Tag: Artistic Integrity

  • جناية العصر الحديث على الأديب

    جناية العصر الحديث على الأديب
    طه حسين
    مجلة الهلال
    يناير ١٩٥٣

    إنَّ حياة الأديب في العصر الحديث عَسيرةٌ شَاقَّة، ولنْ يَكُون الحديث عنها يَسيرًا ولا سَهلًا، وقد كُنَّا نَقْرَأ — وما زلنا نقرأ — أخبار الأندية والمَجَالس التي كان الأدباءُ يتحدثون فيها عن مِهْنَتِهم، فنَجِدُ فيها لذة أي لذة، ومَتاعًا أي متاع.

    أمَّا الآن، فأخشى كل الخشية أنْ يكون الحديث عن حياة الأديب شاقًّا عسيرًا لا يخلو من بعض الإظلام، ولا يخلو من إثارة شيء من التشاؤم وضِيقِ النَّفس؛ لأنَّ ظُروفَ الحَياةِ تغَيَّرت تَغيُّرًا شَديدًا، وأصبحَ الأدبُ أدنى إلى الجد الصارم منه إلى أي شيء آخر، وأصبحت حياة الأديب مُعَقَّدة تعقيدًا لم نَعْرِفه فيما مضى. ينشأ هذا التعقيد منَ الظروف التي نعيش فيها، فقد كانت الحرب العالمية الأولى؛ فتعقدت الحياة أشد التعقيد.

    ولم يكد الإنسانُ يفيقُ من الحرب الأولى حتى تبعتها الحرب الثانية، وكانتْ أخطر وأشد هولًا، وقد نَشَأ عن هاتين الحربين اللتين ثارتا في أقل من نصف قرن أن اضطربت شئون الناس الاقتصادية، واضطربت شئون السِّياسة، وظَهَرتْ نَزَعات اجتماعية خطيرة لم تكن تخطر إلا للمُفكرين والفَلاسِفة الذين يُحِبُّون أنْ يُفلسفوا حياة النفس، وننظر فإذا العَالم قد انقسم إلى قسمين:

    قسم يؤمن بالحرية، ويُحاول أن يُلائم بينها وبين العدل الاجتماعي، ولكن لا يُريد بحال أن يُضحي بالحرية في سبيل العدل، وقسم آخر يطلب العدل ويُضحي بكل شيء حتى بالحرية وبالشخصية الفردية والاجتماعية، وكذلك انقسم العالم إلى القِسْمَين اللذين يضطربان في السلم الآن، ويُخشَى أن يتجاوز السلم إلى الحرب.

    وكذلك اضطربت آراء الناس في الحياة كلها: قلق من خوف الحرب، وقلق من الاضطراب الاجتماعي، وقلق من الاضطراب الاقتصادي وغيره في هذه الحياة المُعَقدة التي لا نعرف فيها كيف نُصبح حين نصبح، فإذا أمْسَينَا لم نعرف بما يُسفر عنه صبح الغد. في هذه الحياة المُضطربة، يقف الأدب مَوقفًا في حيرة، ورُبَّما كان مَوقِفُه أشدَّ حيرة من مواقف الناس؛ لأنَّ واجب الأديب الأوَّل هو أنْ يكونَ هاديًا ومُرشدًا. فهو لا يدري إلى أي وجه من وجوه الحياة يَضطرب، وهو لا يدري كيف يواجه المُشكلات التي ضَاقَتْ بها الإنسانية، وعجز التفكير الفلسفي عن حلها، ووقف الناس موقف المُرتبك الذي تأخذه الحيرة من جميع أقطاره.

    وما أظن الأديب احتاج لأنْ يُلقي السؤال الذي ألقاه الفَلاسفة: من أين نحنُ؟ وإلى أين نُريد؟ وماذا نريد؟ ما أظنُّ أنَّ الأديب احتاج لأن يُراجع نفسَهُ وضميره ويُفَكِّر ويَتَّصِلَ التفكير بمِقْدَار ما هو مُحتاج إلى هذا الآن. كل شيء من حوله مُخْتَلِطٌ مُضْطرب يعيش في ظلمة مُبْهَمَة لا يدري كيف الاتجاه فيها.

