Tag: British negotiations

  • مثلث …

    مثلث …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٨ أكتوبر ١٩٤٦
    هو الذي يحكمنا الآن، ويريد أن يقرر مصيرنا، ويقضي في أمرنا سواء رضينا أو كرهنا، ويريد فوق ذلك أن يقرر مصير أجيال مقبلة من المصريين، ويقضي في أمرها، لا يستشير في ذلك غير نفسه، ولا يراجع في ذلك غير نفسه، ولا يرجع في ذلك إلى غير رأيه، ولا يعقل في ذلك لما يُقدَّم إليه من نصح، أو يُعرَض عليه من تحذير. وهذا المثلث الخطير الذي يؤمن بنفسه أشد الإيمان، وإن لم يؤمن به أحد من المصريين، ويثق بنفسه أعظم الثقة، وإن لم يثق به أحد من المواطنين، يأتلف من ثلاثة أشخاص، لكل منهم مكانة رفيعة إلى أبعد حدود الرفعة، ممتازة إلى أقصى غايات الامتياز؛ أحدهم: وهو رئيس الوزراء بارع لا يُشَقُّ له غبار، ولا يباريه في براعته أحد، ولا ينفذ إلى أسرار دهائه إلا القضاء الذي لا ينفذ إلى أسراره إنسان، وهو يؤمن لنفسه بهذه الخصال كلها. وقد يؤمن له بها، أو ببعضها فريق من أقربائه وذوي خاصته. ولكن الشيء الذي لا يشك فيه أحد، ولا يشك فيه صدقي باشا نفسه، هو أن الشعب المصري كله لا يثق به، ولا يطمئن إليه. ومن الحمق والإطالة أن نحاول الاستدلال على أن الشعب المصري قد أبى دائمًا أن يمنح صدقي باشا من ثقته قليلًا أو كثيرًا، فقد نهض صدقي باشا بأعباء الحكم وزيرًا يرأسه غيره، ووزيرًا يرأس هو غيره. فلم يستطع أن يحكم في مصر إلا بالقوة والعنف، وبالبأس والبطش، وبالإرهاب ينشره على الأرض المصرية كلها، وبالترغيب يقصره على أفراد قليلين لا يغنون عنه، ولا عن حكمه شيئًا. ولو قد ظفر صدقي باشا بثقة الشعب كله أو ثلثه أو نصفه لما احتاج إلى قوة، ولا عنف، ولما احتاج إلى ترغيب أو ترهيب. وأغرب من هذا أن صدقي باشا ابتكر في يوم من الأيام حزبًا طويلًا عريضًا، ولكنه غير عميق، وأن هذا الحزب آمن به ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقْصِيَ عن الحكم تفرق الحزب عنه، ونظر صدقي باشا فرأى نفسه وحيدًا، لا يؤنس وحدته إلا الحزن الذي تثيره الذكرى، وإلا أشباح حمر كانت تتراءى له من هنا وهناك، وتدعوه في أنين المريض وحشرجة المحتضر، وهي أشباح أولئك الصرعى الذين أرسلهم بأسه وبطشه إلى الموت. وأشد من هذا غرابة أن صدقي باشا أنشأ في ذات يوم من الأيام برلمانًا كاملًا له مجلسان، ووثق به البرلمان ما استقامت له أمور الحكم، فلما أُقصي عن الحكم نظر فإذا البرلمان يسترد ثقته، ويؤثر العافية على أن يناصر منشئه الذي منحه الوجود وبث فيه الحياة. وأشد غرابة من هذا وذاك أن صدقي باشا في وزارته الأولى، أو قُلْ في دكتاتوريته الأولى، لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه به، فاضطر ذات يوم أن يستقيل؛ ليتخلص من بعضهم، ثم أُقصي عن الحكم، فإذا أحد زملائه يخلفه، ويسومه ما يعرف الناس جميعًا من ألوان المحن والخطوب. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا في وزارته القائمة لم يستطع أن يضمن ثقة زملائه؛ فقد همَّ أن يتخلص من بعضهم، فكانت أزمة التعديل التي لم ينسها الناس بعد، ثم استقال ورُفِضت استقالته، وظن أن الأمور قد استقامت له، وإذا زميلان من أخص زملائه به، وأصفاهم له، وأعطفهم عليه يستقيلان فجأة، وعلى غير انتظار. وأشد من هذا كله غرابة أن صدقي باشا قد رأس هيئة المفاوضات، ثم نظر ذات يوم فإذا نصف هذه الهيئة لا يثق به، ولا يطمئن إليه، وإنما يعلن الشك في كل ما كان يصدر عنه من قول أو عمل، فإذا دل هذا كله على شيء، فإنما يدل على أن صدقي باشا — وهو رأس هذا المثلث الخطير — لا يوحي بالثقة، ولا يشيع الاطمئنان من حوله. ومصدر ذلك في أكبر الظن أنه هو نفسه لا يثق بأحد، فلا يستطيع أحد أن يثق به. والشيء البديع أنه على رغم هذا كله ينهض بأعباء الحكم، ويريد أن يقرر مصير المصريين، ويقضي في أمرهم، ويزعم مع ذلك أنه يفعل هذا كله على أساس من الحق، والعدل، والحرية، والمساواة، والثقة التي يفرضها الدستور. أمَّا الطرف الثاني: من أطراف المثلث فهو حضرة صاحب الدولة النقراشي باشا، وهو رجل حزم وعزم، ورجل شدة وبأس، ورجل مضاء وإقدام، وكان يظن أن الناس يثقون به، ويؤمنون له، ويطمئنون إليه، ولكنه لم يتولَّ الحكم مرءوسًا أو رئيسًا حتى استيقن أن ثقة الناس به وهم من الأوهام، وباطل من زخرف القول، وعلم أن الذين كانوا يعملون معه، ويخضعون لسلطانه لم يكونوا يصدرون عن حب، أو أمن، أو ثقة، وإنما كانوا يصدرون دائمًا عن الشك، والخوف، والاحتياط. والنقراشي باشا يعلم حق العلم، والناس جميعًا يعلمون حق العلم، أن زملاءه في وزارته الأخيرة كانوا يرتابون به، ويشكون فيه، ويقسون عليه، حتى اضطروه آخر الأمر إلى أن يستقيل، وهو يعلم حق العلم أن حزبه نفسه قد انقسم عليه، وتفرق من حوله، وأن جماعة من خاصته وأصفيائه يقفون منه الآن موقف الخصومة المنكرة، وهو مع ذلك يرى نفسه زعيم الكثرة في مجلس النوَّاب، ويرى نفسه قادرًا على أن يشد أَزْر زعيمه، ومعلمه، وأستاذه صدقي باشا في المفاوضات مع أنه هو محتاج إلى من يشد أزره في الحياة الداخلية لحزبه حين يجتمع في ناديه، وحين يجتمع في البرلمان. أمَّا الطرف الثالث لهذا المثلث الخطير، فهو رئيس مجلس الشيوخ، ورئيس الأحرار الدستوريين، وهو رجل حظه من الأدب أعظم من حظه في السياسة، وإقباله على الفكاهة أشد من إقباله على الجد، لا يبغض شيئًا كما يبغض مواجهة المصاعب واحتمال التبعات، أقصى ما تصبو إليه نفسه أن يهدأ، ويقرأ، وينعم، ويستريح. وقد يجادل في مقال يكتبه أو حديث يلقيه، ولكنه أبغض الناس للنضال يوم يحتاج النضال إلى العمل، والاشتداد على النفس، والنهوض بالأعباء الثقال. وهو أعلم الناس بأن الشعب لا يثق به، وإنما يضحك له أحيانًا، وقد يضحك منه كثيرًا، وهو أعلم الناس بأن حزبه ليس ملتفًّا حوله، ولا مستعدًّا للمضي في تأييده؛ لأن هذا الحزب لم يلتفَّ قط حول رئيس، ولم يطمئن قط إلى ما ينبغي أن تقوم عليه الأحزاب من التضامن واحتمال التبعات، ورئيس هذا الحزب مع ذلك يرى أنه قادر على أن ينهض بالأعباء، ويقضي في أمر مصر، ويقرر مصير المصريين، ويسند رئيس الوزارة، ورأس المثلث بحوله وطوله، وهو رجل لا حول له ولا طول، وبقوته وأَيْده، وهو رجل لا حظ له من قوة أو أَيْد. هذا هو المثلث الخطير تفرضه الظروف القاسية على مصر في أشد الأوقات حرجًا، وأعظمها دقة، والذي يفرض نفسه على الأمة المصرية ليقرر مصيرها، ويقضي في أمرها، وينظم العلاقة بينها وبين الإنجليز. رأس هذا المثلث لا يثق به أحد، وليس له حزب يظهر تأييده، ويتكلف معونته، وطرفَا هذا المثلث لا يثق بهما أحد، ولا يؤيدهما حزباهما إلا مقدار ما يتيحان من المنافع لهذا أو ذاك. فإذا استطاع أحدهما أن يتيح الوزارة لِزَيْدٍ أغضب عَمْرًا، فإن استطاع أن يرضي عمرًا أغضب بكرًا، وخالدًا، وما شئت من الأسماء. أليس من حق المصريين بعد هذا كله أن يشكُّوا أعظم الشك وأعمقه فيما يُقال لهم، وفيما يُقال عنهم من أنهم شعب ديمقراطي يَقُوم أمر الحكم فيه على الحق والعدل والحرية والدستور. إن الثقة هي قوام النظام الديمقراطي، وهي أساس الحكم الدستوري؛ ثقة الشعب بالبرلمان أولًا، وثقة البرلمان بالوزارة ثانيًا، فإذا فقد البرلمان ثقة الشعب وجب أن يتفرق أعضاؤه، ويُنتخَب مكانهم أعضاء آخرون، فكيف إذا لم يثق البرلمان بنفسه، وإنما وضع يده على قلبه دائمًا مخافة الحل، أو مخافة الانحلال؟! وإذا لم يثق البرلمان بالوزارة وجب أن تستقيل، ولكن برلماننا سيثق بالوزارة دائمًا إلى أن تُقال أو تُكرَه على أن تستقيل. أليس غريبًا أن يتهيأ هذا المثلث الخطير للسفر إلى لندرة؛ ليفاوض الإنجليز في مصير مصر، وفي حقوق المصريين؟! ولكنَّ أبا العلاء لم يخطئ حين قال: إذا قلتُ المحال رفعتُ صوتي وإن قلتُ الصحيح أطلتُ همسي

