Tag: Al-Wadi newspaper

  • نصيحة

    حديث الوادي
    نصيحة . . .
    قد لا يكون المندوب السامي في حاجة إليها، لأنه عندنا، وعند غيرنا من الناس، أذكى وأعلم بحقائق الأمور من أن يحتاج إلى الأوليات. ولكنا مع ذلك نهديها إليه مخلصين لينتفع بها هو إن كان قرب عهده بمصر لم يمكنه من فهم حقائق الأشياء فيها، كما فهم حقائق الأشياء في الصين. ولينتفع بها غيره من الذين يسعون عنده ويبتغون الوسيلة إليه، ويريدون أن يتخذوا اتصال المودة بينهم وبينه سبباً للجاه وطريقاً إلى السلطان، وأسلوباً من أساليب الدعاية، لغاية من هذه الغايات التي تظهر حيناً وتستخفي أحياناً. وهي أن حشد الجموع للكبراء وأصحاب السلطان وحملها على الهتاف والتصفيق ودفعها إلى إظهار الإعجاب والإكبار، وأخذها بإعلان الثقة، وانتصار الخير والإلحاح في هذا الانتظار وذلك الإعلان. كل هذا عبث لا ينفع، ولغو لا يفيد، وهو ينتهي آخر الأمر إلى أن يكون لوناً من الوان الهزل، وفناً من فنون السخرية، بعد أن يبتدئ أول الأمر بأن يكون ضرباً من ضروب العنف، وأسلوباً من أساليب السخرة والإكراه.
    وهو من أجل هذا كله أبعد الأشياء عن أن يلائم الرجل الكريم وما ينبغي له من الشعور بكرامته والرضا باحترام الناس له، وإكبارهم الصحيح لما له من منزلة او مقام، ولسنا ندري هل رأى المندوب السامي شيئاً من هذا في الصين، وهل حدثه المتصلون به، عن بعض هذا في مصر، ولكن المحقق أنه لا يعدو ما وصفنا، فهو في أول أمره عنف وسخرة وإكراه. وهو في آخر الأمر لهو، وفكاهة ومزاح، وهو بعد هذا كله لا يغير من رأي الناس شيئاً، وإنما يزيدهم حقداً إلى حقد، وموجدة إلى موجدة، وغيظاً إلى غيظ.
    يضيق الناس أشد الضيق بالعمد، وبرجال الإدارة، وبالخفراء حين ينبثون بينهم، ويدعونهم إلى الاجتماع، لاستقبال وزير من الوزراء، أو عظيم من العظماء الرسميين، لأن الناس فيما بينهم وبين أنفسهم لا يحبون هذا، ولا يميلون إليه، وهم يحاولون أن يفروا منه فراراً، ولكن الإدارة والعمد والخفراء يأخذون عليهم طرق الفرار، ويسرفون عليهم في الإلحاح، ويسلطون عليهم سيلاً من الترغيب والترهيب، حتى يحملوهم على ما لا يحبون. فإذا هم يجتمعون راغمين، ويهتفون كارهين ويصفقون محزونين ويظهرون الحب وفي نفوسهم البغض، ويعلنون الرضا، والسخط يأكل قلوبهم أكلاً. حتى إذا
    انتهت هذه المأساة المضحكة عادوا إلى أهلهم ساخرين، مما رأوا ومما سمعوا، ومما اتوا ومما صنعوا، يتحدثون بأن ما في القلوب سيظل في القلوب وبأن ما تجري به الألسنة ستذهب به الريح. فلا تبقى له باقية وإنما هو كلام يقال، ثم لا يلبث أن ينسى.
    وكذلك تجري الأمور في مصر منذ وجدت فيها وزارات تحتاج إلى ظاهر من التأييد، ولا تستطيع أن تظفر بالتأييد الخالص. وكذلك تجري الأمور في مصر منذ أظهر الإنجليز أنهم يحفلون برأي الجماعات، ويقدرون ثقة الجماعات. منذ ذلك الوقت شعرت الوزارات الضعيفة بأن من حقها، لنفسها ولبقائها في مناصب الحكم أن تخدع نفسها أولاً فتخيل إلى نفسها أن الناس راضون عنها، مؤيدون لها، ملتفون من حولها، يلقون أعضاءها بالهتاف والتصفيق، ثم تخيل إلى الإنجليز أنها ظافرة من رضا الناس وثقة الجمهور بما يجعلها أهلاً لأن تحكم الناس وتقضي في أمر الجمهور. وهي قد تصل أحياناً إلى أن تخدع نفسها حقاً، وهذا نادر جداً، حينما يكون الوزراء على حظ من السذاجة عظيم. وقد تعجز عن أن تخدع نفسها فتكتفي بأن تخدع أنصارها من المصريين، وأوليائها من الإنجليز. حتى إذا اقتربت الساعة وانشق القمر، وجاء قضاء الله الذي لا مرد له، وهوت الوزارة عن مناصبها تبينت، وكانت عالمة من قبل، وتبين أنصارها وكانوا يعلمون من قبل، وتبين الإنجليز، وكانوا واثقين من قبل، أن الأمر كله قد كان عنفاً، وسخرة، وإكراهاً، وأنه قد كان لهواً، ولعباً وفكاهة ومزاحاً.
    ولعل أصدق الأمثلة لهذه المأساة المضحكة ما كان من أمر صدقي باشا الذي ظل ثلاثة أعوام وبعض العام يحكم المصريين بالحديد والنار، ويأخذهم بالعنف والإكراه، ويزعم لهم ولنفسه أنه يحكمهم بالرحمة والعطف، ويصرف أمورهم بالرقة واللين. ويزعم لهم ولنفسه وللإنجليز أن الناس راضون عنه محبون له، يفتدونه بالأنفس والأموال، ويقتحمون من أجله لهب النار، وعباب البحار. حتى إذا خلا إلى نفسه وإلى أوليائه وأصفيائه، لم يصدق من هذا كله شيئاً، ولم يطمئن من هذا كله إلى شيء. والإنجليز يظهرون تصديقه ويضمرون تكذيبه! يعلنون ثقتهم برضا المصريين عنه ويسرون ثقتهم بسخط المصريين عليه. حتى إذا دارت الدائرة، وهوى صدقي باشا تبينت الإنس والجن. أنه لم يكن ظافراً برضا ولا بحب، وأنه لم يكن مؤمناً بأن أحداً يرضى عنه، أو يحبه، وأعلن هو في الصحف الإنجليزية أن الإنجليز أنفسهم، أبوا أن يفاوضوه. لأنهم كانوا يعلمون أن الشعب لا يؤيده. ولا يميل إليه.
    هذه كلها أوليات يعلمها الناس جميعاً، ويتحدث بها الناس جميعاً، ونحن نحرص أشد الحرص على أن يعلمها المندوب السامي لا بالقياس إلى الوزراء المصريين وحدهم، بل بالقياس إلى المندوبين الساميين أيضاً. فقد كان لورد كرومر يظن، وكان الإنجليز يظنون معه، أن أصحاب الجلاليب الزرقاء يحبونه، ويثقون به، ويطمئنون إليه. فلما هوى ظهر له وللإنجليز أن أصحاب الجلاليب الزرقاء لم يكونوا يحبونه، وإنما كانوا يخافونه.
    وكان كتشنر يظن ما ظن لورد كرومر. وكان لورد لويد يظن ما ظن صاحباه. فإذا حياة الفلاحين، والمثقفين والممتازين كلها تظهر أنهم لم يكونوا يحبون أحداً من هؤلاء، وإنما كان بعضهم يخاف، وبعضهم يعبث، وبعضهم يلتمس المنفعة، من أقرب وجوهها، لا أكثر ولا أقل، فإذا زعم أحد للمندوب السامي أنه يستطيع أن يجمع له المصريين وأن يسمعه هتافهم، وتصفيقهم، ويريه إعجابهم وإكبارهم، وثقتهم. فالخير للمندوب السامي أن يلقى هذا كله بهز الرأس ورفع الكتفين. فلن يثق الشعب المصري بإنجليزي، ولن يخلص الشعب المصري لإنجليزي مهما يكن، ومهما تكن الظروف حتى يحل ما بين مصر وإنجلترا من خلاف. ولن يثق الشعب المصري لوزير ولن يخلص الشعب المصري لوزير مهما يكن ومهما تكن الظروف حتى يطمئن الشعب المصري إلى أن هذا الوزير ديمقراطي صادق في ديمقراطيته، لا يتخذ الشعب وسيلة إلى الحكم، وإنما يتخذ الحكم وسيلة إلى خدمة الشعب. وإذن فقد يستطيع المندوب السامي أن يقدر ما كان في الصبرية حق قدره، وأن يقدر ما سيكون في غير الصبرية من القرى والضياع. والخير كل الخير، والراحة كل الراحة والجد كل الجد، والصدق الذي يلائم كرامة المندوب السامي، وكرامة بريطانيا العظمى، ألا يفكر المندوب السامي في زيارة القرى والضياع حتى تصلح الأمور بين المصريين والإنجليز، وحتى يصبح المصريون أحراراً في بلادهم حقاً، ويومئذ يرى ممثل بريطانيا العظمى كيف يضيفه المصريون مخلصين صادقين لا خائفين ولا عابثين.
    طه حسين
    الوادي، ٢٣ يوليه ١٩٣٤.