    مِنْ أجل هذا كان الحديث عن حياة الأديب عسيرًا، كما أن حياته عسيرة شاقة. ولو عاش أو إذا بُعث بعض أدبائنا القدماء وسمعوا لأحاديث المُعاصرين حين يَلقى بعضهم بعضًا؛ لما فهموا شيئًا، ولأعرضوا عنها مُنكرين، فكان شعراؤنا وكُتَّابنا القدماء إذا لقي بعضهم بعضًا تحدثوا في أدبهم، ينقدون ويُقرظون، يرضون عن شاعرٍ ويَسخطون على شاعر، يُبينون أوجه الرِّضا والسخط، وهكذا.

    أمَّا الآن، فإنَّ الأدباء قد اجتمعوا في البندقية، ولا يكادون يتحدثون عن الأدب والشعر أو النقد أو الذوق، وإنما عمَّا هو أهون شأنًا، ولكنه في الوقت نفسه أجل خطرًا. يتحدثون عن الحياة كيف يحياها الأديب، ويحتمل أعباءها، ويُؤدي مُهمَّته في العالم الحديث.

    الأديبُ تحت ظل الملوك والأمراء وكانت مُشكلات الحَياة المادية بالقياس إلى الأدباء في العصور القديمة يسيرة تُوشك أن تحل نفسها، فكان الأديب بين رجلين: أن يكون صاحب مهنة أو عمل يكسب منه القوت، ويَفتَنُّ في أدبه على أنه لون من ألوان الترف، وفن من فنون المتاع العقلي. وإما أن يكون لا مهنة له، ولكنه انقطع إلى أحد الملوك أو السلاطين فعاش من عطائه، وأفنى عُمره في ظله، أو يتنقل بين الملوك والأمراء يبيعهم فنه، ويأخذ مالهم. أما الآن فقد تعقَّد الأدبُ وأصبح من العَسير أن يُضيف لفنِّه مِهنة يكسبُ منها القوت؛ لأن الأدب في العصر الحديث يحتاج إلى كثير من الاطلاع، وكثير منَ القِرَاءة والبحثِ والاستقصاء، ثم إلى كثيرٍ من الرَّوية والتفكير لينتج، فإذا حاول الإنتاج احتاج إلى كثير من الجَهْد ليُصحح معَانيه ويُصوبها، ثم ليتخير الألفاظ التي تُؤديها صادقة من جهة، ويكفل شيئًا منَ الجَمال الفني يخلب السمع، ويُرضي القلب، ويُغذي العقل. وكل هذه الجهود خليقة أن تَسْتَغرق وقْتَه، وكل هذه الجهود خليقة أن يَضِيقَ بها وقته، فإذا احتاج ليعمل في مِهْنَةٍ غير الأدب، فهو أنْ يأخذ شيئًا من وقته أولًا، وجهده ثانيًا، وقوته على العمل والإنتاج ثالثًا، وإذن فهو لا يستطيع أن يفرغ لأدبه ويقف عليه جهده، وقد: ذهب الذينُ يُعاش في أكنافهم وبَقيتُ في خَلفٍ كجلد الأجرب فليس هناك ملوك ولا أمراء يَرعون الأدباء، ولو وُجدوا لأعرض عنهم الأدباء، ونفروا منهم أعظم النفور؛ لسبب بسيط وهو أنَّ الأدبَ قد تَحَرَّر واستَقَلَّ، وأكبر نفسه عن أن تُباح للكُبراء، ويُشترى بالمال، فلم يبق بدٌّ للأديبِ مِنْ أنْ يَعْتَمِدَ على نَفْسِه ليكسِبَ القوتَ، وفي كثير من الأحيان لا يعيش الأديب وحده؛ لأنه إنسان له من يعوله، فيجبُ عليه أن يكسب قوته وقوت من يعول؛ ويفرغ مع ذلك لإنتاجه الأدبي، ولا أريد مُجرد النظم، وإنما أريد الإنتاج الرفيع الذي لا يهان، وإنما يرتفع بقرائه إلى أرفع من عالمهم الذي يضطربون فيه.