  • إخفاق …

    إخفاق …
    طه حسين
    جريدة صوت الأمة
    ٣٠ سبتمبر ١٩٤٦

    لم ينتظر المصريون في يوم من الأيام خيرًا من الوزارة المستقيلة؛ لأنهم لم يصدقوا في يوم من الأيام أن رئيسها يستطيع أن يكسب لهم خيرًا، ومصدر ذلك أنهم يعلمون فيما بينهم وبين أنفسهم علم اليقين — لا علم الظن — أن صدقي باشا رجل يحب نفسه أكثر مما يحب أي إنسان، ويؤثر ما يتصل به من المنافع والمآرب والآمال أكثر مما يؤثر ما يتصل بغيره من الناس من هذه المنافع والمآرب والآمال، سواء أكان هؤلاء الناس أفرادًا يلوذون به من قريب، أم جماعات يرمقونه من بعيد، أم شعبًا لم ينظر إليه قط إلا في كثير جدًّا من الحذر والتحفظ والاحتياط.

    وقد جرب المصريون صدقي باشا حين كان وزيرًا في الوزارات المختلفة قبل صدور الدستور وبعد صدور الدستور، فعرفوا فيه الفطنة والذكاء، وعرفوا فيه اللباقة والمضاء، ولكنهم عرفوا فيه هذا الضعف الخطير الذي يحول بينه وبين أن يكون سياسيًّا ذا خطر: وهو حب النفس، وإيثار المنافع العاجلة القريبة على كل شيء آخر.

    رأوه يحارب سعدًا إلى أبعد حدود الحرب وأقصى آمادها حين كان وزيرًا للداخلية، لا يتحرج من ظلم، ولا من عسف، ولا من كيد، ولا من تضليل، ولا من سفك للدماء.

    ثم رأوه بعد ذلك يتقرب إلى سعد وأصحابه حين كان الائتلاف، ورأوه يسعى إلى بيت الأمة ينتظر في بعض الظروف أن يقبل الوفد ترشيحه للنيابة في دائرة من دوائر الانتخاب، يحارب سعدًا ولا يكره الاعتراف بزعامة سعد، ويحارب النحاس ولا يكره أن يعلن الخضوع لزعامة النحاس، ويخاصم محمد محمود، ولا يتردد في الانضواء تحت لواء محمد محمود، ثم رأوه حين أحدث الانقلاب الدستوري الخطير الذي ألغى فيه دستورًا، وأنشأ فيه دستورًا آخر، وأفسد فيه جيلًا من أجيال الشباب فسادًا عميقًا لم تمح آثاره بعد، وسفك فيه دماء المصريين في المدن والقرى. لم يتحرج، ولم يتحفظ، ولم يرع لأمته حرمة، ولا لمواطنيه حقًّا، ولم يخف من هذه الظلال الدامية التي كانت خليقة أن تنغص عليه النهار إذا استيقظ، وتملأ عليه الليل إذا حاول أن ينام …!

    نعم، ورأوه ينشر الجاسوسية على البارزين من خصومه، وعلى غير البارزين منهم، يبث العيون والأرصاد في كل مكان، وينفذ الأحكام العرفية دون أن يعلنها. نعم، ورأوه يهين كرامة الإنسان إلى أبعد الحدود التي تهان فيها كرامة الإنسان، وما زالت قصة البداري ماثلة في النفوس، ولم تكن قصة البداري فذة ولا نادرة، وإنما كانت شائعًا مألوفًا؛ فقد أباح صدقي باشا في عهده ذاك للمصريين أن يستذل بعضهم بعضًا، وأن يستعلي بعضهم على بعض، وأن يهدر بعضهم كرامة بعض، وأن تضيع بينهم الحقوق، وتنتهك بينهم الحرمات.

    نعم، ورأوه يصنع البرلمان صنعًا، ويطبخه طبخًا، وينفخ فيه روحًا خبيثًا آثمًا يملأ البلاد شرًّا ونكرًا. نعم، رأوه بعد ذلك وقد انجلت عنه غمرة السلطان فانجلت عنه غمرة الطغيان، وإذا برلمانه ينبذه كما تنبذ النواة، ويسخر منه كما يسخر من رجل ليس بذي خطر، وإذا أصحابه يتفرقون عنه ليلتفوا حول صديقه وزميله، وإذا الذين كانوا يذعنون له، ويؤمنون به، ويبتغون إليه الوسيلة، قد أصبحوا يكيدون له، ويمكرون به، ويريدون أن يحاكموه … ويتهمونه بما شاء الله أن يتهموه به من الآثام والموبقات.

    وقد أنسى أشياء كثيرة قبل أن أنسى مستشارًا ملكيًّا كان يدبر المحاكمة، ويعد لها، يعمل فيها نهاره، ويأرق لها ليله، ويرسل إلي أنا — حين كنت أحرر إحدى الصحف الوفدية — من أعوانه من كان ينبئ بدقائق الاتهام الذي كان يُعدُّه، والكيد الذي كان يكيده.

    ثم تدور الأيام، وتتلاحق الحوادث، وتتغير الظروف، وإذا صدقي باشا يشرك راضيًا أو كارهًا هذا المستشار في وزارته المستقيلة.

    نعم، جرب المصريون صدقي باشا في هذه الأطوار كلها، فاستيأسوا منه، واستيقنوا أنه لن يكسب لهم خيرًا، وتضرعت قلوبهم إلى الله أن يصرف عنهم شره، ويكف عنهم أذاه، وأن يتيح له بعد ذلك من السعادة في نفسه ومنافعه ما يشاء، وكان صدقي باشا خليقًا بعد هذه التجارب المرة والمحن القاسية، أن يفرغ لنفسه ولمنافعه، وأن يفارق السياسة إلى غير رجعة، ويزهد فيها إلى آخر الدهر.

    ولكن صدقي باشا رجل جريء لا يعرف التردد، ولا يحجم أمام شيء، تنزلق الأحداث على نفسه الملساء دون أن تترك فيها أثرًا، كما تنزلق الأجسام على الجليد الصلب الأملس دون أن تترك فيه أثرًا، وهو من أجل ذلك لم ييأس قط، وهو من أجل ذلك لم يرضَ قط أن يريح ولا أن يستريح. شارك في مفاوضات ١٩٣٦، ثم لم تكد هذه المفاوضات تنتهي حتى كاد لها، ومن يدري لعله كاد لها قبل أن تنتهي، ولعله كاد لها من قبل أن تبتدئ.