  • زيارة

    حديث الوادي
    زيارة…
    ولابد من العودة إلى هذه الزيارة التي انتقل لها المندوب السامي إلى الصبرية يوم الأربعاء، ليشارك وزير المالية في الطعام والشاي فيما قبل، وليرى المصريين في الريف، ويراه المصريون كذلك فيما قيل أيضًا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة لأن حديثها فيما يظهر لم ينقض بعد، ولعله لا يريد أن ينقضي، وإن كانت الصحف على اختلافها لا تريد أن نقدرها قدرها، ولا أن توفيها حقها من التفسير والإنكار، مع أنها من أهم الأحداث التي تمس الكرامة المصرية والشعور الوطني مسًا مؤلمًا حقًّا.
    لابد من العودة إلى هذه الزيارة، فقد يظهر أن بعض الجهات كما تقول الأهرام صباح اليوم، قد فطن آخر الأمر إلى أنها تستحق التفكير، وتحتاج إلى التفسير، وتدع إلى السؤال الكثير. وكان المعقول لو أن الأمور تجري في هذا البلد على ما يريد المعقول، أن تكون الفطنة لهذه الزيارة، والسؤال عما ستأخذه من الأشكال، وما سترمي إليه من الأغراض، وما ستنتهي إليه من النتائج قبل وقوعها لا بعده. ولكن المثل الفرنسي يقول: «رب تأخر خير من الامتناع».
    والناس يتحدثون بأن هذه الزيارة قد كانت الأولى، ولم تكن الأخيرة، وكانت المقدمة، ولم تكن الخاتمة، وبأن جماعة من الوزراء كانوا يريدون، أو كان يراد منهم، أن يسلكوا مسلك وزير المالية، وأن يظهروا ما أظهره صبري بك، من أن المصريين كرام حقًّا، يعرفون كيف يضيفون كبار الناس، وكيف يهيئون لهم أحسن الاستقبال.
    فإذا صح ما روته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات من بعض الجهات، فقد يكون في هذه الملاحظات المتأخرة ما يصرف الوزراء أو الذين قد يسعون عند الوزراء عن أن يذهبوا مذهب زميلهم النابغة الفذ والعبقري العظيم، وإذن فقد لا تحتاج الدولة إلى أن تمهد الأرض على حسابها في بعض الأقاليم لطيارة المندوب السامي، وقد لا يحتاج أهل الريف إلى أن يحشدوا ليستقبلوا المندوب السامي ويودعوه بالهتاف والتصفيق. وقد لا يحتاج المندوب السامي نفسه إلى أن يستعين بالوزراء على
    أن يسعى إلى أهل الريف في أماكنهم ويتفقد شؤونهم ويتعرف آمالهم وآلامهم ويوزع بينهم هذه الابتسامات الإنجليزية التي ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، وقد لا يستخزي الضمير المصري أمام نفسه وأمام الضمائر الأجنبية من أن مصريين قد جمعوا وهتفوا لممثل الدولة البريطانية التي ما تزال تغصب استقلالهم غصبًا، وتمكن لجيشها في أرضهم، وتملأ جوهم بطياراتها، وتفرض عليهم حياة لا يرضاها الشعب الكريم.
    وقد يعلم الوزراء وأعوان الوزراء وأنصار الوزراء أن من الإثم أن تنطلق ألسنة المصريين بالهتاف الأجنبي بيننا وبين بلده مخصومة، ما دامت هذه الخصومة قائمة، وأن من الإثم أن تندفع أيدي المصريين بالتصفيق لأجنبي بيننا وبين بلده خلاف، ما دام هذا الخلاف لم يحل. وأن من التفريط في ذات الوطن أن تقول مصر للإنجليز ردوا علينا استقلالنا، وخلوا بيننا وبين شؤوننا، وكفوا أيديكم عن أمورنا، وأن يهتف بعض المصريين ويصفق بعض المصريين في قرية وزير مصري لممثل الإنجليز وهم لم يردوا علينا الاستقلال ولم يخلوا بيننا وبين شؤوننا ولم يكفوا أيديهم عن أمورنا.
    قد يكون هذا كله إن كان صحيحًا ما نشرته الأهرام، من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات. فأحرى أننا نسأل أنفسنا ونطيل السؤال عن هذه الزيارة كيف كانت وكيف قبلها وزير المالية أو دعا إليها. ذلك أن وزير المالية لو استشار ضميره المصري لأشار عليه هذا الضمير، وهو حي من غير شك، بأن هذه الزيارة لا تلائم مصلحة مصر، ولا كرامة مصر، ولا سيما مع ما أحاط بها من الظروف والأشكال.
    فالشعب المصري في خصومة مع الإنجليز، والوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، مكلف أن يعرف هذه الخصومة وأن يرعى حقها، وهو في منصبه ليدافع عن مصر، وليقرب بينها وبين الإنجليز، بالدفاع عن حقها، وبحفظ كرامتها، وبإظهارها مظهر القوي العزيز لا مظهر الضعيف الذليل.
    فالوزير المصري مهما يكن، وسواء أراد أم لم يرد، محام عن مصر، لا ينبغي له أن يقصر في ذات موكله، ولا أن يفرط في حقه بحال من الأحوال. وليس من الترفع عن التقصير في ذات مصر، والتفريط في حقها بحال من الأحوال أن يدعو وزير من وزراء مصر ممثل الإنجليز إلى حيث يلقاه المصريون طوعًا أو كرهًا بالهتاف والتصفيق، والخصومة بيننا وبين الإنجليز ما زالت قائمة. ولو أن وزير المالية استشار عقله، وهو كبير من غير شك، لما قبل هذه الزيارة ولا دعا إليها في هذه الظروف التي نحن فيها، ولما انفرد بها على هذا النحو الذي كان. فإن زملاءه ناس مثله يحسون ويشعرون، ويفكرون ويسألون عما كان وعما يمكن أن يكون، وما نظن أنهم قد ذاقوا هذه الزيارة كما ينبغي أن تذاق وأساغوها كما ينبغي أن تساغ وهضموها كما ينبغي أن تهضم. فإن ابتداء وزير المالية بها وأعراضه عن دعائهم كلهم أو بعضهم إليها ليس من شأنه أن يرضيهم وليس من شأنه أن يملأ قلوبهم ثقة وأمنًا واطمئنانًا.
    ثم لو استشار وزير المالية عقله أيضًا لأشار عليه هذا العقل الكبير بأن الظروف التي نحن فيها تفرض على الوزراء وأشباه الوزراء أن يرعوا أقصى ما يستطيعون من الدقة والاحتياط فيما يكون بينهم وبين الإنجليز من الصلات. فحديث الإنجليز عن العهد الكرومري كثير جدًّا في هذه الأيام ويرددونه في مصر ويرددونه في إنجلترا، ويأتون من الأعمال ما يدل على أنهم يريدون الجد ولا يريدون الهزل. والعهد الكرومري معروف، معروف في جملته وتفصيله، قوامه تسليط القوة على مصر وأخذهما بالحزم من غير تفريق بين مصر الشعبية، ومصر الرسمية، بحجة إنقاذ الشعب من ظلم الحكام، وحماية الشعب من طغيان السلطان، ونظن أن وزراء مصر سواء أكانوا من أنصار الشعب أم لم يكونوا، لا ينبغي لهم وهم وزراء أن يعينوا من قريب أو من بعيد على إعادة هذا العهد الكرومري أو تقريبه أو على أي عمل من شأنه أن يخيل إلى الناس أن هذا العهد قد عاد أو أنه يوشك أن يعود. في ذلك تفريط في حق مصر وفي ذلك إساءة صارخة إلى مصر الرسمية وإلى مصر الشعبية، فكلتاهما تكره أن يعود العهد الكرومري، وكلتاهما ترى من الذلة والهوان أن يعين أي مصري على أن يعود هذا العهد. ووزير المالية رجل ذكي، وهو يفهم عنا حق الفهم ما نريد أن نقول، وهو يوافقنا من غير شك على أنه لو استشار ضميره لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار عقله لصرفه عن هذه الزيارة، ولو استشار منفعته المحققة الدائمة لصرفته عن هذه الزيارة أيضًا.
    فقد يكون في هذه الزيارة شيء من الجاه الظاهر وارتفاع الشأن العارض، ولكن الحكماء يفكرون في غد وفي أمس أكثر مما يفكرون في اليوم.
    وبعد فإنا نرجو أن يكون صحيحًا ما تحدثت به الأهرام من أن هذه الزيارة قد أثارت بعض الملاحظات، ونرجو بنوع خاص أن تقع هذه الملاحظات موقعها الذي ينبغي لها من نفوس الوزراء جميعًا، فيعلموا أن الصلة بينهم وبين دار المندوب السامي يجب أن تقوم على الدقة والفطنة وعلى الحذر والاحتياط.
    طه حسين
    الوادي، ٢٢ يوليو ١٩٣٤.

