Tag: Baghdad Pact

  • إرادة شعب

    إرادة شعب
    طه حسين
    جريدة الجمهورية
    ٥ مارس ١٩٥٦

    في أقلَّ من أسبوع عرف العالم أن شعبينِ عربيينِ مسلمينِ قد استطاعا أن يفرضا إرادتهما على دولتين عظيمتين من أقوى دول الأرض قوة، وأشدها بأسًا وأبعدها صوتًا وأوسعها سلطانًا.

    فرض الشعب المراكشي إرادته على فرنسا، فاضطرها اضطرارًا إلى أن تعترف باستقلاله وسيادته، وأكرهها إكراهًا على أن تُفاوض السلطان الذي أنزلته عن عرشه منذ عامين، ونفته إلى جزيرة نائية في أقصى المحيط، وقدَّرت أنها ستجعله نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها. فلم يُغن عنها مكانها الرفيع وصوتها البعيد وبأسها الشديد وسلطانها الواسع شيئًا، وإنما مضى الشعب المراكشي في ثورته وأضاف عنفًا إلى عنف، حتى اضطرها بما بذل من جهد وما احتمل من عناء وما أنفق من أموال ودماء، إلى أن تترضى السلطان المخلوع المنفي وترسل إليه في جزيرته النائية قائدًا من كبار قوادها؛ يتلطف له ويترفق به ويعرض عليه السِّلم والموادعة إلى حين، ثم الرجوع إلى وطنه وعرشه موفورًا منصورًا، ثم المفاوضة للانتهاء إلى ما يرضيه ويرضي وطنه وشعبه، وينقذ ما يمكن إنقاذه من سمعتها ومصالحها في تلك البلاد.

    وهي الآن تُعلن إليه أن وطنه قد أصبح مستقلًّا يستمتع بسيادته ويدبر أمره بنفسه، ثم جعلت تفاوض حكومته في حماية مصالحها ما وجدت إلى حمايتها سبيلًا، أرادت أن يكون خلع السلطان ونفيه نكالًا للثائرين بها والمتمردين عليها، فلم يصنع شيئًا، وكان خلع السلطان ونفيه نكالًا لها هي، ودرسًا قاسيًا عرفت كيف تنتفع به في تونس وكيف تنتفع به في مراكش، وستعرف غدًا أو بعد غد من غير شك كيف تنتفع به في الجزائر أيضًا؛ ذلك أن خلع السلطان ونفيه والبطش بالشعب المراكشي لم يُخِفْ أحدًا في شمال أفريقيا كله، بل نشر فيها الثورة وأضاف إلى لهيبها لهبًا، فثار التونسيون حتى ظفروا ببعض استقلالهم، وهم يفاوضون الآن ليضيفوا ظفرًا إلى ظفر، ويوسعوا هذا الاستقلال الذي نزلت لهم فرنسا عنه منذ حين، ويجعلوه استقلالًا محققًا لا كلامًا يُقال. وثار المراكشيون حتى استردوا سلطانهم وانتزعوا استقلالهم انتزاعًا، وثار الجزائريون وما أرى أن ثورتهم ستهدأ حتى تعرف لهم فرنسا ما تُنكر من حقهم، وترد عليهم ما تستأثر به من مصالحهم، وتمحو من نفسها هذه الأسطورة السخيفة التي عللت نفسها بها قرنًا وبعض قرن، حين زعمت أن الجزائر جزء من الوطن الفرنسي، زعمت ذلك لنفسها وأبت أن تعرف لأهل الجزائر حقوق الفرنسيين، فجعلت الجزائر أرضًا فرنسية يعمل فيها الملايين من الرقيق؛ ليخدموا سادتهم من الفرنسيين، وهى الآن تتعلم في مشقة أي مشقة وجهد أي جهد وتضحية بالمال والرجال، أن الجزائريين كانوا أحرارًا وهم يريدون أن يستردوا حريتهم وأن يملكوا بلادهم، ويدبروا أمرهم كما يريدون هم لا كما يريد غيرهم من الطارئين.

