مدرسة اللغات القديمة أيضًا
في وزارة المعارف
بين يدي الآن التقرير النهائي للجنة الجامعة الحكومية. أقرأ فيه ما كتب عن درس الآثار في هذه الجامعة. وكانت وزارة المعارف قد ألفت لدرس هذا الموضوع لجنة لا بأس بها وكان أعضاء هذه اللجنة الأستاذ المسيو «لاكو» مدير مصلحة الآثار المصرية والأستاذ المسيو «فوكار» مدير المعهد الأثري الفرنسي في مصر وصاحب السعادة عبد الحميد باشا مصطفى وصاحب السعادة أحمد كمال باشا وانفصل عن اللجنة صاحب العزة علي بك بهجت مدير دار الآثار العربية
أقرأ تقرير هذه اللجنة الخاصة عن درس الآثار في جامعة الحكومة فأرى أن هذه اللجنة قد نصت صراحة على أن الفصل بين درس اللغات ودرس الآثار غير معقول ولا مفيد. وقضت في صراحة على هذه الفكرة التي كانت تريد أن تنشئ مدرسة تشبه مدرسة اللغات أو مدرسة الألسن وتدرس فيها اللغات دون الآثار.
الحق أني لم أكن قد قرأت هذا التقرير عندما كتبت المقالة الأولى في هذا الموضوع فلما قرأته اليوم لم تزدني قراءته إلا إيمانًا وتثبيتًا واغتباطًا بما كان من اتفاقي في الرأي مع لاكو وفوكار وكمال وكلهم فني وكلهم متقن للآثار المصرية واللغة المصرية. ازددت إذن إيمانًا وتثبيتًا وإصرارًا على أن وزارة المعارف تخطئ الطريق وتتجاوز القصد حين تنشئ مدرسة للغات القديمة أو قسمًا للغات القديمة تلحقه بمدرسة المعلمين العليا. تخطئ الطريق وتتجاوز القصد لأن اللغة الهيروغليفية كما قلت ليست لغة تدرس لنفسها وإنما هي لغة تدرس قراءة الآثار، وقراءة الآثار وحدها لا تفيد لأن هناك آثارًا كثيرة غير مكتوبة ولا بد من اصطناعها وتفهمها إذا أردنا أن نفهم تاريخ مصر القديم. فلا بد إذن من أن ندرس فنون الآثار على اختلافها بحيث يكون طلابنا قادرين على أن يستخدموا الآثار جميعها لدرس التاريخ المصري سواء من هذه الآثار ما كُتب وما لم يُكتب. والغريب في هذا الأمر أن صاحب السعادة كمال باشا أمضى هذا التقرير ووافق على النص الذي يحظر الفصل بين درس اللغة ودرس الآثار. وهو مع هذا الإمضاء وهذه الموافقة واضع المشروع العقيم الذي نحاربه حربًا صريحة لأننا نعتقد أنه غير نافع وأن شره أكثر من خيره وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بنصح ناصح ولا تعني بمشورة من يشير. وإن كانت وزارة المعارف لا تحفل بأن تناقض نفسها وتتورط في شيء كانت أزمعت ألا تتورط فيه لأن وزارة المعارف قد أصبحت منذ حين مشغوفة بالإعلان عن نفسها كلفة بتملق الجمهور والاستفادة من عواطفه. فهي تعلم أن الجمهور حريص على درس اللغة الهيروغليفية. وإذن فهي تزعم للجمهور أنها ستدرس له اللغة الهيروغليفية. وهي تعلم أن الجمهور حريص على أن يكون المصريون هم أصحاب المناصب على اختلافها. ونجد من الصحف ومن أصحاب الصحف من يحمد لها ذلك ويشجعها عليه فتمضي إلى الأمام غير معنية بحق ولا منفعة وإنما يعنيها التصفيق والتصفيق وحده.
نعم إن وزارة المعارف تخطئ الطريق وهي تعلم أنها جربت درس الهيروغليفية حين أنشأت في مدرسة المعلمين درسًا لهذه اللغة وكلفت كمال باشا القيام بهذا الدرس ففشل الدرس ولم ينته بوزارة المعارف إلى نتيجة. وهي الآن تعيد هذه التجربة التي فشلت، وتعيدها في طريقة أوسع وأشد تعقيدًا. فشلت في درس الهيروغليفية فتريد أن تفشل فيه مرة أخرى وأن تفشل في اليونانية واللاتينية والقبطية لأنها تريد أن تدرس هذه اللغات كما درست الهيروغليفية في تجربتها الأولى. وليس لهذا علة إلا ما ذكرته لك من كلف الوزارة في هذه الأيام الأخيرة بإعجاب المعجبين وتصفيق المصفقين وثناء الصحف والصحفيين. وفي الأمر شيء آخر غريب وهو أن هذا التقرير الذي أشرت إليه آنفًا يرى الاكتفاء بأستاذين للآثار المصرية القديمة ويشعر بأن هذا شاقٌّ ناقصٌ ولكنه مضطر إليه لأن وجود الأساتذة ليس بالشيء اليسير. ذلك يرى التقرير وعلى ذلك ينص التقرير.
