خائفون … ومخوفون
طه حسين
جريدة الجمهورية
٣٠ مارس ١٩٥٥
هم أصدقاؤنا الترك الذين يُسِرُّون ويعلنون خوفهم من هذا الجوار الذي فرضته الجغرافيا والتاريخ بينهم وبين روسيا. والصلة بين الترك والروس منذ الزمان البعيد موسومة بالطمع والخوف، وهي تُغري مرة بالائتلاف ومرة بالاختلاف، ولكنها لا تُغري مطلقًا بصفاء القلوب.
فطمع روسيا في هذا الجزء أو ذاك من أجزاء تركيا القديمة والحديثة معروف، وهو قد صبغ التاريخ باللون الأحمر في كثير من الأوقات، وفي كثير من المَواطن أيضًا. والاتفاق الموقوف بين الترك والروس في الظروف المختلفة معروف أيضًا، وفي الطور الأول من حياة تركيا الحديثة بنوع خاص حين تَخَفَّفَ الترك من أثقال الحرب العالمية الأولى، واستردوا لبلادهم حقَّها الكامل في الحرية والاستقلال، وتخلَّوا كارهين عن إمبراطوريتهم الواسعة في العالم العربي. وهذا الخوف الذي يُسِرُّه الترك ويعلنونه من جارتهم القوية المزعجة، هو الذي طبع سياستهم الخارجية منذ انتهت الحرب الأخيرة بطابع التقرُّب إلى أمريكا تقربًا يوشك أن يكون تهالكًا عليها واستسلامًا لها.
والترك أحرار بالطبع فيما يصطنعون لأنفسهم من سياسة، وفيما يسلكون بسياستهم من طريق، ولكن السياسة الخارجية التركية أخذت منذ حين تتجاوز حدود الخوف والاحتياط، إلى شيء آخر مناقض لها مناقضة بعيدة المدى، وهو التخويف والمغامرة؛ فقد استأثر بهم — فيما يظهر — حبهم للتقرب من أمريكا، حتى أخرجهم عن طورهم ذاك الذي عرفناه حين كانت الحرب الأخيرة مشبوبة تُشِيعُ الهول في أقطار الأرض.
كانوا في تلك الأوقات متحفِّظين أشد التحفُّظ، مسالمين للأعداء جميعًا، منتفعين بهذه المسألة، يُصَانِعُونَ الحلفاء ويُوادِعُونَ الألمان، ويقفون من أولئك وهؤلاء موقف الحذر والاحتياط. فأما الآن فهم يحسون — فيما يبدو — شوقًا عميقًا إلى إمبراطوريتهم القديمة من جهة، ويحسون كذلك حاجة إلى الإمعان في إرضاء أمريكا من جهة أخرى. وهم من أجل ذلك يداعبون بعض البلاد العربية ويُخَوِّفُونَ بعضها الآخر؛ يداعبون العراق فيعقدون معه حلفهم هذا الذي لم يفرغ الناس من الحديث فيه، ويخوِّفون سوريا عسى أن يُجدي فيها التخويف فتنضم إلى الحلف إيثارًا للعافية، أو تتجنب الحلف العربي الآخر انتظارًا لما تنكشف عنه الأحداث.
وليس على الترك بأس من أن يقيموا الأحلاف مقام التسلُّط والاستعمار، فشيء خير من لا شيء. والمهم أن تكون البلاد العربية التي تحالفها تركيا مستعدة لوضع مواردها المختلفة تحت تصرفها حين تحتاج إليها، مستعدة كذلك لوضع مواردها تحت تصرف الغرب الذي تُدِيرُ أمريكا سياسته على أساس المقاومة لروسيا في كل مكان.
وقد وجدت تركيا في بعض شيوخ السياسة من العراقيين حنينًا إلى العهد القديم، وشوقًا إلى تلك الأوقات التي كانت الشعوب العربية فيها غافلة لا حظَّ لها من تنبُّه، جاهلة لا حظَّ لها من علم، خامدة لا حظَّ لها من نشاط، يفعل الترك بها ما يشاءون، ويتخذون من كبرائها وأغنيائها — إن وُجِدَ فيها الكبراءُ والأغنياءُ — وسيلة إلى إذلال الفقراء والضعفاء، وتسخيرهم لما يريد السادة المسيطرون من الترك العثمانيين. فأتمت معهم هذا الحلف على كُرْهٍ منكر من الشعب العراقي ومن المثقفين بين أبنائه بنوع خاص.
وليس على الترك ولا على شيوخ السياسة القديمة من العراقيين بأس من إكراه شعب عربي على ما لا يريد ودفعه إلى ما لا يُحب؛ فقديمًا قامت سياسة الترك على هذا الإكراه، وقديمًا كان الترك العثمانيون يؤمنون في أعماق ضمائرهم — ولا يتحرَّجون من إعلان هذا الإيمان — بأن العرب مسخَّرون لهم مذلَّلون لأغراضهم، لا ينبغي أن يطمعوا في عدل ولا أن يطمحوا إلى حرية، فهم قوم لا يعبأ الله بهم؛ لأنهم ليسوا تُركًا. ولم ينسَ المصريون بعد أن وطَّنهم منذ ظفر بشيء من استقلاله الداخلي في القرن الماضي، صار مثابة للأحرار من العرب حين يخيفهم البطش التركي القديم.
هاجروا إلى مصر من العراق، كما هاجروا من سوريا ولبنان. فرُّوا بحريتهم وكرامتهم وعقولهم وقلوبهم من الذل والظلم والاستعباد، وكل ذلك النكر الذي كان يُفرض على الأحرار من العرب في تلك الأيام السود.
لم يَنْسَ المصريون مَن هاجر إلى وطنهم من أحرار العرب في تلك الأيام، فوجدوا فيه الأمن والدعة والسعة، ووجدوا فيه خصب العقول وذكاء القلوب، فنفعوا أنفسهم ونفعوا الناس، وشاركوا في إثارة هذه النهضة التي أتاحت للشرق الأدنى أن يذوق الحرية ويجاهد في سبيلها، وأن يجدِّد ما درس من الحضارة العربية الإسلامية بفضل السلطان التركي العثماني القديم.
ولولا حنين الترك إلى إمبراطوريتهم تلك وشوق بعض الساسة من العراقيين إلى حياة الذل والإذلال لما تم هذا الحلف. وقد كنت أظن أن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه عربي حر، هو الحلف مع الترك بعد أن ذاق العالم العربي من السلطان التركي القديم ما ذاق، ولكن هذه التجربة المرة الأخيرة التي يشقى بها العراق دلَّت على أن بين العرب قومًا لم يستعذبوا طعم الحرية، ولم يستسيغوه ولم يبرأوا من الحاجة إلى أن يكونوا أتباعًا.
وأبت سوريا أن تخاف، وأبت أن تعود إلى الذل القديم، وأن تفرط فيما أُتيح لها من عزة طالما شَقِيَتْ بالجهاد في سبيلها، وإذا الترك يخوِّفونها بالنذير مرة، وبالطائرات التي تتراءى من بعيد أو من قريب مرة أخرى، وإذا الأمور تريد أن تتعقد بين العرب والترك بعد أن كانت قد انتهت إلى شيء من الإسماح وحسن الجوار ونسيان الماضي البغيض الذي لم يبعد به العهد بعدُ.
فالعرب لم ينسوا، وكانوا يحبون أن ينسوا أن الترك قد دمروا حضارتهم العربية الإسلامية حين بسطوا سلطانهم على الشام ومصر وما وراء الشام ومصر من البلاد، دمروا هذه الحضارة تدميرًا ما زال العرب يجاهدون في إصلاحه، ويظهر أنهم سيجاهدون وقتًا طويلًا ليبلغوا من هذا الإصلاح ما يريدون. دمروا هذه الحضارة، ولم يُنشِئُوا مكانها شيئًا آخر، وإنما عاشوا بها وعاشوا على أنقاضها قرونًا، حتى إذا انجلت عنهم غمرة الحرب العالمية الأولى جحدوا ما لهذه الحضارة عليهم من فضل، وألقَوْا بأنفسهم بين ذراعي الحضارة الأوروبية متهالكين عليها متفانين فيها، كأنهم لم يعرفوا تلك الحضارة العربية، ولم يجعلوها لحياتهم قوامًا.
أيمكن أن يكون أصدقاؤنا التُّرك قد ساءهم أن تعود الحضارة العربية إلى شيء من ازدهارها القديم، فأرادوا أن يردوها إلى الحال التي كانت عليها من الدمار والوبال حين تركوها كارهين؟ فإن يكن هذا الخاطر قد دار في رءوسهم أو داعب نفوسهم، فقد ينبغي أن يعلموا أن العرب اليوم في الشام ومصر على الأقل ليسوا كالعرب الذين بسطوا عليهم سلطانهم في أواخر القرون الوسطى وأوائل العصر الحديث، وأن العرب اليوم قادرون على أن يلقوا الخير بالخير، وقادرون على أن يلقوا الشر بالشر، وقادرون على أن يثبتوا للخطوب مهما تكُن، وأن العرب لم يُعصَموا من تسلط الفرنسيين والإنجليز ليعودوا إلى تسلط الترك مرة أخرى من طريق المحالفات أو ما يشبه المحالفات.
وأن العرب في الشام ومصر قد شَبُّوا عن الطوق، وأصبحوا لا يخافون شر الترك بعد أن خلصوا من بأس الفرنسيين والإنجليز، وأن الدنيا من حول العرب والترك قد تغيَّرت، وأصبح الأقوياء أنفسهم غير قادرين على تخويف الشعوب التي ذاقت الحرية. فكيف بالضعفاء الذين لا يستطيعون أن يعصموا أنفسهم من الخوف إلا بمعونة الأمريكيين.
وقد ينبغي أن يذكر الترك أن مصر قد أوت أحرار العرب في القرن الماضي حين فرُّوا إليها بحريتهم، وهي لم تعدل بعدُ عن سُنَّتِهَا في إيواء الأحرار من شرق العالم العربي وغربه، فحسبُها إذن ما أصابت من شيوخ العراق، ولتُمهل نفسها شيئًا حتى تهضمهم أو تُتيح لأمريكا هضمهم، ولتدع الشام ومصر وما يشاءون؛ فإن تخويفهما عسير وهضمهما أشد عسرًا.
Tag: Foreign policy
-
خائفون … ومخوفون
-
إلى مجلس الشيوخ
إلى مجلس الشيوخ
طه حسين
النداء
٣٠ مارس ١٩٤٨
يقال إن السياسة احتياط للمستقبل قبل كل شيء، ويقال من أجل ذلك إن أحدًا لم يرسم لساسة الشعوب وقادة الأمم خطتهم في لفظ جامع موجز، يروع بدقته وصدقه وإيجازه، كما فعل الشاعر العربي القديم حين قال:
قدِّر لرِجْلك قبل الخَطْو موضعهافمن علا زلقًا من غرة زلجا
وقال من أجل ذلك إن الحذر والاحتياط وتدبر العواقب قبل الإقدام على العمل، كل ذلك رهين بالبصائر الناقدة، والقلوب الذكية، والثقافة الواسعة، وعلم الإنسان بما يأتي وما يدع.
