنيف متحدٍ يملأ فضاء الأزهر منذ تدخله إلى حين تخرج منه، ويملأ فضاء الأزهر من أي باب ولجته، إلى أي باب تجاوزته، ويملأ فضاء الأزهر في جميع أرجائه وأنحائه على كثرة ما فيها من الانحناء والالتواء والانعطاف.
نعم، في هذا الربع الذي لم يكن يخلو في نهار ولا في ليل، ولم يكن يهدأ في شتاء ولا في صيف، ولم يكن يشعر بالحاجة إلى الحياة؛ لأنه كان حياة كله. وكان حياة كأشد ما تكون الحياة قوة وحركة وإنتاجاً. في هذا الربع وقفت كما وقف النابغة في ربع مية، ولكني لم أقف أصيلاً وإنما وقفت بعد صلاة العتمة، ففهمت هذا النحو من شعر القدماء، أو قل أحسست هذا النحو من شعر القدماء؛ فما أكثر ما نفهم الشعر القديم والحديث دون أن نحسه كما يحسه قائلوه، ودون أن نتأثر به كما يتأثر به الشعراء.
وكان الأزهر كربع مية، خلا بعد عمران، وسكن بعد حركة، وأعيا عن جواب السؤال حين وُجه إليه السؤال؛ وكان الأزهر كربع مية قد طال عليه الأمد وبعد به العهد. طال عليه الأمد أكثر مما طال على ربع مية؛ فما أظن أن ذلك الأمد الذي ذكره النابغة والذي طال على ربع مية كان طويلاً مسرفاً في الطول يكاد يبلغ ألف سنة كهذا الأمد الذي أذكره حين أتحدث عن الأزهر، والذي ذكرته حين تحدثت إلى الأزهر منذ أسبوعين. وكان الأمد بين الأزهر وبيني قد طال؛ فما أذكر أني دخلته منذ بضع عشرة سنة، وما أذكر أني طوفت فيه منذ أكثر من عشرين عاماً، ولكني حملت في نفسي دائماً للأزهر صورة حية قوية شديدة الحركة عظيمة النشاط رائعة الدوي عسيرة التحليل.
وكنت أسعى إلى الأزهر منذ أسبوعين وإن قلبي ليخفق سعادة واغتباطاً وحنيناً إلى هذه الصورة التي صحبتني ربع قرن وطوفت معي في أقطار الأرض واستقبلت معي ألوان الخطوب لم تضعف ولم تفتر ولم تتضاءل، والتي كنت أسعى بها إلى أصلها الأصيل في صحن الأزهر وعند القبلتين لتستمد قوة إلى قوتها وحياة إلى حياتها؛ فلما بلغت الربع – وليتني لم أبلغه – نظرت فإذا الصورة أقوى من الأصل، وإذا الأزهر الذي أحمله في قلبي أشد حركة وأعظم نشاطاً وأقوى حياة من الأزهر القائم هناك في حي القاهرة.
قال أصحابي – وكلهم مثلي أبناء الأزهر الذين بعد عهدهم به وطال فراقهم له -:
“وما يمنعنا أن نختم رمضان بزيارة قصيرة للأزهر نحيي بها العهد القديم ونذكر بها أيام الشباب؟”
قلت:
“وإني في ذلك لراغب، وإني إلى ذلك لمشوق”.
ومضينا إلى الأزهر ونحن نقدر أن سنجد فيه تلك الصورة التي ألفناها، وأن سنسمع فيه ذلك الدوي الذي عرفناه، وأن سنختلط به اختلاطاً، ونمتزج به امتزاجاً، ونقف فيه كما كنا نفعل أيام الشباب وقفات فيها الجد الخصب، وفيها هزل يشوبه الحب والعطف. نتنقل بين هذه الحلقات المنبثة في أرجائه، نسمع لهذا الشيخ وهو يقرأ الحديث أو التفسير أو يقص قصص الوعاظ فيعجبنا صوته وإلقاؤه وفهمه وإفهامه فنعجب به ونبسم له، ونتجاوزه إلى ذلك الشيخ فيضحكنا صوته أو إلقاؤه أو لازمة من لوازمه أو بعض ما يدفع إليه من الخطأ في الفهم أو السخف في الإفهام، فننصرف عنه ضاحكين متفكهين، حتى إذا قضينا من هذا كله إرباً خرجنا وقد ذكرنا أنفسنا وسعدنا بلقاء تلك الأيام العذاب.
كنا نقدر هذا كله، فلما دخلنا الأزهر لم نلقَ إلا وحشة ولم نحسّ إلا صمتاً، لم نعرف شيئاً ولا أحداً، ولم يعرفنا شيء ولا أحد. وإنما كنا أشبه شيء بالأشباح أو الأطياف تمضي في مكان خالٍ موحش لا حياة فيه ولا عمران؛ وأشهد لقد لقينا خدم الأزهر باسمين لنا محتفين بنا، يسعون بين أيدينا ومن حولنا، كأنما نحن جماعة من السائحين الذين لا علم لهم بالأزهر ولا معرفة لهم بخفاياه، فهم يهدوننا ويدلوننا ويرفقون بنا في الحديث.
ويحكم! فأنا أعلم منكم بالأزهر وأعرف بمعالمه، وإنا لم نأتِ لنلقى منكم هذا الرفق، وإنا لنفضل أن تلقونا بما كان يلقانا به أسلافكم من ذلك العنف الذي كانت تحبه نفوسنا وإن أظهرنا منه النفور. أين الجبلاوي وأعوان الجبلاوي؟ أين تلك العصي التي كانوا يهزونها فتسمع لها أصوات خفيفة ولكنها مخيفة؟ أين الغراب وأيام الغراب؟ وأين رضوان وجنود رضوان؟ أين الجندي وأعوان الجندي؟ أين هؤلاء جميعاً وما كان يحيط بهؤلاء جميعاً من جلال كنا نزدريه وكنا نضيق به، وها نحن أولاء نذكره الآن فتذهب نفوسنا في أثره حسرات!
ولست أدري مَن هذا الذي عرفنا فأسرع بأسمائنا إلى رجل كريم من أصحاب الفضيلة المفتشين. وإني لأطوف مع صاحبي في الأزهر يتحدث إليّ وأتحدث إليه بهذا الصوت الهادئ الخافت الذي نصطنعه إذا خلا أحدنا إلى صاحبه، كأنما نحن في دار من الدور أو في بيعة من البيع التي يحسن فيها الهمس، لا في الأزهر الذي لم يكن يحب إلا الجهر ورفع الصوت. وما راعنا إلا صاحب الفضيلة وقد أقبل علينا طلق الوجه باسم الثغر مبسوط الأسارير يحيينا تحية الرجل الكريم، ويدعونا إلى ضيافته ويلحّ علينا في أن نصعد معه إلى حيث يتلى القرآن ويشرب الشاي.
وكنا نود لو استطعنا أن نخلو إلى هذه العمد القائمة لنجدد عهدنا بها، ولنبثها ذكرى تلك الأيام، ولنسألها عما ألمّ بها من الحوادث واختلف عليها من الخطوب منذ فارقناها، ونظفر منها بهذا الصمت الذي هو أفصح من الكلام وأبلغ منه أثراً في النفوس، ولكن الشيخ دعا فلم يكن بد من أن نستجيب؛ فمضينا مع الشيخ إلى حيث أراد، وصعدنا معه إلى غرفة من تلك الغرفات التي كنا نذكرها أيام الصبا فتمتلئ قلوبنا لذكرها مهابة وإجلالاً ورهبة وإكباراً. في تلك الغرف كان يستقر شيخ الأزهر ومفتي الديار، وفي تلك الغرف كانت تُدبّر أمور الأزهر وتُصرّف شؤون العلماء والطلاب، وحول تلك الغرف كانت تتطاير طائفة من الأحاديث والأساطير عن حياة الشيوخ وأقوالهم وأعمالهم. وكانت هذه الأحاديث تصل إلينا فنعجب بها ونبسم لها ونلتمس فيها العبرة والعظة والفكاهة، وكنا نتنقل بهذه الأحاديث إلى بلادنا في الريف فنقصها على آبائنا وإخواننا فيعجبون بها ويكبرون أصحابها ويتخذونها ذخراً لما يعقدون من مجالسهم إذا أشرق الصبح أو أقبل المساء.
صعدنا مع الشيخ إلى تلك الغرفات ونحن نسأله عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ والشيخ صامت كالأزهر لا يستطيع رجع الجواب. ثم انتهينا مع الشيخ إلى طائفة من أصحابه كرام مثله لقونا لقاءً حسناً، وحيونا تحية حسنة، كما لقينا الشيخ وكما حيانا، ونسألهم عن الأزهر ما خطبه؟ وعن هذا الصمت ما مصدره؟ فإذا هم صامتون كالأزهر، وإذا هم صامتون كالشيخ، وإذا هم لا يستطيعون رجع الجواب.