  • هتاف

    حديث الوادي
    هتاف . . .
    وكنا نريد أن نتخذ الصبريات عنواناً لهذا الفصل فهو متصل بصبري بك وزير المالية، وبصبريته التي دعا إليها المندوب السامي يوم الأربعاء . ولكن الأمر لا يحتمل الفكاهة، ولا يبيح المزاح . وهل الصبريات إلا عنوان الفكاهة والمزاح ؟ الأمر أشد خطراً، وأبعد أثراً من كل ما أخذ به وزير المالية، منذ تولى الحكم إلى الآن، لأنه لا يمس منفعة من المنافع التي قد يختلف فيها الرأي، ويتعرض الناس في تقديرها وتدبيرها للخطأ وللصواب . وإنما يمس الضمير المصري كله، ويمس الكرامة المصرية كلها، ويمس الشعور الذي يجب أن ينبث في كل قلب مصري بأن هذا البلد كريم على نفسه، فيجب أن يكون كريماً على الناس، وبأن هذا البلد مخاصم للإنجليز حتى يتم الاتفاق بينهم وبينه، على ما يفسد أموره من خلاف .
    نعم، الأمر أجل خطراً وأبعد أثراً، من قصة الدين العام، ومن قصة الدين العقاري، ومن قصة الاستبدالات ومن قصص النقل والعزل، والإيثار والمحاباة، لأن هذه القصص كلها تمس المنافع العامة التي يختلف فيها الرأي كما ألممنا بها، والتي مهما تعظم الخسارة فيها، فهي خسارة موقوتة محددة يمكن أن تحتمل، ولو على مضض، ويمكن أن تعالج ولو في مشقة وجهد وعناء . ولأنه أمر الاستقلال المصري كله، وأمر العزة المصرية كلها، وأمر هذا الجهاد الوطني الذي احتمل المصريون أثقاله، وشقوا بآلامه، وضحوا فيه بالأنفس والأموال منذ أكثر من نصف قرن .
    شهوة من الشهوات ثارت في نفس وزير من الوزراء، أو ثارت في نفس ممثل أجنبي لدولة أجنبية، فأراد الوزير أن يدعو المندوب السامي إلى أن يزور قريته، أو أراد المندوب السامي أن يدعوه الوزير لزيارة هذه القرية . فما ينبغي أن تكون هذه الشهوة الفردية وسيلة إلى تحميل مصر ما لا ينبغي أن تحتمل، وتكليف الشعب ما لا ينبغي أن يتكلف، وإغراء الشعب بما لا ينبغي أن يغرى به، ودفع الشعب إلى ما لا ينبغي أن يدفع إليه .
    ما هذه الجموع التي حشدت للمندوب السامي تستقبله منذ هبطت طيارته إلى الأرض متى وصل إلى دار الوزير هاتفة مصفقة، مظهرة الإعجاب والإكبار وتردده منذ خرج من دار الوزير إلى أن وصل إلى طيارته، هاتفة مصفقة مظهرة الإعجاب والإكبار . فيم هذا كله ؟ ولم هذا كله ؟ ولمن هذا كله ؟
    أيكفي أن يشتهي الوزير أن يزوره المندوب السامي، أو أن يشتهي المندوب السامي زيارة الوزير، ليحشد المصريون ويهتفوا ويصفقوا، ويظهروا لممثل الدولة البريطانية التي تظلمهم أنهم راضون عن ظلمها، والتي تعتدي على استقلالهم أنهم مغتبطون بعدوانها، والتي تحملهم على شر ما تحمل عليه الأمم من الحياة أنهم راضون عن سيرتها فيهم ؟ أيكفي أن يشتهي الوزير أن يشرفه المندوب السامي بزيارته ليحشد المصريون فيظهروا ما لا يشرفهم، ولا يشرف الوزير، ولا يشرف مصرياً مهما تكن منزلته، ومهما يكن مقامه بين المصريين ؟ إحدى اثنتين، إما أن تكون أنباء هذا الهتاف والتصفيق، وأخبار هذه التحيات وهذا الإعجاب صادقة وإذن فهي خزي للذين اقترفوها، وإذن فهي إثم على الذين أغروا بها، ودفعوا إليها، ورغبوا فيها، وإذن فهي استهانة بكرامة الشعب وتفريط في حق الشعب، وتعويد للشعب أن يكون ذليلاً مهيناً . وإما أن تكون هذه الأنباء كاذبة لا أصل لها، مختلقة لا تصور الحق وإذن فالسكوت عليها إثم، والصمت عن إذاعتها جناية على كرامة مصر، ولمتهان لعزة المصريين . ومن حق الذين لم يأثموا بتكريم المندوب السامي ولا بالصمت عن هذا التكريم أن يعرفوا كيف وقع هذا الإثم، وأن يتبينوا وجه الحق فيه . من حق المصريين جميعاً على وزير المالية، وعلى مدير الغربية أن يعرفوا هل اجتمع المصريون كما نشرت المقطم أول أمس فحيوا المندوب السامي وودعوه بالهتاف والتصفيق، وبإظهار الإعجاب والإكبار . أم هل اخترعت هذه الأنباء اختراعاً، واختلقت اختلاقاً ؟ فإن تكن الأولى فمن الحق على وزير المالية أن يألم فيما بينه وبين نفسه، وأن يندم على هذه الفرصة التي هيأها لأنها ليست من الفرص التي تشرف مهيئيها وتملأ نفوسهم وقلوبهم عجباً وتيهاً . وإن تكن الثانية فمن الحق على الوزارة أن تكذب هذه الأنباء، وأن تسأل الذين أذاعوها من أين استقوها وكيف أباحوا لأنفسهم إذاعتها، دون أن يستوثقوا بأنباء الحق الذي لا شك فيه .
    لقد ضج المصريون من زيارات اللورد لويد للأقاليم وثارت لذلك ثائرة البرلمان، فماذا نرى الآن، نرى الوزراء يهيئون لزيارات المندوب السامي للأقاليم ويخلقون الفرص التي تصل بينه وبين المصريين، والتي تشعره بأن المصريين يكبرونه، ويعجبون به، وينتظرون منه الخير . هذا كثير على بلد يطالب بالاستقلال، ويعتقد وزراؤه أنهم مستقلون .
    ما أجدر المصريين أن يفكروا، وأن يسألوا ضمائرهم، فقد يظهر أن هذه الضمائر في حاجة إلى أن يلح عليها في السؤال . إذا أراد رئيس الوفد أو عضو من أعضاء الوفد أن يزور مدينة أو قرية، أو يطوف في إقليم من الأقاليم حيل بينه وبين ذلك بالشرطة والجند، والقوة المسلحة، وفتح الجسور، وحفر الخنادق وإقامة العوائق . وإذا أراد المندوب السامي أن يزور قرية من القرى في إقليم من الأقاليم مهدت لطيارته الأرض تمهيداً، بأموال الدولة وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب، ثم جمع له المصريون يستقبلونه ويودعونه بالهتاف والتصفيق .
    كأن رئيس الوفد وأعضاء الوفد هم خصوم مصر والغاصبون للاستقلال فلا ينبغي أن يراهم الشعب، ولا أن تتصل أسبابهم بأسبابه، وكأنما المندوب السامي هو منقذ مصر من كل شر، وحاميها من كل عدوان، والذي حفظ عليها استقلالها، ورد إليها كرامتها، وقال لأبنائها كونوا أعزاء فأصبحوا أعزاء !
    يا لسخرية القضاء ويا لعبث الأيام ! والوزراء المصريون هم الذين يهيئون لذلك، ويخلقون له الفرص ! إن المجاملة لأهون من هذا كله، إن السلطان لأهون من هذا كله، إن حياة الأفراد ومنافعهم لأهون من هذا كله . كيف لا يفكر الوزراء في هذا ولا يسألون عنه ضمائرهم ؟
    يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! إن الناس يتحدثون بأن وزراء آخرين قد يهيئون لمثل ما هيأ له وزير المالية فيزورهم المندوب السامي في أقاليمهم، ويومئذ تمهد الأرض لطيارته تمهيداً بأموال الدولة، وعلى حساب الخزانة العامة، وبأيدي أبناء الشعب الذي سفك دمه في المطالبة بالاستقلال، حتى إذا هبط المندوب السامي ممثل الدولة الغاصبة للاستقلال، استقبله مصريون بالهتاف والتصفيق، وودعه مصريون بالهتاف والتصفيق .
    وتحدث الناس بعد بأن الوزير سعيد يبسم له المستقبل، ويضحك له الأمل، أليس قد زاره المندوب السامي البريطاني ؟ يا لسخرية القضاء، ويا لعبث الأيام ! أهانت كرامة مصر وحقوقها إلى هذا الحد على المصريين ؟ . . .
    طه حسين
    الوادي، ٢١ يوليه ١٩٣٤ .

  • استقال

    حديث الوادي
    استقال
    نعم، استقال الرجل الطيب، من رياسة حزبه العظيم، ولولا أنه رجل طيب لما قبل هذه الرياسة. واستقال الرجل الطيب من رياسة الوزارة، ولولا أنه رجل طيب لما قبل رياسة الوزارة. فإن أمثاله من الرجال الطيبين لم يخلقوا لرياسة الأحزاب، ولا لرياسة الوزارات، وإنما خلقوا ليستمتعوا بالشروة الطائلة والعيش الناعم، وليختلفوا إلى الأندية ويظهروا في المحافل الاجتماعية التي يلغو فيها الناس كثيرًا ولا يعرضون من الجد فيها لقليل ولا لكثير.
    لمثل هذا خلق الرجل الطيب، ولكن الطمع يغري، والغرور يكلف الناس ما لا يطيقون، ومن وراء الرجال الطيبين رجال خبثاء يدفعونهم فيندفعون ويجذبونهم فينجذبون، يرفعونهم فيرتفعون، ويخفضونهم فينخفضون، يلعبون بهم كما يلعب الصبي بالكرة فيطيعونهم كما تطيع الكرة الصبيان. يقولون لهم تقدموا إلى الحكم فلا يترددون في التقدم، ويقولون لهم أقيموا في الحكم فلا يمتنعون عن الإقامة، ثم يقولون لهم انزلوا عن الحكم فلا يتحرجون من النزول: لا يستشيرون إرادتهم في شيء من هذا، لأن إرادتهم لا تستطيع أن تتعلق بشيء من هذا، ولعل منهم من لا إرادة له، لأن الإرادة لا تجد أمثال هؤلاء الرجال الطيبين.
    والغريب من أمر هؤلاء الرجال الطيبين أنهم لا يطيعون دعاة الخير، ولا يؤمنون للناصحين ولا للمخلصين، وإنما يطيعون أصحاب الشر ويستجيبون لدعاة الفساد. ولعل مصدر هذا أن الأخيار الذين يحبون النصح ويحرصون على الجد والإخلاص في القول والعمل، لا يثقون بمثل هؤلاء الرجال الطيبين، ولا يطمئنون إليهم ولا يعتمدون عليهم في جد الأمر، لأنهم يعلمون أنهم لا يقدرون من ذلك على شيء، فكأن الله عز وجل قد خلق هؤلاء الرجال الطيبين أدوات المهرة المكره الذين لا يرعون حقًا حرمه، ولا يحفلون بجد ولا إخلاص ولا يبتغون إلا المنافع العاجلة التي لا تشرف من يطلبها ولا من يتوسط في تحقيقها. مهما يكن من شيء فقد دفع الرجل الطيب إلى رياسة الوزارة فاندفع وقد جذب الرجل الطيب عن رياسة الوزارة فانجذب، وقد رفع الرجل الطيب إلى رياسة الحزب فارتفع، ثم خفض الرجل الطيب عن رياسة الحزب فانخفض. والظريف أنه كان
    رجلًا طيبًا بأوسع معاني الكلمة وأدقها، فقد خدعته الألفاظ، وسحرته المظاهر فظن أنه رئيس الوزراء، ثم آمن بذلك وظل مؤمنًا به حتى استقال من رياسة الوزراء وظن كذلك أنه رئيس الحزب، ثم آمن بذلك حتى استقال من رياسة الحزب. وهو لم يقف عند الظن والإيمان ولكنه تكلف أن يأتي أعمال الرؤساء، فتكلم كما يتكلم الرؤساء وأمر ونهى كما يأمر الرؤساء وينهون وكان الناس جميعًا يعتقدون أنه لا يقول ولا يأمر ولا ينهى. أما الأبراشي باشا هو الذي يقول ويأمر وينهى ولكن الرجل الطيب نفسه كان يعتقد أنه هو الذي يقول وهو الذي يأمر وينهى، ولعله كان يعتقد أنه هو الذي يسخر الأبراشي باشا لما يريد، وذلك كله لأنه رجل طيب، يشبه يحيى باشا إبراهيم، وأقر أن يحيى باشا إبراهيم من هؤلاء الناس الذين يأتمرون ويظنون أنهم يأمرون وينهون ويحسبون أنهم ينهون، ويحكون ويرون أنهم يقولون ويمثلون ويعتقدون أنهم يعملون.
    استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، في غير ضجيج ولا عجيج وترك الميدان السياسي كله لمن شاء أن يصول فيه ويجول من الرجال الخبثاء ومن الرجال الطيبين، وهو لم يستَيْئِس من العودة إلى الميدان لأنه ما زال رجلًا طيبًا ينتظر أن يدفعه رجل خبيث إن سنحت الفرصة أو أتت الظروف فيصبح رئيسًا للوزارة ويسيطر على شؤون حزب الشعب إن استطاع حزب الشعب أن يحتفظ بالبقاء.
    وكان الرجل الطيب قد أظهر مقاومة لصدقي باشا وكان قد أظهر مقاومة لمصر كلها، يقاوم ذاك في حزب الشعب، ويقاوم هذه في رياسة الوزراء، فقد ظهر الآن واستبان أن الرجل لم يقاوم ذاك ولم يقاوم هذه وإنما الأبراشي هو الذي حارب صدقي باشا فهزمه، وهو الذي حارب الشعب المصري فانهزم أمام الشعب المصري.
    وأمثال الرجل الطيب يوجدون في كثير من بلاد الأرض، وعندنا منهم في مصر نماذج لا بأس بها. كان منهم رئيس للوزراء، وكان منهم رئيس للشيوخ، وكان منهم رئيس للنواب في العهد البغيض أريد لهم أن يظهروا فظهروا، ثم أريد لهم أن يستخفوا فاستخفوا وهم الآن على الرف ينتظرون أن يراد لهم البروز إلى الميدان مرة أخرى. هم مساكين لا ينبغي أن تثار عليهم الحرب لأنهم لا يقدرون على أن يصطلوا نار الحرب، وإنما الذين ينبغي أن تثار الحرب عليهم هم الخبثاء الذين يستغلون ضعفهم وسذاجتهم فيكلفونهم ما لا يستطيعون ويكلفون الناس بهم شططًا ثقيلًا. وما دام في مصر الأبراشي باشا ومن
    يشبه الأبراشي باشا فسيكون في مصر عبد الفتاح باشا ومن يشبه عبد الفتاح باشا من الرجال الطيبين. فإذا أراد المصريون أن يأمنوا شر الرجال الطيبين فليس لهم إلى ذلك سبيل إلا أن يأمنوا شر الرجال الخبثاء، وهم لا يبلغون هذا إلا إذا شرعوا لأنفسهم من القوانين والأصول ما يكف غير المسئولين عن التدخل في أعمال المسئولين، وما يعاقب الواغلين في السياسة على وغولهم في السياسة، وما يعاقب الوزراء وإن كانوا رجالًا طيبين على تجاوزهم حقوق الوزراء. فالمصريون إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول، وجدوا في احترامها وتنفيذها أمنوا أن يظهر فيهم مثل الأبراشي باشا ليفسد على الوزارات الجادة جدها، وليسخر الوزراء الطيبين لما يريد، ومن يدري؟ لعل المصريين إن شرعوا هذه القوانين واتخذوا هذه القواعد والأصول أن يشفوا زكي الأبراشي باشا وأمثاله من الخبث وأن يشفوا عبد الفتاح يحيى باشا وأمثاله من هذه الطيبة التي تضحك وتبكي في وقت واحد.
    ليصدقني المصريون حكومة وشعبًا كما يقولون: فليس لعللهم السياسية دواء إلا أن تكون كلمة التبعة كلمة تدل على معنى، فلا يقدم الوزير أو غير الوزير على الإثم وهو آمن من العقاب. وأقسم لو عوقب صدقي وأصحابه، والأبراشي وأذنابه، على ما اقترفوا من إثم وما احتملوا من وزر وما ضيعوا من حق وما أهدروا من كرامة، لطهر الجو المصري من الفساد والمفسدين، ولكن كلمة التبعة في مصر كلمة تجري بها الألسنة دون أن تعيها القلوب، ولأنها ما زالت إلى الآن كلمة فارغة لا تدل على شيء. ماذا أصاب الوزراء المفسدين عقابًا على ما نشروا من فساد؟ إنهم آمنون إنهم ناعمون، إنهم يسعدون بما جمعوا من ثروة، إنهم ينتظرون الفرصة ويتهيأون للظروف، فأما الشعب المصري الذي هو ضحيتهم، والذي حملوه ما حملوه من العذاب، فإنه يلام حتى حين يظهر ابتهاجه بزوال المحنة وارتفاع الشر وانتهاء الفساد.
    كلا، ما هكذا تستقر فكرة العدل في قلوب الناس، وما هكذا تكون التربية السياسية الصحيحة للشعوب إن الذين يريدون أن يملأوا قلب المصري حبًّا للعدل وثقة به واطمئنانًا إليه، خليقون أن يعاقبوا المفسد على فساده وأن يقفوا صدقي باشا وأصحابه، والأبراشي باشا وأذنابه، والرجال الطيبين أمام القضاة، ليسألوا عما عملوا وليحتملوا تبعات أعمالهم حقًّا. ليحتملوها احتمالًا واضحًا جليًّا يحسه كل مصري،
    ويعرف به المظلوم أن الظلم الذي وقع عليه لم يذهب سُدىً، وأن راحة هؤلاء المفسدين ليست آثر من راحة الشعب، وأن المفسد لا يكافأ على الفساد بالأمن والدعة والنعيم على حين يكافأ المظلوم بالعطف الذي لا يغني والرثاء الذي لا يفيد.
    لقد استقال الرجل الطيب من رياسة حزب الشعب، ومن قبله استقال صدقي باشا، وقد يستقيل الأبراشي باشا من عمله في القصر، ولكن شيئًا من هذا لن ينفع الناس شيئًا، ولن يربح المظلوم مما أصابه، ولن يرد على أصحاب الحقوق ما أضاع هؤلاء الناس من الحقوق، ثم لن يرد على شهداء العهد البغيض حياتهم التي اختطفت منهم ومن أمتهم اختطافًا.
    طه حسين
    الوادي، ٢٠ يوليه ١٩٣٤.

