شبَّ عمرو عن الطوق
طه حسين
النداء
٣ فبراير ١٩٤٨
وعمرو هو الشرق العربي، والطوق هو الاستعمار الأوروبي الأمريكي. ولعل القارئ يذكر أن هذا المثل يضرب لمن يلابس شيئًا دون قدره، وأن أصله فيما يقول الرواة أن أُمًّا ضلت ابنها وكان اسمه عَمْرًا! فلما عاد إليها بعد وقت طويل جدًّا أرادت أن تلبسه طوقًا كانت تزينه به أيام الطفولة، ورآه خاله فقال: شب عمرو عن الطوق. ولكن الدول المستعمرة لم ترزق من الحكمة وصواب الرأي وحسن التقدير وصدق الحكم على الأشياء والناس ما رُزقه ذلك الخال، فهي ما زالت ترى الشرق صبيًّا يمكن أن تغره بالقلائد والأطواق. وهذا اللون من ألوان الحُمق وسوء التقدير يكلِّف الغرب والشرق جميعًا خطوبًا وأهوالًا. فالشرق يأبى أن يُطوَّق والغرب يأبى إلَّا أن يطوِّقه، ويكون الصراع بينهما ويتصل ويشتد وتكثر آثاره وتسوء. والشرق يأبى أن يرتد صبيًّا والغرب يأبى إلَّا أن يرُده صبيًّا، وهيهات أن يبلغ الغرب ما يريد؛ لأن من أخص ما يمتاز به الصبا أنه لا يعود إذا مضى وانقضى عهده، شأنه في ذلك شأن الشباب، بل شأنه في ذلك شأن كل شيء تمضي به الأيام.
وما دام الزمن لا يخضع لإرادة الناس، ولا يمكن أن يعود أدراجه، ولا أن يُردَّ عن طريقه، ولا أن يوقف عن حركته؛ فليس من سبيل إلى أن يرد الصبا ولا إلى أن يعود الشباب. وهذا اليأس من عودة الشباب ورجوع الصبا قد ألهم الشعراء والكتَّاب في الشرق والغرب جميعًا شيئًا كثيرًا من رائع الشعر وبارع النثر، كما ألهم الفنيين شيئًا كثيرًا من آيات الفن. فليس شيء يدعو إلى الحسرة واللوعة والجزع كاليأس، وليس شيء يدعو إلى البهجة والغبطة والرضا كالأمل. والناس مقسمون بين اليأس والأمل، يروع اليأس قلوبهم فيتغنون غناءً حزينًا ملتاعًا، ويحيي الأمل نفوسهم فيتغنون غناءً مشرقًا مبتهجًا، وقد يحلمون فيقيمون الأمل مقام اليأس، ويخدعون أنفسهم ويتمنون ما ليس إليه سبيل. وما أكثر ما يحلم الشيوخ بأنهم قد عادوا شبابًا، وما أكثر ما يحلم الشباب بأنهم قد ارتدوا أطفالًا، وما أكثر ما يثير ذلك في نفوسهم هذه اللذات المخادعة التي لا تلبث اليقظة أن تبددها وتذروها كما تذرو الرياح الهشيم! والكبار يخدعون أنفسهم دائمًا حين ينظرون إلى أبنائهم، أو يفكرون فيهم: يرون أبناءهم صغارًا مهما يكبروا، وأطفالًا مهما تتقدم بهم السن، ويهمُّون أن يسيروا معهم كما كانوا يسيرون معهم أيام الطفولة والصبا، ولكن حقائق الحياة لا تلبث أن تقول لهم كما قال ذلك الخال لأخته: شب عمرو عن الطوق. هنالك يضطرون عن رضًا أو عن كره، وفي سرور أو في حزن، إلى أن يسيروا مع أبنائهم كما يحبون أن يسير الناس معهم، وإلى أن ينظروا إليهم على أنهم أخوة كبار لا أبناء صغار. وليس الغرب للشرق أبًا، ولكنه تكلف هذه الأبوة ذات يوم، وكانت أبوة قاسية أشد القسوة، لم تخل مع ذلك من رضاء ولين. كانت أبوة كتلك الأبوة التي عرفها رؤساء الأسر في العصور القديمة، والتي محتها الحضارة وغيرها الرقي. كانت أبوة تتيح للآباء السلطان كله، وتحرم الأبناء كل سلطان. كانت أبوة تمنح الآباء حق الحياة والموت على الأبناء والبنات والزوجات، وكل من يلوذ بالأسرة من الخدم والموالي والرقيق. ثم ما زالت الحضارة تغيِّرها قليلًا قليلًا حتى استقامت للأبناء والبنات والزوجات ومن يلوذون بالأسرة أمورهم، وسلمت لهم حقوقهم وأصبحوا سادة أنفسهم لا يتحكم فيهم أحد ولا يستأثر بأمورهم أحد. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء ورؤساء الأسر قد قاوموا تلك القوانين التي قوَّت الضعفاء، وردَّت إليهم حريتهم. وما من شك في أن كثيرًا من الآباء قد ضاقوا بهذه القوانين، وبرموا بهذه الحرية، وسخطوا على الزمان الجديد، وحزنوا على الزمان القديم، وتمنَّوا أن يعود لهم سلطانهم القوي الواسع القاسي كما كان. ولكن الزمان إذا مضى، فليس إلى عودته سبيل. هذا بالضبط هو شأن الغرب مع الشرق، تكلف الأبوة المتسلطة القاهرة القاسية المسلطة المستذلة، واستمتع بها وألفها وحرص عليها، وهو الآن يرى القاصرين يرشدون، والضعفاء يقوون، والعاجزين يقدرون؛ فيضيق بما يرى، ويودُّ لو استطاع أن يحتفظ بما كان في يده ويبذل في سبيل ذلك ما يملك من قوة فلا تغنيه القوة، ومن جهد فلا يفيده الجهد، ومن حيلة فلا تبلغه الحيلة شيئًا مما يريد. رأينا ذلك في سيرة البريطانيين مع مصر، تسلطوا عليها دهرًا، واستأثروا بالأمر فيها عصرًا، ثم نظروا فإذا هي قد شبَّت عن الطوق، وإذا هي تريد أن تكون سيدة نفسها ومالكة أمرها، وإذا هي تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لترد هذا الطوق فتبلغ من ذلك كثيرًا مما أرادت، وتأبى أن تريح أو تستريح حتى تبلغ من ذلك كل ما تريد. ورأينا ذلك بالقياس إلى سوريا ولبنان حين جاهدا حتى ردَّا إلى فرنسا طوقها، ونحن نرى ذلك بالقياس إلى العراق الذي ردَّ إلى الإنجليز طوقهم في عنف عنيف لم ينقضِ الحديث عنه ولن ينقضيَ الحديث عنه فيما يظهر قبل وقت طويل. والأوروبيون والأمريكيون يرون ذلك ضيقين به منكرين له محتالين في اتقائه، يدورون حول المصاعب والعقبات لعلهم أن يجدوا منها منفذًا هنا أو هناك، ليس لذلك مصدر إلَّا أنهم يصرون على أن يروا أنفسهم كبارًا، وعلى أن يروا شعوب الشرق العربي صغارًا، وعلى أن يحتفظوا بما ألفوا من التسلط والاستئثار.
فمن ذا الذي يلقي في رُوع …
فقد جرت أن عَمْرًا قد شب عن الطوق، وأن هذه الجهود التي تبذل جهرة، وتلك الجهود التي تبذل خفية؛ لن تغني شيئًا، وأن الشرق العربي لم يبقَ الآن كما كان في آخر القرن الماضي وفي أوائل هذا القرن؛ ضعيفًا متواكلًا محتملًا للاستغلال والاستذلال. ومن ذا الذين يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن الشرق العربي لا يحرص على شيء كما يحرص على التعاون والتضامن والمشاركة في ترقية الحضارة وتنمية الاقتصاد وحماية السلم، ولكن بشرط ألَّا يرده ذلك إلى ضعف أو ضعة أو خضوع. ومن ذا الذي يلقي في رُوع الأوروبيين والأمريكيين أن احتفاظهم بروح الاستعمار والاستعلاء والغلب في سيرتهم مع الشرق العربي خليق أن يجر إلى كوارث وخطوب رأوا أولها في مصر وفلسطين وسوريا ولبنان ولكنهم لا يعرفون … ولكنه لا يستطيع أن يردَّ نفسه صبيًّا ولا أن يرجع أدراجه، ولا أن يقف في وسط الطريق، وإنما هو ماضٍ إلى غايته مهما تكن الظروف. لو قد أُلقيت هذه المعاني في رُوع الساسة الذين يدبرون أمور الدول الكبرى؛ لجنَّبوا الشرق والغرب كثيرًا من الشر والهول، ولمهَّدوا للشرق والغرب طريقًا إلى التعاون الخصب والتضامن الذي لا يُظِلُّ عليهما جميعًا إلا خيرًا.
وليس الغرب وحده هو الذي يحتاج إلى أن يتدبر هذا المثل العربي القديم: «شبَّ عمرو عن الطوق.» بل ليس من شك أن الحكومات المسيطرة على أمور الشعوب العربية خليقةٌ هي أيضًا بأن تتدبر هذا المثل وتفكر فيه وتعتبر به، وتنظر إلى الشعوب لا على أنها أطفال تعلل بالأماني، وتُخدع بالآمال الكاذبة، وتُفتن بالألفاظ والمظاهر التي لا تدلُّ على شيء، بل على أنها شعوب راشدة قد بلغت من الرشد حظًّا ليس به بأس، ويدفعها كل شيءٍ من حولها إلى أن تتزيد منه وتمعن … كما أن الشرق نفسه [يمعن] فيه إمعانًا من يوم إلى يوم.
فقد أصبح من المستحيل أن تُحجب شمس الحرية عن هذه الشعوب بعد أن أُلغيت مسافات الزمان والمكان، وبعد أن أصبحت هذه الشعوب تشهد في كل يوم — بل في كل لحظة — ما يقع في أقطار الأرض كلها من الأحداث. فتنتفع بما تشهد، تخطئ حينًا وتصيب أحيانًا، ولكنها ترى وتسمع وتحس وتفهم وتتأثر وتقلد، لا يردها عن ذلك راد. إنما سبيل الحكومات المسيطرة على شئون البلاد العربية إن أرادت أن تظل مستأثرة بالأمر، وأن تمسك الشعوب في هذه الحياة البائسة التي تحياها؛ هي أن تقطع كل صلة بينها وبين العالم الخارجي، فتلغي البرق والبريد والتليفون والراديو والصحافة والسينما، وتقطع المواصلات فلا يكون هناك تنقل ولا مبادلة مع الأقطار الخارجية الأخرى، وتغلق المدارس وتحظر التعليم وتخرج الأجانب من بلادها، وتلغي كل تعامل بين المواطنين وغيرهم من الناس. فإن استطاعت أن تفعل شيئًا من ذلك، فقد تستطيع أن تسيطر وتتسلط وتستأثر. ولكنها تعلم أنها لن تستطيع من ذلك شيئًا، وأن طبيعة الحياة أقوى من تسلط المتسلطين وتجبر المتجبرين وأمل الذين يضللون أنفسهم بالأمل.
وإذن، فمن ذا الذي يلقي في رُوع الحكومة المتسلطة المستأثرة أن عَمرًا قد شبَّ عن الطوق، وأن ما كان يتاح من التسلط والتجبر في عصر مضى قد أصبح الآن شيئًا إن أُتيح له البقاء وقتًا يقصر أو يطول فهو منتهٍ آخر الأمر إلى أن يزول. ولو قد فهمت الحكومات الشرقية المستأثرة هذه الحقيقة ووعتها، وردَّت إلى الشعوب حقَّها الكامل في الحرية والعدل والمساواة والاستقلال الداخلي؛ لما استطاعت أوروبا ولا أمريكا محاولة للقهر والبطش والاستعمار.
فالمستبدُّون بأمور الشرق من الشرقيين هم الذين يغرون المستعمرين من الغربيين. فمتى يهدي اللَّه أولئك وهؤلاء إلى أن الزمن قد استدار كهيئته يوم خلق اللَّه السموات والأرض، وإلى أن الشعوب العربية قد أصبحت تحرص على أن يكون الناس أحرارًا؛ لأن أمهاتهم قد ولدتهم أحرارًا.