ثم تدور علينا أكواب الشاي، ثم تُتلى علينا آيات الله في صوت عذب ولهجة حلوة وقراءة صحيحة مستقيمة نقية تصل إلى أعماق القلوب. ولكن من القارئ؟ من أين جاء؟ ما شكله؟ وما زيه؟ إنه رجل مطربش قد اتخذ زياً غير زي الأزهر؛ لأنه ليس من أهل الأزهر وإنما هو من عمال العنابر. تبارك الله! رجل من غير الأزهريين يتلو القرآن بين الأزهريين! هذا خير، هذا خير كثير ولكنه غريب لم نكن نقدر أن نلقاه في أيامنا تلك.
وكنا نحب أن نلقاه الآن والأزهر معمور يموج بالناس وترتفع فيه أصوات الشيوخ بقراءة القرآن، ولكن الأزهر ساكن صامت، وهذه الطائفة الكريمة من العلماء الواعظين قد استمعوا وأنصتوا لتلاوة القرآن الكريم تخرج من رأس عليه طربوش. هذا خير ما في ذلك شك، ولكن هذه الصورة ما زالت غريبة في أنفسنا، وما زال موقعها من قلوبنا شاذاً قلقاً، ومع ذلك فقد يقال إن الشيوخ محافظون، وإننا نحن من أصحاب التجديد.
ثم انصرفنا محزونين مستيئسين، جئنا نزور الأزهر فلم نرَ الأزهر، وإنما رأينا أطلاله ولم نستطع أن نطيل عندها الوقوف.
قلت لأصحابي:
“ولكن ما هذا الصمت وكيف انتهى الأزهر إليه؟ وأيكم كان يظن أن ذلك الصوت العظيم يُقضى عليه في يوم من الأيام أو في ليلة من الليالي بهذا الخفوت المنكر المخيف؟”
قال أصحابي:
“فإنك تنسى أن الأزهر قد كان جامعاً فأصبح جامعة، وإنك تنسى أن الجامعة إن استيقظت في النهار فهي تنام في الليل، وإنك تنسى أن للجامعة نظاماً يحدد حظها من الحركة وحظها من النشاط؛ فاذكر هذا كله واذكر أنك تخطئ أشد الخطأ إن ظننت أن التجديد مقصور على الجامعة وأصحاب الجامعة، فالتجديد أقوى وأنشط وأوسع سلطاناً مما تظن. انظر إليه كيف وصل إلى الأزهر فعلمه كيف يكون الكلام في النهار والصمت في الليل، وقد كان الأزهر متصل الكلام في الليل والنهار”.
قلت لأصحابي:
“يا بؤسي للتجديد إذا انتهى بالأزهر إلى هذه الحال! كم كنت أوثر أن يظل الأزهر جامعاً وألا يُمسخ جامعة”.
الرسالة ٢٩ – ١ – ١٩٣٤ -
الرسالة الثانية
الرسالة الثانية:
من الأستاذ توفيق الحكيم إلى الدكتور طه حسين
عزيزي الدكتور،
قرأت الرد، ومرة أخرى أتأمل ما بيمينك. هذه العصا عجيبة التركيب، إنك لا تلمس شيئاً حتى ينقلب إلى الحق، حق كبير يبتلع كل رأي، ويلقف كل حجة. تلك عصا الأستاذية، ما كنت أجهل أنك حاملها في هذا العصر.
نحن متفقان، ولا خلاف بيننا في الغاية، وهو مطلبنا. هنالك تفاصيل أفترق فيها عن الدكتور ولن أعود إليها، فأنا أفزع من النظر إلى الوراء؛ خشية أن أتحول إلى تمثال من الملح، أو حتى إلى تمثال من الذهب. نفسي تصدف أحياناً عن الفكرة الجامدة مهما تكن خالدة، ويحلو لي أحياناً أن أنثر الأفكار عابثاً من نافذة قطار.
إن رسائلنا في حقيقتها لا تعني أكثر من إثارة الغبار في أرض ناعمة مفروشة بالحصى. لسنا نصدر أحكاماً بهذه الكتب السريعة، إنما نحن نطرح مسائل ونلقي بفروض سوف يلتقطها ويجمعها الباحثون المنقطعون يوم تستيقظ الأجيال.
اتفقنا إذن، أو ينبغي لنا أن نتفق على أي حال، حتى ننصرف إلى شيء جديد. إن البحث عن الجديد هو الخليق عندي بالمجهود. ولقد فتح لنا اليوم باب الجديد الأستاذ أحمد أمين؛ قال لي ذات مساء إنه يضع كتاباً في أصول النقد، ويود أن يوليني شرف المشاركة في البحث من بعض وجوهه.
النقد؟ لفظ رن في أذني، وذكرت للفور أن رسالتي الأولى للدكتور كان موضوعها (الخلق)، وقلت في نفسي: ما يمنع من إتمام الكلام في رسالة ثانية يكون موضوعها (النقد)؟ وإذا الأمر ينكشف لي عن قضية كبيرة: أنعد النقد كالخلق خاضعاً لسلطان التيارات الفكرية الثلاثة التي ذكرها الدكتور: التيار المصري القديم، والتيار العربي، والتيار الأوروبي؟ أم نعد النقد كالعلم لا يخضع لمثل هذه المؤثرات؟
أما أنا فلن أجيب على فوري عن هذا السؤال، فأنا أكتب ولا أدري أين يحط بي القلم. دعني أولاً أنشئ على هذا النغم بعض (تقاسيم) دون أن أعني الآن بالغاية. إن الغاية أحياناً رخيصة بجانب الوسيلة، على الأقل في نظر الفن؛ لأن الغاية في الفن لا تبرر الوسيلة.
الحياة كذلك، تلك القطعة الفنية التي أبدعها الخالق، أهي شيء غير وسيلة متينة التكوين؟ ألها معنى في غير ذلك الطريق المبين الذي أوله ضباب وآخره ضباب؟ خط هندسي رُسم على لوح الوجود، كيف ابتدأ، كيف انتهى؟ لا يعني ذلك علم الهندسة، إنه خط بين نقطتين وكفى.
ليس لنا أن نسأل عن غاية الحياة، ولا عن غاية الفن، ولا عن غاية العلم. إن الغاية لا تهم، إنما المعنى كله في الوسيلة. الحياة هي الطريق، العلم هو الطريقة، الفن هو الأسلوب. أما الغاية فلا غاية. وهل يترجى من العلم أو من الفن أو من الحياة غاية مطلقة يوماً من الأيام؟ محال. ما نحن إلا أسلوب الخالق، ما الكون إلا أسلوب. الأسلوب كل شيء عند كل خالق وفي كل خلق.
إن الخالق أعظم من أن يحبس إرادته الخالدة في حدود (غاية)، لفظ يدل بذاته على معنى الانتهاء. في اعتقادي أن كلمة (غاية) هي من صنع العقل البشري الصغير، هذا العقل المحدود الذي يضع كل شيء دائماً داخل حدود، ويأبى إلا أن يكون لكل شيء أول وآخر. إنما الخلود في الأسلوب؛ لأن الأسلوب لا أول له ولا آخر، فهو شيء كائن دائماً، لا علاقة له بالزمن.
إن رجل الفن، وهو المقلد الأصغر للمبدع الأكبر، يدرك أن الفن لا يعيش بالغاية؛ لأن الغاية فانية كاسمها، وإنما يعيش الفن بالأسلوب. لقد انقضت الغاية من تشييد الأهرام، وفنيت الغاية من بناء البارتينون. دفن الموتى أو عبادة الآلهة الغابرين غاية قد ماتت وبقي أسلوب الفن وحده خالداً في الأهرام والبارتينون.
خدمة الإنسانية غاية العلم في نظر البسطاء، لو سئل عالم في ذلك لابتسم: (مالي وللإنسانية! إنما أنا أبحث عن سر أسلوب الصانع الأعظم. إنما هي لذة البحث وحدها، إنما هي طريقة البحث وأسلوبه. ولولا ذلك السرور الذي يملأ نفسي إذ ينكشف لعيني الباحثة عن جمال أسلوب الله لما تجشمت النصب في سبيل العلم، ولما كان للعلم هذا المعنى الرفيع). المخترعات كذلك ليست غاية العلم، هي تطبيق للعلم، إنما العلم هو البحث الخالص المجرد عن كل غاية وعن كل استغلال. لقد كان الإغريق يبحثون ولا يطبقون، فيثاغورس مثل من أمثلة الأسلوب الخالد للعلم الخالص.