  • عيسويات

    حديث الوادي
    عيسويات…

    ليست جديدة، ولكن الوقوف عندها ليس به بأس؛ لأنه يبين شيئًا يظهر أن الناس لم يستبينوه بعد، ومن الحق عليهم لأنفسهم أن يعرفوه، وأن يفهموه، وأن يتذوقوا مرارته، ويصطلوا لهيبه المحرق الأليم. وهو أن أخص ما يمتاز به وزير التقاليد بين زملائه الوزراء أنه رجل قوي من الطراز الأول، مؤمن بقوته وسلطانه، يستمتع بحظه منهما، في غير تردد ولا حرج ولا جناح، ولعله يجد في ذلك لذة لا تعدلها لذة، وابتهاجًا لا يشبهه ابتهاج. فمن الناس من تعجبه القوة، ويلذ له البطش، ويسره أنه قادر على إذلال أمثاله، وإخضاعهم بألوان اليأس والاستبداد.

    وأنا مستعرض معك طائفة من هذه العيسويات التي تحدثت بها الصحف، وما زالت تتحدث بها في هذه الأيام، فإذا لم ترها كلها مصورة لهذه القوة، ممثلة لهذا الميل العنيف إلى الإذلال، يصعب على من ينبغي أن يكونوا فوق الإذلال، فأنا المخطئ وأنت المصيب.

    ولست أحدثك عن قصة الأستاذ مصطفى نظيف الذي أراد له مجلس مدرسة الهندسة الرقي والعزة، فأبى عليه وزير التقاليد إلا التأخر والذلة، وآثر عليه أستاذًا بريطانيًّا، ثم لم يكتف بذلك فنقله إلى أسيوط.
    لست أحدثك بقصة هذا الأستاذ، فقد بَعُد العهد بها، ونسيها رجال التعليم، وما أضعف حظ رجال التعليم من الذاكرة في ظل وزير التقاليد. إنما أحدثك بقصة أخرى طريفة لم ينسها الناس بعد، ونظن أن رجال التعليم سيتحدثون بها عصرًا طويلًا؛ لأن فيها إذلالًا لهم أي إذلال، وهي قصة تمثيل الحكومة المصرية في مؤتمر التربية الذي يعقد في جنيف.

    ففي وزارة المعارف معهد التربية، أول أغراضه تخريج المعلمين من جهة، ودرس التربية في نفسها من جهة أخرى، ولهذا المعهد ناظر ووكيل، وفي هذا المعهد أساتذة ومدرسون، والمفروض أن رجال هذا المعهد هم أعلم الناس في مصر بشؤون التربية من الوجهة النظرية، ومن الوجهة العملية، ومن الوجهة التطبيقية والإحصائية في جميع المعاهد والمدارس في مصر. والمعقول أن رجال هذا المعهد هم أحق الناس بتمثيل مصر في المؤتمرات التي تعقد للتربية والتعليم، وهم أقدر الناس على هذا التمثيل.

    ولكن وزير التقاليد جهل هذا المعهد ورجاله جهلًا، وأعرض عن هذا المعهد ورجاله إعراضًا، وأرسل مدير مكتبه ليمثل مصر في مؤتمر جنيف. ومدير مكتبه لا يحسن من أمور التربية قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعرف من شؤونها إلا ما يعرفه موظف خرج من دار العلوم، ولم يشتغل بالتربية ولا بالتعليم. ومدير مكتبه لا يحسن لغة أجنبية من اللغات التي سيتحدث بها المؤتمرون، وإنما يلم بالفرنسية إلمامًا لا يمكنه من فهم ولا من تفهيم.

    وهو مع ذلك قد سافر ليمثل مصر في مؤتمر سيأتلف من كبار المربين والمعلمين في أقطار الأرض، سيسمع لهم فلا يفهم عنهم، وسيتحدث إليهم فلا يفهمون عنه، وسيعود إلى مصر وقد مثلها على أحسن وجه في مؤتمر التربية والتعليم.

    ورجال التربية والتعليم «يقشرون البصل» في معهد التربية؛ لأن وزير التقاليد أراد ذلك، وإذا أراد وزير التقاليد شيئًا، فلا مرد له؛ لأن وزير التقاليد قوي عزيز. ولا نذكر المراقبين، والمراقبين المساعدين، ولا نذكر المفتشين، ولا نذكر الجامعيين، فما يعبأ الله بهؤلاء ما دام الوزير لا يعبأ برجال معهد التربية.

    وكان يقال إن وزير التقاليد أحس أن مدير مكتبه ضعيف عن أن ينهض وحده بهذه المهمة؛ لأنه لا يحسن لغة من لغات المؤتمر، فهمَّ أن يرسل معه من يترجم له ويترجم عنه، ولكن وزير ماليتنا، الرجل الخطير، حال دون ذلك. وهل يفل الحديد إلا الحديد؟ وهل يذيب العيسويات إلا الصبريات؟ فسافر ممثلنا وحده، وسيعود وحده.

