Tag: Archaeology

  • كلية الآداب

    كلية الآداب

    حديث الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب

    وجه مكتب تحرير المقتطف إلى الأستاذ الدكتور طه حسين بك، عميد كلية الآداب، السؤالين التاليين:

    أولًا: ما هو القسط الذي قدمته كلية الآداب لنهضة الفكر في مصر خلال السنوات العشر الماضية؟

    ثانيًا: ما هي الصورة المثالية التي تريدونها لكلية الآداب؟

    فتفضل بالجواب التالي:

    ١-

    أثرت كلية الآداب في تطور الفكر المصري تأثيرًا واضحًا جدًا، يبدو في ناحيتين هامتين: في طريقة تصور الأشياء والحكم عليها، وفي الحياة العلمية ذاتها، وفي الإنتاج.

    وعلى الرغم من غرابة هذه الكلمة، فإنها بالنسبة لنا حقيقة واقعة، فالطلبة والمتخرجون أنتجوا في ميدانهم كمترجمين، ومؤلفين، وصحفيين، وكذلك بالطبع أنتج أساتذتهم.

    وأريد أن أعرف مدرسة أخرى في الشرق كله وصلت في فترة قصيرة إلى ما وصلنا إليه. وقد نكون، في فترة السنين العشر الماضية، امتصصنا ـ كما تقول ـ خير ما في المعاهد السابقة لنا من مقومات… ولكن أليس «الامتصاص» في ذاته دليلًا على القوة والحياة؟

    فإن أردت بعض مثل على ما نحن بسبيله، فلتعلم أن اللغة العربية مدينة الآن لكلية الآداب بأحسن تاريخ عمل حتى الآن للحياة العقلية في القرنين الأول والثاني للهجرة. ولولا أن أحمد أمين عمل في كلية الآداب، لما أنتج هذا الإنتاج الذي عجزت عن تحقيقه القرون الماضية كلها.

    وأوجدت كلية الآداب شيئًا اسمه التنقيب عن آثار مصرية خالصة، وآثار إغريقية ورومانية، فهي وحدها التي أوجدت اشتراك المصريين العلمي في علوم الآثار، والجيولوجيا، وما قبل التاريخ.

    وكلية الآداب هي التي أوجدت أول المؤلفات العلمية العربية في الجغرافيا، فكتابا حوض النيل وسكان هذا الكوكب من أحسن الآثار التي تجمع بين اللذة العلمية والأدبية. وإني أتحدى أي مدرسة اشتغلت بالعلوم الجغرافية ووصلت إلى مثل ما وصل إليه قسم الجغرافيا عندنا.

    ويخيل إلي أيضًا أن كلية الآداب هي أول معهد أظهر في العربية ترجمة أدبية لـفاوست وهرمان ودوروتيه لجوته، عن الألمانية مباشرة، لا نقلًا عن لغة أخرى.

    ثم إن كليتنا هي التي أنشأت معهد الآثار الإسلامية، ولم يكن موجودًا قبل الآن، ولأول مرة في تاريخ مصر أدخلت كلية الآداب الدراسات القديمة اللاتينية واليونانية، لتساهم في الكشف والاستفادة من أعظم حضارتين فكريتين في العالم القديم.

    ولا يمكن أن ننسى أن كلية الآداب ساهمت مساهمة خطيرة في الحركات الأدبية العامة لم تكن لمعهد آخر، فقد احتفلنا بالعيد الألفي للمتنبي، في أسبوع أقمناه لدراسته دراسة وافية. وأكثر من هذا أنتجنا كتابين، أحدهما للدكتور عبد الوهاب عزام، والثاني لي، سيظهر قريبًا. ولولا كلية الآداب ما كنت أفكر في دراسة المتنبي والكتابة عنه.

    وهناك، في خارج الكلية، يشترك الأساتذة اشتراكًا جديًا في الحياة العلمية العامة. وأظنك تعلم أن الذي يقوم بتحقيق كتاب السلوك وطبعه هو الدكتور زيادة، أحد أساتذة التاريخ. كما أن لمعهدنا قسطًا وافرًا في توجيه السياسة التعليمية العامة، بما نقدمه في لجان وزارة المعارف من آراء، وما نشترك فيه من كتب ومقررات للدراسات الثانوية والخاصة.

    وكلية الآداب هي التي مثلت مصر في المؤتمرات العلمية المختلفة التي تمس الآداب، فقد مثلنا في مؤتمرات المستشرقين ثلاث مرات تمثيلًا رفع المكانة الأدبية للبلاد كلها. وكذلك اشترك الأستاذان مصطفى عبد الرازق والخولي في مؤتمرات تاريخ الأديان، واشترك الأستاذان مصطفى عامر وعوض في مؤتمرات الجغرافيا والسكان.

    وكلية الآداب هي أول معهد أدخل في روع الحكومة والشبان فائدة الرحلات إلى البلاد الشرقية، فقامت من أساتذتنا وطلابنا رحلات إلى الشام والعراق، وأرسلنا من ينوب عن معهدنا في حفلات الفردوسي بطهران.
    وهناك أمر خطير جدًا لا يعرفه الناس تمامًا حتى الآن، فبعثة الجامعة إلى بلاد اليمن مشروع من مشاريع أحد المتخرجين من قسم الجغرافيا، الدكتور حزين، وقد وصلت إلى نتائج هامة جدًا.

    أولها: الاكتشافات الجيولوجية ذات القيمة الخطيرة، وكذلك الاكتشافات المتعلقة بالحشرات وأنواع النباتات.

    ثانيًا: أحضرت البعثة معها نحو مائة وخمسين نقشًا أثريًا جديدًا، سيتخذها أحد أعضاء البعثة موضوعًا لرسالة دكتوراه.

    ثالثًا: ملأت البعثة أسطوانات للهجات جنوب اليمن، وهو العمل الأول من نوعه في هذه الناحية.

    وقبل هذا وذاك أظهر أعضاء البعثة أنهم على استعداد تام لاقتحام الأخطار، فقد أدركهم من المرض والآلام ما يدرك عادة المغامرين في سبيل الغايات الكريمة، وشعروا جميعًا بلذة هذا الألم لتحقيق أغراضهم العلمية.

