Taha Hussein – Journalist | طه حسين – صحفي

خائفون … ومخوفون

خائفون … ومخوفون

طه حسين

جريدة الجمهورية

٣٠ مارس ١٩٥٥

هم أصدقاؤنا الترك الذين يُسِرُّون ويعلنون خوفهم من هذا الجوار الذي فرضته الجغرافيا والتاريخ بينهم وبين روسيا. والصلة بين الترك والروس منذ الزمان البعيد موسومة بالطمع والخوف، وهي تُغري مرة بالائتلاف ومرة بالاختلاف، ولكنها لا تُغري مطلقًا بصفاء القلوب.

فطمع روسيا في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء تركيا القديمة والحديثة معروف، وهو قد صبغ التاريخ باللون الأحمر في كثير من الأوقات، وفي كثير من المَواطن أيضًا. والاتفاق الموقوف بين الترك والروس في الظروف المختلفة معروف أيضًا، وفي الطور الأول من حياة تركيا الحديثة بنوع خاص حين تَخَفَّفَ الترك من أثقال الحرب العالمية الأولى، واستردوا لبلادهم حقَّها الكامل في الحرية والاستقلال، وتخلَّوا كارهين عن إمبراطوريتهم الواسعة في العالم العربي. وهذا الخوف الذي يُسِرُّه الترك ويعلنونه من جارتهم القوية المزعجة، هو الذي طبع سياستهم الخارجية منذ انتهت الحرب الأخيرة بطابع التقرُّب إلى أمريكا تقربًا يوشك أن يكون تهالكًا عليها واستسلامًا لها.

والترك أحرار بالطبع فيما يصطنعون لأنفسهم من سياسة، وفيما يسلكون بسياستهم من طريق، ولكن السياسة الخارجية التركية أخذت منذ حين تتجاوز حدود الخوف والاحتياط، إلى شيء آخر مناقض لها مناقضة بعيدة المدى، وهو التخويف والمغامرة؛ فقد استأثر بهم — فيما يظهر — حبهم للتقرب من أمريكا، حتى أخرجهم عن طورهم ذاك الذي عرفناه حين كانت الحرب الأخيرة مشبوبة تُشِيعُ الهول في أقطار الأرض.

كانوا في تلك الأوقات متحفِّظين أشد التحفُّظ، مسالمين للأعداء جميعًا، منتفعين بهذه المسألة، يُصَانِعُونَ الحلفاء ويُوادِعُونَ الألمان، ويقفون من أولئك وهؤلاء موقف الحذر والاحتياط. فأما الآن فهم يحسون — فيما يبدو — شوقًا عميقًا إلى إمبراطوريتهم القديمة من جهة، ويحسون كذلك حاجة إلى الإمعان في إرضاء أمريكا من جهة أخرى. وهم من أجل ذلك يداعبون بعض البلاد العربية ويُخَوِّفُونَ بعضها الآخر؛ يداعبون العراق فيعقدون معه حلفهم هذا الذي لم يفرغ الناس من الحديث فيه، ويخوِّفون سوريا عسى أن يُجدي فيها التخويف فتنضم إلى الحلف إيثارًا للعافية، أو تتجنب الحلف العربي الآخر انتظارًا لما تنكشف عنه الأحداث.

وليس على الترك بأس من أن يقيموا الأحلاف مقام التسلُّط والاستعمار، فشيء خير من لا شيء. والمهم أن تكون البلاد العربية التي تحالفها تركيا مستعدة لوضع مواردها المختلفة تحت تصرفها حين تحتاج إليها، مستعدة كذلك لوضع مواردها تحت تصرف الغرب الذي تُدِيرُ أمريكا سياسته على أساس المقاومة لروسيا في كل مكان.

وقد وجدت تركيا في بعض شيوخ السياسة من العراقيين حنينًا إلى العهد القديم، وشوقًا إلى تلك الأوقات التي كانت الشعوب العربية فيها غافلة لا حظَّ لها من تنبُّه، جاهلة لا حظَّ لها من علم، خامدة لا حظَّ لها من نشاط، يفعل الترك بها ما يشاءون، ويتخذون من كبرائها وأغنيائها — إن وُجِدَ فيها الكبراءُ والأغنياءُ — وسيلة إلى إذلال الفقراء والضعفاء، وتسخيرهم لما يريد السادة المسيطرون من الترك العثمانيين. فأتمت معهم هذا الحلف على كُرْهٍ منكر من الشعب العراقي ومن المثقفين بين أبنائه بنوع خاص.

وليس على الترك ولا على شيوخ السياسة القديمة من العراقيين بأس من إكراه شعب عربي على ما لا يريد ودفعه إلى ما لا يُحب؛ فقديمًا قامت سياسة الترك على هذا الإكراه، وقديمًا كان الترك العثمانيون يؤمنون في أعماق ضمائرهم — ولا يتحرَّجون من إعلان هذا الإيمان — بأن العرب مسخَّرون لهم مذلَّلون لأغراضهم، لا ينبغي أن يطمعوا في عدل ولا أن يطمحوا إلى حرية، فهم قوم لا يعبأ الله بهم؛ لأنهم ليسوا تُركًا. ولم ينسَ المصريون بعد أن وطَّنهم منذ ظفر بشيء من استقلاله الداخلي في القرن الماضي، صار مثابة للأحرار من العرب حين يخيفهم البطش التركي القديم.

هاجروا إلى مصر من العراق، كما هاجروا من سوريا ولبنان. فرُّوا بحريتهم وكرامتهم وعقولهم وقلوبهم من الذل والظلم والاستعباد، وكل ذلك النكر الذي كان يُفرض على الأحرار من العرب في تلك الأيام السود.

لم يَنْسَ المصريون مَن هاجر إلى وطنهم من أحرار العرب في تلك الأيام، فوجدوا فيه الأمن والدعة والسعة، ووجدوا فيه خصب العقول وذكاء القلوب، فنفعوا أنفسهم ونفعوا الناس، وشاركوا في إثارة هذه النهضة التي أتاحت للشرق الأدنى أن يذوق الحرية ويجاهد في سبيلها، وأن يجدِّد ما درس من الحضارة العربية الإسلامية بفضل السلطان التركي العثماني القديم.

ولولا حنين الترك إلى إمبراطوريتهم تلك وشوق بعض الساسة من العراقيين إلى حياة الذل والإذلال لما تم هذا الحلف. وقد كنت أظن أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه عربي حر، هو الحلف مع الترك بعد أن ذاق العالم العربي من السلطان التركي القديم ما ذاق، ولكن هذه التجربة المرة الأخيرة التي يشقى بها العراق دلَّت على أن بين العرب قومًا لم يستعذبوا طعم الحرية، ولم يستسيغوه ولم يبرأوا من الحاجة إلى أن يكونوا أتباعًا.

وأبت سوريا أن تخاف، وأبت أن تعود إلى الذل القديم، وأن تفرط فيما أُتيح لها من عزة طالما شَقِيَتْ بالجهاد في سبيلها، وإذا الترك يخوِّفونها بالنذير مرة، وبالطائرات التي تتراءى من بعيد أو من قريب مرة أخرى، وإذا الأمور تريد أن تتعقد بين العرب والترك بعد أن كانت قد انتهت إلى شيء من الإسماح وحسن الجوار ونسيان الماضي البغيض الذي لم يبعد به العهد بعدُ.

فالعرب لم ينسوا، وكانوا يحبون أن ينسوا أن الترك قد دمروا حضارتهم العربية الإسلامية حين بسطوا سلطانهم على الشام ومصر وما وراء الشام ومصر من البلاد، دمروا هذه الحضارة تدميرًا ما زال العرب يجاهدون في إصلاحه، ويظهر أنهم سيجاهدون وقتًا طويلًا ليبلغوا من هذا الإصلاح ما يريدون. دمروا هذه الحضارة، ولم يُنشِئُوا مكانها شيئًا آخر، وإنما عاشوا بها وعاشوا على أنقاضها قرونًا، حتى إذا انجلت عنهم غمرة الحرب العالمية الأولى جحدوا ما لهذه الحضارة عليهم من فضل، وألقَوْا بأنفسهم بين ذراعي الحضارة الأوروبية متهالكين عليها متفانين فيها، كأنهم لم يعرفوا تلك الحضارة العربية، ولم يجعلوها لحياتهم قوامًا.

أيمكن أن يكون أصدقاؤنا التُّرك قد ساءهم أن تعود الحضارة العربية إلى شيء من ازدهارها القديم، فأرادوا أن يردوها إلى الحال التي كانت عليها من الدمار والوبال حين تركوها كارهين؟ فإن يكن هذا الخاطر قد دار في رءوسهم أو داعب نفوسهم، فقد ينبغي أن يعلموا أن العرب اليوم في الشام ومصر على الأقل ليسوا كالعرب الذين بسطوا عليهم سلطانهم في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث، وأن العرب اليوم قادرون على أن يلقوا الخير بالخير، وقادرون على أن يلقوا الشر بالشر، وقادرون على أن يثبتوا للخطوب مهما تكُن، وأن العرب لم يُعصَموا من تسلط الفرنسيين والإنجليز ليعودوا إلى تسلط الترك مرة أخرى من طريق المحالفات أو ما يشبه المحالفات.

وأن العرب في الشام ومصر قد شَبُّوا عن الطوق، وأصبحوا لا يخافون شر الترك بعد أن خلصوا من بأس الفرنسيين والإنجليز، وأن الدنيا من حول العرب والترك قد تغيَّرت، وأصبح الأقوياء أنفسهم غير قادرين على تخويف الشعوب التي ذاقت الحرية. فكيف بالضعفاء الذين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الخوف إلا بمعونة الأمريكيين.

وقد ينبغي أن يذكر الترك أن مصر قد أوت أحرار العرب في القرن الماضي حين فرُّوا إليها بحريتهم، وهي لم تعدل بعدُ عن سُنَّتِهَا في إيواء الأحرار من شرق العالم العربي وغربه، فحسبُها إذن ما أصابت من شيوخ العراق، ولتُمهل نفسها شيئًا حتى تهضمهم أو تُتيح لأمريكا هضمهم، ولتدع الشام ومصر وما يشاءون؛ فإن تخويفهما عسير وهضمهما أشد عسرًا.

Share:

Comments

Leave a Reply