    ودع هذه العيسوية، وانتقل إلى عيسوية أخرى، ولتكن من عيسويات الجامعة؛ فلوزير التقاليد في الجامعة بلاء حسن، وله عليها أيادٍ بيض. خذ قصة هذا الأستاذ أو المدرس الذي رشحته الكلية، ورشحه مجلس الجامعة، لتعليم الفقه الإسلامي في كلية الحقوق، فأبى الوزير رأي المجلسين، ولكن نصف إباء لم يُقرّه، ولم يرفضه. وإنما قسم العمل بين مرشح المجلسين، وبين رجل آخر قسمة عادلة، لكل منهما النصف عن طريق الانتداب، في غير أوقات العمل في وزارة الحقانية، لا عن طريق التعيين. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم في هذا، ولا تسل قانون الجامعة عن رأيه في هذا. فما يعبأ الله بالجامعيين ولا بقانون الجامعة، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    ودع هذه العيسوية الثانية، وخذ عيسوية أخرى في كلية الحقوق، وهي هذه التي نشرها الوادي يوم الجمعة، ولم ينكرها الوزير إلى اليوم. صهر من أصهاره يعين مدرسًا مساعدًا في الكلية، ويرشح لبعثة طويلة في باريس، لا يؤهله لذلك إلا أنه صهر الوزير، وهذا في القرن العشرين وفي ظل الدستور وفي كلية الفقه والقانون. ولكن ما خطب هذا كله ما دام وزير التقاليد يريد ما يريد؟ ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، ولا تسل أقران المعيد عن رأيهم، ولا تسل أساتذة قسم الدكتوراه عن رأيهم، فما يعبأ الله بهؤلاء، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    وخذ عيسوية رابعة، في كلية الآداب: معيد يفرض على هذه الكلية فرضًا، بعد أن أُخرج منها إخراجًا، لأن وزير التقاليد يريد ذلك، ولا تقول الكلية شيئًا، إما لأنها لم تُسأل، وإما لأنها خافت أن تقول. ولكن المفتشين يسألون فيقولون، ثم يشاع أن تعيين هذا المعيد موقوف بعض الشيء، لا لأن الجامعيين لا يريدونه، بل لأن المفتشين لا يشيرون بتعيينه. الله أكبر! فقد خضعت الجامعة للتفتيش، وأصبح رأي المفتشين لا رأي الجامعيين يقضي في أمر الجامعة. ولا تسل الجامعيين عن رأيهم، فهم يصطافون، وما يعبأ الله بالجامعيين، وإنما يعبأ بوزير التقاليد.

    أشبعت من العيسويات أم لم تشبع بعد؟ إنها لأكثر مما تظن. إنها الخليقة أن تشبعك وأن تدفعك إلى الكلفة وعسر الهضم، ولكنها مع ذلك مفروضة عليك، ستبتلعها وأنت راغم، وليس المهم أن تسيغها ولا أن تهضمها، وإنما المهم أن تتلقاها، مذعنًا صابرًا؛ لأنها تصدر عن وزير التقاليد، ووزير التقاليد قوي عزيز، قد سلطه الله على المصريين ليذل خيار المصريين، فيجب على خيار المصريين أن يذلوا. فإن لم يعجبهم هذا، فماء النيل كثير، وماء البحر أكثر.

    طه حسين
    الوادي، ١٧ يولية ١٩٣٤.

  • صبريات٣

    حديث الوادي
    صبريات
    ليست غريبة ولا جديدة، فليس من وزير ماليتنا جديد لأن الناس قد تعودوا منه الطرائف وانتظروا منه الأعاجيب. والناس يعلمون من أمر هذه الصبريات التي نريد أن نحدثهم عنها كل شيء. فقد أذاعتها الصحف، وتحدثت بها الأندية، ولكن علم الناس بها لا يستتبع فهمهم لها. وما أكثر الأشياء التي تُعلَم ثم لا نفهم حتى يؤول لهم الراسخون في العلم، والقادرون على التأويل. ولسنا والحمد لله من الراسخين في العلم، ولا من القادرين على التأويل، ولسنا لذلك نريد تأويلاً أو تعليلاً لهذه الصبريات التي تعجز المؤولين والمعللين، إنما نحن من عامة الناس نريد أن نفهم، ولا نستطيع أن نفهم. فنحن نتوسل إلى القادرين على التفسير أن يفسروا لنا، وإلى البارعين في التأويل أن يؤولوا هذه الأعاجيب.
    منذ أيام دعا وزير المالية صبري بك زملاءه للوزارة إلى وليمة بحرية، ثم إلى نزهة بحرية بعد الغداء ثم إلى شاي بعد النزهة، ولم تكن الوليمة في سفينة يملكها الوزير، أو في يخت يعده الوزير لراحته ونزهته، وإنما كانت في طوافة من طوافات الدولة، يقال إنها أعدت لخفارة الساحل، وحمايته من المهربين.
    فقد نحب أن نفهم معنى هذه الوليمة ومغزى هذه النزهة، ومرمى هذا الشاي؟ ومن حقنا أن نفهم هذا وأن نلتمس فهمه ونتشدد فيه، فليس حظ الوزير الخطير وزملائه من هذه الطوافة بأعظم من حظنا، وليس حق الوزير الخطير وزملائه في الانتفاع بهذه الطوافة بأعظم من حقنا، وكل ما بينه وبيننا من الفرق هو أننا أنبناه عنا في العناية بهذه الطوافة واستخدامها لما هيئت له من حماية السواحل من المهربين والمعتدين. ومن المحقق أننا لم ننبه عنا في أن يتخذ الطوافة أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. ومن المحقق أيضاً أنك لا تستطيع، وأني لا أستطيع أن تتخذ هذه الطوافة التي نملكها كما يملكها الوزير أداة للنزهة، أو مستقرًا لولائم الغداء والشاي. وإذن فقد نحب أن نفهم، ومن حقنا أن نفهم، كيف استطاع وزير المالية صبري بك أن يدعو زملاءه الوزراء إلى الغداء، ثم إلى النزهة، ثم إلى الشاي على ظهر هذه الطوافة؟ وعلى أي حق من حقوق الوزراء اعتمد في هذه الدعوة؟ ولا نقل أننا نتعلق بشيء صغير، ونقف عند التافه من الأشياء. فليس في حقوق الدولة حق صغير وآخر كبير، وإنما حقوق الدولة كلها كبار.
    ومن أباح لنفسه أن يستهين بواحد منها فهو خليق أن يبيح لنفسه الاستهانة بها جميعاً. ومن حقنا أيضاً أن نفهم وأن نتشدد في الفهم وأن نعلم على حساب من كان هذا الغداء، وعلى حساب من كانت هذه النزهة، وعلى حساب من كان هذا الشاي، أكان الإنفاق على هذا كله من مال الوزير الخاص، وإذن فهل دفع للدولة أجرًا لهذه السفينة، أم كان الإنفاق عليها من مال الدولة، وإذن فمن الذي زعم أن من حق الوزراء على الدولة أن تغديهم في سفنها وتمكنهم من النزهة، وتقدم لهم الشاي بعد ذلك؟ أفيدخل هذا في واجبات الاصطياف التي تنهض بها الدولة للوزراء حين ينتقلون من القاهرة إلى الإسكندرية في غير موجب للانتقال. وإذا أباحت الدولة للوزراء أن ينفقوا من أموالها في طعامهم وشرابهم ونزهتهم فما بالها لا تبيح هذا لغير الوزراء؟
    كل هذه مسائل لا يحفل الناس بها ولكننا نحن نحفل بها كل الحفل، ونسأل عنها ونلح في السؤال. لأننا نحب لوزرائنا أن يكونوا مثلاً علياً في الدقة ونقاء اليد وصفاء الضمير، والتحرج من إنفاق أموال الدولة مهما تكن قليلة ضئيلة، في غير حق، ومن بذل أموال الدولة مهما تكن يسيرة هينة، في غير وجوه البذل المعروفة التي تدعو إليها المنفعة، ويبيحها القانون.
    ثم للمسألة وجه آخر خليق أن نتبينه وأن نعرف رأي وزيرنا الخطير فيه، فما الذي حمله على أن يقيم هذه الوليمة ويدعو إلى هذه المأدبة؟ وأين الظرف السعيد الذي يبيح للوزراء أن يتوسعوا بعض الشيء في الإنفاق ويخرجوا بعض الشيء عما يجب أن يأخذوا أنفسهم به من التحرج في البذل والإنفاق؟ أوفق وزير ماليتنا الخطير إلى حل مشكلة من مشكلات الدولة في الدين العقاري أو في الدين العام، أو في الاستبدالات، أو في أزمات الموظفين التي لا تنقضي، أو في تخفيض الضرائب التي لا تريد أن تخفض، أو في تفريج الكرب الذي لا يريد أن يزول. فهو مغتبط بهذا التوفيق، وهو يريد أن يشرك زملاءه في هذا الاغتياط، وهو يرى أن من حقه على الدولة أن تبيح له فضلاً من سعة لما أدى إليها من خدمة، ولما رد عنها من هم، وأن تتيح له ولزملائه ساعات من نهار يتأرجحون فيها على موج البحر، ويستمتعون فيها بمناظر الشمس حين تلقي أشعتها الشاحبة على الأمواج الصاخبة في وقت الغروب، ويستحضرون فيها هذه الخواطر الفلسفية العليا التي يستحضرها الشعراء والرجال المثقفون حين يرون الأمواج العنيفة، تضطرب اضطراباً عنيفاً بصور السماء التي تعكسها عليها أضواء الشمس آخر النهار.!
    كلا لم يوفق الوزير إلى شيء، ولم يحل الوزير مشكلة ولم يستوجب الوزير على الدولة شيئاً، وإذن ففيم هذه المأدبة؟ وفيم هذه النزهة؟ وفيم هذا الشاي؟
    صبرية من الصبريات التي يعجز الناس عن فهمها، ويعيا الراسخون في العلم عن تأويلها، إلا أن تكون تمهيداً لشيء، لم ينكشف عن الغيب بعد، وقد ينكشف عنه في يوم من الأيام. فمن يدري ماذا يكن الغد في ضميره وماذا يضمر الزمان بين خفاياه؟
    والغريب أن نشاط وزير المالية لم يقف عند هذه الصبرية الرائعة منذ ذهب إلى الإسكندرية، فلم يكد الناس يتحدثون بهذه المأدبة البحرية وهذه النزهة البحرية، وهذا الشاي البحري، ولم يكد الناس يفرغون من هذا الحديث، ويعلنون عجزهم عن فهمه وتأويله، حتى فتح لهم الوزير الخطير باباً جديداً من أبواب الحديث. فأعلنت الصحف أنه يدعو المندوب السامي إلى وليمة يقيمها له في البر لا في البحر، وفي داره الخاصة لا في دار من دور الدولة، بل في قريته الخاصة، التي تسمى باسمه، والتي اشتققنا منها اسم الصبريات. نعم إذا كان يوم الأربعاء المقبل فسيكون وزير المالية في الصبرية، وسيذهب المندوب السامي إلى الصبرية، وسيقام في الصبرية غداء فخم يطعم فيه المندوب السامي ويشرب، ويؤكل فيه العيش والملح بين وزيرنا النابغة، وممثل بريطانيا العظمى. وأكبر الظن أن وزراءنا سيشتركون في هذه المأدبة، وسيدعون إليها. ولا غرابة في ذلك فقد دُعي وزير ماليتنا إلى الغداء في قصر الدوبارة، ولكل دعوة رد، كما أن لكل سؤال جواباً. ولكن حدثني عما سيقول الناس حين يسعى المندوب من الإسكندرية إلى الصبرية ليتناول الغداء على مائدة الوزير الخطير. سينتظرون أن يصبح الوزير الخطير في يوم من الأيام قريب أو بعيد رئيساً خطيراً. ليسهر القنصلان كما كان يقول الرومان، فإن الأمر في حاجة إلى السهر. والقنصلان هنا هما الرجل الطيب، ووزير التقاليد، أحدهما في يده الرياسة، والآخر ينظر إليها، من بعد. قال صاحبي ولم لا تقول ليسهر القناصل فقد يكون وزير داخليتنا قنصلاً ثالثاً..؟ لا يقل حظاً من القنصلية عن وزير التقاليد، وماذا يمنع المندوب السامي أن يتناول الغداء في القيس كما سيتناوله في الصبرية؟
    أرأيت إلى أننا لم نفرغ ولا ينتظر أن نفرغ من الصبريات، فستتكشف لنا براعة وزير ماليتنا كل يوم عن إحدى الأعاجيب؟
    طه حسين
    الوادي، ١٥ يوليو ١٩٣٤.