    هذا ما يتصل بالأساتذة، ويمكن أن تراجع في مكتبة الجامعة قائمة الكتب التي أنفقت عليها كلية الآداب، وعاونت على ظهورها.

    وأما ما يتصل بالطلاب والمتخرجين، وبالنشاط الفكري، فأترك للمتحدث (وهو من خريجي الكلية) إحصاءه، فهو أعرف به (١)، ولا تنس رسالات الماجستير والدكتوراه.

    ولعل كليتنا هي التي عرفت المصريين والشرقيين بالشاهنامة، وقدمتها لهم مطبوعة منقحة.

    (١) يشير الدكتور طه إلى مجهودات الهيئات الجامعية التي تعمل على نشر الثقافة العامة، مثل لجنة ترجمة دائرة المعارف الإسلامية، ولجنة الجامعيين لنشر العلم، ولجنة البردي، ومجهودات موفقة لكثير من الطلاب والمتخرجين في التأليف والترجمة والصحافة.

    وفي سنة ١٩٣٢ اشتركت كلية الآداب في الحركة العقلية الصرفة، حين أخرج عميد كلية الآداب من كليته، فنهض الجامعيون نهضتهم الخطيرة للذود عن كرامة الجامعة واستقلالها، وقاوموا الحكومة شهرًا، وضربوا في ذلك أمثالًا لن تنسى. وكان لهذه الثورة تأثير خطير في التفكير الجامعي للشبان.

    وأما الرقي العام للأمة فقد شاركت فيه كليتنا مشاركة واضحة، فهي التي فتحت أبواب التعليم العام للفتيات، وفيها الآن ١٨٧ فتاة يشتغلن في جميع أقسام الكلية.

    كما أنها خطت خطوة أخرى، بأن أدخلت ضمن هيئة تدريسها ثلاث سيدات، هن الآنسة سهير القلماوي (للغة العربية)، والسيدة درية فهمي (للغة الفرنسية)، والآنسة فاطمة سالم (للدراسات القديمة)، وهن يدرسن للطلاب والطالبات.

    والنتيجة أن لطلبة كلية الآداب وأساتذتها أن يفاخروا بأثر كليتهم في هذه المدة القصيرة، وأن ينتظروا أن تعظم هذه الآثار كلما مضى الزمن، ولا يحفلوا بما يقول الكاشحون، فالقافلة تمضي موفقة على الرغم من المصاعب التي تلقاها، وهي تعتمد على هذه المصاعب، لأن قيامها شرط أساسي لنجاحها. فهي الامتحان الذي يروضها، ويعلمها، ويمحص رجالها تمحيصًا. وهي لا تريد النجاح السهل، إنما تريد النجاح العسير الذي يبعث الشجاعة، والثقة بالنفس، والأمل في المستقبل، وما يحقق الرجولة التي تحتاج إليها مصر في هذا العهد الجديد.

    ٢-

    الذي أرجوه، وأعمل لتحقيقه، هو أن تؤدي كلية الآداب إلى أغراض ثلاثة:

    الأول: إحياء قديمنا المصري والعربي.

    الثاني: تحقيق الصلة الواضحة القوية بيننا وبين الحضارة الغربية.

    الثالث: إظهار أوروبا على ما يجب أن تعرفه من استعدادنا الصحيح للحياة الخصبة، وللمساهمة في ترقية الحضارة الإنسانية.

    ومهما تبلغ كلية الآداب من تحقيق هذه الأغراض، فلن ترضى، ولن يرضى رجالها، طلابًا وأساتذة، لأن الرضا آية الخمول والخمود، وهما أبغض الأشياء إليها.

    المقتطف، يناير ١٩٣٧.

  • حظوظ

    حديث الوادي حظوظ . . .
    لا أريد أن أعرض لهذه الحظوظ التي توزعها المصادفة والظروف بين الناس توزيعًا غريبًا، فترفع الخامل وتضع النابه، وتسعد الجاهل وتشقي العالم، وتسود الغبي الأحمق، وترد الذكي العاقل إلى مكان المقهور المسود.

    هذه الحظوظ معروف، وكلام الناس فيها كد وإيمان الناس بها شائع، والناس جميعًا يشفقون منها ويطمعون فيها، كل يريد أن يكون مجدودًا يناله الحظ بما يشتهي ويتمنى. إن أدركه الحظ لم يؤمن به، ولم يذعن له، وإنما زعم أنه أكفأ الناس، وأذكى الناس، وأحق الناس بالسؤدد والرفعة والرخاء. وإن لم يدركه الحظ ذم الدنيا، ولعن الظروف، وأنكر على المجدودين كل كفاية، ورماهم من العيب بما يكون وما لا يكون.

    لا أريد أن أتحدث عن هذه الحظوظ التي تمس الناس، فالحديث عنها لذيذ في نفسه، ولكنه معاد. إنما أريد أن أتحدث عن حظوظ أخرى، ما أرى أنها تخطر لك على بال، وما أرى أنك تهتدي إليها، أو تظفر بها، مهما تفكر وتقدر، ومهما تقلب أمور الأحياء والأشياء، طوال الليالي والأيام. ذلك أني أريد أن أتحدث عن حظوظ الصناديق. ستدهش لهذه الكلمة وسينتهي دهشك إلى شيء من الضحك، يقل ويكثر بمقدار استعدادك، واعتدال مزاجك حين تقرأ هذا المقال. ولكني مصر مع ذلك على أن أتحدث إليك عن حظوظ الصناديق. فهناك صناديق يدركها الحظ، ويبسم لها الدهر، وتسعدها الأيام بالتأييد والعون، فلا يدنو الناس منها، ولا ينظر الناس إليها، ولا يتحدث الناس عنها إلا في حذر واحتياط، وفي تحفظ وتدبر، وفي حساب دقيق، لكل ما يقولون. وهناك صناديق أخرى يتنكر لها الحظ، وتدبر عنها الأيام، وينظر القضاء إليها في شيء من السخرية والإعراض، فإذا الناس ينظرون إليها نظر الطامع، ويدنون منها دنو الراغب، ويمدون إليها أيديهم بالتحطيم والتدمير. وما أظنك فهمت عني إلى الآن ما أريد أن أقول، فأنت تمعن في الدهش، وقد تمعن في الضحك، وقد يغيظك مني هذا التطويل، في غير انتهاء إلى الغاية، فتلقي الصحيفة وتعدل عن قراءة هذا الفصل، إلى قراءة شيء آخر أقل منها لفًّا ودورانًا. وأؤكد لك أني لا أريد أن ألف ولا أن أدور، وإنما أريد أن أتحدث عن صندوقين: أحدهما سعيد مجدود، والآخر شقي منكوب، وكلاهما في القاهرة، وكلاهما يتحدث الناس عنه في هذه الأيام.