    وكذلك تجاهد الشعوب العربية المسلمة في سبيل حريتها واستقلالها، فيظفر بعضها ويجدُّ بعضها الآخر حتى يبلغ من الظفر ما ينبغي له؛ ليعود حرًّا كريمًا كما كان في ماضيه حرًّا كريمًا. ولن تستطع فرنسا مهما تبذل من جهد، ومهما تنفق من مال، ومهما ترسل إلى الجزائر من جند؛ أن تصرف الجزائريين عما يطالبون به من الحياة الحرة الكريمة.

    لن تستطيع فرنسا أن ترجع بتونس ومراكش إلى وراء، ولن تهدأ الجزائر حتى يظفر أهلها بمثل ما ظفر به التونسيون والمراكشيون.

    تلك طبيعة الأشياء، وهذا منطق التاريخ، ولن تجني فرنسا من إبطائها في الاعتراف بالحق ومكابرتها فيما لا ينبغي أن تكابر فيه، لن تجني من هذا إلا التضحية بالمال والرجال في غير طائل، ومع ذلك فقد ينبغي أن تعرف لفرنسا أنها انتفعت بما أُلقي عليها من دروس قاسية، ولم تلح في المقاومة التي لا تجدي في تونس ومراكش. وكل ما نتمناه لها صادقين ناصحين هو أن تثوب إلى الرشد والقصد بالقياس إلى الجزائر كما ثَابَتْ إليهما بالقياس إلى جارتيها في الشرق والغرب.

    وفي الشرق الأدنى عرف شعب صغير في عدده وصغير في قوته المادية وصغير في قطر الأرض التي يسكنها، وهو شعب الأردن، أن يفرض إرادته على دولة طالما فرضت إرادتها على الشعوب، وطالما سخرت أقطارًا كثيرة في الأرض لمآربها وأهوائها، وطالما لعبت بالعروش والتيجان، وطالما استعلت على العالم كله بتسلطها على البحار وتحكمها في الأقطار. وهي الآن تتلقى من هذا الشعب الأردني الصغير الكبير درسًا ستذهل له أول الأمر، ثم تتدبره وتروى فيه بعد أن ينجلي عنها الذهول، وتؤمن آخر الأمر — إن لم تكن قد آمنت بعدُ — بأن إرادة الشعوب حين تعرف حقها وتشعر بكرامتها، فوق كل بأس، وفوق كل ثراء، وفوق كل طغيان يعتمد على البأس والثراء.

    أرادت بريطانيا العظمى أن تُكره الشعب الأردني على أن ينضم إلى حلفها في بغداد؛ فعلَّمها الشعب الأردني أنه بلغ من الإيمان بنفسه وحقه ما يمكِّنه من أن يقول لها: لا، وأرادت أن تجعل من جيش الأردن أداة طيعة مسخَّرة لأهوائها ومآربها تفرض عليه قائدًا داهية من أبنائها؛ فعلَّمها الشعب الأردني بعد أن آمن بنفسه وحقه أنه يستطيع أن يقول لها لا، وأن يرد عليها قائدها الداهية في ساعات قليلة من نهار.

    وقد قلت منذ أكثر من ثلاثة أعوام حين شبَّت ثورتنا، أنها ستؤثر في شعوب الشرق العربي نفس الآثار التي أثرتها الثورة الفرنسية في شعوب أوروبا منذ أكثر من قرن ونصف قرن، وهذه الحوادث تثبت في وضوح وجلاء أني لم أكن متكثرًا ولا مخطئًا في التقدير. وانظر إن شئت إلى الشعوب التي أثارت بالمستعمرين وانتصرت عليهم وظفرت بالحق كله أو بعضه منذ نشرتُ ذلك المقال في الأهرام حين شبَّت ثورتنا.

