Tag: Arab world

  • بين الفصحى والعامية

    بين الفصحى والعامية

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٩ أكتوبر ١٩٥٤

    كل شيء ممكن حتى أن يرجع الزمن أدراجه، ويمشي إلى وراء بعد أن كان يمضي إلى الأمام، ولا أريد بالزمن هذه المعاني التي يختلف الفلاسفة في تحقيقها وتحديدها؛ فليس هذا الحديث من فلسفة الفلاسفة ولا من علم العلماء في شيء، وإنما أريد بالزمن أمور الناس التي تستغرق أوقاتهم وجهودهم وتستنفد قواهم ونشاطهم، فتتقدم أحيانًا وتتأخر أحيانًا أخرى، وتُقْدِم مرة وتُحْجِم أخرى.

    وما أشك في أن وقتًا من الأوقات قد مرَّ بنا وأمورنا اللغوية تمضي إلى أمام وحياتنا الأدبية تُقْدِم غير مترددة ولا مستأنية، كأنما كانت تريد أن تسبق الأحداث والخطوب وأن تتعجل دورة الفلك؛ لتبلغ القرن الحادي والعشرين قبل أن تبلغ نصف القرن العشرين فضلًا عن أن تصل إلى آخره.

    ففي ذلك الوقت كان التعليم قليل الانتشار بالقياس إلى ما أُتيح له في هذه الأيام من السعة والتغلغل في أعماق الشعب، وكان شيوخ الأدب الذين استأثرت بهم رحمة الله وشباب الأدب الذين أصبحوا شيوخًا في هذه الأيام يكتبون باللغة العربية الفصحى، ويتنافسون فيما بينهم أيهم يكون أشدَّ لها تطويعًا وأعظم لها تيسيرًا وأقدر على أن يسوغها من المعاني والخواطر والآراء ما لم تكن تعودت أن تسيغ دون أن يشقَّ عليها أو يرهقها من أمرها عسرًا، أو ينحرف بها عن طريقها التي رسمتها لها طبيعتها ومزاجها.

    وكان أصحاب الثقافة الممتازة، وأصحاب الثقافة المتوسطة، وأصحاب الثقافة المتواضعة، والذين لا يكادون يظفرون من الثقة بشيء؛ كل أولئك كانوا يتنافسون في القراءة ويختصمون فيما بينهم، يرضى فريق ويسخط فريق، ويضطرب ثالث بين السخط والرضى.

    وكان الزعماء السياسيون يؤثرون بعض الأدباء على بعض، وينهون أتباعهم عن قراءة ما يكتبون الأدباء الذين كانوا يسخطون عليهم، وربما حرَّموا عليهم قراءة صحف بعينها، وربما أعلنوا إليهم أنهم ينوبون عنهم في قراءة تلك الصحف، وكان الأتباع يسمعون ويصفقون، فإذا تفرقوا عن زعمائهم أسرعوا إلى الصحف المحظورة فاشتروها ودسُّوها في جيوبهم، حتى إذا راحوا إلى دورهم خلَوْا إلى تلك الصحف فقرءوها ممعنين في قراءتها غير حافلين فيما بينهم وبين أنفسهم لنهي الزعماء عن هذه القراءة وحظرهم لها.

    وكانت تلك الصحف تُنشَر باللغة العربية الفصحى، وكان كتَّابها يتنافسون في تجويد اللغة وتنميق الأسلوب. قد اتخذوا لأنفسهم في الأدب مُثُلًا رفيعة لا يعرضون عنها ليتكلفوا رضا القراء، وإنما يسمون إليها ليغروا قراءهم بمشاركتهم في هذا السمو، وكان بعض الشباب في تلك الأوقات يحاولون أن يكتبوا باللغة العامية، وأن يُروِّجوا لها ترويجًا، لا ليتملقوا قراءهم بل ليبلغوا منهم مواطن الفهم والذوق والاستجابة، ولكنهم كانوا يظفرون بعكس ما كانوا يريدون، فيَزْوَر عنهم القراء وتسخر منهم طوائف المثقفين، ويضطرون إلى الرجوع عن عاميتهم إلى اللغة الفصحى.

    وكان حافظ — رحمه الله — يَهْدِر بشعره السياسي، وكان شوقي — رحمه الله — يُعنَى بشعره التمثيلي والسياسي، وكلاهما يذهب مذهب القدماء في لفظه وأسلوبه وفي وزنه وقوافيه، وكان الذين يسمعون للشاعرَيْن العظيمَيْن أو يقرءون لهما، يرضون ويعجبون ويحفظون شعرهما عن ظهر قلب، لا يجدون في رصانة هذا الشعر وجزالته ولا في تقليده للقدماء ما يصرفهم عنه أو يخوفهم منه أو يزهدهم فيه. وكنَّا نعيب الشاعرين العظيمين بإمعانهما في تقليد القدماء وتقصيرهما في التجديد وغلوهما في المحافظة على مذاهب القدماء، فكان الناس يقرءون لنا فترضى منهم قلة قليلة جدًّا هم أصحاب الثقافة الرفيعة، وتسخط منهم كثرة كثيرة جدًّا هم أصحاب الثقافة المتوسطة والضئيلة.

    كان ذلك منذ ربع قرن أو أكثر من ربع قرن، وكنت أعيب على المحافظين في اللغة والأدب تقديسهم للغة وإحاطتهم لها بهذا الإجلال الديني الذي يعصمها من التطور ويحميها من التجديد، وكنت أقول إن اللغة العربية هي لغة القرآن ما في ذلك شك، ولكنها في الوقت نفسه لغة الذين يتكلمونها، فمن الحق عليها أن تستجيب لأصحابها، وأن تساير تطورهم، وتجاري حياتهم في ظروفها المختلفة. وهي قد فعلت في العصور الأولى، فلم تكد تخرج من البادية العربية حتى لازمت الحضارة الجديدة، ووسعت علومها وفلسفتها، وحتى تطور أدبها نفسه مع هذه الحضارة، فأدى في يسر وإسماح ما لم يكن يخطر للأعراب البادين على بال من الخواطر والمعاني والآراء.

    وكان الناس ينكرون عليَّ هذه المقالة أشد الإنكار، ويرون أني قد جاوزت في الإسراف كل حد، وأني قد غلوت في التجديد حتى أخرجته عما ينبغي له من القصد والاعتدال ومن الرفق والأناة، وحتى ذهبت به مذهب الثورة لا مذهب التطور والانتقال.

    وكنت أضحك من الدرس الأول الذي كان طلاب الأزهر الشريف يسمعونه حين يبدءون دراسة النحو، فيقرأ عليهم الشيوخ قول المؤلف رحمه الله: الحمد لله الذي جعل لغة العرب أفصح اللغات.