    والشيء المحقق هو أنه كاد للوزارة الوفدية إذ ذاك، وما زال يكيد لها منفردًا بالكيد مرة، ومشاركًا في الكيد مرة أخرى، حتى إذا أقيلت تلك الوزارة شارك في الوزارة التي خلفتها، ولكن زملاءه الذين شاركوه في الكيد، وشاركوه في الغنيمة بعد الكيد لم يطيقوا عليه صبرًا فتخلصوا منه ولمَّا يمض على تأليف وزارتهم إلا وقت قصير، هنالك عاد إلى ما كان فيه من التخريب والتأليب والمكر الظاهر والمكر الخفي. لم يُقصِر شيئًا في ذلك على وزارة بعينها، وإنما شمل به الوزارات جميعًا. لم يرضَ قط عن وزارة ليس فيها، ولم يرض قط عن وزارة شارك فيها إلا أن يستأثر من دون أعضائها بالنفوذ.

    وما زال كذلك يرضى قليلًا ويسخط كثيرًا ويعارض دائمًا، حتى كان هذا العهد السعيد، فكان من بُناته ورافعي دعائمه، ولكنه لم يشارك في الغنيمة، فلم يرضَ عن أحد، ولم يرض عنه أحد. ولم تمض أشهر على هذا العهد السعيد حتى كان صدقي باشا خصمًا لوزير المالية في كل شئون المال، وخصمًا لرئيس الوزراء في كل شئون السياسة، يعارض في البرلمان قليلًا، ويعارض في الصحف كثيرًا، ويعارض في نادي محمد علي معارضة لا تنقضي.

    كان أشد الناس مطالبة بالجلاء وتعجلًا له حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وكان أشد الناس استبطاءً للمفاوضات وضيقًا، يكسب الوقت وتشنيعًا على مؤامرة الصمت حين كان النقراشي باشا رئيسًا للوزارة، وما زال بالنقراشي باشا حتى أفسد من حوله الجو في ذلك السخف الذي كانوا يسمونه الهيئة السياسية، ثم هوى النقراشي باشا وفوجئ المصريون بوزارة يرأسها صدقي باشا.

    فأما الأغرار منهم والمحمقون والذين يذكرون اليوم لينسوا غدًا، فقد صدقوه حين أعلن إليهم أنه قد خرج من جلده القديم ودخل في جلد جديد. وأما الذين يفطنون للحوادث، وينتفعون بالعبر، ويستفيدون من الخطوب، فقد عرفوا أن الرجل قد ضرب حول نفسه سورًا ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، ولم تمض أسابيع حتى شاع العذاب في السور كله في باطنه وفي ظاهره ومن حوله، وإذا نحن نعود إلى الوزارة الأولى لصدقي باشا، وإذا الفساد يُصب على مصر صبًّا، ويتغلغل في حياتها كلها، فساد في الحياة الداخلية، فقد محيت الحرية محوًا، وجرت أمور الحكم على الطغيان الذي لا يتحرج ولا يتحفظ، ولا يرى في الدستور والقانون إلا ستارًا تقترف من ورائه آثام الاعتداء على الحرية والازدراء للحقوق.

    ثم كانت سخافة المفاوضات، وقد عرف المصريون تهالك صدقي باشا على سخافة المفاوضات، وقد رأى المصريون إلى أي حد كان صدقي باشا مخلصًا حين كان يتعجل الجلاء، ويتحمس للاستقلال، ويطالب بوحدة وادي النيل. وما أحب أن أعيد حديث المفاوضات، وما كان يشيع فيها من ثقة بين صدقي باشا وزملائه المفاوضين، ولكن أحب أن أُذكِّر المصريين أن أزمة المفاوضات التي أكرهت صدقي باشا على الاستقالة قد كانت أزمة ثقة حقًّا، أزمة ثقة لا بين المصريين والإنجليز فحسب، ولكن بين المفاوضين المصريين ورئيسهم قبل كل شيء.

    لقد بلغ الأمر أن شك فريق من المفاوضين في كل ما كان رئيسهم يقول لهم، أو يقول عنهم، حتى أرادوا أن يقيدوه، بل قيدوه بالألفاظ المكتوبة المقررة، ثم لم يحتفظوا بهذا الشك بينهم وبين أنفسهم، وإنما أذاعوه في أحاديثهم، وأذاعته الصحف عنهم؛ ليعلم الشعب المصري أن من المفاوضين أنفسهم قومًا يشكون كما يشك، ويرتابون كما يرتاب، ويخافون كما يخاف.

    ومهما يكن من شيء فقد أخفق صدقي باشا في وزارته هذه إخفاقًا منكرًا حقًّا أفسد على مصر حياتها الداخلية، على كثرة ما كان يلهج به من رغبة في الإصلاح، كان يريد أن يحارب الفقر والجهل والمرض، فلينظر المصريون أنفسهم وليسألوا أنفسهم إلى أي حد حماهم صدقي باشا من الفقر والجهل والمرض، وأفسد على مصر مظاهر جهادها الوطني بما فرض على الصحف من صمت، وعلى الحرية العامة والخاصة من قيود وأغلال، وأعلن أنه يريد أن يحقق الجلاء ووحدة وادي النيل.

    فلينظر المصريون وليسألوا أنفسهم، ولينظر المفاوضون وليسألوا أنفسهم: ماذا حقق صدقي باشا من الجلاء ووحدة وادي النيل؟ ثم لينظر المصريون والمفاوضون منهم خاصة إلى أي حد حفظ صدقي باشا على المصريين كرامتهم أمام الإنجليز، وسمعتهم في العالم الخارجي في الشرق والغرب على السواء.

    ليصدقني المصريون، والمفاوضون منهم خاصة، لقد كنت في أوروبا أستخذي حين تُذْكَر الحكومة المصرية. ولمَ لا؟ وهي الحكومة التي تحجر على الحريات العامة بالطرق الإدارية، ثم لا تكتفي بذلك فتشرع القوانين للحجر على هذه الحريات، فإذا لم يسعفها البرلمان أصدرت هذه القوانين في غيبته، وأؤكد للقراء وللمفاوضين ولصدقي باشا نفسه أن الذين يستخذون من الحكومة المصرية في الخارج ليسوا قليلين!

    والآن وقد استقالت هذه الوزارة، وزالت هذه المحنة عن المصريين يومًا أو بعض يوم، ما الذي يمكن أن تتكشف عنه الأحداث لهذا البلد البائس الشقي؟ يقال — وما أكثر ما يقال: إن صدقي باشا قد يؤلف وزارة جديدة، وقد يمضي في سياسته الرشيدة، فإن يكن هذا الذي يقال حقًّا، فقد يستطيع صدقي باشا أن يطمئن إلى أن وزارته الجديدة لن تكون أحسن حظًّا من وزارته المستقيلة.

    فإنك لا تجني من الشوك العنب، وقد جرب صدقي باشا حظه غير مرة، فلم يجد خيرًا، وجربت مصر حظها مع صدقي باشا فلم تجد خيرًا، فإذا كتب عليها صدقي باشا مرة أخرى، فإنها تعرف كيف تقرأ وتفهم وتذعن لقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

  • حلفاء …

    حلفاء …

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ١٤ مارس ١٩٤٦

    رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، قد جرب المصريون لباقته منذ أكثر من ربع قرن، منذ شارك في الحكم وزيرًا، ومنذ سيطر على الحكم رئيسًا للوزراء، بل منذ كان عضوًا في الوفد، ومنذ فصل عن الوفد، بل منذ ائتلف مع المؤتلفين، واختلف مع المختلفين، بل منذ رأى نفسه زعيمًا ليس فوقه زعيم، ومنذ رأى نفسه جنديًّا يعمل تحت رياسة هذا وذاك من الزعماء.