    فأما أولهما فصندوق الدين العام، وأما ثانيهما فصندوق القبلة القديمة في الأزهر الشريف. أفطنت الآن إلى ما أريد؟ أعلمت الآن أن من الصناديق ما يتاح له البقاء، ومنها ما يُقضى عليه بالفناء! أما صندوق الدين العام، فقد عرضت له اللجنة المالية في مجلس النواب أثناء دراستها للميزانية وكتبت فيه وفيما يحتويه من أموال الدين تقريرًا هو آية بين ما تكتبه اللجان في مجلس البرلمان. آية في الإقدام والإحجام معًا، آية في الرجاء واليأس معًا، آية في الهجوم والفرار معًا، ثم آية في الطلب والرفض وآية في القرب والصد، لا يشبهها أو لا يصورها، إلا قول بشار في صاحبته:

    صدّت بخد وجلت عن خد
    ثم انثنت كالنفس المرتد

    ولو أنك قرأت هذا التقرير البديع، لأعجبك منه ما أعجبني، ولراعك منه ما راعني، فاللجنة تريد أن تعرض لظروف النزاع القضائي السياسي القائم حول مسألة الدين العام، ولكنها لا تريد أن تعرض لها من الوجهة القضائية لتظل أمور القضاء، في حرز حريز، ولا من الوجهة السياسية ليستطيع المفاوض أن يمعن في المفاوضات، وهو هادئ مطمئن، إنما تريد أن تعرض من الوجهة المالية العامة، فتطلب إلى الحكومة ألا تدفع إلا ورقًا، ولك أن تفهم وألا تفهم، هذا شيء لا خطر له. . ولك أن تقول إن موضوع النزاع القضائي والسياسي، هو بالضبط ما تحدثت فيه اللجنة، من وجوب الدفع ورقًا لا ذهبًا. فهذا صحيح، ولكن اللجنة مع ذلك، لم تعرض لهذا النزاع من الوجهة القضائية، ولا من الوجهة السياسية، وإنما طلبت إلى الحكومة، ألا تدفع إلا ورقًا، سواء أقرها القضاء أم لم يقرها، وسواء أقرتها المفاوضات، أم لم تقرها. واللجنة ضيقة بصندوق الدين العام، لأن وجوده لا يلائم السيادة المصرية، ولا يتفق مع الاستقلال، ولا يوافق مقدرتنا المالية، وتأديتنا لما علينا من دين، وإذن فاللجنة تريد أن تطلب إلغاءه ولكنها تحتاط في ذلك أشد الاحتياط، فتطلب إلى الحكومة أن تتهيأ للمفاوضة في ذلك، وتطلب إلى المجلس أن يقر ميزانيته في الوقت نفسه، فهي تلغيه بالقول وتبقيه بالفعل، وهي تغري به، وترغب فيه. وهي تؤلب عليه، وتدعو إلى تأييده، بما يحتاج إليه من المال. ألست ترى أن هذا الصندوق مجدود سعيد حسن الحظ؟!

    فدعه ينعم بسعادته وحظه الحسن، وانظر إلى هذا الصندوق الآخر، فسيمتلئ قلبك رحمةً له وبرًّا به وعطفًا عليه. كان قائمًا في هذا المكان المبارك، منذ مئات السنين، ترتفع الأبصار إليه وملؤها الإكبار والإجلال، وتفكر العقول فيه وملؤها العجب والحيرة والدهش، ينظر الناس إليه على اختلافهم، ويتساءلون ما خطبه، ما سرّه، علامَ يشتمل، ثم يجيبهم هذا القدم وما يحيط به من البركة والجلال والإكبار: إن فيه سرًّا مصونًا، هو سر مجد الأزهر ورفعته. لا تقربوه ولا تمسوه، فإنكم إن تفعلوا هدمتم الأزهر هدمًا، وطردتم منه البركة طردًا، ومحوتم كل ما يحيط به من مظاهر العظمة والجلال. ثم يمضي هذا القدم في حديثه، فيقول للناس: لا تسألوا عن هذا الصندوق، ولا عن مادته، ويكفي أن تعلموا أن بين أجزائه قطعة من سفينة نوح، لتمتلئ قلوبكم له حبًّا، ونفوسكم له إكبارًا. ثم يمضي القدم في أحاديث أخرى تستطيع أن تقرأها في الكتب، وأن تسأل عنها شيوخ الأزهريين، أولئك الذين لم يفسدهم العلم الحديث، ولم تغيرهم الحضارة الحديثة، أولئك الذين لا تمتد أيديهم إلى القديم، إلا لتمسه تبركًا به وإعظامًا له. ولكن انظر ماذا أصاب هذا الصندوق في هذه الأيام.

    أراد عالم من علماء الآثار – وويل للقدم من علماء الآثار – أن يفضح سرّه ويهتك ستره ويتبين حقيقته، وحقيقة ما فيه. فما هي إلا أن يطلب فيجاب. وما هي إلا أن تمتد يده المدمرة إلى الصندوق المبارك الكريم العتيق، فيزال عن مكانه ثم يفتح ويستخرج ما فيه. فإذا هي صحف من القرآن الكريم، قد كتبت بخط قديم. فأما الصحف فستستقر في مكتبة الأزهر، وأما الصندوق فالله يعلم أين تستقر مادته، وأما القبلة القديمة فستعطل من حليتها، وأما الأزهر الشريف فستنزع منه بركته. لماذا؟ لأن عالمًا من علماء الآثار أراد أن يبحث ويطلع، ويرضي حاجة العلم إلى البحث والاطلاع. ولأن هذا الصندوق الكريم العتيق، قد ساء حظه في هذه الأيام، فاستطاعت الأنظار أن ترتفع إليه بالجشع والطمع، واستطاعت الأيدي أن تمتد إليه بالتحطيم والتخريب. أما صندوق الدين فترعاه المعاهدات، وتصونه حماية الدول الأجنبية، فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه، أو يطمع فيه، أو يتحدث عنه، أو يطلب إلغاءه إلا بما يضمن بقاءه، كما فعلت اللجنة المالية حين كتبت تقريرها إلى مجلس النواب.