    نشاطك وفراغ بالك فكيف يستطيع الأديب أن يُلائم بين هذين الأمرين المتناقضين: فراغ للأدب، وكسب للقوت؟ وكان الجاحظ يستطيعُ أنْ يقول للمُتعلمين للأدب: «خذ من وقتك ساعة فراغك.» أمَّا الآن فلا يستطيع أن يقول ما قال في رسالته التي يطلب فيها أن لا يفكر الأديب في أدبه وهو مشغول البال. فالأديب مشغول في هذه الحياة. كيف يستطيع إذن أن يوفق بين المتناقضين؟ هذه ناحية، والناحية الأخرى رُبَّما كانت أشد عسرًا؛ وهي ناحية الاحتفاظ بالحُرِّية كما ينبغي أن يحتفظ بها الأديب. فالحرية هي أنَّه إذا فرغ الأديب لأدبه، وأوحي إليه أو كشف لونًا من ألوان التفكير، وأدى هذا اللون في فن من التعبير، فيجبُ أنْ يكونَ مُحتفظًا بحُرِّيته كامِلَةً لا تَشُوبها شَائِبَة مَهْمَا تكن الظروف. وكلنا يَعْلَمُ إلى أي حد أصبح هذا عسيرًا في العصر الحديث! أصبحَ عسيرًا لأنَّ الأديبَ مُعَرَّض لألوانٍ منَ الرقابة مُختلفة، ليسَت رقابة الحكومة بأشدها عُسرًا، ولكنها أهونها احتمالًا! هناك رقابة الرأي العام أو الجمهور، وهناك رقابة الحكومة في السلم والحرب. وهذه الرقابة قوامها أن تحد حرية الأديب، فالرأي العام يُريد أن يكتب الأدباء ما يحب أن يقرأ، وأظنُّ القُرَّاء يوافقونني على أنَّ كتابة ما تحب الجماهير أن تقرأ ليست محببة للأديب إذا كان أديبًا بالمعنى الصحيح؛ ذلك لأنَّ هناك فرقًا بينَ العُصور القديمة والحديثة، ففي القديم كانتْ القرَاءة مَقصورة على أقليات أرستقراطية، أمَّا في العصر الحديث فقد أصبح التعليم إجباريًّا، وأصبحت الدولة مُكلَّفة أن تعلِّم النَّاس القراءة وتثقفهم وتهيئهم للأدب وما يقرءون. فإذا ألَّف الأديب كتابًا، فهذا الكِتَابُ لنْ تقرأه طَائِفَةٌ ضئيلة من المُثقفين، ولو قرأته هذه الطائفة لما استطاع الأديب أن يعيش، فلا بد أن يكون الكتاب قادرًا على أن يتجاوز طبقة المثقفين إلى طوائف أخرى من أوساط مُتواضعة قلما يستطيعون أن يتذوقوا الأدب الرَّفيع بمعنى الكلمة، فهم يَضيقون بما يُكلِّفهم عناء ومشقة، وهم يُحبون أن يقرءوا لينتفعوا، وهم يَجِدُّون أثناء النهار في أعمالهم، فإذا أتيحت لهم الراحة والنظر في الكتاب، فلا يضيفون تعبًا إلى تعب. وإذن فالأديبُ مُخَيَّر بين أن يكتبَ للطائفة الضيقة المحدودة التي لا تغنيه من جوع، أو الطبقة الواسعة التي إن قرأته فلا بد أن يهبط إليها؛ لأنه لا يستطيع رفعها إليه. كيف يستطيع الأديب أن يفرغ لأدبه من جهة، ويتحرر من تبعات كسب الحياة المادية من جهة أخرى؟ فإذا أتيح له شيء من التحرر فكيف يتحرر من القيود التي تفرضها الحياة الاجتماعية حين ترضى عن الأدب، وحين تسخط عليه؟ وكيف يلائم بين حريته وبين القوانين التي تُسَنُّ في بعض البلاد حتى يُضيَّق على الأدباء في حريتهم تضييقًا لا يُطاق؟ ثم كيف يخلص من الرقابة الحكومية؟ وبعد هذا كيف يحتفظ بأدبه الرَّفيع ويرفع قرَّاءه دونَ أنْ يَهْبِطَ على حساب الفن والجمال؟

    شقاء بالنهار وعناء بالليل هذه بعض المشكلات التي يشقى بها الأدب في العصر الحديث، وكان مُتخففًا من كثير منها في العصور الماضية؛ ففي العصور الماضية كان الأديبُ غير محتاج أن يضيع وقتًا ليكسب قوتًا، وإذا احتاج لقوته فطبيعة الحياة تُعفيه ما أضاع من الوقت؛ لأنه لم يكن فيها تعقيد من بُعد المواصلات والمسافات في الانتقال وأمثال هذه الأشياء، ولا سيما إذا كان موظفًا. فأديبٌ ممتاز يقتضيه كسبُ القوتِ أنْ يَعْمَل مع رئيس سخيفٍ، ويسمع أوامره. كل هذا كان الأديب معفي منه أو معفي من أكثره، أما الآن فحَياتُه مُنَغَّصة مِنْ أوَّل النَّهار إلى آخره، فإذا انقضى النهار بعنائه وأقبل الليل كان مكدودًا، ثم لم يكتف الشقاء بأن يجمع على الأديب كل هذه المشكلات، ولكن رُقيَّ الإنسان والتقدم في المدنية أبى إلا أنْ يُضيف إلى الشقاء ألوانًا من الشقاء، فظهرت منافسات خطيرة للأدب. منافسات أخشى كما خشي كثيرٌ من الأُدباء في أوروبا وأمريكا أنْ تعرض الأدب لأحد شرين: إما أن تهبط به فيُصبح يسيرًا، وإمَّا أن يُفرض عليه حظر! وهذه المنافسات تأتيه من الصحافة والراديو والسينما. وهي المحن الثلاث التي امتُحن بها إنتاج الأديب في العصر الحديث.