    رئيس وزرائنا لبق ما في ذلك شك، جرب المصريون لباقته في جميع هذه الأطوار، وذاقوا مرارة هذه اللباقة كلما تولى الحكم أو شارك فيه، وذاقوا حلاوة هذه اللباقة كلما أُبعد عن الحكم وجلس في مرقبه ذاك من نادي محمد علي ينتظر الأحداث قبل أن تقع، ويُفسِّرها لجلسائه بعد أن تقع، ويرسل إلى الأهرام بين حين وحين كلمة حلوة مرة، ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبله العذاب، يعارض فيها الحكومة القائمة، ويلقي عليها دروسًا في السياسة مرة، وفي الاجتماع مرة أخرى، وفي الاقتصاد مرة ثالثة، وفي تدبير الميزانية مرة رابعة، ثم ينتظر ما يكون لكلمته تلك الحلوة المرة من صدًى في الحكومة، ومن صدًى في بيئات المال والأعمال، ومن صدًى في البيئات السياسية الشعبية. وربما انتظر ما يكون لها من صدًى في البيئات السياسية الأجنبية عامة، والبريطانية خاصة.

    وهو في أثناء هذا كله يفرك يديه، ويباعد بين شفتيه، ويلقي كلمات هنا وهناك يجري بها لسانه، ويشك فيها جنانه؛ لأنه رجل لبق يُلمِّح دائمًا ولا يُصرِّح إلَّا قليلًا.

    رئيس وزرائنا رجلٌ لبق ما في ذلك شك، قد عرف المصريون لباقته حين شارك في تكوين الجبهة التي وثبت إلى الحكم في هذا العهد السعيد، شارك فيها صامتًا لا يقول، نشيطًا لا يهدأ، متحركًا لا يحب السكون، وعرف المصريون لباقته حين رفع مكرم باشا إلى السماء بعد خروجه من الحكم، وإبعاده عن الوفد، وإقصائه عن البرلمان.

    رفعه إلى السماء ووقف حائرًا لا يدري في أي نجم من النجوم يتخذ له مستقرًّا ومقامًا؛ فقد كان يرى النجوم كلها ضئيلة بالقياس إلى المجد العظيم الذي اكتسبه مكرم باشا حين فارق الوفد، وحين انقلب على رئيس الوفد. وكان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر ذلك البيت المشهور الذي يحفظه تلاميذ المدارس الابتدائية في جميع الأجيال منذ وجدت المدارس الابتدائية:

    ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كلمي

    والناس يبلغون الشباب، ويبلغون الكهولة، ويتقدمون في الشيخوخة، وينتهون إلى الهرم، وينسون كثيرًا جدًّا من الأشياء، ولكنهم يحتفظون بقليل من ذكريات الطفولة تطفو على ضمائرهم، وتجري بها أطراف ألسنتهم؛ لأن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر كما يقول الأساتذة لتلاميذهم في المدارس الابتدائية أيضًا؛ فقد كان صدقي باشا — فيما يظهر — يذكر هذا البيت كلما أحدث مكرم باشا حدثًا.

    ولم يكن صدقي باشا في ذلك الوقت يؤمن بمكرم باشا؛ فصدقي باشا لا يؤمن بأحدٍ، ولا يؤمن لأحدٍ، وإنما يؤمن بنفسه ولنفسه ليس غير. كل شيء وكل إنسان عند صدقي باشا وسيلة لا غاية، وسيلة لا أكثر ولا أقل، ينتفع بها ما أمكن الانتفاع بها، ثم يعدل عنها حين يتاح العدول عنها.

    فقد كان مكرم باشا العظيم عند صدقي باشا اللبق وسيلة لا أكثر ولا أقل، وكان مكرم باشا مفتونًا بثناء الرجل اللبق. وأي إنسان لا يُفتن بثناء صدقي باشا حين يفقد ثناء الجماهير؟ وأي الناس لا يزدهيه التقريظ يأتيه من نادي محمد علي حين يفوته التقريظ الذي كان يأتيه من بيئات الشعب؟

    كان صدقي باشا يهدي الثناء، وكان مكرم باشا يتلقى الثناء، وكان أحد الرجلين يبتسم ساخرًا، وكان أحدهما الآخر يبتسم مفاخرًا، حتى إذا بدئ العهد السعيد وقفز مكرم إلى وزارة المالية فصال وجال وطلب الطعن والنزال، كان صدقي باشا من ورائه يدفعه ويرفعه، ويعد عليه ما يقول، ويحصي عليه ما يفعل، ويتربص به الدوائر، وينتهز به الفرص، وكان في الوقت نفسه يثني عليه أجمل الثناء، ويطريه أحسن الإطراء، فكان مكرم باشا سياسيًّا كبيرًا، وماليًّا خطيرًا. وقد يختلف صدقي باشا معه في هذا الأصل أو ذاك من أصول الاقتصاد، وفي هذا الفن أو ذاك من فنون المال، ولكنه لا ينكر براعة مكرم باشا في السياسة، وبلاءه في الوطنية، وإقدامه على جلائل الأعمال.

    كان صدقي باشا يُظهر الرضا، ويُضمر السخط، ويُعلن الثناء، ويُسرُّ النقد، وكان مكرم باشا يندفع ويندفع، ولم يدفع مكرم باشا إلى جلائل الأعمال قط شيء كما يدفعه الثناء من حيث جاء.

    وقد كان مكرم باشا رجلًا ضروريًّا تفرضه الظروف فرضًا، وتقتضيه الحياة اقتضاءً، فقد كان النقراشي باشا رئيسًا للوزراء، ولا بدَّ من أن يستقيل النقراشي باشا، ومن أن تُنغص عليه أمور الحكم تنغيصًا، وأي رجل أقدر على ذلك من مكرم باشا؛ فهو الشريك المخالف، والزميل المعاكس دائمًا، وإذن فليُثنِ صدقي باشا وقد أثنى، وليندفع مكرم باشا وقد اندفع، وليشقى النقراشي باشا وقد شقيَ.

    ولعل القرَّاء قد لاحظوا هذا التوافق الغريب الذي كانت تأتي به المصادفات دائمًا بين سياسة مكرم باشا داخل الوزارة، وسياسة صدقي باشا خارج الوزارة. كان مكرم باشا ينكر إبطاء النقراشي باشا في المطالبة بالمفاوضات، وكان صدقي باشا ينكر هذا الإبطاء في الأهرام، ويسميه سياسة كسب الوقت، فلما ضاق مكرم باشا بهذا الإبطاء، واستقال ليُكره النقراشي باشا على الإسراع بطلب المفاوضات، كان صدقي باشا مؤيدًا له وظهيرًا خارج ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية، وداخل ما كان يسمى يومئذ بالهيئة السياسية أيضًا، حتى غُلِب النقراشي باشا على أمره وطلب المفاوضات على كرهٍ منه. وكان مكرم باشا متحرجًا من الردِّ البريطاني على مذكرة الحكومة المصرية؛ يرى فيه قيودًا لا يحبها ولا يرضاها، ويودُّ لو أزيلت هذه القيود.

    وكان صدقي باشا يرى مثل ذلك في الأهرام، حتى كان الناس يتساءلون عن هذا التوافق الغريب بين الرجلين العظيمين في شئون المال والسياسة والاقتصاد. والحق أن صدقي باشا كان له تلميذان بارعان؛ أحدهما: كان مكرم باشا، وكان بارعًا في السياسة والاقتصاد والمال، والآخر: النقراشي باشا، وكان بارعًا في الحزم والعزم، وفي الضبط والربط، وفي تسليط الشرطة على نفوس الشباب لتُزهق، وعلى دماء الشباب لتُراق، وعلى رءوس الشباب لتُهشم، وعلى أعضاء الشباب لتُحطم محافظة على الأمن وإقرارًا للنظام دائمًا، وبرًّا بمصر والمصريين على كل حال.

    وكان الأستاذ العظيم ينظر إلى تلميذيه العظيمين نظرة عطف وحنان، فيها ملاعبة ومداعبة، يغري أحدهما بالآخر، ويهيج أحدهما على الآخر ليضحك منهما، وليضحك غيره منهما، كما يفعل الأب الكريم حين يداعب أبناءه البررة الأوفياء.

    ولم يكد وزير خارجيتنا السابق يقول ما قال في لندرة حول مجلس الأمن: أمختصٌ هو بأحداث مصر والشرق العربي أم غير مختص؟ حتى ثار الرجلان العظيمان، ثار الأستاذ في نادي محمد علي، وفي الأهرام، وفي مجلس النوَّاب، وثار التلميذ في ناديه وصحيفته وفي الوزارة، ثم استقال، وأُحرج التلميذ العظيم الثاني بين فكاهة أستاذه صدقي باشا ودعابة زميله مكرم باشا، وما ينبغي لزميله الآخر بدوي باشا من الاحترام والوفاء أثناء غيبته على الأقل.