    أراك حزينًا كئيبًا كاسفَ البال، وقد كنت تضحك في أول المقال. أتراك ترثي مثلي لصندوق الأزهر الشريف، وتحسد مثلي صندوق الدين؟ إن كان هذا شأنك، فقد بلغت ما أريد!
    ما أجدر صندوق الأزهر بالرثاء، وما أجدر صندوق الدين بالحسد. والأيام دول، لا يداولها الله بين الناس وحدهم، وإنما يداولها بين الصناديق أيضًا.

    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٣ يونية ١٩٣٤.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات

    في وزارة المعارف: مدرسة اللغات

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ١٦ يوليو ١٩٢٣

    يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نهنأ به. يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتَّاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها، وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها … أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها. تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.

    أقرأت ما نشرته «المقطم» حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف، وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء «المقطم» يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وُزِّع توزيعًا حسنًا، فأصاب من ليس لهم في التعليم حظٌّ قليلٌ ولا كثيرٌ؛ أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك؟! بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًّا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك شأن بعض العمد الأميين في عصر من العصور … إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر، فهي تشتري الثناء ولو كلَّفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جديًّا منتجًا، وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج.

    لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتُثني عليها، ووزارة المعارف تُبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتَّابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتَّاب الآخرين؛ ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق، والكتَّاب الآخرين قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن، فهم يوعدون ثم تخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب، ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.

    تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتَّابها الرسميين بأسرارها ودخائلها، وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في «المقطم» تاريخ مدرسة اللغات، وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير، وما اتخذ من قرار في هذا الاجتماع. وكل هذا قد نشر بلهجة الواثق المؤكد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلَّا عن وحي … ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف، ولا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القرَّاء. نعتقد ذلك، ونريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ، وقرروا أن تدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف، وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية، والآخر في هذا الاجتماع الأخير.

    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها، وإنما تُضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يُهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة، شرُّها أكثر من خيرِها، وضرُّها أكبر من نفعِها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري، وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنَّا نحب ألَّا نعرض لها؛ لأنها لا تلائم الكرامة، ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مريت» و«مسبيرو» وأمثال «مريت» و«مسبيرو»، وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت — أو يريد أبواقها أن يثبتوا — أن كمال باشا قد نفع وأفاد، فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيءٍ، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال. وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم، فعلَّمهم كيف تدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.

    نعم، نريد أن تنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.

    نريد … ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر، وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد. ولكن مضيها هذا لن يغير في الأمر شيئًا، ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية، فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. وما زلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد، ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين، كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بدُّ من النقص في العناية. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية، ولا تفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون، وما أحدثت من ضجة. كلا، إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف، وأنها لم تزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها، وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر، ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًّا وإنما هو مصري مثلك ومثلي؛ هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط، ظهرت وألف فيها كتاب أو غير كتاب، وعنيَ بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله، وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كتبت بالفرنسية، وطبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية؟! وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط، مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا يكلِّف وزارة المعارف عُشْر ما سيكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار، وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة، وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور؛ فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها. واستغلال عواطف الجمهور؛ لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة، ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة محققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن، فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري، فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يشرف عليها الأكْفَاءُ من علماء الآثار ويدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة، والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يحسِّن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية، وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر، فإن ذلك ضربٌ من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.

    ثم نعود فنلفتك — يا معالي الوزير — إلى أنك تريد أن تبني بناءً، فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب، وَكِلْ أمرها إلى الأخصائيين، ثم كلِّف هؤلاء الأخصائيين أن ينشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًّا، وإذن توفق حقًّا إلى صواب.

