Tag: Foreign policy

  • إقناع

    حديث الوادي
    إقناع…
    ظن رئيس الوزراء أنه سيصلى في مجلس النواب نارًا حامية حين يلقى الاستجواب حول أزمة المحاكم المختلطة. فاتخذ الأهبة، وأعد العدة، واحتاط للحريق، واصطنع كل ما كان يمكن اصطناعه من ألوان الحذر، حتى لا تمسه النار، ولا تمس وزارته، أو لا تؤذيه ولا تؤذيها إن مسه منها لهب أو شواظ.
    وتحدث الناس أنه إنما ذهب إلى الإسكندرية قبل النظر في هذا الاستجواب، فأقام فيها من الأيام ما أقام، ولقي فيها من لقي، وتحدث فيها إلى من تحدث إليه، ليدخر من جوها الحلو، ونسيمها العليل، ومن قربه من البحر ذخرًا، يمكنه من لقاء هذه النار الحامية، ويجعلها عليه بردًا وسلامًا.
    ثم تحدث الناس بأنه زار دار المندوب السامي صباح الأحد، مهنئًا بعيد صاحب الجلالة البريطانية، متحدثًا في بعض شؤون السياسة، ومنها أزمة المحاكم المختلطة واستجوابها في أكبر الظن، فأضاف من هذا الحديث ذخرًا إلى ذخر، وحيطة إلى حيطة. وذهب أمس إلى مجلس النواب هادئ القلب، فارغ البال، مستريح الضمير، مطمئنًا إلى أنه سيقتحم النار اقتحامًا، وسيخرج منها كما دخل فيها سالمًا موفورًا، لم يلحقه أذى، ولم يمسسه سوء. لأنه قرأ من العزائم، واتخذ من الطلسمات ما يعصمه من النار، ويجعله غير قابل للاحتراق. ثم اقتحم النار وخرج منها، مبتسمًا مبسوط الأسارير. ثم نظر إلى هذه النار، نظرة الواثق المطمئن، وألقى عليها «دشًا» باردًا كما يقولون! فإذا هي تتضاءل وتتضاءل؟ وتنكمش قليلًا قليلًا، حتى تدخل جحرها الذي خرجت منه، ويتفرق النواب نحو منتصف الليل، وهم يتساءلون: أقاظًا كانوا أم نيامًا؟ أحلمًا ما كانوا فيه أم علم؟
    والحق أني مهما أقل، ومهما أطل، ومهما أجمل، ومهما أفصل، فلن أقدر رئيس الوزراء حق قدره، ولن أوفيه ما هو أهل له من الحمد والثناء. فقد بذ نفسه أمس، وبذ الساسة المصريين جميعًا. وأظهر أن في كنانة مصر سهامًا، أو سهمًا واحدًا على الأقل، وأن في أغماد مصر سيوفًا أو سيفًا واحدًا على الأقل، وأن مصر تستطيع أن تثبت للحوادث والخطوب، وأن تلقى الأجانب محاربةً، واثقة بالفوز، أو مسالمة واثقة بالتفوق. فقد
    جمع الله لها في رئيس الوزراء شهاب حرب وصاحب رأي، قل أن يثبت له المحاربون وقل أن يثبت له المجادلون والمناظرون!..
    وأهم ما نلاحظه في رد رئيس الوزراء على الاستجواب أمس أنه رجل يحب العدل، ويكره الجور، ولا يريد للنواب أن يدخلوا فيما لا يعنيهم، ويعرضوا لما لا شأن لهم به، فأمر المحاكم المختلطة أمر دولي لا ينبغي أن يخوض فيه النواب، ولا أن يخوض فيه الشيوخ، وإنما هو موكول إلى الوزارة، مقصور عليها بحكم الدستور، فمن تعرض له من النواب أو الشيوخ أو خاض فيه، فهو مخالف للدستور وخارج عليه، ويجب أن يشكر المستجوبون لرئيس الوزراء أنه كان رفيقًا بهم، عطوفًا عليهم، فردهم إلى الصواب في غير عنف، وقد كان يستطيع، لو أراد أن يطلب إلى المجلس محاكمتهم لأنهم خرجوا على الدستور وأرادوا أن يخرجوا المجلس معهم على الدستور.
