Tag: religion

  • المولد

    المولد
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا… والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام.
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف. لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهذه الهيئة…
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرًا ونكرًا وهولًا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادًا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع.
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضا حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أماني تداعب النفوس فتملأها رضا وابتهاجًا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابًا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة.
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوي حتى يعطي النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد إنشاؤها يتم حتى شبت الحرب في أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس في غير اكتراث، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبًا مباحًا للأقوياء. ويكفي أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا في الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة، غرباء في غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء. وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقي إليه بالها.
    ***
    ويكفي أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعوامًا متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس في حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغي الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئًا ولا تستطيع أن تصنع شيئًا، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء.
    ***
    وهي على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويًا. فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدًا. فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف، فالفرنسيون يشكون في الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين. والأمريكيون يشكون في أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير. وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس. فلم تصنع مما أنشئت له شيئًا.
    وما أكثر ما أنفقت الأمم في سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهي الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدًا وتدبر غدًا لتقبل بعد غد. ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة في أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك.
    فأما العدل الشامل الكامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف فما زال أملًا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب. وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبًا حقًا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير. واليوم يحتفل المسلمون في أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيمًا، قد مات أبوه قبل مولده، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره.
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئًا لأنه فعل أو قال. ولا لأنه غدًا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرًا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق. ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها. وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلًا جلدًا قادرًا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء.
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أي قوة ومضاء أي مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كرامًا تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم في الأمل. ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنًا ورضا وإيمانًا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارًا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار في أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير.
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة في بعضها ولا تمضي عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوًا فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا وكانوا يعيشون في جهالة جهلاء، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونورًا… وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن في التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضا الله عنهم إلا إذا أقاموها على العدل الذي لا يمتاز فيه قوي من ضعيف ولا غني من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف.
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور في جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام.
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانًا بعد أن ملئت نكرًا وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيمًا فأواه وضالًا فهداه وعائلًا فأغناه. ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقًا جديدًا.
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به في أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائمًا ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحًا ومُمسيًا ويقظان ونائمًا ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه القوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعًا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأي والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغي أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذي أو يشين.
    طه حسين
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥.

  • إلى أخي الزيات

    إلى أخي الزيات: الخيال العاقل
    تحية صديق مشارك في الحزن آمل في العزاء
    للدكتور طه حسين بك
    أعرفتَ قط خيالاً عاقلاً أيها الأخ العزيز؟ أما أنا فقد عرفته أمس، ولم أتكلف في معرفته مشقة ولا جهداً، ولم أنفق في البحث عنه قوة ولا وقتاً، بل لم أبحث عنه وإنما سعى إليّ، أو قل هممت أن أدعوه فاستجاب لي قبل الدعاء. ولكني لم أدعه لأعرفه؛ فإن عهدي به بعيد، بعيد جداً لا أكاد أذكر أوله، وإنما أعلم أنه رفيقي منذ بدأت أفكر، بل منذ استقبلت الحياة. ما أكثر ما زيّن لي الأشياء حتى كلفتُ بها ورغبتُ فيها، وما أكثر ما بغّض إليّ الأشياء حتى نفرتُ منها وضقتُ بها، وما أسرع ما اخترع لي أشياء لم أكن أعرفها ولا أقدرها، فإذا هي تملأ قلبي أملاً ورجاءً وتدفعني إلى العمل والنشاط، وإذا هي تملأ قلبي يأساً وقنوطاً وتدفعني إلى الفتور والخمود والانزواء.
    لقد خلق لي عالماً كاملاً بعيد الآماد، متنائي الأرجاء، مختلف الألوان، قضيت فيه أيام الصبا وما أكثر ما تمنيت أن أعود إليه. ثم خلق لي عالماً آخر ليس أقل من ذلك العالم سعة وتنوعاً واختلافاً، ولكنه مزاج من الجمال والقبح، ومن اللذة والألم، ومن اليأس والأمل، قضيت فيه أيام الشباب وما زلت أتمنى أن أعود إليه. ثم هو يرافقني الآن فيزين لي الحياة قليلاً، ويقبحها في نفسي كثيراً، ويحاول أن يخلق لي ما يسرّ، ويحاول أن يخلق لي ما يسوء، فأطيعه حيناً، وأعصيه أحياناً. ولكنه وفيّ لي دائماً كلما أردت استعانته على الكتابة والإنشاء؛ وأعترف أيها الأخ العزيز بأني كنت مقتصداً أشد الاقتصاد في الالتجاء إليه والاستعانة به؛ لأني أعرفه جريئاً مسرفاً في الجراءة، نشيطاً غالياً في النشاط، يخترع من الصور وفنون المعاني ما لا أطيق أن أعرضه على بيئاتنا الاجتماعية التي تقتصد في الاطمئنان إلى وحي الخيال.
    عرفته وفياً نشيطاً متأهباً دائماً للمعونة كلما دعوته أو فزعتُ إليه، مقدماً من هذه المعونة أكثر مما أسأله، وأعظم جداً مما أقترح عليه. وقد دعوته أمس فاستجاب لي مسرعاً غير مبطئ ولا متثاقل، بل أشهد لقد كان يكاد يتمزّق نشاطاً ومرحاً، ولقد كنت أتهيأ للكبح من جماحه والرد من نشاطه، وأخذه بكثير جداً من الأناة والقصد كما تعودت دائماً. ولكني لم أكد أعرض عليه ما كنت أريد أن يعينني على الأخذ فيه حتى كفكف من نشاطه، واتأد في غلوائه، وابتسم ابتسامة الهادئ المطمئن، وقال في صوت الراضي الرزين في غير عجز مؤلم ولا قصور موئس: (إليك عني فلست مما تريد في شيء).
    ذلك أني كنت أريده على أن يمدني بما أصور به فصلاً من حياة النبي الكريم في هذه الأيام التي يذكر فيها المسلمون أكبر حدث من أحداثهم، وأعظم عبرة من عبرهم، والتي يعود فيها المسلمون قروناً طوالاً من الزمان ليشهدوا ذلك اليوم العظيم الذي خرج فيه النبي وصديقه الصدّيق من مكة مهاجرين إلى الله بآمال ستفنى الزمان قبل أن تفنى، وإيمان سيزول هذا العالم قبل أن يدركه ضعف ويسعى إليه فتور، وثقة بنصر الله عاشت عليها الأجيال التي لا تُحصى، وستعيش عليها الأجيال التي لا تُحصى، وسيستمد المسلمون منها أبداً قوة على الجد والكد، واستقبال الحياة بما فيها من خير وشر، ومن حلو ومر، ومن محنة ونعمة.
    نعم، دعوته أيها الأخ العزيز إلى أن يلهمني بعض ما تعود أن يوحي إليّ من الصور، فأعرض في غير غضب، وامتنع في غير بخل، وألح في الإعراض والامتناع. فلما ألححت عليه تبينت منه الاستحياء وإيثار العافية، والضن بنفسه على ما لا يحسن، وتجنيبها ما لا يطيق. وإذا هو يقول لي في لهجة الهادئ المطمئن:
    "استعن بي فيما شئت، فقد عرفت قدرتي على الاختراع والابتكار، وحسن بلائي في لبس الحق بالباطل حتى يصبح زينة كله، ولكن من الحق ما هو أرفع من أن أسمو إليه مهما أكن قوي الجناح، وأوضح من أن أجليه مهما أكن قوي النور، وأسطع من أن أوضحه مهما أكن نافذاً بعيد الهم، وأنصح من أن أزينه مهما أكن ماهراً في اختراع الزينة وابتكار الجمال".

    ولئن حدثتك عن هذا الرجل الكامل لأحدثنك حديث العقل – أستغفر الله – فما يستطيع العقل أن يحدثك عنه كما يجب؛ لأنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه العقل، كما أنه أكرم وأرفع وأرقى من أن يبلغه الخيال. اجتهد في أن تتمثل ما أُتيح للناس أن يعرفوا من حياته، ثم انظر فيه واستمد منه فلست محتاجاً مع ذلك إلى معونة عقل أو خيال. انظر إلى الناحية الحزينة من حياته، واقصص على نفسك أطرافاً منها، فإن لم تملأ قلبك عبرة وعظمة وجمالاً وحباً وإكباراً دون استعانة بعقل أو خيال، فلست إنساناً ولست من الإنسانية في شيء.
    انظر إلى هذا الذي ذاق اليتم جنيناً، إن كان للأجنة أن يذوقوا المعاني والآلام، ثم لم يكد يستقبل الحياة ويتقدم في الصبا حتى ذاق اليتم مرة أخرى، ففقد أمه بعد أن فقد أباه. ثم لم يكد يتقدم خطوات أخرى في الصبا حتى ذاق اليتم مرة ثالثة ففقد جده بعد أن فقد أبويه. ثم ألحت عليه حياة فيها شدة وجهد، وفيها حرمان وفقر، وفيها ضيق وضنك، ثم تظاهرت هذه الآلام كلها على نفسه الكريمة الناشئة فلم تستطع أن تبلغها ولا أن تنال منها؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين هذه النفس المصفاة وبين البؤس والشقاء.
    ثم امضِ معه خارجاً من الصبا داخلاً في الشباب متقدماً فيه، فإذا الحياة كما هي شديدة شاقة ثقيلة ضيقة، ولكنه مبتسم الشباب كما كان مبتسم الصبا، وادع النفس رجلاً كما كان وادع النفس طفلاً. إنه يجدّ ويعمل، إنه يكدّ ويكدح، إن الحياة تبسم له أحياناً، إن الناس من حوله يحبونه ويقدرونه ويكبرونه ويثقون به، ويطمئنون إليه ويلتمسون به العافية والسلم، ويحكمونه فيما شجر بينهم من خلاف، فلا يعرضه ذلك لبطر ولا لأشر؛ لأن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوب حياة الناس من الأشر والبطر والغرور.
    ثم انظر إليه وقد اختاره الله لخير ما يؤثر به عبداً من عباده، وحمّله أثقل أمانة حمّلها أحداً من خلقه، فإذا هو يلقى هذا العبء الثقيل جلداً له، صبوراً عليه، ناهضاً به ماضياً فيه، لا يعرف كلالاً ولا ملالاً ولا فتوراً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين ما يشوه حياة الناس من الكلال والملال والفتور.
    ثم انظر إليه يذوق الثكل بعد أن ذاق اليتم، ويُمتحن في نفسه وسمعته، ويُمتحن في صحبه وأوّلي نصره، ويُمتحن في بنيه، ثم يُمتحن في زوجه التي جعلها الله له رحمة يسكن إليها ويعتز بها، ثم يُمتحن في دينه، ثم يُمتحن في كل شيء، ثم يُمتحن في كل إنسان. فإذا هو كما هو؛ باسم الكهولة كما كان باسم الشباب وكما كان باسم الصبا، لا يعرف الضعف ولا اليأس ولا هذا الاكتئاب العقيم إليه سبيلاً؛ لأن الله قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الضعف واليأس والاكتئاب العقيم.
    ثم انظر إليه وقد أنكر قومه وأنكره قومه، وقد ضاقت به مكة وضاق به ما حول مكة، وقد لقي المحن التي لا تُحتمل والمكروه الذي لا يُطاق، فلم يدركه نكول ولا استسلام، وإنما فُتحت له أبواب الأمل، وفرّج عنه تأييد الله له ما تضايق من الأمر، فإذا هو يهاجر إلى يثرب. أفتراه اطمأن فيها إلى الدعة ونعم فيها بالخفض واللين؟ كلا، ما هذه الحروب التي لا تنقضي، والتي يمتحنه الله فيها بالنصر حيناً وبغير النصر حيناً آخر؟ ما هذا الجهد الذي لا ينقضي؟ ما هذا الضيق الذي يضطره أحياناً إلى الجوع؟ ما هذه الخيانات تأتيه من المنافقين؟ ما هذه الخيانات تأتيه من حلفائه من يهود؟ ما هذا الموت يتخطف أعز أصحابه عليه وآثرهم عنده؟ أفتراه يئس لذلك أو ضعف عن احتماله، أو اضطره شيء من ذلك إلى أن يحيد عن طريقه المستقيمة قيد شعرة؟ كلا! لأن الله جعل نفسه الكريمة مضاءً كلها، وإباءً كلها، وصبراً كلها، وثقة بالله كلها.
    ثم انظر إليه وقد تقدمت به السن، ولم يبقَ له من بنيه وبناته إلا فاطمة رحمها الله، وإذا الأيام تبسم له، وإذا الأمل يشرق أمامه، وإذا المبشر ينبئه بأن الله قد رزقه غلاماً فيسميه باسم أبيه إبراهيم، وإذا قلبه مسرور محبور، وإذا هو يشرك المسلمين معه في سروره وحبوره فيبشرهم بما بُشّر به. ويجد المسلمون أن عينه قد قرّت فتقرّ عيونهم، وأن نفسه قد طابت فتطيب نفوسهم، وأن قلبه الكريم يتفتح للأمل فتتفتح قلوبهم للآمال. ولكن الله يأبى إلا أن يمتحنه شيخاً كما امتحنه صبياً وشاباً وكهلاً، وإذا إبراهيم يُنزع منه ولما يتمّ الرضاع. أفتراه جزع لذلك أو أدركه ما يدرك الشيوخ من وهن وضعف؟ كلا، إن الله قد قطع الأسباب بين نفسه المصفاة وبين الوهن والضعف، لم يتمّ إبراهيم رضاعه في الدنيا فسيتمه في الجنة.
    وانظر إلى أبيه وإنه ليسعى في جنازته محزوناً، ولكن حزن الكرام لا حزن اليائسين ولا حزن القانطين، وإنه ليقوم على قبره وإنه ليعنى بتسوية القبر وترويته وصب الماء عليه، وإنه لينصح المسلمين إذا عملوا عملاً أن يتموه وإن لم يكن لذلك غناء ظاهر؛ لأن من كمال العقل أن يحسن الرجل ما يعمل. ثم انظر إليه يعلن إلى ربه أنه راضٍ بقضائه، مذعن لأمره، مؤمن بحكمته، ويعلن إلى ابنه أنه محزون لفقده. ثم انظر إليه إن عينيه الكريمتين لتدمعان، وما يمنعه أن يبكي وإن البكاء ليتمّ مروءة الرجل أحياناً؟ ولكن انظر إليه، أترى شيئاً من حياته قد تغير؟ أترى شيئاً من رأيه في الحياة قد تغير؟ كلا، ما كان للأحداث في هذه الدنيا أن تغير نفساً هي أكبر من الدنيا!
    قلت لهذا الخيال:
    "ما رأيت كاليوم خيالاً عاقلاً رشيداً، إن في حديثك لعبرة لمن أراد أن يعتبر".
    قال:
    "وأي غرابة في أن يعقل الخيال ويرشد إذا تحدث عن محمد، وإن كان من طبعه الطموح والجموح؟".
    قلت:
    "لأنقلن حديثك هذا إلى صديق محزون جزع".
    قال:
    "انقله راشداً إلى صديقك وإلى كل محزون جزع، فما أرى أن مسلماً يتمثل حياة محمد من هذه الناحية من نواحيها ثم يعرف اليأس أو الجزع إلى قلبه سبيلاً".
    الرسالة ٣٠\٣\١٩٣٦