    انظر إلى السودان كيف كان حين شبَّت الثورة المصرية وكيف هو الآن، وانظر إلى تونس ومراكش كيف كانا منذ ثلاثة أعوام وكيف هما الآن، وانظر إلى الجزائر كيف كانت تتجرع العذاب والذل وكيف تثور الآن لتخلص من العذاب وتبرأ من الذل وتستأنف غدًا أو بعد غد حياة حرة كريمة قوامها العزة والإباء، وانظر آخر الأمر إلى الأردن كيف استطاع أن يفرض إرادته على الإنجليز مرتين في أقل من ثلاثة أشهر، ولم ينته جهاد الشعوب العربية في سبيل استقلالها وكرامتها؛ ولكنه سيزداد قوة وإيذاء حتى تبلغ هذه الشعوب من آمالها ما تريد، إنها تنظر إلى مصر فتسلك الطريق التي تسلكها مصر جادة غير لاعبة؛ لأنها ترى في مصر جدًّا لا لعبًا. وما ينبغي أن نخدع أنفسنا عن الحقائق ولا أن نغرها عن منطق التاريخ، فحلف بغداد الذي يدبر للاحتياط من روسيا السوفيتية — فيما يُقال — لم يفكر فيه نوري السعيد والذين أوحوا به إلى نوري السعيد، إلا للاحتياط من مصر أولًا، ومن عدوى ثورتها ثانيًا، ومن تأثيرها في الشعوب المستضعفة، ومن إذاعتها فكرة المقاومة للمستعمرين من جهة، وسعيها في رفق وتصميم إلى تحقيق العدل الاجتماعي من جهة أخرى.

    بالضبط كما ائتلف الحلف المقدس لمقاومة الثورة الفرنسية وما نشأ عنها من الأحداث، ولكن الحلف المقدس لم يُغن عن أصحابه شيئًا؛ فقد حققت فرنسا ثورتها وأذاعت الديمقراطية في أوروبا، وكانت الكلمة الأخيرة للحرية والإخاء والمساواة، ولن يغني حلف بغداد عن أصحابه شيئًا؛ فستتم مصر ثورتها، وستمضي الشعوب العربية ومن بينها الشعب العراقي نفسه في أثرها، وستكون الكلمة الأخيرة للقضاء على الاستعمار وتحقيق المساواة بين الشعوب من جهة، وبين الأفراد داخل الشعوب من جهة أخرى.

    بهذا كله قد أذن الله عز وجل حين قال بعد أن ذكر طغيان فرعون، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).

  • بين الجد واللعب

    بين الجد واللعب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢ أبريل ١٩٥٥

    يظهر أن أصدقاءنا الترك ينسون أنفسهم شيئًا ما في هذه الأيام، ويُعرِّضون أنفسهم كذلك لما لا نحب أن يتعرضوا له، فقد كنا نتمنى أن يحتفظوا بخطة الأناة والوقار والعناية بمصالحهم الخاصة كما يفهمونها وكما يحبونها، غير حافلين برضى الناس عنها أو سخطهم عليها.

    فهم قد اصطنعوا هذه الخطة وفرضوها على أنفسهم منذ أتاحت لهم ثورتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن يستردوا استقلالهم ويخلصوا لأنفسهم، لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد. وهم قد انتفعوا بهذه الخطة فثبَّتوا استقلالهم ووطدوا مكانتهم وجنوا ثمرات الحياد الذي التزموه في الحرب العالمية الثانية؛ فخرجوا منها موفورين لم يُكْلموا كَلْمًا ولم تتعرض مرافقهم المختلفة لخطر قليل أو كثير.

    فهم قد صادقوا الأعداء جميعًا أثناء الحرب العالمية الأخيرة، ولم يحفلوا بتلك الأحداث الجسام التي كانت تملأ العالم من حولهم شرًّا، والتي ملأت العالم العربي نفسه خوفًا وذعرًا، وهم أقاموا هادئين مطمئنين منتفعين حين شبت الحرب في جارتها سوريا بين الحلفاء وبين الفرنسيين المهادنين لألمانيا، وشقيت سوريا شقاء غير قليل بهذه الحرب، وجيرانها الترك آمنون وادعون لا يغضبون لها ولا يشفقون عليها ولا يمنحونها عونًا ولا يختصونها بتأييد.