أما وزارة المعارف – أو كمال باشا الذي أمضى هذا التقرير فيرى الاكتفاء بأستاذ واحد هو كمال باشا ويمنح هذا الأستاذ الواحد الذي هو كمال باشا مرتب أستاذين لأن أستاذ اللغة السامية أو اليونانية سيتقاضى مرتبًا لا يتجاوز مائتي جنيه. أما أستاذ الهيروغليفية (كمال باشا) فسيتقاضى ٤٠٠ جنيه لأنه سيكون أستاذًا ومشرفًا في وقت واحد فهو يتقاضى مرتب الأستاذ ومرتب المشرف. وكنت أظن أن وطنية كمال باشا تسمح له بأن يشرف مجّانًا بحيث تستطيع وزارة المعارف أن تضم إليه أستاذًا آخر يعلم الآثار بينما هو يعلم اللغة. كنت أظن ذلك وهو ليس بعسير على كمال باشا الذي لا يريد إلا الخير ولا يتمنى إلا أن تنشأ مدرسة الآثار قبل موته. وكنت أظن أن وزارة المعارف تستطيع أن تستغل وطنية الأستاذ لمصلحة مصر وأن تستغل حب الأستاذ فنه لمصلحة مصر. ولكننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر. وإذا أراد الله شيئًا فلا مردَّ له. غير أني أزعم شيئًا آخر، أزعم أن السياسة الدنلوبية لا تزال مشرفة في وزارة المعارف وهذه السياسة الدنلوبية امتازت وستمتاز دائمًا بشيئين: أحدهما أنها ضيقة التصور ليست بالعميقة ولا الحرة. تتصور الأشياء منقوصة. تتصورها من أحد وجوهها لا من وجوهها كلها. وهي في الوقت نفسه جامدة غير حرة تعني بالألفاظ والعبث بالعقول أكثر مما تعني بالحقائق والمنفعة الصحيحة. الثاني أنها تنافس كل حركة وطنية لا تصدر عن وزارة المعارف. تريد أن تحتكر كل شيء. تريد أن تستأثر وحدها بالأمر لتفسد ولا تصلح. هي ضيقة جامدة وهي محتكرة أثره. وإليك البيان:
لا ألتمس هذا البيان بعيدًا وإنما أجده في هذه المدرسة نفسها. فقد رأيت كيف تصورت الآثار المصرية واللغة المصرية القديمة. فأنشأت ثوبًا شديد القصر جدًّا. شديد الضيق جدًّا يلبسه من يلبسه فإذا هو لا يسع طوله ولا عرضه وقد رأيت في المقال السابق أن الجامعة المصرية تدرس ما ستدرسه وزارة المعارف ففيها درس العبرية واللاتينية وسيكون فيها منذ السنة المقبلة درس اليونانية والهيروغليفية. وإذن فوزارة المعارف تنافس الجامعة المصرية لا أكثر ولا أقل. تنافسها وتريد أن تخنقها لأن الجامعة معهد وطني حر وقد قامت سياسة دنلوب على أن المعاهد الوطنية الحرة إما أن تذعن لوزارة المعارف وإما أن تزول. تنافسها وهي منتصرة في هذه المنافسة لأن لشهاداتها قيمة رسمية وليس لشهادات الجامعة قيمة رسمية. وإذن فالطلبة يكلفون بالشهادات القيمة التي تقدر بالمال وينصرفون عن هذه الشهادات التي ليست لها قيمة مالية. وإذن فسيجد أستاذ الهيروغليفية في مدرسة المعلمين طلابًا وسيبحث أستاذ الهيروغليفية في الجامعة عن هؤلاء الطلاب فلا يجدهم. وإذن فيجب أن تغلق الجامعة أبوابها.
لا أستطيع أن أفسر حركة المعارف غير هذا التفسير، ويخيل إليّ أنه لا يستحق الإعجاب ولا تصفيق الجمهور. ويخيل إليّ أن الجامعة خليقة بالتشجيع والمعونة لا بالخذلان والمنافسة، ويخيل إليّ أن الجامعة أكرم وأحرص على المنفعة من وزارة المعارف. ففي الأمر شيء غريب! في الأمر أن وزارة المعارف التي تنفق مئات الألوف من الجنيهات على كبار الموظفين الذين لا يعرفون من الهيروغليفية إلا اسمها قد بحثت في كل وزارة المعارف في أركانها وزواياها. فيمن أرسلتهم إلى أوربا ومن علمتهم في مصر. بحثت عن أستاذ للغة العبرية فلم تجد. فلجأت إلى الجامعة تستعير منها أستاذها. ولن ترفض الجامعة ولن يرفض أستاذ الجامعة لأنهما يريدان الخير. ووزارة المعارف تريد أن تنافس الجامعة وأن تنافسها بأستاذ الجامعة. أليس في ذلك شيء من مهارة سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شيء من خزي سياسة دنلوب؟ أليس في ذلك شرف لهذه الجامعة التي حاربها دنلوب وتلاميذ دنلوب منذ أنشئت وهم الآن يلجئون إليها ويطلبون معونتها لأنها انتصرت في ضيق وشدة على سياسة دنلوب وأنصار دنلوب.
الوزارة إذن تنافس الجامعة وتنافسها منافسة ليست كريمة ولا صادقة ولا نافعة. ولو أن سياسة دنلوب غير مشرفة في وزارة المعارف لسلكت وزارة المعارف إحدى طريقين: فإما أن تنشئ مدرسة للآثار، مدرسة كاملة. مدرسة تنفق عليها آلاف الجنيهات لتخرج الأثريين النافعين حقًّا، وإما أن تعدل عن هذا المشروع العقيم وتمنح الجامعة هذا المقدار الضئيل من المال لتوسع به الجامعة نطاق البحث فيها. ولكن وزارة المعارف لا تزال دنلوبية. فهي لا تبحث عن نفع ولا عن خير. وإنما تريد تصفيق الجمهور وتحارب المعاهد الحرة التي ينشئها هذا الجمهور.
قلت لك إننا نريد شيئًا ويريد الله شيئًا آخر وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مردَّ له».
طه حسين
السياسة، ١٢ يولية ١٩٢٣.
مدرسة اللغات القديمة ايضا
Share:
Leave a Reply