    ومعنى هذا الموقف الذي وقفه رئيس الوزراء أمس، ووقفه مرات أخرى قبل أمس، أن هناك رقابة مضروبة على البرلمان تحد سلطانه وتقص جناحه، وتنزع من اختصاصه كما يقولون أمورًا كان الناس يظنون أن من حقه أن ينظر فيها، ويمضي فيها قضاءه. والذي يعرفه الناس أيضًا أن مجالس النواب في بلاد الأرض كلها، تناقش في السياسة الخارجية، وتناقش في سعة وبسط وتفصيل، ولا يستطيع وزير من وزراء الخارجية، ولا رئيس من رؤساء الوزارات، أن ينكر عليها حقها في هذه المناقشة الواسعة المفصلة. والذي يعرفه الناس أيضًا، أن في مجالس النواب كلها لجانًا، تسمى لجان الشؤون الخارجية، وأن هذه اللجان، تراقب السياسة الخارجية من كثب، وتسمع الوزراء، وتسألهم وتخاصمهم في مجلس النواب، وتضطرهم في أحيان كثيرة إلى السقوط. هذا في أوربا، فأما في مصر، فالفقه الدستوري الجديد، لا يبيح لمجلس النواب أن يعرض لمسألة المحاكم المختلطة بالمناقشة، أو يتخذ فيها قرارًا. لأنها مسألة دولية، فأمرها إلى الوزارة وحدها.
    ولكن هناك سؤالًا نود لو يجيب عليه رئيس الوزراء ما رأيه، في المسألة المصرية، أدولية هي أم غير دولية؟ أيمكن أن يعرض لها النواب بالمناقشة، أم لا يمكن؟ ومسألة الدين العام، أيمكن أن يعرض لها المجلس أم لا يمكن؟ وإذا حظر رئيس الوزراء على النواب أن يعرضوا للمسائل المصرية، التي تمس السياسة الدولية العامة أو الخاصة، فماذا بقي للمجلس من السيادة والسلطان، وحماية الاستقلال؟
    وأمر آخر، ليس أقل خطرًا من هذا الأمر، ولا أهون شأنًا، ولكنه يدعو إلى الابتسام، وقد يدفع إلى الضحك، وهو أن رئيس الوزراء قد بذل جهدًا عنيفًا، ليثبت أن أزمة المحاكم المختلطة، قد ثارت من تلقاء نفسها، لم يثرها أحد، ولم يتدخل فيها عنصر خارجي عن المحاكم المختلطة، فنحب أن نعلم من الذي اتهم الوزارة بأنها هي التي أثارت الأزمة، ودفعت القضاة إلى أن يفكروا ويحتجوا؟ وعلى من كان يرد رئيس الوزراء، هذا كلام أشير إليه في بعض الصحف والبيئات الأجنبية. فهل قام رئيس الوزراء أمس ليثبت للنواب، أن الحكومة جادة في تحقيق المصلحة المصرية، وحماية الحق المصري، أم قام ليثبت للأجانب، أن الوزارة بريئة مما اتهموها به من أنها أثارت الأزمة، وحرضت القضاة؟