الأسلوب إذن هو محور النقد كما هو عماد الخلق، وكلمة الأسلوب رحبة عميقة كالبحر، في جوفها كل كنوز المعرفة التي يصبو إليها البشر. ولعل كل ما أوتيه الإنسان من سليقة سامية منذ أول الأزمان ليس إلا انعكاس أسلوب الخالق في نفس الإنسان. هذا المنطق الذي نشأنا عليه، ونرجع إليه في كل حياتنا، هذا الإحساس بالنتيجة والسبب، هذا الشعور بالتناسق والتناسب، هذا الإدراك للصلة التي تربط الشيء بالشيء، من أين جاءنا هذا نحن البشر؟ أهناك مصدر آخر غير أسلوب الخالق؟
فتحت البشرية عينيها فألفته حولها، فهو موجود قبلها وقبل الخليقة كما يوجد الرسم والتصميم قبل البناء. إن أسلوب المبدع في صنع الخليقة هو وحدة المنبع الأزلي لهذه الصفات كلها: المنطق، ارتباط السبب بالنتيجة والشيء بالشيء، والجزء بالكل، والتناسق والتناسب. صفات هي بعينها صفات الأسلوب السليم لكل عمل فني عظيم. أسلوب الله هو المعلم الأول والأخير. وما أول صورة رسمها الإنسان على الأحجار وعظام الحيوان سوى إعلان شعوره الخفي بتلك الصفات. إن رجل الفن الأول هو أول إنسان عرف (المنطق) صفة فنية، بعد أن كان المنطق سليقة سامية تسبح في أنحاء نفسه ولا يعرف ما هي. إن المنطق الذي شيد الأهرام صورة محكمة لهو المنطق الذي شيد الكون.
ما المنطق؟ ما معنى المنطق؟ سره في تلك المرآة العظيمة الصافية التي تحيط بنا كالجدران: الوجود، أجمل مثال للمنطق في الأسلوب ينبغي لرجل الفن والأدب والعلم أن يطيل فيه النظر. كل شيء في هذا الوجود مصنوع على طريقة واحدة وعلى قاعدة واحدة. ما القاعدة التي بُني عليها الوجود؟ هي القاعدة التي بُنيت عليها الأهرام، هي قاعدة كل بناء: التماسك بين الأجزاء في كل واحد متسق.
هذا التماسك ما علته وكيف يكون؟ قانون أستطيع أن أفرغه كما يفعل الرياضيون في صيغة بسيطة من لفظين: (الأخذ والعطاء). كل شيء في هذا الوجود يحيا على نمط واحد، وكل حياة في هذا الوجود لها مظهر واحد: أخذ وعطاء في حركات متصلة متشابهة: زفير وشهيق عند الإنسان والأحياء، اكتساب وإشعاع عند النجوم والأشياء. الأخذ والعطاء قانون التماسك والاتصال في حياة الفرد والمجتمع والأمة والأمم، وفي حياة الأخلاق والسياسة والاقتصاد، وفي حياة المادة والروح، وفي حياة الأرض والأجرام والسدم. ليس في الوجود شيء لا يأخذ ولا يعطي، وليس في الوجود شيء يعطي ولا يأخذ. كل شيء يعتمد على كل شيء في هذا الكون، بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
وكل خلق بنيان، ولا بنيان بغير وحدة شاملة، ولا وحدة شاملة بغير تضامن بين الحجر والحجر، وبين الجزء والجزء. هذا التضامن وليد ذلك القانون: (الأخذ والعطاء). وليس هذا كل المنطق في صنع الوجود، وإنما المنطق في تركيب ذلك القانون. ما قوام الأخذ والعطاء؟ هل يكون أخذ وعطاء إلا بين كائنات متشابهة؟ ما الحال لو أن الخالق أبدع وجوداً آخر على أسلوب آخر، فصنع أناساً يعيشون بالزفير ولا يعرفون الشهيق، ومخلوقات تأكل ولا تصرف، وأجراماً تكتسب الحرارة والضوء ولا تشع؟ أي اتصال يمكن أن يقوم بين كائنات خُلقت على غير أسلوب واحد؟ لا اتصال، وحيث لا اتصال لا بناء، لا خلق ولا بناء.
أي اتصال بيني وبين أخي وابني لو أن الخالق صنعني من عناصر غير عناصرهما، فجعلني من يابس ورطب وجعلهما من نور ونار وغاز وبخار؟ أي ارتباط لو أنه جعل كل مخلوق منفرداً بمادته وهيئته وعناصره عن كل مخلوق؟ وأي هرم يمكن أن يُشيد بأحجار أحدها من صخر، وآخر من عجين، والثالث من ورق، والرابع من طين؟ لا ارتباط من غير تشابه وتماثل، ولا تضامن بين أجزاء غير متجانسة في التركيب. إن كل ما نحس بوجوده يتحد معنا في بعض العناصر، بغير هذا ما كنا نعترف له بوجود. إننا نعرف الأجرام لأن أجسامنا تعرف الحرارة والضوء والحديد.
التشابه شرط الأخذ والعطاء، الاختلاف كذلك شرط آخر. هل يقوم أخذ وعطاء إلا بين كائنات مختلفة؟ ما الحال لو أن الخالق صنع كل شيء ككل شيء، فجعل كل رجل ككل رجل، وكل جرم ككل جرم؟ طبع واحد، ومنظر واحد، وحجم واحد. أليس هذا التشابه المطلق ينفي الشخصية؟ وحيث لا شخصية فلا أخذ ولا عطاء، ولا تماسك ولا اتصال. وهل من صلة بيني وبين غيري إلا لاختلاف شخصه عن شخصي وما عنده عما عندي؟ وهل رابطة الأجرام إلا اختلافها في الأحجام؟ الجاذبية، الحب، هل علتهما اختلاف النسب في القوى والأشكال؟
إن مثل هذا الكون المتماثل لا يمكن كذلك أن يُشيد أو يوجد، مثله مثل قصة تمثيلية أشخاصها لهم عين الاسم والجسم والطبع والحظ، يتكلمون عين الكلام، ويتحركون عين الحركات، ويتصرفون عين التصرفات! أي علاقة يمكن أن تنشأ بين هذه المخلوقات؟ وهل يشعر أحدهم بوجود الآخر؟ وهل يدرك أحد منهم معنى كلمة (أنا)؟
لا بد من بعض الاختلاف بين الكائنات حتى يتميز كل كائن من الآخر، ومتى تميزت الأشخاص والأشياء والأجزاء نشأ بينها الأخذ والعطاء، سر التماسك في كل بناء… ها هنا إذن قوام التناسق: (التشابه لا كل التشابه، الاختلاف لا كل الاختلاف!).
بيتهوفن الذي كشف لي منذ ست سنوات عن سر التأليف بين صوتين في عين الوقت، لاحظت أنه يجمع بين صوتين متشابهين لا كل التشابه، مختلفين لا كل الاختلاف، وأدركت أنه لا تناسق بغير هذا؛ فلو أنه جعل الصوتين متشابهين كل التشابه لفني أحدهما في الآخر، وما تميز لنا شيء غير صوت واحد، ولو أنه جعلهما مختلفين كل الاختلاف لاستحال على الأذن أن تصل بينهما وهما متباعدان متنافران. فأساس (التناسق) في الموسيقى والفن كأساس التناسق في الحياة والكون: ائتلاف بين الأجزاء لا كل الائتلاف، واختلاف بينهما لا كل الاختلاف.
ملاحظة أخرى داخل القوسين: كلامي عن المصرية والعربية في رسالتي الأولى ليس إلا رغبة مني في فرز خصائص أمم هذا العالم العربي الذي أخشى انحلال آدابه. إنما الحب والتضامن في اختلاف ما عندنا عما عند إخواننا الجيران بعض الاختلاف. إن التشابه مضمون باللغة الواحدة والتراث الواحد، فليبحث كل منا عن شخصيته المميزة في ماضيه الطويل بأكمله: المصري في مصر القديمة وما بعدها من عصور، والسوري في فينيقيا وما بعدها، والعراقي في بابل وما بعدها وما قبلها من تواريخ… إلخ إلخ. كلٌّ يستخرج من بطن الأرض التي يحيا عليها كل محاسن طبيعتها وكل كنوز ماضيها. إن الفن ابن الأرض، الولد للفراش والفن للأرض.
إنني أقول بالمصرية والعراقية والسورية… إلخ إلخ، لا للانفصال بل للاتصال، لا للتعصب بل للحب. إن اليوم الذي تزهو فيه لكل منا شخصية قوية هو اليوم الذي يكثر فيه التعامل بيننا والارتباط. أما فناؤنا جميعاً في شخصية العرب الغابرين فأمر لا يمكن أن يكون؛ لأنه مخالف لطبيعة الأشياء. إن لكل أرض صفات من التاريخ سابقة على عهد العرب، ماذا نفعل بهذه الصفات؟ أنمزقها كما يصنع البرابرة المتوحشون أم نطالعها ونستخرج منها ما يفيد الإنسانية؟
لا بد أن يكون لكل أرض لون، ولكل أرض اسم ورسم وجسم، ولقد كان الأمر كذلك حتى أيام دولة العرب، فكانت الشام غير العراق غير مصر غير الأندلس. والفن والشعر والأدب أظهر دليل على وجود الفروق الجلية، وعلى صدق ذلك القانون: تشابه بين تلك الأقطار لا كل التشابه، واختلاف بينها لا كل الاختلاف. فكيف يكون الأمر غير ذلك؟ ونغضب إذ تكون هناك مصر وهناك شام وهناك عراق؟ مثل ما كانت دولة العرب أمس، ينبغي للعالم العربي اليوم أن يكون: (وحدة شاملة وكتلة بنيان في شئون السياسة والذود والدفاع، وشخصيات منوعة الألوان في شئون الفن والخلق والإبداع).