  • صراحة الأديب

    صراحة الأديب

    طه حسين

    جريدة الأهرام

    ٢٨ يناير ١٩٤٩

    بين يدي الآن كتاب من كتب التاريخ سخف أفزع إليه في هذه الأيام من الحياة الخامدة الراكدة التي يحياها المثقفون في هذه الأعوام. والناس يفزعون من سخف الحياة وأثقالها إلى الرحلة في المكان حينًا، وفي الزمان أحيانًا: يسافرون إلى الأماكن البعيدة حين يدفعهم القيظ إلى عبور البحر، وإلى الأماكن القريبة حين يغريهم البرد بالتماس الدفء في أعلى الصعيد أو في أدناه، ويسافرون في الزمان إلى حيث تهيئهم ثقافتهم وحاجتهم وأغراضهم إلى أن يسافروا، فيبعدون حينًا، ويقربون حينًا آخر، ويتعمق بعضهم حياة القدماء، ويتعمق بعضهم حياة المعاصرين، ويتعمق بعضهم حياة القرون الوسطى، أو حياة العصر الحديث، ويتنزه بعضهم هذا كله متنقلًا في الأسبوع الواحد، وفي اليوم الواحد، بين العصور المتباعدة المتباينة، وما ترك أهلها من الآثار يلم بها كما تلم النحل بالزهر تستخرج رحيقها، فيصوغ من هذا الرحيق ثقافته وعلمه وأدبه، ويُكوِّن بفضل هذا الرحيق سيرته في حياته العاملة، وفيمن يتصل بهم من الناس.

    والكتاب الذي أفزع إليه في هذه الأيام كتاب حديث، لكاتبة حديثة معاصرة، وصل إليَّ منذ أسبوع أو أكثر قليلًا من أسبوع، وهو تاريخ لكتاب أصدره الكاتب الفرنسي العظيم، أندريه جيد، في أواخر القرن الماضي عنوانه «أغذية الأرض»، وقد أثر هذا الكتاب في أجيال الشباب الفرنسيين والأوروبيين تأثيرًا عميقًا بعيد المدى يحمده بعض الناس، ويعيبه بعضهم الآخر؛ فهو كتاب قصد به أندريه جيد إلى أن يستكمل الإنسان، والأديب خاصة، حريته كأكمل ما تكون الحرية حين يستقبل حياته على هذه الأرض، فيبلو ما تقدم الحياة إليه، والحياة المادية خاصة، في حرية كاملة، لا يتحرج ولا يتحفظ ولا يتقيد بما ألِفَ الناس من الأوضاع، ولا بما توارثوا من السُّنن والتقاليد، ثم لا يكتفي بهذه الممارسة الصريحة الحرة للحياة، وإنما يعبر عن آثار هذه الممارسة في نفسه، إن كان أديبًا، تعبيرًا حرًّا صريحًا بريئًا من الرياء والنفاق، فيرسل نفسه على سجيتها في الاستمتاع بما تقدم الأرض من ثمرات، ويرسل فنه على سجيته في تصوير ما يجد لهذا الاستمتاع من لذة وألم، ومن سعادة وشقاء، فالكتاب دعوة صريحة إلى إرضاء الحس في غير تكلف ولا تزمت، ثم إلى إرضاء الفن في غير تحفظ ولا احتياط.