    وكنت أقول إن لغة العرب فصيحة ما في ذلك شك، ولكن في الأرض لغات أخرى ليست أقل منها فصاحةً وجذالةً وامتيازًا. وكان المحافظون يرون هذا القول مني جموحًا وإهدارًا للقيم الموروثة، وثورة بالسنن التي تلقاها الأبناء عن الآباء. وكنت أتندر بما كان بعض القدماء يختصمون فيه من أن لغة أهل الجنة في الدار الآخرة هي اللغة العربية أو اللغة السريانية، فكان غلاة المحافظين يضيقون مني بذلك أشد الضيق.

    وأذكر أني حين هممت بالسفر إلى أوروبا لإتمام الدرس، سألني الشيخ بخيت رحمه الله: ما الذي تريد أن تدرسه في أوروبا؟ فقلت له متضاحكًا: أريد أن أدرس اللغة السريانية! فقال: ولِمَ تدرس اللغة السريانية؟! قلت: لِأُحْسِنَ الردَّ على الملكين حين يسألانني في القبر؛ لأنهما يسألان باللغة السريانية! ورويت له ما كنت أحفظ من قول بعض الأزهريين القدماء:

    ومن غريب ما ترى العينان … … … … …

    … … … … … أن سؤال القبر بالسرياني

    أفتى بهذا شيخنا البلقيني … … … … …

    فغضب الشيخ وضحك الحاضرون، وكانت كثرتهم من المطربشين، ولقيت الشيخ بعد عودتي من أوروبا، فسلمت عليه ولم أُقبِّل يده، وأراد أن يشعرني باحتقاره لي وازدرائه لما تعلمت في أوروبا ولما اتخذت من زيٍّ جديد؛ فلم يكن يدعوني إلَّا طه أفندي!

    وحسبك بهذا الدعاء احتقارًا وازدراءً! كذلك كانت حالنا منذ أكثر من ربع قرن، ثقة باللغة العربية الفصحى، وإيمانًا بقدرتها على البقاء، ومطاولة الزمان ومغالبة الأحداث التي تجدد حياة الناس من يوم إلى يوم، لا من عام إلى عام.

    وليس من شك في أن جيلنا ذاك القديم قد ظفر بالنجح كل النجح فيما كان يحاول من تجديد الأدب وردِّ الشباب إلى اللغة، بعد أن أدركتها في القرون الأخيرة أعراض تشبه أعراض الشيخوخة والهرم.

    لم ينكر علينا أحد في تلك الأوقات إغرابًا في اللفظ أو التواء في الأسلوب أو غموضًا في المعاني، وإنما كان الناس يتابعوننا راضين عنَّا، مشجعين لنا، يشعرون بأننا كنَّا نرد إليهم شيئًا عزيزًا عليهم أثيرًا في نفوسهم بعُدَ عهدهم به، واشتد شوقهم إليه؛ وهو هذا الجمال الفني الذي يأتي من سماحة اللفظ وسجاحته، ومن يسر المعاني ووضوحها، ومن صفاء الأساليب ونقائها.

    لم يكن المازني — رحمه الله — يتحرَّج في إحياء تلك الأساليب القديمة التي كان يجدها عند عبد القاهر الجرجاني وعند الذين سبقوه من أصحاب النقد والبيان، وكان الناس يقرءون له، ويُعجَبون به، ويستزيدونه من فنِّه ذاك الجديد القديم.

    ولم يكن مصطفى عبد الرازق — رحمه الله — يتحرج في اصطناع الأناة المستأنية في إنتاجه الأدبي، فكان يفرغ الوقت الطويل لكتابة المقال القصير، يُحرِّر معانيه، ويُجوِّد ألفاظه، ويُصفِّي أسلوبه تصفيةً حتى كنَّا نشبِّه آثاره الأدبية بذلك الحلي الذي يتأنق فيه صناعة ويخرجونه روعة للناظرين لا سبيل إلى التعليق عليها بعيب ظاهر أو خفي.

    وكان الناس يتحدثون عن هذا الكاتب أو ذاك، فيقولون إنه يذهب مذهب الجاحظ أو مذهب ابن المقفع، يرون ذلك ثناءً عليه وإطراءً له، ولم نكن نرضى بهذا الإطراء وذلك الثناء لأننا لم نكن نحيي تلك الأساليب فحسب، وإنما كنَّا نحييها ونغنيها ونؤدي بها معاني وآراء وخواطر لم تكن تخطر للجاحظ وابن المقفع على بال.

    كنَّا نترجم فيها شعر الشعراء ونثر الكتَّاب من أعلام الأدب في الغرب، لا نجد في ذلك مشقةً ولا حرجًا، وكنا نؤدي بها من ذات أنفسنا ما يلائم العصر الذي نعيش فيه من شئون هذه الحياة التي لا تشبه من قريب ولا من بعيد حياة الكتَّاب القدماء في البصرة والكوفة وبغداد.

    وكنا نغيظ حافظًا وشوقي وغيرهما من الشعراء حين نتحدث بأن النثر العربي هو الذي ارتقى حقًّا في هذا العصر الحديث؛ لأنه ابتكر أشياء لا عهد للقدماء بها دون أن يخل بفصاحة اللغة ورصانتها، ودون أن ينحرف عن أصولها المقررة أو طبيعتها الخالدة، على حين لم يستطع الشعر إلَّا أن يحيي مذاهب العباسيين متأثرًا لهم ومتأثرًا بهم أيضًا.

    وكنت أغلو في مضايقة الشاعرين العظيمين، فأرد بعض قصائدهما إلى نماذجها القديمة من شعر البحتري وأبي تمام والمتنبي، وكانا يضيقان بذلك أشد الضيق ويحاولان التجديد والابتكار، ويوفقان منهما إلى شيءٍ كثير.

    فأين نحن الآن من تلك الحياة التي كنَّا نحياها منذ ربع قرن، والتي لم أروِ من أمرها إلَّا أطرافًا قصارًا، والتي تشهد بها نصوص ما يزال الناس يقرءونها ويكثرون من قراءتها، ويستعينون بكثير منها على احتمال الحياة التي يحيونها الآن؟!

    وليس من شك في أن أسبابًا مختلفة كثيرة قد دَعَتْ إلى ما نحن فيه الآن من هذا الاضطراب الأدبي الخطير الذي يظهر في صور متناقضة أشد التناقض؛ فعقول شبابنا خصبة وقلوبهم ذكية وبصائرهم نافذة، لا ينكر ذلك إلَّا المكابرون، وفيهم من أجل هذه الخصال قدرة رائعة على الإنتاج الفني، ولهم من أجل هذه الخصال إنتاج يعصم من اليأس ويفتح أبوابًا لآمال عراض، لا ينكر ذلك إلى المكابرون أيضًا.