جملة القول عندي أن أسلوب الله في صنع الكون هو وحده منبع الفن، هو وحده مصدر ذلك الإدراك الإنساني للجمال منذ مبدأ الأجيال. أما نقاد القرن التاسع عشر فلا أحسبهم رفعوا أبصارهم إلى هذا الأسلوب مستلهمين، إنما هم قد خروا أمام تمثال العلم ساجدين، أنظارهم خاشعة ترنو في رجاء إلى شعاعين من الكهرباء صادرين من عدسات عينيه الجامدتين.
القرن التاسع عشر قرن تأليه العلم، فلقد بهر العلمُ العالمَ بانتصارات حاسمات متواليات، فإذا الأدب والفن والفلسفة كلها تهرع إليه تقر له بالغلبة والسلطان، وإذا كل شيء يطلب إلى العلم تفسيراً، وإذا العلم في نشوة الظافر وبسمة الواثق لا يأبى أن يقضي فيما يعنيه وفيما لا يعنيه، وإذا العلم وهو علم المادة يريد أن يتحدث في شئون الروح، وإذا سئل عن الروح قال: دونكم هذا الطريق، وأشار إلى عين الطرائق التي أدت إلى الفوز في شئون المادة: التحليل والتركيب والتجربة والقياس والاستنتاج والاستقراء… إلخ.
بهت العالم لنظرية النشوء والارتقاء، وآمن الناس أن أصلنا من ماء وخلايا حية وحيوان ظل يسمو في المرتبة على مدى الأزمان حتى بلغ القرد جد الإنسان! نظرية جميلة، خلب جمالها اللب على الرغم من بشاعة ذلك الجد الغول. أما صدقها فجائز من حيث المادة والأجسام. وهنا تبدو قضية: أتصدق هذه النظرية على الروح أيضاً وشئون الروح؟ الإحساس بالجمال: أيخضع أيضاً للنشوء والارتقاء؟ نعم، نعم، نعم. كذلك قالت المدرسة الإنجليزية (سبنسر، جرانت ألن، رسكن)، وكان لا بد لهذه العقول التي فتنتها نظرية التطور في المادة أن تبرز للإنسان نظرية التطور في الجمال.
وعجب الناس لنظريات علم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم الحياة وأبحاث (لامارك) في تأثير البيئة والمناخ وظروف الحياة على طبيعة الأجسام، فقامت المدرسة الفرنسية (هيوليت تين) تخرج للفكر والأدب نظرية للجمال والفن: الوحي فيها والإلهام مقاييس الحرارة وموازين الأحجام! بل إني لأرى إصبع العلم قبل ذلك بقرن يقود المدرسة الألمانية إلى نظريتها في الجمال. ولم يكفِ العلمَ هذا التوجيهُ والتأثيرُ بل تناول بيديه في هذا العهد الحديث جسم الجمال، وأعمل فيه المشرط والمسبار (علم النفس الحديث)؛ قُضي الأمر، وخرج الجمال من حدائق الفلسفة إلى معامل العلم..!
لست أزري على طرائق العلم، فهي وسائل البشرية التي لا تملك غيرها. وأذكر يوم كنت أرصد وقتاً للتفكير في هذه المسائل أني بسطت أمام نفسي هذا السؤال الساذج: الحيوان ما علمه بالجمال؟ حصان بين مهرتين إحداهما جميلة مليحة شهباء والأخرى قبيحة هزيلة عرجاء، إلى أيتهما يميل؟ ما ترددت يومئذ أن أقول في ثقة واقتناع: (إلى الجميلة يميل، ما وجه الترجيح؟ لست أدري، وحبذا التجربة فهي الحكم الفصل!).
لكني يومئذ كنت أفكر تفكيراً صرفاً في قهوة صاخبة اعتقدت أن آوي إليها للتفكير الهادئ، فأين لي بالخيول والأفراس أجري عليها التجاريب؟ فها أنا ذا أقر بأن التجربة وسيلة بشرية طبيعية للوصول إلى المعرفة، وأقر بأني شعرت يوماً بالحاجة إلى ممارستها في شئون الجمال. غير أني على الرغم من هذا لا أحب أن أعتقد ببساطة أن نظريات العلم في شئون المادة تصدق دائماً في شئون الروح. لا شيء يستطيع أن يقنعني بأن إحساس الجمال وليد تطور ونشوء. بي رغبة أن أصيح بغير دليل في يدي أن إدراك الجمال وُلد كاملاً في قلب الإنسان منذ رفع بصره وبصيرته إلى أسلوب الله فرعاه.
إني أخشى أن نقع في الغلط إذ نطبق نظرية المادة في مسائل الروح، وهل يستطيع الدكتور أن يجيز قول رسكن وجرانت ألن في الإلياذة: (… ما كان يعني الأقدمون بالطبيعة ولا بجمالها إلا حين يتصلان بعيش الإنسان. ففي الإلياذة ما كان يوصف منظر طبيعي لذاته، بل لمنفعته للإنسان، كأن يكون مكاناً خصيباً يفيض بالحنطة أو تكثر فيه الجياد. ما كانت الطبيعة سوى إطار للحوادث والأشخاص، لا أنها لذاتها محل للوصف. إن الطبيعة لم تُحب لذاتها إلا في العصر الحديث، حيث استيقظ الإحساس بها، إحساس صافٍ خالص لا تشوبه شائبة النفع أو المصلحة…)؟
ماذا أقول في هذا الكلام؟ أهو جهل بمشاعر الأقدمين؟ أم تورط في تطبيق نظرية التطور والنشوء؟ أنصدق حقاً أن الشعور الرفيع بجمال الطبيعة لم يعرفه القدماء خالصاً لدنوهم من الحيوانية؟ أنصدق أن (هومير) لم يحس بجمال الطبيعة لذاتها؟ أهذا رسكن يقول هذا الكلام؟ أما أنا فقد مضى كلامي في الطبيعة والقدماء، ورأيي الذي أبديته في رسالتي الأولى أن الأقدمين كانوا أقرب منا إلى الطبيعة وإلى فهمها. لقد كان الأقدمون يحسون أنهم جزء من الطبيعة ونغم من أنغامها. أما رسكن وألن أو الإنسان الحديث فلا يحس إلا ذاته الآدمية منفصلة عن الطبيعة وعن كل شيء. دليلي فن القدماء من مصريين وإغريق، أهذا فن قوم لا يحسون الطبيعة لذاتها ولا يدركون قوانينها وأساليبها؟!
إلى هذا الحد يصل الانقياد إلى النظريات؟ من أجل هذا لا أريد التمكين للعلم حتى يجلس على عرش النقد دون شريك. أحب طرائق العلم، لكني أخشى نتائج العلم. فلنرتفع بالروح قليلاً، لست أريد أن أضع الروح تحت مبضع العلم رهبة مني أن يشقها فيجدها غلافاً أجوف. وإني لا أنسى يوم شاهدت تشريح جثة آدمي للمرة الأولى، أي قلق يومئذ مزق إيماني بقيمة الإنسان! كلا، إنني كرجل من رجال الروح لا أريد أن أُفجع في خير ما أعيش به وله. يريح نفسي دائماً أن أقول إن عقل العلم لا يكفي، ولا بد دون إدراك الجمال والروح من العودة إلى القلب. أريد ألا يخرجني العلم من ذلك الإيمان الذي كان يضيء في قلوب المصريين القدماء، إيمان قربهم من الخالق، فإذا هم ببصائرهم العميقة العجيبة أول آدميين استطاعوا فهم أسلوب الله والنفوذ إلى قوانين إبداعه.
إن أقصى العلم الإيمان، أحب ذلك العلم المؤمن الشاعر الذي عرفه أيضاً الفلكيون العظام في القرنين السادس عشر والسابع عشر: كوبرنيك، وجاليليه، وكبلر. آخر قطرة من ذلك العلم الممزوج بالإيمان، كانوا ينظرون إلى الكواكب كما نظر إليها من قبل المصريون الأقدمون، لا بعين العقل بل بعين القلب أيضاً. كانت السماء والنجوم في نظرهم مخلوقات حية، كانوا أيضاً يحسون في كتلة النجوم وفي هذا الكون بأكمله الروح الخالقة ويد المبدع الأعظم.
ما أروع هذه العبارة من كبلر، فيها تلخيص جميل لكل ما يملأ نفسي: (… كل الخليقة ليست إلا سمفونية عجيبة في مجال الروح والأفكار كما هي في مجال الأجسام والأحياء. كل شيء متماسك مرتبط بعرى متبادلة لا تنفصم، كل شيء يكون كلاً متناسقاً. إن الله قد خلقنا على صورته، وأعطانا الإحساس بالتناسق. كل ما يوجد حي متحرك؛ لأن كل شيء متتابع متصل. كل كوكب وكل نجم إن هو إلا حيوان ذو نفس. إن روح النجوم هي سر حركتها، وسبب ذلك الحب الذي يربط بعضها إلى بعض، وتعليل ذلك النظام الذي تسير عليه الظواهر الطبيعية…). أولئك رجال ساروا في بيداء العقل دون أن ينسوا دليل القلب، أولئك هم العلماء العظام!