    وكذلك لها الأستاذ البارع بالتلميذين البارعين، وكان كلما لها لم يكتفِ باللهو، وإنما يسجل الحوادث، ويستخلص النتائج، وينتظر دورة الفلك، حتى كان يوم ٩ فبراير، فبلغ السيل الزبى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ، وفاض الإناء، وأجمع نادي محمد علي على أن وزارة النقراشي باشا لم يبق لها في الحكم مقام. ولم يكد الأسبوع ينتهي حتى كان مكرم باشا قد استقال، وحتى كانت الوزارة كلها قد انهارت انهيارًا، وحتى كان الأستاذ العظيم قد جلس على كرسيه القديم، وأخذ في يديه القويتين وزارة المالية ووزارة الداخلية.

    فأمَّا الرياسة فقد وضعها في قلبه وفي رأسه، وفي كل جزء من أجزاء شخصه العظيم، ومنذ ذلك اليوم أخذ الأستاذ يعلم تلميذيه كيف يكون الحزم والعزم، وكيف يكون الضبط والربط، وكيف يكون حفظ الأمن وإقرار النظام، وكيف يكون تدبير المال وإصلاح الاقتصاد، والتلميذان ينظران وينتفعان ويستعدان ليوم قد يأتي بعد انتظار طويل أو قصير لينتفعا بالدروس التي تُلقى عليهما الآن.

    والواقع أن الأحداث التي أطاحت بوزارة النقراشي باشا قليلة جدًّا بالقياس إلى الأحداث التي تثبت صدقي باشا في الحكم، وتمنحه ما يريد وما لا يريد من النصر والتأييد. وقد كان صدقي باشا أستاذًا بارعًا بأدق معاني الكلمة وأروعها، فهو لم يشرك النقراشي باشا معه في الحكم؛ لأنه لم يرد أن يحمل أوزاره وأوزارًا مع أوزاره، ولم يرد أن يشارك في تبعات ٩ فبراير؛ لأن ما كان وما هو كائن وما سيكون من التبعات يكفيه، ولم يشرك مكرم باشا معه في الحكم؛ لأنه لا يريد أن يأتيه التنغيص من خارج الوزارة، ولو قد أشرك مكرم باشا في الحكم لاستقال مكرم باشا في ٢١ فبراير، ولاستقال مكرم باشا بعد حوادث الإسكندرية، ولاستقال مكرم باشا أول أمس حين أثيرت في مجلس النواب قصة مجلس الأمن. وكذلك استطاع صدقي باشا أن يجنب وزارته ثلاث أزمات في أقل من شهر. فوَازِنْ أنت بينه وبين تلميذه النقراشي باشا البسيط.

    وربما كان موقف صدقي باشا من قصة مجلس الأمن هذه من أروع المواقف وأجدرها بالإعجاب؛ فهو قد أقام الدنيا وأقعدها مع مكرم باشا احتجاجًا على وزير خارجيتنا السابق، ولكنه نهض بأعباء الحكم قبل أن يفصل في هذه القضية، وعاد وزير خارجيتنا السابق إلى مصر قبل أن يفصل في هذه القضية أيضًا، ونظر صدقي باشا فإذا هو بين رجلين كلاهما خليق بعنايته، وكلاهما يضطره إلى التحفظ والاحتفاظ.

    ولذلك شُغل صدقي باشا يوم الثلاثاء فلم يحضر مجلس النواب، ورؤساء الوزارات يشغلون متى أرادوا، ويفرغون متى أرادوا؛ فقد شُغل صدقي باشا إذن يوم الثلاثاء وترك أمر هذه القضية لأستاذنا صديق الطرفين، أو صديق الأطراف الثلاثة وزير الخارجية القائم. وقد نفذ الأستاذ من هذه القضية كما ينفذ السهم من الرمية، فاستفسر بدوي باشا، وتلقى منه التفسير، وألقاه على مجلس النواب فرضي المجلس، وشكر الوزير السابق، وسخط مكرم باشا، ولكنه أُكره على الصمت إكراهًا، ثم خرج فكتب كتابًا إلى صدقي باشا تلقاه صدقي باشا باسمًا ودسَّه في درج من الأدراج، وانتهى الأمر عند هذا الحد.

    أترى إلى هؤلاء الأصدقاء الأعداء؟! أترى إلى هؤلاء الحلفاء الخصوم؟! أترى إلى هؤلاء الذين يتعاونون أمام الناس ويخذل بعضهم بعضًا من وراء الستار؟! أترى إلى هؤلاء الذين أقاموا العهد السعيد ثم جعلوا يتهالكون على ما فيه من حول وطول من حكم وسلطان؟! إنهم سيفاوضون البريطانيين غدًا أو بعد غد ليستخلصوا منهم حقوقًا كاملة في الجلاء التام ووحدة وادي النيل.

    سيذهبون إلى المفاوضات مجتمعين في ظاهر الأمر، مختلفين في حقيقة الأمر، كلهم ينتهز الفرص، وكلهم يتربص الدوائر، وكلهم رقيب على أصحابه، وكلهم خائف من أصحابه، وهم — بهذه الحال الرائعة من الوفاق الذي يخفي الخلاف، ومن التعاون الذي يخفي التدابر — سيفاوضون الإنجليز ليستخلصوا منهم حقوق مصر في الجلاء ووحدة وادي النيل!

    عفا الله عنهم، أليس من الخير أن يبدءوا فيفاوضوا أنفسهم ليستخلصوا من أنفسهم للشعب المصري حقَّه في أن يكون حرًّا كريمًا، يحكم نفسه بنفسه ولنفسه، ولا تحكمه قلة ضئيلة قليلة تُظهر الائتلاف، وتُضمر الاختلاف، وتُضحِك الناس لا من نفسها فحسب، بل من نفسها ومن وطنها أيضًا؟

    ولكن هذه قصة أخرى.