  • وإذن٢

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فماذا أصاب الأمن أمس؟ وماذا أصاب النظام؟ ولأي خطر تعرض سلم المصريين والأجانب حين كفت الوزارة شرطتها وجندها، عن الشعب فأظهر الشعب رأيه حرًّا، وأدّى الشعب واجبه كريمًا واستمتع الشعب بحقه، لا معتديًا، ولا متجنيًا، ولا محاولًا التجني أو الاعتداء. لقد كان الشعب أمس سيدًا في إقليم القليوبية، سيدًا كامل السيادة، لم يبسط عليه السلطان ظلمًا ولا بطشًا، ولم يعرض له السلطان بممانعة ولا مصادرة، فأظهرت نفس الشعب مكنونها، وانجلت نفس الشعب عن حقيقتها، وظهر ضمير الشعب صفوًا كله، ونقاء كله، وطهرًا كله، لا إثم فيه، ولا ميل إلى الإثم، لا عدوان فيه، ولا جنوح إلى العدوان، لا تمرد فيه، ولا طموح إلى التمرد. إنما هو الإيمان الصادق بالحق، واليقين الصادق بالواجب، والحرص الصادق على الكرامة، والوفاء الصادق للأوفياء. خصال كلها شرف ونبل، خصال كلها أمن وسلم، خصال كلها بر وخير. ففيم تحارب الوزارة هذه الخصال، وفيم تقاوم الوزارة هذه الخلال، وفيم تريد الوزارة أن تمنع هذا النور من أن يسطع، وأن تكف هذا الجلال عن أن يظهر، وأن تصد سيادة الشعب عن أن تبسط سلطانها على نفوس الشعب، وتظل بجناحها الرحيم الأمين أرض الوطن؟
    وإذن فما نفع الوزارة وما فائدتها في أن تحارب هذه الأخلاق الكريمة، وهذا الشعور النقي، وهذه الحرية الوضاءة الآمنة، وفي أن تكره هذا الشعب على أن يكون ذليلًا، وهو لم يخلق للذلة، وعلى أن يكون عبدًا وهو لم يخلق إلا ليكون حرًّا مستقلًا أبيًّا كريمًا.
    نعم وإذن نقولها مرة ومرة، ونعيدها اليوم وغدًا وبعد غد، وقد قلناها أمس وقلناها قبل أمس، سؤال نلقيه على أنفسنا، ونلقيه على الناس، ونلقيه على الطبيعة لو تجيب الطبيعة، فيم مقاومة الشعب، والشعب لا يرضى أن يذل. وفيم مصادرة الشعب والشعب لا يبتغي إلا الخير، وفيم محاربة الشعب، والشعب لا يريد بأحد شرًّا، ولا يرضى أن يريد به أحد شرًّا؟
    نعم، وإذن كلمة نقولها للقيسي باشا اليوم، وقد قلناها له أمس، وقلناها له ولغيره قبل أمس، فلم نظفر لها بجواب، وإنما هو الصمت الذي يحرج أصحابه، ويقيم عليه الحجة، ويثبت عليهم الإسراف فيما يقولون إن قالوا، وفيما يعملون إن عملوا، ويثبت عليهم العجز والانقطاع حين لا يقولون ولا يعملون.
    هذه عشرات الألوف قد اجتمعت أمس في مدينة بنها تشيع رجلًا كريمًا، مات وهو يؤدي واجبًا كريمًا. اجتمعت صادقة العزم خالصة النية، قادرة للواجب، مؤمنة بالحق، مقدسة للوطن، واثقة بالزعماء، فماذا أصاب مصر من اجتماعها؟ وماذا أصاب الأمن من احتشادها؟ وماذا مس النظام من التفافها حول زعمائها الأوفياء؟
    أسئلة نلقيها اليوم كما ألقيناها في كل فرصة، وستمر بآذان الوزراء اليوم كما مرت بآذانهم من قبل، فلا تدخلها ولا تصل إلى قلوبهم، لأن الوزراء لا يريدون أن يسمعوا لها، أو لا يستطيعون أن يسمعوا لها، هم في شغل بالحكم والسلطان، وباستبقاء الحكم والسلطان في أيديهم، فهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن يسمعوا لكلمة الحق، وهم لا يريدون أو لا يستطيعون أن ينظروا إلى نور الحق، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يسمعوا، ولو قد أرادوا أو استطاعوا أن يروا، لما ثبتت أقدامهم حيث تثبت ولما استقرت أجسامهم حيث تستقر الآن من كراسي الحكم ولآثروا راضين أو كارهين، أن يعودوا إلى دورهم، فيستمتعوا فيها بما ينبغي لمثلهم أن يستمتع به، من الراحة والهدوء والعناية بالحياة الخاصة والانصراف عن الحياة العامة والإعراض عن تصريف الأمور لأنهم لم يهيأوا لتصريف الأمور. إنما يصرف أمور الشعب من يحبه الشعب، إنما يدير منافع الشعب من يثق به الشعب، إنما يؤتمن على حقوق الشعب من لا يضيع حقوق الشعب، ولا يصادر حريته، ولا يحاول إكراهه على الذلة، ولا إخضاعه للبطش، إنما يقوم على حكم الشعب من إذا قال سمع له الشعب في غير خوف، ومن إذا عمل اقتدى به الشعب في غير إكراه، ومن إذا أقبل احتشد له الشعب في غير دعاء، ومن إذا انصرف شيعه الشعب، في غير طاعة للعصي، ولا خوف من السوط. نعم وإذن، فما حجة الوزارة فيما تصب على الناس من العذاب، حين يريدون أن يستقبلوا رئيس الوفد أو يودعوه، وما حجة الوزارة فيما تهدر من حقوق الناس وحرياتهم وكراماتهم حين يريدون أن يظهروا لرئيس الوفد أنهم يوفون بالعهد ولا يحنثون في الإيمان ولا يفرطون في الحق، ولا يقصرون في أداء الواجب، ولا يبيعون الوطن بثمن قليل، ها هم هؤلاء قد استقبلوا رئيس الوفد أمس
    عشرات من الألوف، فقالوا ما كانوا يريدون أن يقولوا، وأدوا ما كانوا يريدون أن يؤدوا، وانصرفوا موفورين لم يسفكوا دمًا، ولم يقترفوا إثمًا، ولم يعرضوا أمنًا لخطر، ولم يمسوا نظامًا بفساد، وإذن فهل يستطيع الوزراء وأعوانهم، أن ينكروا أنهم يعبثون أشنع العبث في هذا التمثيل الذي يأتونه ويسخرون له الشرطة والجند، ويحرجون به الصدور، ويخالفون به القانون والدستور، كلما ذهب رئيس الوفد أو جاء؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن العبث لا يلائم الحكمة، ولا يليق بالحكماء، ولا بالذين يحسنون التفكير، وأن المضي في العبث لا يدل على استقامة المنطق، ولا على صواب الرأي، ولا على تحري المنفعة، وإنما يدل على أشياء نحب أن يرفع الوزراء أنفسهم عنها؟ وهل يستطيع الوزراء وأعوانهم أن ينكروا أن ما حدث أمس يقيم الأدلة الناصعة للذكي والغبي معًا على أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبطشون في غير مقتض للبطش، ويحتاطون في غير موجب للاحتياط، وعلى أنهم يسرفون على أنفسهم وعلى الشعب حين يبقون في الحكم، والشعب لا يحب لهم ولا يحب منهم أن يبقوا في الحكم، وما الذي منع الوزارة أمس من أن تعرض لهذا الشعب الضخم بالأذى ومن أن تصده عن الاجتماع وترده عن الاحتشاد؟ أهو الخوف أم هي الحكمة؟ فإن يكن الخوف فما لها خافت أمس، وما لها لا تخاف كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ وإن تكن الحكمة فما لها اصطنعت الحكمة أمس، وما لها لا تصطنع الحكمة، كلما هم الشعب أن يجتمع أو يحتشد؟ أم هو اضطراب الرأي واختلاط الأمر، والعجز عن التدبير، والقصور عن استكشاف السيرة التي تلائم المنطق والمنفعة واستقامة التفكير؟
    إن الدرس الذي ألقته الوزارة أول أمس على الناس كان مثيرًا للحزن والأسى ومحرجًا للصدور والنفوس، وإن الدرس الذي ألقته الأمة أمس كان مثيرًا للرضا معزيًا عما أصاب الصدور والنفوس من حرج، مثبتًا لمن يريد أن يفهم أن مصر بعيدة كل البعد عما يظن بها من اليأس وعما يراد بها من الذل، وعما ينتظر لها من الضعف والاستسلام.
    فهل يستطيع الإنجليز أن يفهموا هذين الدرسين، وأن يوازنوا بين نتيجتيهما، وأن يجنوا لأنفسهم من هذه الموازنة ومن ذلك الفهم ما ينبغي أن يجنوه من الثمرات؟
    طه حسين
    الوادي، ١٠ يوليو ١٩٣٤.