فأصحاب البصائر الكليلة، والقلوب المغلقة، والثقافة الضيقة، والعلم المحدود هم أعجز الناس عن سياسة الشعوب، وأجدرهم أن يُردُّوا عن التعرض لها ردًّا، ويُبعدوا عنها إبعادًا في غير تردُّد ولا تلكُّؤ ولا إحجام. وهذه الأحكام تتصل بالسياسة الداخلية كما تتصل بالسياسة الخارجية، ولكن خطرها في السياسة الخارجية أعظم، ورعايتها فيها أوجب، والتقصير فيها يجر إلى ضروب من الحرج لا سبيل إلى التخلص منها، وإلى فنون من الإثم قد لا يجد الوطن منها مخرجًا، وقد تحمل الأجيال الكثيرة أثقالها دون أن تجد إلى التخفف منها سبيلًا.
فالحكومة العاجزة قد تُخطئ في تدبير المرافق الداخلية، فيُتاح للحكومة القادرة التي تأتي بعدها أن تصلح الخطأ، وتقوِّم المعوَجَّ، وليس على الشعب بأس آخر الأمر في أن يحتمل نتيجة تقصيره في ذات نفسه ويشقى؛ لأنه مكَّن للحكومات العاجزة من أن تسيطر على أمره، وتتسلط على مرافقه، وتنهض بأعباء الحكم فيه.
ولعل من شقائه بخطأ الحكومات العاجزة القاصرة درسًا ينفعه في مستقبل أيامه، ويُعلِّمه أن أمور الحكم لا ينبغي أن تُوكل إلَّا إلى أكَفَائها، والقادرين على احتمال أعبائها.
والشعب المستقل يستطيع أن يحتمل نتائج خطئه، وأن يجني ثمرات صوابه، ما دام الأمر لا يتجاوزه إلى غيره من الشعوب الأخرى، وما دام الأمر لا يتجاوز الجيل الحاضر إلى الأجيال التي لم يتكشف عنها الغيب. أمَّا شئون السياسة الخارجية فأمرها مختلف أشد الاختلاف؛ لأنه يُعرِّض استقلال الشعب للخطر، ويعرض استقلال الشعوب الصديقة للخطر أيضًا، ويثقل الأجيال المقبلة بما لا ينبغي أن يثقلها من القيود والأغلال، فإذا احتمل التقصير في الشئون الداخلية، فإن التقصير في الشئون الخارجية لا ينبغي أن يُحتمل، ولا ينبغي أن يُقبل من حكومة مهما يكن أمرها.
من أجل هذا كله، حمد المثقفون لمجلس الشيوخ موقفين، لعل البرلمان المصري لم يعرفه مثلهما منذ كانت الحياة النيابية في مصر: فأمَّا أولهما فقد انتهى إلى غايته انتهاءً حسنًا كأحسن ما يكون الانتهاء، وهو موقف مجلس الشيوخ بإزاء قصة البترول. وقد أتيح للأستاذ فؤاد سراج الدين باشا أن يكون صاحب النصيب الأوفى من هذا الموقف الرائع الكريم؛ فهو الذي أثار هذه القضية، وأثارها في مزاج رائع من الدقة والأناة وحسن الاستقصاء، ومن الثقة والحزم والثبات والتصميم، ومن الاعتدال في الرأي، والاعتدال في القول، والاعتدال في الإلقاء، والاعتدال في السيرة البرلمانية نفسها. ويسَّر له هذا كله أن يقنع زملاءه من الشيوخ الوفديين وغير الوفديين، وأن يحمل المجلس على أن يرد الحكومة إلى القصد، ويضطرها إلى احترام الدستور من جهة، وإلى رعاية حقوق الشعب وصيانتها من جهة أخرى.
وقصة البترول هذه يسيرة في ظاهر أمرها، ولكن الشيخ الشاب قد عرف كيف يتعمقها، وكيف يتيح لزملائه الشيوخ أن يتعمقوها ويتبينوا أثرها في السياسة الخارجية المصرية، فالبترول أخطر العناصر التي تتكون منها السياسة العالمية ما في ذلك شك. والدولة التي تملك شيئًا من ينابيعه ثم تتيح استغلال هذه الينابيع للشركات الأجنبية دون أن تحتاط لمستقبلها السياسي والاقتصادي أشد الاحتياط وأدقه، لا تزيد على أن تفرض على شعبها الذل السياسي والذل الاقتصادي جميعًا، فالذين يثنون على فؤاد سراج الدين وعلى مجلس الشيوخ لموقفهما هذا الحازم الكريم لن يسرفوا ولن يبالغوا مهما يهدوا إليهما من الثناء.
والموقف الثاني هو موقف مجلس الشيوخ من قضية السودان، وهو الآن كريم رائع، ولست أدري كيف يتطور، ولا إلى أين ينتهي، ولكني أرجو أن يفي الشيوخ لأنفسهم ولوطنهم فيه، كما وفوا لأنفسهم ولوطنهم في قصة البترول. وما دام مجلس الشيوخ قد سبق إلى الشعور بالواجب، وإلى تقدير المصالح السياسية العليا كما ينبغي أن تُقدَّر، وإلى إكراه الحكومة على أن ترجع عن الخطأ بعد أن تتورط فيه، وعلى أن تتقي الخطأ قبل أن تُدفع إليه؛ فقد ينبغي أن نلجأ إلى مجلس الشيوخ لنعينه ونستعينه في وقت واحد.
نعينه على هذه المهمة الشاقة الخطيرة التي يظهر أنه يريد أن يحسن النهوض بها هذا العام، وهي حماية الحكومة من نفسها، ومن الظروف التي تحيط بها، وحماية الشعب من خطأ الحكومة أو جورها عن القصد، ونستعينه على بعض المشكلات السياسية الخطيرة التي توشك أن تعرض لمصر إن لم تكن قد عرضت لها بالفعل، والتي إن لم يتنبه لها المصريون فقد تجرهم إلى كوارث أو تجر عليهم كوارث ليس إلى إحصائها من سبيل.
ولن أتحدث في هذا الفصل أو فيما بقى من هذا الفصل إلَّا عن مشكلة واحدة يخيل إليَّ أنها أخطر المشكلات التي تتعرض لها البلاد المستقلة في هذه الأيام، فكيف بالبلاد التي لم تستوفِ استقلالها كاملًا بعد؟ وهذه المشكلة تأتي من الخلاف الذي أثير بين روسيا السوفيتية وأمريكا الرأسمالية، والدول الأخرى التي انقسمت بين هاتين الدولتين المستأثرتين في هذا الطور من أطوار العالم بالحول والطول والسلطان.
فقد أنشأت روسيا اتحادها في شرق أوروبا ووسطها، وضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالعنت، أو تمتاز باللين لا أدري، وأنشأت الولايات المتحدة الأمريكية اتحادها الخاص في غرب أوروبا، أو ضمَّت إليه ما ضمَّت من الدول بوسائلها الخاصة التي تمتاز بالترغيب أو بالترهيب لا أدري … وروسيا تنظر إلى الشرق الأدنى في استحياء، وأمريكا تنظر إلى الشرق الأدنى في غير استحياء، وليس لروسيا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى، ولأمريكا حلفاء يتصلون بالشرق الأدنى هم الإنجليز والفرنسيون.
فاليد الروسية بعيدة عن الشرق الأدنى شيئًا ما، ولكنها تستطيع أن تمتد إليه في كل يوم، واليد الأمريكية قريبة من الشرق كل القرب، وهي تمتد إليه بالفعل في كل يوم، بل في كل ساعة. تمتد إليه مباشرةً أحيانًا، وتمتد إليه بواسطة حلفائها أحيانًا أخرى، والصراع قائم بالفعل في بلاد اليونان بين روسيا وأتباعها، والولايات المتحدة وأتباعها في بلاد اليونان، وهو يريد أو يحاول أن يقوم في تركيا، والبحر الأبيض هو موضع هذا الصراع. وقد جعل الناس يتحدثون منذ أكثر من عام عن اتحاد شرقي لمقاومة التوسع الروسي، ويقال: إن اليونان والترك هم الذين سيضعون الأساس لهذا الاتحاد يتفقون عليه فيما بينهم أولًا، وهم بسبيل هذا الاتفاق، ثم يدعون إليه الدول العربية بعد ذلك، ويقال: إنهم في طريق هذه الدعوة. فإذا تم هذا الاتحاد الشرقي نُظِّمت الصلات بينه وبين الاتحاد الغربي، وتم إنشاء الجبهة القوية التي تقاوم التوسع الروسي في الأرض كلها.
بهذا كله يتحدث الناس، وأكبر الظن أن أكثر هذا كله صحيح. وهنا نصل إلى ما ينبغي لمصر من الحذر والسهر والاحتياط؛ فإن لمصر مصالح وحقوقًا يجب أن تُراعى، ومن الحق لها على ساستها وقادتها وأولي الأمر فيها ألَّا يعرضوا شيئًا من مصالحها وحقوقها للخطر، وألَّا يقحموها في مغامرات سياسية قد تنتهي بها آخر الأمر إلى كارثة الحرب الماحقة الساحقة التي لا تُبقي ولا تذر، لا لشيء إلَّا لأن روسيا السوفيتية والولايات المتحدة الأمريكية تتنازعان النفوذ والسلطان.
والخطر كل الخطر أن تُدفَع حكومة مصرية — كائنة ما تكون — إلى هذه المغامرة متأثِّرةً بما تأثرت حكومات أخرى من التخويف والإغراء، ومن الترغيب والترهيب.
فأول ما يجب على مجلس الشيوخ — أرجو — أن يقف موقف الحذر والحيطة، وألَّا يَنام ولا يُنِمْ حتى تنجلي هذه الغمرة؛ فمصر ليست في حاجة إلى أن تصلى نار الحرب لينتصر هذا الفريق أو ذاك، وإنما هي في حاجة إلى أن تستكمل استقلالها، وتفرغ لما تحتاج إليه من شئون الإصلاح.
وهناك أمران لا ينبغي لمصر أن تنساهما، ولا أن تتحدث في المحالفات أو الاتحادات قبل أن تفرغ منهما فراغًا تامًّا؛ أولهما: أن تحقق استقلالها الخاص كاملًا موفورًا لا تشوبه شائبة. ولن يتحقق استقلالها إلَّا على أساس من الجلاء ووحدة وادي النيل. الثاني: أن تحل المسائل المعلقة بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي حلًّا شاملًا كريمًا؛ فتحل مسألة فلسطين على الوجه الذي يكفل للعرب كرامتهم وحقَّهم في الحياة العزيزة الحرة في وطنهم، وتحل المشكلات القائمة بين العراق وبريطانيا العظمى، وتحل المشكلات القائمة بين شمال أفريقيا وفرنسا.