  • تمثيل

    تمثيل
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ٢ ديسمبر ١٩٤٥
    فكاهة محزنة أو مأساة مضحكة هذه التي تمثلها الأحزاب المؤتلفة في ملعب السياسة المصرية؛ فقد أصبح للسياسة المصرية ملعب في هذه الأيام، ملعب طريف تُعرَض فيه صور مضحكة لمن شاء أن يضحك، ومحزنة لمن شاء أن يحزن، ومسلية لعامة الناس على كل حال. فليس من شك في أن ما تحدثه أحزابنا المؤتلفة من الفر والكر، ومن الإقبال والإدبار، ومن الإقدام والإحجام، ومن الانحياز إلى اليمين مرة، وإلى الشمال مرة أخرى، كل ذلك يُسلِّي عامة الناس ويلهيهم. ولست في حاجة إلى أن يُقام لك الدليل على شيء من ذلك، وإنما يكفي أن تمر بالأندية، وتلم بالقهوات، وتستمع للناس وهم يديرون الحديث بينهم؛ لتعلم أن الأمة المصرية تلهو بأحزابها، وتعبث بهذا الطراز الجديد من الساسة الذين يقولون ولا يعملون، والذين يأتلفون وهم مختلفون، ويتعاونون وبعضهم يكيد لبعض ألوان الكيد كأنما يراد أن يتعلم المصريون كيف يكون العبث، وكيف يكون اللعب، وكيف يُظهر الناس الجد وهم عابثون، وكيف يتكلف الناس العمل وهم كسلون، وكيف يكون خداع الناس عن أنفسهم وعن آمالهم وأمانيهم، وكيف تكون تلهية الناس بالسخف عن الحق حين لم تبق إلى إدراك الحق سبيل. وفكاهتنا هذه المحزنة، أو مأساتنا هذه المضحكة طويلة كليل الشتاء، لا تريد أن تنقضي، قد بعد العهد بأولها حتى نسيه الناس أو كادوا ينسونه، فأمَّا آخرها فسرٌّ من أسرار الغيب. وليس المهم أن تنتهي القصة، بل المهم ألَّا تنتهي؛ لأن في انتهائها انتهاء هذا العهد السعيد الذي يضحك فيه المصريون. وكيف يعيش المصريون إذا لم يضحكوا؟! ولا تقل: إن المصريين يستطيعون أن يضحكوا في ملاعب التمثيل ودور السينما؛ فإن هذا الضحك ليس شيئًا؛ لأنه ينقضي بانقضاء التمثيل، وينتهي بانطواء ما يسمونه الشاشة البيضاء. فأمَّا الضحك السياسي فإنه يصبِّح المصريين حين يهبون من نومهم، ويصاحب المصريين حين يغدون على أعمالهم، ويرافقهم حين يروحون إلى أهلهم، ويلازمهم حين يلتقون بين الليل والنهار في الأندية والقهوات. ومن يدري لعله لا يفارقهم حين يخلو كل واحد منهم إلى نفسه، ولعله لا يفارقهم حين يأوي كل واحد منهم إلى مضجعه، ولعله يصيبهم في أحلام الليل. وأي غرابة في هذا، فموضوع القصة هو حياة المصريين في بلادهم، وصلات المصريين بحلفائهم وأصدقائهم؟ والمصريون في هذه الأيام يقظون يفكرون في هذا كله، ويتساءلون عن هذا كله، فأي شيء أجمل وأشد روعة من أن يفكر الإنسان في الجد فيضطر إلى الضحك، ومن أن يبحث الإنسان عن الجد فلا يرى إلَّا سخفًا وهزلًا؟! في شهر أغسطس الماضي، بدأت الفكاهة المحزنة أو المأساة المضحكة حين ألح المصريون على رئيس وزرائهم في أن ينبئهم عن موقف حكومتهم من الحقوق الوطنية، فتكلم رئيس الوزراء في البرلمان ولم يقل شيئًا، وصفق له أنصاره لأنهم يفهمون شيئًا من لا شيء، ولأنهم يستخرجون الجد من اللعب، والحقائق من الكلام الذي لا غناء فيه. في ذلك الوقت قال رئيس الوزراء للمصريين: إنه لن يهمل فرصة تسنح للمطالبة بحقوق مصر والظفر بهذه الحقوق، لن يهمل فرصة بشرط أن تسنح هذه الفرصة. وكيف تسنح هذه الفرصة؟ أتخلق نفسها، أم يخلقها الإنجليز، أم يخلقها المصريون؟ فأمَّا الإنجليز فقد قال وزير خارجيتهم: إنه ينتظر الوقت المناسب، وأمَّا المصريون فقد قال رئيس وزارتهم: إنه ينتظر سنوح الفرصة. وفي أثناء ذلك كثر الفر والكر، وكثر الاعتراف والإنكار، فقال قائلون: لقد طلبت المفاوضات، وقال قائلون: بل لم تطلب المفاوضات. وجمعت اللجنة التي يسمونها الهيئة السياسية فقالت وقال بعدها مجلس الوزراء: إن الوقت ملائم للمفاوضات، ثم أرسلت اللجنة إلى سريرها لتنام، فنامت نومًا عميقًا، وبقي الوزراء وحدهم في الملعب يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، ومن ورائهم أحزابهم تتصايح وتتناوح، وتثير في الجو غبارًا لا يستر شيئًا، بل يفضح كل شيء. وفي ذات يوم — أو في ذات ليل — سمعت الهيئة السياسية صوتًا أيقظها من نومها العميق، فهبت مذعورة لأنها رأت — فيما يرى النائم أو فيما يرى اليقظان — أن وزير الخارجية البريطانية يعلن في البرلمان البريطاني أنه لم يتلق من الحكومة المصرية شيئًا يمس المفاوضات. وهمت الهيئة السياسية — أستغفر الله — بل همَّ إمامها صدقي باشا أن يصنع شيئًا، ولكنه لقي رئيس الوزراء، ولم يكد يخرج من دار الرياسة حتى أسرع إلى سريره فنام مع النائمين، وظلت الهيئة السياسية نائمة منذ أواخر سبتمبر إلى أوائل ديسمبر، والوزراء وحدهم في الملعب، يذهبون ويجيئون، يداورون ويناورون، وأحزابهم من ورائهم تتصايح وتتناوح؛ حتى بلغ السيل الزُّبَى، وجاوز الحزام الطُّبْيَينِ. واستبان لبعض الوزراء أن جمهور النظارة قد كاد يسأم هذا اللعب الفاتر، وينصرف عن هذا التمثيل الممل. هنالك نشط الممثلون، وشاع في اللاعبين فضل من حياة، فإذا وزير يستقيل ويذهب إلى أقصى الصعيد، وإذا وزير آخر يعرض نفسه على النظارة في موقف الحائر الموله، يغشى وجهه الابتسام حينًا، والعبوس حينًا آخر، يتقدم ثم لا يلبث أن يتأخر، ينحرف إلى يمين، ثم لا يلبث أن ينحرف إلى شمال. والنظارة يرون ذلك فيضحكون ويتفكهون، والوزير ماضٍ في لعبه، وحزبه من ورائه يشجعه ويحثه بالصياح والنواح والتصفيق والصفير، حتى إذا بلغ نشاط الوزير أقصاه مضى إلى الخطوة الحازمة الحاسمة، فلقي رئيس الوزراء، وظنَّ النظارة أن فصلًا من فصول القصة يوشك أن ينتهي، ولكن الفصل لم ينته ولم يؤذن بالانتهاء، وإنما هو منظر يتلوه منظر آخر؛ فقد خرج الوزير البارع من دار الرياسة غامضًا كأنه الغيب، يومئ ببعض الألفاظ كأنه كاهن أبولون، ولم يقبل المساء حتى كان لقاء ثم انجلت الغمرة، وانحلت الأزمة كأن غمرة كانت قد عمَّت الناس، وكأنه أزمة كانت قد انتهت من التعقيد إلى أقصاه. ولم تكن هناك غمرة، ولم تكن هناك أزمة، وإنما كان تمثيل وتخبيل. والمهم أن الهيئة السياسية ستستيقظ من نومها، ويظهر أن إيقاظها يحتاج إلى بعض الوقت لأنها غارقة في نوم عميق، عميق جدًّا، فهي لن تجتمع اليوم، ولن تجتمع غدًا، ولكنها ستجتمع بعد غد إن شاء الله. ولكن تجتمع لتصنع ماذا؟ لقد اجتمعت في شهر سبتمبر فقالت وقال معها مجلس الوزراء: إن ذلك الوقت كان أشد الأوقات ملاءمة للمفاوضات. فلم يحفل بها أحد؛ لأنها لم تحفل بنفسها، ولم يلتفت إليها أحد لأنها نامت وأغرقت في النوم، ولم يستطع وزير الخارجية البريطانية أن يوقظ من أعضائها إلَّا عضوًا أو عضوين، لم يكادا يستيقظان حتى عادا إلى الغطيط. وإذن فستجتمع الهيئة يوم الثلاثاء لتصنع ماذا؟! لتصنع شيئين أو ثلاثة أشياء، أو قل لتصنع شيئًا واحدًا؛ هو المضي في التمثيل وإشاعة شيء من الحياة والنشاط في الممثلين، فما ينبغي أن يسأم النظارة أو أن يدركهم النوم. ستجتمع يوم الثلاثاء لتقنع وزير العدل بالإعراض عن الاستقالة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير المالية بأنه في حاجة إلى شيء من الاستقرار والهدوء؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتقنع وزير التجارة بأنه في حاجة إلى شيء من الريث والأناة؛ لأن الأمور تجري على خير ما يحب المصريون، ولتُقنع المؤتلفين جميعًا، ومنهم المستقلون، بأن الائتلاف لم يكن في يوم من الأيام قويًّا كما هو الآن، وبأن مصر لم تحتج في يوم من الأيام إلى قوة الائتلاف كما تحتاج إليها الآن منها؛ فما زال الوفد قائمًا، وما زال رئيسه يذهب إلى الإسكندرية ويعود منها، ويشهد الصلاة في المساجد المختلفة يوم الجمعة، وما دام رئيس الوفد يذهب ويجيء ويشهد الصلاة ويستقبل الناس؛ فمصر في خطر، ولن يَدرَأ هذا الخطر إلَّا الائتلاف المتين بين خصوم الوفد. فأمَّا المطالب المصرية فأمرها يسيرٌ جدًّا. لقد صرَّح وزير العدل البريطاني في مجلس اللوردات — كما صرَّح وزير الخارجية منذ أسابيع في مجلس العموم — بأن بريطانيا العظمى مستعدة للمفاوضة في الوقت الملائم، وبأنها لا تريد السيطرة على مصر، وإنما تريد شركة مع مصر قوامها الزمالة والمساواة. وهل تطمع مصر في شرف أعظم من أن تشارك بريطانيا العظمى في إدارة الشئون المصرية على أساس من الزمالة والمساواة، ثم إن بريطانيا العظمى مسدية إلينا بعد هذا كله فضلًا لن نستطيع له شكرًا، فهي ستصلح من شأننا، وسترفع مستوى معيشتنا، وستعصم جائعنا من الجوع، ومحرومنا من الحرمان، وستحمينا من البؤس كما تحمينا من غارة الأجنبي، فماذا نريد أكثر من هذا؟! ولم لا يُعرض وزير العدل عن استقالته؟ ولم لا يثوب وزير المال إلى الهدوء والاستقرار؟ ولِمَ لَمْ يعد وزير التجارة إلى الريث والأناة؟ ولِم لا تعود الهيئة السياسية إلى نومها العميق؟ ولِمَ لا يمكَّن رئيس الوزراء ووزير الداخلية من الفراغ لمهمته الخطيرة؟ فما زال رئيس الوفد يذهب ويجيء، ولا بد من مراقبته حين يذهب ويجيء، وما زال رئيس الوفد يشهد الصلاة، وما زال الناس يحبونه، فيجب أن يُراقب حين يشهد الصلاة، وأن نغلق المساجد حين يدخل وحين يخرج، وأن يُصدَّ الناس عن هذا الحب الأثيم، وأن يُؤدَّبوا إذا أصروا على هذا الحب الأثيم. وما زال رئيس الوفد يستقبل الناس، فيجب أن تُراقب داره وتُحاصر، وأن يرد الناس عن هذه الدار. يجب أن يختار المصريون بين اثنين لا سبيل إلى اجتماعهما؛ فإمَّا أن يُحارب الوفد ورئيسه، وإمَّا أن يفاوض الإنجليز في حقوق مصر. وواضح جدًّا أن محاربة الوفد ورئيسه هي غاية الغايات، وغرض الأغراض؛ لأن استقلال مصر في خطر أي خطر ما دام الوفد قائمًا، وما دام رئيسه يشهد الصلاة ويستقبل الناس. فأمَّا تلكؤ الإنجليز في المفاوضة وانتظار الوقت الملائم، وإقامة الشركة الجديدة على أساس من المساواة والزمالة، واتخاذ القاهرة عاصمة جديدة في أوقات السلم لمنطقة النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط، وإنشاء المكتب البريطاني في الشرق الأوسط في مدينة القاهرة إلى جانب السفارة البريطانية دون أن تفاوض مصر في إنشائه، ودون أن تتفق مصر على إنشائه، ودون نظر إلى أن إنشاءه يلائم الاستقلال أو لا يلائمه، ويوافق السيادة أو لا يوافقها. كل هذه الأمور هينة ولينة، لا ينبغي أن تضيق بها أو تشفق منها؛ لأن خطرها على الاستقلال أقلُّ جدًّا من هذا الخطر الداهم الذي يصوره مصطفى النحاس حين يشهد الصلاة ويستقبل الناس. وكذلك تمضي فكاهتنا المحزنة ومأساتنا المضحكة في سبيلها، لا يقف الممثلون عن التمثيل، ولا يكف النظارة عن الضحك والعبث. ولست أدري أيقرأ أعضاء الهيئة السياسية ما ينشر عن مصر في خارج مصر، أم يصرفهم نومهم العميق عن القراءة. أمَّا أنا فقد قرأت في جريدة الموند الفرنسية أن سادة مصر يختلفون إلى نادي محمد علي، ويغرقون في كراسيه الوثيرة، يشربون ويلعبون ويناورون في أثناء ذلك ويداورون. ولم تنس جريدة الموند إلَّا شيئًا واحدًا، وهو أن سادة مصر قد يجتمعون بين حين وحين حول رئيس الوزراء ليقرروا أن الوقت ملائم للمفاوضات. لقد كان الرومانيون يطلبون إلى قياصرتهم اللعب والخبز، وكان الرومانيون يسرفون على قياصرتهم حين يطلبون إليهم هذين الأمرين الخطيرين، فقد أصبحنا نحن أعقل من الرومانيين وأشد منهم قناعة، لا نطلب اللعب والخبز؛ فهذا كثير، وإنما نطلب اللعب وحده. وحكومتنا رشيدة حقًّا؛ فهي تعطينا من اللعب ما نريد، وأكثر مما نريد، فأمَّا الخبز فيجب أن نطلبه من الله، وأمَّا الاستقلال فيجب أن ننتظر حتى يتفضل به علينا الإنجليز.