    ظهر هذا الكتاب سنة ١٨٩٧، فلم يكد أحد يحفل به، أو يلتفت إليه، وتلقاه أصدقاء الكاتب بكثير جدًّا من التحفظ، فأشفق بعضهم على الكاتب من هذا الضلال الذي دفع إليه وأمعن فيه، وظن بعضهم بالكاتب التكلف والغرور، ومحاولة التجديد من غير طريقه، ولم يرض عن الكتاب إلا نفر قليلون من رفاق الكاتب لا يكادون يتجاوزون الخمسة، وكانوا كلهم شبانًا في سن الكاتب، لم يبلغوا الثلاثين أو لم يتجاوزوها، فأما جمهور القُرَّاء فلم يُلقِ إلى الكتاب بالًا، وآية ذلك أن النسخ التي بيعت أثناء الأعوام العشرة الأولى من سن هذا الكتاب لم تتجاوز خمسمائة، ولكن الكتاب يندفع فجاءة في رفق، ويقبل الناس عليه شيئًا ما، فتنفد الطبعة الأولى منه سنة خمس عشرة أو ست عشرة من هذا القرن، ويطلب الناس الكتاب فلا يجدون إليه سبيلًا، ويشعر الكاتب بهذا الإقبال الذي كان قد استيأس منه، فيجد في هذا الشعور بعض الرضى.

    وكانت الطبعة الأولى لا تزيد نسخها على خمس عشرة مائة، احتاجت إلى عشرين عامًا ليتم استنفادها، وقد طبع الكتاب بعد ذلك وطبع، ثم ترجم إلى ما شاء الله أن يترجم إليه من لغات الغرب والشرق، وظهر أن الشرقيين أشد إيثارًا له من الغربيين، فقد ترجم في الصين والهند قبل أن يترجم في إنجلترا مثلًا. وظهور هذا الكتاب في أواخر القرن الماضي يعد الآن حدثًا من أحداث التاريخ الأدبي في الأدب الفرنسي؛ لأنه غيَّر عقلية أجيال من الشباب الفرنسيين، ومن الشباب الذين مارسوا الإنتاج الأدبي بنوع خاص.

    ولست أكتب هذا الفصل لأتحدث عن هذا الكتاب الذي أصدره أندريه جيد، ولا لأتحدث عن الكتاب الذي ألفته السيدة إيفون دافيه في تاريخ كتاب أندريه جيد، وفزعت أنا إليه في هذه الأيام من سخف الحياة، وإنما أكتب هذا الفصل لأعرض على الأدباء والمثقفين مسألة أثارها كتاب أندريه جيد بين الأدباء الفرنسيين حين ظهر، وهي: إلى أي حد يستطيع الأديب أن يكون صريحًا فيما ينتج من الآثار؟ وليست القيود التي ثارت حولها الخصومة بين الكاتب وخصومه وأنصاره هي التي تأتي من القوانين، ورضى السلطان عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه، ولا من العرف ورضى الرأي العام عن الإنتاج الأدبي أو سخطه عليه؛ فهذه القيود لا خطر لها عند الأديب الحر الذي لا يحفل بالرضى ولا بالسخط، ولا يبتغي بالأدب مثوبة، ولا يخاف عليه عقوبة، ولا يحفل بما يتعرض له من الكساد.

    وإنما القيود التي ثارت حولها الخصومة هي التي تأتي من نفس الأديب حين يكتب ويستجيب لفنه في الوصف والغناء، وتصوير ما يجد من عاطفة، وما يثور في قلبه من شعور، فقد لاحظ الشاعر فرنسيس جام على صديقه أندريه جيد أن كتابه يصور متاعًا وابتهاجًا، ورضى واغتباطًا، ويمضي في تصويره لهذا كله إلى حدود بعيدة جدًّا، وفي الأرض من حوله آلام كثيرة، وشقاء متصل، وأفراد وجماعات من الناس لا يجدون ما يدفعون به الألم عن أنفسهم، ولا ما يتقون به الشقاء. هو يصف الجنات وما فيها من زهر وشجر وثمر، ويصف الأسفار وما فيها من تنوع المشاهد، واختلاف المناظر، وفنون المعرفة، وضروب المتاع، ويصف الترف وما فيه من نعيم، وفي الأرض قوم ليس لهم إلى شيء من هذا كله سبيل.

    فمن الحق على الكاتب أن يفكر في هؤلاء، وأن يرفق بهم، ويعطف عليهم، ويأسو جراحهم، ويعينهم على احتمال ما هم فيه من بؤس، ويعزيهم عن بعض ما هم فيه من شقاء. وليس من كمال المروءة، ولا من رقة القلب، ولا من اعتدال المزاج، ولا من حُسن الذوق أن تتحدث إلى الجائع الذي يعذبه الجوع عما تنعم به حين تجلس إلى مائدتك من اختلاف الألوان، وجمال الأداة، ولا أن تتحدث إلى الضرير الذي لا يرى ضوء الشمس وجمال السماء والأرض، عن هذا الجمال فيما يكون من تنوعه واختلافه وبدائعه وأسراره؛ ذلك أحرى أن يضيف ألمًا إلى ألم، وحزنًا إلى حزن، وحسرة إلى حسرة، والكاتب والشاعر إنما شأنهما أن يُعزِّيا ويُواسيا ويُعينا ويردَّا إلى النفوس بعض ما هي في حاجة إليه من الأمن والغبطة والرضا.