    وأيهما كان أحب إلى رئيس الوزراء، وآثر عنده، أن يطمئن النواب، ويطمئن المصريون على حقوق مصر. أم أن يطمئن الأجانب، على أن أحدًا لا يُغرى بهم، ولا يحرض عليهم، ولا يثير لهم الأزمات؟ وأدعى من هذا وذاك، إلى الابتسام والضحك، هذه الطاقة الظريفة، التي أهداها رئيس الوزراء إلى الأجانب، من فوق منبر مجلس النواب. فرئيس الوزراء قد أثنى على الأجانب، وذكر فضلهم علينا، وإحسانهم إلينا، وشكرنا لهم، ورعايتنا لحقهم. يا للرجال! لقول غير مملول، ما أكثر ما قيل هذا الكلام، فلم يغن عن قائليه، ولا عن سامعيه شيئًا. فالأجانب يعلمون كما يعلم المصريون، أن الصلة بينهم وبيننا لن تقوم على الكلام، مهما عذب. ولا على الخطب، مهما كانت ساحرة. وإنما تقوم، ولن تستطيع أن تقوم منذ الآن، إلا على الصدق والإخلاص، وحسن النية، وتبادل الاحترام. فأما أن يبسم بعضنا لبعض، ويثني بعضنا على بعض، من أطراف الألسنة والشفاه، وفي القلوب ما فيها من الإشفاق والحذر وسوء الظن، وفي الأعمال ما فيها من المكر والخداع، وإيثار المنفعة على الحق، فهذا هو الشر الذي ليس بعده شر، والبلاء الذي ليس مثله بلاء.
    رئيس الوزراء يعلم هذا، حق العلم، ويعلم أن الصلة بيننا وبين الأجانب لن تحسن، إلا إذا عرفت الحكومة المصرية كيف تقيمها على الحزم، واحترام الحق، والتسليم بأن مصر بلد إن لم يكن حرًا بالفعل، فهو مصمم على أن يكون حرًا. ولكنه مع ذلك يبدي ويعيد، فيما أبدى فيه غيره وأعاد.
    هذا كل ما قال رئيس الوزراء أمس في بيانه القيم الظريف. أما أنه أرضى كثرة النواب، فشيء يظهر أنه سيبين مساء اليوم أنه لا شك فيه. وأما أنه أرضى المصريين من غير النواب، فنستطيع أن نؤكد لرئيس الوزراء صادقين، ويستطيع رئيس الوزراء أن يؤكد لنفسه صادقًا، أن هذا شيء لا سبيل إليه. ذلك أن المصريين لا يرضون بالكلام، ولا بالكلام الذي لا يدل على شيء، ولا بالكلام الذي يراد به فك المجالس، كما تقول العامة. وإنما ترضيهم الأعمال وحدها، فإذا لم يكن بد من الكلام فالكلام الحازم الصارم الذي يملؤه الشعور بالحق، والحرص على صيانته والإصرار على الوصول إليه مهما تكن الظروف. وهل يريد رئيس الوزراء أن نصارحه اليوم، كما صارحناه من قبل، هل يريد رئيس الوزراء أن ننبئه بأن المصريين لم يكونوا ينتظرون منه غير ما قال أمس، لأنهم يعلمون حق العلم أنه لا يستطيع أن يقول غير ما قال، ويعلمون حق العلم أنه لا يتحدث عنهم، ولا ينطق بلسانهم، ولا يصور ما يشعرون وما يريدون، وأين هو مما يشعر المصريون وما يريدون؟
    ليهنأ رئيس الوزراء برضا النواب، إن رضوا، وليهنأ رئيس الوزراء بما سيظهر له الأجانب من الرضا، وليجهل رئيس الوزراء ما يكتم الأجانب عنه من هذا الابتسام الذي يهديه بعضهم إلى بعض، إذا خلوا إلى أنفسهم، وغلقوا من دونهم الأبواب. فأما المصريون فليدعهم رئيس الوزراء وما هم فيه، فقد يكون من الرفق به والعطف عليه، أن لا تحدثه بما يظهرون، وما يضمرون.
    [طه حسين]
    حديث الوادي، ٥ يونية ١٩٣٤.

