أصداء النيل
للشاعر السوداني الأديب عبد الله الطيب
طه حسين
جريدة الأهرام
١٣ مارس ١٩٥٧
أما اليوم سأحدثك عن شعر جديد كل الجدة، قديم مع ذلك ممضٍ في القِدم، هو جديد؛ لأن صاحبه معاصر يعيش في ريعان الشباب، ما أحسبه جاوز الثلاثين إلا قليلًا، وموضوعاته كلها معاصرة، نتحدث عنها حين يلقى بعضنا بعضًا، يكتب فيها كُتابنا، وينظم فيها شعراؤنا تضطرب بها خواطرنا، فهو يذكر مصر المعاصرة التي نعيش فيها، ويذكر السودان المعاصر الذي يعيش فيه، وهو يذكر بلاد الإنجليز التي أقام فيها أعوامًا فعرف مدنها وقُراها ومطرها وضبابها، وبلًا من خصال أهلها فنونًا وألوانًا، وهو يبكي هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأخيرة رغم إقامته في بلاد الإنجليز، واتصال الأسباب بينه وبينهم، وهو يصف أشياء كثيرة يألفها الناس جميعًا في هذه الأيام، فليس في موضوعات شعره شيء تنبو عنه طباعنا، أو تنفر منه أذواقنا، ولكنه على هذا كله ممضٍ في القدم؛ لأنه يصطنع لغة وأساليب لا يذوقها إلا الأقلون الذين يذوقون الشعر العربي القديم، والقديم جدًّا.
هذا الذي نقرأه للجاهليين والإسلاميين من شعراء القرنين الأول والثاني، ولا بدَّ من أنْ أتحفظ حين أذكر شعراء القرن الثاني، فشاعرنا لا يصطنع لغة أبي نواس ومسلم ومن إليهما وأساليبهم، وإنما هو يصطنع لغة الذين يؤثرون جزالة اللفظ والأسلوب منهم، كبشار ومروان ابن أبي حفصة، وعسى أنْ يؤثر لغة الغريب أكثر من هذين الشاعرين، ومن يذهب مذهبهما وهو لا يتعمد ذلك، وإنما يدفعه إليه طبعه وذوقه وبيئته جميعًا، هو لا يحس العجز عن سلوك الطريق التي يسلكها أهل هذا العصر في البلاد العربية، أو في المهاجر الأمريكي، وإنما يحس القدرة كل القدرة على ذلك، وقد جرَّبه وأطال تجربته، ولكنه صد عنه صدودًا؛ لأنه كرهه وضاق به ورأى أنه لا يلائم طبعه ولا ذوقه ولا مذهبه في الجمال.
بدوي النشأة
ذلك أنه بدوي النشأة بدوي الثقافة في الطور الأول من حياته، درس اللغة العربية فأتقن درسها، وتعمَّق الشعر العربي القديم، كما لم يتعمقه أحد من المعاصرين، وقرأ الشعر العربي في العصور المختلفة، ودرسه درس المتقن له، ولكن شعرنا القديم وحده هو الذي استأثر بمكان الرضى من قلبه وعقله وذوقه جميعًا، وقد خلق شاعرًا دقيق الحس، ثائر العاطفة، حاد الشعور، مرهف المزاج، قوي الخيال، ولكنه حين أراد أنْ يعرب عن ذات نفسه إعرابًا يلائم طبعه وهواه سلك إلى ذلك طرقًا مختلفة، فلم يعجبه من هذه الطرق إلا نهج القدماء من شعرائنا، فآثرها وأمعن فيها كأنه خُلق لها، وكأنها خلقت له. والعجيب من أمره أنه وُفق من ذلك إلى أروع ما يتاح لشاعر أنْ يبلغه من الإجادة والإتقان، وأعجب من هذا أنه طوع الحضارة الحديثة للغته القديمة، أو طوع لغته القديمة لهذه الحضارة الحديثة، فلاءم بينها ملاءمة لا تحس فيها نبوًا ولا اعوجاجًا.
وأنت تقرءه حين يصف مظاهر الحياة في بلاد الإنجليز، فلا تجد في وصفه تكلفًا ولا تعملًا، وإنما تراه يمضي مع طبعه الخصب في يسر وإسماح، لا يشق عليه وصف، ولا يعييه تصوير، وإنما يشق عليك أنت في كثير من الأحيان أنْ تسايره أو تتبعه؛ لأنك تشعر بالحاجة إلى أنْ تقف لتفهم عن هذا اللفظ أو ذاك في معجم من معجمات اللغة، أو لترد هذا الأسلوب، أو ذاك إلى ما ألفت من صور التعبير، فأنت لا تقدم على قراءته إلا إذا كنت من أولي العزم أولًا، ومن أصحاب العلم الدقيق العميق الواسع باللغة العربية وأسرارها وغريبها، وأساليبها حين يلتوي بها الشعراء عن منهجها الواضح المألوف.