    ولكن أدباء الشباب هؤلاء أشقياء بفنهم، وقراؤهم ليسوا أقل منهم شقاءً لسبب يسير جدًّا؛ وهو أن وسيلة الأداء تعوزهم إعوازًا مروعًا حقًّا، فآثار كثير منهم أشبه شيء بالجمال البارع الساحر الذي يُعرَض في الأزياء الرثة المهلهلة التي تشوه براعته وتفسد سحره، وتعلق القلوب تعليقًا مؤلمًا بين الإقبال عليه لأصالته وصدقه، والانصراف عنه لرثاثة صوره وغثاثة ألفاظه.

    وأدباؤنا الشبان يحسون ذلك من أنفسهم ومن قرائهم إحساسًا دقيقًا، ويضيقون به ضيقًا شديدًا، ولكنهم لا يحاولون له طبًّا ولا علاجًا … وإنما يمعنون فيه إمعان المستيئس، ويلهجون به لهج المكابر المعاند الذي يعجزه الحسن فيهيم بالقبح، ويفوته الكمال فيستمسك بالنقص ويتخذه مذهبًا ومنهاجًا.

    ثم هم لا يكتفون بما يتورطون فيه من العناد في غير موضع للعناد والمراء في غير موطن للمراء، ولكنهم يتكلفون الغض من الذين سبقوهم، ثم الخروج على ما ألف الناس من صور البيان، وإيثار الفصاحة على الركاكة والرقي على الإسفاف. فإذا لم يُغْنِ عنهم هذا كله شيئًا، ثاروا باللغة نفسها ونصبوا لها حربًا أقل ما تُوصَف به أنها عقيم، لا تغني عنهم شيئًا ولا تنيلهم خيرًا قليلًا أو كثيرًا.

    فليس من الحق في شيء أن اللغة العربية الفصحى قد ماتت أو أشرفت على الموت، بل ليس من الحق أن اللغة العربية الفصحى قد أدركها ضعف أو فتور أو قصور، وآية ذلك أن الناس يعربون بها عن ذات أنفسهم حين يكتبون ما يريدون أن يكتبوا في الموضوعات المختلفة لا يجدون في ذلك حرجًا، ولا يحتملون فيه عناءً، يؤلفون الكتب ويترجمون ما يُؤلِّف غيرهم من الأجانب في أقطار الشرق والغرب، وينشرون الصحف والمجلات. والناس يقرءون ما يُؤلَّف من الكتب وما يُترجَم كما يقرءون ما تنشره الصحف والمجلات، لا يجدون بذلك بأسًا ولا يشكون منه جهدًا.

    وآية ذلك أيضًا أن الناس ينشرون الكتب القديمة التي كُتِبَتْ بالعربية الفصحى في عصورها المختلفة، فيقرؤها أصحاب الثقافة العميقة الواسعة وأصحاب الثقافة المتوسطة الضيقة، وأكثرهم لا يقرؤها مُكْرهًا على قراءتها، وأكثرهم كذلك لا يقرؤها بالمجان، وإنما ينفق في قراءتها الوقت والمال والجهد عن حبٍّ لها ورغبةٍ فيها وحرصٍ عليها.

    وليس هذا شأن اللغة التي ماتت أو أوشكت أن تموت، وليس هذا شأن اللغة التي أدركها الضعف أو الفتور أو القصور، وإنما هو شأن اللغة التي ما زالت حية قادرة على الحياة، قوية قادرة على مغالبة الأحداث والخطوب التي تغير حياة الناس من يوم إلى يوم.

    وأدباؤنا الشبَّان يتورطون في خطأ أي خطأ حين يظنون أن اللغة العربية الفصحى لا يمكن أن تصح ولا أن تستقيم، إلَّا إذا اتخذت ذلك الشكل القديم الذي يألفونه في شعر القدماء ونثرهم أثناء القرون الثلاثة أو الأربعة للهجرة، وهم حين يتورطون في هذا الخطأ يجحدون التطور وينسون حقائقه الأولى؛ فلغة القرن الأول للهجرة لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الجاهلين، ولغة أبي نواس وأصحابه لم تكن مطابقة كل المطابقة للغة الفرزدق وجرير، ولغة المتنبي ومعاصريه لم تكن هي لغة أبي نواس ولداته وأترابه، واللغة التي أتحدث إليهم بها الآن — والتي يتحدث إليهم بها غيري من الكتَّاب — ليست هي اللغة التي كان يتحدث بها كتَّاب القرن الثالث إلى قرائهم. ومعنى هذا كله أن حياة اللغة شيء وجمودها واستعصاءها على التطور شيءٌ آخر.

    وأصحابنا هؤلاء من أدباء الشباب يتورطون في خطأٍ آخر ليس أقل من هذا الخطأ نكرًا، منهم من قرأوا في بعض الكتب أن اللغة اللاتينية قد كانت حية قوية منتشرة في غرب أوروبا، ثم ماتت ونشأت عنها لغات مختلفة في بلاد كثيرة من أوروبا الغربية هذه. وما أسرع ما يثيبون من هذا الذي قرأوه إلى أن اللغة العربية الفصحى لغة قديمة قد نشأت عنها لهجات عامية، فهي إذن قد ماتت وقامت اللهجات العامية مقامها، أو يجب أن تموت لتقوم اللهجات العامية مقامها.

    وقد قلت ألف مرة ومرة: إني لا أشفق على شبابنا من شيء كما أشفق عليهم من التفكير السريع والأحكام الخاطفة؛ فاللغة اللاتينية لم تَمُتْ فجاءة، واللغات الحديثة لم تَمْضِ مقامها فجأة، واللغة اللاتينية لم تمت لأن الشباب من أبنائها قضوا عليها الموت في يوم من الأيام وقرروا أن تقوم اللهجات العامية مقامها، وإنما ماتت اللغة اللاتينية في بطء بطيء جدًّا بعد خطوب طوال ثقال، ليس هنا موضع الحديث عنها.

    وقد تعرضت اللغة العربية الفصحى لخطوب طوال ثقال أيضًا حفظتها كتب التاريخ، ولكنها انتصرت إلى الآن على هذه الخطوب، فلم تَمُتْ ولم يدركها فتور أو قصور، وإنما قاومت وغالبت، وأُتيحَ لها الغلب والانتصار، فظلت حية قوية متطورة وظلت اللهجات العامية ضعيفة ضئيلة لا تصلح للأداء الأدبي قليلًا أو كثيرًا.

    وآية ذلك أننا لا نعرف أثرًا أدبيًّا رائعًا خالدًا كتب في لهجة من هذه اللهجات إلى الآن، وليس يكفي أن نقرر أن لغة من اللغات قد ماتت لتموت، وليس يكفي أن نقضي بالموت على لغة من اللغات ليصبح قضاؤنا ضربة لازب، ولتموت هذه اللغة لأننا أردنا لها الموت.