  • مدرسة اللغات

    مدرسة اللغات
    في وزارة المعارف
    يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد ظهرت وزارة المعارف بما ينبغي أن نُهنأ به، يجب أن نهنئ وزارة المعارف، فقد أصبحت لها جريدة رسمية، وأصبح لها في هذه الجريدة الرسمية كتاب رسميون يؤيدونها ويذودون عنها وإن كانوا يستحقون وراء الألقاب والأوصاف الشفافة التي لا تحجب ما وراءها… أصبحت لوزارة المعارف جريدة رسمية، ولكن هذه الجريدة الرسمية تسيء إلى وزارة المعارف من حيث تريد الإحسان إليها، تثني على وزارة المعارف بحق وبغير حق، لا تُكلف في ذلك صوابًا ولا تتحرى فيه منفعة، بل لا تحتفظ في ذلك بكرامتها ولا بكرامة وزارة المعارف، ولا تكره أن تضحك الناس منها ومن وزارة المعارف.
    أقرأت ما نشرته المقطم حين نشرت نتيجة الامتحان في مدارس المعلمين الأولية؟ زعمت أن الفضل في هذا النجاح الباهر يعود إلى فلان من موظفي وزارة المعارف وأثنت على فلان بما يستحق وما لا يستحق. ولكنها نسيت أو تكلفت أن تنسى أن فلانًا هذا قد نُقل أمس أو أول أمس إلى التعليم الأولي، فلم يستطع أن يشرف عليه بعد ولا أن يُحدث فيه أثرًا حسنًا أو سيئًا. أقرأت ثناء المقطم يوم نشر نتيجة الكفاءة أن هذا الثناء قد وزع توزيعًا حسنًا فأصاب من ليس لهم في التعليم حظ قليل ولا كثير. أصاب رؤساء الامتحان وموظفي الوزارة والمصححين إلى آخر ما هناك. بهذه الطريقة تظفر وزارة المعارف بما تشاء من حمد وثناء، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء مستحقًا أو مغصوبًا، وليس يعنيها أن يكون هذا الثناء جِدًّا أو هزلًا، وإنما يعنيها أن تثني عليها الصحف السيارة، شأنها في ذلك وأن بعض العُمَد الأميين في عصر من العصور… إلى هذا الحد وصلت وزارة المعارف في مصر فهي تشتري الثناء ولو كلفها ذلك أن تجعل نفسها ضحكة لمن يريد أن يضحك. فكيف تريد أن تُشرف هذه الوزارة على العلم والتعليم إشرافًا جِدِّيًّا منتجًا وهي في الثناء والحمد أرغب منها في النفع والإنتاج لوزارة المعارف إذن جريدة رسمية تدفع عنها وتثني عليها. ووزارة المعارف تبيح لهذه الجريدة الرسمية وكتابها من أسرارها ودخائلها وما تفعل به على الصحف الأخرى والكتاب الآخرون ذلك لأن الصحف الأخرى قد تؤثر الحق. والكتاب الآخرون قد يقتصدون في المدح ويميلون إلى النقد. وإذن فهم يوعدون ثم تُخلف مواعيدهم، وهم يطلبون البيان إلى وزارة المعارف فلا يُسمع لهم طلب ولا يُجابون إلى بيان وذلك شيء مألوف في طبائع الناس، والمشرفون على الأمر في وزارة المعارف ناس من الناس يشاركون غيرهم في مواطن الضعف والتقصير.
    تفضي وزارة المعارف إلى جريدتها الرسمية وكتابها الرسميين بأسرارها ودخائلها وتنشر فيها بلاغات شبيهة بالرسمية كما يقولون، تدفع فيها عن نفسها نقد الناقدين. فقد قرأنا في المقطم تاريخ مدرسة اللغات وما دار فيها من مناقشات وما كان من اجتماع بمكتب الوزير وما اتُخذ من قرار في هذا الاجتماع وكل هذا قد نُشر بلهجة الواثق المؤكِّد الذي لا ينطق عن الهوى ولا يتكلم إلا عن وحي، ولكننا برغم هذا كله نشك في صدق ما نُشر ونعتقد أن مدير مصلحة الآثار المصرية لا يرى رأي وزارة المعارف. لا رأي كمال باشا في تعليم الهيروغليفية على هذا النحو العقيم الذي عرفه القراء. نعتقد ذلك. نريد أن تؤكد لنا وزارة المعارف أننا مخطئون، وأن الفنيين قد تورطوا معها في هذا الخطأ وقرروا أن تُدرس الهيروغليفية في مصر على هذا النحو السخيف. فإذا أكدت لنا وزارة المعارف أننا مخطئون فلن يصعب علينا الجهر بأن مدير مصلحة الآثار قد أخطأ الطريق كما أخطأتها وزارة المعارف وقد رأى في مسألة واحدة رأيين متناقضين: أحدهما في تقرير الجامعة الأميرية والآخر في هذا الاجتماع الأخير.
    على أن أمر وزارة المعارف لم يقف عند هذا الحد. فهي لا تكتفي بالدفاع عن نفسها وإنما تضيف إليه الدفاع عن كمال باشا كأن أحدًا من الناس يهاجم كمال باشا أو يصفه بما يكره. وهي في هذا الدفاع عن كمال باشا تسلك طريقًا معوجة شرها أكثر من خيرها وضرها أكبر من نفعها. فتنال الفرنسيين الذين نظموا المتحف المصري وأوجدوا علم الآثار المصرية بألوان من التعريض والتلميح كنا نحب ألاّ نُعرض لها لأنها لا تلائم الكرامة ولا تشرف من يتورط فيها ولا سيما في مثل هذه الأيام. وهي لا تكتفي بالنيل من «مارييت» و «ماسبيرو» وأمثال «مارييت» و «ماسبيرو» وإنما تفرق بين المصريين أنفسهم تفريقًا سخيفًا. تريد أن تثبت أو يريد أبواقها أن يثبتوا أن كمال باشا قد نفع وأفاد فخرج التلاميذ الذين تفاخر بهم مصر. ويحكم! فمن الذي أنكر أن كمالًا قد نفع وأفاد؟ ولكنها، أو ولكنهم يزعمون لتلاميذ كمال ما لا يزعم تلاميذ كمال لأنفسهم. يزعمون لتلاميذ كمال تأليفًا وترجمة يُعلن تلاميذ كمال أنفسهم أنهم لم ينفردوا بها وإنما اشتركوا فيها مع آخرين لم يرضعوا الهيروغليفية ولا علم الآثار من ثدي كمال، وإنما تعلموا على غير كمال. ويزعمون أن هذه الترجمة وهذا التأليف أثر من آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وتلاميذ كمال أنفسهم يعترفون بأنهم إن يكونوا قد وصلوا إلى شيء، فمصدر ذلك أنهم أقاموا سنتين في المتحف يتعلمون على غير كمال ويقتفون آثارًا غير آثار كمال، وإننا إذا طالبنا بإنشاء مدرسة للآثار فإنما نطالب بأن تنهج وزارة المعارف في درس الهيروغليفية والآثار هذا المنهج الذي نهجه المتحف المصري حين أخذ تلاميذ كمال وغيرهم فعلَّمهم كيف تُدرس اللغة الهيروغليفية وكيف تُدرس الآثار. وهو الآن يريد أن يرسلهم إلى أوروبا ليتمموا درسهم فيها.
    نعم! نريد أن تُنشأ مدرسة الآثار على هذا المنهج. نريد أن تكون القاعدة التي وضعها المتحف أساسًا لهذه المدرسة. نريد أن تكون هذه المدرسة في المتحف لا في مدرسة المعلمين.
    نريد… ولكن وزارة المعارف تريد شيئًا آخر. وقد تمضي وزارة المعارف فيما تريد، ولكن مُضيها هذا لن يُغير في الأمر شيئًا ولن يجعل مدرستها الجديدة نافعة ولا مفيدة. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد فشلت وفشل معها كمال باشا في تعليم الهيروغليفية فلا معنى لاستئناف هذا الفشل. ومازلنا نلح في أن وزارة المعارف قد عُنيت بشيء عناية ناقصة وأهملت شيئًا آخر إهمالًا عظيمًا. عُنيت بعصر الفراعنة وأهملت عصر المسلمين. وعنايتها بعصر الفراعنة ناقصة لا تفيد ولكن عصر المسلمين ومجد المسلمين وفن المسلمين كل هذه الأشياء تستحق من وزارة المعارف مثل هذه العناية الناقصة إذا لم يكن لنا بد من النقص. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف: ما بالها تتعجل في تعليم اللغة الهيروغليفية ولا تُفكر بوجه من الوجوه في درس الآثار الإسلامية؟ سيقولون: آثار توت عنخ آمون وما أحدثت من ضجة. كلا! إن وزارة المعارف كغيرها من الوزارات لم تحفل بهذه الآثار. وحسبك أن هذه الآثار معروضة في المتحف وأنها لم تُزر إلى الآن زيارة رسمية ما، وإنما زارها المارشال اللنبي وقرينته! وهناك آثار إسلامية ظهرت ولها قيمتها وقد أحدثت حركة في أوروبا وفي مصر ولكن الذي أظهرها ليس إنجليزيًا وإنما هو مصري مثلك ومثلي هو بهجت بك لا كارتر ولا كارنارفون. هناك الفسطاط ظهرت وأُلف فيها كتاب أو غير كتاب وعُني بها الأوروبيون، ولكننا نحن نجهلها الجهل كله وأي جهل أشد من أن يكون هذا الكتاب أو هذه الكتب قد كُتبت بالفرنسية وطُبعت في أوروبا ولا تزال مكتوبة بالفرنسية غير مترجمة إلى العربية وليس من شك في أن لهذا الكتاب أو هذه الكتب قيمة علمية فنية لا جدال فيها. فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بهذا الكتاب أو هذه الكتب أو بالفسطاط مع أن ترجمة هذا الكتاب إلى العربية ونشره على الناس لا تُكلف وزارة المعارف عشر ما سيُكلفها طبع المعجم الذي وضعه كمال باشا والذي لا نعرف قيمته العلمية بعد. نريد أن تُجيبنا وزارة المعارف ما بالها تُعنى بشيء وتُهمل شيئًا آخر؟ لا نشك في أن هذا الإهمال للآثار المصرية لم يصدر عن ازدراء لهذه الآثار وإنما نثق الثقة كلها بأنه صدر عن ضيق التصور من جهة وعن استغلال عواطف الجمهور من جهة أخرى. ضيق التصور، فوزارة المعارف أضيق رأسًا من أن تسع هذه الفكرة التي تُكلفها إنشاء مدرسة عامة للآثار تتناول عصور مصر على اختلافها، واستغلال عواطف الجمهور لأن الناس قد سمعوا بهذه الآثار المصرية المستكشفة ورغبوا في أن تُعنى حكومتهم بالآثار المصرية، فوزارة المعارف تستغل هذه الرغبة ليقول الناس: إنها نازلة عند إرادة الأمة مُحققة لمنفعة الأمة. ولكن الناس يعلمون أن النزول عند إرادة الأمة يجب أن يكون صحيحًا غير ممسوخ، وأن الذين يحاولون تحقيق منفعة الأمة يجب أن يحققوها كاملة غير منقوصة. وإذن فإذا أردت يا معالي الوزير أن تنزل عند إرادة الأمة فتعنى بالآثار المصرية والفن المصري فليكن ذلك على وجه المنفعة والصواب. فليكن ذلك في إنشاء مدرسة عامة للآثار يُشرف عليها الأكفاء من علماء الآثار ويُدرس فيها العلماء من أساتذة الآثار. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة العامة التي يختلف إليها الطلبة ليتخصصوا في فنونها المتنوعة والتي يختلف إليها الجمهور ليعلم من تاريخ مصر وفن مصر ومجد مصر ما يُحسن رأيه في مصر. ليكن ذلك في إنشاء هذه المدرسة لا في إنشاء درس للهيروغليفية وزيارة للمتحف المصري بعد الظهر. فإن ذلك ضرب من العبث بالعقول وخداع الناس عن حقوقهم ومنافعهم.
    ثم نعود فنلفتك يا معالي الوزير إلى أنك تريد أن تبني بناءً فضع أساسه وابدأ بأسفله لا بأعلاه. أنشئ إدارة الفنون والآداب وكل أمرها إلى الأخصائيين ثم كلف هؤلاء الأخصائيين أن يُنشئوا لك مدرسة الآثار العامة. إذن تنفع حقًا. وإذن تُوَفق حقًا إلى صواب.
    طه حسين
    السياسة ١٦ يوليو ١٩٢٣.