أرى الدكتور قد استشف رأيي بعد هذا التمهيد. نعم، ولا أخشى أن أجيب الآن عن السؤال فأقول إن التيارات الثلاثة التي ذكرها الدكتور تصدق أيضاً في النقد، كما تصدق في الخلق.
أما التيار الأوروبي في النقد فهو المرتكز على العلم، ولقد وصل إلينا هذا التيار بالفعل وتأثرنا به، وإن بعض كتب النقد التي ظهرت في مصر الحديثة تنم على هذا الاتجاه العلمي، وهو أمر لا بأس به، بل هو واجب محتوم، على شريطة أن نقرن به ونضيف إليه عناصر جديدة ووسائل أخرى مستخرجة من أرضنا وتراثنا إذا أردنا أن ننشئ لآدابنا طريقة شخصية كاملة في النقد.
فأما التيار المصري القديم فهو النقد المعتمد على الذوق، أي سليقة المنطق والتناسق. وهو عند المصريين القدماء سليقة المنطق الداخلي للأشياء والتناسق الباطن، أي القانون الذي يربط الشيء بالشيء. أي جمال للأهرام غير ذلك التناسق الهندسي الخفي وتلك القوانين المستترة التي قامت عليها تلك الكتلة من الأحجار! جمال عقلي داخلي. كذلك أسلوب الخالق لا يعني بالجمال الظاهر وحده في خلق الطبيعة، فأي جمال للثعبان والجعران؟ إن الجمال الظاهر نسبي لا يقدره غير الإنسان، إنما المنطق الداخلي للأشياء هو كل جمالها الحقيقي. هذا المقياس المصري القديم للجمال ما أحسبه قد أثر بعد في حياتنا الفكرية أو في أحكامنا الفنية.
أما التيار العربي القديم فهو النقد الذي قوامه ذوق الحس، أي سليقة المنطق الظاهر والتناسق الخارجي. الجمال عند العرب هو الجمال الظاهر الذي يسر العين ويلذ الأذن. أنستطيع أن نتخيل العرب تبني الأهرام أو تقدر فيها جمالاً؟ لقد جاء العرب مصر وتحدثوا بجمال نيلها وأرضها وسمائها ولم يروا في الأهرام إلا شيئاً قد يحوي نقوداً مخبوءة، أما بناؤه فشيء لا يحسب في الفن. إنما الحسن عند العرب حسن الهيئة قبل كل شيء. المساجد كالعرائس تكاد تخطر حسناً بزخارفها، زينة للناظرين، بغير هذا فلا عمارة ولا فن. الشعر رنين لذيذ، وخيال جميل، ومعان لطيفة، وألفاظ مختارة ظريفة، بغير هذا فلا شعر ولا فن. الجمال عند العرب جمال إنساني، والفن عندهم شيء صنعه الإنسان لنفسه وللذته. الفن العربي القديم فن إنساني دنيوي، والفن المصري القديم فن إلهي ديني، لهذا اختلفت المقاييس في الجمال بين الفنين؛ أحدهما يعني بالتناسق الذي يروق الإنسان، والثاني يعني بالتناسق الخفي بغير التفات إلى الإنسان. ولعل المقياس العربي القديم هو في مصر المنفرد حتى اليوم بالحكم في قضايا الشعر والأدب.
ولعل أقرب مثل إلى الذاكرة ذلك الحكم الذي أصدره الدكتور على بيت للأستاذ العقاد:
هي كأس من كؤوس الخالدين … لم يشبها المزج من ماء وطين
ألم يكن مقياس الدكتور في التقدير ذلك الذوق الحسي وذلك المنطق الخارجي الذي يربط الألفاظ، فوجد اتصالاً غير متسق بين الكؤوس والطين سمع له شيئاً كالطنين يشوب صفاء الرنين؟ هذا المقياس العربي ذو الإبرة الدقيقة عجيب في تسجيل كل انحراف عن منطق الألفاظ. إنما هنالك في اعتقادي منطق آخر مستتر أمره يعني المقياس المصري، ترى لو أن الدكتور رجع إليه أما كان يحكم لبيت العقاد لا عليه؟ أما كان يرى فيه تناسقاً داخلياً محكماً هو كل ما عني بأدائه الشاعر؟
إني يوم قلت بمزج الروح بالمادة في آدابنا، كان يجب عليّ أيضاً أن أقول بوضع المقياس المصري في النقد بجانب المقياس العربي.
وبعد، فإني ولا ريب قد استأثرت منك ومن وقتك بمقدار لا حق لي فيه، غير أني لولاك ما وضعت أفكاري في رسائل. إنما أنا أكتب لك. أي ضمان أنت في الشرق لحياة الفكر والبيان! وهل أستطيع أن أنسى ما كنت لي وما تكون؟ إني أضع بين يديك كل إخلاصي.
كوم حمادة في ١٤ سبتمبر سنة ١٩٣٣.
توفيق الحكيم -
بدعة
بدعة
أرأيت إلى هذه البدعة المنكرة التي أخذ يدعو إليها المجددون منذ أمس في طائفة من صحف المساء والصباح؟ ألم تضق بها؟ ألم تتنكر لها؟ ألم تستعد السلطة على الذين يبدعونها ويسرفون في الدعوة إليها؟ إنهم يريدون مصر أن تعدل عن سنتها، وتخرج عن طبيعتها، وتقلد بلاد الغرب، وتسير هذه السيرة الحقيرة التي تضطر أصحابها إلى التواضع والاقتصاد، وإلى أن يقيسوا آمالهم وأعمالهم بحاجاتهم وطاقاتهم، لا بما يصور الخيال ولا بما تمليه الأحلام.
هؤلاء المبتدعون خليقون أن يحاسبوا حسابًا عسيرًا، وأن يعاقبوا عقابًا ثقيلًا، لأنهم يأبون على مصر الحديثة أن تسير سيرة مصر القديمة، ويريدون لمصر الشرقية أن تسير سيرة الأمم الغربية، وحسبك بهذا إثمًا وبغيًا.
ينكرون على مصر الحديثة أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة تمتاز بها من بلاد الأرض طولًا وعرضًا وارتفاعًا في السماء، وزينةً وزخرفًا وافتتانًا في البهاء، ويزعمون أن هذا إسراف في أموال الدولة، وأن هذا ظلم لأبناء الشعب، وأن هذا تجاوز للطاقة وتكلف لها لا نقدر عليه.
ويقولون إن مصر لم تبلغ من الرقي العلمي حظًا يلائم هذا الغلو في الترف، وهذا التهالك على الزينة والمفاخرة بها. وهم يعلمون حق العلم أن آباءنا الأقدمين الذين أقاموا الأهرام وما يشبه الأهرام من هذه العمارات الشاهقة والأبنية الشامخة لم يسألوا أنفسهم عما تتكلفه هذه الآثار الخالدة من النفقات والأموال: أقليل هو أم كثير؟ أثقيل هو أم خفيف؟ ولم يسألوا أنفسهم عن رأي الفلاحين فيما تحتاج إليه هذه الآثار من مال وجهد، أكانوا راضين به أم ساخطين عليه، ولم يسألوا أنفسهم عن ملاءمة هذه الآثار الخالدة لطاقة مصر وحاجتها، وإنما فكروا في شيء واحد، وعملوا لشيء واحد، وهو مجد مصر وعظمتها وتفوقها على سائر بلاد الأرض.
وقد وفقوا كل التوفيق. فحدثني عن بلد من بلاد الأرض يستطيع أن يفاخر مصر أو يثبت لها بما فيه من الأهرام والمعابد والآثار. وحدثني أليس من الحق أن المعاصرين لبناء الأهرام والمعابد قد شقوا ببنائها، واحتملوا في سبيله البؤس والجهد والضيق؟ ولكننا نحن نفاخر بها ونكاثر ونعجب بها ونتيه. فهم قد شقوا لنسعد، وهم قد ذلوا لنعز، فلم لا يكون حبنا لأبنائنا كحب آبائنا لنا؟ ولم لا نشقى نحن الآن ليسعد أبناؤنا بعد حين؟ ولم لا نبتئس نحن الآن ليتيه أبناؤنا بعد حين؟
لن نستفيد نحن من قاعة المحاضرات هذه إلا قليلًا، ولكن أبناءنا سيفاخرون بها ويكاثرون، وسيقولون عنا بألسنة ينطقها الحب والإعجاب والفخر: رحم الله هذا الجيل الذي أقام لنا هذا الأثر الخالد، فقد كان يتمثل دائمًا قول الشاعر القديم:
نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل مثل ما فعلوا
أولئك بنو الأهرام، وهؤلاء بنو قاعة المحاضرات. وسيقول أبناؤنا عنا بألسنة ينطقها الحب والإشفاق والرحمة والرثاء: رحم الله هذا الجيل، لقد ذاق أبناؤه ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوى، ليبنوا لنا قاعة المحاضرات، كما ذاق المصريون القدماء ألوان البؤس، واحتملوا ضروب المشقة، واصطلوا نار الجوع، وعاشوا على الخبز والبصل ليبنوا لنا الأهرام.