    كل هذا عبثٌ من العبثِ، واضطرابٌ فيما لا ينفع ولا يفيد ولا يغني عن الناس شيئًا، واستجابةً للكسل الذي يثبط الهمم ويقل الحد ويميت القلوب، وخيرٌ من هذا كله أن نستقبل أمور اللغة العربية الفصحى ومشكلاتها كما نستقبل غيرها من الأمور والمشكلات، فنلتمس لها ما يلائمها من الحلول، ولا نستيئس من الظفر بهذه الحلول.

    وللغة العربية الفصحى مشكلات خطيرة ليس في ذلك شك، وقد تنبهنا لهذه المشكلات منذ أواخر القرن الماضي، ولكنا لم نجد الشجاعة إلى الآن لحلها في غير تردد ولا تلكؤ، وإنما مانع منَّا المصانعون، وداور منَّا المداورون، وتركنا الأمور تمضي كما تستطيع؛ فعرَّضنا لغتنا وأدبنا لشرٍّ عظيم.

    ولست أذكر الآن من هذه المشكلات إلا اثنتين، كلتاهما خطيرة أشد الخطورة، فأمَّا أولاهما فهي الكتابة العربية التي طالب الناس بإصلاحها منذ أواخر القرن الماضي فيما أذكر دون أن يظفروا بشيء، والثانية هي علم النحو الذي حاول الناس إصلاحه منذ أوائل هذا القرن فلم يظفروا بشيءٍ أيضًا.

    والأصل الذي يجب أن يتنبَّه إليه الناس هو أن الكتابة كانت فيما مضى — كما كان النحو — مقصورة على قلة قليلة من الناس، فأصبحت بحكم النظم الحديثة مفروضة على الشعوب كلها، كانت أرستقراطية فأصبحت ديمقراطية إن صح هذا التعبير. وإذا كانت الأرستقراطية تستتبع الصعوبة والعسر والضيق لأنها تصور الاستئثار والاحتكار وإقامة الحواجز والمصاعب دون ما يستأثر به السادة الممتازون، فإن الديمقراطية تستتبع السهولة واليسر والإسماح وإزالة المصاعب وتذليل العقاب.

    وإذا أردت أن تُطاع فاطلب ما يُستطاع. ونحن نريد أن يكون الشعب كله كاتبًا قارئًا، فلنيسر له الكتابة والقراءة حتى يبلغ حاجته منهما في سعة ودعة وفي يسر ولين.

    ونحن نكتب الآن كما كنَّا نكتب منذ أكثر من ألف سنة حين كانت الكتابة امتيازًا تستأثر به قلة من الناس، فإذا ألغيت هذا الامتياز فألغِ ما كان يقتضيه من ضروب المصاعب والعقاب، ويسِّر الكتابة والقراءة ليستطيع الناس جميعًا أن يكتبوا ويقرءوا دون أن يضيِّعوا من الجهد والوقت ما لا يملكون.

    ومن الحمق الأحمق والجهالة الجاهلة حقًّا أن تطلب إلى عامة الشعب أن يحسن الفهم ليحسن الكتابة والقراءة؛ فالأصل أن يكتب الناس ويقرءوا أولًا وأن يفهموا بعد ذلك، وقُلْ مثل هذا بالقياس إلى النحو؛ فنحن نعلِّم صِبيتنا وشبابنا أصول اللغة العربية وخصائصها كما كانت تعلم منذ اثني عشر قرنًا في البصرة والكوفة وبغداد، وقد تغيرت الحياة وتغيرت العقول، وأصبح النحو القديم تاريخًا يدرسه الأخصائيون، ولم يبقَ بدٌّ من نحو ميسر قريب لتفهمه هذه الملايين الكثيرة من التلاميذ.

    والصبية والشباب يتعلمون اللغات الأوروبية، فلا يجدون مشقة ولا عسرًا في فهم النحو لهذه اللغات؛ لأن نحوها قد تطور حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد.

    وأغرب من هذا أن اللغة اللاتينية الميتة تُدرَّس للصبية والشباب في أوروبا، ولا يجد الصبية والشباب مشقة ولا عسرًا في فهم النحو اللاتيني؛ لأنه قد يُسِّر حتى لاءم الحياة الجديدة والعقل الجديد. وقُلْ مثل ذلك بالقياس إلى اللغة اليونانية القديمة، فأعجب للغات ميتة يُدرَس نحوها الآن في يسر أي يسر، وللغة حية هي لغتنا العربية يُدرَس نحوها في عسر عسير، ولا ينتهي بتلاميذه إلَّا إلى جهله وبغضه وبغض اللغة العربية كلها من أجله.

    وأنا مطمئن كل الاطمئنان إلى أن إصلاح الكتابة العربية وتيسير النحو العربي كفيلان بإراحة الجيل الناشئ من شبابنا من هذا العناء الثقيل الذي ينوه بالكتاب المعاصرين من شبابنا الأدباء الذين تعلموا اللغة العربية على أساليب لا تلائم عقولهم وأمزجتهم؛ فلم يحسنوها ولم يطمئنوا إليها، واضطرهم ذلك آخر الأمر إلى ما يشقون به ويشقى به معهم قراؤهم من هذا الإنتاج الأدبي الذي يجمع بين الجمال والقبح وبين الجودة والرداءة في وقت واحد، ومن هذه الشكوى التي لا تنقضي من صعوبة اللغة الفصحى واستعصائها، ومن هذه المطالبة الممضة بالالتجاء إلى اللهجات العامية وإقامتها مقام اللغة العربية الفصحى التي تشقى بأساتذتها ومعلميها.

    وأحب آخر الأمر أن ألفت أدباءنا الذين يطالبون بالالتجاء إلى اللهجات العامية إلى شيءٍ خطيرٍ ما أرى أنهم قد فكَّروا فيه فأحسنوا التفكير؛ وهو أن العالم العربي الآن وكثيرًا من أهل العالم الشرقي كله يفهم اللغة العربية الفصحى، ويتخذها وسيلة للتعبير عن ذات نفسه وللتواصل الصحيح القوي بين أقطاره المتباعدة.

    فلنحذر أن نشجع الكتابة باللهجات العامية، فيمعن كل قطر في لهجته وتمعن هذه اللهجات في التباعد والتدابر، ويأتي يوم يحتاج فيه المصري إلى أن يترجم إلى لهجته كتب السوريين واللبنانيين والعراقيين، ويحتاج أهل سوريا ولبنان والعراق إلى مثل ما يحتاج إليه المصريون من ترجمة الكتب المصرية إلى لهجاتهم كما يترجم الفرنسيون عن الإيطاليين والإسبانيين، وكما يترجم هؤلاء عن الفرنسيين.