  • في الوقت الملائم

    في الوقت الملائم

    طه حسين

    جريدة البلاغ

    ٢٣ أغسطس ١٩٤٥

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بأن يناموا أو يُنْعِموا في النوم، وبأن يأخذوا من الراحة ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه، وبأن يَفْرُغوا لأعمالهم العاجلة إن كانت لهم أعمال عاجلة، ولأعمالهم الآجلة إن كانت لهم أعمال آجلة، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي حل مشكلات السودان.

    أمام المصريين وقت واسع كل السعة يستطيعون أن يعملوا فيه وألَّا يعملوا، ويستطيعون أن يجدُّوا وأن يَهْزَلوا، ويستطيعون أن يأتلفوا فيه وأن يختلفوا، ويستطيعون أن يأخذ فيه بعضهم بتلابيب بعض، وأن يتقاذفوا فيه بالتهم، ويتنابذوا فيه بالألقاب، وأن تطغى القِلة فيه على الكثرة، وتشكو الكثرة فيه من القلة، ويَنْظر المتسلطون فيه إلى المستضعفين على أنهم شيءٌ ليس بذي خطر، ويَنْظر المستضعفون فيه إلى المتسلطين على أنهم قساة القلوب غلاظ الأكباد، لا يعرفون لِينًا ولا رفقًا، ولا يألفون رحمةً ولا عطفًا.

    أمام المصريين من سعة الوقت ما يسمح لهم بهذا كله، وبأكثر من هذا كله، وبغير هذا كله، مما نَعْرف وما لا نَعْرف، ومما لا يخطر لنا ببال، قبل أن تُثار مسألة الحقوق المصرية فقد أعلن رئيس وزراء مصر إلى البرلمان المصري أنه لن يُقَصِّر في ذات هذه الحقوق، ولن يتأخر عن الدخول في المفاوضات حين تسنح الفرصة، وأعلن وزير الخارجية البريطانية في مجلس العموم البريطاني أنه لا يستطيع أن يقول الآن شيئًا عن المسألة المصرية، وأنه قد قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصري للبرلمان المصري، وأن الحكومة البريطانية ستنظر في الوقت الملائم إلى تعديل المعاهَدة بروحٍ من الود والتقدير لمصالح الطرفين. ثم وقَف الأمر عند هذا الحد، حكومتنا تنتظر غير مُقَصِّرة في الانتظار، وحليفتنا تنتظر الوقت الملائم، وتَعِدُ بتقدير مصالح الطرفين حين يأتي هذا الوقت الملائم، ولا تستطيع الآن أن تقول شيئًا غير هذا.

    ماذا يريد المصريون أن يعلموا؟! وماذا يريد المصريون أن يعملوا؟! وماذا يريد المصريون أن يقولوا؟! لقد علِموا أن الوفد أرسل مذكرة إلى الحكومة البريطانية يتعجل فيها تعديل المعاهَدة ورَدَّ الحقوق إلى أهلها، ولكن الوفد ليس حكومة، وإنما هو شعب، والشعوب تستطيع أن تتكلم إن أُذن لها بالكلام، ولكن كلامها قد يُسْمَع وقد لا يُسْمَع، وقد يُلتفت إليه وقد يُعرَض عنه، وعلموا أن حكومتهم قد رأت الانتظار وآثرَت الأناة، وفضَّلتْ أن تظل هادئة مطمئنة حتى تسعى إليها المفاوَضات ويدعوها البريطانيون إلى الأخذ في الحديث.

    واعلموا أن البريطانيين ينتظرون الوقت الملائم، وأمْر الوقت الملائم هذا بيَد الله، وهو مِنْ أسرار الغيب، لا يستطيع أحد أن يتنبأ بقربه أو بعده، ولا يتحدث بدنوه أو نأيه، فليس على المصريين بعْدَ هذا كله إلَّا أن يفرغوا له من اللهو واللعب، ومن الدعابة والعبث من التندر بطرائف الأحاديث والتفكه بنوادر الحادثات، يَغْضَبون حينًا ويَرْضَوْن حينًا آخر، ولكنهم إن غضبوا فغضبهم كهذه النار التي تضطرم في الورق، يكفي أيسر الهواء ليردها إلى الانطفاء، ولكنهم إن رضوا فرضاهم رقيق كل الرقة، يظهَر على الوجوه ويرتسم على الشفاه، ثم يمُر كما يمر النسيم.