    بل هم قد انتفعوا من هذه الحرب الأخيرة على حساب جارتهم سوريا؛ فأخذوا جزءًا منها ثمنًا لمساومة الحلفاء، ولم ينسَ العالم العربي بعد أن الإسكندرونة قد اقتُطعت من سوريا ورُدت إلى الترك ثمنًا لهذه المسالمة دون أن يُستأمر السوريون في ذلك أو يُستشاروا.

    في ذلك الوقت لم يكن الترك أصدقاء العالم العربي، ولم يكن العالم العربي يعنيهم قليلًا أو كثيرًا، وإنما كان يعنيهم أن يَسْلموا أولًا وإن دُمر العالم من حولهم، وأن يأمنوا ثانيًا وإن امتلأ العالم من حولهم هلعًا وفزعًا، وأن ينتفعوا ثالثًا وإن أوذي العرب في وطنهم وإن فُرق الإخوة ظلمًا وبغيًا وعدوانًا.

    كانت هذه الخطة الآثرة هي التي التزمتها تركيا منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها، وكانت تجد في هذه الخطة أمنها ومنفعتها، واستقرار الأمر فيها وتطور ثورتها في عافية من تدخل الأجنبي، وكان من الخير لها أن تحتفظ لمنقذها من العدوان الأجنبي؛ مصطفى كمال — أو كمال أتاتورك كما سمته — فرارًا من الصلة بينها وبين العرب؛ حتى حملها بغضها لقديمها وطموحها إلى التخلص من أوزار إمبراطوريتها والتخفف من أثقال الخلافة الإسلامية التي انتحلتها انتحالًا وأخذتها غلابًا، ولكنها خافت من جارتها روسيا وأمنت لصديقتها أمريكا. ووجدت عند صديقتها هذه فضلًا كثيرًا ومالًا غزيرًا، وأغراها الفضل بالفضل ورغَّبها المال في المال، وأرادت أن تستكثر من التقرب إلى الأمريكيين، فخرجت عن خطتها تلك، وظنت أنها أصبحت دولة عالمية تستطيع أن تشارك في تقرير مصير الدول الأخرى. وكان خروجها عن هذه الخطة حين شاركت حلفاءها فيما عرضوا على مصر سنين من حلف؛ يحفظ السِّلم في هذا من الشرق الأدنى، وقد رفضت هذا العرض في غير مناقشة ولا جدال، وكان الترك خليقين أن يحسوا لوم العرب لهم، وعتبهم عليهم؛ إنكارهم أن تعين دولة إسلامية كانت تزعم لنفسها حماية الإسلام على تدخل الأجنبي في شئون المسلمين، وتعريضهم للمشاركة في مغامرات ليس لهم فيها نفع قليل أو كثير.

    كان الترك خليقين أن يحسوا ما لم يُخْفِ العرب من لوم لهم وإنكار عليهم، وأن ينتفعوا بهذا الدرس الذي تلقوه من مصر حين أبت أن تستجيب لهم كما أبت أن تستجيب للأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. لكن الترك لم يحسوا شيئًا ولم ينتفعوا بهذا الدرس، وإنما جعلوا أنفسهم عملاء للأقوياء من دول الغرب، وكلفوا أنفسهم أن يضموا الشرق العربي راضيًا أو كارهًا إلى ذلك الحلف الذي يدفع إلى المغامرات ويغري بالحرب ويعرض الناس لأخطار لا يعلم عواقبها إلا الله.