  • وزارة المعارف وجه الصواب في درس الآثار

    وزارة المعارف
    وجه الصواب في درس الآثار
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٣ يوليو ١٩٢٣

    يوفق الله قومًا فيلهمهم الرشد ويهديهم إلى الخير؛ فإذا هم يسعون إلى المنفعة سعيًا سريعًا منظَّمًا آمنًا كل عثار. ويخذل الله قومًا فتضطرب عقولهم، وتؤخذ عليهم طرق المنفعة، ويُحال بينهم وبين الحق فإذا هم يتخبَّطون، وإذا هم يتقدمون خطوة ليتأخروا خطوات، وإذا هم يَمِيلُون إلى اليمين مرة وإلى الشمال مرة أخرى، وإذا هم يتحرَّكون حركة لها ضجيج وعجيج، ولكنها ليست بالمنتظمة ولا بالمنتجة.

    يوفق الله قومًا فيهتدون إلى الخير، ويخذل الله قومًا فيتورَّطُون في الضلال. ولست أدري أيوفق الله وزارة المعارف في أمر الآثار إلى المنفعة والحق أم يخذلها. وأحسب أن مضي وزارة المعارف في هذا الأمر الذي اعتزمته بعد أن قُدِّم إليها النصح وأُشير عليها بالخير ودُلَّت على وجه المنفعة، ليس إلا ضربًا من ضروب الخذلان.

    ولقد نيأس من وزارة المعارف ومن استماعها لنصح الناصح أو إرشاد المرشد؛ فإن وزارة المعارف لم تنسَ بعد عصر الحكم الأوتوقراطي، وعزيزٌ عليها أن تنساه، وعزيز عليها أن تطمئنَّ إلى النظم الديمقراطية الجديدة. وإذن، فهي إذا رأت رأيًا مضت فيه غير ملتفتة إلى ما يُقال، خيرًا كان أم شرًّا. وإن كان العهد بوزارات المعارف الحرة في البلاد الأخرى ألا تُقْدِم على أمر ذي بال من أمور التعليم حتى تستشير فيه أهل العلم، وربما بالغت في ذلك فاستشارت الجمهور والصحف. ولكن ذلك في البلاد الديمقراطية لا في مصر …!