فإذا تم هذان الأمران جاز لمصر أن تفكر حرة في أن تحالف أو لا تحالف، وفي أن تتحد أو لا تتحد، فأمَّا قبل ذلك فالتفكير في المحالفة والاتحاد ليس إلَّا تفكيرًا في إذلال مصر وجيرانها للسلطان الأمريكي الأوروبي. وقد تعود مجلس الشيوخ الروماني أيام مجد روما — حين كانت الدولة تتعرض لخطر ما — أن يصدر القرار التاريخي المعروف الذي يشتمل على هذه الصيغة: «ليسهر القنصلان على ألَّا يصيب الجمهورية خطر ما.»
فليُحْيِ مجلس الشيوخ المصري هذه السنة الرومانية القديمة، وليَسهرْ ويضطر الحكومة معه إلى السهر على ألَّا تتعرض مصر لخطر ما! -
أغلاط (٢)
أغلاط (٢)
طه حسين
جريدة البلاغ
٤ أبريل ١٩٤٦
وُفقت الحكومة البريطانية إلى شيء من الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَةً في الخطأ؛ فقد اختارت الوزارة البريطانية وفدًا رسميًّا لمفاوضة مصر، وهي بالطبع لم تَخْتَرْ هذا الوفد إلَّا بعد إلحاح متصل شديد.
والقراء يذكرون أن وزارة الخارجية البريطانية كانت قد أعلنت — في ردِّها على المذكرة المصرية — أن محادثات تمهيدية ستُجرى بين الحكومة المصرية والسفير البريطاني في القاهرة، وأن المفاوضات ستتبع هذه المحادثات.
وكان المصريون ينكرون هذه المحادثات التمهيدية، ولا يَرَوْنَ حاجة إليها، أو قُل كان المصريون يعتقدون أن هذه المحادثات التمهيدية قد جرت وطالت، حتى أصبحت الرغبة في إطالتها نوعًا من المماطلة. وكان المصريون يَرَوْنَ كذلك أن إصرار بريطانيا العظمى على أن تَكِلَ الأمر إلى سفيرها في القاهرة أثناء المراحل الأولى للمفاوضات لا يخلو من بعض الاستخفاف بمصر، والنظر إلى طلبها في قليل من الاكتراث. فعُدُول الحكومة البريطانية عن موقفها ذلك إلى هذا الموقف الجديد، وإقدامُها على اختيار وفد رسمي للمفاوضات صوابٌ من غير شك، صواب بالقياس إلى المصريين لأنه يرضي كبرياءهم، ويُشعرهم بأن بريطانيا العظمى لا تريد أن تُظهِر استخفافًا بمصر، ولا أن تكون قليلة الاكتراث بما ينبغي لها من الكرامة.
وكان البريطانيون وبعض المصريين يذكرون أن مصر قد فاوضت المندوب السامي البريطاني سنة ١٩٣٦، ولا ينسَوْن إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن المندوب السامي في ذلك الوقت لم يكن سفيرًا ولا شيئًا يُشبه السفير، وإنما كان شخصًا ممتازًا له سلطات ممتازة فعلًا إن لم تكن ممتازة شرعًا، وله بحكم هذه السلطان مركز لا يشبه مركز السفير من قريب ولا من بعيد. ومهما يكُن من شيء فقد عدلت بريطانيا العظمى عن موقفها ذاك إلى موقف جديد، فكان في هذا العدول شيء من الصواب، وقد قلت إن بريطانيا العظمى وُفِّقَتْ إلى بعض الصواب، ولكن الحكومة المصرية ما زالت مُغرِقَة في الخطأ، ويكفي أن ننظر إلى تكوين الوفد البريطاني، وإلى تكوين الوفد المصري للمفاوضات؛ لنتبين في وضوح وجلاء صحة هذه القضية. فالوفد البريطاني مؤلَّف من ثلاثة أشخاص لا أكثر، وأحد هؤلاء الأشخاص الثلاثة — وهو الرئيس — لن يحضر المفاوضات، ولكنه سيتصل بها من بعيد ويشهدها إن أتاحت له الظروف شهودها؛ فالوفد الرسمي البريطاني مؤلَّف إذن في حقيقة الأمر من شخصين اثنين: أحدهما وزير الطيران، والآخر سفير بريطانيا العظمى في القاهرة. أمَّا الوفد المصري فمؤلَّف من اثني عشر عضوًا لا أقل من ذلك. فهو إذن يزيد على الوفد البريطاني بعشرة أعضاء أو بتسعة أعضاء على أقل تقدير. وواضح جدًّا ما في هذا التفاوُت من الإسراف الذي لا ينبغي أن يُضاف إلى بريطانيا العظمى، وإنما ينبغي أن يُضاف إلى الحكومة المصرية، فهي التي تعجَّلت الأمر وألَّفت وفدها قبل أن تتبين اتجاه الحكومة البريطانية، وتتعرف وسائلها إلى هذه المفاوضات.
ولو أن رئيس وزرائنا صبر وصابَر حتى يقنع الحكومة البريطانية بوجوب العناية بالمفاوضات، وتأليف وفد بريطاني لها، وعرَف أنها ستؤلِّف هذا الوفد من ثلاثة أشخاص أو أقل أو أكثر؛ لَلَاءَمَ بين الوفد المصري والوفد البريطاني، ولاحتفظ لمصر بشيءٍ من الكرامة ما كان ينبغي أن يضيع. فأعضاء الوفد البريطاني أَكْفَاءٌ ممتازون ما في ذلك شك، ولكنهم ثلاثة أو اثنان سيضيعون بين هذا العدد الضخم من المصريين، وأكبر الظن أن مركز الوفد المصري الضخم سيكون غريبًا بالقياس إلى هذا الوفد الإنجليزي الضئيل، وأكاد أعتقد أن صدقي باشا سيجتهد في أن يحصر المفاوضات في لجنة ضئيلة من الهيئة المصرية يلائم عددها الهيئة البريطانية. وإذن فسيكون مركز الأعضاء الآخرين غريبًا حقًّا، سينتظرون حتى تكون الحاجة إلى دعوتهم، ويومئذٍ يدعون ليلقوا صدقي باشا والذين يعاونونه في المفاوضات، فيسمعوا منه ويقولوا له ثم ينصرفون ليستأنفوا الانتظار.
سيكون مركزهم كمركز الهيئة السياسية التي ألَّفها المغفور له الدكتور أحمد ماهر باشا، وكانت لها مع النقراشي باشا خطوب يعرفها رئيس الوزراء، وتعجُّل صدقي باشا في تأليف وفده الرسمي هو الذي اضطره واضطر مصر معه إلى هذا الحرج.
وأخرى يجب الالتفات إليها، وهي أن الوفد البريطاني مؤلَّف من أشخاص لكل منهم مركزه الرسمي في السلطة التنفيذية، مؤلف من وزيرين ومن سفير، على حين قد أُدخِل في الوفد المصري أشخاص ليس لهم مركز في السلطة التنفيذية المصرية، وأكثرهم ليس له عمل يتصل بهذه السلطة من قريب ولا من بعيد. ومصدر ذلك أيضًا تعجُّل صدقي باشا من جهة أخرى، ونظره إلى وراء لا إلى أمام من وجهة أخرى، فلو أنه انتظر حتى يرى كيف تُؤلِّف الحكومة البريطانية وفدها لَلَاءَمَ بين الهيئتين المتفاوضتين، ولَاكْتَفَى بنفسه ووزير خارجيته وشخص ثالث من الوزارة أو من هيئة رسمية، ولكان في ذلك ما يكفي ما دامت النتيجة ستُعرض على البرلمان آخر الأمر. وكان صدقي باشا تَعَجَّلَ من جهة ونظر إلى وراء، فأراد أن يؤلِّفَ جبهة كالتي كانت تؤلَّف من قبلُ، ومن جهة أخرى فلم يُوَفَّقْ إلى تأليف الجبهة ولا إلى تمثيل الأمة في هيئة المفاوضات، ولكنه خيل إلى نفسه وإلى الإنجليز أنه لا يفاوض باسم الحكومة وحدها، وإنما يفاوض باسم الحكومة والشعب معًا، وظاهرٌ ما في هذا من الخطأ وظاهرٌ ما فيه من الضرر أيضًا.
فصدقي باشا يعلم والإنجليز يعلمون — وزملاؤه المصريون في المفاوضات كذلك — أن هيئة المفاوضات المصرية لا تتكلم باسم الأمة المصرية، وإنما تتكلم باسم الحكومة وبلسان الأعضاء الذين يؤلِّفونها. فأمَّا كلمة الشعب المصري فسيقولها البرلمان إذا انتُخِب حرًّا وعُرِضَتْ عليه نتيجة المفاوضات.
وثالثة لعلها أن تكون أشدَّ خطرًا من كل ما مضى، وهي أن الحكومة البريطانية قد أَلحقت بوفدها الضئيل عددًا ليس به بأس من المستشارين العسكريين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد. وهي لم تنشئ هذه الهيئة من المستشارين عبثًا، وإنما أنشأتها لتستعين بها في دقائق المفاوضات، فهل أنشأ صدقي باشا بإزاء هذه الهيئة هيئةً مصرية من المستشارين الممتازين في شئون الحرب والسياسة والاقتصاد؟ ومَن عسى أن يكون أعضاء هذه الهيئة المصرية؟
والشيء الخطير حقًّا هو هذه العناية التي تُظهرها بريطانيا العظمى بالشئون العسكرية في البر والبحر والجو؛ فإن موضوع المفاوضات — فيما نعلمُ — هو الجلاء عن مصر والسودان، لا تنظيم شئون الحرب البرية والبحرية والجوية في مصر والسودان.
ولسنا نعلم أن البريطانيين والفرنسيين قد فاوضوا إخواننا اللبنانيين والسوريين على هذا النحو حين فاوضوهم في الجلاء عن ديارهم؛ فالجلاء لا يحتاج إلى كل هذا العناء، وإنما هو أمر يصدر إلى القوات البريطانية للرحيل بعد أن ينظم هذا الرحيل تنظيمًا فنيًّا يحدد أوقاته ووسائله. ففيمَ إذن كل هذا العناء، أليس يمكن أن يكون البريطانيون يريدون أن يفاوضوا وفد مصر في تنظيم الدفاع عن مصر. وفي تنظيم الدفاع كلام كثير، فإذا كان هذا الدفاع مقصورًا على مصر؛ فما ينبغي للبريطانيين أن يسألوا عنه ويشاركوا في تنظيمه الآن، وإن كان هذا الدفاع مشترَكًا بين مصر وبريطانيا العظمى فما لهذا تجري المفاوضات. وليس هذا هو الجلاء؛ فالخطر المخيف حقًّا والذي ينبغي أن يحتاط له صدقي باشا أشدَّ الاحتياط، وأن يتنبه له الشعب المصري أعظمَ التنبُّه؛ هو تدخُّل الإنجليز الآن في تنظيم الدفاع عن مصر، وحمايتها من غارة خارجية، فليس ذلك من شأن الإنجليز، ولا ينبغي أن يكون من شأنهم، ونحن إنما نفاوض لنُقنِعَهم بأن ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أوَّل الأمر. فإن احتاجت إلى معونة؛ فسيكون ذلك ليس من شأنهم، وإنما هو من شأن مصر وحدها أول الأمر، فإن احتاجت إلى معونة فسيكون ذلك من شأن هيئة الأمم المتحدة، فبريطانيا العظمى حين تُفاوِضُنا في شئون الدفاع عن مصر، إنما تدخل فيما لا يعنيها، تتطوع بما لم يَدْعُهَا أحد إليها، وتُنِيب نفسها عن مجلس الأمن دون أن يعطيها مجلس الأمن إذنًا بهذه النيابة.