  • غموض

    غموض
    كان الناس يتهامسون في الأسبوع الماضي بأن شيئًا جديدًا قد طرأ في مسألة الدين، وأداء فوائده ذهبًا أو ورقًا. وكانوا يتهامسون بألوان من الأحاديث في تفسير هذا الشيء الطارئ، وأشرنا نحن إلى هذا كله حين أخذنا الوزارة القائمة بالمواقف المريبة التي تقفها بإزاء المفاوضات والامتيازات والدين. ولم نرد أن نفصّل، ولم نرد أن نبسط القول، فقد زعموا أن من الحق على الصحف إذا عرضت لبعض المسائل السياسية الخارجية أن تصطنع الدقة وتحرص على الاحتياط، وألا تقول كل ما تعلم حتى لا تُحرج الذين يشتغلون بهذه السياسة الخارجية، ولا تُثير من المشكلات ما لا خير في أن يُثار.
    لذلك لمحنا ولم نصرّح، وأجملنا ولم نفصّل، وقدّرنا أن في هذا التلميح ما يكفي. ولكن يظهر أن «الأهرام» تريد أن تخطو خطوة أوسع من خطوتنا نحن؛ فهي تلمح أيضًا، ولكن تلميحها أقرب إلى التصريح، وهي تُجمل ولكن إجمالها أدنى إلى التفصيل.
    وهي تُحدّثنا صباح اليوم بأن مسألة الدين قد طرأ عليها تعقيد سياسي له قيمته وخطره. فالظاهر أن المندوب السامي قد ذهب إلى لندرة ليُقنع حكومته بمعونة مصر في ألا تدفع ذهبًا. وكانت حكومته قد أظهرت استعدادها لهذه المعونة، وموافقتها على وجهة النظر المصرية. والظاهر أيضًا أن إيطاليا قد أظهرت ميلًا إلى إجابة مصر إلى ما تريد. وإذن لم تبقَ إلا دولة واحدة هي التي لم تغيّر موقفها، وهذه الدولة هي فرنسا.
    والأهرام تتساءل عن الأسباب التي تدعو فرنسا إلى التشدد في موقفها هذا، وتمنعها أن تُظهر لمصر ما أظهرته دائمًا من المودة وحسن الاستعداد لتوثيق الصلات بينها وبيننا على قاعدة التعاون الصادق الخالص من الشوائب بمقدار ما تستطيع الصلات السياسية بين الأمم أن تخلص من الشوائب.
    وتحاول الأهرام أن تُجيب عن هذا السؤال، فلا تُصدّق أن فرنسا تتشدّد في موقفها لأن الفرنسيين الذين يملكون السندات المصرية كثيرون جدًّا، وتلاحظ الأهرام—ولها الحق—أن منفعة فرنسا إنما هي في حسن الصلة بينها وبين مصر، وفي المحافظة على تقاليدها في معاملة مصر، وفي الظفر بما ظفرت به دائمًا من حب المصريين لها، وإيثارهم إياها بالمودة حين يُقيمون في بلادهم، وبالزيارة حين يرحلون عنها.
    وإذن فليس هذا السبب هو الذي يضطر فرنسا إلى أن تتشدّد في موقفها بإزاء مسألة الدين، ويكون حظها من حسن الاستعداد أقل من حظ إنجلترا وإيطاليا، فيجب أن يكون هناك سبب آخر. وهذا السبب تستنتجه الأهرام بالظن والحدس، ونريد نحن أن نستنتجه بالظن والحدس أيضًا كما فعلت الأهرام، لأن الظن والحدس هما أقرب وسائل الاستنتاج وأصدقها في مثل هذه المسائل.
    وهو أن فرنسا ليست قليلة الحظ من حسن الاستعداد بالقياس إلى مصر، ولعلها شديدة الحرص جدًّا على أن تحتفظ بتقاليدها، وتؤثر حب المصريين ومودّتهم على هذه المبالغ المالية اليسيرة التي لا تُلائم حقًّا ولا عدلًا.
    ولعلها كانت تريد أن تقبل وجهة النظر المصرية، ولكنها على أن تقبلها هي، وعلى أن تُسدي هي إلى مصر هذا الصنيع، وعلى أن يشعر المصريون شعورًا واضحًا بأنها قد آثرت مودّتهم على منفعة فريق من أبنائها.
    فأما أن تغيّر موقفها لأن الإنجليز أرادوا ذلك، وأشفعوا فيه، فتخسر هي من الناحية المادية، ولا تربح شيئًا من الناحية المعنوية، ويستأثر الإنجليز بهذا الربح المعنوي، ويعتقد المصريون أن إنجلترا هي التي وضعت عنهم ثقل الدفع ذهبًا، فذلك شيء تنفر منه فرنسا ولا ترضاه، لا لكرامتها ولا لما تريده لأعمالها من حسن الموقع في نفوس المصريين.
    وتدافع الأهرام بعد ذلك عن توسط الإنجليز بما ليس يعنينا أن نقف عنده الآن. إنما الذي يعنينا هو أن تحرج فرنسا من أن تُسدي إلى مصر صنيعة بإرادة الإنجليز أو بشفاعتهم، أمر قد تحدّث فيه الناس منذ أيام، وكرهنا نحن أن نفصّل القول فيه. وما كنا لنعود إليه لولا أن استنتجته الأهرام صباح اليوم بالظن والحدس والتخمين كما تقول.