وليس في هذا كله شيء من الغرابة، فقد قلت: إنه بدوي والثقافة في الطور الأول من حياته، وأضيف إلى ذلك أني لا أعرف معاصرًا عربيًّا تعمق مثله درس الشعر العربي وأوزانه وقوافيه ودقائقه وموسيقاه، وهو قد درس هذا كله أوفى دراسة وأشملها في كتاب ضخم يقع في جزءين عظيمين، وهو كتاب «المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها».
الجزء الأول
وقد وصفت الجزء الأول من هذا الكتاب منذ قريب من عامين، فأي عجب في أنْ يكون صاحب هذا الكتاب مؤثرًا بطبعه لمذهب القدماء في شعرهم، وهو قد فُتن بالشعر العربي القديم فتنة لا حدَّ لها ولا غاية، فهو ينبئنا بأنه قرأ الشعر الإنجليزي على اختلاف ألوانه وعصوره، فلم يجده قادرًا على أنْ يثبت للشعر العربي، ولم يستثنِ من ذلك شعر شكسبير على غرابة الموازنة بين الشعر العربي والشعر الإنجليزي وشعر شكسبير خاصة؛ لأن الأمر مختلف بين الشعرين؛ ولأن أسباب الموازنة بينهما لا تتصل ولا تستقيم، فلم يخطر لشاعر عربي قديم أنَّ من الممكن أنْ يذهب شاعر بشعره مذهب شكسبير، أو ملتون، أو بيرون أو غيرهم من شعراء الإنجليز والأوروبيين عامة.
كل شيء بين الشعرين مختلف والموازنة بينهما عبث من العبث، ولكن من الافتتان بالشعر العربي قد ملك على شاعرنا أمره، ودفعه إلى هذا الغلو الذي لا ينتهي إلى شيء، وقد آن لنا أنْ نصل إلى شعر صاحبنا، وأنْ نقف عنده وقفات قصارًا تعطيك منه صورًا، ألا تكن دقيقة كل الدقة، فهي مقاربة أشد المقاربة، واعترف بأني أجد في هذا شيئًا من الجهد، مع أني أحب هذا الشعر واستعذبه وأرضى عنه، ولكن كما أذوق شعر جرير واستعذبه وأرضى عنه، ولو كنت شاعرًا لما سلكت طريق شاعرنا الأديب؛ لأني أوثر أنْ أصل إلى قلوب الذين يقرءونني وأذواقهم.
هذا الجهد
وإذا تكلفت أنا هذا الجهد لأقرب إليك هذا الشعر، فلا أقل من أنْ تتكلف أنت هذا الجهد لتقرأ وتفهم وتذوق، وتعلم آخر الأمر أنَّ الشعر العربي القديم ما زال حيًّا في بعض المواطن العربية، كان حيًّا في أوائل هذا القرن حين كان الكاظمي — رحمه الله — ينظم قصائده الغر، وهو حي في هذه الأيام حين نقرأ هذا الديوان ودواوين أخرى لم ينشرها شاعرنا المجيد بعد. وكنا نقول: إنَّ شعراءنا الذين عاشوا في أواخر القرن الماضي وفي الثلث الأول من هذا القرن من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، قد أسرفوا على أنفسهم وعلى الناس في تقليد العباسيين، فكيف بمن يذهب مذهب الجاهليين والإسلاميين غير مقلد ولا متكلف.
واقرأ معي هذه الأبيات:
طربت لذكر النيل إذ شط منزليبلندن حولي كل أعجم رطانوهيجني صوت البلابل صدحًاوأسراب طير ذي وصيع وأرنانألم ترني أصبحت في الناس مغردًاوخان وما خنت المودة خلانيوجربت من دهري صروفًا وزارنيزرافات أحداث له بعد أحدانفراق أحباء وثكل عشيرةوإخفاق آمال وهجرت أوطانفما أوهنت مر الليالي جلادتيولا عاصفات الدهر فللن صواني
القافية التامة
وأول ما يلاحظه أيسر القُرَّاء علمًا بالشعر العربي القديم، هو هذه القافية التامة المطمئنة لهذه الأبيات، وكل من له إلمام بالأدب العربي يذكر حين يقرأها أو حين يقرأ البيت الأول منها شعرًا قديمًا، يُنسب إلى امرئ القيس جاء على هذا الوزن وعلى هذه القافية وأوله:
قفا نبك من ذكري حبيب وعرفانورسم عفت آياته منذ أزمان
وما أشك في أنَّ شاعرنا قد نظر إلى هذا الشعر القديم حين نظم هذه الأبيات أو هذه القصيدة التي اختار لنا منها هذه الأبيات، فبينه وبين شعره نوع من العهد يملكه الفن، فلا يستطيع إلا أنْ يستجيب له ويكتب ما يملي عليه، فإذا انجلى عنه شيطان الشعر نظر هو في هذا الشعر، فأثبت منه ما يختار، ومحا منه ما لا يختار.
وهو لا يكاد ينظم قصيدة جادة إلا نظر على نحو من الأنحناء إلى نموذج قديم.
شطره الأخير
وانظر بعد ذلك إلى البيت الثاني، فسترى فيه ميلًا ظاهرًا إلى الغريب فصوت البلابل الصادحة يثيره ويهيج عواطفه وحنينه إلى وطنه، ولكن البلابل وحدها لا تكفيه، فهناك أسراب أخرى للطير بعضها ضعيف الصوت وهي ذات الوصيع، والوصيع صوت صغار الطير، كما يقول هو في شرح الديوان، وبعضها الآخر له أرنان وهو الصوت الرفيع. فانظر إلى هاتين الكلمتين الوصيع والأرنان يرى الشاعر أنهما لفظان فصيحان لا غبار عليهما، وهما من ألفاظ الشعر القديم فيقبل عليهما مبتهجًا بهما، ولا عليه أنْ يسيغهما القارئ المعاصر أو لا يسيغهما، فهو كغيره من ذوي الأصالة في الشعر يفكر في فنه ويستجيب له قبل أنْ يفكر في قارئه وفيما يسيغ أو لا يسيغ.
وانظر إلى البيت الثالث فسترى في شطره الأخير أسلوبًا ألفه الشعراء القدماء، وعني به النحويون عناية شديدة، ولكن المحدثين لا يألفونه ولا يكرهون الإعراب عنه حين ينشئون الشعر والنثر، وذلك قوله: وخان وما خنت المودة خلاني.
يريد أنْ يقول: وخان خلاني المودة وما خنتها أنا. فآثر الإيجاز في هذا الأسلوب الجميل كما فعل امرؤ القيس حين قال:
ولو إنما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليلًا من المال
أراد أنْ يقول: كفاني قليل من المال ولم أطلب كثيره.
وهذه الزرافات والأحدان، في البيت الرابع نعرفهما في الشعر القديم، ولا يكاد الشعراء المعاصرون يلمون بهما. والشاعر بالطبع يريد أنْ يقول: إنَّ الأحداث ألمت به مفردة ومجتمعة.
مر الليالي
وفي البيت الأخير أنت مر الليالي؛ لأن القدماء يفعلون ذلك في شعرهم واضطر إلى أنْ ينبهنا إلى ذلك، واتخذ الصوان قافية له إيثار الجزالة اللفظ ورصانته، وأي شيء أمتن وأرصن من الصوان، ولكن انظر إلى ما كلفته هذه القافية من تشبيه نفسه بالصخور الصلبة التي لا توهنها أحداث الزمان، فهذا الشعر جزل رصين فيه إيثار للغريب من اللفظة والغريب من الأساليب، وهو مع ذلك يؤدي به معانٍ قريبة كل القُرب يسيرة كل اليسر، وأي شيء أقرب وأيسر من أنْ يذكر الغريب من أبناء النيل في لندره نهره العزيز؛ فيطرب لهذه الذكرى ويحن للنيل، ويهيج عواطفه غناء البلابل وأصواب صغار الطير وكبارها، ثم يدعوه هذا الحنين في غربته إلى أنْ يشكو انفراده ووحدته؛ لا لأنه غريب فحسب؛ بل لأن إخوانه قد خانوا عهده ونسوا مودته، وهو لهم ذاكر ولعهدهم وفي، على أنه لا يشكو الغربة وتضييع إخوانه للعهد والود فحسب، وإنما يشكو معهما هذه الأحداث التي ألمت به جماعات وأفرادًا، وهو يستقبلها ثابتًا لها جَلدًا صبورًا عليها.
كل هذه المعاني قريبة يسيرة — كما ترى — وهي جديرة أنْ تؤدى في ألفاظ وأساليب قريبة يسيرة مثلها تبلغ القلوب في غير مشقة ولا جهد. ولكن ماذا تصنع وصاحبنا قد خلق للحَزْن لا للسهل، وهو بالطبع يرى هذه الألفاظ والأساليب قريبة كل القرب، يسيرة كل اليسر، ويستطيع أنْ يقول لنا: إنكم تنكرون هذه الألفاظ وهذه الأساليب؛ لأنكم لم تألفوها في شعركم، ولا في نثركم، ولا فيما تعودتم قراءته من الكتب والدواوين، وما عسى أنْ تقولوا لو أني آثرت ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليبهما، فلم أتح لكم أنْ تقرءوا شعري إلا مع مراجعة المعجمات وكتب النحو والغريب؛ لتفهموا كل بيت من أبياته.
والحمد لله على أنه لم يفعل، ولو قد فعل لكان إنما ينشئ الشعر لنفسه ولأمثاله الذين يحصون.
وشاعرنا شديد الحب للنيل، لا تكاد تخلو من ذكره قصيدة أو مقطوعة من شعره، وهو يؤثر النيل على كل شيء، ويؤثر الحياة في وادي النيل على كل ألوان الحياة مهما تكن الظروف. وهو مع ذلك شاعر يشتاق إلى النيل، فيطرب لذكره ويحن إليه ما أقام في بلاد الإنجليز، فإذا عاد إلى النيل شاقته لندره، وما عرف فيها من علم وجمال وسحر، وأي غرابة في ذلك.
الشعراء يرضون
فالشعراء يرضون، فيقولون خير ما يعلمون، ويسخطون فيقولون شر ما يعلمون، وقديمًا قال رسول الله: «إنَّ من البيان لسحرًا، وإنَّ من الشعر لحكمًا.»
وانظر إلى أبيات أخرى من هذا الديوان يصف فيها الشاعر حنينه إلى النيل، ويصور فيه الطبيعة تصويرًا جميلًا رائعًا مؤثرًا في النفوس حقًّا، ويحذو فيها حذو امرئ القيس أيضًا في الوزن والقافية، ولكنه لا يصطنع اللفظ الغريب إلا قليلًا.
بلندن ما لي من أنيس ولا مالوبالنيل أمسى عاذري وعذاليذكرت التقاء الأزرقين كما دناأخو غزل من خدر عذراء مكسالينازعها كيما تجود وينثنيوقد كاد محبورًا مؤانس آمالإذا الأبيض الزخار هاج عبابهله زجل من بين جال إلى جالترافقه من فوقه قزع الطخافتحسبهن الطير تهفو لأوشالويا حبذا تلك السواقي وقد غدتبألحان عبري ثرة العين مشكالونخل إذا ما البدر أشرق خلفهأطل على الرائين كالغيق الحاليوشوك سيال يلمع النور فوقهطرائق مثل الذر يلمع في الآلألا ليت شعري هل أبيتن ليلةيكثبان داري والأحبة أحواليوهل أسمعن الدهر تغريد طائروبالفجر ترجيع المؤذن والتالي
أترى إلى وصفه لالتقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض، وقد شبهه هذا التشبيه البدوي، الذي بَعُدَ به العهد وحجبته عنا القرون، لولا أنا نقرأه في الشعر القديم، فأحد النهرين عذراء مكسال والآخر يسعى إلى خدرها، كأنه امرؤ القيس في لاميته المشهورة:
ألا عم صباحًا أيها الطلل الباليوهل ينعما من كان في الصر الخالي
وفيها يقول:
اصطحاب النيلسموت إليها بعد ما نام أهلهاسمو حباب الماء حالًا على حال
أو كأنه عمر بن أبي ربيعة في رائيته التي أولها:
أمن آل نعم أنت غادر فمبكرغداة غد أم رائح فمهجر
وانظر إليه كيف وصف اصطخاب النيل الأبيض بأمواجه الزاخرة وقطع السحاب الرقيق من فوقه، كأنها الطير تهفو إلى الماء لتحسو منه، وكيف وصف السواقي وهي تبكي على الشاطئ بكاء الحزينة ذات الدموع الغذار، وانظر إلى النخل وقد أطل البدر من خلفه، فخيل إلى رائيه أنه عنق قد أطاف به الحلي.
وانظر إلى هذه الصورة الشعرية الرائعة، وهي صورة شجر السيال يلمع النور فوق شوكه طرائق دقاقًا، كأنه أنذر يلمع في السراب.
ثم اسمع إلى الشاعر كيف يتمنى ويسأل نفسه: هل يتاح له أنْ يبيت ليلة على تلك الكثبان التي تقوم عليها داره، حيث ينظر منها إلى هذه الطبيعة الحلوة التي خالطت قلبه، وهل يتاح له أنْ يسمع ولو مرة تغريد الطائر أول الليل وآخر الصبح، وصوت المؤذن، وصوت من يتلو القرآن من آخر الليل، وعند أسفار الصبح.
وليس عليك بأس من كلمة الطخا، فهو قد فسرها لك في الديوان بأنها السحاب الخفيف. والشاعر يحس إحساسًا قويًّا أنه غريب في شعره أيضًا؛ لأنه يؤثر جزالة اللفظ ورصانة الأسلوب، والمعاصرون لا يحبون هذه الجزالة، وإنما يكلفون بهذا الكلام الهين اليسير المهجن، الذي لا تزينه الفصاحة الخالصة.
فاسمع له كيف يقول:
مالك والجزالة في زمانيحب به من القول الهجينتبين به وليس له سميعوينظمه سواك فلا يبينفإن ذوي الجزالة قد طواهملدى غبرائه الزمن الخئون
ولو قبل الشاعر منا لرددنا عليه بعض حزنه؛ لأنه يستطيع أنْ يكون جزلًا رصين القول، رائع اللفظ والأسلوب، دون أنْ يورط نفسه ويورطنا معه في الطخا، وفي السبنتاة، وفي الوصيع وأمثالها من هذه الألفاظ الغلاظ التي تسجل في المعجمات لنستعين بها على فهم النصوص القديمة، ولكن جريان الألسنة بها حتى في أجمل الشعر وأروعه قد انقضى عصره منذ عهد بعيد.
ولغات الناس صورة لحياتهم، فإذا اتخذوها وسيلة إلى الفن تخيروا منها أصفاها وأنقاها وأحسنها، مسًّا للسمع وموقعًا من القلب، وملاءمة للذوق.
وليس يكفي أنْ يقرأ الإنجليزي شعر شكسبير؛ ليتخذ ألفاظه وأساليبه نماذج يحتذيها، ولا أنْ يقرأ الفرنسي المعاصر شعر راسين؛ لينظم الشعر على مثاله، ولا أنْ يقرأ الإيطالي شعر دانتي؛ ليصطنع ألفاظه وأساليبه التي كانت تجمل وتروق في القرن الرابع عشر، وما زالت إلى الآن تجمل وتروق حين يقرؤها الممتازون من العلماء والأدباء، ولكنها لا تُقبل من كاتب أو شاعر معاصر.
واللغة العربية كغيرها من اللغات تحيا مع الناس الذين يتكلمونها، وتخضع لما يخضعون له من طور الحياة وخطوبها، تغلظ حين تغلظ الطباع، وتلين وتعذب حين تعذب الطباع وتلين.
وليحدثني الشاعر المجيد كيف السبيل إلى أنْ يفهم القارئ المعاصر ذو الثقافة المعتدلة من الأدب العربي مثل هذا البيت، دون أنْ يرجع إلى المعجمات، ويفهم ما تروى من الأمثال والشواهد من شعر جرير والذين عاصروه، وأين نحن من جرير ومعاصريه؟
فظلت أروض النفس بعد نفارهاوأكرهها حتى استمر مريرها
أي الناس يستطيع أنْ يفهم هذا البيت إذا لم يكن من أساتذة الأدب الذين عرفوا دقائق اللغة، وتعمقوا شعر القدماء من شعرائها، ولا سيما حتى استمر مريرها هذه، وما على الشاعر لو قد آثر اليسر، فقال: حتى اشتدت قوتها وعرفت كيف تحتمل الأحداث وتصبر لها.
والبيت الذي يلي هذا البيت كيف السبيل إلى فهمه دون الرجوع إلى المعجمات:
على حين قاربت الثلاثين وانتمتإلى المرء أحداث كثير شقورها
لفهم كلمة الشقور هذه. والشاعر نفسه يفسر لنا هذه الكلمة بأنها الأمور، فما ضره لو اصطنع كلمة الأمور نفسها، فأقام وزنه وقافيته، ولم يغير من جمال الشعر شيئًا.
سكرى الشباب سبنتاة اللحاظ لهافتك بنفسجي بين أوصالي
وهذا البيت وكلمة السبنتاة خاصة فيه، كيف يستطيع المعاصرون أنْ يفهموها دون الرجوع إلى معجم من المعجمات؟! وكيف السبيل إلى أنْ يذوقوها بعد أنْ يفهموها؟!
وأشهد لقد صادفت هذه الكلمة في شعر قديم رثى به عمر بن الخطاب — رحمه الله — فضقت بها أشد الضيق؛ لأني قرأت هذا الشعر في إيطاليا، ولم يكن لسان العرب قريبًا مني، وإنما كان بيني وبينه البحر، أو بيني وبينه السفر إلى روما في البيت المشهور.
وما كنت أخشى أنْ تكون وفاته بكفي سبنتاه طائش الكف أخرق، والشاعر الذي يرثي عمر يذكر الغلام الفاسي الذي طعنه.
أما شاعرنا فيصطنع السبنتاة هذه في وصف عذراء حسناء، قد أسكرها الشباب، وأي بأس عليه لو اصطنع كلمة أخرى تؤدي معناه، ولا تشق على الأساتذة والطلاب وأوساط الناس جميعًا.
وعلى رغم هذا كله فشاعرنا فذ ما في ذلك شك، ليس في ديوانه على طوله بيت واحد يمكن أنْ يطرح أو يهمل، وهو يعرف أحيانًا كيف يعذب ويلين حين يعبث، وحين يداعب الطبيعة، أو يتحدث إلى الأطفال، فهو قد مارس التعليم، وهو الآن أستاذ، ولكنه مع الأسف حين يعبث لا يلبث أنْ يسأم السهولة ويضيق بها، ويقول في آخر مقطوعة من مقطوعاته: هذا كلام فارغ ونؤثر اطراحه.
وليست المقطوعة كلامًا فارغًا، وإنما أفرغها عنده أنها لا تشتمل على الطخا، ولا على السبنتاة، ولا على ما يشبههما من هذه الألفاظ التي هي إلى نوادر أبي زيد الأنصاري أقرب منها إلى أي شيء آخر.
وللشاعر غناء رائع كنت أحب أنْ أقف عنده، وأنْ أطيل الوقوف، ولكن إنْ فعلت لم أفرغ، ولم يفرغ القارئ، ولم يجد هذا الحديث مكانه في الجمهورية.
ومن حق كل مثقف في الأدب العربي أنْ يقرأ هذا الديوان، فسيجد فيه متعة لا شك فيها وروعة، قلما نظفر بها في شعر معاصر، ولكنه محتاج دائمًا إلى أنْ يكون المعجم قريبًا منه.
ولي بعد هذا كله عتب على الشاعر المجيد، وعتب لا يخلو من مرارة، ومن بعض ما يجد الصديق من خيبة الأمل. فما هذا التعريض بمصر في بعض شعره، أو ما خوفه أنْ تستأثر مصر بالنيل من دون السودان، ومتى خطر لذي عقل أنَّ مصر يمكن أنْ تستأثر بخير دون جيرانها من قرب منها ومن بعد عنها.
والتاريخ لم يعرف مصر منذ أقدم عصورها إلا مؤثرة على نفسها، لا تكره أنْ توسع على غيرها وإنْ ضاق بها العيش، وما أعرف أنَّ مصر استأثرت بشيء دون جيرانها في يوم من الأيام، والشاعر نفسه — فيما أعلم — مدين لمصر بالكثير فبعلمها عرف العربية، وتثقف فيها وبلغ من الفقه بها ما بلغ.
والشعر الذي يغمز فيه مصر هو قوله:
وإني لأخشى أنْ أرى النيل في غدشريعة مصر علها وانتهالهانحن إلى وادٍ خصيب ومنزلسباسب تقلي الناجيات اعتمالهانحن إلى ود خصيب ومنزاونخل على شاطئيه أرخت ظلالهاونبدل خطا بعد جنتنا التيجنينا جناها وارتوينا ذلالها
عفا الله عنك — أيها الشاعر الصديق — ما أكثر ما ذكرت خيانة الود ونقض العهد والإخلال بحق الإخاء، وها أنت ذا تورط نفسك في بعض ما أنكرت على من خان عهدك من الإخوان والخلان، فاردد على نفسك بعض حلمك، ولا نطع الهوى فيضلك عن سبيل الله، واذكر قول الشاعر القديم:
إذا أنت طاوعت للهوى قادك الهوىإلى بعض ما فيه عليك سبيل
وأنا على رغم هذا كله أهنئك بشعرك الرائع، وأتمنى أنْ يذوق منه قراؤك مثل ما ذقت، وأنْ يجدوا فيه من الروعة مثل ما وجدت، وإنْ كان هذا على أكثرهم عسيرًا.
Tag: Arabic poetry
-
أصداء النيل
-
الشعر العربي والقصص
الشعر العربي والقصص
طه حسين
الفجر
١٥ أكتوبر ١٩٣٤
وضوع يُثيرُ كثيرًا من الخصومة والاختلاف بين الذين يُؤرخون الأدب العربي، ويُعنون بنقده، ويُعنون عناية خاصَّة بالمُوازنة بينه وبين الآداب الأجنبية الكُبرى، فقومٌ يزعمون أن الشعر العربي أقلُّ خطرًا من الشعر الأجنبي، وأهون شأنًا لأنَّه لا قصص فيه، ولأنَّ الشِّعر العَرَبي، لا يستطيع أنْ يعد بين آياته الكثيرة والحديثة شيئًا يُشبه الإلياذة أو الأوديسا، أو غيرهما من قصص اليُونان والرُّومان، وقصص غيرهم من الأُمَمِ القديمة والحديثة، وإذن فهو شعرٌ ناقص، لا ينبغي له أنْ يُسامي الشِّعر الأَجْنَبي، ولا أنْ يطمع في أن يكون له مكانة مُمتازة بين أنواع الشعر التي تستحق الخلود.