على هذا النحو يفهَم المصريون مسألة الجلاء، ويحبون أن تفهمها حكومتهم كما يفهمونها، فما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديثَ قواعد في البر أو في البحر أو الأسطول من أساطيل الجو. وما ينبغي أن تتناول المفاوضات حديث الاشتراك مع البريطانيين في الدفاع عن مصر، فكل هذه أمور تعني مصر وحدها، والتدخُّلُ فيها إهدار للاستقلال.
وقد يُقال إن مصر في طريق الهند، وإن بريطانيا العظمى في حاجة إلى حماية مواصلاتها. ولكن مصر ليست وحدها في طريق الهند، ففي طريق الهند بلادٌ كثيرة، وما أظن أن بريطانيا العظمى تطمع في أن تحتل كل البلاد التي تقع في طريق الهند، أو تعرض مواصلاتها لخطرها. والشيء المهم هو أن مصر تريد أن تفاوض في الجلاء وفي وحدة وادي النيل، لا في الدفاع عن وادي النيل ولا في حمايته من المعتدين، فلهذه المفاوضات وقت آخر، ولها هيئة أخرى تستطيع مصر أن تتجه إليها إن أرادت أو احتاجت؛ وإذن ففيمَ هذه الهيئة الضخمة من المستشارين في حرب البر والبحر والجو.
هذه هي المسألة التي يجب أن يفكر فيها المصريون دائمًا، وألا يَغفُلوا عنها ساعة من ليل أو ساعة من نهار. وهذه هي المسألة التي يجب ألَّا يُشغل المصريون عنها بما يساق إليهم من القول، وبما يُقَدَّمُ إليهم من الوعود، وبما يُبذَل لهم من التلطُّف. فقد عينت بريطانيا العظمى وفدًا لمفاوضة الوفد الرسمي المصري، فأرضت الكبرياء المصرية، وإرضاءُ الكبرياء المصرية خير ليس في ذلك شك، ولكنَّ خيرًا منه إرضاء الحقوق بردِّها إلى أصحابها كاملة غير منقوصة.
وهناك مسألة أخرى تُلقى هنا وهناك، أتَتِم المفاوضات في القاهرة أم تَتِمُّ في لُندرة؟! ولست أعرف سؤالًا أسخف من هذا السؤال؛ فالذئب قد يدعو الحمَل إلى أن يسعى إليه ليأكله، والذئب قد يسعى بنفسه إلى الحمَل ليأكله دون أن يكلفه مشقة الانتقال إليه. فلتجتهد مصر في ألَّا تكون حَمَلًا يأكله الذئب البريطاني في القاهرة أو في لُندرة. -
هنا وهناك
هنا وهناك
طه حسين
مجلة مسامرات الجيب
١٧ فبراير ١٩٤٦
ولنبدأ بما يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا؛ فموضوع هذه الأحاديث متصل دائمًا بشئون السياسة العالمية، وأظن أن شئون السياسة العالمية تُدرَّس هناك لا هنا، وتُجرى في لندرة لا في القاهرة، بل أكاد أعتقد أن علم الحكومة المصرية بما يحدث هناك محدود، لعله لا يتجاوز علم أي فرد من الأفراد الذين يقرءون الصحف ويسمعون الراديو.
وليس أدل على ذلك من ذلك الموقف المؤلم الذي وقفه رئيس الوزراء في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، حين سُئِل عمَّا تحدث به ممدوح بك رياض إلى مجلس الأمن؛ أملائم هو للحق والعدل والكرامة أم مخالف هو لهذا كله؟ فتبيَّن أن رئيس الوزراء لم يكن يعلم من حديث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن إلا ما كنَّا نعلمه نحن.
وكان خصوم الحكومة يحتجون بما نشرته «الأهرام»، فرد عليهم رئيس الوزراء بما نشرته البروجريه، وتبيَّن للناس جميعًا أن جمهور القرَّاء ورئيس الوزراء سواء في العلم والجهل بما يجري من الحوادث من مجلس الأمن، وفي جامعة الأمم المتحدة!
وما دامت هذه الأحاديث متصلة بشئون السياسة العالمية، تريد أن تبصِّر القرَّاء بحقائق هذه الشئون، فمن الطبيعي أن نتحدث عمَّا يجري هناك قبل أن نتحدث عمَّا يجري هنا مما يتصل بهذه الشئون.
وأهم ما يجري هناك من الأحداث والخطوب ما يتصل بمجلس الأمن؛ فقد أُثيرت في مجلس الأمن قضايا ثلاث؛ أولاها: قضية إيران. أثارتها الحكومة الإيرانية المستقيلة متأثرة بالبريطانيين فيما ظن الروس، أو غير متأثرة بهم فيما قال البريطانيون أنفسهم. وقد نوقشت هذه القضية في مجلس الأمن مناقشة لا يمكن أن يُقال إنها كانت طويلة أو عميقة، وإنما يمكن أن يُقال إنها انتهت إلى نتيجتين ظاهرتين؛ إحداهما: التخلية بين إيران وروسيا؛ لتحلا بالمفاوضات الخاصة ما يكون بينهما من المشكلات، على أن يطَّلع مجلس الأمن بين حين وحين على ما تتكشف المفاوضات عنه من اتفاق أو اختلاف.
ومعنى ذلك أن روسيا ظفرت في هذه القضية، فروسيا هي صاحبة القوة والبأس، والمفاوضات بين الأقوياء والضعفاء معروفة النتائج. وليس من المحقق أن روسيا تريد أن تعتدي اعتداءً عنيفًا مكشوفًا على إيران. وأكبر الظن أن روسيا تريد أن تحتاط لمصالحها السياسية والاقتصادية، وأن تمسك إيران في هذا البدع القديم الجديد الذي يُسمَّى مناطق النفوذ.
النتيجة الثانية: أن هذه القضية الإيرانية أتاحت لروسيا أن تحاسب حليفتها الغربية بريطانيا العظمى حسابًا لا يخلو من عسر، وأن تعرض المشكلات الخطيرة التي تواجه بريطانيا العظمى على الرأي العالمي العام عرضًا لا يخلو من عنف؛ فقد أثارت روسيا القضية الثانية؛ وهي قضية اليونان. وقد يظن بعض الناس أن روسيا أخفقت في هذه القضية؛ فقد اشتد الجدل حولها، وتحرجت الأمور، ووقف الحليفان موقفًا يوشك أن يكون عدائيًّا، ثم نزلت روسيا آخر الأمر عن اقتراحها، وانتهى المشكل عند هذا الحد في ظاهر الأمر.
ولكن المحقق أن العالم قد وقف على ما بين الحليفين من اختلاف أولًا، وأن المياسرين من الشعب اليوناني قد تشددوا في موقفهم وقرروا مقاطعة الانتخابات، إلا إذا أُجيبوا إلى ما فرضوا من الشروط؛ فالمسألة اليونانية لم تنتهِ بعدُ، وليس أمرها خفيًّا على الناس ولا على الشعب اليوناني نفسه.
ثم أتاحت القضية الإيرانية لأوكرانيا أن تثير في مجلس الأمن قضية إندونيسيا، وقد طالت المناقشة في هذه القضية وتعقدت واشتد تشعبها، وانتهت أمس برفض ما طلبت أوكرانيا، ولكن روسيا قد انتهت من ذلك إلى ما كانت تريد؛ فهي أظهرت ما بين الحليفين العظيمين من اختلاف، وأظهرت أسباب هذا الاختلاف، ووقفت نفسها موقف المدافع عن الشعوب الضعيفة، المطالب لها بالحرية والاستقلال. وقد يكون هذا صحيحًا وقد لا يكون، ولكن الشيء الذي لا شك فيه أن الشعوب لا تُحقق ولا تُدقق ولا تَستقصي، وهي إذا احتاجت إلى المعونة التمستها حيث تجدها، وهي ترى أن روسيا تُظهر عطفًا وتأييدًا لها؛ ولهذا كله نتائجه البعيدة.
وأكبر الظن أن روسيا إنما ترمي إلى هذه النتائج البعيدة أكثر مما ترمي إلى أي شيء آخر، فلم تكن روسيا من السذاجة بحيث تظن أن البريطانيين سيسحبون جنودهم من اليونان أو من إندونيسيا، وإنما هي سياسة وخز الإبر من ناحية، والتحبب إلى الشعوب الضعيفة من ناحية أخرى.
وهناك قضية رابعة عُرضت على مجلس الأمن، وهي قضية سوريا ولبنان، وواضح أن روسيا ستقف فيها موقف التأييد لإخواننا السوريين واللبنانيين، إلا إذا حلت هذه القضية بالمفاوضة، ولم يحتج المجلس إلى أن ينظر فيها؛ فالشيء الذي ليس فيه شك هو أن مجلس الأمن — الذي أُنشئ ليكفل السلم، ويضمن للشعوب حقها في الحرية والعدل المساواة — أظهر إلى الآن أنه قادر على شيئين اثنين؛ الأول: تمكين الدول الكبيرة من أن ينافس بعضها بعضًا، ويهتك بعضها ستر بعض، والثاني: تمكين هذه الدول الكبيرة من أن تستمسك بما في يدها من البأس والسلطان، وأن تحتفظ بجنودها حيث تشاء.
وستكون القضية السورية اللبنانية اختبارًا نهائيًّا لمجلس الأمن، أو لنيَّات الدول الكبرى، فإن صدقت هذه النيَّات جلا البريطانيون والفرنسيون فورًا عن هذين القطرين، وإن لم تصدق، وكان مجلس الأمن جادًّا منتجًا، أكْرَه البريطانيين والفرنسيين على هذا الجلاء، فإن لم يفعل زال كل شك في النفوس، واستيقنت الشعوب الضعيفة أن كل ما يجري في لندرة ليس إلا لعبًا.