    فلينعم المترفون إذن، وليستمتع الموسرون بما أباح الله لهم من طيبات الحياة، ولكن ليقتصدوا وليصطنعوا الاعتدال والحياء حين يتحدثون عما هم فيه من ترف ونعيم واستمتاع. هم يؤثرون أنفسهم أو تؤثرهم ظروف الحياة بالترف والنعيم؛ فليؤثروا أنفسهم أيضًا بالتحدث عن الترف والنعيم.

    كذلك كتب فرنسيس جام حين نقد هذا الكتاب، ولكن أندريه جيد رد عليه نقده هذا بأن الأدب يجب أن يمتاز من الغنى والفقر، ومن الرضى والسخط، ومن الترف والبؤس؛ ليستطيع أن يصف هذا كله في صراحة وحرية واستقلال وصدق، وليس حرمان الضرير الاستمتاع بجمال الطبيعة مانعًا أن يكون جمال الطبيعة حقيقة واقعة من حقِّها أن تُعرف، ومن حقها أن تكون موضوعًا للوصف والغناء، والسكوت عن جمال الطبيعة لا يعزي الضرير عما فقد من الإبصار، والسكوت عن وصف الزهر والشجر والثمر لا يعزي البائس المحروم عما يشقى به من البؤس والحرمان.

    وليس صمت الأديب راضيًا أو مكرهًا بمُغنٍ عن البائسين والمحرومين شيئًا، ولعل حديث الأديب عن جمال الطبيعة ووصفه لفنون الترف أن يُعزِّيا من كتب عليهم الحرمان، وأن يثيرا في نفوسهم ألوانًا من الأحلام تخفف عنهم ثقل ما يجدون، وتمتعهم بجمال الأحلام إن حِيل بينهم وبين جمال اليقظة، كما أن وصف البؤس والشقاء والحرمان والعوز خليق أن يثير في قلوب الأقوياء رقة على الضعفاء، وفي نفوس الأغنياء رفقًا بالفقراء، وأن يبعث في قلوب أولئك وهؤلاء رغبة في التعاون والتعاطف والتضامن، ونزوعًا إلى الإصلاح، حتى يطعم الجائع، ويجد المحروم، ويقل حظ الشقي من الشقاء. وما ينبغي للناس أن يكونوا كالنعام يتقون الشر بتجنب الحديث عنه، والخوض فيه، ويتجنبون الألم بالإعراض عن وصف ما ملأ الله به الدنيا من النعيم الذي يستطيع أن يسع الناس جميعًا.

    ويقول أندريه جيد، في الرد على صديقه: إنه اتفق مع زوجه على خطة يرى فيها الخير كل الخير، وهي أنه إن فقد البصر، وحيل بينه وبين جمال الطبيعة أن ترى هي ما وسعها أن تراه، وتحدق ما استطاعت أن تحدق، وتصف له دقائق ما ترى وما تستكشف، لا تخفي عنه منه شيئًا، ولا تلتوي عنه منه بالقليل أو الكثير، ذلك أنه يؤثر أن ينعم بظل الجمال، وإن كان هذا الظل شاحبًا ضئيلًا إن حيل بينه وبين الاستمتاع بالجمال كاملًا موفورًا.

    هذه هي المسألة التي وقفت عندها وأنا أقرأ هذا الكتاب من كتب التاريخ الأدبي، أعرضها على الأدباء والمثقفين ليتدبروا ويتفكروا فيها، وواضح أن مذهب أندريه جيد في هذه المسألة بعينها هو المذهب الذي ألفه الناس منذ كان الأدب، وسيألفونها ما دام فيهم من ينتج الأدب، ولكنها مع ذلك خليقة أن تكون موضوعًا للتعمق والتدبر والتفكير. ومن يدري لعلها تتيح لنا قراءة كتاب ممتع، أو فصل قيِّم في هذا الموضوع. وهل يطمع الأدباء في خير من أن ينعموا بقراءة فصل، أو يستمتعوا بالنظر في كتاب؟