    وهم قد مضوا في ذلك حتى ضموا إليهم العراق في حيلة لم يستروها، ولم يخفوا ما فيها من الكيد، ولم يحتاطوا لها؛ فهم لا يكادون يتمون هذا الحلف حتى يسرع الإنجليز بالمشاركة فيه، وحتى يزمع الأمريكيون أن يشاركوا فيه أيضًا، وإن آثروا الانتظار بهذه المشاركة وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

    وكذلك خرج الترك من حيرتهم تلك، ولكن خروج التابع الذي لا يعمل لنفسه وإنما يعمل لغيره، ولا يدبر الأمر ويتقن الحيلة لينتفع هو وحده، بل لينتفع غيره من الأقرباء وإن عرَّض نفسه لشر عظيم. فالترك يعلمون أنهم جيران الروس وأنهم جديرون أن يكونوا أول من يصطلي نار الحرب ويشقى بها حين تثار في يوم قريب أو بعيد، وكان ذلك جديرًا أن يحملهم على إيثار العافية والركون إلى الحياد الذي آمنهم من الخوف في الحرب الأخيرة، ولكنهم عادوا إلى المغامرة وأبوا أن يعودوا إليها وحدهم، ولم يحبوا أن تزلزَل بهم الأرض من دون جيرانهم، فجروا العراق وانجرَّ العراق لهم. وقد أغرتهم طاعة الحكومة العراقية القائمة بأن يجروا إليهم سوريا، ومن يدري لعلهم إن ظفروا من سوريا بما يحبون أن يعودوا إلى مصر ليعرضوا عليها مغامرتهم تلك مرة أخرى وليتموا لحلفائهم ما أرادوا من إخضاع العالم العربي كله لسلطانهم، وإشراكه في مغامرتهم وتعريضه لهذه الأهوال التي لا تنفعه وإنما تؤذيه كما تؤذي الناس جميعًا. ولكن سوريا أبت أن تنجر كما انجرَّت حكومة العراق القائمة. وهنا يستحيل الجد إلى لعب، وتستحيل المأساة إلى ملهاة، ويخرج الترك عن طورهم، فيغضبون وينذرون ثانيًا، ويحشدون جيشهم على الحدود السورية آخر الأمر، فيغرق العالم العربي في الضحك وإن كان ضحكًا مرًّا.

    ولكن الشيء المحقق هو أن الجيش التركي المظفر لم يرهب أحدًا، ولا يمكن أن يرهب أحدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يجوز الحدود، ولأن تركيا لا تستطيع أن تُعلن الحرب على سوريا، لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن تشترك في المغامرات، ولأن الحرب لا تُعلَن في هذه الأيام كما كانت تُعلَن فيما مضى، وإنما تقوم دون إعلانها مصاعب لا بد من تذليلها. وليس الترك وحدهم هم الذين يستطيعون أن يذللوها، فتركيا عضو في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن نفسه، وليست تملك أن تقحم حلفاءها في حرب لا يريدونها، وهي بعد هذا كله ليست حرة في إعلان الحرب؛ لأن لها جارة تتربص بها الدوائر ولا تنتظر إلا الفرصة التي تتيح لها أن تغير. فهذا النذير التركي بجارتها سوريا عبث من العبث، لا يخيف السوريين فضلًا عن أن يخيف غير السوريين، وإنما هو يعرِّض الترك أنفسهم لشيء من الرثاء كنا نحب ألا يعرضوا أنفسهم له، وكنا نحب لهم كذلك أن يقرروا فيما بينهم وبين أنفسهم أن الأحلاف لا تكون بالإكراه، وأنها إما أن تكون بالرضى وإما ألا تكون. وكنا نحب لهم كذلك أن يقدروا في أنفسهم أن الدنيا قد تغيرت، وأن أمور السلم والحرب لم تصبح خاضعة لأهواء الناس وشهواتهم، وكنا نحب لهم آخر الأمر أن يقدروا في أنفسهم أنهم يوشكون أن يسوءوا حلفاءهم من حيث أرادوا أن يسروهم، ويضروهم من حيث أرادوا لهم النفع، ويغضبوهم من حيث أرادوا أن يبتغوا لهم الوسيلة.