هذا بعض ما يجري هناك، فأما ما يجري هنا فطريف لا يخلو من فكاهة، وإن كانت فكاهة مرة مؤذية؛ فلمصر وفد في جماعة الأمم المتحدة، وهذا الوفد يمثلها كذلك في مجلس الأمن، بعد أن انتخبت عضوًا فيه، ولكن مصر — حكومةً وبرلمانًا وشعبًا — لا تكاد تعرف من سياسة هذا الوفد في لندرة شيئًا، وإنما هي تتلقى المفاجآت تأتيها بها الأخبار ذات صباح أو ذات مساء، فتضطرب ويختلط عليها الأمر، وتمتلئ الصحف ضجيجًا وعجيجًا، ويمتلئ البرلمان إنكارًا واحتجاجًا، ويستقيل بعض الوزراء، ثم تهدأ العاصفة وتستقر الأمور كأن لم يكن شيء.
وقع هذا حين صرَّح وزير الخارجية بما صرَّح به، حتى ظن الناس أن كل شيء قد زال من موضعه، ثم استقرت الأمور وانتُخب وزير الخارجية قاضيًا في محكمة العدل، فأرسل إليه رئيس الوزراء تهنئته وتهنئة زملائه، وتقديره وتقدير زملائه، ومنهم الذين كانوا مستقيلين.
ووقع هذا حين تحدث ممدوح بك رياض في مجلس الأمن؛ فاضطربت الصحف، وضجَّ البرلمان، واحتج قوم بما نشرت «الأهرام»، واحتج رئيس الوزراء بما نشرت «البروجريه»، وقالت «الأهرام»: إن ما نشرته هو الصحيح، وعزته إلى مصدره المسئول، ولم تقل «البروجريه» شيئًا إلى الآن.
والمهم هو أن سمعة مصر السياسية قد تعرضت لشر عظيم. قال وزير الخارجية إن مجلس الأمن غير مختص بشئون البلاد العربية، فقررت سوريا ولبنان عرض قضيتهما وقضية فلسطين على مجلس الأمن. ومعنى ذلك أنهما رفضا رأي وزير الخارجية المصرية، ويقال: إن بعض الحكومات العربية قد احتجت على هذا الرأي، ومعنى ذلك أيضًا أن وحدة الجامعة العربية قد تعرضت لشيء من الشر، فقال راديو موسكو: إن عاصمتها انتقلت من القاهرة إلى بغداد، وقالت جريدة الموند — وهي كبرى الصحف الفرنسية: إن ممثل مصر في مجلس الأمن قد لا يستطيع أن يؤيد سوريا ولبنان؛ لأنه قد يُسأل عن موقف البريطانيين في مصر.
ثم تحدث ممدوح بك رياض، فلم يزد على أن أظهر مصر مؤيدة للإنجليز والهولنديين تأييدًا ملتويًا، ولكنه تأييد على كل حال. وكان الحق على مصر أن تكون أسرع إلى تأييد إندونيسيا من أوكرانيا، وكان الحق على ممدوح بك رياض أن يكون أسرع إلى تأييد الشعب الإندونيسي من الرفيقين مالولوسكي وفيشنسكي، وكان الحق على الحكومة المصرية أن ترسم الخطة دقيقة مفصلة لممثليها، وأن تكون على علم دقيق مفصل بما يقول هؤلاء الممثلون وما يعملون.
ولكننا حين نريد أن نعتذر عن الحكومة المصرية ونحسن الظن بأعضائها وممثليها — لأنهم مصريون آخر الأمر — نضطر مع الأسف الشديد إلى أن نعتذر منهم بما لا يسرنا ولا يرضيهم؛ وهو أنهم حديثو عهد بالسياسة الدولية لم يَمرَسوا بها، ولم يُمرَّنوا عليها؛ فهم يتورطون في الخطأ المؤلم بين حين وحين.
ليتنا لم نُنْتخَب في مجلس الأمن هذا العام! -
ذات الرءوس
ذات الرءوس
طه حسين
جريدة البلاغ
٧ فبراير ١٩٤٦
هي وزارتنا الرائعة البارعة، كانت لها رءوس ثلاثة إلى أمس، فنقل منها مجلس الأمن رأسًا ليضعه في محكمة العدل الدولية، وعادت الوزارة ذات رأسين بعد أن كانت ذات رءوس ثلاثة. وقد تبقى ذات رأسين اثنين، وقد يُضاف إليهما رأس ثالث مكان الرأس الذي نُقِلَ إلى لاهاي، يختلف ذلك باختلاف الوزير الذي سيُختار لوزارة الخارجية إن أُتِيحَ لهذه الوزارة أن تبقى، وأن تُعدَّل، وأن يُختَار للخارجية فيها وزيرٌ جديدٌ.
والقراء يعرفون بالطبع قصة ذلك الكائن الخرافي الغريب الذي كان يحمل رءوسًا سبعة، لا يكاد عدوُّه يقطع منها رأسًا إلَّا نبت مكانه رأس آخر، ولكن عدوًّا من أعدائه عرف مقتله فقضى عليه. وكان من الممكن أن تكون وزارتنا كذلك الكائن لها رءوس بمقدار ما فيها من الوزراء، ولكن ثلاثة من وزرائنا ليس غير استطاعوا أن يكونوا رءوسًا، وأدرك الخمول أو التواضع سائرهم، فقنعوا بأن يظلوا أعضاء يعملون في المرافق المختلفة لهذه الأمة السعيدة بهذا العهد السعيد.
فأمَّا الرءوس الثلاثة فمعروفون: أحدهم رئيس الوزراء، والرئيس مشتق من الرأس، فهو رأس بطبعه وإن كان كغيره من رءوس الوزارات المصرية يعمل رأسًا ويدًا، فهو رأس للوزارة حين يجلس في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء، وهو يد للوزارة حين يجلس في مكتبه بوزارة الداخلية، أو قُلْ إنه يدان: يد يمنى حين يذهب إلى وزارة الداخلية، ويد يسرى حين ينوب عن وزير الخارجية أثناء غيابه في لندرة. وقد كان يدًا ثالثة بين اليمين واليسار وقتًا ما حين ذهب وزير العلم والعرفان إلى السودان.
أمَّا الرأس الثاني لهذه الوزارة فهو هذا الذي اقْتُطِعَ منها أمس ونُقِلَ مما بين كتفيها إلى كرسي من كراسي محاكم العدل. فقد كان رأسًا أي رأس، كان رأسًا مرفوعًا في القارات الثلاث في أفريقيا حين كان يختلف إلى مكتبه بمصر، وفي أمريكا حين كان يرأس وفدنا في سان فرنسسكو، وفي أوروبا حين كان يرأس وفدنا في لندرة. وقد كاد أن يكون رأسًا في قارة رابعة حين ذهب إلى الحجاز مؤديًا فريضة الحج، لولا أن الوزارة استعارت يدًا من أيديها فجعلتها رأسًا من رءوسها وقتًا ما حين كان وزير الصحة أميرًا للحج.
مهما يكن من شيء، فقد كان وزير خارجيتنا رأسًا ثانيًا من رءوس الوزارة، له الخطر كل الخطر، وبه معقد الأمل كل الأمل، أمل مصر أولًا وأمل البلاد العربية ثانيًا، وأمل البلاد الإسلامية بعد ذلك. فقد انتُخِبَ في مجلس الأمن، ولم تُنتخَب فيه تركيا ولا إيران. وهو قد حقق هذه الآمال كلها على أحسن وجه وأكمله، وما كان ينبغي له أن يفعل غير ذلك، فهو فقيه متعمق للفقه، وهو قاضٍ متمكن في القضاء، وهو سياسي ممتاز في السياسة، وهو من أجل ذلك يأتي البيوت من أبوابها ولا يأتي البيوت من ظهورها، وهو من أجل ذلك يفتح الأبواب فيحسن فتحها ويغلق الأبواب فيحسن تغليقها. وقد أغلق باب مجلس الأمن في وجه مصر وفي وجه البلاد العربية الأخرى.
فأمَّا مصر فقبلت حكمه ونزلت عند رأيه، ووقفت أمام الباب المغلق ترمقه مستخذية وتنظر إليه متهالكة، ترفع رأسها لتفضه وتفض رأسها لترفعه، أو قل إنها ترفع رأسًا وتفض رأسًا، فقد كان لها في ذلك الوقت رأسان في مصر، يرتفع أحدهما في رياسة الوزراء فينخفض الآخر في حزب الكتلة، ويرتفع أحدهما في دار مكرم باشا فينخفض الآخر في رياسة الوزارة.
والشعب المصري واقف موقف النظارة، يعجب بهذين الرأسين اللذين لا يرتفع أحدهما إلَّا انخفض أحدهما الآخر. والشيء المهم هو أن رأس وزارتنا الثالث قد غلق أبواب مجلس الأمن فأحسن تغليقها، فمصر وغيرها من البلاد العربية أهون شأنًا من أن تُهَدِّد السلم. وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها، ومصر وغيرها من البلاد العربية لا تشكو من شيء أعقبته الحرب، وإنما تشكو من عاهات مستديمة وعلل مقيمة نشأت قبل أن تشب الحرب، وإذن فلن ينظر مجلس الأمن في شئونها.
وقد جعل رأس من رءوس الوزارة المصرية يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا وبكاءً محتجًّا على تغليق الأبواب، وجعل الرأس الآخر يملأ الجو ثناءً ودعاءً رضًا بتغليق الأبواب، وجعل الرأسان يختصمان وإن حملهما جسم واحد، وجعل أعضاء هذا الجسم يستجيبون لهذا الرأس مرة فيصيحون وينوحون ويستجيبون لذلك الرأس مرة فيحمدون ويشكرون. فأمَّا البلاد العربية الأخرى، فقد هزَّت رءوسها ورفعت أكتافها، وأعرضت عن الوزارة المصرية ورءوسها الثلاثة، وحطمت الأقفال واقتحمت الأبواب، وعرضت على مجلس الأمن شئون سوريا ولبنان، ثم قررت أن تعرض على مجلس الأمن شئون فلسطين، وأثبتت بذلك أن جماعة الأمم العربية متضامنة كل التضامن، وأن مصر تنوب عنها فتحسن النيابة في مجلس الأمن، وأن الأمور تجري في هذا الجزء من ساحل البحر الأبيض المتوسط على خير ما تجري عليه الأمور.
وعلى كل حال فقد عرفنا لوزارتنا رأسين بارزين يعملان فيحسنان العمل، ويقولان فيحسنان القول. أحدهما يملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، يعلن في مجلس الشيوخ مثلًا أنه يحفظ الأمن فيحسن حفظه، وفي نفس الوقت الذي كان يعلن فيه ذلك كانت عصابة من المجرمين تُغِير على قطار قريبًا من القاهرة فتثخن حفظة البريد جراحًا وتشد وثاقهم وتأخذ ما تستطيع أخذه من المال وتنصرف موفورة لم تلقَ كيدًا؛ لأن رأسًا من رءوس الوزارة المصرية أو لأن الرأس الأول من رءوس الوزارة المصرية قد ملأ مصر حزمًا وعزمًا وسلامًا وأمنًا، وأعلن ذلك في مجلس الشيوخ.
وعرف المصريون رأسًا ثانيًا من رءوس وزارتنا قد قال في لندرة فأحسن القول وعمل فيها فأحسن العمل، شرَّفَ مصر بين الأمم فانتُخِبَتْ في مجلس الأمن، وأضعف التضامن بين الأمم العربية فذهب في ناحية وذهبت الأمم العربية في ناحية أخرى، وعرف العالم كله له هذا الفضل وهذا التفوق، فانتخبه قاضيًا في محكمة العدل.
فأمَّا الرأس الثالث من رءوس وزارتنا، فأمره عجب أي عجب، هو الرأس الذي يحسن التنغيص على الرأسين الآخرين وعلى أعضاء الوزارة، يصيح في غير أبان الصياح حتى إذا نغص على أصحابه يَوْمَهم، وأرَّق عليهم نَوْمَهم، وأقضَّ عليهم مضاجعهم سكت فجأة كأنه لم يأتِ حركة ولم يرفع صوتًا. كل همه أن يملأ الأرض صياحًا، وليس من همه أن يعمل شيئًا، يُقْدِم لِيُحْجِم، ويهجم لينهزم، ويحتج ليستكين، لا يريد إقدامًا ولا هجومًا ولا احتجاجًا، وإنما يريد تنغيصًا وتأريقًا وإقلاقًا. هو رأس نشيط لا يستطيع أن يستريح، ولا يريد أن يريح.
له في كل يوم استقالة، وله في كل يوم عدول عن الاستقالة، وهو قد تحدث باسم الوزارة. كان رأسها الأول متعبًا يوم الثلاثاء، وكان رأسها الآخر غائبًا في لندرة؛ فتحدث نائبًا عن الرأسين أو مستبدًّا بأمر الرأسين.
ولست أدري، أرضيَ الرأسان عما قال طوعًا واختيارًا أم قسرًا وقهرًا. فأمَّا الرأس الغائب فلم يَرْضَ ولم يسخط؛ لأنه لم يسمع مما قيل شيئًا. فأمَّا الرأس الحاضر فقد كان يود في أكبر الظن أن يخرج بالصمت من لا ونعم؛ لأنه يؤثر الصمت ويهواه، ولكن الماكرين من الشيوخ سألوه فأحرجوه، سألوه أيقر ما قال الرأس الثاني، ولم يكن يستطيع إلَّا أن يجيب: نعم. وهل كان يستطيع أن يقول إنه لا يتشدد في الجلاء الكامل عن برِّ مصر وجوِّها وبحرِها؟! وهل كان يستطيع أن يقول إنه سيستفتي سكان السودان في أمر السودان ورأسه المكرمي يقيد الحكومة أشد التقييد، فيعلن أن الحكومة لا ترضى بأقل من الجلاء الكامل عن البرِّ والبحرِ والجوِّ، ولا تقبل استفتاء في السودان مهما تكن الظروف؟!
كان رئيس الوزراء يستطيع أن ينكر شيئًا من ذلك! أشهد لقد انتصر الرأس المكرمي على الرأسين الآخرين انتصارًا مؤزرًا في مجلس الشيوخ، فقد أنكر الرأس النقراشي الأول وزير الخارجية كل الإنكار، وأعلن أن الحكومة المصرية ترى من حقِّها أن تعرض قصتها على مجلس الأمن إذا لم تتفق فيها مع الإنجليز، ثم أعلن أنه يقر الرأس المكرمي على ما قال من المطالبة بالجلاء كاملًا شاملًا، ومن رفض الاستفتاء مهما تكن الظروف.
ومع ذلك فقد نصَّت المذكرة المصرية على أن وزارتنا تريد أن تفاوض في مسألة السودان مستوحية أماني السودانيين. فمن أين تُستوحَى هذه الأماني من السودانيين أنفسهم فهو الاستفتاء، وقد قال الرأس المكرمي غير الحق من غير السودانيين، فهي لا تستوحي شيئًا، وقد قال الرأس النقراشي للإنجليز غير الحق.
وإذن؛ فالسفينة التي يقودها ربانان مضطرة إلى الغرق، والجسم الذي رُكِّب بين كتفيه رءوس ثلاثة لا يستطيع أن يعيش إلَّا في عالم الأساطير والأعاجيب. ومصر جزء من عالم الأساطير والأعاجيب منذ أقدم العصور.
ولكن أعجوبتنا المصرية الحديثة الرائعة — وهي الوزارة ذات الرءوس الثلاثة — لا تمتاز برءوسها هذه المثلثة وحدها، بل تمتاز بشيء آخر لست أدري أين أضعه من جسمها العجيب، أأضعه موضع الذنب فتكون وزارة مذنبة أم أضعه موضع الأنف فتكون وزارة ذات أنف ممتاز؟! وقد قال شاعرنا القديم:
قوم هم الأنف والأذناب دونهمو ومن يساوي بأنف الناقة الذنبا؟!
فأين تحب الهيئة السياسية أن تضع نفسها من هذا الجسم الوزاري العجيب؟! أمَّا هي فتريد أن تكون أنفًا أو أنوفًا، ولست أكره لها ذلك وإن لم يَرْضَ البرلمان وإن لم يَرْضَ الدستور، وأمَّا الوزارة فتريد أن تضعها موضع الذنب، وإن ضاقت بذلك كرامتها ولم يَرْضَ به مركز أعضائها الممتاز.
مهما يكن من شيء، فلتضع الهيئة السياسية نفسها حيث شاءت، ولتضعها الوزارة حيث شاءت، وربما كان خير الحلول أن تكون أنفًا حين يجد الجد وتتحرج الأمور، وأن تكون ذَنَبًا حين يُحاس الحيس وحين تجري الريح رخاءً.
والشيء الذي لا أشك فيه ولا يشك فيه أحد هو أن صدقي باشا غاضب. كان يريد أن تكون الهيئة السياسية أنفًا كما كانت في شهر سبتمبر وفي شهر ديسمبر، ولكن الوزارة جعلتها ذنبًا بعد أن جاء الرد البريطاني، فلم تدعها إلى الآن لسبب غير مفهوم كما يقول صدقي باشا في الأهرام صباح اليوم. وغضب صدقي باشا يخيف أحيانًا ولا يخيف أحيانًا أخرى، على أنه ليس غاضبًا للهيئة السياسية وحدها، بل هو غاضب لمجلس النوَّاب أيضًا، فقد أُجِّلت مناقشة المفاوضات إلى وقت بعيد في مجلس النواب.
وصدقي باشا غاضب على الحكومة التي تقبل المحادثات، مع أن الأمر لا ينبغي أن يُقبَل فيه إلَّا المفاوضات، والقارئ الذكي يفهم أن المفاوضات شيءٌ تُؤلَّف له الوفود التي تذهب إلى لندرة، والتي يمكن أن يكون فيها صدقي باشا، وأن تكون الهيئة السياسية فيها أنفًا. أمَّا المحادثات فشيءٌ تستأثر به الوزارة، ولا يشارك فيه صدقي باشا، ولا تكون الهيئة السياسية فيه إلَّا ذنبًا. وإذن فصدقي باشا غاضب، والسؤال الخطير الآن هو: هل تخاف الحكومة من غضب صدقي باشا فترضيه وتغضب الإنجليز برفض المحادثات أم تسخر الحكومة من غضب صدقي باشا هذه المرة فتسوءه وترضي الإنجليز بقبول المحادثات؟!
وهناك حل بديع فيما أعتقد يريح الناس جميعًا. فقد قطع مجلس الأمن أمس رأسًا من رءوس الوزارة، فأي بأس على الوزارة من أن تقطع الذَّنَب إن كانت الهيئة السياسية ذَنَبًا؟! وما أكثر الوزارات التي تعيش ولا أذناب لها، ومن أن تجدع الأنف إن كانت الهيئة السياسية أنفًا! وما أكثر الوزارات التي تعيش وأنوفها مجدوعة!
كل شيء يمكن، قد استطاعت وزارتنا أن تعيش برءوس ثلاثة، وهي الآن تعيش برأسين اثنين، فما يمنعها أن تعيش بغير ذنب؟! وما يمنعها أن تعيش بغير أنف؟! بل ما يمنعها أن تعيش بغير أنف ولا ذنب؟! بل ما يمنعها أن تعيش برءوس كثيرة جدًّا، وذلك يسير؟!
يُقال إن التعديل الوزاري قريب، فليصبح أعضاء الهيئة السياسية كلهم وزراء، ولتعِشْ وزارتنا بعشرين رأسًا لا برأسين اثنين، ذلك أجدر أن يُضْحِك المصريين. وما أشد حاجة المصريين إلى أن يضحكوا في هذه الأيام! -
ماذا؟
ماذا؟
طه حسين
جريدة البلاغ
٢٢ فبراير ١٩٤٥
يُقال في المثل الفرنسي: «الصحو بعد العاصفة.» ويُقال في المثل العربي: «عند الصباح يَحمَد القومُ السُّرَى.» والشيء المحقق هو أن العاصفة لم تهدأ بعد، وأن الصباح لم يُشرق بعدُ وإن كانت تباشيره تلوح من بعيد.
ولست أريد بالعاصفة عاصفة الحرب، ولا بالصباح صباح السلم الذي سيسفر عند إمضاء الهدنة؛ فذلك شيء لا شأن لي به في هذه الأحاديث، وإنما أريد العاصفة السياسية، وأريد الصباح السياسي. ومن الواضح أن العاصفة السياسية التي تسبق الهدوء والصحو ما زالت شديدة الاضطراب والاختلاط، وأن صباح الوفاق لم يستطع بعدُ أن يطرد ظلمة الاختلاف.
وأظن القارئ قد سئم هذه المجازات والاستعارات الرخيصة، وأظنه يتعجل الوصول إلى الكلام الواضح المفهوم. والكلام الواضح المفهوم هو أن أمور السياسة الدولية قد تكون جلية كل الجلاء في نفوس المستر تشرشل، والمستر روزفلت، والماريشال ستالين، والجنرال دي جول، والذين يتصلون بهم اتصالًا قريبًا جدًّا، ولكنها غامضة أشد الغموض بالقياس إلى أمثالنا من عباد الله المساكين الذين لا يَطَّلعون على دقائق الأمور ودخائلها. وآية ذلك أن الأسبوع الماضي تكشَّف عن تلك القرارات التي أصدرها الثلاثة في مؤتمر القرم، والتي لم تبين للناس إلا اتجاهين اثنين؛ أحدهما واضح كله الوضوح، وهو ما يتصل بالسياسة الروسية في شرق أوروبا، والثاني غامض كل الغموض، وهو ما يتصل بسياسة الأجزاء الأخرى بهذا العالم البائس.