  • عدوان

    عدوان
    وليس هو بالعدوان الذي يقدم عليه الرجل الشجاع الجريء القادر على أن ينهض بالتبعات ويثبت لعظائم الأمور، وجلائل الأعمال. وإنما هو عدوان الرجل الضعيف الذي يشفق من الظل ويخاف من الخيال، ويرى في كل ما يحيط به، ومن يحيط به عفريتاً من الجن، أو شيطاناً من الإنس، يريد به الشر، ويدبر له الكيد، ويدفعه إلى المكروه.
    وليس هو بعدوان الرجل الذي يهيئه عمله للعدوان، أو يعرضه عمله للتورط في العدوان. وإنما هو عدوان الرجل الذي يجب أن يمنعه عمله عن كل إثم، وينهاه منصبه عن كل بغي، وترده الأخلاق عن كل ما فيه جور أو ظلم أو مخالفة عن أمر الله.
    نعم هو عدوان قوامه الضعف وخور الطبيعة، صدر عن رجل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه عدوان، بل لم يكن ينبغي أن يصدر عنه إلا البر الذي ليس فوقه بر، والخير الذي ليس فوقه خير. وصدر في ظروف ما كان ينبغي أن يشوبها شر، أو يكدر صفوها مكدر. وهذا العدوان الذي تتحدث السياسة صباح اليوم بأن شيخ الأزهر قد اقترفه، وتورط فيه، يوم تفضل حضرة صاحب الجلالة الملك فشرف كلية أصول الدين بزيارته الكريمة.
    فالسياسة تحدثنا أن جماعة من أبناء الأزهر هم من علماء التخصص أرادوا أن يستقبلوا مع الأزهريين حامي الأزهر وراعيه، وأن يشتركوا مع الأزهريين في الإعراب لحامي الأزهر وراعيه عن حبهم له، وشكرهم لنعمته المتصلة عليهم، وأملهم في أن ترقى إليهم عناية المليك ورعايته من خير إلى خير، ومن فوز إلى فوز، ومن إصلاح إلى إصلاح. فأبى عليهم الشيخ أن ينهضوا بهذا «الواجب»، وامتنع عليهم الشيخ أن يؤدوا هذا الشكر. وصدهم الشيخ عن أن يعلنوا مع إخوانهم وفاءهم وإخلاصهم لصاحب عرش مصر، وحامي الأزهر والأزهريين.
    وما علمنا قبل اليوم أن من الأعمال التي ينهض بها شيخ الأزهر وزعيم الرياسة الدينية العليا أن يمنع الناس من أداء الواجب، أو يصرف الناس عن النهوض بالحق، أو يذود الناس عن الاعتراف بالجميل لصاحب الجميل، ولاسيما حين يكون صاحب الجميل هو صاحب الجلالة المصرية الذي لا يدع سبيلاً إلا سلكها ليصلح من أمر الأزهر، ويبعث فيه القوة والحياة، ويرفع الأزهريين إلى حيث ينبغي أن يكونوا من حياة مصر العاملة الراقية.
    نعم ما علمنا قبل اليوم أن من أعمال شيخ الأزهر أن يحول بين الأزهريين وبين زائرهم العزيز عليهم، الكريم في نفوسهم، ومع ذلك فقد فعل شيخ الأزهر هذا، وتورط فيه إن كان ما تحدثت به السياسة صحيحاً. ولابد من أن يتبين أولو الأمر أصحيح ما تحدثت به السياسة، فيسأل الشيخ عنه، ويلام الشيخ فيه؟ أم غير صحيح ما تحدثت به السياسة فيعلن إلى الناس أن شيخ الأزهر، ورئيس هيئة كبار العلماء لم يمنع الأزهريين من أداء الواجب، ولم يصرفهم عن الاحتفال بالزيارة الملكية الكريية؟
    والسياسة تروي لنا أن شيخ الأزهر لم يكن قوياً في عدوانه، ولا شجاعاً في جوره! وإنما سلك إلى العدوان طريقاً يتنزه عنها رجال الدين، أو يجب أن يتنزه عنها رجال الدين! هي طريق الوشاية والسعادة واستعداء إدارة الأمن العام على هؤلاء الناس – أستغفر الله – على هؤلاء العلماء الأزهريين الذين يجب أن يحميهم الشيخ ويذود عنهم، ويحوطهم من سعاية الساعين، ووشاية الواشين.
    زعموا للسياسة أن الشيخ أنبأ إدارة الأمن العام بأن هؤلاء العلماء يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية، فسمعت إدارة الأمن العام للشيخ، ومن الحق عليها أن تسمع له في مثل هذه الأشياء، ثم أرسلت إلى هؤلاء الناس من روعهم في بيوتهم آخر الليل، وانتزعهم من بين أهلهم وأبنائهم، وساقهم في ظلمة الليل وهدوء الناس إلى حيث السؤال والجواب والتحقيق…! وأخذ عليهم العهود والمواثيق، ثم أطلقهم مع الصبح وبث حولهم العيون، ووكل بهم الأرصاد.
    ماذا؟ أحدث هذا كله حقاً؟ وكان مصدره شيخ الإسلام؟! وإذن فماذا ترك الشيخ لغيره من السعاة والوشاة، والذين يتربصون الدوائر بالناس، ويدبرون لهم الكيد بالليل والنهار؟ إحدى اثنتين: إما أن يكون هذا قد حدث من الشيخ، فلابد من سؤاله عنه، وأخذه به، فإن شيوخ الإسلام لم ينصبوا ليروعوا الآمنين، ويزعجوا المطمئنّين، ويقولوا في الناس بغير الحق. وإنما ينبغي أن يكونوا رسل أمن وسلام، ودعاة هدوء وطمأنينة، وحراصاً على الصدق والجد والإخلاص. وإن لم يكن هذا قد حدث فيجب أن يبين للناس ليعلم المسلمون أن الأزهر بريء من أن يكون وكراً من أوكار الكيد، ومكمناً من مكامن الساعين والواشين.
    يجب أن يعلم الناس جلية الأمر في هذا، فنحن نعلم أن التجاء الشيخ إلى إدارة الأمن العام كثير، وإنه كثير في غير طائل ولا جدوى. ويذكر أنه التجأ إلى إدارة الأمن العام في الصيف الماضي فكلفها من مصادرة الكتب والاعتداء على حرية العلم شراً ثقيلاً. ثم ظهر بعد ذلك أنه كان آثماً فيما فعل وأن إدارة الأمن العام كانت متورطة حين استجابت له وصدعت بأمره.
    يجب أن يعلم الناس جلية هذا الأمر، فقد يروعهم أن يكون بين الأزهريين – سواء فيهم العلماء والطلاب – من يفكر في أن يكدر صفو الزيارة الملكية للأزهر. فإذا كان الشيخ قد سعى حقاً بهؤلاء العلماء إلى إدارة الأمن العام فروعهم وأفزعهم، وبث عليهم العيون والأرصاد، وحال بينهم وبين الاشتراك في استقبال الزائر الكريم فلابد أن يعلم الناس نتيجة هذا التحقيق. أبين الأزهريين حقاً جماعة كانوا يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية للأزهر؟ ماذا أثبت التحقيق من أمر هؤلاء؟ وبماذا كان هؤلاء الناس يريدون أن يكدروا صفو الزيارة الملكية؟ أبشيء يبيحه القانون؟ فليس هناك تكدير للصفو إذن. أم بشيء ينكره القانون؟ فلم لم يسق هؤلاء الناس إلى حيث يسألون عما دبروا؟
    كل هذه أشياء يجب أن تعنى بها الحكومة، وأن تبين للناس جلية الأمر فيها. وأكبر الظن أن الأمر كله وهم وخوف من الظل وفزع من الخيال.
    لقد أنبئنا أن الشيخ كان مسرفاً في الخوف حتى انتهى به الإسراف إلى شيء لا يخلو من طرافة! فقد زعموا أنه لم يدع أستاذاً ولا مدرساً يقول بين يدي جلالة الملك شيئاً حتى اتفق معه على تهييء هذا الشيء، ثم قرأه وأنعم النظر فيه، وحذف منه وأضاف إليه، وجعل ما ألقى بين يدي صاحب الجلالة من الدروس أشبه بما يلقيه الممثلون في ملاعب التمثيل…! يحفظونه فيتقنون حفظه؛ وقد هيئ لهم من قبل، ثم يلقنونه فيحسنون إلقاءه. وإذن فلم يرَ جلالة الملك الأزهر كما هو في حقيقة الأمر، وكما يحب جلالة الملك أن يراه ليغتبط برقيه إن كان قد ارتقى، وليتفضل فيأمر بالإصلاح إن كان في حاجة إلى الإصلاح. وإنما رأى جلالة الملك الأزهر كما هيأه له الشيخ وأعوان الشيخ. ولعل ما رآه جلالة الملك أبعد الأشياء عن تصوير الأزهر على الوجه الصحيح.
    أنصح هذا لولي الأمر أم غش؟ أجد هذا أم هزل؟ ومع ذلك فقد أنبئنا أنه كان، وكذلك تقدم إلى الزائر الكريم صور ليس وراءها شيء. ويتقدم الشيخ بين يدي الزيارة بإغراء إدارة الأمن العام بجماعة من العلماء تروعهم وتفزعهم وتغري بهم العيون والأرصاد.
    ويقال بعد ذلك أننا نعيش في القرن العشرين، وفي ظل الدستور والنظام، وفي جو إسلامي خالص صفو بريء من الكيد، بريء من الغش بريء من التدليس.
    كل شيء ممكن في مصر حتى أن يسعى شيوخ الأزهر بعلماء الأزهر إلى إدارة الأمن العام…!
    كوكب الشرق في ٤ – ٤ – ١٩٣٣، عدد ٢٣٥٤.

  • حظوظ

    حديث الوادي حظوظ . . .
    لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.

    هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.

    لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.

    فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:

    صدّت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!

    فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.

    أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.

    أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
    ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.

    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.