    فحلفاء الغرب يريدون أول ما يريدون أن تستقر الأمور في الشرق الأدنى، ويكرهون أشد الكره أن يضطرب هذا الجزء من الأرض، وإنذارهم هذا المُلِح لسوريا يوشك أن يملأ الشرق العربي اضطرابًا. وقد ينبغي أن يحسب الترك لجيرانهم شيئًا من الحساب، ومن حق العرب أن يغضبوا حين يُساء إليهم في غير ما يدعو إلى الإساءة، وأن يُستخف بهم دون ما يدعو هذا الاستخفاف. والعرب يحسنون اصطناع الحلم ويعرفون كيف يملكون أنفسهم، ولكنهم يعرفون أيضًا كيف يغضبون وكيف يثورون إذا أُثيروا. وإذا كان أصدقاؤنا الترك قد غفلوا عن هذا كله وخرجوا عن أطوارهم؛ فما أجدر حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين أن يردوا عليهم فضل أحلامهم وأن يكفوهم عن الطيش ويعيدوهم إلى شيء من صواب، وأن يذكروا أن صغار الأمور قد تُهيج كبارها، وأن للأناة والصبر غاية ينتهيان إليها.

    وأن في نفوس العرب بقية من مودة للترك، فمن الخير ألَّا يُضيعوها بإصرارهم على ما هم فيه من حمق وطيش.

  • خائفون … ومخوفون

    خائفون … ومخوفون

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣٠ مارس ١٩٥٥

    هم أصدقاؤنا الترك الذين يُسِرُّون ويعلنون خوفهم من هذا الجوار الذي فرضته الجغرافيا والتاريخ بينهم وبين روسيا. والصلة بين الترك والروس منذ الزمان البعيد موسومة بالطمع والخوف، وهي تُغري مرة بالائتلاف ومرة بالاختلاف، ولكنها لا تُغري مطلقًا بصفاء القلوب.

    فطمع روسيا في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء تركيا القديمة والحديثة معروف، وهو قد صبغ التاريخ باللون الأحمر في كثير من الأوقات، وفي كثير من المَواطن أيضًا. والاتفاق الموقوف بين الترك والروس في الظروف المختلفة معروف أيضًا، وفي الطور الأول من حياة تركيا الحديثة بنوع خاص حين تَخَفَّفَ الترك من أثقال الحرب العالمية الأولى، واستردوا لبلادهم حقَّها الكامل في الحرية والاستقلال، وتخلَّوا كارهين عن إمبراطوريتهم الواسعة في العالم العربي. وهذا الخوف الذي يُسِرُّه الترك ويعلنونه من جارتهم القوية المزعجة، هو الذي طبع سياستهم الخارجية منذ انتهت الحرب الأخيرة بطابع التقرُّب إلى أمريكا تقربًا يوشك أن يكون تهالكًا عليها واستسلامًا لها.

    والترك أحرار بالطبع فيما يصطنعون لأنفسهم من سياسة، وفيما يسلكون بسياستهم من طريق، ولكن السياسة الخارجية التركية أخذت منذ حين تتجاوز حدود الخوف والاحتياط، إلى شيء آخر مناقض لها مناقضة بعيدة المدى، وهو التخويف والمغامرة؛ فقد استأثر بهم — فيما يظهر — حبهم للتقرب من أمريكا، حتى أخرجهم عن طورهم ذاك الذي عرفناه حين كانت الحرب الأخيرة مشبوبة تُشِيعُ الهول في أقطار الأرض.