أمَّا السياسة الروسية في شرق أوروبا فبسيطة جدًّا، فحدود بولندا يجب أن تتغير، وقد تقرر تغييرها، ورومانيا وبلغاريا يجب أن تعيشا في ظل الصداقة الروسية، وهما تستظلان بهذا الظل الوارف، وتشكوسلوفاكيا يجب أن تسترد استقلالها معتمدة على الجيش الروسي. والحلف الروسي والجيش الروسي يعملان لتحرير تشكوسلوفاكيا. والحلف الروسي قائم منذ زمن بعيد. وأما فيما عدا هذه الأقطار من أوروبا ومن العالم كله، فالأمور غامضة تحتاج إلى كثير من التوضيح، وقد يُقال إن ميثاق الأطلنطي كفيل برد الأمور في بقية العالم إلى نصابها، ولكن ميثاق الأطلنطي قد أصبح مرشدًا لا قاعدة كما أنبأنا المستر تشرشل أمس في مجلس العموم؛ فهو إذن مصباح قد يقوى نوره وقد يضعف حسب ما يكون من اشتداد العواصف وهدوئها. وليس أدل على غموض الأمر واشتداد العاصفة، التي تبشر بالهدوء القريب أو البعيد، من هذين الأمرين اللذين لا يتحدث العالم في هذه الأيام إلا بهما، وهما الصلات بين فرنسا وأمريكا من جهة، والصلات بين الشرق العربي وأوروبا وأمريكا من جهة أخرى.
فأما الصلات بين فرنسا وأمريكا، فقد كان الناس يعلمون منذ زمن بعيد أنها لم تكن يسيرة، ولا سهلة، ولا بريئة من بعض التعقيد؛ لأن مذهب الجنرال دي جول في السياسة الصريحة الحازمة التي تواجه الأمور مواجهة الصرامة والجد، وتسلك إليها الطرق المستقيمة لم يكن يعجب الأمريكيين. وقد غلا بعض الناس فزعموا أن هناك شيئًا من الفتور الشخصي بين الجنرال دي جول والمستر روزفلت، ولكن هذه الأحاديث ليست بذات الخطر، وقد التقى الزعيمان السياسيان غير مرة في الدار البيضاء، وفي واشنطون، ولكن الأمور بين أمريكا وفرنسا الجديدة لم تبلغ قط ما كان يُنتظر أن تبلغه من هذه الاستقامة التي تلائم الصداقة التقليدية التي تصل بين البلدين منذ أواخر القرن الثامن عشر.
وليس المهم أن نبحث عن الأسباب التي غشت هذه الصداقة بغشاء قاتم نرجو أن يزول، وإنما المهم أن يلاحظ أن فرنسا مغضبة لأنها لم تُدع إلى مؤتمر القرم، بعد أن سبقت إليها وعود كثيرة بأنها ستُعامل منذ تحريرها كما كانت تُعامل قبل إعلان الحرب التي ضحَّت فيها بوجودها تقريبًا. وقد أظهرت غضبها هذا بما أعلنه الجنرال دي جول، بأن فرنسا لن ترتبط بأي قرار في الشئون العالمية إلا إذا درسته، وناقشت فيه، وانتهت إليه عن روية حرة، وبصيرة مستقلة؛ فهي ترفض أن تُملى عليها القرارات إملاء، لا فيما يتصل بها فحسب، بل فيما يتصل بالشئون العالمية أيضًا.
ومن أجل ذلك تلقت فرنسا قرارات القرم بكثير جدًّا من التحفظ والاحتياط، ثم كانت هذه الدعوة التي وجهها المستر روزفلت إلى رئيس الحكومة الفرنسية المؤقتة، والتي طلب فيها أن يلتقيا في الجزائر، فاعتذر الجنرال دي جول في لطف فرنسي من قبول هذه الدعوة، وكان عذره أن الأمور العامة في فرنسا لا تمكنه من ترك باريس، وأن فرنسا لا تزال تنتظر أن يزورها رئيس الولايات المتحدة؛ لأنها دعته إلى هذه الزيارة منذ شهر نوفمبر.
وقد وقع هذا الاعتذار من نفس المستر روزفلت موقعًا لا يخلو من بعض الألم، ولا يخلو كذلك من خيبة الأمل؛ فقد كان يريد فيما يقول البلاغ الرسمي أن يدرس مع الجنرال دي جول بعض المسائل الخطيرة التي تعني الدولتين. وكان وقع هذا الاعتذار في الرأي العام الأمريكي شديدًا جدًّا، حتى وُصف التصرف الفرنسي بالجفوة والغلظة والبعد عن الذوق. وكل هذه عواصف ستنتهي إلى الهدوء، وهي سحب مهما تثر في الشتاء فستتقشع كما تتقشع سحب الصيف، ولكنها تدل على شيء واحد؛ وهو أن جو السياسة العالمية بعيد كل البعد عن الصفو والصحو جميعًا.
أمَّا الصلات بين الشرق العربي والغرب الأوروبي الأمريكي، فليست أدنى إلى الوضوح والجلاء من أمر الصلات بين فرنسا وأمريكا. والدليل على ذلك أن الناس يتكلمون فيكثرون الكلام في هذا الأمر دون أن ينتبهوا إلى شيء صريح. ومن الواضح أن اجتماعات عظيمة الخطر قد كانت في الأسبوع الماضي بمصر، وأن اجتماعات أخرى خطيرة لا تزال متصلة في القاهرة، وأن رئيس وزرائنا قد تحدث في مجلس النوَّاب بشيء من الإشارة والرمز، وأنه يستقبل من يستقبل، ويدعو من يدعو، ويجمع الوزراء اجتماعًا يوشك أن يكون متصلًا، وأن الإشاعات قد كثرت واختلطت وتناقضت، وأن الصحف تحدثنا اليوم بأن البرلمان قد يعقد جلسة سرية يوم السبت يسمع فيها بيانًا من رئيس الوزراء، وأن البرق يحدثنا بأن المستر تشرشل قد يلقي بيانًا في مجلس العموم عن شئون الشرق العربي.
وكل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أحداثًا خطيرة غامضة تريد أن تحدث، ولكن ما عسى أن تكون هذه الأحداث؟ علم هذا عند الذين يصرفون السياسة في الشرق والغرب، والذين يتصلون بهم من قريب، ومع ذلك فهناك أشياء يحسن أن تُقال، ويحسن أن يتنبه إليها المصريون تنبهًا دقيقًا شديدًا متصلًا، فإن هذه الأحداث التي تريد أن تحدث تتصل بتحقيق الأماني القومية فيما يُقال، والأماني القومية معروفة جدًّا، واضحة كل الوضوح، لا يختلف فيها المصريون مهما يكن بينهم من خصومة؛ فهم جميعًا يريدون أن يكون استقلال مصر خالصًا من كل شائبة، وهم جميعًا يريدون أن تجلو الجيوش البريطانية عن مصر جلاءً فعليًّا تامًّا، وهم جميعًا يريدون إذا ذكروا مصر أن يكون السودان جزءًا من أجزائها المقومة لها، ليس بينها وبينه فرق قليل أو كثير.
هذه أمور يتفق عليها المصريون جميعًا ويفهمونها إذا ذُكرت الأماني القومية، وإذا ذُكرت الأهداف الوطنية، فما عسى أن يكون أثر هذه الأحداث التي تريد أن تحدث في هذه الأهداف، وفي هذه الأماني؟ أو ما عسى أن تكون الجهود التي يُراد أن تُطلب إلى مصر بعد الجهود التي بذلتها مصر؛ لتبلغ هذه الأهداف، وتحقق هذه الأماني. وكيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض قبل أن ترتبط بما يقيد مستقبلها، أو قبل أن تخطو خطوات حاسمة في تاريخها؟ كيف يمكن أن تظهر مصر إرادتها في هذا كله وهي خاضعة لظروف الحرب وما تقتضيه من الأحكام العرفية ومن الرقابة على ما يكتب وما يُقال؟
وملاحظة أخرى يحسن أن تُقال أيضًا؛ فقد كان رئيس الوزراء يدعو إلى أن تشارك مصر في الحرب حين كانت الحرب قريبة من مصر، وحين كانت المشاركة فيها تعرِّض مصر لكثير من الهول، وكنت أنا من القليلين الذين كانوا يشاركونه في هذا الرأي والدعوة إليه، ولكن مصر لم ترد حربًا، وآثرت تنفيذ المعاهدة في صدق ونصح وإخلاص، وشكَر حلفاؤها لها هذا الصنيع.
وقد يُقال الآن: إن مصر قد تشارك في الحرب بعد أن بعدت عنها، فهل يُؤذن في أن نقول: إن هذه المشاركة في الحرب بعد أن بعدت أخطارها لا تلائم ما نحب لمصر من الكرامة، والارتفاع عن مسلك إيطاليا مع فرنسا. وقد يُقال: إن مصر إن شاركت في الحرب فإنما تشارك فيها لتقول كلمتها في مؤتمر الصلح. ولكني أحب أن أكون صريحًا، فقد وَعَدَنَا حلفاؤنا البريطانيون بالمساعدة على أن نشترك في مؤتمر الصلح، فليبرُّوا بوعدهم، وما أحب أن أشتري شهود مؤتمر الصلح بإعلان الحرب بعد أن بعدت أخطار الحرب عن مصر. وقد رفضنا إعلان الحرب حين كان اشتراكنا فيها يمكن أن يكون أمرًا ذا خطر، وحين كان العدو في أراضينا، وحين كانت أسلحته الجوية تصب على بعض مدننا بعض الهول وبعض الدمار.
وقد يُقال: إنه لا سبيل إلى الاشتراك في مؤتمر الصلح إلا إذا اشتركنا في أعقاب الحرب، ويخيل إليَّ أننا قد اشتركنا في الحرب بالفعل بما بذلنا من جهد، وبما قدمنا من معونة، وبما احتملنا من أثقال، وقد سجل لنا حلفاؤنا هذا كله، فلماذا يراد حملنا على ما لا نحب، وعلى ما لا نراه ملائمًا لرأينا في أنفسنا؟ أفْهَمُ أن يُطلَب الاشتراك في الحرب إلى الذين لم يبذلوا فيها جهدًا، ولم يحتملوا فيها تضحية، فأما نحن فلا ينبغي أن يطلب إلينا أكثر مما فعلنا.
وبعد، فماذا يراد أن نصنع في مؤتمر الصلح؟ وما المزايا التي سنكسبها من الاشتراك فيه؟ إن أمانينا وأهدافنا واضحة، وهي لا تؤذي أحدًا، ولا تنقص أحدًا حقًّا له، وإنما هي توفِّينا نحن حقوقنا. وليس يعنيني أن توفَّى مصر حقوقها في مؤتمر الصلح، أو في غير مؤتمر الصلح، وإنما الذي يعنيني هو أن تنال مصر هذه الحقوق، وأن تنالها كريمة موفورة؛ لأنها فعلت كل ما تستطيع أن تفعله لتظل كريمة موفورة.