Tag: Arab independence
-
شبَّ عمرو عن الطوق
-
بين الحقيقة والخيال
بين الحقيقة والخيال
طه حسين
جريدة البلاغ
١٩ أبريل ١٩٤٥
كَانَتْ وفاةُ الرَّئيسِ روزفلت صدمةً مفاجئةً هزَّت العالمَ كلَّه هزًّا عنيفًا، وشلَّته وقتًا ما عن أحاديث السياسة العالمية، ولعلها أن تكون قد صَرفت كثيرًا من الناس كذلك وقتًا ما عن الوقوف عند أخبار الحرب، وإنْ لم تَشْغَل الجنودَ المحاربين عن المُضِيِّ في أداء واجبهم البغيض إلى أبعد حدٍّ.
والواقع أنَّ العالَمَ الديمقراطيَّ مَدِينٌ أعظمَ الدَّيْن للرئيس روزفلت، وأنَّ هذا العالَمَ الديمقراطيَّ كان يعقد بالرئيس الفقيد آمالًا ليسَتْ أقلَّ خطرًا من الأعمال الجليلة التي قدَّمَها.
فالديمقراطية مدينةٌ للرئيس روزفلت بثباتها الرائع أمام الاندفاعِ الألمانيِّ العنيف، ثم بوقفها لهذا الاندفاع، ثم بتحطيمها الدفاع الألماني، ثم بوصولها الآن إلى قلب ألمانيا وتأهبها لاقتحامها برلين.
والذين يذكرون استغاثة مسيو بول رينو بالرئيس روزفلت — وانهيار فرنسا بعد هذه الاستغاثة بقليل — يقدِّرون ما تدين به الديمقراطية لهذا الفقيد العظيم.
فقد كان في موقف لم يُتِحْ له أن يقول لفرنسا تلك الكلمة التي كانت خليقة أن تُثبِّتها وتقوِّيها على المقاومة، ولكنه عرف كيف يستغل الكارثة لإنقاذ الديمقراطية. فهو قد هيَّأ الأمة الأمريكية لمعونة البريطانيين حين كانوا يقفون وحدهم ينتظرون الهجوم الألماني الساحق، ثم هو قد دفع الأمة الأمريكية إلى تحقيق هذه المعونة، ثم هو قد سعى سعيًا رفيقًا صارمًا منتجًا حتى أقنع الأمة الأمريكية بالخروج من عزلتها والاشتراك في الدفاع عن الحق والعدل، فلما انتظر على التردد الأمريكي كان قد كسب المرحلة الأولى من مراحل الحرب. وإذا هو يلقي بالقوة الأمريكية الهائلة في كفة الميزان، ولكن دون أن يقول كما قال عدو روما القديم، وكما قال الإمبراطور غليوم في الحرب الماضية «ويلٌ للمغلوب»، وإنما قال كلمة السلام والأمن للإنسانية جميعًا.
ومن المحقق أن إقدام الأمريكيين — يَقُودهم روزفلت — على هذه الحرب قد أتاح للبريطانيين أن يثبتوا وأن يخرجوا من الدفاع إلى الهجوم، وأتاح للروسيين أن يقاوموا وأن يسحقوا الألمانيين سحقًا. فالانتصار الذي يظفر به الحلفاء الآن إنما هو أثر مباشر من آثار الجهود الشخصية التي بذلها هذا الرجل الفطيم، وهذه الجهود قد أثرت من غير شك في قدرته الشخصية على الصبر والجد والاحتمال، وانتهت به إلى أن مات شهيدًا من شهداء الجد في سبيل الواجب. فإذا عده الأمريكيون ضحية من ضحايا الحرب لم يخطئوا، بل يجب أن تعده كل أمة محاربة وكل أمة ستنتفع من انتصار الديمقراطية شهيدًا من شهدائها. فلم يكن روزفلت أمريكيًّا فحسب، ولكنه كان إنسانًا قد ارتقى في إنسانيته إلى أن أصبح مواطنًا في كل بلد يحب الحرية ويطمح إلى الأمن من الخوف، والجوع، والبؤس.