    كانوا في تلك الأوقات متحفِّظين أشد التحفُّظ، مسالمين للأعداء جميعًا، منتفعين بهذه المسألة، يُصَانِعُونَ الحلفاء ويُوادِعُونَ الألمان، ويقفون من أولئك وهؤلاء موقف الحذر والاحتياط. فأما الآن فهم يحسون — فيما يبدو — شوقًا عميقًا إلى إمبراطوريتهم القديمة من جهة، ويحسون كذلك حاجة إلى الإمعان في إرضاء أمريكا من جهة أخرى. وهم من أجل ذلك يداعبون بعض البلاد العربية ويُخَوِّفُونَ بعضها الآخر؛ يداعبون العراق فيعقدون معه حلفهم هذا الذي لم يفرغ الناس من الحديث فيه، ويخوِّفون سوريا عسى أن يُجدي فيها التخويف فتنضم إلى الحلف إيثارًا للعافية، أو تتجنب الحلف العربي الآخر انتظارًا لما تنكشف عنه الأحداث.

    وليس على الترك بأس من أن يقيموا الأحلاف مقام التسلُّط والاستعمار، فشيء خير من لا شيء. والمهم أن تكون البلاد العربية التي تحالفها تركيا مستعدة لوضع مواردها المختلفة تحت تصرفها حين تحتاج إليها، مستعدة كذلك لوضع مواردها تحت تصرف الغرب الذي تُدِيرُ أمريكا سياسته على أساس المقاومة لروسيا في كل مكان.

    وقد وجدت تركيا في بعض شيوخ السياسة من العراقيين حنينًا إلى العهد القديم، وشوقًا إلى تلك الأوقات التي كانت الشعوب العربية فيها غافلة لا حظَّ لها من تنبُّه، جاهلة لا حظَّ لها من علم، خامدة لا حظَّ لها من نشاط، يفعل الترك بها ما يشاءون، ويتخذون من كبرائها وأغنيائها — إن وُجِدَ فيها الكبراءُ والأغنياءُ — وسيلة إلى إذلال الفقراء والضعفاء، وتسخيرهم لما يريد السادة المسيطرون من الترك العثمانيين. فأتمت معهم هذا الحلف على كُرْهٍ منكر من الشعب العراقي ومن المثقفين بين أبنائه بنوع خاص.

    وليس على الترك ولا على شيوخ السياسة القديمة من العراقيين بأس من إكراه شعب عربي على ما لا يريد ودفعه إلى ما لا يُحب؛ فقديمًا قامت سياسة الترك على هذا الإكراه، وقديمًا كان الترك العثمانيون يؤمنون في أعماق ضمائرهم — ولا يتحرَّجون من إعلان هذا الإيمان — بأن العرب مسخَّرون لهم مذلَّلون لأغراضهم، لا ينبغي أن يطمعوا في عدل ولا أن يطمحوا إلى حرية، فهم قوم لا يعبأ الله بهم؛ لأنهم ليسوا تُركًا. ولم ينسَ المصريون بعد أن وطَّنهم منذ ظفر بشيء من استقلاله الداخلي في القرن الماضي، صار مثابة للأحرار من العرب حين يخيفهم البطش التركي القديم.

    هاجروا إلى مصر من العراق، كما هاجروا من سوريا ولبنان. فرُّوا بحريتهم وكرامتهم وعقولهم وقلوبهم من الذل والظلم والاستعباد، وكل ذلك النكر الذي كان يُفرض على الأحرار من العرب في تلك الأيام السود.

    لم يَنْسَ المصريون مَن هاجر إلى وطنهم من أحرار العرب في تلك الأيام، فوجدوا فيه الأمن والدعة والسعة، ووجدوا فيه خصب العقول وذكاء القلوب، فنفعوا أنفسهم ونفعوا الناس، وشاركوا في إثارة هذه النهضة التي أتاحت للشرق الأدنى أن يذوق الحرية ويجاهد في سبيلها، وأن يجدِّد ما درس من الحضارة العربية الإسلامية بفضل السلطان التركي العثماني القديم.