    ومن المعقول جدًّا أن تجد دولة عظيمة كفرنسا مثل هذا الحرج، ولكن من المعقول أن يتساءل الناس عن الذي اضطر فرنسا إلى هذا الحرج. فالمعروف أن الإصبع الإنجليزية لا تدع أمرًا من أمور السياسة الخارجية المصرية إلا مسته ولعبت فيه. والمعروف أن فرنسا وغيرها تعلم هذا حق العلم، وتعلمه بنوع خاص منذ سنة ١٩٠٤، وتعلمه بنوع أخص منذ أرسلت إلى الدول تبليغها بعد صدور تصريح فبراير ١٩٢٢.
    وإذن فأيّ شيء جدّ في الأمر؟ أهي حكومتنا التي لم تُحسن تصريف هذا الأمر الدقيق، ومراعاة ما يحيط به من الظروف، فاضطربت فيه اضطرابًا مريبًا، أظهرت للفرنسيين استقلالًا لم تستطع أن تحتفظ به وتمضي فيه، وأظهرت للإنجليز تهالكًا لم تستطع أن تخلّص منه أو تتراجع عنه؟ فصدقها الفرنسيون وهمّوا أن يعاملوها معاملة الحكومة المستقلة، وأسرع الإنجليز فاستغلوا تهالكها عليهم، وإسرافها في الاستعانة بهم، ونشأ عن هذا الموقف المريب ما كان موضوع حديث الناس منذ أسبوع، وما استنتجته الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم.
    أم هو شيء آخر لم يصل إليه حظ الأهرام من الظن والحدس والتخمين؟ قد يكون هذا وقد يكون ذاك، وكلاهما يُحزن، وكلاهما يسوء.
    ولكن وراء هذا وذاك شيئًا لا يُحزن ولا يسوء، بل يسرّ ويرضي، وهو أن موقف الأمة المصرية بإزاء مسألة الدين قد أحدث آثاره الطبيعية، فأخذت الدول تُظهر استعدادها لقبول الرأي المصري، وكلها يحرص على أن يشعر المصريون منها بحسن هذا الاستعداد.
    ووراء هذا وذاك شيء آخر، هو أن من الخير أن تتخذ الحكومة في السياسة الخارجية طريقًا واضحة، وخطة صريحة جليّة، لا يظهر فيها عوج ولا التواء. فقد يدعو فساد الظروف السياسية الداخلية للحكومة إلى أن تدور وتضطرب، فتمضي حينًا وترجع حينًا، وتمضي مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال، وتسرف مرة في القوة، ومرة في الضعف، وتصانع مرة، وتصارح مرة أخرى. كل هذا يحدث—مع الأسف—وكل هذا يمكن تفسيره وتأويله في السياسة الداخلية.
    أما في السياسة الخارجية فشرّه إن حدث عظيم، لأن السياسة الخارجية لا ينبغي أن تعتمد على مداورة الأحزاب، ولا مصانعة الأصدقاء ومدافعة الخصوم.
    وسواء أصحّت كل هذه الأحاديث أم لم تصح، فإن الذي يُلاحظ دائمًا على سيرة وزارتنا القائمة في مسائل السياسة الخارجية هو أنها لا تخلو من غرابة، وإيثار للغموض والإبهام.
    والواقع أننا لم ننتظر خيرًا منذ ارتحل رئيس الوزارة إلى أوربا، فأخذ يظهر في سياحته تلك بهذه المظاهر الفخمة الضخمة التي هي أشبه شيء بالإعلان التجاري منها بالزيارات السياسية.
    لم ننتظر خيرًا من هذا الإعلان، بل توقّعنا منه شرًّا كثيرًا. فقد يكون من الحسن أن يظهر رئيس وزرائنا في إيطاليا وفرنسا مظهر رئيس الوزراء لبلاد مستقلة حقًّا، ولكن على شرط أن يجد من نفسه القوة على أن يظل كذلك، وبشرط ألا يستحيل هذا الاستقلال متى وصل رئيس الوزراء إلى جنيف، فأخذ ينتظر وزير الخارجية الإنجليزية، ويصطنع المقبول وغير المقبول من الوسائل ليظفر برؤيته والتحدّث إليه، ثم إذا عاد إلى القاهرة اتخذ المقبول وغير المقبول من الوسائل ليُظهر أنه متمتع بعطف وزير الخارجية الإنجليزية.
    هذا التناقض نفسه مريب، وهو إن كان مريبًا بالقياس إلى المصريين—مع أنهم يعلمون من أمر رئيس الوزراء ما يعلمون—فهو أكثر ريبة بالقياس إلى الأجانب الذين إن عرفوا شيئًا فقد تخفى عليهم أشياء.
    لقد زار رئيس وزرائنا روما وفرنسا، وتحدّث إلى الحكومتين الإيطالية والفرنسية في مسألة الدين حديث الوزير المستقل، ولكنه لم يلبث أن ذهب إلى جنيف فدار حول وزير الخارجية الإنجليزية دوران الوزير غير المستقل، ثم عاد إلى القاهرة وإذا الإنجليز يتوسطون عند فرنسا وإيطاليا فيما كان يُحدّثهما فيه رئيس الوزراء من غير واسطة.
    فإحدى اثنتين: إما أن يكون رئيس وزرائنا مستقلًّا فيسير سيرة المستقلين، أو تابعًا فيسير سيرة التابعين.
    أما الاضطراب بين هاتين السيرتين فهو الذي لا خير فيه، وهو الذي يُثير الريب والشكوك، ويملأ الجو بهذه الأحاديث التي أفاض الناس فيها منذ أيام، والتي استنتجتها الأهرام بالظن والحدس والتخمين صباح اليوم، والتي لا تفيد أحدًا من الأجانب ولا من المصريين.
    كوكب الشرق ٢ – ٤ – ١٩٣٣