هذا ما يتصل بأمر مصر، ولكن الأحاديث ليست مقصورة على مصر، إنما هي تتصل بالعالم العربي كله، وتتصل بالوحدة العربية أيضًا. وما أحب أن أخوض في هذا الحديث وساسة العالم العربي يفاوضون فيه، ولكن هناك ملاحظة لا ينبغي أن يهملها مصري؛ فقد أخذت الصحف البريطانية تلهج بأن أوروبا وأمريكا يجب أن تفاوضا منذ الآن اتحادًا عربيًّا مجتمعًا لا دولًا عربية متفرقة. وهذا كلام حسن لا غبار عليه حين تكون هذه المفاوضات في المسائل الاقتصادية والسياسية والثقافية العامة. فأما حين تكون المفاوضات متصلة بالاستقلال والسيادة الوطنية الخاصة، فيجب أن يكون مفهومًا ألا مندوحة لأوروبا عن مفاوضة الدول متفرقة، تؤيدها في هذه المفاوضة حليفاتها من بعيد أو من قريب.
ولمصر في هذه السياسة تقاليدها التي لا ينبغي أن تعدل عنها مهما تكن الظروف؛ فقد فاوضت مصر في استقلالها منذ القرن الماضي، وخطت في هذه المفاوضات خطوات ناجحة لا تخلو من روعة، وأيدها في هذه المفاوضات عطف العالم العربي، فهذا التقليد يجب أن يستمر، واستقلال مصر التام يجب أن تكسبه مصر، وأن تكسبه عزيزة كريمة، وألَّا تشتريه بثمن لا يلائم ما ترى في نفسها من ارتفاع المروءة وكرم الأخلاق، وأعود فأقول: إن الشعوب لا تقرر مصيرها في ظل الحكم العرفي والرقابة، وإنما تقرر مصيرها في ظل الحرية الكاملة التي يكملها ويحدها القانون العام. -
وصاية
حديث الوادي
… وصاية…
نحن مستقلون، ليس على استقلالنا غبار، فقد أُلغيت الحماية منذ أكثر من عشر سنين، وجيش الاحتلال المرابط في بلادنا صورة من الصور، وشكل من الأشكال، لا يخيف أحدًا، ولا يدخل في أمر من أمورنا، وإنما يرابط في مصر، كما يمكن أن يرابط في أي قطر آخر من أقطار الأرض، فالأرض كلها مباحة للإنجليز بإذن الله، لا فرق بين مصر وفرنسا وألمانيا وإنجلترا نفسها.
أُلغيت الحماية، ولا خطر لجيش الاحتلال، فنحن مستقلون. وأوضح الأدلة على استقلالنا، إن احتاجت الشمس الساطعة إلى دليل، أن لنا مندوبًا قد سافر منذ أيام من مصر، ووصل منذ أيام إلى باريس، وسيدخل بعد أيام في مفاوضات خطيرة مع هذه الدول الكبيرة التي تسمى فرنسا وإيطاليا وإنجلترا. وكيف تشك في استقلال بلد له وزير يهيئ للمفاوضات في باريس، ومندوب يفاوض بالفعل في باريس! وأي فرق بين هذا البلد الذي له وزير ومندوب في باريس، وأي بلد آخر من البلاد المستقلة، التي تعين السفراء، وترسل المندوبين، وتشترك في المؤتمرات، وتفاوض في المسائل الكبرى، فترضى وتأبى، وتقبل وترفض، وتجادل وتحاور، وتصل المفاوضات إن أرادت، وتقطعها إن أحبت، وتعلقها إن رأت منفعة في التعليق!
نحن إذن مستقلون، ما إلى الشك في ذلك من سبيل، ومن الحق أننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام مباشرة على يد صدقي باشا، أو على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا بالواسطة على يد السير برسي لورين، ورؤسائه في وزارة الخارجية البريطانية. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه، وإنما هو استعانة بالأصدقاء، والتجاء إلى وساطتهم، التي قد تنفع، وقد تفيد. ومن الحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، وأننا قبل أن نفاوض في مسألة الدين العام، في ظل وزارة الرجل الطيب مباشرة، على يد عبد الحميد بدوي باشا، فاوضنا فيها بالواسطة على يد المندوب السامي الجديد، فيما نشرت الصحف منذ أشهر. فعطف المندوب السامي الجديد على مصر واضح وضوح استقلال مصر. وهو من أجل ذلك لم يرد أن يعود إلى مصر دون أن يلم بباريس، فيشتري منها بعض ما يشتري في باريس، ويلقي فيها كلمة خير عند الساسة الفرنسيين لمصلحة هذا البلد العزيز، الذي أحبه المندوب السامي وكُلف به قبل أن يفارق الصين. ومن الحق أيضًا أن المندوب السامي السير ميلز لمبسون قد تطوع بهذه الوساطة وتفضل بهذا العطف قبل أن تتصل العلاقات بينه وبين رئيس وزرائنا الرجل الطيب، بل تفضل المندوب السامي بهذا العطف على مصر في وقت كان مغاضبًا فيه لرئيس الوزراء، لقصة الزيارة المشهورة. وكان خليقًا ألا يحفل بمصر ولا المصريين، ولكنه رجل كريم حليم، لم يحفل بهذه المغاضبة، ويأبه لفتور العلاقات، وسعى لمصلحة مصر على غير علم من مصر، وبغير تفويض من مصر مبالغة منه في إظهار العطف والمودة. ولكن هذا كله لا ينقص من استقلالنا، بل يزيد فيه. فإن الاستقلال لا يمنع الناس من أن يحبونا، ويعطفوا علينا. ومن يدري، لعل المندوب السامي إنما فعل ما فعل تقربًا إلى رئيس وزرائنا، وإيثارًا لاصطناع اليد عنده قبل أن يلتقيا، ويأخذا في أسباب المودة والإخاء. نحن إذن مستقلون. ليس على استقلالنا غبار، وليس المهم أن نجني ثمرات الاستقلال، ونضمن أننا لم ندفع إلا ورقًا، فهذا شيء يسير، لا خطر له ولا حساب. وإنما المهم أن نقول للناس: أنا مستقلون، وأن يصدق الناس ذلك، وأن يصدقوه في ظاهر الأمر على أقل تقدير. وأكبر الظن أن الناس يصدقوننا حين نتحدث إليهم عن استقلالنا، ولولا ذلك لما قبلت فرنسا وإيطاليا أن تفاوضهما مفاوضة الند للند، والنظير للنظير. وأكبر الظن أن مسألة الدين العام هذه لن تُحل في هذه السنة، لا لأن حلها عسير، بل لأننا فاوضنا فيها في لندرة عام الأول، وسنفاوض فيها هذا العام في مدينة باريس، ولا بد من أن نفاوض فيها العام المقبل في مدينة روما؛ لتشهد الدول الكبرى الثلاث التي نفاوضها بأننا مستقلون، وبأن لنا مندوبًا يشهد المؤتمرات. وآية أخرى على أننا مستقلون ليس على استقلالنا غبار، قصة المحاكم المختلطة، فقد كنا نستطيع أن نحل أزمتها بكلمة نقولها. ولكننا أبينا أن نفعل لا عجزًا منا عن حل الأزمة، ولا زهدًا منا فيه، بل حرصًا على أن نقول للناس إننا مستقلون. ذلك أن اتصال وزارة الخارجية بالدول الأجنبية، وصدور المذكرات منها إلى هذه الدول، ودعوة المؤتمرات إلى الانعقاد في مدينة القاهرة للمفاوضة في هذه الأزمة؛ كل هذه أمور لا تستقيم إلا للبلد المستقل الذي يعترف الناس كلهم باستقلاله. ولذلك آثر رئيس وزرائنا الرجل الطيب أن يضرب عصفورين بحجر، فيحلُّ أزمة المحاكم المختلطة، ويكره الدول على أن تفاوضنا فتعترف لنا بالاستقلال للمرة الأولى بعد الألف أو بعد الألفين.
ومن الحق أننا لم نخطُ خطوة في أمر هذه الأزمة دون أن نستعين بالمستشار القضائي الإنجليزي، ودون أن نسترشد برأي المندوب السامي البريطاني، بل من الحق أن رئيس وزرائنا الرجل الطيب لم يرد على الاستجواب في مجلس النواب، إلا بعد أن تحدث إلى المندوب السامي في أمر هذه الأزمة، كما قالت الصحف. ولكن هذا لا يمس الاستقلال، ولا ينقص من أطرافه؛ فالمستشار القضائي إنما وُجد ليستشار، والمندوب السامي صديق، ومن الذي يمنع الوزراء المستقلين من أن يستعينوا بالأصدقاء؟ هناك اعتراض يسوقه بعض الذين في قلوبهم مرض على استقلالنا هو هذه الزيارات التي زارها المندوب السامي لحدودنا الشرقية والغربية. فهؤلاء يرتابون في هذه الزيارات، ويشفقون منها على مظاهر الاستقلال، ولكنهم في هذا كله مسرفون، فالمندوب السامي كما قلنا صديق، يقيم في بلد صديق، فمن حقه علينا أن نظهره على ما في بلادنا، مما ترتاح إليه النفس، ويطمئن إليه القلب، ويأمن له الضمير من كل ما يخيف أو يريب. ولا خوف من حدودنا الشمالية، فالأسطول الإنجليزي الصديق قادر على حمايتنا إن عجزت أساطيلنا نحن عن هذه الحماية. ولا خوف من حدودنا الجنوبية، فالسودان كفيل بحمايتها إن عجزنا نحن عن هذه الحماية. فأما حدود الشرق والغرب، فأمرها مختلف، ولا بد لأصدقائنا المقيمين عندنا من أن يتعهدوها بالزيارة، ليعلموا أن لنا فيها قوًى لا تقهر، وحصونًا لا تقتحم، وليعيشوا بعد ذلك في بلدنا آمنين.
فأنت ترى أن هذا الاعتراض سخيف، وأن زيارة المندوب السامي لحدودنا لا تمس استقلالنا، ولا تعرضه لخطر. ومن الحق أن الممثلين الآخرين للدول الأجنبية لا يزورون حدودنا الشرقية ولا الغربية، ولكن هذا شأنهم هم، لا شأننا نحن. ومن الذي منعهم من هذه الزيارة؟ وأنت لا تشك في أن صداقة الممثل البريطاني لمصر أقوى ألف مرة ومرة من صداقة غيره من الممثلين السياسيين.
أما أنا فأتخذ هذه الأشياء كلها دليلًا واضحًا على الاستقلال الذي لا شك فيه. وأما غيري من المتحرجين، فيتخذها دليلًا واضحًا على الوصاية الإنجليزية، التي تقوم مقام الحماية بعد إلغائها. ولست أشك في أن القراء المنصفين سيقضون بالعدل بين خصومي وبيني في هذه القضية، وسيقولون كلمة الحق فيها، فيعلنون: أنا مستقلون، أو أنا خاضعون لوصاية الإنجليز…
طه حسين
حديث الوادي، ٩ يونيو ١٩٣٤.