    ولنسأل أنفسنا آخر الأمر أيهما خير، أن تكون للعالم العربي كله لغة واحدة هي اللغة الفصحى، يفهمها أهل مراكش كما يفهمها أهل العراق، أم أن تكون لهذا العالم لغات بعدد الأقطار التي يأتلف منها، وأن يترجم بعضه عن بعض كما يترجم بعض الأوروبيين عن بعض؟

    أمَّا أنا فأُوثر وحدة اللغة، وأثق الثقة كلها بأن لها النصر آخر الأمر، وأرى غير متردد أن وحدة اللغة هذه خليقة بأن يُجاهِد في سبيلها المؤمنون بها، وبأن يضحُّوا في سبيلها بكل ما يملكون.

  • من بعيد

     من بعيد . . .
    تستطيع مصر أن تقول في غير إسراف ولا غلو ولا تزيد أنها في هذه الأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس كما كان يقال عن شاعر عربى قديم . فليس فى الأرض حكومة إلا وهي تعنى بشؤون مصر ، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة والشرق الأدنى بوجه عام .
    وليس في الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر يتلقى أنباء الأحداث التي تحدث فيها في صحف الصباح والمساء ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار فيأخذه العجب أحيانا كثيرة ويأخذه الإعجاب أحيانا أخرى ، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى وفنون من الحب والبغض وضروب من الرجاء والخوف
    قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وأطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد . وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة في تاريخها من الصحف الأوروبية قبل أن أعرفها من الصحف المصرية . فإذا أصبحت قرأ على صاحبي ما تبلغه يده من صحف إيطاليا وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافا مختلفة من صحف روما وباريس .. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن افرغ له وما أظنني قرأت الصحف قط كما أقرأها في هذه الأيام ..
    ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس ومع أني كغيري من المصريين فخور معجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه التي جمعت بين الهدوء الذى يملأه الوقار والجلال وبين العنف الحازم النقي الذي يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد ، مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله ، فإني أنفق في بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية ويقولون لقرائهم كلاما أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة ولا عن قلوب سليمة ولا عن نيات مخلصة للحق . فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى أشفاقها من الثورة المصرية لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر فهي مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم ولأن الأمور جرت في مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية ، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلا لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر .
    والفرنسيون يقاسون هولاً أي هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها وهم يقاسون هما ثقيلاً فى تونس وعناء مبرحا في مراكش وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربي فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً ، وكل شيء يدل على أنهم غير مخطئين في هذا الاشفاق
    فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطاني حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل .
    وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفاً على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد ولكن أمر النفوذ البريطاني يعينهم كل العناية لأنه قرين النفوذ الفرنسي في شمال أفريقيا ، فإذا زال النفوذ البريطاني من مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسي من أفريقيا الشمالية .
    والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ كما يقول السياسيون في هذه الأيام . ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهم الاقتصادى الذي ينفع ولا يضر .
    ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربي لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسي .
    والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم في ذلك . فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين ، والشيء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث ويعرفون أن مصر في النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل وأقام أوروبا وأقعدها وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية . وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين الذين أنشأوا جيش محمد على وإبراهيم .
    ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة .. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شيء ولا تصلح لشيء ، والمصريون جميعا يعرفون أن حياتهم الاجتماعية في حاجة إلى إصلاح شامل عميق وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شيء ومرض أربعة أخماس الشعب شيء آخر .
    والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ورأى أبناءها في المدن والقرى وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جدا من هذا الحال التي صورهم فيها . فالذين يسعون في القاهرة والاسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضا متهالكاً ، وإنما يرون شعبا قويا نشيطاً يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً في الاقتصاد العالمي ولو عمل الفرنسيون في أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون في أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادي بحيث هم الآن ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور وحكمها على الأشياء والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هي ويحكموا عليها حكما مستقيما . ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع لعرفوا أن مصر إنما تمثل في الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هي في الغرب في أواخر القرن الثامن عشر مع فرق خطير جدا وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا في ثورتها الكبرى .
    طالبت مصر باستقلالها وحريتها في أعقاب الحرب العالمية الأولى فصنع الشرق العربي كله صنيعها . وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور ، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها ، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها وبالحياة الدستورية النيابية .
    فالذي فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربي هو الذي فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى .
    ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب ، لا نظرة شك وخوف وإشفاق والأطالوا النظر فى المرأة المصرية ليروا فيها أنفسهم ، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة . ولكن الهوى يطبع على القلوب ويغشى الأبصار ويحجب نور الحق عن العقول وينسى أصحابه كل شيء حتى التاريخ القريب .
    ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا فنحن أول من يسيء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون في روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات . ويكفى أن ننظر في بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها في السفارات والمفوضيات ووكالات البرق وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها . فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً وفي صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا لأنهم لن يكونوا أشد إنصافا لنا من أنفسنا .
    إني لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التي ردت إلى مصر كرامتها وشرفها في وقار وأناة ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم في أمتهم وردت إليهم شيئا من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقياً كريماً يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه .
    طه حسین
    البلاغ ٥\٨\١٩٥٢ .