  • قسمة٢

    حديث اليوم: قسمة

    طه حسين

    جريدة السياسة

    ٢٢ يوليو ١٩٣٢

    قد تكون عدلًا هذه القسمة ولكنها لا تخلو من الجور، وقد تكون قصدًا ولكنها لا تخلو من الإسراف، وقد تكون جِدًّا ولكنها لا تخلو من الهزل. وهي على كل حال آية بديعة يجب أن تسجل مع الثناء لرئيس الوزراء. وما زال رئيس الوزراء يأتي بالأعاجيب، لا نكاد ننسى أعجوبة حتى يأتينا بأعجوبة خير منها أو مثلها. فهو يطرفنا في كل يوم بما يسلي عن الصدور، ويجلي عن النفوس، ويملأ القلوب غبطة وحبورًا. جعلنا أحرارًا عبيدًا، وجعلنا آمنين خائفين، وجعلنا محاربين مسالمين، وجعلنا أغنياء فقراء. وأقام على ذلك كله أدلة لا تحتمل النقض، ولا يعرض لها الشك، فصدقناه وآمنا به، وكذبنا أنفسنا وأنكرنا ما نحس، وجحدنا ما نشعر. ولكنه جاءنا بآية جديدة أمس حين خطب في أشياعه وأتباعه الذين حشدوا له في نادي حزب الشعب في الإسكندرية. قسم العافية نصفين، وشقها شقين وجعل نصفها في مصر، ونصفها الآخر في أوروبا، وأعلن أنه كسب نصفها الأول حين رأى الأشياع والأتباع يهتفون ويصفقون لزعيمهم الذي اختاروه وآثروه بحبهم وإعجابهم، وأنه سيكسب النصف الثاني في أوروبا، حين يذهب للراحة والاستشفاء. وهو بالطبع لا يعرف أين يوجد هذا النصف: في إيطاليا، وقد يكون في كرلسباد، وقد يكون في فيشي، وأكبر الظن أنه في لندرة. وليس من شك عندي ولا ريب في أن العافية قد أصبحت شيئًا يقسم نصفين، ويشطر شطرين، ويكون نصفه في الجنوب، ونصفه الآخر في الشمال، ليس عندي في هذا شك ولا ريب؛ لأن رئيس الوزراء قد قاله وأعلنه، وأنا ملزم أن أصدق رئيس الوزراء إذا قال؛ لأني معجب به قبل كل شيء، وخائف منه بعد ذلك، ولأني إن خالفته فقد أنكرت استقرار النظام، وهو يؤكد أنه مستقر.