ولم يكن العالم الديمقراطي ينتظر من هذا الرجل العظيم في مستقبل الأيام أقل ممَّا قدَّم إليه في أعوام الشدة والضيق، فقد كان الرئيس روزفلت قوة أساسية خطيرة لتنظيم السلم كما كان قوة أساسية خطيرة لكسب الحرب. ولكن الله يمتحن الناس كما يريد لحكمة يعلمها هو ولا يعلمها الناس؛ فهو قد حرم الناس جهود روزفلت في أشد أوقاتهم احتياجًا إلى هذه الجهود.
وليس من شك في أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمضي في الحرب على نهج الرئيس روزفلت حتى تنتهي بها إلى غايتها؛ وهي استسلام ألمانيا بغير قيد أو شرط.
ولكن المسألة الخطيرة هي: هل تذهب الولايات المتحدة الأمريكية في تنظيم السلم نفس المذهب الذي كان يريده الرئيس روزفلت لا تنحرف عنه قليلًا ولا كثيرًا؟ فمن المعروف أن لشخصية رئيس الجمهورية في سياسة الولايات المتحدة أثرها العظيم، ومن المعروف أيضًا أن الرئيس الجديد يمثل الجناح المعتدل من الحزب الديمقراطي الذي فاز في الانتخاب للمرة الرابعة. ولكن من سبق الحوادث أن نتنبأ بشيء عن موقف الرئيس الجديد بإزاء مشكلات السلم، وما أكثرها! وما أشد ما تمتاز به من التعقيد!
وقد ابْتُدِئَ عهد الرئيس الجديد بحل ظاهر لإحدى هذه المشكلات؛ فقد كانت روسيا تبدي شيئًا غير قليل من الفتور بالقياس إلى مؤتمر سان فرانسسكو، وقد كان من نتائج هذا الفتور أن عرضت للمسيو مولوتوف مشاغل حالت بينه وبين السفر إلى هذا المؤتمر. وجعل الناس يسألون عن هذه المشاغل ما عسى أن تكون، يلتمسونها في الغرب مرة وفي الشرق مرة أخرى، وفي مصاعب الحرب حينًا وفي مصاعب السلم حينًا آخر.
ولكن المسيو مولوتوف استطاع أن يقهر هذه المشاغل، ويذلل هذه المصاعب، ويقرر السفر إلى سان فرانسسكو؛ للاشتراك في المؤتمر مع زملائه وزراء الخارجية في الدول الكبرى. بل هو قد استطاع أكثر من ذلك، استطاع أن يقرر السفر للاشتراك مع وزراء الخارجية في الدول الكبرى حين يعقدون اجتماعهم الذي يسمونه اجتماعًا تمهيديًّا للمؤتمر ونسميه نحن اجتماعًا أساسيًّا؛ لأنه سيقرر الأمور التي إن تم عليها الاتفاق فلن يكون عنها عدول ولا انحراف حين يجتمع الممثلون لنيف وأربعين دولة من دول العالَمَيْن القديم والحديث.
وليس أدل على ذلك من أن رئيس الوزارة البريطانية كان يريد أن يتحدث إلى مجلس العموم اليوم عن شئون الحرب والسياسة؛ فأعلن يوم الثلاثاء أنه يؤثر تأجيل هذا الحديث. وواضح أنه يؤثر هذا التأجيل تحرجًا من أن يسبق المفاوضات التي ستجري في واشنجطون بين وزراء الخارجية للدول الثلاث التي اتخذت في مؤتمر القرم قرارات لم تُؤْتِ ثمرتها بَعْدُ. ومن هذه القرارات ما يتصل ببولندا التي لم تُؤلَّف فيها الحكومة المتحدة بَعْدُ، ولم تُدْعَ إلى المؤتمر، والتي لا يُعرَف كيف تُدعى إليه، ولا كيف تُمثَّل فيه. أتُدعى إليه حكومة لوبلين كما تريد روسيا أم تُدعى إليه حكومة لوندرة، أم لا تُدعى إليه أصلًا، أم تختار الدول الثلاث من يمثلها في المؤتمر كما أن دول الجامعة العربية ستختار من يمثل فلسطين في مجلس الجامعة حتى يُتاح لفلسطين أن تُباشر استقلالها الشرعي مباشرةً فعلية؟
وهناك من غير شك مشكلات أخرى ليست أقل تعقيدًا من مشكلة بولندا ستكون موضوعًا للمفاوضة بين ممثلي الدول الثلاث. ومعنى ذلك أن مؤتمر القرم محتاج إلى أن يكون له ذيل في واشنجطون قبل أن يستقبل بقراراته ذلك المؤتمر العظيم الذي سيجتمع في سان فرانسسكو بعد أيام.