  • من حديث الشهداء

    من حديث الشهداء
    للدكتور طه حسين

    لم يذكروا في تلك الليلة ماضيهم الحلو، وحاضرهم المر، ويستمتعون فيها عن أوطانهم تلك النائية التي كانوا ينعمون فيها بلذات الحياة، ويستمتعون فيها بخفض العيش، ويسيرون سيرة الأحرار لا يعرفون لأحد غير قيصر وعماله عليهم سلطاناً، وقد يعرف لهم غيرهم كثيراً من السلطان والبأس، وقد يقدم إليهم غيرهم كثيراً من آيات الطاعة والإذعان.
    ولم يسمروا بهذه الأحاديث التي تعودوا أن يسمروا بها إذا فرغوا من أعمالهم وانصرفوا إلى راحتهم ولقي بعضهم بعضاً حين ينقضي النهار ويتقدم الليل، والتي كانوا يستعيدون بها حياتهم تلك الجميلة المشرقة، ويستحضرون بها مواطن لذاتهم ونعيمهم؛ هناك حيث لا يشتد القيظ حتى ينضج الجلود ويصهر الأجسام، وحيث لا تقع العين على الجبال الجرد والوهاد المقفرة، وحيث لا تضيق الأرض بالناس ولا يضيق الناس بالأرض، وحيث يستقبل الناس أيامهم راضين باسمين، ويستقبلون لياليهم لاهين عابثين.
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به من ذكر الفاتنات المفتونات اللاتي كنّ يحولن حياتهم أحلاماً ويجعلن جدهم لعباً، ويسرين عنهم كل همّ، ويغرن بهم كل نعيم؛ يخلبنهم باللفظ واللحظ، ويعذبنهم بالذل والتيه، ويسعدنهم بالقرب والوصل. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بأحاديث قيصر وقصره، ولا بأنباء الحاكم وحاشيته، ولا بقصص الحرب بين الفرس والروم؛ وأين هم الآن من قيصر وقسطنطينية؟ وأين هم الآن من تلك الثغور الباسمة القوية التي كانت تبسم لأهلها كأنها الجنات، وتعبس لأعدائها كأنها الجحيم؟ وأين هم الآن من الفرس والروم؟ وأين تكون مكة من ميادين الحرب بين الفرس والروم؟
    كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث ساداتهم ومواليهم، ومما كان يتصل بينهم من التنافس والجهاد، ومما كان يدبّر بينهم من الكيد والمكر، ومما كان يجتمع لهم من الغنى والثراء، ومما كان يلمّ بهم من الحوادث والخطوب. كلا، ولم يسمروا في تلك الليلة بما كانوا يسمرون به أحياناً من أحاديث هذه القوافل التي تفصل من مكة إلى الشام فتمضي معها نفوسهم تسايرها في تلك الطرق البغيضة التي يذكرون طولها وثقلها حين قطعوها عناة أذلاء يُساقون إلى مكة عبيداً أرقاء، والتي كانت تعود إلى مكة قافلة من الشام تحمل من أرض قيصر أنباءً مختلطة وأحاديث مشوهة مضطربة، ولكنهم كانوا يتلقفونها ثم يتناولونها بالتأليف والتصنيف، وبالتحليل والترتيب، حتى يكونوا منها شيئاً مستقيماً أو كالمستقيم؛ ثم يتخذون منه علماً بأمور أوطانهم تلك التي لم يبقَ لهم إليها سبيل.
    كلا، لم يسمروا في تلك الليلة بشيء من هذا؛ لأن أحاديث مكة شغلتهم عن كل هذا، وما لها لا تشغلهم وصاحبهم نسطاس قد اشترك فيها وأثار كثيراً منها، وها هو ذا قد اتخذ مكانه بينهم كئيباً كاسف البال، محزوناً بادي الحزن، قد اضطربت نفسه أشد اضطراب. وهو يتحدث إليهم في صوت متقطع مظلم كأنما أسبغ الحزن والندم واليأس عليه ظلمة كثيفة متراكمة لا تنكشف عن شيء.
    وما له لا يكتئب ولا يبتئس، وما له لا يحزن ولا يندم، وما له لا يفزع ولا يجزع، وقد سفكت يده المسيحية دماً بريئاً ولما ينتصف النهار؟ أو كان هؤلاء النفر جماعة من نصارى الروم دُفعوا إلى بعض أطراف الصحراء وعدت عليهم بعض القوافل فاتخذتهم تجارة، وتقلبت بهم ظروف الرق حتى انتهوا إلى ملك جماعة من سادة قريش. وكان نسطاس أنقاهم ضميراً، وأصفاهم قلباً، وأعظمهم حظاً من الدين؛ وكان لهذا كله أصبرهم على ما ألمّ به من كرب، وأحسنهم احتمالاً لما سُلط عليه من محنة، ورضي بهذه النكبة التي كان ينظر إليها على أنها اختبار له، وابتلاء لإيمانه، وامتحان لثقته، وتهيئة لنفسه لتحيا حياة السعداء إذا انقضت إقامتها في هذا العالم الشقي البغيض.
    ولكنه أظهر في تلك الليلة غير ما تعود أن يظهر لأصحابه من الجلد والصبر، ومن الإباء والاحتمال؛ وهم يعذلونه ويرفقون به في العزاء، وهم يلومونه ويعنفون عليه في اللوم، وهم يأتون نفسه من جميع أنحائها يريدون أن يصرفوها عن هذا الحزن العميق، وأن يصرفوا عنها بعض الهم الثقيل، ولكنهم لا يبلغون منه شيئاً ولا يزيدونه إلا إغراقاً في الحزن وغلواً في اليأس. وربما بلغوا بأحاديثهم قرارة نفسه فأثروها ودفعوه إلى الحديث، فإذا هو يتكلم بكلام تقطعه العبرات وتبلله الدموع.
    وكان نسطاس ملكاً لصفوان بن أمية، وكان قد أنفذ في ذلك اليوم أمره في أسير من أسرى الأنصار يقال له زيد بن الدثنة؛ دفعه إلى صفوان وأمره أن يخرج به من الحرم، حتى إذا بلغ به التنعيم قتله ثم عاد. ولم يكن مثل هذا العمل يُحبَّب إلى نسطاس، ولكن لم يكن خليقاً أن يدفعه إلى مثل هذا اليأس المهلك لولا أنه عرف من أمر أسيره وصريعه، ومن أمر أصحابه ما عرف، ولولا أنه رأى من أمر زيد ما رأى، وسمع من أمر خبيب ما سمع، وانتهت إليه أحاديث أولئك الذين أدركهم الموت قبل أن يحملهم إلى مكة ويبيعهم لقريش غدرُ الغادرين من هذيل.
    ولكنه عرف ما عرف، ورأى ما رأى، وسمع ما سمع؛ فذكر أموراً كان يقرأها في الكتب، وأحداثاً كان يهلع لها حين يسمع أنباءها من الوعاظ. ذكر أولئك الشهداء الذين قُتلوا في المسيحية تقتيلاً، والذين امتُحنوا بما كتب الله عليهم من ضروب المحن وفنون الكيد فلم تضعف نفوسهم ولم تهن عزائمهم ولم يفرطوا في دينهم ولم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً. ذكر أولئك الشهداء الذين أقاموا مجد المسيحية على أشلائهم وغذوه بدمائهم، وقووه بضعفهم، وأعزوه بما احتملوا في سبيله من الذل، وأيدوه بما لقوا في سبيله من الأذى والآلام. ذكر أولئك الشهداء الذين كان يكبرهم ويجلهم، ويرى أنهم شفعاؤه وشفعاء أمثاله عند الله، وأنهم قدوته الصالحة وأسوته الحسنة ومثله الأعلى، وأنه أسعد الناس لو استطاع أن يظفر ببعض ما ظفروا به من عذاب الدنيا ونعيم الآخرة، ومن ذل الدنيا وعز الآخرة، ومن هذا الموت الهين السريع الذي تتبعه حياة باقية سعيدة متصلة لا حد لما فيها من نعيم.
    ذكر هؤلاء الشهداء وذكر أنه لم يزد حين أطاع أمر مولاه صفوان على أن قتل واحداً منهم، واقترف ذلك الإثم الذي اقترفه الظالمون الذين اضطهدوا الشهداء وفتنوهم، ثم قدموهم قرباناً إلى آلهتهم وأوثانهم في الزمن القديم. هنالك اضطربت نفسه اضطراباً، وزُلزل قلبه زلزالاً، ورأى حياته كلها وقد استحالت إلى شر منكر، ورأى ما قدم من الخير وقد استحال إلى فساد، ورأى ما احتمل من الآلام وقد أصبح هباءً. وهنالك ملك الندم عليه أمره، وملأ اليأس عليه قلبه، وعجز أصحابه عن أن يمسوا نفسه بما كانوا يقدمون إليه من تسلية أو عزاء.
    على أنه لم يكن يحس في نفسه شيئاً من الموجدة على مولاه صفوان، ولم يكن يضمر شيئاً من البغض، إنما كانت موجودته كلها وحقده كله قسمة بين نفسه وبين امرأة من قريش، وهي سلافة بنت سعيد بن سهم زوج طلحة بن عبد الله بن عبد العزى. كان واجداً على نفسه أشد الموجدة، مبغضاً لها أشد البغض لأنها أثمت بقتل هذا الرجل الشهيد، وكان حانقاً على سلافة حاقداً عليها لأنها هي أصل هذا الشر، ومصدر هذا الإثم، ومنشأ هذا البلاء. وكان يقول لأصحابه:
    "لولا أن هذه المرأة الآثمة نذرت ما نذرت، وأذاعت ما أذاعت في أهل البادية، لما دُفع صفوان إلى ما دُفع إليه، ولما ظفر صفوان بما ظفر به، ولما اشترى أسيره، ولما أنفذتُ أمره فيه".
    قال أصحابه:
    "وما نذر سلافة وماذا أذاعت في الأعراب؟".
    قال:
    "أتذكرون يوم حشدت قريش لحرب صاحبها في يثرب كيف كان أشراف مكة موتورين يأكل قلوبهم الغيظ، وتملأ نفوسهم الحفيظة، وتضطرب أمامهم أشباح الخزي؛ يذكرون هزيمتهم حين لقوا صاحبهم لأول مرة ففعل بهم الأفاعيل، وترك من أشرافهم صرعى لم يثوبوا إلى أهلهم ولم يستمتعوا بتجارتهم تلك الرابحة التي أنقذها أبو سفيان؟ ويشفقون أن يتراءى لهم الموت فلا يثبتوا له ولا يقدروا على النظر إليه فيفروا منهزمين كما فروا من قبل، ويتركوا صرعى من أشرافهم كما تركوا مثلهم من قبل. هنالك أجمعوا أمرهم على أن يتقووا بالنساء ويتقوا بهن الهزيمة والعار، فاختاروا منهن أعلاهن قدراً وأرفعهن شأناً وأنبههن ذكراً وأقدرهن على دفع الرجال إلى غمرات الموت. وكانت سلافة بين هؤلاء النساء؛ خرجت مع زوجها وبنيها الثلاثة، وعادت مع المنتصرين أيّما ثكلى قد فقدت زوجها وفقدت بنيها.
    ثم سكت نسطاس كأنما يستحضر هولاً يروع النفوس ويخلع القلوب، ثم عاد إلى حديثه في صوت هادئ بعيد فقال:
    "إن كانت لوقعة مروعة حقاً تلك التي كانت عند يثرب. لقد عادت قريش تتحدث بالأعاجيب، لقد عادت تتحدث بالإخوان يسعى بعضهم إلى بعض بالموت، لقد عادت تتحدث بالأمهات يدفعن أبناءهن إلى أن يقتل الرجل منهم أخاه. لقد عادت تتحدث بأم مصعب فما كان لها أن تظهر عليه حزناً أو جزعاً لأنه كان من خصوم قريش وأصحاب محمد. لقد عادت قريش منتصرة تتحدث بأمر سلافة هذه وقد فقدت زوجها وتلقت ابنيها أحدهما بعد صاحبه يبلغها وقد أصابه السهم، فتضع رأسه على حجرها وتسأله: يا بني مَن أصابك؟ فيقول: ما أدري، ولكن سمعت قائلاً يقول: خذها وأنا ابن الأفلح، ثم أصابني السهم. يقول ذلك ثم يجود بنفسه بين ذراعيها. هنالك نذرت سلافة لئن قدرت على قاتل ابنيها لتشربن في قحف رأسه الخمر، وهنالك أذاعت في أهل البادية وأعراب الحجاز أن مَن جاءها برأس ابن الأفلح هذا فله مائة من الإبل. هذا أصل الشر وهذا مصدر البلاء".
    قال قائل:
    "وأي شيء لا يفعله الأعراب في سبيل جزور فضلاً عن عشرة من الإبل، فضلاً عن مائة من الإبل؟".
    قال نسطاس:
    "والغدر أيسر ما يفعله الأعراب ليبلغوا أيسر من هذا المال. أقبل جماعة من هذيل على صاحب يثرب فزعموا له أنهم قد آمنوا به وأسلموا له، وأن دينه قد فشا فيهم، وسألوه أن يرسل معهم مَن يفقههم في الدين ويعلمهم شرائعه. يظهرون الإخلاص ويضمرون الغدر، لا يبتغون إلا أن يظفروا بنفر من أهل يثرب يبيعونهم من قريش لتصيب بهم ثأراً وليصيبوا بهم مالاً. ويريد الله لأمر قضاه أن يختار نبي يثرب ستة من أصحابه وأن يؤمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي كانت تبتغيه سلافة، وأن يرسل هؤلاء النفر من أصحابه مع أولئك الغادرين. فما هي إلا أن يقربوا من مكة حتى يظهر الخفي ويصرح الشر ويتبين الغدر. وإذا الذين كانوا يعلنون إيمانهم يستصرخون فيأتيهم الصريخ من هذيل، وإذا أصحاب محمد يرون الغدر فينحازون إلى الجبل ويعاهدهم أعداؤهم على ألا يقتلوهم ولا يمسوهم بأذى إن هم ألقوا بأيديهم. فأما عاصم واثنان من أصحابه فيقسمون ألا ينزلوا على عهد كافر أبداً ويقاتلون حتى يُقتلوا، وأما الآخرون فيحبون الحياة ويلينون لها فيستأسرون، ولا يكادون يفعلون حتى يروا الغدر فيأبى أحدهم أن يتبع الغادرين وإذا هو مقتول، ويبقى الآخران أسيرين يُحملان إلى مكة ويُباعان فيها؛ فيشتري أحدهما صفوان ويأمرني به فأتم له ما قُدّر له من نعيم، ويتم لي ما قُدّر لي من شقاء".
    ثم يجهش نسطاس بالبكاء ويغرق فيه حيناً، ثم يعود إلى حديثه في صوته ذلك الهادئ البعيد فيقول:
    "لقد عرفتُ ورأيتُ من أنباء هؤلاء الناس ما لم أكن أقدر أن أعرف أو أرى. ولولا أن الشقاء مقضيّ عليّ ومقدور لي، لكان فيما عرفتُ قبل أن أقترف الإثم صارف لي عن اقترافه. وماذا كنتُ أخاف لو عصيتُ صفوان ولم أسفك هذا الدم الحرام؟ وأيهما أهون عليّ؟ وأيهما كان خليقاً أن أوثره؟ الموت بيد صفوان أم الشقاء الأبدي الذي دُفعتُ إليه؟ لقد فرحت هذيل بمقتل عاصم بن ثابت وقالت: مائة من الإبل تدفعها إلينا القرشية حين نأتيها بهذا الرأس، ثم أقبلوا إليه يريدون أن يحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ هذه ظلة من الدبر تقوم دونه فتحميه وتمنعهم أن يصلوا إليه، فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يأتي الليل فسنصرف عنه هذه الدبر وسيخلص لنا رأسه. حتى إذا كان الليل همّوا أن يسعوا إليه ليحتزوا رأسه؛ ولكن ماذا سمعتُ وماذا تسمعون؟ لم يبلغوه ولم يمسوه، وإنما أقبل السيل فاحتمله ومضى به إلى حيث لا تبلغه يد. ولقد حُدّثتُ أن هذا الرجل كان قد نذر ألا يمسّ كافراً ولا يمسه كافر، ولقد حُدّثتُ أنه لما امتنع على القوم فقاتلهم وقاتلوه، رفع صوته ضارعاً إلى ربه وهو يقول: اللهم إني قد حميتُ دينك أول النهار فاحمِ لحمي آخر النهار".
    ولما بكى نسطاس عند هذا الحديث لم يبكِ وحده، وإنما بكى معه أصحابه جميعاً بكاءً طويلاً، حتى إذا كفكفت عبرته وهدأ عنهم البكاء مضى في صمته، ولكنهم ألحّوا عليه أن يتم ما بدأ من الحديث فقال:
    "وبمَ تريدون أن أتحدث إليكم؟ لقد كنتُ أقرأ أخبار شهدائنا وأسمع أحاديثهم فأرهبها وأكبرها وأخافها وأرغب فيها وأود لو أني حييتُ في تلك الأيام التي كانت ترخص فيها الحياة ويغلو فيها الإيمان، وأود لو أني كنتُ واحداً من هؤلاء الناس الذين باعوا نفوسهم من الله؛ فقد أُتيح لي اليوم أن أعيش في بيئة الشهداء وأن أراهم وأتحدث إليهم وأسمع منهم، ولكني لم أبع نفسي من الله وإنما بعتها من الشيطان، ولم أسفك دمي في سبيل الله وإنما سفكتُ دم شهيد كريم. ولقد سمعتُ أبا سفيان زعيم قريش يسأله: أيّما أحب إليك؛ أن يكون محمد مكانك هذا وأن تكون أنت آمناً بين أهلك؟ فيجيبه: والله ما أحب أن تصيب محمداً شوكة تؤذيه وأنا آمن بين أهلي. فيقول أبو سفيان لمن حضر من أشراف قريش: ما رأيتُ أحداً يحب أحداً كما يحب هؤلاء الناس صاحبهم. ثم تمتد يدي الآثمة إلى هذه الحياة الطاهرة فنطفئ سراجها، وإلى هذا الدم الزكي فتسفكه على الأرض مخافة من غضب صفوان، يا للهول! لقد كنتُ أحسب أن صفوان لم يملك إلا جسمي وأن نفسي ما زالت حرة، فقد علمتُ الآن إني رقيق حقّاً، وقد علمتُ الآن أن سلطان السادة على الأرقاء قد يتجاوز الأجسام إلى النفوس، وقد علمتُ الآن أن الرجل الذي يرضى بالرق ولا يموت دون الحرية إنما يقتل نفسه قتلاً. لقد قتلتُ نفسي يوم آثرتُ الحياة وقبلتُ أن أكون سلعة في يد أولئك التجار".
    قال رجل من أصحابه:
    "إن كان صريعك هذا شهيداً كريماً، وما أراه إلا كذلك، فإن رفيقه الذي قتله بنو الحارث بن عامر لم يكن أقل منه كرامة، ولعل مصرعه أن يكون أشد من مصرع صاحبه ترويعاً للنفس وتمزيقاً للقلب؛ لم يبسطوا عليه بالشر يد مولى من مواليهم أو عبد من عبيدهم، وإنما كانوا ظماءً إلى دمه حراصاً على أن يخمدوا جذوته بأيديهم. خرج به جمعهم إلى التنعيم فلما أرادوا قتله استأذنهم في أن يتقرب إلى ربه بالصلاة قبل أن يخطو آخر خطواته في الحياة، فأذنوا له فصلى ركعتين، ثم قال لهم: لولا أني أخاف أن تظنوا بي الجزع لزدت. ثم ينهض إليه أحدهم فيقتله ويعودون عنه وإنهم ليتحدثون من أخلاقه وخصاله بما كان خليقاً أن يصرفهم عن قتله لولا أن قلوبهم قست فهي كالحجارة أو أشد قسوة. لقد كانوا يقولون إنهم جعلوا سجنه عند امرأة منهم، وأن هذه المرأة كانت تتحدث إليهم من أمره بالأعاجيب؛ كانت تراه مغلولاً يأكل من الفاكهة والثمر ما ليس لأهل مكة عهد به في مثل هذا الوقت، لا تدري كيف سيق إليه. ولقد أنبأتهم أنه حين أظله اليوم الذي كان يُراد قتله فيه طلب إليها موسى يتهيأ بها للموت، فأرسلتها إليه مع طفل صغير يدرج، ثم لم تلبث أن راعها ما فعلت، وأن امتلأ قلبها رعباً، وأن قالت لنفسها: ما يمنع هذا الأسير أن يقتل هذا الصبي فيثأر بنفسه قبل أن يدركه الموت؟ وأقبلت عليه مسرعة فإذا هو قد أجلس الطفل على فخذه وهو يداعبه ويلاعبه، وأكبر الظن أنه إنما كان يودع فيه طفلاً له بعيداً. فلما رأى المرأة مقبلة وقد أخذها الروع ابتسم لها ابتسامة الحزن، ونظر إلى الطفل نظرة الحب وقال للمرأة: أأشفقتِ على هذا الصبي من الغدر؟ ليس الغدر من أخلاقنا. أفمثل هذا الرجل كان خليقاً أن تقدمه قريش فتقتله لو أن قريشاً تعرف الحق، أو تقدر الخير، أو ترجو لله وقاراً، أو تحس في قلوبها أثراً من آثار الرحمة والبر؟".
    قال قائل منهم:
    "ما أرى إلا أن لهؤلاء الناس من أهل يثرب شأناً؛ فلو أنهم يقيمون أمرهم على شيء من باطل هذه الحياة الدنيا لما استقبلوه بهذا الحزم، ولما احتملوا في سبيله هذه الأهوال، ولما رخصت عليهم نفوسهم ودماؤهم وأموالهم وأهلهم إلى هذا الحد. والله إني لأسمع ما يقال وأرى ما يحدث فلا أشك في أن أهل هذه الأرض يستقبلون عصراً كذلك العصر الذي استقبله أهل بلادنا حين انبعث فيهم رسل المسيح. هذا الإيمان الذي زُيّن في بعض القلوب حتى زهدها في كل شيء، وهذا اليقين الذي سيطر على بعض النفوس حتى هون عليها كل شيء، هذه المعجزات التي تُساق إلى الناس في يسر وسذاجة وما كانوا ينتظرونها ولا يرجونها فلا تغرهم ولا تطغيهم ولا تدفعهم إلى أشر ولا بطر؛ كل هذا دليل واضح على أن السماء لم تقرب من الأرض قربها في هذه الأيام، وعلى أن أخبار السماء لم تتصل بالأرض اتصالها في هذه الأيام، وعلى أن الله يريد بالناس شيئاً لم نكن نقدر أنه كائن ولكنه أو أنه قد آن. أما إني لاحق بهؤلاء الناس إن استطعتُ إلى ذلك سبيلاً".
    قال الآخرون:
    "ما أيسر ذلك وما أعسره! وأين لمثلنا أن يفلت من سادة قريش؟ وإن مَن حول مكة من أهل البادية لأرصاداً على مَن أقبل من يثرب أو قصد إليها من الأحرار فكيف بالرقيق؟".
    قال نسطاس وهو ينتحب:
    "فكروا في ذلك ودبّروا، وتهيأوا لذلك واستعدوا؛ فأنتم أهل لهذه الكرامة إن كان الله قد قضاها لكم. أما أنا فقد كُتب عليّ الشقاء، وما أرى أن بحار الأرض لو سُلطت على التنعيم تستطيع أن تغسل عني أثر هذا الدم الزكي الذي سفكته هذه اليد الآثمة".
    ثم قام عنهم يعدو مشتداً في العدو، فلم يروا له بعد ذلك أثراً، ولم يسمعوا عنه بعد ذلك خبراً.
    الرسالة ٢٣ – ٤ – ١٩٣٤

  • محاضرة الآنسة مي

    محاضرة الآنسة مي
    لا أعرف شيئاً يحتاج إلى أن يقام عليه الدليل، وإلى أن يتكلف أصحاب المنطق والنظر له الحجج والبراهين، كالبديهيات التي يخيل إلى الناس أنها أوضح من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى دليل، وأبين من أن تحتاج إلى أن تكد في إثباتها العقول، وقد زعموا لنا أن بعض أصحاب الرياضة يشك في أوليات الرياضة، ومن يدري لعل شكهم هذا ينتهي إلى أن هذه الأوليات بعيدة كل البعد عن أن تكون من الأوليات!. كنت أفكر في هذا كله أمس، حين كنت أذهب إلى الجامعة الأمريكية، لأسمع للمحاضرة التي كانت الآنسة الجليلة (مي) تريد أن تلقيها، لأن موضوع هذه المحاضرة كان يدعو إلى مثل هذا التفكير، فقد زعموا لنا أن الآنسة كانت تريد أن تظهر فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، وأعترف بأني لم أشك في يوم من الأيام ولا في لحظة من اللحظات بأن للمرأة على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يجحد، كما أن للرجل على الحضارة الإنسانية فضلاً لا يتاح الشك فيه إلا لأمثال هؤلاء الرياضيين الذين لا يجزمون بأن الأربعة إذا قسمت على اثنين كانت نتيجة القسمة اثنين، وكنت أسأل نفسي عما تريد الآنسة (مي) أن تقول لتبين لنا فضل المرأة على الحضارة الإنسانية، فذلك شيء لا يحتاج إلى أن يقول فيه قائل، أو إلى أن يثبته مثبت، ولكن ما رأيك في أني سمعت المحاضرة، وانصرفت إلى داري وأنا أشك شكاً عظيماً في أن للمرأة فضلاً على الحضارة الإنسانية؟ وأسأل نفسي عما أرادت الآنسة (مي) إليه بمحاضرتها القيمة الممتعة، أرادت أن تقنعنا بأن للمرأة فضلاً على الحضارة؟ أم أرادت أن تشككنا في ذلك؟ وتبسط عليه سلطان الريب في نفوسنا، ومن يدري لعل أديباً من الأدباء البارعين أن يفكر ذات يوم في أن يثبت فضل الرجل على الحضارة فينتهي في نفسي إلى ما انتهت إليه الآنسة (مي) أمس من إثارة الشك والريب.
    وإذن أنا مقتنع بأن الحضارة الإنسانية قد أنشأت نفسها وليس للرجل عليها فضل، ولا للمرأة عليها فضل، وإنما هي صاحبة الفضل عليهما جميعاً لأنها أنشأتهما إنشاءً، ومتعتهما بما ينعمان به من لذات الحياة وآلامها، فهما ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذات، وآية ذلك أن الآلام تلهمهما روائع الشعر والنثر والفن، وتحيي في نفوسهما من الفضائل، وجميل الخلال ما يملؤها متاعاً ولذة وشعوراً بالكرامة، وأملاً في المستقبل وحباً للحياة، فالرجل والمرأة إذن ينعمان بالآلام كما ينعمان باللذة، ولعل أديباً من الأدباء الذين لهم حظ الآنسة (مي) من البراعة وأنهم لقليلين يستطيع أن يقنعني كما أقنعتني الآنسة أمس بأن ليس للرجل على الحضارة فضل، كما أنه ليس للمرأة على الحضارة فضل، وإنما الفضل للحضارة عليهما جميعاً. أنبأتنا الآنسة أمس بأن المرأة وحدها هي التي أنشأت الحضارة إنشاءً وأعانتها على التطور والرقي، وابتكرت ما يزينها من العلوم والفنون والآداب، فأما أن المرأة أنشأت الحضارة إنشاءً فشيء فيما يظهر لا سبيل إلى الشك فيه، لأن كتب الدين كلها تنبئنا به، فلولا أن حواء أغواها الشيطان فأكلت من الشجرة، وعضت تلك التفاحة لما طرد آدم وزوجه من الجنة، ولولا أنهما طردا من الجنة لما هبطا إلى الأرض، ولولا أنهما هبطا إلى الأرض لما عملا فيها، ولولا أنهما عملا فيها لما كانت الحضارة، وإذن فالحضارة أثر من آثار حواء، لأن حواء هي التي أكلت من الشجرة، وهي التي جرت على نفسها وعلى زوجها هذه العقوبة، وإذن فنحن الرجال ننعم بالحضارة راغمين، ننعم بها لأن خطيئة أمنا حواء قد أكرهتنا عليها إكراهاً، ولكن حواء لم تأكل من الشجرة لأنها اشتهت ما كانت تحمل الشجرة من التفاح، وإنما أكلت من الشجرة لأن الشيطان هو الذي دلها على الشجرة، وزين لها التفاحة، وحببها إلى قلبها ودفعها إلى أن تأكلها دفعاً، والغريب أن حواء لم تأكل من الشجرة وحدها، وإنما أكل معها زوجها، وأكبر الظن أنهما اقتسما التفاحة نصفين، فذهب كل منها بأحد شطريها، فالحضارة إذن ليست أثراً من آثار حواء وحدها، وإنما هي أثر من آثار حواء وآدم أيضاً، وإذن فلنا نصف الحضارة وللنساء نصفها، ولكن النساء لا يكرهن الظلم ولا يأبين التجني، وأعظم من هذا أن أبانا آدم وأمنا حواء إنما دفعهما الشيطان إلى هذه التفاحة، فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، ثم طردا منها طرداً، فليست الحضارة إذن من آثارهما، إنما هي أثر من علم الشيطان، والشيطان رجيم، فلترجم معه الحضارة.
    وليت شعري أمما تتمدح به المرأة، أنها قد أنشأت الحضارة على هذا النحو، وأقامت بناءها الشاهق على الخطيئة، وبدأتها هذا الابتداء السيء الذي هو إعراض عن أمر الله، وإقبال على أمر الشيطان، أليس من حقنا نحن الرجال أن نلوم المرأة، ونغرق في لومها لأنها لم تستطع أن تقاوم الشيطان ولأنها دفعتنا إلى هذه الحضارة الآثمة دفعاً؟ ومن يدري لو أن أمنا حواء لم تقترف هذا الإثم، ولم تتورط في هذه الخطيئة، ولم تفتتن بحديث الشيطان، ولم تتهالك على طعم التفاحة وريحها ولونها أيضاً، من يدري لعلها لو لم تفعل شيئاً من ذلك لنشأنا نشأة أخرى.
    ولعل هذه النشأة الأخرى أن تقيم لنا حضارة أطهر من حضارتنا هذه وأنقى وأشد امتناعاً على الآثام وبعداً عن السيئات، بل ليس من شك في أن أمنا حواء لو أطاعت أمر الله، وعصت أمر الشيطان لعصمتنا من الشر، وبرأتنا من النكر، وحمتنا من كل ما نتعرض له من ألوان الغي والبغي والضلال والفساد، فلم تحسن أمنا إلينا إذن بإنشاء الحضارة، ومتى كانت إطاعة الشيطان إحساناً؟
    ولكننا نحن الرجال نحب العدل ونكلف بالرحمة، ونكره الطغيان، ولا نريد أن تستقل المرأة بوزر هذه الحضارة، وتحتمل وحدها آثامها وإثقالها، فنحن نشاركها في هذه الآثام والأثقال، لأننا نعترف بأن أمنا لم تأكل التفاحة وحدها، ولو قد أكلتها وحدها لطردت من الجنة وحدها، ولو قد هبطت إلى الأرض وحدها لما استطاعت أن تعمل ولا أن تجد، ولا أن تنشئ حضارة ولا أن تعيش، فهي محتاجة إلى الرجل لتحسن، وهي محتاجة إلى الرجل لتسيء، لم تعش في الجنة وحدها قبل الخطيئة، ولم تهبط إلى الأرض وحدها بعد الخطيئة، وإنما عاشت في الجنة مع الرجل، وهبطت إلى الأرض مع الرجل، أطاعت أمر الله مع الرجل، وأطاعت الشيطان مع الرجل، وأكلت التفاحة فهوت مع الرجل، ونحن الرجال أكرم مما تظن الآنسة مي، وأحب للرحمة وأحرص على العدل. فنحن لا نحمل أمنا حواء شيئاً من الإثم، وإنما نحمل هذا الإثم كله أبانا آدم، ولا بأس عليه من ذلك فقد تلقى من ربه كلمات بعد ذلك فتاب عليه، ذلك أن حواء لم تخلق من الطين مباشرة كما خلق آدم، وإنما خلقت من آدم، فآدم هو الذي سبقها إلى الوجود، وهو الذي سبقها إلى الحياة، وإذا كانت قد خلفت منه، فقد أخفت عنه هذا الضعف الذي حبب إليها التفاحة، ودفعها إلى الخطيئة، ثم إلى إنشاء الحضارة، فما في طبيعتها من الضعف مستمد من الرجل، وما في طبيعتها من القوة مستمد من الرجل، وإذن فليست هي التي تحتمل وزر التفاحة، وما نشأ عنه من الآثار، وإنما يحتمله آدم، ثم يحتمله بعده أبناؤه من الرجال، أرأيت يا آنسة أننا أكرم مما تظنين، وأحرص على العدل مما تظنين؟ ليست الحضارة خيراً، وإنما هي شر لأنها من عمل الشيطان، فنحن نرفع عن النساء أثقالها، ونحمل عن النساء أوزارها، وأي شيء نستطيع أن نبخل به لحماية النساء من كل شر، ووقايتهن من كل وزر، كلا، للمرأة على الحضارة فضل عظيم، وهو أنها لم تنشئها وإنما احتملتها، ولم تقترف إثمها وإنما خففت هذا الإثم وهونت علينا احتمال أثقاله، وأعانتنا على ما تكلفنا الحضارة في كل يوم من البأساء والضراء، أليس هذا خير من إيثار السبق، وهذه الرغبة في التفوق التي تظهرها المرأة في هذه الأيام، وأغرب من هذا أن الآنسة مي تحدثت إلينا أمس بأننا مدينون للمرأة وللمرأة وحدها باعتدال القامة، واستقامة القدود، والمشي على رجلين بعد أن كنا نمشي على أربع! ومع أنني لا أعرف كيف استطاعت المرأة أن تقوم قاماتنا وتعدل قدودنا وتقيمنا على رجلين بعد أن كنا نمشي على أرجلنا وأيدينا، مع أني لم أعرف هذا، ولن أستطيع أن أعرفه فيما يظهر لأني لم أفهم نظريات التطور، وأنا يائس من فهمها بحمد الله، فإني قد غمرتني الحيرة أمس حين سمعت هذا الكلام، فهل كنا نمشي على أربع بعد أن هبطنا إلى الأرض؟ أم هل كنا نمشي على أربع قبل أن نخرج من الجنة؟ فإن تكن الأولى فلم مسخ آباؤنا، وقد كان أبونا آدم وأمنا حواء يمشيان على رجلين لهما قامة معتدلة وقد مستقيم، وإن تكن الثانية فلم يكن إذن أبوانا على صورتنا هذه التي نعرفها، إنما كانا يمشيان على أربع، لم يكن رأساهما إلى السماء، إنما كان رأساهما إلى الأرض، فنحن خير منهما حالاً، وأجمل منهما شكلاً من غير نزاع، ومصدر هذه الحيرة فيما يظهر هو أن الآنسة (مي) أرادت أن تجمع بين العلم والدين، وما أصعب الجمع بينهما في كثير من الأحيان! فالدين فيما يظهر لا يرضى لنا أن نكون من نسل القردة، والعلم أو بعض العلم على أقل تقدير لا يكره أن نكون من نسل القردة أو غير القردة من الحيوان، والآنسة (مي) تريد أن نكون من نسل القردة وأن نكون من نسل آدم وحواء، وليت شعري كيف كان شكل آدم وحواء في رأي الذين يريدون أن يجمعوا بين الدين وبين مذهب أصحاب التطور؟ أما أنا فقد قلت وما زلت أقول، أني لم أفهم نظرية التطور وليس يعنيني أن أفهمها لأني أوثر أن أكون من سلالة رجل خلق معتدل القامة مستقيم القد يمشي على رجلين، أوثر ذلك على أن أكون من سلالة القرد أو غيره من الحيوان الذي يمشي على أربع، وينظر إلى الأرض لا إلى السماء، ولعل أجمل ما كان في المحاضرة آخرها، وهو هذه الأسطورة المصرية الجميلة التي تحدثنا بأننا مدينون لحياة امرأة هي إيزيس التي بكت فجرى من دموعها النيل، هذا عندي أجمل ما كان في المحاضرة وأظرفه، ولكنه من الأسف الشديد ككل شيء جميل، وككل شيء ظريف، لا يثبت للنقد والتحليل في هذه الحياة الدنيا، فمن يدري من تكون إيزيس، وأين كانت وكيف كانت، ومن يدري لعل النيل لم يجرر من دموع هذه الإلهة الرحيمة في رأي الأساطير، وإنما هو ينبع من تحت العرش كما يقول بعض الصالحين، والشر كل الشر ما يقوله العلماء، وويل للناس من العلماء! فهم يزعمون أن النيل ينبع من تلك البحيرات التي مهما تعظم ويرتفع شأنها عند العلماء والشعراء فهي بحيرات حقيرة لا تعدل دمعة من دموع إيزيس، ولا تعدل قطرة من هذا الماء السلسبيل الذي يجري تحت العرش.
    أحسن الله جزاء الآنسة مي، فقد أمتعتنا أمس، أمتعتنا إلى غير حد، فكاهة حلوة، وحديث عذب، وصوت حلو. ولكني أخشى أن تغضب الآنسة، وويل لي منها إن غضبت، ومن يدري لعلها قد غضبت منذ قرأت السطر الأول من هذا الكلام، وإذن فأنا أشهد قراء الرسالة جميعاً على أني معتذر إليها أصدق الاعتذار وأخلصه، ضارعاً إليها أن تغفر لي هذه الهفوة، هفوة التحدث عن محاضرتها القيمة على هذا النحو، ولكني لست وحدي ملوماً في ذلك، فهي التي ألهمتني هذا الحديث، وقد زعمت لنا أمس أن نابليون كان يقول في كل شيء (فتش عن المرأة) فإذا لم يكن بد من أن يلام أحد على هذا الحديث فالآنسة (مي) هي الملومة، ولكني أحتمل عنها هذا اللوم كما احتمل أبونا آدم عن أمنا حواء إثم التفاحة، وأعتذر إليها من هذا الحديث وهي بطبيعتها أرحم وأدنى إلى الحنان من أن تأبى قبول المعذرة.
    طه حسين
    الرسالة – العدد 37 – بتاريخ: 19 – 03 – 1934

  • نداء

    نداء
    أصدره [1] صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» «شيخ الجامع الأزهر»، وأخذت الصحف تذيعه في الناس منذ أمس، وفيه نذير شديد، وتحذير للناس غليظ من أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس المبشرين ومعاهدهم بعد ما تبين لهم من أمر هذه المدارس والمعاهد، وبعد أن أُقيمت لهم الملاجئ الإسلامية، وفُتحت أمامهم أبواب المعاهد والمدارس القائمة لتعينهم على ما يحتاجون إليه من تعليم الأبناء والبنات، وتربيتهم في بيئات إسلامية خالص تحفظ عليهم دينهم وأخلاقهم وقوميتهم وتحميهم من كل فتنة وترد عنهم كل عدوان.
    وليس من شك في أن صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر» حين فكر في إصدار هذا النداء، وحين أصدره، قد أدى واجبًا يفرضه عليه مركزه في هذه البلاد، وفي غيرها من البلاد الإسلامية؛ فالله — عز وجل — يطالب المسلمين جميعًا بأن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ويسارعوا إلى الخير. وهذا الواجب أشد لزومًا للذين نصبوا أنفسهم رجالًا للدين وأئمة للمسلمين، فكيف إذا كانت الدولة هي التي نصبتهم لذلك وكلفتهم إياه، وأرادتهم على أن يفرغوا للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإسراع إلى الخير.
    فـ«شيخ الأزهر» إذن قد اجتهد في أن يؤدي لله وللدولة هذا الواجب الذي لم يكن له بد من تأديته، وله على هذا الاجتهاد في تأدية الواجب أجره من الله، وشكر الناس إياه، سواء أوفّق أو لم يوفّق، سواء أخطأ أم أصاب؛ فإنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى. ولسنا نشك ولا نرتاب في أن من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، ودعا إلى الخير، فقد برئت ذمته من عصيان العصاة، وبغي البغاة، وتقصير المقصرين، وأصبح الثقل كل الثقل، والإثم كل الإثم، على أولئك الذين يؤمرون بالمعروف ثم لا يأتمرون، وينهون عن المنكر ثم لا ينتهون، ويدعون إلى الخير ثم لا يستجيبون. وأكبر ظننا أن المسلمين سيؤدون لله ولأنفسهم واجب الائتمار بالمعروف والانتهاء عن المنكر، والإسراع إلى الخير، كما أدى صاحب الفضيلة «الأستاذ الأكبر»، أو كما اجتهد صاحب الفضيلة الأستاذ في أن يؤدي واجبه مريدًا الإصلاح ما استطاع.
    ولكن هذا النداء يدعو إلى شيء من التفكير لعله لا يخلو من العبرة والموعظة الحسنة، وهو يدعو إلى التفكير من نواحٍ مختلفة نقف عند بعضها؛ لأنه خليق حقًا أن نقف عنده، وندعو الناس جميعًا إلى أن يطيلوا فيه الروية والتفكير. فهذه المدارس والمعاهد التي أقامها المبشرون، ودعوا إليها الناس، أو دفعوا إليها الفقراء والضعفاء دفعًا، يحدثنا صاحب الفضيلة بأنها مدارس ومعاهد أُعدت لإخراج الناس من دينهم. وصاحب الفضيلة لا يقول هذا عفوًا، ولا يلقي هذا إلقاءً، وإنما يقوله بعد أن تبين له أنه الحق الذي لا يقبل شكًا ولا مراء. وصاحب الفضيلة ينهى المسلمين عن أن يرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المعاهد والمدارس، وسيستمع له المسلمون إن شاء الله عز وجل.
    ولكننا كنا نحب وما زلنا نحب أن تستمع له الوزارة قبل أن يستمع له عموم الشعب، أو أن تستجيب له الوزارة الراعية قبل أن تستجيب له الأمة التي هي الرعية، كما يقول الحديث الشريف الذي رواه الأستاذ في ندائه؛ فما دامت الوزارة راعية للناس، وما دامت الوزارة مسؤولة عن رعيتها، وما دامت كل وزارة مصرية مهما تكن قد قبلت هذه التبعات، تبعات الراعي الذي يُسأل عن رعيته، فقد يخيل إلينا أن الإثم الذي يصيب المسلمين إذا أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى هذه المدارس والمعاهد يقع مضاعفًا على الوزارات التي تسمح بإقامة هذه المدارس والمعاهد، وهي تعلم كما علم الشيخ أنها أُعدت لإخراج الناس عن دينهم، وبأن تفتح أبوابها للناس وتدعوهم سرًّا وجهارًا إلى أن يرسلوا إليها أبناءهم وبناتهم ليخرجوا فيها من دينهم. فليس يكفي أن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، وتدعوهم إلى الإسراع إلى الخير، وإنما يجب أن تهون عليهم الائتمار بالمعروف، وتيسر عليهم الانتهاء عن المنكر، وتمهد لهم سبيل الإسراع إلى الخير.
    وليس يكفي أن تقيم لهم الملاجئ وتفتح لهم المعاهد والمدارس، وأنت تعلم حق العلم أن لهؤلاء المبشرين من ضروب الإغراء والإغواء، ومن فنون الكيد والمكر، ما قد يمكنهم من أن يصرفوا الناس جميعًا أو قليلًا منهم عن هذه الملاجئ التي أُقيمت، وعن هذه المدارس والمعاهد التي فُتحت لهم أبوابها. وواضح جدًّا أن «شيخ الأزهر» لا يستطيع أن يكف الناس بالقوة عن معاهد المبشرين أو يدفع الناس بالقوة إلى معاهد المسلمين، ولا يستطيع أن يُغلق معاهد المبشرين إغلاقًا، وإنما «الوزارة المصرية» وحدها هي التي تستطيع أن تتخذ من السبل والأسباب ما يحول قطعًا بين المسلمين وبين هذه الدور التي أُعدت لإخراج أبنائهم وبناتهم — كما يقول الشيخ، وكما تعلم الوزارة — من الإسلام.
    وقد اقترحنا واقترح الناس معنا، واقترحت «هيئة كبار العلماء» على الوزارة ضروبًا من الوسائل لتحقيق هذه الغاية التي لا بد من تحقيقها؛ فقد نحب أن نعلم ماذا فعلت الوزارة بكل ما اقترح عليها من الوسائل والأسباب؟ أخذت من غير شك في إنشاء الملاجئ، ودعت إلى هذا الإنشاء وأعانت عليه، ولكن مدارس المبشرين ومعاهدهم وملاجئهم ما زالت قائمة، وما زالت أبوابها مفتحة، وما زال الناس يُدعون سرًّا وجهرًا في أكبر الظن إلى أن يرسلوا إليها الأبناء والبنات، وما زالت هذه المدارس والملاجئ تملك من ضروب الإغراء ما قد يجعلها أحب إلى بعض الناس، وآثر عندهم من هذه الملاجئ التي أُنشئت. فماذا اتخذت الوزارة من الأسباب لتحول بين الناس وبين هذه المعاهد الأجنبية؟ أو لتحول بينهم وبين ما ينتظرهم من شر إن أرسلوا أبناءهم وبناتهم إليها؟
    لقد أجمع المصريون على مطالبة الوزارة بفرض المراقبة على هذه المعاهد، فماذا صنعت الوزارة بهذا الإجماع؟ وإلى أي حد وصلت الوزارة في وضع التشريع الذي وعدت به منذ زمن بعيد، والذي ألح الناس وما زالوا يُلحون في أن تنشره بعد أن طوته طيًّا؟
    والناس جميعًا يذكرون أن الحكومة الإنجليزية قد أذنت لمندوبها السامي في أن يتحدث إلى «الوزارة المصرية» في تنظيم هذه المراقبة، وهم جميعًا يذكرون أن كلامًا كثيرًا قيل في هذا الإذن، وأن أنباء كثيرة أُذيعت حوله، وأن «الصحف الإنجليزية» تحدثت بأن وزارتنا قد اتصلت بالهيئات التبشيرية العليا لتشاورها في أمر هذه المراقبة. والناس جميعًا يعلمون أننا أنكرنا تدخل الإنجليز في أمر هذه المراقبة، واستشارة المبشرين في أمر هذه المراقبة التي يُراد أن تُفرض على معاهدهم. ولكن الناس يريدون أن يعلموا ماذا أصاب التشريع الذي يفرض هذه المراقبة؟ أعدلت عنه الوزارة واكتفت بإنشاء الملاجئ وبما يصدره «شيخ الأزهر» من النداء والتحذير؟ أم أنها أرجأته كغيره من المشروعات؟ أم لا تزال جادة فيه؟ فإن تكن الأولى فقد ينبغي أن تعلم الوزارة أن إنشاء الملاجئ ونداء الشيخ وغيره من المسلمين قد يخفف الشر ولكنه لا يمحوه، وإن تكن الثانية فقد نحب أن نعلم ما بال هذا التشريع لم يُعلن أمره للناس، أو لم تُعلن أنباؤه إلى الناس؟ وهذا فصل الدراسة قد ابتدأ، وكان ينبغي أن يُحال بين الناس وما في معاهد المبشرين من الشر قبل أن يبتدئ العام، وتتكرر الحوادث المحزنة الخطرة التي وقعت من قبل.
    نعلم أن الوزارة قد شُغلت بنفسها في هذه الأسابيع، ولكن الوزارة لم تُقم لتشغل بنفسها، وإنما أُقيمت لتشغل بالناس. ونعلم أن الوزارة قد شُغلت بجباية الضرائب لأن الدولة في حاجة إلى المال، ولكننا نعلم أن جباية الضرائب ليست شيئًا يُقصد لنفسه، وإنما تُجبى أموال الناس لتنفق في مصالح الناس، ومن أهم مصالح الناس أن تحمي الحكومة فقراءهم وضعفاءهم من عدوان الأجنبي. ونعلم أن لدى الوزارة من المشكلات الداخلية السياسية ما قد يضطرها إلى أن تشفق من إغضاب الأجانب، وترغب في مصانعتهم بعض الشيء، ولكننا نعلم أن الوزارة لم تُقم لتستعين بمصانعة الأجانب على البقاء في الحكم، وإنما أُقيمت لتخدم الشعب وتحقق مصالحه في غير هوادة ولا ضعف؛ فإن وُفقت إلى ذلك فهو الخير، وإلا وجب عليها أن تستقيل.
    نحب أن تنظر الوزارة إلى نفسها نظرة الجد، وأن تعلم أنها لم تُقم لتشغل بأمر دون أمر، أو لتشتد في بعض الأمور وتلين في بعضها الآخر، وإنما أُقيمت لتعنى بأمور الدولة كلها، ولتشتد في حقوق الدولة كلها. نعم، ونحب أن تعلم الوزارة، وأن يعلمها «شيخ الأزهر» — إن لم يكن قد فعل — بأنه إذا كان من الحق أن الذين يرسلون أبناءهم وبناتهم إلى المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم مذنبون مقصرون، فإن الذين يسمحون ببقاء هذه المعاهد التي أُعدت لإخراج الناس من دينهم دون أن يحولوا بينها وبين غايتها المنكرة بقوة وصراحة يتعرضون عند الله، وعند الناس، وعند «شيخ الأزهر» لأمر عظيم.
    فلترفق الوزارة بنفسها أن يصيبها من «شيخ الأزهر» هذا الأمر الذي أرسله صارمًا رهيبًا.
    [1] كوكب الشرق في ٢١-٩-١٩٣٣.