  • المولد

    المولد
    بقلم الدكتور طه حسين
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا… والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم…
    أكانت هي مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام.
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. هل هي جماعة تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف. لم يعرف الناس قط جماعة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهذه الهيئة…
    في أول هذا الأسبوع احتفل العالم كله بمولد هيئة الأمم المتحدة التي أنشئت لتقر السلام في الأرض بعد أن ملأتها الحرب شرًا ونكرًا وهولًا ولتثبت حرية الأمم بعد أن كانت لعبة يتنازعها الطامعون ويعبثون بها ما طوعت لهم أهواؤهم ومنافعهم أن يعبثوا بها ولتؤمن الناس أفرادًا وجماعات من الخوف والفقر والجوع وتكفل لهم الثقة بأنهم يحيون لأنفسهم ولا يحيون لغيرهم وبأنهم يستطيعون أن يطمئنوا إلى أنهم سيستمتعون بحقوقهم كاملة في العدل والحرية والكرامة والسعة التي لا يعرض لها الضيق والدعة التي لا يعرض لها الروع.
    ولكن إنشاءها لم يكد يتم وميثاقها لم يكد يقع من الناس موقع الرضا حتى استبان في وضوح وجلاء أنها لم تكن إلا أماني تداعب النفوس فتملأها رضا وابتهاجًا ثم لا تلبث أن تنجلي عنها فتملأها لوعة وحسرة واكتئابًا ولا أريد أن أذكر اليأس لأن الحياة لا تحب اليأس ولا تطمئن إليه، ولكن المحقق أن الناس لم يعرفوا الخوف المغرى بالقنوط والقلق المفسد للحياة المخيب للآمال كما عرفوهما منذ ولدت هيئة الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الأخيرة.
    ***
    وما أكثر ما يتساءل الناس فيما بينهم وبين أنفسهم حين يخلون إليها وحين يلقي بعضهم بعضًا. أكانت هيئة الأمم جماعة من الدول تألفت لتتعاون على البر والمعروف ولتكون عونًا للضعيف حتى ينتصف من ظالمه المعتدى عليه وبدأ على القوي حتى يعطي النصفة ويعدل عن البغي والعدوان والإثم، ولم يعرف الناس قط هيئة أنشئت لتأمين الشعوب فأخافتها وملأت قلوبها ذعرًا وروعًا كهيئة الأمم المتحدة التي لم يكد إنشاؤها يتم حتى شبت الحرب في أطراف الأرض فسفكت الدماء بغير حساب وأزهقت النفوس في غير اكتراث، وروع الآمنون وأصبح الضعفاء نهبًا مباحًا للأقوياء. ويكفي أن تذكر فلسطين وأهلها الذين كانوا آمنين وادعين لا يؤذون أحدًا ولا يتمنون إلا أن يكف عنهم الأذى فشردوا في الأرض كل مشرد واضطروا إلى ما يشقون به الآن من البؤس واليأس والحرمان والحياة، غرباء في غير وطنهم يعيشون على المعونة تأتيهم من هنا وهناك قد ألغيت كرامتهم إلغاء. وهيئة الأمم المتحدة تنظر إلى ذلك لا تكاد تؤبه له أو تلقي إليه بالها.
    ***
    ويكفي أن تذكر الهند الصينية وما صب عليها من هول وما أريق فيها من الدماء أعوامًا متصلة ولم ينس الناس قصة كوريا وما كان فيها من هذه المأساة التي لا تخلو مما يضحك وشر المصائب ما يضحك كما يقال.
    وليس الناس في حاجة إلى أن يذكرهم أحد بشمال أفريقيا كهذا الجزء من الأرض يذكر الناس بنفسه في كل يوم بل في كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وأطراف أخرى من الأرض عبث بها بغي الباغين وعدوان المعتدين وهيئة الأمم تنظر ولا تصنع شيئًا ولا تستطيع أن تصنع شيئًا، حتى أصبح من حق الناس لا أن يشكوا فيها فحسب بل أن يظنوا بها الظنون ويقول قائلهم أنها لم تنشأ لحماية الضعفاء من الأقوياء وإنما أنشئت لتأمين الأقوياء من الضعفاء.
    ***
    وهي على ذلك لم تؤمن ضعيفًا ولا قويًا. فالأقوياء أنفسهم قلقون مروعون قد أفسد القلق والروع عليهم أمرهم كله وأصبح بأسهم بينهم شديدًا. فانقسموا إلى فريقين مختصمين أشد الخصام وأنكره يريد كل واحد منهما أن يستأثر بالبأس والقوة من دون صاحبه ثم لا يكاد فريق منهما يأمن نفسه، فليس من شك في أن كل دولة من الدول الكبرى التي تتعاون وتتضامن وتظهر من التعاون والتضامن ما يخيل إلى الناس أنها مؤتلفة ليس من شك في أن هذه الدول يرتاب بعضها ببعض ويخاف بعضها من بعض فسياستها الظاهرة قائمة على الائتلاف وسياستها الباطنة قائمة على الاختلاف، فالفرنسيون يشكون في الإنجليز والأمريكيين والإنجليز يشكون في الفرنسيين والأمريكيين. والأمريكيون يشكون في أولئك وهؤلاء يخيفونهم من جهة بقوتهم الضخمة ويصانعونهم من جهة أخرى بمالهم الكثير. وكذلك أنشئت هيئة الأمم لتبث الأمن وتنشر العدل وتحقق الإخاء بين الناس. فلم تصنع مما أنشئت له شيئًا.
    وما أكثر ما أنفقت الأمم في سبيل هذه الهيئة من أموالها وما أكثر ما أنفقت كذلك من آمالها وأحلامها وما أقل ما جنت من هذا كله فهي الآن كما كانت تشفق من الحرب العامة المدمرة التي تقبل نذرها اليوم لتدبر غدًا وتدبر غدًا لتقبل بعد غد. ولا تستطيع كف هذه الحروب المتفرقة في أقطار الأرض بين الضعفاء والأقوياء هنا وهناك.
    فأما العدل الشامل الكامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف فما زال أملًا من الآمال تتوق إليه النفوس وتنقطع من دونه الأسباب. وكذلك كان احتفال الناس بمولد هيئة الأمم المتحدة منذ أيام غريبًا حقًا ظاهره الاحتفال بالأمن والعدل وباطنه الاحتفال بالخوف والجور أو الاحتفال بالشك والقلق على أقل تقدير. واليوم يحتفل المسلمون في أقطار الأرض بمولد آخر ليس مولد شيء صنعه الإنسان عن تقدير وتدبير ومفاوضة ومساومة وأخذ وإعطاء وتكلف لغير ما في القلوب وإنما هو مولد إنسان أقبل على الدنيا ذات ليلة فلم تقرع لمولده الطبول ولم تنفخ بمولده الأبواق ولم ترفع لمقدمه الأعلام ولم يتعلق بإقباله على الأرض أمل ولم تداعب النفوس به أمنية من الأماني وإنما ولد كما يولد الصبية سعدت به أسرته سعادة يشوبها حزن شديد لأنه ولد يتيمًا، قد مات أبوه قبل مولده، ولم يكد يتجاوز الأعوام الأولى من حياته حتى ذاق الحزن المر، وأحس اللوعة المحرقة وذاقت أسرته من ذلك مثل ما ذاق لأنه فقد أمه ولما يتم السابعة من عمره.