ولسنا ندري أيستأنف ممثلو الدول الثلاث في واشنجطون حديث التصويت في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولسنا ندري أيستأنفون حديث تمثيل الأمم المتوسطة والصغيرة في مجلس الأمن أم لا يستأنفونه، ولكننا نعلم أن البرلمان البريطاني قد شُغِلَ بهذين الحديثين أثناء هذا الأسبوع. فأمَّا مجلس اللوردات فقد قال فيه ممثل الحكومة لورد كرانبورن كلامًا لا ندري أفهمناه على وجهه أم لم نفهمه! فقد يظهر أن المصريين والكتَّاب منهم خاصةً في حاجة إلى شيء من حسن الفهم للغة الساسة الإنجليز كما تقول الإجبشن غازيت؛ لأنهم لم يفهموا مقال التيمس في الأسبوع الماضي كما كان ينبغي أن يُفهَم.
لسنا ندري أفهمنا كلام اللورد كرانبورن في مجلس اللوردات على وجهه أم لا، ولكن الذي وقع في أنفسنا منه هو أنه يرى أنه سيكون للدول الصغيرة عمل أساسي في نظام السلم الذي سيُقتَرح أو سيُقرَّر في سان فرانسيسكو؛ لأنها ستعاون على منع الحرب وعلى عقاب المعتدي، ولأن ذلك سيفرض عليها التزامات يجب أن تنهض بها إذا أرادت منع الحرب وعقاب المعتدي وحماية نفسها من أن تتعرض للعدوان. فإذا لم تُرِدْ هذه الدول الصغيرة أن تشارك في أعمال الهيئة التي ستشرف على حماية السلم فستتعرض لخطر عظيم؛ وهو أنها لن تُستشار في أمر من الأمور.
ومعنى هذا — إن كنَّا قد فهمنا كلام الوزير البريطاني على وجهه — أن الدول الصغيرة بين اثنتين؛ فإما أن تقبل العضوية في الهيئة التي ستحمي السلم، وتقبل ما يترتب على هذه العضوية من التزامات، وتنهض بالوفاء لهذه الالتزامات كما ينبغي، وإمَّا أن تُهمَل فلا تُستشار في أمرها ولا تُستشار في أمر نفسها أحيانًا. وهذا طبيعي، فالذين يقبلون الاشتراك في هيئة من الهيئات يجب أن ينهضوا بالأعباء التي يفرضها عليهم هذا الاشتراك.
وقد عرفنا إلى الآن واجبات الدول الصغيرة حين تشترك في هذه الهيئة، ولكننا لم نعرف حقوقها كاملة. فسيكون من حقوقها أن تُستشار في حماية السلم، وسيكون من حقوقها أن تُحمَى من العدوان، وهذا كثير فيما يظهر. ولكن أيكون من حقوقها أن تقضي في حماية السلم كما تقضي فيها الدول الكبرى؟ هذا هو الإشكال الذي لم يُوفَّق أحد إلى حلِّه بعد.
وقد تقدَّم الأمر خطوة قصيرة؛ فصرَّح اللورد كرانبورن بأن بين الدول الصغيرة دولًا لها خطر بحكم مركزها الجغرافي أو بحكم قدرتها على الإنتاج، وهذا يقتضي أن تُمثَّل تمثيلًا حسنًا في مجلس الأمن، وقد وُضِعَ أمر هذه الدول موضع البحث. والشيء الواضح هو أن الدول الكبرى ستنهض بأقل الأعباء في حماية السلم، فيجب أن تكون كلمتها هي الأولى والأخيرة.