  • قسوة

    قسوة
    قسوة[1] لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالودائع الآمنين الذين لم يقترفوا إثمًا ولم يجترحوا سيئة، فتُلقي بينهم وبين الحياة الراضية حجابًا صفيقًا، وتقطع بينهم وبين الأمل والرجاء الوسائل والأسباب.
    قسوة لا يحبها الله من أحد ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأسر الهادئة المطمئنة، فيها النساء والأطفال، وفيها الشباب والشيب، فإذا هدوؤها يستحيل إلى اضطراب، وإذا اطمئنانها يستحيل إلى قلق مخيف، وإذا ابتسام الأطفال والشبان للحياة وفرحهم بها، وجدهم فيها، قد استحال إلى اكتئاب وحزن وسكون يبعث في قلوب الرحماء لوعة وإشفاقًا، وإذا الآباء والأمهات محزونون مروعون، تشرق عليهم الشمس بالخوف إذا أشرقت، ويقبل عليهم الليل بالهم إذا أقبل، قد قُتِرَ عليهم الرزق أو قُطع عنهم الرزق، فإذا هم لا يدرون ماذا يصنعون ليطعموا هذه البطون التي لا تشبع، وليكسوا هذه الأجسام التي لم تعتد التعرض لألم الحر والبرد، ولا الظهور في أسمال وأخلاقٍ، وليعلِّموا هؤلاء الأبناء والبنات الذين ليس لهم بد من أن يتعلموا، وليحفظوا على أنفسهم هذه المكانة الاجتماعية التي يحرص الناس عليها أشد مما يحرصون على أي مظهر من مظاهر الحياة.
    نعم، وقسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي تلم بالأساتذة والطلاب فتقطع بينهم وبين أسباب الدرس فجأة، وترد الأساتذة إلى شيء من الحزن والأسى لا حد له، وترد الطلاب إلى شيء من الحيرة والوجد لا حد له.
    قسوة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يسلطها الإنسان على الأبرياء فتصيبهم بهذا كله وبأكثر من هذا كله، وقد كانوا ينتظرون أن يمسهم العدل بجناحه الرفيق فيزيد لهم ما هم فيه من نعمة الله، ويتيح لهم فضلًا من لين العيش، ويمكنهم من أن يعودوا إلى أهلهم راضين مبتهجين، يحملون إليهم أنباء فيها الغبطة والابتهاج، ثم إذا كان الغد أقبلوا على طلابهم وقد ضوعف حظهم من النشاط، وتجددت قدرتهم على الجد، وفتحت أمامهم أبواب جديدة للبحث والدرس والتفكير والتعليم.
    نعم، قسوة منكرة لا يحبها الله من أحد، ولا يرضاها الله لأحد؛ هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني وما نسيناها، وما كان لنا أن ننساها حتى يأذن الله أن يرفع شرها، ويكشف ضرها، وتمحى آثارها السيئة. جماعة من المصريين قد نيفوا على السبعين أو قاربوا السبعين، كانوا منصرفين إلى أعمالهم كأحسن ما ينصرف الناس إلى أعمالهم، نصحًا للناس ولأنفسهم، وصدقًا في هذا النصح، وإخلاصًا فيه، لا يضمرون ولا يظهرون في سيرتهم غير ما يضمرون. وإنهم في ذلك، وإذا الأنباء تسقط عليهم، ولم يكونوا ينتظرونها ولا يتوقعونها، وإذ الأسباب قد قُطعت بينهم وبين العمل، كما قُطعت بينهم وبين الأمل، وكما قُطعت بينهم وبين أسباب الرزق، وإذ هم يعودون إلى أهلهم وقد وقفت عقولهم عن التفكير، وانعقدت ألسنتهم عن القول، وأعربت وجوههم عما يشعرون به من الأسى واليأس، ومن اللوعة الممضة، والخوف المزعج، هذه العلامات التي ترتسم على وجوههم، والتي تصور من الكآبة والحزن ما ليس إلى تصويره في القول من سبيل.
    والذين أرسلوا عليهم هذه الصواعق في غير نذير ولا تنبيه، مصريون مثلهم يكرهون أن تلم بهم الصواعق، ويشفقون أن تُقطع عليهم أسباب العمل والأمل والرزق، ويسألون الله إذا أصبحوا، ويسألون الله إذا أمسوا، وكانوا يسألون الله وهم يرسلون هذه الصواعق ألا يلم بهم مثل هذا المكروه الذي كانوا يسلطونه على إخوانهم المصريين، وألا يعودوا إلى أهلهم كما يعود إخوانهم المصريون وقد أظلمت الدنيا أمامهم، وغشي اليأس وجوههم بهذا الغشاء القاتم الصفيق.
    جماعة من علماء الدين قد وقفوا أنفسهم على أن يدرسوا الدين ويعلموه، وأرادت ظروف الحياة المصرية والحياة الأزهرية خاصة ألا يعرفوا من أسباب العيش غير هذه الصناعة، فأخلصوا لها، وجدوا فيها، ووثقوا بها، واكتفوا بحظهم منها. وإذا هم يُردون عنها ردًّا، ويُدفعون عنها دفعًا، ويُلقَون إلقاءً في الشوارع حيث لا يجدون ما يعملون، ولا يعرفون أين يذهبون. والذين ينزلون بهم هذا الشر ويرمونهم بهذا النكر، ويصدونهم عن درس الدين وتعليمه والانقطاع لدرسه وتعليمه، هم قوم مثلهم من علماء الدين، لو فتشت عن قلوبهم لرأيتها تتضرع إلى الله في أعقاب كل صلاة أن يتم عليها هذه النعمة التي هي فيها، ويصل لها أسباب هذه الحياة التي تحياها، والتي قُطعت فجأة عن هؤلاء العلماء البائسين.
    بهذا كله يذكرنا صديقنا الزنكلوني[2] في كلمات لا يقرؤها المصري الصادق إلا انقطع قلبه حزنًا، وتفطر فؤاده أسى، ولا يقرؤها الرجل الصادق من رجال الدين الذين اشتركوا في هذه المأساة إلا امتلأ قلبه ندمًا، وذابت نفسه ألمًا، وتمنى لو أن ما فات من دهره لم يكن، وتمنى لو رُدَّ عليه ما مضى من الأيام ليصلح بنفسه ما جنت يداه، وتمنى لو أتيح له أن ينفق ما بقي من حياته محزونًا نادمًا تائبًا إلى الله، مستغفرًا، يردد قلبه وعقله ولسانه هذه الدعوة التي كان يرددها «الجحاف بن حكيم السلمي»، وقد ملأها يأسًا وأملًا، وخوفًا وقنوطًا حين كان يطوف بالكعبة ويقول: «اللهم اغفر لي، وما إخالك تفعل». وكان «الجحاف» قد أَيَّم نساءً ويَتَّم أطفالًا. ومن الحق أن أصحابنا هؤلاء لم يؤيموا النساء، ولكنهم جعلوهن كالأيامى، ولم ييتموا الأطفال، ولكنهم جعلوهم كاليتامى، يعيشون أضيق عيش وأنكده، في غير استحقاق لذلك منهم، ولا من هؤلاء الرجال الذين كانوا يقومون على حياتهم، فردوا إلى العجز بعد القدرة، وإلى الضيق بعد السعة.
    قسوة منكرة هذه التي يذكرنا بها صديقنا الزنكلوني، وما نسيناها، وما ينبغي أن ننساها، ويزيدها نكرًا وثقلًا أنها ما زالت ملمة بأهلها، لم تُرفع عنهم، ولم يحاول أحد أن يرفعها عنهم، ولم يظهر على الذين جنوها ألم ولا ندم، ولا سعي إلى الخير، ولم تُفتح للذين أصابتهم أبواب ما إلى نوع من أنواع الحياة، فهم كما أراد رؤساؤهم القساة أن يكونوا منذ رُدوا إلى البطالة والحرمان، لا يجدون ما يعملون، ولا يجدون ما يعينهم على احتمال هذا العذاب الذي لا نعرف أنهم جنوا ما يجعلهم له أهلًا.
    إن مما يؤلم المصريين حقًا أن يقسو بعضنا على بعض إلى هذا الحد، في هذا العصر المنكر الذي يدعو كل شيء فيه إلى أن يرفق بعضنا ببعض، ويرق بعضنا لبعض. وإن مما يؤلم المسلمين حقًا أن يقسو بعض رجال الدين على بعض، والدين يأمرهم أن يتواصوا بالخير والصبر، وأن يتعاونوا على البر والمعروف، ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان. وإن مما يؤلم الناس حقًا أن يقسو الإنسان على أخيه الإنسان، والدين والعرف والأخلاق تأمر كلها بالعدل، وتنهى كلها عن الجور، وتدعو كلها إلى الرحمة، وتصد كلها عن القسوة، وتحرص كلها على أن يكون الحب والبر أساس الصلات بين الناس.
    نعم، إن مما يؤلم حقًا، ويسوء حقًا، وييئس من عدل الناس حقًا، أن تقع هذه المأساة في بلد دينه الإسلام، له دستور يكفل العدل والإنصاف، وقوانين تنظم معاقبة المسيء ومكافأة المحسن، ثم لا يُرفع هذا الشر، ولا يزال هذا النكر عن هذه الضحايا البائسة التي لا تعرف في أي سبيل ضُحي بها المضحون.
    لقد احتمل هؤلاء الناس ما سُلط عليهم من الشر كرامًا، وصبروا عليه كرامًا؛ فلهم من هذا الصبر وذلك الاحتمال أحسن العزاء عما هم فيه من الألم والحزن. وإذا كان هناك قوم خليقون بالرحمة والإشفاق، فإنما هم أولئك الذين كانوا يقدرون على دفع الشر قبل وقوعه ثم لم يدفعوه، والذين ما زالوا قادرين على رفع الشر بعد وقوعه ثم لا يرفعونه؛ أولئك خليقون أن تستغفر لهم ضحاياهم مما سُلطت عليهم من سوء. والله وحده خليق أن يعين كلًّا على كل، وأن ينصف كلًّا من كل، وأن يجزي الصابرين المجاهدين أحسن الجزاء، وأن يقرب لـ«مصر» هذا اليوم الذي لا يجني فيه المصريون على المصريين، ولا يقسو فيه رجال الدين على رجال الدين.
    [1] كوكب الشرق في ١٧-٩-١٩٣٣. [2] هو الشيخ علي سرور الزنكلوني من علماء «الأزهر الشريف».

  • نجدة

    نجدة
    إذا[1] قويت الوزارات، آثرت الصراحة والحزم في القول والعمل. وإذا ضعفت الوزارات، لجأت إلى الحيلة والالتواء فيما تعمل أو تقول. ويظهر أن وزارتنا قوية، أشد القوة، عزيزة أشد العزة، ولكن قوتها تسمى ضعفًا في غير مصر، وصراحتها تسمى التواء، وحزمها يسمى حيلة ومداورة. وقد قلنا غير مرة إن للأمور العامة وضعين مختلفين، أحدهما هذا الوضع القديم المألوف الذي تسمى فيه الأشياء بأسمائها، وهو هذا الذي نشهده في بلاد الأرض كلها، والآخر هذا الوضع البديع الشاذ الذي تسمى فيه الأشياء بنقائضها، وهو الذي نشهده في بلدنا السعيد. فنحن أحرار ولكننا لا نستطيع أن نقول ولا أن ننتقل ولا أن يلقى بعضنا بعضًا، ولا أن يجتمع بعضنا إلى بعض في حفل عام أو خاص إلا إذا أذنت الوزارة ورضيت.
    والوزارة تأذن وترضى ولكن لأصدقائها وأنصارها، فأما خصومها فذلك شيء ليس لهم أن يستمتعوا به أو يفكروا فيه. ونحن آمنون ولكن جرائم القتل والشروع في القتل يذاع بعضها كل يوم، فإذا هو معرض مخيف أشبه بما تشتمل عليه بعض البلاغات الرسمية حين تصور خسائر الأعداء من القتلى والجرحى في بعض المواقع الحربية المنظمة. فقد كانت خسائر مصر في يوم كذا خمسة عشر أو ستة عشر أو أربعة عشر، منهم القتيل ومنهم الجريح المشرف على الموت، ومنهم الجريح الذي يرجى له الشفاء. ولا تذكر السرقات، ولا تذكر خطف الأطفال، ولا تذكر الاعتداء على الزرع، فكل ذلك شيء لم يبق له خطر. ونحن موسرون ولكن امرأة تكلف من يعرض ابنتها للبيع، ورجلًا يعجز عن أن يعول أهله وفيهم زوجته وأطفاله فيصب عليهم الزيت ويشعل فيهم النار. ونحن مدبرون ولكن الدول الأجنبية تأبى أن تجيبنا إلى فرض الضرائب على رعاياها، لأنها ترى من إسرافنا وتبذيرنا وإلقائنا للمال باليمين والشمال ما يقنعها بأننا أغنياء، فلا ينبغي أن نشق على سادتنا الأجانب بفرض الضرائب عليهم والتسوية بينهم وبين عبيدهم المصريين.
    ونحن أعزة في بلادنا، ولكن طائفة من الأجانب يعتدون على ديننا وأخلاقنا وأعراضنا سرًا وجهرًا، فإذا حاولنا أن نردهم عن ذلك أو نحول بينهم وبينه قامت من دونهم قوى خفية أخرى ظاهرة فردتنا نحن وصدتنا، وقالت: إياكم وفرض الرقابة على هؤلاء الناس حتى تنظم لكم هذه الرقابة تنظيمًا برأي الإنجليز وبعد استئذان المبشرين.
    وعلى هذا النحو تجري أمورنا كلها معكوسة مقلوبة، والناس عنها راضون، وإليها مطمئنون. ومنهم من يفاخر بها ويتخذ منها الأدلة الواضحة على هذا الشوط البعيد الذي قطعناه في سبيل الحرية والاستقلال، وعلى هذا المنزل الرفيع الذي نزلناه من التقدم والرقي حتى كدنا نبلغ الكمال. ونحن بالغوه من غير شك في أمد قريب جدًا متى فرغ «رئيس الوزراء» من الاصطياف والاستشفاء. فليس غريبًا إذن أن تكون وزارتنا قوية، وإن سمى الناس في غير مصر قوتها ضعفًا، وأن تكون وزارتنا صريحة حازمة وإن سمى الناس في غير مصر صراحتها التواء، وحزمها ضعفًا واستسلامًا.
    والغريب أن وزارتنا لم تكتف بأن تكون وحدها قوية صريحة حازمة على هذا النحو المصري الخاص الذي استحدثته مصر في ظل «رئيس الوزراء»، بل أخذت تكون لنفسها تلاميذ في هذه القوة البديعة، وفي هذه الصراحة الطريفة، وفي هذا الحزم الغريب، وأي تلاميذ؟ تلاميذ لم يحلم بتكوينهم «موسوليني»، ولم يفكر في تكوينهم «هتلر». وما ينبغي لهما أن يحلما بذلك أو يفكرا فيه، فإن الله لم يمنحهما القدرة على إحداث المعجزات. هما قادران على أن يعلما الناس، أما وزارتنا فقادرة على أن تعلم الزمان والظروف والأحداث. وإذا أصبح الزمان تلميذًا لوزارة من الوزارات، وإذا حرصت الظروف والأحداث على أن تقلد وزارة من الوزارات وتتلقى عنها الدروس، فليس من شك في أن هذه الوزارة هي آية الآيات، ومعجزة المعجزات، ومصدر العجب الذي لا ينقضي. ويجب أن نكون منصفين وأن نرد الحق إلى أهله، فإن هذه البراعة لم تقدر لـ«رئيس الوزراء» على كفايته النادرة ونبوغه الرائع، ولا لـ«وزير التقاليد» على ذكائه الفذ وفطنته التي ليس لها نظير، ولا لأحد من زملائهما السابقين واللاحقين، ولا لأحد من الوزراء والمستشارين من قديم الزمان وحديثه، إنما اختص الله بها واحدًا منهم، جعلها وقفًا عليه، لا يشاركه فيها شريك، وهو «وزير داخليتنا» العظيم.
    لم يكد يرقى إلى منصبه الفخم حتى استحدث في المحافظة على الأمن والنظام، وفي مصادرة الحرية أسلوبًا لم يعرفه أحد من قبل، وهو إلغاء المشكلات ومحو المعضلات حتى لا يتكلف التعب والمشقة في حلها، وعلى هذا النحو جعل «وزير داخليتنا» الخطف فنًا من فنون الحكم وأسلوبًا من أساليب السياسة، وسبيلًا إلى الراحة والاطمئنان.
    رأى «رئيس الوفد» في قنا وقد احتشد له الناس يحيونه ويكرمونه ويلتفون به، فهو يكره منهم ذلك، وهو يأبى أن يتعب نفسه ويتعب الدولة ويتعب الناس بتفريق هذه الجموع كما ألف الوزراء الذين سبقوه أن يفرقوها، فيعمد إلى الخطف فيلغي الإشكال ويريح الناس جميعًا، ويختلس «رئيس الوفد» اختلاسًا، ويرده إلى القاهرة في أقصر وقت ممكن، وفي أسرع قطار ممكن. والزمان يرى ويتعلم، والظروف تنظر وتستفيد، والحوادث تشهد وتحاول التقليد. وما علمنا على الزمان غباوة، ولا لاحظنا على الظروف بلادة، ولا أنكرنا على الحوادث تقصيرًا، فمالها كلها لا تنتفع بهذا الأستاذ الفذ، ولا تستفيد من هذه الدروس البارعة؟ ومالها لا تتعلم الخطف ولا تتخذه وسيلة لإزالة المشكلات وإلغاء المعضلات فتريح نفسها، وتريح أصدقاءها أيضًا؟ وأصدقاؤها هم الوزراء ودعائم الحكم في مصر، قد تم بينها وبينهم عهد للتعاون والتظاهر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
    وقد عرضت في هذه الأيام مشكلة عنيفة، ومعضلة دقيقة، اختلط فيها الدين بالسياسة، واصطدمت فيها المنفعة بالقانون، وظلت تتعقد حتى لم يبق إلى حلها من سبيل، وهي مسألة «نظلة غنيم». أحكام قضائية شرعية واجبة التنفيذ، وحكم من المجلس الإنجليزي يراد له التنفيذ، وتنصر بعد إسلام، ثم إسلام بعد تنصر، ثم تنصر بعد إسلام، واتصال بالمبشرين، واتصال بالمصريين، واضطراب من الشمال، واضطراب من اليمين، ونوائب تنجم من الأرض، وأخرى تهبط من السماء، وموقف لا خلاص منه ولا محيد عنه؛ إن رضي القانون غضب الأجانب، وإن رضي الأجانب غضب القانون. إن رضي القانون رضي المصريون وعبس الإنجليز، وإن رضي الأجانب غضب القانون وابتسم الإنجليز. فحدثني أين هي الوزارة التي تستطيع أن تواجه هذا الموقف المعقد بشيء إلا بالإلغاء؟ ولكن وزارتنا أحرص على القانون والنظام واحترام الأحكام من أن تتردد أو تضعف، فهي إذن مذعنة لحكم القضاء، منفذة لأمر النائب العام إلا أن يتيح الله لها فرجًا من حرج، وسعة من ضيق، وهنا ينفع الصديق. وأي صديق يشبه الزمان؟ وأي صديق يشبه الظروف والأحداث؟ وأي صديق أنفع وأجدى من صديقك الذي تعلم عليك فاستمع إليك وخرج من مدرستك؟
    هنالك أقبل الزمان يسعى ماكرًا، ومن حوله الظروف والأحداث قد اتخذت صورًا مختلفة، وأشكالًا متباينة، منها ما يطير في الهواء، ومنها ما يمشي على اثنتين، ومنها ما يمشي على أربع، ومنها ما يزحف على الأرض زحفًا. فلما وصل هذا الجيش الغريب من الأصدقاء والتلاميذ إلى «نظلة غنيم» خطفها، وعصف بها عصفًا، وحذفها من مصر حذفًا. وهمَّ «وزير الداخلية» أن ينفذ الأحكام ويرضي النائب العام، فنظر ثم نظر فلم يجد لـ«نظلة غنيم» في مصر حقيقة ولا صورة، ولا عينًا ولا أثرًا، ولا طعمًا ولا ريحًا. فأرسل أعوان الأمن وجنود النظام يطوفون في الأرض ويتحسسون في الأقاليم، ينظرون إلى فوق وينظرون إلى تحت، ويديرون أبصارهم ورؤوسهم فلا يجدون شيئًا، ولا يحسون شيئًا.
    فويل لـ«نظلة غنيم» وزوجها يوم تصل إليهما يد الوزارة، ويظلهما سلطان الوزارة، يومئذ يكون التفريق وأي تفريق، ويومئذ يكون الضم وأي ضم. ولكن لننتظر، فإن عفريتًا من الجن قد أخفى هذين الشخصين الآن، فإذا ظهرا — ولا بد أن يظهرا — فستنفذ الأحكام، ويرضى النائب العام، ويحترم القانون والنظام، ويطمئن حماة الإسلام. وإلى أن يأذن الله بتحقيق هذا كله يحسن الصبر والانتظار، وقد ضمن الله أجزل الثواب للذين يعرفون كيف يصبرون ويصابرون، ويتجنبون العجلة التي هي من جند الشيطان.
    [1] كوكب الشرق في ٢٩-٨-١٩٣٣.