  • وإذن

    حديث الوادي
    وإذن…
    وإذن فلم يأذن الله لوزير الداخلية القيسي باشا أن يستريح، ولا أن يريح. فما زال مضطرًا إلى حشد الشرطة وتعبئة الجند، وما زال مضطرًا إلى أن ينفق من براعته الحربية حظوظًا عظيمة، ومقادير هائلة ليحتل المحطات، ويراقب القطارات ويذود الناس عن الطريق التي يمر منها رئيس الوفد، وما زال مضطرًا إلى أن يقضي بياض النهار في مكتبه، يتلقى الأنباء عن رحلة الرئيس، كما يقضي القائد العام، للجيش المحارب بياض النهار في معسكره، يتلقى أنباء الزحف وأخبار الدفاع والهجوم.
    وإذن فلم يأذن الله لرئيس الوفد أن يغدو ويروح ولا أن يسافر ويقيم، كما يغدو غيره من الزعماء ويروحون، وكما يسافر غيره من الزعماء ويقيمون في البلاد التي تعرف الحرية والنظام، وإنما هو مراقب حين يغدو، ومراقب حين يروح، تسبقه الشرطة وتلحقه وتحيط به، مهما ينتقل من بلد إلى بلد، أو من مدينة إلى مدينة.
    وإذن فلم يأذن الله للشعب المصري أن يكون حرًا في حب من يحب، وبغض من يبغض، وتأييد من يؤيد، وخذلان من يخذل. وإنما يفرض عليه الحب فرضًا، ويضرب عليه البغض كما تضرب الأموال على المنقول والثابت من الأشياء والعقار، ولم يأذن الله لهذا الشعب المصري أن يجتمع أو يتفرق دون أن تشرع في وجوهه العصي وتصوب إلى صدوره الحراب، وتهوى على رؤوسه وأبدانه السياط.
    وإذن فماذا صنع الإنجليز منذ أربعة أعوام، وماذا صنع أصدقاء الإنجليز منذ أربعة أعوام؟ وفيم كانت كل هذه الجهود؟ وفيما كان كل هذا الظلم؟ وفيم كان كل هذا الفساد؟ أن الشعب المصري لم يذل بعد، وأن الوفد المصري لم ينحل بعد، وأن الخوف من الشعب والوفد، لا يزال يؤرق ليالي الوزراء، وينغص أيامهم وأن الخوف من الشعب المصري، والوفد المصري لا يزال يسخر الشرطة والجند للعمل في غير حاجة إلى العمل، والبطش في غير مقتض للبطش، والقسوة في غير داع إلى القسوة، وإذن فماذا يريد الإنجليز؟ وماذا يريد أصدقاء الإنجليز، وكيف يطمع أولئك وهؤلاء في إذلال شعب لا يريد أن يذل، وفي إفناء أمة لا تريد أن تفنى، ما حب الظلم للظلم، وما حب القسوة للقسوة، وما حب الفساد للفساد؟ ما بال قوم يأخذهم الإخفاق من كل مكان وتتمثل لهم أشباح الفشل في كل وجه، ويكتب الله عليهم الخذلان في كل حركة ثم هم لا يتعظون، ولا يعتبرون ولا يكفون عن الشر، ولا يريحون أنفسهم من هذا العناء العقيم؟ أصَحَّ الظلم الذي لا يعني والعسف الذي لا ينفع والقسوة التي لا تفيد صناعة من الصناعات يعيش منها الناس، ويتخذونها غرضًا من أغراض الحياة؟ ما هذا الذي حدث أمس حين انتقل رئيس الوفد إلى مصيفه في الإسكندرية؟ ما بال الوزراء ينتقلون، فيودعهم الناس كارهين، وما بال الزعماء ينتقلون فلا يودعهم الناس طائعين؟ من الذي زعم أن الوزراء أحق بالحرية وأحق بالأمن، من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن أذناب الوزراء وعبيدهم أحق بالحرية من بقية المصريين؟ من الذي زعم أن نفوس هؤلاء الأذناب، وأجسامهم أكرم على الشرطة من نفوس بقية المصريين وأجسامهم؟ من الذي أباح لوزير الداخلية القيسي باشا وهو فرد من أفراد الشعب أن يقيم في الإسكندرية متمتعًا بنعمة الراحة وجمال البحر واعتدال الجو، ولطف النسيم وأن يصدر إلى الشرطة هذه الأوامر التي تذل شعبًا بأسره، وتهين أمة كاملة وتعرض المصريين لاحتمال العنف والبطش، والأذى، والموت أيضًا؟
    من الذي حكم القيسي باشا وأعوان القيسي باشا في نفوس المصريين ودمائهم وأجسامهم، يمضي فيها أوامر لا يبيحها له الدستور ولا القانون؟! أين نعيش؟ وفي أي عصر نعيش؟ وعلى أي نظام نعيش؟ ألم يأن لهؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن يشعروا بأنهم لا يحكمون قطيعًا من الغنم والبقر، وإنما يخدمون شعبًا له عليهم السلطان وليس لهم عليه سلطان، إنما هم نوابه في تنفيذ القوانين التي يشرعها ويرضاها؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم أن حياة أفراد الشعب ليست أهون على الشعب من حياتهم هم، وأن دماء أبناء الشعب ليست أيسر على الشعب من دمائهم هم، وأن الذي يقتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، وأن الذي يعتدي على فرد من المصريين فكأنما اعتدى على المصريين جميعًا؟
    متى يشعر هؤلاء الذين ترفعهم الظروف إلى الحكم بأن دماء المصريين إن رخصت عند الإنجليز فلا ينبغي أن ترخص عند المصريين وبأن المستعمرين إن وجدوا لذة آثمة في إذلال الشعب، فإن المصريين يجب أن يجدوا اللذة في حماية الشعب من هذا الإذلال؟
    متى يفيق الوزراء من نشوة الحكم، فقد يظهر أن هذه النشوة تنسيهم ما لا ينبغي أن ينسوا وتحملهم ما لا يستطيعون أن يحتملوا.
    إن هذا الرجل الشهيد الذي فاضت نفسه أمس، لأنه أراد أن يودع رئيس الوفد، وأن يؤدي واجبًا يفرضه عليه ضميره، ورأيه في خدمة وطنه، أن هذا الرجل المصري لم يكن يحل لأحد أن يعرضه للموت.
    فلينظر الوزراء في ذلك كله، وليسأل الوزراء ضمائرهم عن ذلك كله، أمنكر هو أم معروف. أمحظور هو أم مباح؟ ثم ليسأل الوزراء أنفسهم وضمائرهم أيهما أنفع لمصر وأجدى عليها، أن يبقى أبناؤها أحرارًا آمنين عاملين، أم أن يتعرض هؤلاء الأبناء للموت في الطريق لتستمتع وزارة من الوزارات بحكم مهما يطل فهو منتهٍ إلى الزوال؟
    في ذمة الله هذا الرجل الشهيد الذي مات أمس فأثبت أن مصر لم تمت، والذي صرع أمس فأثبت أن مصر لم تصرع، وأنبأ الذين يريدون إذلالها وإفناءها بأنها أعز من أن يمسها الذل وأخلد من أن يسعى إليها الفناء.
    طه حسين
    الوادي، ٩ يوليو ١٩٣٤.