    نيأس إذن من وزارة المعارف، ونعتقد أنها قد تمضي فيما تريد. ولكنَّا لا نيأس من البرلمان، وما نزال نعتقد أن البرلمان سيردُّ وزارة المعارف إلى طريق القصد، وسيأخذها بما تفرضه المنفعة الصحيحة والحق. وليس من المنفعة ولا من الحق في شيء أن يكون في مصر أغنى متحف لتاريخ الفراعنة وتاريخ مصر أيام اليونان والرومان، وأغنى متحف لتاريخ مصر في العصر الإسلامي، وألا تكون في مصر مدرسة نافعة منتجة حقًّا تُدرَّس فيها هذه الآثار المخزونة في المتاحف والمنبثَّة في أقطار البلاد.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تملأ مصر بالآثار وأن تخلو مصر من مدرسة للآثار. فإذا أرادت مصر أن يكون من أبنائها عالم بالآثار أوفدته إلى مدرسة «اللوفر» في باريس، أو إلى المتحف البريطاني في لندن، أو إلى غيرهما من المعاهد في فينا وبرلين.

    ليس من الحق ولا من المنفعة أن تخلو مصر من هذه المدرسة. فإذا اشتد إلحاح مصر في أن تنشأ هذه المدرسة خدعتها وزارة المعارف عن هذه الأمنية بدروس تُلقى في مدرسة للمعلمين حول الهيروغليفية وبعض اللغات القديمة لا تنفع ولا تُفِيد. ليس ذلك من الحق ولا من المنفعة، وإنما الحق والمنفعة أن تقدِّر وزارة المعارف حاجة مصر، ومنفعة مصر وكرامة مصر، وأن تنشئ هذه المدرسة التي تستخزي مصر بأنها غير قائمة فيها، والتي إن أنشأتها وزارة المعارف لم تكلِّفها من النفقات شيئًا كثيرًا.

    تعنى وزارة المعارف في مشروعها العقيم بدرس اللغة الهيروغليفية، وتخدع الناس فتزعم لهم أن أستاذ هذه اللغة وطلابها سيزورون المتحف المصري ويقومون فيه بشيء من التمرين، وسيسيحون في أقطار مصر فيرون الآثار على اختلافها. ولكنَّا نلفت وزارة المعارف إلى أن هذه الزيارات لن تنفع؛ لأنها لن تكون من الاطِّراد والاستمرار بحيث تمكِّن الطلاب من أن يتعرفوا هذه الآثار أثرًا أثرًا، ويتقنوا هذه الفنون المختلفة التي تعلِّمهم تعيينها وترتيبها وضروب الاستفادة منها.

    وحسبك أن ميزانية كمال باشا تخصص للسياحة خمسين جنيهًا! وهو مقدار لا يكفي لسياحة فرد واحد في مصر العليا أثناء الشتاء، فكيف بطلبة كثيرين وأستاذ كثير الحاجات؟! ولكن في الأمر ما هو شرٌّ من هذا؛ فقد تكون العناية بالآثار الفرعونية واجبة، ولكن هناك عناية أخرى ليست أقل من هذه وجوبًا وهي العناية بالآثار العربية الإسلامية؛ العناية بما في دار الآثار العربية وبهذه المساجد والعمارات المنبثة في أقطار مصر وغير مصر، والتي يتقن الأوروبيون العلم بها، ونختلف نحن إليها كثيرًا دون أن نعرف من أمرها شيئًا، العناية بهذه النقوش العربية المختلفة التي تمثِّل تاريخ الإسلام وحظَّ دول الإسلام من الحضارة والرقي الفني.

    فماذا عملت وزارة المعارف للعناية بالفن العربي والآثار الإسلامية؟ وماذا أعدت وزارة المعارف للعناية بهذا الفن وهذه الآثار؟ وما لوزارة المعارف لم تستشر بهجت بك في إنشاء مدرسة أو قسم في مدرسة المعلمين تدرَّس فيه هذه الآثار، ويخرِّج لنا طلَّابًا يشعرون بأن هناك نقوشًا عربية عُنِيَ الأوروبيون بجمعها وتفسيرها ونجهلها نحن الجهل كله؟

    لم تفكر وزارة المعارف في شيء من هذا، وما كان لها أن تفكر في شيء من هذا. فهي كما قلت لك أمس ضيقة التصور؛ ترى الشيء من وجه لا من وجهين ولا من وجوه. ولو أن الله وفَّق وزارة المعارف إلى الخير لهداها إلى إنشاء مدرسة الآثار التي تدرس الآثار المصرية الفرعونية وآثار مصر أيام اليونان والرومان وآثار مصر في العصر الإسلامي. والتي لا تمضي عليها أعوام حتى تتجاوز الآثار المصرية إلى الآثار الأخرى السامية وإلى الآثار الأخرى غير السامية، فتصبح معهدًا من المعاهد الأثرية المعدودة في العالم كما ينبغي أن يكون الأمر في مصر التي التقت فيها الحضارات المختلفة، والتي لا يعرف العالم القديم تاريخًا إلا وله فيها أثرٌ ما.

    ولكن وزارة المعارف أضيق تصورًا من أن تدخل في رأسها مثل هذه الفكرة الواسعة. وليس في الأمر شيء من الغرابة؛ فأنت لا تجني من الشوك العنب، وليس ينبغي أن تطلب إلى غير الفنيين أن يعرضوا لأمر الفنيين، وما كان لرجل من رجال الشوارع أن يرسم لك صورة بيت أو يضع لك مشروع مدرسة للآثار. وإنما هذه أمور يجب أن يرجع فيها إلى أهل العلم بها.

    والشر كل الشر أن وزارة المعارف عرضت لما لا تتقن. ولو أن في مصر إدارة مستقلة للفنون والآداب كما دعونا إلى ذلك ألف مرة لأحسنت هذه الإدارة تصور هذا الأمر والقيام على تنفيذه تنفيذًا نافعًا مفيدًا. لكن الله أراد أن تشرف وزارة الأشغال على دور الآثار، وأن تتعرض وزارة المعارف لما لا تجيد.