وقوم آخرون يشق عليهم هذا الازدراء للشعر العربي؛ فينكرون أشد الإنكار ويريدون أن يثبتوا للشعر القومي ما يمتاز به الشعر الأجنبي، لا يتحرجون في ذلك ولا يحتاطون فيزعمون أنَّ الجهل وحده هو الذي يُخيل إلى خصوم الشعر العربي أنَّه لا قصص فيه، ثم يزعمون أنَّ الشعر العربي يُوشك في عصوره القديمة أنْ يكون قصصًا كله، ثم يقولون إن الشعر الحَمَاسي كله قصص كشعر الإلياذة والأوديسا، أليس فيه وصف الحرب، وتصوير الوقائع، وحديث الأبطال، وأصحاب الكر والفر، من الكماة والفرسان، وإذن فما الفرق بينه وبين شعر الإلياذة والأوديسا، أو غيرهما من الشعر القصصي في أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب.
أولئك وهؤلاء يغلون؛ فمن المُحَقَّق أنَّ الشِّعر العَربي لا يُعَدُّ شيئًا كالإلياذة والأوديسا، ولا تُعرف فيه هذه القصائد الطوال التي تُصور من حياة الأمم ما يُصور الشعر القصصي، ولكنَّ هذا لا يغض من الشعر العربي، ولا يؤخر مرتبته بالقياس إلى الشعر الأجنبي.
ونلاحظ أولًا: أنَّ العجزَ عن استكشاف قصيدة في الشعر العربي تُشبه الإلياذة والأوديسا لا يدل على أنَّ هذه القصيدة لم تُوجد، وإنما يدل على أنها لم ترو، ولم يحفظها لنا التاريخ، ومن الممكن جدًّا أن تكون قد وُجِدَت بالفعل، وأنْ يكونَ النَّاسُ قد تناشدوها، وتناقلوها، إلى أنْ جاء ذلك العصر، الذي ذَهَب فيه كثير من الرُّواة والحفَّاظ، وأُهمل فيه الشعر إهمالًا بأمر السياسة ودواعيها، فلمَّا عاد العرب إلى رواية الشعر، واستظهاره لم يجدوا هذه القصيدة أو لم يجدوا منها إلا أطرافًا لا تُصَوِّر شيئًا، هذا فرضٌ افترضه، ولو أني فرَغْتُ لدرسه وتحقيقه؛ لكان من المُمكن أنْ أَنْتَهي إلى شيء فيه غناء كثير فحياة العرب، في عصرهم الجاهلي مجهولة، ولكن الشيء القليل الذي نعلمه منه يدل على أنَّ الشعر كان هو الصورة الأدبية الوحيدة لهذه الحياة المُضطربة التي كانت تحياها قبائلهم في البادية، وعلى أنَّ حياتهم هذه كانت حياة اجتماعية يكاد الفرد يفنى فيها فناء، وتكادُ شخصيته تُمحى فيها محوًا، وإنما القوة والسلطان والذكر للقبيلة لا للفرد، ولا للأسرة.
وإذا اجتمع اضطراب الحياة وكثرة ما فيها من الأهوال والخطوب، وانمحاء شخصية الفرد، وفنائها في القبيلة لم يكن بُدٌّ أنْ يُوجد الشعر الذي يُصورها، والذي هو أقرب أنواع الشعر إلى المعروف من شعر القَصَاص، وهذه الأيام التي تحفظها لنا الروايات، ولا يكاد التَّاريخ يعرف من أمرها شيئًا كأيام الباسوس، وأيام داحس والغبراء، وأيام الكلاب، وغيرها قد غناها الشعراء في شعرهم من غير شك، وقد أكثروا من التغني بها، والتحدث عنها، وقد كانوا ينتقلون بغنائهم وحديثهم هذا بين القبائل، وفي الأطراف المُتباعدة من بلاد العرب، وكانَ النَّاسُ يجتمعون لهم، ويسمعون منهم ويُعجبون بهم، ويُثيبونهم على هذا الحديث والغناء، وهذا بالضَّبط هو الذي كان يصنعه الشعراء الهوميريون.