  • عقوق

    حديث الوادي
    عقوق . . .
    ما أكثر الآثام التي تقترف ويحسبها الأجانب على مصر، ويضيفها الأجانب إلى المصريين، لأنهم لا يعلمون من حقيقة الأمر في مصر شيئاً، فكل ما يصدر عن الوزارة المصرية عندهم عمل مصري، يضاف خيره إن كان فيه خير، وشره وما أكثر ما فيه من الشر، إلى هذا الشعب المصري المسكين، وماذا يمنع الأجانب في أوربا، وغير أوربا، أن يضيفوا أعمال الوزارة المصرية إلى الأمة المصرية، ويحملوا أثقالها على الشعب المصري، فالأمور تجري عندهم على هذا النحو، لأن الوزارات عندهم تعمل وفقاً لإرادة الشعوب، ولا تستطيع أن تخرج عن هذه الإرادة قليلاً، ولا كثيراً، ونحن نُخيّل إلى الأجانب في أوربا، وفي غير أوربا، أننا نعيش كما يعيشون، وأن نظام الحكم في بلادنا، نظام ديمقراطي كغيره من نظم الحكم في بلادهم. وأن الوزارة عندنا لا تصدر عن الأهواء والشهوات، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا ترتب سيرتها على الميل والنفور، وإنما هي تتوخى إرادة الشعب، وتجد في تحقيق آماله وتدبير منافعه، فإذا أقدمت، فالشعب مُقدم، وإذا أحجمت، فالشعب مُحجم، وإذا أرادت فالشعب مريد.
    كذلك نُخيّل إلى الأجانب، وكثير من الأجانب يصدقون، وهم بعد ذلك يحملون على الشعب أثقال الوزارة، ويضيفون إلى الشعب أغلاط الوزارة، ويسألون الشعب عما تتورط فيه الوزارة من السيئات. وهم لذلك إذا أنكروا شيئاً من أمور مصر الرسمية لم يعللوه بأن الوزارة مخطئة، أو خاطئة، وإنما عللوه بأن الشعب المصري ما زال جاهلاً، غافلاً، قليل الحظ من الحضارة، بعيداً عن ملاءمة العصر الذي يعيش فيه. وكذلك تظلم الأيام هذا البلد التعس، فتخطئ فيه القلة أو تأثم، وتحمل فيه الكثرة تبعة هذا الخطأ أو الإثم.
    وهناك أمر مؤلم حقاً، لا أعرف شيئاً أشد منه إيذاءً للنفس الكريمة، وأعظم منه إيلاماً للقلب النقي، وأسوأ منه أثراً في سمعة الشعب الناهض، وهو هذه القصة المخزية، التي تمثل فصولها منذ أعوام، بين الحكومة المصرية وبين مختار حين كان حياً، ثم بين الحكومة المصرية وبين ورثة مختار بعد أن أدركه الموت. أو قل إن هذه القصة لا تمثل بين الوزارة المصرية وبين شخص من الأشخاص أو جماعة من الجماعات، وإنما هي تمثل بين الوزارة وبين الفن الذي يجب أن يكون أرقى وأبقى وأرفع من الوزارات، ومن الأشخاص، ومن الجماعات. أو قل إن هذه القصة تمثل بين وزارة أنشئت لتخدم الشعب فإذا هي تسومه ألوان الذل، وبين شعب أقام الوزارة وأجرى عليها الرزق لتخدمه فإذا هو يلقى منها ضروب الخسف. تستطيع أن تقول هذا كله، فهذا كله صحيح مع الأسف اللاذع والحزن الممض.
    أقام مختار تمثالين لعظيم مصر، بعد اتفاق بينه وبين الوزارة المصرية التي كانت ترضى عنها مصر، لا ممثلة في البرلمان الشعبي وحده، بل ممثلة في أبنائها جميعاً، فلما جاءت وزارة الدكتاتور صدقي باشا ألغت إرادة الشعب إلغاءً، وأهدرت كرامة الشعب إهداراً، ورفضت تمثالي سعد، كما غصبت قبر سعد، واضطر مختار إلى أن يخاصم تلك الوزارة أمام القضاء، وأخذت الخصومة طريقها الطبيعية، وكانت أنباؤها تذاع في مصر فتؤذي المصريين في كرامتهم وحريتهم، وكانت أنباؤها تذاع في الخارج فتؤذي المصريين في سمعتهم ومكانتهم. ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول زعيم أحبه الشعب كله، أتقام له التماثيل بين هذا الشعب الذي يحبه أم لا تقام؟ ذلك أن هذه الخصومة كانت تدور حول مصري نبغ في الفن لأول مرة منذ أكثر من خمسة عشر قرناً، وجعل لمصر مكانة فنية في العالم الحديث، أيجوز له أن يحيا، ويحيي الفن، أم يجب عليه أن يموت وأن يموت معه الفن؟.
    وكانت هذه الخصومة تدور في القرن العشرين، وفي العصر الذي انبث فيه لمصر سفراء، في أقطار الأرض، وانتشر فيه لمصر ممثلون في جميع المؤتمرات الدولية، ونفخت فيه أبواق بأن مصر ناهضة، وبأن مصر قد عادت سيرتها الأولى، فأصبحت موئل العلم والفن، ومعقل الفلسفة والأدب.
    نعم كانت هذه الخصومة تدور أثناء انتشار هذه الدعايات الضخمة، فكان المصريون يرون ويحزنون، كان الأجانب يرون ويعجبون، وكان مختار يرى ويفنيه الأسى حتى مات، ولم تنقطع الخصومة بموته، ومتى كرهت الوزارة مخاصمة الموتى؟ أليست تخاصم سعداً في مذهبه؟ أليست تخاصمه في تماثيله؟ أليست تخاصمه في آخر شيء يمكن أن يخاصم فيه الرجل الكريم، في القبر الذي لا ينبغي أن يكون موضوعاً للخصام؟ ثم يخطر للوزارة أن تصالح الورثة، وليتها فكرت في مصالحة الموروث، قبل أن يموت يائساً ولكنها تصالح الورثة على حساب الخزانة وفي غير تحقيق لإرادة الشعب، ولا احترام لحق الشعب، ولا رعاية لحرمات الموتى، تريد أن ترضي الورثة بألوف من الجنيهات، مخافة أن يصدر الحكم عليها إن مضوا في الخصومة إلى غايتها، تريد أن ترضي الورثة وأن تأمن عاقبة الخصومة، ولكن بشرط ألا يرضى سعد، وبشرط ألا يرضى شعب سعد، وبشرط ألا يرضى مختار، وبشرط ألا يرضى فن مختار. بشرط ألا يقام التمثالان، وألا يكون للناس عنهما حديث، لماذا؟ ما الذي يخيف الحكومة من هذين التمثالين؟ صورة سعد؟ كلا فإنها مرسومة في قلوب الناس جميعاً، منتشرة في بيوت الناس جميعاً، يزيدها الاضطهاد بقاءً وانتشاراً كلا. هي لا تخاف صورة سعد ولكنها أضعف من أن تنتصر على نفسها وتعترف بزعامة سعد. هي أضعف من أن تكون فوق المكابرة، ولا يقف أمرها عند محاربة سعد وتمثاليه، ولا عند محاربة مختار وفنه، ولكنها تترك تراث مختار يبدد ويذهب مع الريح، وتراث مختار هو حظ مصر الوحيد في هذا العصر الحديث من الفن، فوزارتنا إذن تحارب الفن إذا كان مصرياً، تطارده، تعرضه للضياع، فإذا كان أجنبياً فله النصر والتأييد، وله الحماية والرعاية، وفيه ينفق المال وعليه تتهالك الوزارة.
    وزارتنا إذن لا تحارب الفن لأنه الفن وإنما تحاربه إذا كان مصرياً! يالهول ياللوعة، ياللسى! . . كيف ترضى وزارة مصرية لنفسها أن تحارب المصرية؟ كيف ترضى وزارة يجري في عروق أعضائها الدم المصري أن تكون حرباً على القومية المصرية؟ لماذا؟ أي إثم جناه مختار؟ أي بغض كان يحمله شخص مختار لتتبعه الوزارة بسخطها حياً وميتاً؟ إثم مختار هو أنه أراد أن يقيم تمثالين لسعد العظيم. ومن مجّد سعداً، أو سعى في تمجيده فقد حقت عليه الكلمة، ووجب أن يتبعه السخط والاضطهاد، حياً وميتاً.
    أرأيت إلى هذا العقوق؟ أتستطيع أن تتصور شناعته وبشاعته؟ إنه مع ذلك يضاف إليك، ويضاف إلى إنه يضاف إلى المصريين جميعاً في الخارج أن الأوروبيين حين يسمعون حديث سعد، واضطهاده بعد موته، وحديث مختار واضطهاده بعد موته، يقولون إن الشعب المصري ما زال جاهلاً غافلاً متوحشاً، لم يشعر بعد بأن العقوق من أشنع الأخلاق، وأبشع الخصال، فهو لا يتحرج من أن يعق عظماءه، وزعماءه ونوابغه، مهما يحسنوا إليه، لأنه عاجز عن أن يقدر العظمة والزعامة والنبوغ والإحسان. فأي المصريين يرضى أن يتحدث الناس عنه هذا الحديث؟
    طه حسين
    الوادي، ٨ يوليو ١٩٣٤.

  • فتنة٢

    حديث الوادي
    فتنة…
    يقال أن فتنة أخرى يراد لها أن تثور، وإن محنة أخرى يراد لها أن تفرض على بعض المصريين في هذا الصيف كما ثارت في الصيف الماضي فتنة منكرة، وكما فرضت في الصيف الماضي محنة آثمة ما زال الناس في أعقابها إلى الآن.
    ولعلك قرأت ما نشر في الوادي أمس من أبناء بورسعيد. جماعة من البهائيين ينشرون الدعوة لمذهبهم فيما يقال، ويسلكون إلى ذلك طرقا ملتوية، مموجة، ليس فيها اعتداء على أعراض الناس وليس فيها استغواء للأطفال، ولا اغراء للضعفاء، ولكن فيها عبثا بالقرآن الكريم، ومسخا لألفاظه المقدسة، وتحريفا لكلمه الذي يجب أن يرتفع عن التحريف. فهم فيما يقال يتلون قول الله تعالى «وأشرقت الأرض بنور ربها» ثم يزعمون أن الراء في ربها زائدة. ويتلون قوله عز وجل «ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها» يفتحون أفواههم حين ينطقون بباء الجر ليثبتوا أن القرآن قد بشر بالبهائية، وأشار إليها.
    فهذا العدوان إن صح ينكره القانون، ويعاقب عليه لأن إباحة الحرية للناس محدودة بأن تظل هذه الحرية بعيدة كل البعد عن أن تكون عدوانا وطغيانا وإهانة، وأي عدوان أو طغيان أو اهانة يشبه هذا العبث بنصوص القرآن فيما لا يحتمل تأويلا ولا تعليلا، ولا شبهة في أنه عبث منكر.
    وأغرب من هذا ما نشر أمس في الوادي أيضا من أن رجلا من علماء المسلمين ووعاظهم في بورسعيد أبى أن يلقي الشر بالشر، وكره أن يواجه العبث بالعبث، وأنفذ أمر الله تعالى، فرد على الشر بالخير، وقاوم الفساد بالصلاح ودعا إلى الله بالتي هي أحسن، وحاول أن يعصم عامة المسلمين من أن يؤثر فيهم هذا الفساد. فإذا الإدارة تدعوه إليها، ثم تنهاه عن أن يمضي فيما بدأ، ويستمر في هذه الطريق التي سلكها وتأمره أن يكف عن إلقاء ما أخذ في إلقائه من المحاضرات. ومعنى هذا كله إن صح ما كتبه نائب بورسعيد إلى الوادي، أن بعض الناس لا يجد بأسا من أن يذيع البهائيون دعوتهم، ومن أن يتخذوا العبث بالقرآن، والتحريف لكلمه، والإفساد لألفاظه وسيلة إلى إذاعة هذه الدعوة، ولكنه يجد البأس كل البأس، والحرج كل الحرج في أن يقوم رجل من رجال الدين ليمحو هذا الشر، ويزيل هذا العبث، ويصلح هذا الفساد. فنحب أن نعلم من الذي أباح الإفساد للبهائيين الذين يفسدون في بورسعيد، وحرم الإصلاح على المسلمين الذين يريدون الإصلاح في بورسعيد؟ ونحب أن نعلم أين نص الدستور الذي يبيح حرية الرأي والدعوة إليه للبهائيين، ويحظر حرية الرأي والدفاع عنه على المسلمين؟ ونحب أن نعلم أين نص القانون الذي يجعل الإسلام غريبا في بلده، والذي يكف دين الدولة عن أن يدافع عن نفسه بالمعروف، والذي يسلط رجال الدولة ليمنعوا رجال دين الدولة من أن يحموا أعداء الدين ويحوطوه؟
    إن وزير الداخلية خليق أن يفكر ويطيل التفكير، فليس لأحد من الناس منفعة في أن تثور بين الناس فتنة كالتي ثارت في العام الماضي، وليس ينبغي لدولة تزعم أن دينها الرسمي هو الإسلام أن تصر على الاعتداء على هذا الدين الرسمي، وألا تسمح لرجال هذا الدين بالذياد عنه، والقيام من دونه. نحن أبعد الناس عن أن نطلب إلى وزير الداخلية، أو إلى غيره من رجال السلطان، مصادرة حرية الرأي، فليدع البهائيون إلى مذهبهم ما وسعتهم الدعوة، ولكن في حدود القانون، وليدافع رجال الدين الإسلامي دين الدولة الرسمي عن الإسلام ما وسعهم الدفاع في حدود القانون أيضا. ولتقف الإدارة موقف من يفهم القانون حق الفهم، ويقدر العدل حق قدره، ويخضع الناس جميعا لنصوص الدستور، لا يؤثر فريقا على فريق ولا يفضل فئة على فئة، ولا يظلم دينا معترفا به، بل دينا رسميا هو دين الدولة لمصلحة مذهب لم يعترف به في مصر بعد.
    أما بعد فهؤلاء جماعة من العلماء قد كتبوا إلى رئيسهم شيخ الأزهر، لا يستعدونه على أحد، ولكنهم يطلبون إليه أن ينهض بالواجب، ويؤدي الحق إلى أهله، ويسعى عند السلطان، في أن ترد الحرية إلى المسلمين ليذودوا عن الإسلام، وفي أن يؤذن لهذا الواعظ أن يمضي في وعظه، ويدفع عن دينه، ويرد هذه الألفاظ القرآنية التي يفسدها البهائيون إلى أصلها الصحيح، الذي لا ينبغي أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي لا ينبغي أن يعتدي عليه، حتى من البهائيين. أفيسمع شيخ الأزهر لهؤلاء العلماء؟ أفيسعى شيخ الأزهر عند وزير الداخلية ليرضي هؤلاء العلماء؟ أفنقرأ غدا أو بعد غد أن قد أبيح لعلماء المسلمين حماية الإسلام في بلد من بلاد الإسلام؟
    طه حسين
    الوادي، ٥ يوليو ١٩٣٤.