    ثم نشأ كما ينشأ أمثاله من اليتامى يكفله أقرب الناس إليه من عمومته يصبح ويمسي ويذهب ويجيء فلا يحتفل الناس لا صباحه وإمسائه ولا يسجل الناس غدوه ورواحه ولا يغير الناس من حياتهم شيئًا لأنه فعل أو قال. ولا لأنه غدًا أو راح وإنما هو يتيم يستقبل حياته كما يستقبلها أمثاله من اليتامى حياة ليست كلها يسرًا ولا سعة ولعلها أن تكون أدنى إلى العسر والضيق. ثم لم يكد يبلغ أول شبابه حتى سعى في اكتساب قوته كما يسعى فيه أمثاله من الذين بخلت عليهم الدنيا بطيباتها. وفي ذات يوم من أيام حياته بعد أن بلغ أشده واستوفى قوته وأصبح رجلًا جلدًا قادرًا على احتمال الجهد ولقاء المشقات والثبات للخطوب دعا دعوة لم يسمعها خاصته الأقربون حتى روعوا لها ولم يسمعها عامة الناس حتى ثاروا بها وبصاحبها ودبروا لها ولصاحبها من ألوان المكر والكيد والبأس ما أتيح لهم أن يدبروا واستجاب الضعفاء لدعوته تلك قبل أن يستجيب إليها الأقوياء.
    ***
    وكان له من ضعفه ومن ضعف أصحابه قوة أي قوة ومضاء أي مضاء ثبتوا للخطوب وصبروا على الأسى واحتملوا المشقة وذاقوا الفتن والمحن كرامًا تشقى أجسامهم وتسعد نفوسهم ويضيق عليهم في الحياة فيوسع لهم في الأمل. ويأخذهم الخوف من جميع أقطارهم فتمتلئ قلوبهم أمنًا ورضا وإيمانًا وثقة ثم يضطرون إلى الهجرة فرارًا بدعوتهم ودينهم فلا يترددون ولا يحزنون وإنما يقبلون على المحنة باسمين لها مغتبطين بها يؤثرون الهجرة بدينهم على القرار في أوطانهم بين الأسرة والعشيرة وفيما كانوا يملكون من مال قليل أو كثير.
    ثم تنصب لهم الحرب فلا ينكلون عنها ولا يشفقون منها وإنما يثبتون لأهوالها كما ثبتوا للفتن والمحن من قبلها وينزل الله عليهم نصره في أكثر هذه الحروب ويمحص قلوبهم بالمحنة في بعضها ولا تمضي عشرون سنة على أول هذه الدعوة حتى ينظر العالم فإذا جزء بعيد الأطراف من أقطار الأرض قد كان أهله مفرقين فاجتمعوا وكان بعضهم لبعض عدوًا فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا وكانوا يعيشون في جهالة جهلاء، فأصبحوا أحب الناس للعلم وأسرعهم إلى المعرفة وأشوقهم إلى الحكمة يلتمسونها حيث يستطيعون أن يجدوها، وكانوا يضطربون في ظلمة عمياء فأصبحوا وقد امتلأت قلوبهم هدى ونورًا… وكانوا قساة جفاة غلاظ الأكباد يقتلون أولادهم خشية إملاق ويمسكون بناتهم على الهون أو يدسونهن في التراب مخافة العار فأصبحوا رحماء بينهم قد لانت قلوبهم بعد قسوة ورقت بعد غلظة وأصبحوا مؤمنين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا قد وثقوا بالله وحده لا شريك له واتخذوا حياتهم الدنيا وسيلة لا غاية واستيقنوا أن هذه الحياة الدنيا لن تكون وسيلة صالحة لما يبتغون من رضا الله عنهم إلا إذا أقاموها على العدل الذي لا يمتاز فيه قوي من ضعيف ولا غني من فقير ولا عربي من أعجمي وإنما هو شيء يسوي بين الناس في الحقوق والواجبات ولا يميز بعضهم من بعض إلا بالتقوى والبر والتنافس في إذاعة الخير وإشاعة المعروف.
    ولم تمض عشرون سنة أخرى حتى أصبح ذلك الشعب الذي اجتمع بعد فرقة وائتلف بعد اختلاف وتعلم بعد جهل ولان بعد غلظة أصبح أقوى شعوب الأرض كلها لا ينشر العدل ولا يشيع البر والمعروف في جزيرة العرب وحدها وإنما ينشر العدل ويشيع البر والمعروف ويخرج الإنسانية من الظلمة إلى النور في جميع أقطار الأرض التي عرفها الناس في تلك الأيام.
    اليوم يحتفل المسلمون بمولد هذا الإنسان الذي غير حياة الناس وملأها عرفانًا بعد أن ملئت نكرًا وملأها رحمة بعد أن ملئت قسوة وملأها عدلًا بعد أن ملئت جورًا.
    والحق أنه لم ينهض وحده بهذا العبء الثقيل الخطير وإنما أعانه على النهوض به من وجده يتيمًا فأواه وضالًا فهداه وعائلًا فأغناه. ثم أمره أن ينهض في الأميين فيتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب الحكمة ويخرجهم من الظلمات إلى النور فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وأتاح للإنسانية أن تخلق خلقًا جديدًا.
    ما أعظم الفرق بين المولد الذي احتفل العالم به في أول الأسبوع فلم يصنعوا شيئًا لأن المولد الذي احتفلوا به لم يصنع شيئًا والمولد الذي يحتفل المسلمون به اليوم وهو جدير أن يبلغهم أقصى ما يطلبون لأنفسهم وللناس من الأمن والعدل والحق لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لم تنقص بخروجه من حياته الدنيا وإنما هي باقية دائمًا ومن الحق على كل مسلم أن يحيا في قلبه مصبحًا ومُمسيًا ويقظان ونائمًا ذكر هذا النبي الكريم يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر ويدعوه إلى أن يسرع إلى الخير ويعلمه القوام للمسلمين إلا إذا اعتصموا جميعًا بحبل الله ولم يتفرقوا وأن يذكروا أنهم كانوا أعداء فأصبحوا بنعمة الله إخوانًا.
    أكانت عن مصادفة سعيدة أم عن اختيار موفق هذه الخطوة التي أخذ العرب يخطونها في هذه الأيام نحو اجتماع الكلمة واتحاد الرأي والتعاون على البر والتقوى والمعروف وصيانة الكرامة من أن تتعرض لما ينبغي أن تتعرض له مما يسوء أو يؤذي أو يشين.
    طه حسين
    الجمهورية ٢٨ أكتوبر ١٩٥٥.