والأدباء يخطئون إنْ ظنوا أنَّ الشعر القصصي اليوناني مثلًا قد نشأ فجأة، وأنَّ الإلياذة، أو الأوديسا قد وُضعت مرة واحدة ونُظمت لها خطة معينة، قبل أنْ توضع، إنما هي طائفة من الأغاني والأناشيد تناولت موضوعات مُتقاربة أو موضوعًا واحدًا بعينه، ثم جُمعت بعد ذلك جمعًا وأُلفت تأليفًا، أُذيعت منها نُسَخٌ رَسْمِيَّة هي التي تناقلها الناس بعد أنْ شَاعَتْ الكتابة في اليونان.
فمن الذي يستطيع أن يزعم أن العرب في عصورهم الجاهلية لم تكن لهم قصائد تصور حروبهم، وأيامهم تصويرًا قويًّا اجتماعيًا، ويتنقل به الشعراء ينشدونه ويغنونه، ثم لم يُتح لهذه القصائد من يأمر بجمعها وتنظيمها وإذاعتها في الناس، كما أمر بيزيسترات بجمع الإلياذة والأوديسا وتنسيقهما وإذاعتهما بين الناس.
فإذا أضفت أنَّ ظهور الإسلام قد محا آثار الوثنية العربية محوًا، وقاومها أشد المُقاومة، وكان الشعرُ مِنْ أهَمِّ هذه الآثار لم يكن غريبًا أن لا يجتمع للعربِ من قَصَصِهم الشعري أو من شعرهم القصصي مثل ما اجتمع لليونان؛ لأنَّ الدين من أهم المُؤثرات في وجود الشعر القصصي وانتشاره، ولولا الدين لما بقيت الإلياذة والأوديسا، فهما كانتا تنشدان في المحافل الدينية إلى آخر العصر الوثني، ولذلك جُمِعتا، ونُسِخَتا وأذاعَتهما الدولة إذاعة رسمية؛ لأنهما كانتا أشبه شيء بكتب الدِّين، فكيف إذا كان الإسلامُ يُقاوِم الوَثنية وآثارها أشد المُقاومة، ويجد في مَحْوِها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ حتى يوفق إلى ذلك كل التوفيق في القرن الأول للهجرة.
إذن فعجزُنا عن استكشاف القصيدة القصصية العَربية التي تُشبه الإلياذة أو الأوديسا لا يدلُّ على أنَّ هذه القصيدة لم توجد قط، وإنما يدل كما قلنا على أننا لم نظفر بها.
وليس ينبغي أن يُقال ما بال العرب لم يحدثوا شعرًا قصصيًا بعد الإسلام، فالشعرُ القصصيُّ لا ينشد، ولا يتكلف في أوقات الحَضَارة والرُّقي العَقلي، وإنَّما هو نتيجة طبيعية لحياة البدو والسذاجة، فإذا تكلفه المُتحضرون سخف وضعف أمره، ولم يحفل به جمهور الناس، كما كان ذلك شأن الإلياذة التي تكلفها فرجين، وشأنُ الشعر القصصي الذي تكلفه المُحدثون من الأوروبيين كفولتير مثلًا.
على أن من الإسراف وتجاوز الحق أن يُقال: إنَّ العرب لم يُعنو بعد الإسلام بالشعر القصصي؛ فهم قد عنوا به عناية ظاهرة نشهد آثارها في ناحيتين واضحتين جدًّا:
إحداهما: عربية أدبية ممتازة، وهي هذه الكتب التي وُضعت في تسجيل الأيام والوقائع التي كانت في العصر الجاهلي، فهذه الكتب قصص كلها، قصص لا تاريخ، حظ الأساطير فيها أعظم من حظ الحق، وهي تعتمد على الشعر، وتروي منه الشيء الكثير جدًّا لا تكاد تذكر موقعة من المواقع ولا حربًا من الحروب إلا روت ما قيل فيها من الشعر؛ فهي إذن نوع من القصص يُصاغ في النثر، ولكنه يزدان بالشعر ويعتمد عليه.
والنوع الثاني: عامي ازدراه أدباؤنا؛ لأنه لم يُصور في اللغة الفصحى التي يعنون بها عناية خاصة، وهذا النوع تجده في هذه القصص الكثيرة التي ما يزال العامة يشغفون بها، وما يزال الشعراءُ يتلونها عليهم نثرًا مزدانًا بالشعر حينًا، وشعرًا خالصًا حينًا آخر يعتمد على ألحان الرَّبابة من وقت إلى وقت، وهذا النَّوعُ من القَصَص العَامِّي هو أَشْبَه الأشياء بالشعر القصصي الأجنبي من جميع نواحيه، يُشبهه في الموضوع ويشبهه في الشكل، ويُشبهه في الإلقاء، ويُشبهه في الاعتماد على الموسيقى، ويُشبهه في تنقل القصاص به، وفي احتفال المستمعين له، وحرصهم عليه.