كذلك أراد الله لمصر أن تشقى أجيالها الحاضرة لتسعد أجيالها المقبلة. وليس من شك في أن أجيالنا المقبلة التي ستسعد بقاعة المحاضرات سيتيح لها الله وزارة كوزارتنا القائمة، تدعوها إلى التضحية، وتأخذها بإقامة بناء أو أبنية لا تقل عظمة عن قاعة المحاضرات وعن الأهرام. فمصر مريضة بفن البناء، لأن مصر مريضة بمقاومة الزمان وما يحمل من أعراض الفناء، كما يقول صاحب «أهل الكهف».
وإذن فلتبنِ مصر ولتبنِ، ولتشْقَ مصر ولتشْقَ، فإن الله قد خلقها للشقاء والبناء معًا. ولتبسط الوزارة يدها على هؤلاء المبتدعين الذين يريدون أن يصرفوا مصر عما كتب الله لها من الشقاء والبناء، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. -
حيرة
حيرة
لم يكن موفقًا ولا مهديًا، ذلك الصديق الإنجليزي القديم لرئيس الوزراء ووزارته القائمة حين أبرق إلى صحيفته الديلي تلغراف بتلك الرسالة المشؤومة التي نشرت منذ عشرة أيام.
لم يكن موفقًا ولا مهديًا، لا لأنه أخطأ الحق أو جاوز الصواب في أكثر ما قال، فعلم ذلك عند الله، وعند الراسخين في العلم بأمور السياسة المصرية العليا أثناء هذا الصيف، ولكن لأنه وصل من إيذاء الوزراء والتنغيص عليهم إلى أبعد مما كان يريد في أكبر الظن. فما نعلم أن الصداقة بينه وبين الوزارة القائمة قد قطعت أو آذنت بالزوال، وما نظن إلا أنه كان يريد أن ينبئ صحيفته وقراءها ببعض الحقائق الواقعة أو ببعض الأشياء التي طلب إليه أن يصورها في صورة الحقائق الواقعة، ولعله لم يبخل على نفسه بغمزات خفيفة ينال بها الوزراء ورئيسهم المتعب المكدود. فتجاوز هذا كله إلى الإزعاج، وتجاوز هذا كله إلى ما يورط الوزراء في حيرة ليس بعدها حيرة، وارتباك ليس بعده ارتباك. ومن يدري؟ ففي الإنجليز مكر ليس من اليسير أن تصل إلى أعماقه أو أن تبلغ حدوده. فلعل هذا الكاتب أن يكون قد أراد امتحان الوزارة والوزراء، وإقامة الدليل الساطع والبرهان الناصع على أنها أضعف من أن تنهض بأعباء الحكم، وأوهى من أن تثبت لحوادث الأيام. فإن كان قد أراد ذلك فقد ظفر به كل الظفر، ووفق إليه كل التوفيق، وأقنع الإنجليز في إنجلترا بما لم يكن يعلمه كثير منهم، وأقنع المصريين في مصر بما كانوا يؤمنون به جميعًا من أن الوزارة ضعيفة أشد الضعف، واهنة أشد الوهن، يخيفها كل شيء ويزعجها كل شيء، وينقصها هذا الرئيس القوي الذي كان ينفخ فيها من روحه فيمكنها من الثبات للحوادث ومناهضة الخطوب.
لست أدري أقرأت هذه الخطب التي أُلقيت أمس في حفلة الوداع التي أقيمت لوزير التقاليد، فإذا لم تكن قرأتها فانظر فيها، فقد نشرت خلاصتها الأهرام صباح اليوم، وسترى في هذه الخطب ذكرًا لرسالة «الديلي تلغراف» ووقوفًا عند رسالة «الديلي تلغراف» وانصرافًا عن غيرها مما كان يمكن فيه الحديث، وسترى أن الذين خطبوا من الوزراء وأنصار الوزراء قد تورطوا في تناقض أقل ما يوصف به أنه بديع لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى هذا الابتسام الخفيف. فهم ينكرون كل الإنكار أن تكون لهذه الرسالة قيمة أو أن يكون لها خطر، أو أن يكون لها تأثير قليل أو كثير في الموقف السياسي للوزارة، وهم يؤكدون أشد التأكيد أن الوزارة أقوى وأثبت وأمتن من أن تتأثر بكلام المكاتبين، أو تحفل به، أو تأبه له، ولكنهم في الوقت نفسه يتناولون الرسالة بالرد والنقد وبالتحليل والتأويل، ويتناولون صاحبها بالتكذيب والتثريب، وبالتقريع والتأنيب. فإحدى اثنتين: إما أن تكونوا مصورين لما تشعرون به حقًّا وتؤمنون به حقًّا من أن الرسالة لا خطر لها ولا أثر، وإذن فارفعوا أنفسكم ومنازلكم عن ذكرها والإشارة إليها.
وإما أن تكونوا متكلفين فيما تظهرون من القوة وتعلنون من الثقة، وإذن فاحتاطوا ما وسعكم الاحتياط حتى لا يظهر هذا الضعف ولا يحس الناس هذا الاضطراب. ولكن أصحابنا لم يستطيعوا أن يملكوا أنفسهم، ولا أن يضبطوا عواطفهم فمضوا يسخرون من هذه الرسالة ويكبرون هذه الرسالة، ينكرون قيمتها ويجادلون فيما اشتملت عليه، ولعل هؤلاء السادة يعلمون إذا خلوا إلى أنفسهم أن حفلة الوداع التي ستقام اليوم أو غدًا – لا أدري – لوزير الزراعة لم يفكر فيها، ولم يقصد إليها إلا لمحاولة أن يمحو الخطباء ما يمكن محوه من آثار هذه الرسالة، ولعلهم لولا هذه الرسالة ما فكروا في هاتين الحفلتين. وهم لم يوفقوا في حفلة أمس – فيما رأيت – إلا إلى إظهار حيرتهم واضطرابهم، ولن يوفقوا في الحفلة الأخرى إلا إلى الغلو في إظهار هذه الحيرة وهذا الاضطراب.
والظريف أن هؤلاء السادة يعلنون أمس أنهم لم يحفلوا قط وما كان ينبغي لهم أن يحفلوا بهذه الرسالة وينسون أنهم قد حفلوا بهذه الرسالة فأسرفوا، وأنا قد عاتبناهم في ذلك ولمناهم عليه. فهم قد أزعجوا رئيسهم المريض في مصيفه فأبرقوا إليه بهذه الرسالة فيما قالت الصحف، واضطروه إلى أن يرد عليها ذلك الرد الذي لم يوفق فيه إلى شيء، لأن أعنة البيان قد أفلتت من يده التي أضعفها المرض. وهم قد اتصلوا بوزيرنا المفوض في لندرة فيما تقول الصحف أيضًا فطلبوا منه التوضيح والتبيين. ولعلهم سألوه المعونة والغوث، وهم قد أغروا بالرسالة صحفهم الصريحة والموالية، وهم قد خطبوا أمس فألحوا على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم سيخطبون اليوم أو غدًا وسيلحون على هذه الرسالة بالنقد والتفنيد، وهم بعد هذا كله لا يعنون بهذه الرسالة ولا يلتفتون إليها. ومن يدري؟ لعلهم موفقون في هذا أيضًا إلى الحق، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لفعلوا غير ما فعلوا، ولقالوا غير ما قالوا، ولأمر وزير التقاليد المدارس والجامعة ففتحت أبوابها وحشدت طلابها وأُلقيت فيها الدروس والمحاضرات في نقد هذه الرسالة وتكذيب ما جاء فيها من الأنباء، ولعلهم لو عنوا بهذه الرسالة حق العناية لأمروا الكتاب البارعين من أنصارهم أن يؤلفوا فيها الكتب والأسفار ينتقدونها وينقضونها ويفندونها ويرفضونها، ولرأينا كتبًا تذاع ورسائل تباع وأسفارًا تشاع فيها ما يستطاع وما لا يستطاع، وعليها مثل هذا العنوان «العدل والإنصاف في نقد مطاعن الديلي تلغراف» أو مثل «نحن لا نخاف من الديلي تلغراف» وما يشبه ذلك من العناوين.
فلنصدق سادتنا إذا قالوا ولنؤمن لهم إذا خطبوا، فهم لم يحفلوا حقًّا بهذه الرسالة، ولم يلتفتوا إليها، وأوضح دليل على ذلك أن وزير الأوقاف خطب فلم يذكر الأوقاف وإنما ذكر الديلي تلغراف، وأن وزير التقاليد خطب فلم يذكر الجامعة ونظامها، ولا المجمع اللغوي ولا التعليم الأولي، ولا البعثات وكتب المبعوثين، وإنما ذكر الديلي تلغراف.