  • عوجاء

    عوجاء
    نعم عوجاء، شديدة العوج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريق التي تعلن فيها إلى الناس أنك ستسلكها إلى الخير والإحسان، وإلى البر والمعروف، حتى إذا مضيت فيها تقطع الآماد والأشواط، وتنهب الأرض نهبًا، تبيّن للناس أنك لا تسلكها إلى الخير والإحسان، ولا إلى البر والمعروف، وإنما تسلكها إلى الإذاعة عن نفسك ونشر الدعوة لما تحب أن يظن الناس بك ويرون فيك، والتخييل إلى الناس أنك رفيق بهم على حين أنك رفيق بنفسك، حريص على منفعتهم على حين أنك حريص على منفعة نفسك، جادّ في خدمتهم على حين أنك جادّ في أن تخدعهم عن نفسك وتلهيهم عمّا كان يجب أن ينهضوا به من السعي إلى الخير والاجتهاد في الإصلاح، تُخيّل إليهم أنك ستقوم بذلك عنهم وستكفيهم مؤنته ومشقة الجد فيه والسعي إليه، فإذا صدّقوك واطمأنّوا إليك وأولوك ما تطلب من ثقة ومنحوك ما تريد من تأييد، أعرضت عنهم وعن آمالهم، ولم تصنع لهم شيئًا، كأنك لم تعدهم بشيء وكأنك لم تعاهدهم على شيء.

    نعم، عوجاء شديدة الاعوجاج، ملتوية شديدة الالتواء هذه الطريقة التي يسلكها بعض الناس، يعلنون أنهم يبتغون بسلوكها وجه الله، فإذا هم يمضون إلى ما لا يلائم رضا الله ولا رضا الناس، وإنما يلائم أغراضًا غير واضحة، وأعراضًا غير بيّنة، وأهواء أقل ما توصف به أنها لا تليق بكرام الناس.

    وما أكثر ما يسلك الناس هذه الطرق المعوجة، وما أكثر ما يمضي الناس في هذه السبل الملتوية إذا فسدت أمور الحياة العامة واضطرب رأي الناس فيها وتقديرهم لها وحكمهم عليها. هنالك يظهر المنتفعون والمنتهزون للفرص، وهنالك يظهر العابثون واللاعبون بالعقول. وهنالك تصبح المنافع العامة خدعة من الخدع، وتعلّة من التعلات، ووسيلة إلى تحقيق المآرب الخاصة، وسببًا إلى قضاء الحاجات. وهنالك يكثر الفساد، ويزداد انتشارًا، وتعظم الأثرة وتشتد سيطرتها على القلوب والنفوس. وهنالك يضعف تقدير الناس للمنفعة العامة وتفكيرهم فيها ورعايتهم لحرمتها. وهنالك يصبح الناس فرديين، لا يعني كل واحد منهم إلا بنفسه، يدفع عنها ما يستطيع دفعه من الشر، ويجر إليها ما يستطيع جره من الخير. وهنالك يضعف الروح الوطني وتنحل قوة التضامن، ويصبح الناس وقد لهوا عن قوميتهم، وشُغلوا عن وحدتهم، وأصبح كل طامع قادرًا على أن يذلهم فيمعن في إذلالهم، ويستغلهم فيغرق في استغلالهم، ويسخرهم لما يريد دون أن يخشى رقيبًا ولا حسيبًا.

    هذه ظاهرة من ظواهر الحياة العامة في كل بلد من البلاد يُصاب بمثل هذه الأزمات السياسية والخلقية والاقتصادية التي تشقى مصر بها في هذه الأيام. وإنك لقادر على أن تشهد هذه الظاهرة وتحققها، وتأسف أو لا تأسف حين تشهدها وتحققها في كثير من أنحاء الحياة المصرية. فما أعظم الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، وما أبعد الأمد بين ما يظهر كثير من الناس وما يضمرون. كل الناس إذا تحدثت إليهم محبّ لمصر، عطوف عليها، رؤوف بها، مؤثر لها على نفسه. فإذا بلوت أعمال الناس فكثير منهم من يحب نفسه ويعطف عليها، ويرأف بها ويؤثرها على كل شيء، ويؤثرها على مصر قبل أن يؤثرها على أي شيء. ولولا انتشار هذا النوع من النفاق في حياتنا الاجتماعية، ولولا انتشار هذا النوع من الفرق بين ما يقول كثير من الناس وما يعملون، لما شقيت مصر بهذه الحال السيئة التي شقيت بها منذ أعوام.

    وكم نحب أن يبرأ فريق من المصريين، فريق بعينه، من حب هذه الطرق الملتوية العوجاء، لأنها لا تلائم طبيعة مركزه، ولا تلائم ما يريد الناس أن يروا فيه وأن ينتظروا منه. كم نحب أن تكون طريق علماء الدين أبرأ الطرق من الاعوجاج، وأبعد الطرق عن الالتواء، وأقرب الطرق إلى الصدق والإخلاص والنصح لله وللمسلمين، والملاءمة بين ما يسرّون وما يعلنون، وبين ما يعملون وما يقولون. هؤلاء علماء الدين قد سكتوا وسكنوا، وأطالوا السكوت والسكون، فأنكر الناس عليهم ذلك. ثم قالوا ونشطوا وأكثروا القول وأمعنوا في النشاط، فحمد الناس لهم ذلك، ولكن سكوتهم وسكونهم كانا يضران ويجلبان على الناس شرًّا كثيرًا. فكان من حق الناس أن ينكروا ويلوموا، وكان من حق الناس أن ينتظروا من قول هؤلاء الشيوخ ونشاطهم خيرًا كثيرًا. فماذا أفاد الناس من قول الشيوخ حين قالوا، ومن نشاط الشيوخ حين نشطوا؟ لقد مضى شهر ونصف شهر منذ نهضت هيئة كبار العلماء تدعو إلى سبيل الله، وتذود عن دين الله، وفي هذا الشهر الذي مضى وفي نصف الشهر الذي تبعه اجتمع الشيوخ واجتمعوا، وقال الشيوخ وقالوا، وعمل الشيوخ وعملوا. ثم يتساءل المسلمون اليوم عن نتيجة هذا كله، فيذكرون قول أبي العلاء حين أنشد لبعض شعراء الغرب الإسلامي، وسئل عن رأيه فيما سمع فقال: كأني أسمع رحى تطحن قرونًا، أي أنه كان يسمع جعجعة ولا يرى طحنًا.

    وكذلك يسمع المسلمون كلامًا كثيرًا من شيوخ الأزهر، ويرى المسلمون نشاطًا عظيمًا من شيوخ الأزهر، ولكنهم لا يظفرون من هذا الكلام الكثير، ومن هذا النشاط العظيم بشيء يسير.

    لقد علمت هيئة كبار العلماء أن المسلمين يفزعون إليها ويلحون في الفزع لتجدّ في إنقاذ هذه المرأة المسلمة التي تسمى نظلة غنيم، والتي ما تزال لغير المسلمين عليها سبيل، والتي لا تستطيع أحكام الله أن تنفذ فيها، ولا أن تردها إلى أهلها، ولا أن تصرف عنها المكروه، لأن حكمًا من أحكام المجلس الملي الإنجيلي يقوم دون أحكام القضاء الإسلامي فيعترض سبيلها ويحول بينها وبين النفاذ. تعلم هيئة كبار العلماء هذا كله وتسمعه في كل يوم وتقرؤه في كل يوم، وهي تجتمع وتجتمع. فنحب أن نعلم ماذا فعلت لتنفذ أحكام الإسلام في بلد من بلاد الإسلام، مع أن هذه الأحكام لا تناقض الدستور، ولا تخالف القانون، ولا تعرض مصر لخطر من الأخطار. نحب أن نعلم أي سعي سعت هيئة كبار العلماء عند الوزارة لتنفذ هذه الأحكام، ولترعى هذه الحرمات، وماذا أنتج هذا السعي عند الوزارة، وبماذا لقيته؟ أبالقبول أم بالاعتراض؟ فإن تكن الأولى فما بال هذه الفتاة المسلمة لم ترد إلى أهلها المسلمين؟ وإن تكن الثانية فما بال هيئة كبار العلماء لم تنكر ولم تحتج ولم تعلن إلى المسلمين عجزها عن حماية الإسلام، وبراءة ذمتها من هذا العبء الذي نهضت به وهي لا تقدر عليه؟ والأمر أشد خطرًا من أن يكتفى فيه بكلام يقال وصمت يطول. فلابد من أن يعلم المسلمون إلى أي حد كانت الوزارة جادة فيما وعدت به من حماية الإسلام، وإلى أي حد كانت هيئة كبار العلماء جادة فيما أخذت نفسها به من الذود عن الإسلام.

    زعموا أن مفاوضات تجري بين الوزارة ودار المندوب السامي في إصدار قانون ينظم مراقبة التبشير والمبشرين. وقد طلبنا إلى الوزارة أن تقول في ذلك فلم تسمع لنا ولم تحفل بما طلبنا. فنحب أن نعلم: أيراد أن يظل أمر هذه الفتاة المسلمة الأسيرة معلقًا موقوفًا حتى يصدر هذا القانون؟ ولعل بين مواده ونصوصه ما يجعلها خالصة للمبشرين. أم يراد أن يفصل في أمر هذه الفتاة بما يرضي الله والقانون والدستور قبل أن يصدر هذا التشريع الجديد؟ سؤال ينتظر جوابًا، وينتظر جوابًا صريحًا سريعًا من هيئة كبار العلماء ومن لجنتها التنفيذية بوجه خاص، ومن صاحبَي الفضيلة شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية بوجه أخص. فقد كثر الكلام في هذا الموضوع وطال الصمت. وقد اشتد الإلحاح في هذا الموضوع، وطال الإعراض، وآن للناس أن يعرفوا: أهم من أمر التبشير والمبشرين في جد أم في هزل؟

    هناك طريقان: إحداهما واضحة مستقيمة، وهي السعي الصريح في إنفاذ أحكام الإسلام، أو الإعلان الصريح للعجز عن ذلك.

    والأخرى عوجاء ملتوية، وهي المماطلة والمراوغة والإعراض والإغضاء، وإكثار القول وإقلال العمل. وواضح أننا نحرص أشد الحرص، ونتمنى ما وسعنا التمني، أن تسلك وزارتنا وشيوخنا تلك الطريق المستقيمة، لأننا نكبر وزارتنا وشيوخنا عن التورط في كل طريق ملتوية عوجاء.

    كوكب الشرق في ٨-٨-١٩٣٣