أمَّا مجلس العموم، فقد رأينا فيه أعضاء لا يحبون مقترحات دمبرتون أوكس؛ لأنها لا تكفل السلم ولا تحميها، وذلك لأنها تجعل كلمة الدول الكبرى هي الأولى والأخيرة، فتقر لهذه الدول سلطانًا غير معقول، أو لأنها ستنشئ هيئة تُشغَل بالمناقشات أكثر مما تُشغَل بحماية السلم. وقد ردَّ وزير الدولة على هؤلاء الأعضاء بأنهم يسعون وراء الخيال.
وكذلك قرر أحد الوزراء البريطانيين في مجلس اللوردات أن على الدول الصغيرة — إن أرادت الأمن والكرامة — أن تشترك في الهيئة التي ستنشأ في سان فرانسيسكو، وتقبل ما يُفرَض عليها من التزامات. وقال أحد الوزراء في مجلس العموم البريطاني المستر لو: إن الذين يطلبون أن تكون الدول الصغيرة ممثلة في مجلس الأمن تمثيلًا معقولًا يكفل لها شيئًا من المساواة يسعون وراء الخيال.
وما نريد أن نفسر كلام أحد من الوزيرين، فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير. على أن هناك حديثًا آخر ليس له من الخطر ما لحديث الوزيرين البريطانيين، ولكنه لا يخلو من مغزى يحتاج إلى شيء من الروية والتفكير. وهذا الحديث يأتينا من أمريكا، ونرجو أن نكون قد فهمناه على وجهه خيرًا مما فهمنا مقال التيمس. فقد خطب المستر سومتروبلز، فأعلن أن الحل الطبيعي لمسألة فلسطين إنما يكون بوضعها تحت وصاية دولية، وليس إلى حلها سبيل غير هذا. فأمَّا ما بين العرب واليهود من الخلاف فيُحَل بمفاوضات مباشرة في ظل هذه الوصاية.
وقد كانت فلسطين تحت الوصاية الدولية لعصبة الأمم، وكانت بريطانيا العظمى تنوب عن عصبة الأمم في إدارة فلسطين، وفي ظل هذه الوصاية الدولية وفي ظل هذا الانتداب البريطاني وصلت مشكلة فلسطين إلى ما وصلت إليه من التعقيد. فالاقتراح الجديد لا يغيِّر شيئًا، فستكون فلسطين بمقتضى هذا الاقتراح في ظل وصاية دولية كما كانت من قبل. وكل ما في الأمر أن بريطانيا العظمى لن تستأثر بالانتداب، وإنما يصبح هذا الانتداب شائعًا في لجنة دولية تنهض بأعباء الإدارة وتجري في ظلها المفاوضات لحل ما بين العرب واليهود من الخلاف.
ولسنا ندري ما الذي تفيده فلسطين من إبقاء الوصاية الدولية وإشاعة الانتداب بين الدول بعد أن كان محتكرًا لدولة واحدة هي بريطانيا العظمى، ولسنا ندري أفهم العالم الأوروبي والأمريكي أم لم يفهم بَعْدُ أن مسألة فلسطين — كغيرها من مسائل الشرق العربي — لا يمكن أن تُحَلَّ بالوصاية ولا بالانتداب، وإنما تُحَلُّ بشيء واحد لا ثاني له وهو الاستقلال.
ونعيد اليوم ما كررناه غير مرة؛ وهو أن الخلاف القديم بين الشرق والغرب قد طال عهده وكثرت آثاره السيئة، وآن له أن يزول ويقوم مقامه تعاون قوامه الوفاق والمودة وتبادل الاحترام، وليس إلى هذا سبيل إلَّا إذا محا الغرب من نفسه محوًا تامًّا فكرة الوصاية والانتداب والتدخل مهما يكن شكله بالقياس إلى هذا الشرق العربي.
وقد ترى الإجبشين جازيت أننا لم نفهم حديث الوزيرين البريطانيين ولا حديث المستر سمنر ويلز، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نؤكده هو أن المصريين والشرقيين يفهمون عنَّا حق الفهم، ويعتقدون — غير مخطئين — أنَّا نصور لهم الرأي الأوروبي تصويرًا دقيقًا، وأنَّا نصور للأوروبيين رأيهم تصويرًا دقيقًا أيضًا.