نعم إن وزير التقاليد لم ينسَ التقاليد. وكيف ينساها ومتى استطاع وزير التقاليد أن ينسى نفسه؟ فالتقاليد جزء مقوم لوزير التقاليد. ولقد كان موفقًا توفيقًا يحسده عليه زملاؤه جميعًا، وأولهم الرئيس، رئيس الوزراء بالطبع، فقد سحق بعض خصومه سحقًا، ومحقهم محقًا وازدراهم ازدراءً، ولم يدع سبيلًا إلى حمايتهم أو الذود عنهم. انظر إليه كيف استكشف العميق الضخم الهائل المائل، وهو أن بعض الذين يخاصمونه لا يرعون التقاليد، يكتبون عن النبي «صلعم» فيذكرون اسمه الشريف دون أن يقدموا بين يديه بسيدنا، ودون أن يعقبوا عليه بالصلاة والسلام. إذا ذكروا أسماءهم هم أحاطوها بما لهم من الرتب والألقاب، فهم إذن يؤثرون أنفسهم بالتعظيم والتكريم. ماذا؟ أراك تقرأ وتبتسم، ثم لا تلبث أن تثب إعجابًا ولا تسجد إعظامًا، ولا تصفق من الطرب، ولا تجد في الهرب. وأرى الذين من حولك يقرأون ويسمعون، ثم يعرضون أو يبتسمون. ماذا؟ إنما أنت أيها القارئ وأصحابك ناس من أهل القرن العشرين، لا تعيشون إلا في هذا القرن، ولا تفهمون إلا ما يلائم هذا القرن. فأنتم معذورون لأن وزير التقاليد قد جاء قبل أوانه، وظهر قبل إبانه، وكان حقه أن يجيء بعد قرن أو قرنين ليفهمه الناس ويقدروه. أما أنتم فمتأخرون، لا تستطيعون له فهمًا، ولا تحسنون له قدرًا. أنتم كغيركم من الناس لا تزالون تظنون أن ذكر أسماء العظماء كما هي مطلقة مجردة من الألقاب هو أبلغ أنواع التعظيم، وأرق أنواع التكريم. هذا كلام قديم تفهمونه أنتم. أما شيخ المعلمين ورئيس الجامعة الأعلى ومنشئ المجمع اللغوي فله في هذا مذهب غير مذهبكم، ولا عليه إذا لم تفهموا فسيفهمه قوم آخرون جاءوا منذ قرون، أو سيجيئون بعد قرون.
فأنت ترى أن وزير التقاليد كان فارغ البال بعض الشيء، وقف عند «الديلي تلغراف» فأطال الوقوف، ولكنه وقف عند التقاليد فأمتع وأبدع وأفزع وروع، وهدم الحصون والقلاع، وأطرب الأنصار والأتباع، فاللهم بارك لمصر في شيخ معلميها وإمام مؤدبيها وزعيم التقاليد فيها.
وأنت مخطئ كل الخطأ إن ظننت أن الحيرة مقصورة على الوزراء وأنصار الوزراء من الذين يخطبون ويستمعون للخطب، فللوزراء صحف تنشر الفصول الطوال في الخصام والجدال. وهذه الصحف مرآة للوزراء، تظهر فيها نفوسهم وقلوبهم، وتظهر فيها أشكالهم وألوانهم. وفي هذه الصحف حيرة يا لها من حيرة وارتباك يا له من ارتباك. فأما صحيفة «الشعب» فقد ظهرت اليوم فزعة جزعة يائسة بائسة، تنكر أن تكون في مصر حكومة وترى أن لو كانت في مصر حكومة حقًّا لعرفت كيف تحكم. فهذه ألمانيا تهيئ القوانين التي تقضي بالموت على الذين يخاصمون هتلر، أو يفكرون في خصومته، وتنشئ المحاكم الخاصة لتقضي بالموت على هؤلاء الخصوم. وصحيفة «الشعب» كريمة رحيمة، لا تريد لخصوم الوزارة موتًا ولا قضاءً بالموت، وإنما تريد أن تشرع لهم قوانين خاصة فيها عقوبات أشد جدًّا من هذه المحاكم التي ألفوها، وأن تغير في قانون تحقيق الجنايات هذه الإجراءات التي تحول دون الإسراع في البأس، والإلحاح في البطش. فإذا لم تفعل الحكومة هذا فليست حكومة. واحذر أن تنسى أن الوزارة قوية كل القوة، عزيزة كل العزة، منيعة كل المناعة. ولولا ذلك لما أعلن أنصارها أنها مفلسة كل الإفلاس إذ لم تشرع هذه القوانين الاستثنائية، ولم تأخذ الناس بمثل ما يريد هتلر أن يأخذهم به من ضروب الظلم والطغيان.
وأما صحيفة «الاتحاد» فمعتدلة جدًّا، متواضعة جدًّا، مقتصدة جدًّا، لا تطلب الاستثناءات ولا تغيير الإجراءات، ولكنها ترى هيئة كبار العلماء في خطر، لأن الناس ينقدونها ويقولون فيها غير ما تحب. وإذن فماذا تصنع النيابة؟ وماذا تصنع الوزارة؟ وكيف يُحمى الدين من المبشرين إذا لم يحمِ رجال الدين من الناقدين؟
نعم هذه حال الوزارة وأنصارها. خوف من «الديلي تلغراف» يبلغ الفزع، وخوف من المعارضة في مصر يبلغ الجزع. والتجاء إلى الاستثناء واعتراف بأن القوانين القائمة على شدتها وصرامتها لا تكفي لإقرار الوزراء على كراسيهم. والوزارة بعد ذلك قوية كل القوة وعزيزة كل العزة ومنيعة كل المناعة. فإن استطعت أن تفهم هذا كله، وتلائم بين ما فيه من التناقض والاضطراب فأنت رجل ذكي، وإلا فإن الله قد ابتلى كثيرًا من الناس بالغفلة والغباء.
كوكب الشرق في ٢٨ – ٧ – ١٩٣٣ -
شكوى
شكوى
أشكوى أم دفاع هذا الكلام الذي أرسله رئيس الوزراء من مصيفه إلى جريدة الديلي تلغراف، والذي أذاعته الصحف المصرية منذ أمس ففيه روح الشكوى، وفيه روح الدفاع. وهو على كل حال لا يلائم المركز القوي العزيز، والمنزل المنيع الرفيع الذي يحتله رئيس الوزراء، ولا بد أن تكون هناك ضرورة ملحة أكرهت رئيس الوزراء على أن يكتب هذا الكلام مع أنه قد ذهب إلى مصيفه ليستريح، قد تكون هذه الضرورة سياسية ولكنها ضرورة على كل حال.
فالأصل أن رؤساء الوزارات لا يفرغون لمناقشة الصحف مهما تكن ومكاتبيها مهما يكونوا. وإنما يناقشون أندادهم وأمثالهم وأقرانهم من رؤساء الوزارات وزعماء الشعوب وقادة الرأي وأقطاب السياسة، فإذا نشرت الصحف شيئًا لا يوافق الحق أو لا يوافق رضا رؤساء الوزارات فإن للرد على هذه الصحف طريقًا أخرى غير التي سلكها رئيس وزرائنا، فهناك الإيعاز إلى مكاتبي الصحف ومخبريها ببيانات شبيهة بالرسمية كما يقولون، فيها الرد الذي يراد إذاعته. وهناك البلاغات الرسمية تصدرها السلطة المركزية في العاصمة، أو تصدرها المفوضية أو السفارة في البلد الأجنبي. فأما رئيس الوزراء فإنه يجب أن يكون آخر من يتكلم. وإذا لم يكن له بد من الكلام فإنه لا يتكلم بهذه الطريقة المباشرة، وإنما يدعو إليه من الصحفيين ورجال الإذاعة من يسأله عما قيل فيجيب رئيس الوزراء بما يريد.
هذه – فيما نعلم ويعلم الناس – هي التقاليد التي يحرص عليها رؤساء الوزارات، احتفاظًا بما لوزاراتهم، بل بما لدولهم من هيبة وبما ينبغي للوزارات وللدول من كرامة ترتفع بها عن التنزل إلى مثل هذه المناقشات. ولكن مكاتب الديلي تلغراف فيما يذكر القراء قد زعم أن الوزارة القائمة أضاعت هيبتها، وزعزعت رأي الناس فيها وتقديرهم لها. والظاهر أن رئيس الوزراء أراد أن يرد على مكاتب الديلي تلغراف فأبى إلا أن يقدم إليه حجة واضحة على أنه لم يخطئ كثيرًا حين زعم أن الوزارة القائمة لم ترع هيبتها حق الرعاية. ولعل الذين يرقبون مواقف صدق باشا من آراء المراكز السياسية في لندرة يلاحظون أنه منذ مرض قد أصبح حساسًا، دقيق الحس بإزاء هذه الآراء، يثيره كل شيء، ويدفعه كل شيء لا إلى الكلام، بل إلى العمل والاضطراب في العمل.
فالقراء يذكرون – من غير شك – قصة الرسالة البرقية التي أرسلت إلى البلاغ فنشرتها الأهرام، واضطربت لها الوزارة وقال فيها رئيس الوزراء بلندرة ثم نفى هذا الاتصال. وتحدث فيها رئيس الوزراء إلى زملائه سرًا فأذاعوا الحديث فنفاه رئيس الوزراء، فتحدته الأهرام فاضطر رئيس الوزراء إلى السكوت.