    يمكن إذن أن تنقسم العافية نصفين، ولكني كنت أحب أن أعلم، وقد يتيح لي رئيس الوزراء أن أعلم، كيف تقسم العافية، وعلى أي نحو تشق، وبماذا تقسم؟ أتقسم طولًا أم تقسم عرضًا، أم تؤخذ من عمقها، وتشقق من سمكها؟ وبمَ تقسم؟! أتقص قصًّا؟ أم تقط قطًّا؟ أم تقطع بالسكاكين، أم تحطم بالفئوس؟ ومهما يكن من شيء فقد قسم رئيس الوزراء عافيته نصفين، استرد أحدهما أمس في نادي حزب الشعب، وسيسترد الآخر متى عبر البحر. ولكن فيمَ هذا العناء وعلام هذه المشقة وفيم الأسفار، واقتحام البحار، والغيبة عن الأنصار؟! وفيمَ حرمان الشعب طلعة زعيمه، ومحضر عظيمه، وفيمَ ترك الديار تتعرض للأخطار، ما دام تصفيق الأشياع، وهتاف الأتباع، يزيل الصداع ويمحو العلة ويبدل الزعماء من أسقامهم صحة، ومن آلامهم لذة؟! هؤلاء أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية قد ردوا عليه نصف عافيته حين هتفوا وصفقوا. وأين يقع أشياع الرئيس وأتباعه في الإسكندرية من أشياعه وأتباعه في الأقاليم؟ وأي مدير وأي مأمور يعجز عن أن يحشد لرئيس الوزراء من الأشياع والأتباع أضعاف مَن حُشدوا له في الإسكندرية؟ وقد احتشد لرئيس الوزراء في شمال البلاد وجنوبها، حين زار الأقاليم عشرات الألوف ومئاتها وكلهم هتف، وكلهم صفق. فما بالهم لم يردوا على الرئيس نصف عافيته أو ثلثها أو ربعها؟ فأنت توافقني على أن العافية إذ جاز أن تنقسم نصفين جاز أن تنقسم أثلاثًا وأرباعًا، وأن تشق أسداسًا وأسباعًا. وكان الحق على رئيس الوزراء وهو الرجل العدل المنصف، أن يقسم عافيته إلى أجزاء متساوية يوزعها على الأقاليم والمدن التي يمكن أن يزورها حتى إذا طوف أقطار مصر رد إليه كل إقليم جزءًا من عافيته، وكان يستطيع أن يحتفظ بجزء أو أجزاء من هذه العافية ويوزعها على المدن التي يحتاج لزيارتها في أوروبا. فأما أن يقسم عافيته نصفين اثنين ويقصرهما على الإسكندرية وأوروبا فمجاوز للعدل بعيد عن الإنصاف، مخالف للديمقراطية التي استقر عليها النظام. قال قائل: وما ذنب رئيس الوزراء إذا كانت عافيته لا تحب الحر، ولا تستقيم مع القيظ، ولا يردها عليه الهتاف والتصفيق إلا إذا مسهما من نسيم البحر نفَس عليل بَلِيل، وأصابهما ريق من هذا السحاب الذي يظلل أوروبا في الصيف والشتاء؟ فعافية رئيس الوزراء ليست جافة ولا يابسة، وإنما هي لينة، تحب اللين، وهينة تؤثر الجو الرطب.