  • من جد الشتاء

    من جد الشتاء
    للدكتور طه حسين

    من جد الشتاء أن تهنئ الزيات بعيدين يطلع بهما عليه فجر يوم واحد؛ هو هذا اليوم الذي تظهر فيه (الرسالة) للناس، وتشرق بهما عليه شمس واحدة هي شمس يوم الاثنين. ويستقبل فيهما ابتسامتين ما أعرف أن في الحياة شيئاً أحب إليه ولا أحس في نفسه وقعاً، ولا أجمل في قلبه صورة، ولا أشد إحياء في الأمل واستدعاء للغبطة، وإثارة للابتهاج منهما؛ إحداهما مقصورة عليه أو كالمقصورة عليه – أستغفر الله – بل هي مقسومة بينه وبين شطر نفسه وشريكته في الحياة، وهي ابتسامة ابنه (رجاء). والأخرى شائعة بينه وبين أصدقائه وأحبائه وخصومه وأعدائه في مصر كلها، وفي الشرق العربي كله، وفي كل طرف من أطراف الأرض تُقرأ فيه اللغة العربية ويُذاق فيها الأدب العربي، وهي ابتسامة بنته (الرسالة).
    فقد رزق الزيات في مثل هذا اليوم من العام الماضي هذين الوليدين العزيزين، فسعد بأولهما في نفسه وأسرته، وسعد بثانيتهما في نفسه وأمته، وأنفق عامه كله معنياً بتنشئة رجاء وتنمية الرسالة؛ يقصر جهد عقله على هذه، ويختص بفيض قلبه ذاك. ويجني من هذه كما يجني من ذاك هذه الثمرات الحلوة المرة، اللذيذة المؤلمة، التي يجنيها الأحياء من حب الأحياء والعناية بهم والانصراف إليهم عن كل شيء.
    يبتسم رجاء للحياة فيبتسم قلب الزيات وتنعم نفسه، وتبتسم الرسالة للحياة فيبتسم عقل الزيات وينعم ضميره؛ تعرض آلام الحياة لرجاء فيكتئب قلب الزيات، ويأرق ليله وينغص نهاره، وتظلم الحياة في وجهه. وتعرض المصاعب للرسالة فيبتئس عقل الزيات ويقلق ضميره وتضيق به الأرض ويضيق هو بالأرض، لا يطمئن ولا يستريح ولا يتذوق لذة العيش إلا إذا استقبل النهار في بيته بابتسامة رجاء، واستقبل النهار خارج البيت بابتسامة الرسالة.
    أليس من الجد أن نهنئ صديقنا إذا استدار العام وأقبل يوم الاثنين، فإذا رجاء يقبل على الحياة مبتسماً لها، مغتبطاً بها، آخذاً منها بهذا الحظ الحلو الجميل الصفو، الخالص من كل شائبة، الذي لا يُتاح إلا للأطفال؟ والذي أُتيح لنا جميعاً في وقت من الأوقات، ثم محته من نفوسنا وقلوبنا وذاكرتنا هذه الأيام التي تمضي وهذه الليالي التي تتبعها؛ فإذا نحن لا نذكره ولا نقدره، وإنما نأسى عليه ونود لو استطعنا أن نحقق المستحيل فنسعد لسذاجته النضرة، ونحتفظ مع ذلك بمصدر ما نكره من الألم والحزن، ومن الكآبة والشقاء، وهو العقل والضمير.
    أليس من الجد أن نهنئ الزيات إذا استدار العام وأقبل يوم الاثنين، فإذا الرسالة تستقبل الحياة واثقة بإقبال القراء عليها وتأييدهم لها، وحرصهم على أن يستقبلوها كلما دار الأسبوع قوية نشيطة، ممعنة فيما هي فيه من تصوير الحياة الأدبية الشرقية، والآمال الأدبية الشرقية بما فيها من جد وهزل، ومن قوة وضعف، ومن أمل ويأس، ومن نور وظلمة، ومن نشاط وخمول. بل إن من الجد كل الجد أن نهنئ صديقنا بهذا اليوم السعيد لقلبه وعقله معاً، وأن نتمنى لصديقنا أن يستدبر الأعوام والأعوام، وأن يستقبل هذا اليوم كلما أتم الفلك دورته بهاتين الابتسامتين اللتين تملآن قلبه وعقله وضميره غبطة واطمئناناً لأداء الواجب واستعداداً للنهوض بأعباء الحياة.
    ومن جد الشتاء أن نذكر لهو الناس بلذات الشتاء، وما أكثر لذات الشتاء وما أعذبها، وما أشد تنوعها واختلافها، وما أحسن موقع بعضها من القلوب، وما أجمل أثر بعضها في النفوس، وما أقل حظنا من الرغبة في خيارها والإقبال على طيباتها. أما دور السينما فحافلة والحمد لله في جميع ليالي الأسبوع وفي جميع أيامه؛ كثيرة ولكنها على ذلك مزدحمة بالمختلفين إليها، مكتظة عليها تعرض عليهم كثيراً من السخف وقليلاً جداً من القيم المفيد، وهم بذلك راضون، وفي ذلك راغبون؛ لأنهم لا يبتغون إلا هذه اللذة اليسيرة القصيرة التي تلهيهم عن هموم الحياة وأثقالها ساعات من ليل، أو ساعات من نهار.
    وأما دور التمثيل فالأمر فيها مختلف؛ منها العربي الذي يعيد ما يبدئ، ويبدئ ما يعيد، يصاحب الحياة دون أن يحيا، ويستقبل الأيام والليالي؛ لأن الأيام والليالي تمر به وتغمره كما تمر بكل شيء، وكما تغمر كل شيء. لا يحدث جديداً ولا يبتكر طريفاً، والناس مع ذلك يغشون هذه الدور في كسل وفتور لأنهم تعودوا أن يغشواها كما تعودوا أن يغشوا الأندية والقهوات؛ ينفقون فيها ساعات فارغة من حياة فارغة، ثم يعودون إلى بيوتهم بنفوس فارغة وقلوب فارغة وأجواف ممتلئة، والله يعلم بأي نوع من أنواع الطعام والشراب. وإنك لتسأل نفسك وتسأل الناس وتسأل الأدباء، وتسأل النقاد عن القصة الطريفة من قصص التمثيل والآية البديعة من آيات الفن التي استقبلنا بها فصل الشتاء، فلا تظفر إلا بهز الرؤوس ورفع الأكتاف وابتسامة فيها السخرية وفيها الحزن، وفيها اليأس من الحياة والازدراء للحياة، والانصراف عما يجعل للحياة قيمة أو يجعلها خليقة بالتفكير والتقدير.
    ومنها دار الأوبرا الملكية التي تنام تسعة أشهر وتستيقظ ثلاثة أشهر من كل عام؛ تنام لأنها في بلد يحب النوم، وتستيقظ لأن قوماً من الأجانب يوقظونها كلما انتهى الخريف وأقبل الشتاء. وهم يوقظونها لأنهم يُدعون إلى ذلك ويُرادون عليه؛ تدعوهم إلى ذلك الدولة لأنها لا تريد أن ننام طول العام، أو لأن يظن بنا الناس أننا ننام طول العام، أو أن يزورنا السائحون فلا يجدوا عندنا ما يلهيهم ويريحهم من تعب النهار. ويدعوهم إلى ذلك ضيوفنا الأجانب الذين لا ينامون لا في الصيف ولا في الشتاء؛ هم أيقاظ في بلادهم إذا أقبل الصيف، وهم أيقاظ في بلادنا إذا كان الشتاء. هم يلهون في بلادهم على حساب أنفسهم إذا أقبل الصيف، وهم يلهون في بلادنا على حسابنا نحن إذا أقبل الشتاء، والغريب أننا نلهيهم ولا نلهو معهم. وحق الضيافة – على أقل تقدير – يقضي علينا بأن نشاركهم فيما نقدم لهم من اللهو، ولكن أحصيتَ لي الطرابيش التي كانت في الأوبرا يوم الاثنين الماضي فلم تبلغ العشرين. فأما العمائم فما لها وللأوبرا؟ وكيف يُظن بها أن تختلف إلى هذه الدار؟!
    الرسالة ١٥ – ١ – ١٩٣٤