    ولولا حنين الترك إلى إمبراطوريتهم تلك وشوق بعض الساسة من العراقيين إلى حياة الذل والإذلال لما تم هذا الحلف. وقد كنت أظن أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه عربي حر، هو الحلف مع الترك بعد أن ذاق العالم العربي من السلطان التركي القديم ما ذاق، ولكن هذه التجربة المرة الأخيرة التي يشقى بها العراق دلَّت على أن بين العرب قومًا لم يستعذبوا طعم الحرية، ولم يستسيغوه ولم يبرأوا من الحاجة إلى أن يكونوا أتباعًا.

    وأبت سوريا أن تخاف، وأبت أن تعود إلى الذل القديم، وأن تفرط فيما أُتيح لها من عزة طالما شَقِيَتْ بالجهاد في سبيلها، وإذا الترك يخوِّفونها بالنذير مرة، وبالطائرات التي تتراءى من بعيد أو من قريب مرة أخرى، وإذا الأمور تريد أن تتعقد بين العرب والترك بعد أن كانت قد انتهت إلى شيء من الإسماح وحسن الجوار ونسيان الماضي البغيض الذي لم يبعد به العهد بعدُ.

    فالعرب لم ينسوا، وكانوا يحبون أن ينسوا أن الترك قد دمروا حضارتهم العربية الإسلامية حين بسطوا سلطانهم على الشام ومصر وما وراء الشام ومصر من البلاد، دمروا هذه الحضارة تدميرًا ما زال العرب يجاهدون في إصلاحه، ويظهر أنهم سيجاهدون وقتًا طويلًا ليبلغوا من هذا الإصلاح ما يريدون. دمروا هذه الحضارة، ولم يُنشِئُوا مكانها شيئًا آخر، وإنما عاشوا بها وعاشوا على أنقاضها قرونًا، حتى إذا انجلت عنهم غمرة الحرب العالمية الأولى جحدوا ما لهذه الحضارة عليهم من فضل، وألقَوْا بأنفسهم بين ذراعي الحضارة الأوروبية متهالكين عليها متفانين فيها، كأنهم لم يعرفوا تلك الحضارة العربية، ولم يجعلوها لحياتهم قوامًا.

    أيمكن أن يكون أصدقاؤنا التُّرك قد ساءهم أن تعود الحضارة العربية إلى شيء من ازدهارها القديم، فأرادوا أن يردوها إلى الحال التي كانت عليها من الدمار والوبال حين تركوها كارهين؟ فإن يكن هذا الخاطر قد دار في رءوسهم أو داعب نفوسهم، فقد ينبغي أن يعلموا أن العرب اليوم في الشام ومصر على الأقل ليسوا كالعرب الذين بسطوا عليهم سلطانهم في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث، وأن العرب اليوم قادرون على أن يلقوا الخير بالخير، وقادرون على أن يلقوا الشر بالشر، وقادرون على أن يثبتوا للخطوب مهما تكُن، وأن العرب لم يُعصَموا من تسلط الفرنسيين والإنجليز ليعودوا إلى تسلط الترك مرة أخرى من طريق المحالفات أو ما يشبه المحالفات.

    وأن العرب في الشام ومصر قد شَبُّوا عن الطوق، وأصبحوا لا يخافون شر الترك بعد أن خلصوا من بأس الفرنسيين والإنجليز، وأن الدنيا من حول العرب والترك قد تغيَّرت، وأصبح الأقوياء أنفسهم غير قادرين على تخويف الشعوب التي ذاقت الحرية. فكيف بالضعفاء الذين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الخوف إلا بمعونة الأمريكيين.

    وقد ينبغي أن يذكر الترك أن مصر قد أوت أحرار العرب في القرن الماضي حين فرُّوا إليها بحريتهم، وهي لم تعدل بعدُ عن سُنَّتِهَا في إيواء الأحرار من شرق العالم العربي وغربه، فحسبُها إذن ما أصابت من شيوخ العراق، ولتُمهل نفسها شيئًا حتى تهضمهم أو تُتيح لأمريكا هضمهم، ولتدع الشام ومصر وما يشاءون؛ فإن تخويفهما عسير وهضمهما أشد عسرًا.