القراء يذكرون هذا من غير شك، ويقدرون أن الضعف الذي اضطر المرض إليه رئيس وزرائنا هو الذي يحتمل تبعة هذا الإسراع إلى القول والحركة حين يحسن الصمت والسكون. وقد نشرت الصحف أن الوزارة هنا لم تكد تظهر على هذه الرسالة التي نشرتها الديلي تلغراف حتى أظهرت بها عناية شديدة، وأسرعت إلى رئيس الوزراء الذي يصطاف ويستشفي ويستريح فأنبأته بهذه الرسالة ولعلها قد صورت له موقفها من نفوس الوزراء والبيئات الوزارية، ولعل هذا التصوير كان معتدلًا، ولعله كان مبالغًا فيه، وهو على كل حال قد أقلق رئيس الوزراء واضطره إلى أن يخرج عن الراحة وإلى أن يخرج عن الصمت والسكون.
فالوزارة هنا خليقة ببعض العتب لأنها أزعجت رئيسها المتعب وأخرجته عما ينبغي له من الراحة والهدوء. والوزارة هنا خليقة ببعض اللوم لأنها حين لجأت إلى رئيسها قد اضطرته إلى أن يقدم لمكاتب الديلي تلغراف حجة واضحة على ضعف الوزارة حين يغيب عنها رئيسها، ولولا ذلك لما شكت إليه من مكاتب الديلي تلغراف، وعلى ضعف الوزارة حتى حين يشترك رئيسها في العمل بعد مرضه، ولولا ذلك لما أسرع الرئيس فرد بنفسه على مكاتب الديلي تلغراف.
من حق أصدقاء صدق باشا وخصومه معًا أن يلاحظوا أن الوزارة قد أسرفت على نفسها حين لجأت إلى رئيسها المستريح واضطرته إلى هذا الرد. فلو أنها أعفته من ذلك وعنيت هي بهذا الرد لكان من الممكن أن توفق إلى خير مما قاله الرئيس، لأن أعضاءها المقيمين في مصر أصحاء بحمد الله، قد وفر الله عليهم أسباب القوة والنشاط، وإتقان المناقشة والتفكير. فلو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد لتجنبت – فيما نرجح – أن يذكر العدل والإنصاف.
الوزارة القوية العزيزة المستقلة الكريمة ليست في حاجة إلى أن تذكر صحيفة أجنبية حتى وإن كانت إنجليزية، حتى وإن كانت الديلي تلغراف بالعدل ولا بالإنصاف. وليست محتاجة إلى أن تطلب إلى صحيفة أجنبية ما يستتبعه العدل والإنصاف من الرحمة والعطف، وإنما هي خليقة أن تنفي ما يقوله المكاتب الأجنبي في قوة وحزم، وفي عزة وإباء يشبه ما أظهره رئيس الوزراء في رده التاريخي على المستر مكدونالد حين طوعت له نفسه أن يدخل في شؤون مصر، فرده رئيس الوزراء بجوابه التاريخي المعروف على عقبيه، واضطره إلى السكوت. ولو قد كتبت الوزارة نفسها هذا الرد بنفسها لم تحتج إلى أن تؤكد كما أكد صدق باشا أن مصر هادئة مطمئنة وأنه هو مطمئن إلى هذا الهدوء والاطمئنان. فإن اهتمامه على مرضه وبعده وإقامته في دار الغربة بالرد على رسالة لمكاتب أجنبي لا يدل على أنه هو مطمئن أو هادئ البال.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لفكرت كثيرًا قبل أن تذكر الهدوء فإن الوزارة التي تذكر الهدوء والاستقرار لا تلغي إجازات المأمورين ورؤساء الشرطة طول الصيف، ولا تدرب الشرطة على قمع المظاهرات جهرة ولا تحاصر البيوت ولا تصد عنها الزائرين ولا توكل حراسًا ببيت النقراشي يتعاقبون حوله، فريق بالليل وفريق بالنهار. والوزارة تعلم حق العلم أن عين الإنجليز مفتوحة ترى وأن أذن الإنجليز مفتوحة تسمع وأن المستر «كين بويد» عالم بهذا كله من كثب.
ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لاحتاطت وبالغت في الاحتياط قبل أن تذكر حسن بلائها في تخفيف الأزمة وكشف الضر عن الفلاحين، فهي تعلم والإنجليز يعلمون معها أن الفلاحين لم يكشف عنهم ضر، ولم يرفع عنهم أذى، وإنما أموالهم تحتجز، وماشيتهم تباع، والجوع يرصد لهم في الليل والنهار. وفي كل مكان. ولو قد كتبت الوزارة هذا الرد بنفسها لما تورطت في هذا التناقض الذي اضطر إليه رئيس الوزراء بحكم التعب والضعف فزعم أن غيابه وحضوره سواء، لا أثر لهما في السياسة المصرية، فإن هذا الكلام إقرار من رئيس الوزراء أن بقاءه في الحكم عبث من العبث، وفن من فنون الاستئثار بالحكم للحكم، لا لشيء آخر، وإلا فما دام حضوره وغيابه سواء وهو مريض، فماله لا يستقيل؟ وما دام أي إنسان غيره قادر على أن يصرف أمور الحكم فماله يشق على نفسه وعلى الناس؟ ولو قد كتبت الوزارة بنفسها هذا الرد لما ذكرت ما ذكره رئيس الوزراء عن الوفد، ولما ذهبت إلى ما ذهب إليه رئيس الوزراء من الغلو الذي لا يدعو إلى الإغراق في الضحك، وإنما يدعو إلى الابتسام الخفيف حين زعم لجريدة الديلي تلغراف أن المصريين مجمعون على الإنكار لحكم الوفد والامتناع عن الرجوع إليه لأن حكم الوفد مصدر الفوضى والاضطراب. فهذا كلام يمكن أن يقال للصين، أي لتلك الشعوب المستوحشة في المجهول من أقطار الأرض. فأما الأوروبيون الذين يروننا ونراهم ويقرؤوننا ونقرؤهم ويزوروننا ونزورهم. فأما الإنجليز الذين يعلمون من أمرنا مثل ما نعلم أو أكثر مما نعلم فلا ينبغي أن يقال لهم شيء مثل هذا الكلام إلا أن يكون التعب هو الذي دعا إلى قوله أو أن يكون الحرج هو الذي اضطره إليه.
فأنت ترى أن الوزارة قد أسرفت على نفسها وعلى رئيس الوزراء حين أنبأته بهذه الرسالة، ولجأت إليه في أن يرفع عنها ضرها ويرد عنها شرها. أسرفت على نفسها وعلى الرئيس لأنها أتعبت الرئيس وهو في حاجة إلى الراحة، ولأنها اختارت محاميًا لا تمكنه صحته في هذه الأيام من أن يحسن الدفاع، لأنها عنيت بهذه الرسالة أكثر مما ينبغي وما قيمة هذه الرسالة وما قيمة كاتبها؟ وما قيمة الديلي تلغراف؟ وقيمة الإنجليز جميعًا ما دامت الوزارة مستمتعة كل الاستمتاع بثقة البرلمان ورضا حضرة صاحب الجلالة الملك؟ إن عناية الوزارة ورئيسها بهذه الرسالة تحدث في الآراء اضطرابًا أكثر جدًا من الاضطراب الذي تحدثه الرسالة نفسها. فهي تدفع الناس إلى أن يقول بعضهم لبعض: لولا أن هذه الرسالة تدل على شيء، وتنم عن سر، وتشير إلى أمور ذات بال لما اضطربت لها الوزارة ورئيسها، ولمَ خفقت أسلاك البرق والتليفون بين مصر وإنجلترا وفرنسا. وليس من منفعة الوزارة في شيء أن يقول الناس بعضهم لبعض مثل هذا الكلام، إنما المنفعة الصحيحة لوزارة في لقاء هذه الرسالة وأمثالها بالرزانة والصمت وعدم الاكتراث. ولكن أنى للوزارة بهذا كله ورئيسها مريض، وهو على مرضه بعيد يصطاف في ناحية من نواحي أوروبا.
اعترف بأني لم أحفل برسالة الديلي تلغراف إلا بعد أن علمت ورأيت أن الوزارة تعنى بها فتسرف في العناية وأن رئيس الوزراء يخرج لها عن صمته وراحته، ويعلن في آخره أنه يقدر صاحب الرسالة تقديرًا حسنًا، ولكنه يثق بأن عمله بعيد عن حسن النية، ومن يدري؟ لعل سوء النية هذا ليس ذنبًا لمكاتب الديلي تلغراف، وإنما هو ذنب الظروف السياسية التي تؤيد الوزارات أحيانًا فتغلو في التأييد وتخذل الوزارات أحيانًا فتغلو في الخذلان. وإذن فربما كان من العدل والإنصاف أن لا يشكو رئيس الوزراء مكاتب الديلي تلغراف إلى صحيفته، وإنما يشكو الظروف السياسية إلى الظروف السياسية، فهي التي تتقلب وتتبدل، وهي التي تدلي من الحكم وتقصي عنه، وهي التي تقرب البعيد وتبعد القريب، وهي التي قد تتكشف عما ينذر به مكاتب الديلي تلغراف إذا أقبل الخريف أو قبل أن يقبل الخريف.
كوكب الشرق ٢٣ — ٧ — ١٩٣٣