    حدثني وزير المعارف حين زرته أخيرًا أنه يفكر في إنشاء دار الفنون، وأنه قد كتب في ذلك تقريرًا سيرفعه إلى الحكومة. فإذا كان هذا حقًّا — وما نشك في أنه حق — فما بال وزير المعارف يبني أعلى البيت قبل أن يبني أسفله؟ وما بال وزير المعارف لا يوجِّه همه إلى إنشاء هذه الإدارة قبل كل شيء؟ فإذا تم تكوينها واستقلَّت بأمورها عن المهندسين والمشرفين على تنظيم المباني وتوزيع الصدقات؛ كُلِّفت هذه الإدارة أن تنشئ ما تحتاج إليه من المدارس ومعاهد البحث. أليس هذا هو الخير؟ أليس هذا هو الصواب؟ بلى، هو الخير وهو الصواب. ولكن متى عهدت وزارة المعارف تحسن السعي إلى الخير أو إلى الصواب؟!

    صدقني يا معالي الوزير، إن الحق عليك لمصر أن تنشئ أولًا إدارة للفنون، ومن الآداب أن تجمع للمتحف المصري، ودار الآثار العربية، ودار الكتب المصرية، والأوبرا الملكية، ومدارس الفنون على اختلافها؛ فإذا تم إنشاء هذه الإدارة وتنظيمها استطعت أن تستشير «لاكو» وبهجت وأعوانهما الفنيين في إنشاء مدرسة مصرية يدرس فيها المصريون وغير المصريين الآثار المصرية وغير المصرية.

    هذا هو الحق وهذه هي المنفعة؛ فانصرف إلى الحق وإلى المنفعة، ولا تخدعنَّك هذه المشروعات التي ليست في حقيقة الأمر إلا ألفاظًا خلابة براقة، دون أن يكون وراءها نفع ولا غَنَاء.

  • مدرسة اللغات القديمة ايضا

    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    في وزارة المعارف
    بين يدي الآن التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية. أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية
    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس قراءة الآثار، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري سواء من هذه الآثار ما كُتب وما لم يُكتب. والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعني بمشورة من يشير. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه. فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية. وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها. ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
    نعم إن وزارة المعارف تخطئ الطريق وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشد تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين. وفي الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقصٌ ولكنه مضطر إليه لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير. ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
    أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أما أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف. وكنت أظن أن وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجّانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة. كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته. وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر. وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة. تتصور الأشياء منقوصة. تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها. وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعني بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعني بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف. تريد أن تحتكر كل شيء. تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره. وإليك البيان:
    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها. فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة. فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا. شديد الضيق جدًّا يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة إما أن تذعن لوزارة المعارف وإما أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلابًا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
    لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيل إليّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور. ويخيل إليّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيل إليّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها. فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر. بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد. فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها. ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير. ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيء من مهارة سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شيء من خزي سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب.
    الوزارة إذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة. مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقًّا، وإما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية. فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له».
    طه حسين
    السياسة، ١٢ يولية ١٩٢٣.

  • في وزارة المعارف مدرسة اللغات القديمة أيضًا

    في وزارة المعارف
    مدرسة اللغات القديمة أيضًا
    طه حسين
    جريدة السياسة
    ١٢ يوليو ١٩٢٣

    بين يديَّ الآن «التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية». أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألَّفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها، وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية، والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر، وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى، وصاحب السعادة أحمد كمال باشا، وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية.

    أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة؛ فأرى أن هذه اللجنة قد نصَّت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن، وتدرس فيها اللغات دون الآثار.

    الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع، فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلَّا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال، وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرَس لنفسها، وإنما هي لغة تدرس لقراءة الآثار. وقراءة الآثار وحدها لا تفيد؛ لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة، ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بدَّ إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري، سواء من هذا الآثار ما كتب وما لم يكتب.

    والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير، ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحةً لأننا نعتقد أنه غير نافع، وأن شره أكثر من خيره. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعنى بمشورة من يشير، وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألَّا تتورط فيه؛ لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه؛ فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية، وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها، ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه، فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة، وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.

    نعم، إن وزارة المعارف تخطئ الطريق، وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة، وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس، ففشل الدرس ولم ينتهِ بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشدَّ تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية، فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى، وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية؛ لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلَّا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين.

    وفي الأمر شيء آخر غريب، وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة، ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقص، ولكنه مضطر إليه؛ لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير، ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.

    أمَّا وزارة المعارف، أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير، فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا، ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين؛ لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أمَّا أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه؛ لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد، فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف.

    وكنت أظن أنَّ وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلِّم الآثار بينما هو يعلِّم اللغة. كنت أظن ذلك، وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلَّا الخير، ولا يتمنى إلَّا أن تُنشأ مدرسة الآثار قبل موته.

    وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر، وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر، وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة «الدنلوبية» لا تزال مشرفة على وزارة المعارف، وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور، ليست بالعميقة ولا الحرة، تتصور الأشياء منقوصة، تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها، وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة، تُعْنَى بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعنى بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف، تريد أن تحتكر كل شيء، تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثرة، وإليك البيان:

    لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها؛ فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة، فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا، شديد الضيق جدًّا، يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه.

    وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف؛ ففيها درس العبرية واللاتينية، وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها؛ لأن الجامعة معهد وطني حر، وقد قامت سياسة «دنلوب» على أن المعاهد الوطنية الحرة إمَّا أن تذعن لوزارة المعارف وإمَّا أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة؛ لأن لشهاداتها قيمة رسمية، وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال، وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن، فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلَّابًا، وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن، فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.

    لا أستطيع أن أفسِّر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيَّل إليَّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيَّل إليَّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلَّا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها، فيمن أرسلتهم إلى أوروبا ومن علمتهم في مصر، بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد، فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها، ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير.

    ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيءٌ من المهارة لسياسة «دنلوب»؟ أليس في ذلك شيءٌ من الخزي لسياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أُنشئت، وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها؛ لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب؟

    الوزارة إذن تنافس الجامعة، وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة، مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرِّج الأثريين النافعين حقًّا، وإمَّا أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية؛ فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور، وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.

    قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر: ( وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ).