Tag: Diplomatic Pressure

  • بين الجد واللعب

    بين الجد واللعب

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٢ أبريل ١٩٥٥

    يظهر أن أصدقاءنا الترك ينسون أنفسهم شيئًا ما في هذه الأيام، ويُعرِّضون أنفسهم كذلك لما لا نحب أن يتعرضوا له، فقد كنا نتمنى أن يحتفظوا بخطة الأناة والوقار والعناية بمصالحهم الخاصة كما يفهمونها وكما يحبونها، غير حافلين برضى الناس عنها أو سخطهم عليها.

    فهم قد اصطنعوا هذه الخطة وفرضوها على أنفسهم منذ أتاحت لهم ثورتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن يستردوا استقلالهم ويخلصوا لأنفسهم، لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد. وهم قد انتفعوا بهذه الخطة فثبَّتوا استقلالهم ووطدوا مكانتهم وجنوا ثمرات الحياد الذي التزموه في الحرب العالمية الثانية؛ فخرجوا منها موفورين لم يُكْلموا كَلْمًا ولم تتعرض مرافقهم المختلفة لخطر قليل أو كثير.

    فهم قد صادقوا الأعداء جميعًا أثناء الحرب العالمية الأخيرة، ولم يحفلوا بتلك الأحداث الجسام التي كانت تملأ العالم من حولهم شرًّا، والتي ملأت العالم العربي نفسه خوفًا وذعرًا، وهم أقاموا هادئين مطمئنين منتفعين حين شبت الحرب في جارتها سوريا بين الحلفاء وبين الفرنسيين المهادنين لألمانيا، وشقيت سوريا شقاء غير قليل بهذه الحرب، وجيرانها الترك آمنون وادعون لا يغضبون لها ولا يشفقون عليها ولا يمنحونها عونًا ولا يختصونها بتأييد.

    بل هم قد انتفعوا من هذه الحرب الأخيرة على حساب جارتهم سوريا؛ فأخذوا جزءًا منها ثمنًا لمساومة الحلفاء، ولم ينسَ العالم العربي بعد أن الإسكندرونة قد اقتُطعت من سوريا ورُدت إلى الترك ثمنًا لهذه المسالمة دون أن يُستأمر السوريون في ذلك أو يُستشاروا.

    في ذلك الوقت لم يكن الترك أصدقاء العالم العربي، ولم يكن العالم العربي يعنيهم قليلًا أو كثيرًا، وإنما كان يعنيهم أن يَسْلموا أولًا وإن دُمر العالم من حولهم، وأن يأمنوا ثانيًا وإن امتلأ العالم من حولهم هلعًا وفزعًا، وأن ينتفعوا ثالثًا وإن أوذي العرب في وطنهم وإن فُرق الإخوة ظلمًا وبغيًا وعدوانًا.

    كانت هذه الخطة الآثرة هي التي التزمتها تركيا منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها، وكانت تجد في هذه الخطة أمنها ومنفعتها، واستقرار الأمر فيها وتطور ثورتها في عافية من تدخل الأجنبي، وكان من الخير لها أن تحتفظ لمنقذها من العدوان الأجنبي؛ مصطفى كمال — أو كمال أتاتورك كما سمته — فرارًا من الصلة بينها وبين العرب؛ حتى حملها بغضها لقديمها وطموحها إلى التخلص من أوزار إمبراطوريتها والتخفف من أثقال الخلافة الإسلامية التي انتحلتها انتحالًا وأخذتها غلابًا، ولكنها خافت من جارتها روسيا وأمنت لصديقتها أمريكا. ووجدت عند صديقتها هذه فضلًا كثيرًا ومالًا غزيرًا، وأغراها الفضل بالفضل ورغَّبها المال في المال، وأرادت أن تستكثر من التقرب إلى الأمريكيين، فخرجت عن خطتها تلك، وظنت أنها أصبحت دولة عالمية تستطيع أن تشارك في تقرير مصير الدول الأخرى. وكان خروجها عن هذه الخطة حين شاركت حلفاءها فيما عرضوا على مصر سنين من حلف؛ يحفظ السِّلم في هذا من الشرق الأدنى، وقد رفضت هذا العرض في غير مناقشة ولا جدال، وكان الترك خليقين أن يحسوا لوم العرب لهم، وعتبهم عليهم؛ إنكارهم أن تعين دولة إسلامية كانت تزعم لنفسها حماية الإسلام على تدخل الأجنبي في شئون المسلمين، وتعريضهم للمشاركة في مغامرات ليس لهم فيها نفع قليل أو كثير.

    كان الترك خليقين أن يحسوا ما لم يُخْفِ العرب من لوم لهم وإنكار عليهم، وأن ينتفعوا بهذا الدرس الذي تلقوه من مصر حين أبت أن تستجيب لهم كما أبت أن تستجيب للأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. لكن الترك لم يحسوا شيئًا ولم ينتفعوا بهذا الدرس، وإنما جعلوا أنفسهم عملاء للأقوياء من دول الغرب، وكلفوا أنفسهم أن يضموا الشرق العربي راضيًا أو كارهًا إلى ذلك الحلف الذي يدفع إلى المغامرات ويغري بالحرب ويعرض الناس لأخطار لا يعلم عواقبها إلا الله.

    وهم قد مضوا في ذلك حتى ضموا إليهم العراق في حيلة لم يستروها، ولم يخفوا ما فيها من الكيد، ولم يحتاطوا لها؛ فهم لا يكادون يتمون هذا الحلف حتى يسرع الإنجليز بالمشاركة فيه، وحتى يزمع الأمريكيون أن يشاركوا فيه أيضًا، وإن آثروا الانتظار بهذه المشاركة وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

    وكذلك خرج الترك من حيرتهم تلك، ولكن خروج التابع الذي لا يعمل لنفسه وإنما يعمل لغيره، ولا يدبر الأمر ويتقن الحيلة لينتفع هو وحده، بل لينتفع غيره من الأقرباء وإن عرَّض نفسه لشر عظيم. فالترك يعلمون أنهم جيران الروس وأنهم جديرون أن يكونوا أول من يصطلي نار الحرب ويشقى بها حين تثار في يوم قريب أو بعيد، وكان ذلك جديرًا أن يحملهم على إيثار العافية والركون إلى الحياد الذي آمنهم من الخوف في الحرب الأخيرة، ولكنهم عادوا إلى المغامرة وأبوا أن يعودوا إليها وحدهم، ولم يحبوا أن تزلزَل بهم الأرض من دون جيرانهم، فجروا العراق وانجرَّ العراق لهم. وقد أغرتهم طاعة الحكومة العراقية القائمة بأن يجروا إليهم سوريا، ومن يدري لعلهم إن ظفروا من سوريا بما يحبون أن يعودوا إلى مصر ليعرضوا عليها مغامرتهم تلك مرة أخرى وليتموا لحلفائهم ما أرادوا من إخضاع العالم العربي كله لسلطانهم، وإشراكه في مغامرتهم وتعريضه لهذه الأهوال التي لا تنفعه وإنما تؤذيه كما تؤذي الناس جميعًا. ولكن سوريا أبت أن تنجر كما انجرَّت حكومة العراق القائمة. وهنا يستحيل الجد إلى لعب، وتستحيل المأساة إلى ملهاة، ويخرج الترك عن طورهم، فيغضبون وينذرون ثانيًا، ويحشدون جيشهم على الحدود السورية آخر الأمر، فيغرق العالم العربي في الضحك وإن كان ضحكًا مرًّا.

    ولكن الشيء المحقق هو أن الجيش التركي المظفر لم يرهب أحدًا، ولا يمكن أن يرهب أحدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يجوز الحدود، ولأن تركيا لا تستطيع أن تُعلن الحرب على سوريا، لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن تشترك في المغامرات، ولأن الحرب لا تُعلَن في هذه الأيام كما كانت تُعلَن فيما مضى، وإنما تقوم دون إعلانها مصاعب لا بد من تذليلها. وليس الترك وحدهم هم الذين يستطيعون أن يذللوها، فتركيا عضو في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن نفسه، وليست تملك أن تقحم حلفاءها في حرب لا يريدونها، وهي بعد هذا كله ليست حرة في إعلان الحرب؛ لأن لها جارة تتربص بها الدوائر ولا تنتظر إلا الفرصة التي تتيح لها أن تغير. فهذا النذير التركي بجارتها سوريا عبث من العبث، لا يخيف السوريين فضلًا عن أن يخيف غير السوريين، وإنما هو يعرِّض الترك أنفسهم لشيء من الرثاء كنا نحب ألا يعرضوا أنفسهم له، وكنا نحب لهم كذلك أن يقرروا فيما بينهم وبين أنفسهم أن الأحلاف لا تكون بالإكراه، وأنها إما أن تكون بالرضى وإما ألا تكون. وكنا نحب لهم كذلك أن يقدروا في أنفسهم أن الدنيا قد تغيرت، وأن أمور السلم والحرب لم تصبح خاضعة لأهواء الناس وشهواتهم، وكنا نحب لهم آخر الأمر أن يقدروا في أنفسهم أنهم يوشكون أن يسوءوا حلفاءهم من حيث أرادوا أن يسروهم، ويضروهم من حيث أرادوا لهم النفع، ويغضبوهم من حيث أرادوا أن يبتغوا لهم الوسيلة.

    فحلفاء الغرب يريدون أول ما يريدون أن تستقر الأمور في الشرق الأدنى، ويكرهون أشد الكره أن يضطرب هذا الجزء من الأرض، وإنذارهم هذا المُلِح لسوريا يوشك أن يملأ الشرق العربي اضطرابًا. وقد ينبغي أن يحسب الترك لجيرانهم شيئًا من الحساب، ومن حق العرب أن يغضبوا حين يُساء إليهم في غير ما يدعو إلى الإساءة، وأن يُستخف بهم دون ما يدعو هذا الاستخفاف. والعرب يحسنون اصطناع الحلم ويعرفون كيف يملكون أنفسهم، ولكنهم يعرفون أيضًا كيف يغضبون وكيف يثورون إذا أُثيروا. وإذا كان أصدقاؤنا الترك قد غفلوا عن هذا كله وخرجوا عن أطوارهم؛ فما أجدر حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين أن يردوا عليهم فضل أحلامهم وأن يكفوهم عن الطيش ويعيدوهم إلى شيء من صواب، وأن يذكروا أن صغار الأمور قد تُهيج كبارها، وأن للأناة والصبر غاية ينتهيان إليها.

    وأن في نفوس العرب بقية من مودة للترك، فمن الخير ألَّا يُضيعوها بإصرارهم على ما هم فيه من حمق وطيش.

  • خائفون … ومخوفون

    خائفون … ومخوفون

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣٠ مارس ١٩٥٥

    هم أصدقاؤنا الترك الذين يُسِرُّون ويعلنون خوفهم من هذا الجوار الذي فرضته الجغرافيا والتاريخ بينهم وبين روسيا. والصلة بين الترك والروس منذ الزمان البعيد موسومة بالطمع والخوف، وهي تُغري مرة بالائتلاف ومرة بالاختلاف، ولكنها لا تُغري مطلقًا بصفاء القلوب.

    فطمع روسيا في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء تركيا القديمة والحديثة معروف، وهو قد صبغ التاريخ باللون الأحمر في كثير من الأوقات، وفي كثير من المَواطن أيضًا. والاتفاق الموقوف بين الترك والروس في الظروف المختلفة معروف أيضًا، وفي الطور الأول من حياة تركيا الحديثة بنوع خاص حين تَخَفَّفَ الترك من أثقال الحرب العالمية الأولى، واستردوا لبلادهم حقَّها الكامل في الحرية والاستقلال، وتخلَّوا كارهين عن إمبراطوريتهم الواسعة في العالم العربي. وهذا الخوف الذي يُسِرُّه الترك ويعلنونه من جارتهم القوية المزعجة، هو الذي طبع سياستهم الخارجية منذ انتهت الحرب الأخيرة بطابع التقرُّب إلى أمريكا تقربًا يوشك أن يكون تهالكًا عليها واستسلامًا لها.

    والترك أحرار بالطبع فيما يصطنعون لأنفسهم من سياسة، وفيما يسلكون بسياستهم من طريق، ولكن السياسة الخارجية التركية أخذت منذ حين تتجاوز حدود الخوف والاحتياط، إلى شيء آخر مناقض لها مناقضة بعيدة المدى، وهو التخويف والمغامرة؛ فقد استأثر بهم — فيما يظهر — حبهم للتقرب من أمريكا، حتى أخرجهم عن طورهم ذاك الذي عرفناه حين كانت الحرب الأخيرة مشبوبة تُشِيعُ الهول في أقطار الأرض.

    كانوا في تلك الأوقات متحفِّظين أشد التحفُّظ، مسالمين للأعداء جميعًا، منتفعين بهذه المسألة، يُصَانِعُونَ الحلفاء ويُوادِعُونَ الألمان، ويقفون من أولئك وهؤلاء موقف الحذر والاحتياط. فأما الآن فهم يحسون — فيما يبدو — شوقًا عميقًا إلى إمبراطوريتهم القديمة من جهة، ويحسون كذلك حاجة إلى الإمعان في إرضاء أمريكا من جهة أخرى. وهم من أجل ذلك يداعبون بعض البلاد العربية ويُخَوِّفُونَ بعضها الآخر؛ يداعبون العراق فيعقدون معه حلفهم هذا الذي لم يفرغ الناس من الحديث فيه، ويخوِّفون سوريا عسى أن يُجدي فيها التخويف فتنضم إلى الحلف إيثارًا للعافية، أو تتجنب الحلف العربي الآخر انتظارًا لما تنكشف عنه الأحداث.

    وليس على الترك بأس من أن يقيموا الأحلاف مقام التسلُّط والاستعمار، فشيء خير من لا شيء. والمهم أن تكون البلاد العربية التي تحالفها تركيا مستعدة لوضع مواردها المختلفة تحت تصرفها حين تحتاج إليها، مستعدة كذلك لوضع مواردها تحت تصرف الغرب الذي تُدِيرُ أمريكا سياسته على أساس المقاومة لروسيا في كل مكان.

    وقد وجدت تركيا في بعض شيوخ السياسة من العراقيين حنينًا إلى العهد القديم، وشوقًا إلى تلك الأوقات التي كانت الشعوب العربية فيها غافلة لا حظَّ لها من تنبُّه، جاهلة لا حظَّ لها من علم، خامدة لا حظَّ لها من نشاط، يفعل الترك بها ما يشاءون، ويتخذون من كبرائها وأغنيائها — إن وُجِدَ فيها الكبراءُ والأغنياءُ — وسيلة إلى إذلال الفقراء والضعفاء، وتسخيرهم لما يريد السادة المسيطرون من الترك العثمانيين. فأتمت معهم هذا الحلف على كُرْهٍ منكر من الشعب العراقي ومن المثقفين بين أبنائه بنوع خاص.

    وليس على الترك ولا على شيوخ السياسة القديمة من العراقيين بأس من إكراه شعب عربي على ما لا يريد ودفعه إلى ما لا يُحب؛ فقديمًا قامت سياسة الترك على هذا الإكراه، وقديمًا كان الترك العثمانيون يؤمنون في أعماق ضمائرهم — ولا يتحرَّجون من إعلان هذا الإيمان — بأن العرب مسخَّرون لهم مذلَّلون لأغراضهم، لا ينبغي أن يطمعوا في عدل ولا أن يطمحوا إلى حرية، فهم قوم لا يعبأ الله بهم؛ لأنهم ليسوا تُركًا. ولم ينسَ المصريون بعد أن وطَّنهم منذ ظفر بشيء من استقلاله الداخلي في القرن الماضي، صار مثابة للأحرار من العرب حين يخيفهم البطش التركي القديم.

    هاجروا إلى مصر من العراق، كما هاجروا من سوريا ولبنان. فرُّوا بحريتهم وكرامتهم وعقولهم وقلوبهم من الذل والظلم والاستعباد، وكل ذلك النكر الذي كان يُفرض على الأحرار من العرب في تلك الأيام السود.

    لم يَنْسَ المصريون مَن هاجر إلى وطنهم من أحرار العرب في تلك الأيام، فوجدوا فيه الأمن والدعة والسعة، ووجدوا فيه خصب العقول وذكاء القلوب، فنفعوا أنفسهم ونفعوا الناس، وشاركوا في إثارة هذه النهضة التي أتاحت للشرق الأدنى أن يذوق الحرية ويجاهد في سبيلها، وأن يجدِّد ما درس من الحضارة العربية الإسلامية بفضل السلطان التركي العثماني القديم.

    ولولا حنين الترك إلى إمبراطوريتهم تلك وشوق بعض الساسة من العراقيين إلى حياة الذل والإذلال لما تم هذا الحلف. وقد كنت أظن أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه عربي حر، هو الحلف مع الترك بعد أن ذاق العالم العربي من السلطان التركي القديم ما ذاق، ولكن هذه التجربة المرة الأخيرة التي يشقى بها العراق دلَّت على أن بين العرب قومًا لم يستعذبوا طعم الحرية، ولم يستسيغوه ولم يبرأوا من الحاجة إلى أن يكونوا أتباعًا.

    وأبت سوريا أن تخاف، وأبت أن تعود إلى الذل القديم، وأن تفرط فيما أُتيح لها من عزة طالما شَقِيَتْ بالجهاد في سبيلها، وإذا الترك يخوِّفونها بالنذير مرة، وبالطائرات التي تتراءى من بعيد أو من قريب مرة أخرى، وإذا الأمور تريد أن تتعقد بين العرب والترك بعد أن كانت قد انتهت إلى شيء من الإسماح وحسن الجوار ونسيان الماضي البغيض الذي لم يبعد به العهد بعدُ.

    فالعرب لم ينسوا، وكانوا يحبون أن ينسوا أن الترك قد دمروا حضارتهم العربية الإسلامية حين بسطوا سلطانهم على الشام ومصر وما وراء الشام ومصر من البلاد، دمروا هذه الحضارة تدميرًا ما زال العرب يجاهدون في إصلاحه، ويظهر أنهم سيجاهدون وقتًا طويلًا ليبلغوا من هذا الإصلاح ما يريدون. دمروا هذه الحضارة، ولم يُنشِئُوا مكانها شيئًا آخر، وإنما عاشوا بها وعاشوا على أنقاضها قرونًا، حتى إذا انجلت عنهم غمرة الحرب العالمية الأولى جحدوا ما لهذه الحضارة عليهم من فضل، وألقَوْا بأنفسهم بين ذراعي الحضارة الأوروبية متهالكين عليها متفانين فيها، كأنهم لم يعرفوا تلك الحضارة العربية، ولم يجعلوها لحياتهم قوامًا.

    أيمكن أن يكون أصدقاؤنا التُّرك قد ساءهم أن تعود الحضارة العربية إلى شيء من ازدهارها القديم، فأرادوا أن يردوها إلى الحال التي كانت عليها من الدمار والوبال حين تركوها كارهين؟ فإن يكن هذا الخاطر قد دار في رءوسهم أو داعب نفوسهم، فقد ينبغي أن يعلموا أن العرب اليوم في الشام ومصر على الأقل ليسوا كالعرب الذين بسطوا عليهم سلطانهم في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث، وأن العرب اليوم قادرون على أن يلقوا الخير بالخير، وقادرون على أن يلقوا الشر بالشر، وقادرون على أن يثبتوا للخطوب مهما تكُن، وأن العرب لم يُعصَموا من تسلط الفرنسيين والإنجليز ليعودوا إلى تسلط الترك مرة أخرى من طريق المحالفات أو ما يشبه المحالفات.

    وأن العرب في الشام ومصر قد شَبُّوا عن الطوق، وأصبحوا لا يخافون شر الترك بعد أن خلصوا من بأس الفرنسيين والإنجليز، وأن الدنيا من حول العرب والترك قد تغيَّرت، وأصبح الأقوياء أنفسهم غير قادرين على تخويف الشعوب التي ذاقت الحرية. فكيف بالضعفاء الذين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الخوف إلا بمعونة الأمريكيين.

    وقد ينبغي أن يذكر الترك أن مصر قد أوت أحرار العرب في القرن الماضي حين فرُّوا إليها بحريتهم، وهي لم تعدل بعدُ عن سُنَّتِهَا في إيواء الأحرار من شرق العالم العربي وغربه، فحسبُها إذن ما أصابت من شيوخ العراق، ولتُمهل نفسها شيئًا حتى تهضمهم أو تُتيح لأمريكا هضمهم، ولتدع الشام ومصر وما يشاءون؛ فإن تخويفهما عسير وهضمهما أشد عسرًا.

  • قصور

    حديث المساء: قصور

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٠ أبريل ١٩٣٤

    قصور لا يستطيع المصري أن يعترف به، ولا أن يرفع معه رأسه أمام نفسه، ولا أمام غيره من الأجانب، هذا الذي تتورط فيه الوزارة إن صح ما تتحدث به الصحف منذ أيام عن موقفها بإزاء هذه المسألة التي تشغلها وتشغل المصريين منذ حين؛ وهي مسألة القضاة المصريين في المحاكم المختلطة.

    فقد كانت الوزارة نفسها حائرة في الأسبوع الماضي، ثم انتقلت الحيرة منها إلى الناس في هذا الأسبوع. فهل حُلَّت هذه المسألة أم هل ما تزال حيث كانت؟ وإذا كانت قد حُلَّت، فعلى أي وجه؟ أعلى الوجه الذي يرضي المصريين؛ لأنه يرد إلى القضاة حقوقهم، ويحفظ عليهم كرامتهم، ويكفل لوزير الحقانية ما ينبغي أن يستمتع به من الحرية في إبداء الرأي، والاستقلال في الإقدام على عمل من الأعمال دون أن يتلقى دروسًا قاسية لاذعة، أم على وجه آخر لا يرضي المصريين ولا يرد على قضاتهم حقًّا، ولا يكفل للوزير حرية ولا استقلالًا؟

    أسئلة يلقيها الناس ولا يجدون عليها جوابًا، أو هم يجدون عليها أجوبة مختلطة متناقضة؛ فبعض الصحف الوزارية كان يزعم مساء الأحد أن كل شيء قد انتهى، وكان انتهاء كل شيء إلى ما لا يحب المصريون، ولا يشهد للوزارة بشيء من البراعة أو بشيء من القوة والحزم في تصريف الأمور، فقد كان يُقال إن الأمر انتهى إلى تأجيل القضية، على أن تأخذ الحكومة في المفاوضات بعد ذلك، لعلها تظفر بما يريد القضاة المصريون من الاعتراف لهم بالحق في رياسة الدوائر.

    وظاهر أن رئيس محكمة الاستئناف المختلطة لم يطلب في كتابه المشهور غير هذا؛ فانتهاء الأمر إلى هذه النتيجة ليس معناه إلا إذعان الحكومة وتسليمها بما كان يراه الرئيس.

    وكنا نعلم أن الوزارة تنكر ذلك أشد الإنكار، أو أن وزير الحقانية يأباه أعنف الإباء، وكنا نعلم أن الأزمة إنما تعقدت لأن وزارتنا كانت ترى أن الأمر لا يحتاج إلى مفاوضات على حين كان يرى رئيس محكمة الاستئناف أن ليس من الأمر مخرج إلا بالمفاوضات؛ فقبول الوزارة لفكرة المفاوضات إن صح ما نشرته بعض صحفها المسائية لا يمكن أن يُسمَّى إلا إذعانًا وتسليمًا.

    وقد نحب أن نعلم إذن فِيمَ كان التشدد والإباء، وتعقيد الأشياء؟! وفِيمَ كان الغضب والإنكار، والإلحاح والإصرار، وإضاعة الليل والنهار ما دام الأمر سينتهي إلى الإذعان والإقرار؟! وفِيمَ كان التلويح بالاستقالة ما دام الأمر سينتهي إلى العدول عن الاستقالة في غير فوز ولا انتصار؟! وما الذي حمل وزير الحقانية على أن يكتب إلى رئيس محكمة الاستئناف أنه لا يوافق ما دام سينتهي آخر الأمر إلى أن يوافق؟!

    مسائل كنا نحب أن نفهمها، ولكن متى وُفِّق المصريون في هذه الأيام إلى أن يفهموا شيئًا من أمر الوزارة إذا أرادوا أن يفهموه، إنما أمور الوزارة ألغاز وأحاجٍ لا يقدر على فهمها إلا الراسخون في العلم، والواقفون على دخائل الأمور، كما يقولون.

    ثم أصبح الناس يوم الاثنين فإذا ما كان يُقال مساء الأحد يُعدَل عنه بعض الشيء، وإذا الصحف تتحدث بأنه لا يُصوَّر الأمر على حقيقته.

    ولكن هناك شيئًا حدث اليوم وهو يصور الأمر على حقيقته من غير شك؛ فقد أُجِّلَتْ قضية المعاشات إلى يوم ٢٧ أكتوبر المقبل. ومعنى هذا التأجيل أن الأزمة قد حُلَّتْ حلًّا مؤقتًا اليوم، فلن يعدل القضاة المصريون في هذا العام القضائي عن الجلوس في الدائرة الأولى، ما دامت هذه القضية قد أُجِّلَتْ.

    وإذن؛ فهل تأخذ الحكومة في مفاوضات سياسية كما يريد رئيس محكمة الاستئناف لتحل هذه المسألة قبل أن ينتهي الصيف، وإذن فقد انهزمت الوزارة من غير شك، أم هل تأبى الحكومة أن تدخل في مفاوضات سياسية وتصر على أن تحل المسألة فورًا بحيث تضمن منذ الآن الاعتراف للقضاة المصريين بحقهم في رياسة الدوائر على أن يُعمَل بذلك منذ يبدأ العام القضائي المقبل؟

    سؤال ليس من اليسير أن نجيب عليه الآن وإن كان كل شيء يدل على أن الظاهر أن الوزارة ستسلك الطريق الأولى، فتدخل في مفاوضات سياسية بعد أن كانت تأبى الدخول فيها، وتقبل ما يريده رئيس محكمة الاستئناف بعد أن كانت تأباه أشد الإباء.

    ومما يدل على هذا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر هذا التأجيل نفسه، فقد كان يُقال إن بعض الجهات الأجنبية لم تكن تحب التأجيل الطويل ولكن الوزارة ألحت فيه حتى ظفرت به، فهل يدل هذا إلا على أن الوزارة تريد أن يتسع أمامها الوقت لعل المفاوضات أن تطول، ولعلها أن لا تنقضي في أسابيع؟!

    ومما يدل على ذلك أيضا ما تتحدث به الصحف كلها من اضطراب الوزارة في أمر الرد على رئيس محكمة الاستئناف، فقد كان يُقال إن وزير الحقانية فرغ من هذا الرد، وأفرغه في صيغة حازمة وهَمَّ أن يرسله، ثم قيل له في ذلك: انتظر. فانتظر، ثم قامت اعتراضات من بعض الجهات الأجنبية على بعض ما في هذا الكتاب من العبارات وأُرِيدَ من الوزير تغييرها فأبى الوزير هذا التغيير.

    وأظنك توافقني على أن الوزير الذي يهم بإرسال كتاب ثم يؤخر إرساله، وعلى أن الوزير الذي يتم رده ثم لا يستطيع أن يبلغه؛ لأن بعض الجهات الأجنبية تعترض على بعض ما جاء فيه، أظنك توافقني على أن الوزير الذي يتورط في هذا كله ليس هو الذي يستطيع أن يحل هذه الأزمة حلًّا حازمًا حاسمًا سريعًا كما يريد المصريون.

    ومعنى هذا أن الوزارة قد تخففت من هذا العبء الثقيل بما انتهت إليه من تأجيل طويل؛ فكسبت الوقت واستطاعت التنفس، وستترك المسألة في أكبر الظن للمفاوضات السياسية التي قد يُبدَأ بها الآن، وقد يُبدَأ بها بعد حين، والتي تدع المسألة كلها خاضعة لما تضمره الأقدار، ومعنى ذلك أن الوزارة — إن صح هذا كله — قد غيرت موقفها تغييرًا تامًّا، فقبلت ما لم تكن تقبل، وأذعنت لما لم تكن تذعن له، ورضيت أن تجادل فيما لم تكن ترضى الجدال فيه، وأصبح من الجائز أن تدخل في مفاوضات لا يُقدَّر لها النجاح، ويومئذ يعود القضاة المصريون إلى حيث كانوا أمس، ويبقى القضاة المصريون حيث هم الآن، ويصبح موقف الوزارة المصرية من الضعف والاضطراب بحيث لا تحب وزارة أن تقف.

    وإذن؛ ففِيمَ كان هذا الضجيج والعجيج؟! وفيم اتخذت الوزارة لغة الحزم، ولبست ثوب الصرامة ما دامت تنتهي آخر الأمر إلى هذا التسليم والإذعان؟!

    لن تستطيع الوزارة أن تزعم أنها لم تجد من المصريين نصرًا ولا تأييدًا، وقد منحها المصريون من النصر والتأييد ما لم تظفر به من قبل، وما كان يكفي لتقف موقفًا أدنى إلى الحزم والمحافظة على الكرامة والحق، ولكن الوزارة لم تنتفع بهذا النصر، ولم تستفد من هذا التأييد، ولعلها كانت تضيق بهما أشد الضيق، ولعلها كانت تكرههما أشد الكره، ولعلها كانت تؤثر ألا يمنحها المصريون منهما شيئًا.

    فالمصريون يحرجونها حين يحسنون بها الظن وينتظرون منها الخير، ويُقدِّرون أنها تستطيع أن تحفظ الحق أو تؤيد الاستقلال.

    والمصريون يحرجونها حين ينتظرون منها المعجزات، وقد أعلن رئيسها أنه لم يأتِ لإحداث المعجزات، ومتى وُفِّقَتْ هذه الوزارة إلى تحقيق مطلب من مطالب المصريين، أو رد حق من حقوق المصريين، أو حفظ كرامة من كرامات المصريين؟!

    سَلْها ماذا صنعت في مسألة الدين العام، وسل رئيسها ماذا صنع في هذه الأزمة التي أثارها بينه وبين المندوب السامي حول التقاليد، وسلها ماذا صنعت في قصة السماسرة، وسلها ماذا صنعت فيما كان بين وزير الداخلية ومدير شركة النور. سلها ماذا صنعت في أي مشكلة من المشكلات الداخلية أو الخارجية؛ فسترى أنها لم تصنع شيئًا، وإن زعم أنصارها أنها صنعت كل شيء.

    هي وزارة قاصرة لا تستطيع أن تنهض بهذه الأعباء الثقال التي يجب أن تنهض بها الوزارات، لا تستطيع أن تتحمل تبعات الحكم، إما لأنها لا تظفر بتأييد الشعب، وإما لأنها لا تستطيع احتمال هذا التأييد حين تتيحه لها الظروف والمصادفات. هي وزارة قاصرة لا تستطيع إلا أن تختلف إلى الدواوين، وأن يضطرب أعضاؤها في أقطار الأرض، ومن حولهم الأنصار والأعوان؛ ليقول الناس إنهم وزراء ليس غير.

    ومن يدري؟! لعل الظروف السيئة التي تحيط بمصر منذ أعوام تريد أن تجعل أمور هذا البلد البائس إلى وزارات من هذا الطراز لتفسد هذه الأمور وتضطرب، ثم نقرأ بعد ذلك في التيمس والديلي تلغراف والمورننج بوست ما نقرؤه من أن المصريين لا يصلحون للاستقلال، ولا يستطيعون أن يستغنوا عن معونة الإنجليز.