    والظاهر في حقيقة الأمر أن الذي رد على رئيس الوزراء نصف عافيته ليس هو هتاف الهاتفين، ولا تصفيق المصفقين، وإنما هو شيء آخر ظهر في «الشعب» صباح أمس، وأحب رئيس الوزراء فيما يظهر أن يعرفه الناس، فأوحى إلى جريدة «المقطم»، فنقلته عن «الشعب» ثم أحب رئيس الوزراء أن تذيعه «الأهرام» أيضًا، فقال في خطبته أمس، ونشرت «الأهرام» هذه الخطبة صباح اليوم، وهو أن المفاوضة آتية لا ريب فيها. نعم، نشرت «الشعب» و«المقطم» هذا الكلام وأعلنه رئيس الوزراء ثم نشرته «الأهرام»، فيجب أن تكون الطير قد حملته إلى رئيس الوزراء من لندرة. ومن الطير ما يصدق، ومنها ما يكذب، ورئيس الوزراء عليم بصدق الطير وكذبها؛ ولذلك لم ترد عليه هذه الطير عافيته كلها وإنما ردت عليه نصفها، ليس غير؛ لأنها لم تحمل إليه يقينًا وإنما حملت إليه ظنًّا وأملًا. وقد قُلتُ لك منذ أيام: إن لندرة تداعب حكومة القاهرة، فتدنيها أصبعًا إذا احتاجت إلى شيء، وتقصيها شبرًا إذا قضت منها ما تريد. وأمر حكومة القاهرة مع لندرة كأمر البحتري مع صاحبه حين قال:

    لج هذا الحبيب في الهجر جِدَّا وأعاد الصدود منه وأبدى

    ذو فنون يريك في كل يوم خلقًا من جفائه مستجدَّا

    أغتدي راضيًا وقد بت غضبا ن وأمسي مولًى وأصبح عبدًا

    ولسنا ندري في أي الأطوار تكون حكومة القاهرة الآن: أراضية أم غضبى؟! سيدة أم مسودة! وأكبر الظن أنها شيء بين ذلك، ما دام رئيس الوزراء لم يسترد عافيته كلها، وإنما استرد نصفها وسيطلب إلى الأطباء في روما أن يدلوه على نصفها الآخر.

    وهل هو سيطلب هذا النصف إلى أطباء روما أو إلى عظيمها مسوليني؟ فدكتاتور إيطاليا طبيب بالسياسة يحسن العلم بها والمشورة فيها، وهو إلى الآن أعظم الذين نهضوا بالدكتاتورية حظًّا من التوفيق. نجح في إيطاليا؛ فدان له الشعب وأحبته كثرته المطلقة، ونجح في سياسته الخارجية؛ فأكره خصوم إيطاليا على أن يعرفوا لها مكانها النابه بين الدول العظمى. فمن حقه أن يكون أستاذًا مسموع الكلمة، وطبيبًا مقبول الرأي عند رؤساء الحكومات الذين يريدون أن يصطنعوا الحزم في سياستهم الداخلية والخارجية. وقد وفق رئيس وزرائنا مع المصريين؛ فدانوا له جميعًا وأحبوه جميعًا حبًّا قوامه الإخلاص والإيثار، وآمنوا جميعًا وأنا أولهم لنظامه الجديد. ولكن نجاحه في السياسة الخارجية مشكوك فيه؛ فالإنجليز قساة لا يرحمون، جياع لا يشبعون. وليس يضر رئيس الوزراء وقد ينفعه كثيرًا أن يستشير طبيب إيطاليا في أمر هذه العلة، وأن يسأله عن أقرب الطرق إلى إكراه الإنجليز على قبول المفاوضات. وأنا واثق بأن موسوليني سيشير عليه بالرأي المستقيم؛ فقد عرف من قبلُ كيف ينزل إنجلترا وفرنسا عند ما كان يريد. ومن يدري لعل مشورة موسوليني هذه أن ترد على رئيس الوزراء النصف الثاني من عافيته، فيعود إلينا وقد غاب عنا أيامًا لا أسابيع؟ ونحن أحوج ما نكون إلى أن يعود إلينا في أقرب وقت، بل إلى أن يبقى فينا لا يفارقنا إلا حين يذهب إلى لندرة ليفاوض الإنجليز، ويستخلص منهم الاستقلال. وعلى كل حال فإني أهنئ رئيس الوزراء مخلصًا بنصف عافيته الذي استرده، وأتمنى له صادقًا أن يجد نصفها الثاني في غير مشقة ولا عناءٍ، ولا فراق طويل.