    نعم؛ لم يَبْقَ للمصريين إلَّا أن يعيشوا هذه العيشة الراضية الناعمة التي يألفونها ويحبونها، والتي لا كدَّ فيها ولا جهد، ولا مشقة فيها ولا عناء، وإنما هي طعام لمن وجد الطعام، وجوع لمن لم يَجِدْ شيئًا، وهي سعادة لمن تتاح له السعادة، وبؤس لمن يُفْرَضُ عليه البؤس، وهي رضًى بالقَدَر خيْره وشَرِّه وحلوه ومرِّه، وإذعان للقضاء المكتوب واستسلام لما تأتي به الأيام، وماذا تريد أن يفعل المصريون، أفلح من طار بجناح أو استسلم فأراح.

    وقد قُصَّتْ أجنحة المصريين منذ وقت طويل، فهم لا يستطيعون أن يطيروا إلَّا كما تطير الدجاجة، ويرتفعون ليقعوا، وتَخْفُقُ أجنحَتُهم في غير طائل ليقعوا، وتَخْفُق ليُسْمَع خَفْقها، وحسْبك من شر سماعه، ماذا تريد أن يَفْعل المصريون؟ لقد طَلَبَ الشعب فلم يستجب له أحد، وقالت الحكومة إنها لم تَطْلب شيئًا الآن، وقالت الحليفة إنها ستفكر حين يأتي الوقت الملائم، فما على الدجاجة إلَّا أن تُسْرع حينًا وتبطئ حينًا آخر، وتتلكأ بين ذلك تلتقط ما تجد من الحَب هنا أو هناك، مالئةً الجو مِنْ حولها بهذا الصياح الذي يُصِمُّ الآذان ولا يغْني عنها شيئًا.

    كذلك أرادت الظروف وبذلك جَرَت الأقدار، وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ منذ أعقاب الحرب الماضية، والتي أرْسَلَتْ قومًا إلى مالطة وآخرين إلى سيشل، وألقت بأقوامٍ غيرهم في غيابات السجون. وإلى ذلك انتهت الجهود التي بُذلتْ أثناء الحرب الأخيرة من وفاءٍ بالعهد وبرٍّ بالوعد، وإيثار على النفس، وتضحية بالمرافق، واحتمال لضروب الحرمان، وتَعَرُّض للأخطار وتجشُّم للأهوال.

    إلى هذا انتهت الجهود التي بُذلت لمعونة الحليفة، بل لمعونة الحلفاء، وإلى هذا انتهت الوعود التي أُهديتْ إلينا بغير حساب، وإلى هذا انتهى عرفان الجميل. انتهى كل هذا إلى أن يَنْظُر المصريون، فإذا هم يُحْكَمون على غير ما يُحِبُّون، ويُساسون على غير ما يشتهون، تسيطر قِلَّتُهم على كثرتهم، ويؤخذون بسلطان الحكم العرفي بعد أن زالت أسباب الحكم العرفي، ويُضطرون إلى الصمت إذا أرادوا أن يقولوا، وإلى السكون إذا أرادوا أن يتحركوا، ويوشكون أن يُضطروا إلى الرضا إذا أرادوا أن يَغْضبوا، وإلى الضحك إذا أرادوا أن يبكوا، ثم يَنْظر المصريون فإذا القضاء لا يرضى بشقائهم في حياتهم الداخلية، وإنما يضيف إلى الشقاء خيبةَ الأمل في سياستهم الخارجية. حكومتهم لا تريد أن تصنع شيئًا إلَّا أن تنتظر، وحكومة حليفتهم لا تستطيع أن تقول شيئًا ولا أن تصنع شيئًا حتى يأتي الوقت الملائم، والوقت الملائم سرٌّ من أسرار الغيب.

    ويريد القضاء القاسي، ويريد القدر العنيف، ويريد سوء الحظ المنكَرُ أن تُخْتم هذه المأساة بهذا البيان الذي أُلْقِي أمس في مجلس العموم البريطاني، وأن يُذاع هذا البيان على المصريِّين في صباح اليوم الذي يَذْكرون فيه وفاة سعد — رحمه الله.

    في صباح اليوم الذي يَذْكرون وفاة ذلك الرجل العظيم، الذي شبَّ نار الثورة المصرية واحترق بها، واحتملَ في سبيلها الأهوال، وذهب في سبيلها إلى مالطة وإلى سيشل وإلى جبل طارق، في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر المصريون فيه وفاة هذا الرجل العظيم الذي يصوِّر ثورَتَهم بالظلم ومطالبَتَهم بالحق، وإيثارَهم للكرامة وحِرْصَهم على العزة، وافتداءَهم للحرية بالأنفس والأموال.

    في صباح هذا اليوم الذي يَذْكر فيه المصريون وفاة سعد، ومن استُشْهد مستجيبًا لدعوة سعد، تذيع الصحف على المصريين أن وزير الخارجية البريطانية قد أعلن في مجلس العموم أنه قرأ الكلام الذي قاله رئيس الوزراء المصريِّين في البرلمان المصري، وأنه ينتظر الوقت الملائم، ولم لا؟ لقد قال رئيس الوزراء المصري إنه ينتظر الوقت الملائم، أفنريد أن يكون الإنجليز مصريِّين أكثر من المصريين! أفنريد أن يكون وزير الخارجية البريطاني أشدَّ تعجلًا لإنصاف مصر من رئيس الوزراء المصري ومن البرلمان المصري … فما ينبغي أن نَظْلم رئيس الوزراء، لقد قال ما قال بعد أن استشار زملاءه فأقروه على خطته وأقروه على كلامه. ولقد قال ما قال في مجلس النوَّاب، فسَمِعَ له المجلس، وناقشَتْه قلة من أعضائه، وانتقلَ المجلس إلى جدول الأعمال، وكان مثل هذا في مجلس الشيوخ.

    فالعهد القائم كله شريك لرئيس الوزراء فيما قال، شريك له فيما عَمِلَ وفيما لم يعمل، شريك له في الانتظار، وشريك له في سياسة كسب الوقت — كما يقول صدقي باشا.

    إن المصريين ينتظرون، فليس على الإنجليز بأس أن ينتظروا، انتظار في مصر وانتظار في بريطانيا العظمى، وأممٌ أخرى تُسرع إلى بلوغ أهدافها وتحقيق آمالها، وتُكرِه العالم على أن يفكر فيها ويَنْظر إليها مؤيدًا لها معجَبًا بها، مهديًا إليها ما يستطيع أن يُهْدِي إليها من العون والإنصاف.

    لست أدري ماذا يستطيع رئيس الوزراء أن يقول اليوم لروح زعيمه سعد — إن تراءى له روح زعيمه سعد — وذكَّره بأن مصر قد كانت لها مواقف أخرى في أعقاب الحرب الماضية.

    على أن سوء الحظ لم يَقِفْ عند هذا الحد، فلا بدَّ من أن تشرب مصر الكأس إلى الثمالة، ولا بدَّ من أن تذوق سخرية القدر إلى أقصى مرارتها، فوزير الخارجية البريطانية لم يَطْوِ كَشْحًا عن حقوق مصر انتظارًا للوقت الملائم فحسب، ولكنه تحدَّث عن الرعايا البريطانيِّين، ومعاملاتهم في مصر بعد الحرب، وتحدث عن الأحكام العسكرية التي يَخضع لها سكان مصر جميعًا، ومنهم الرعايا البريطانيين، تحدَّث عن هذا كله، فأنبأنا بشيئين خطيرَيْن جدًّا كنا نجهلهما أشدَّ الجهل.

    أولهما: أن الطوارئ التي اقتضت إنشاء المحاكم العسكرية قد زالت، فلم يَبْقَ بدٌّ من إلغاء المحاكم العسكرية. تبارك الله! متى زالت هذه الطوارئ!؟ يجب أن يأتينا نبأ زوالها من لندرة ومن مجلس العموم البريطاني. الثاني: أن الحكومة البريطانية تفاوِض حكومتنا في حقوق الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. تبارك الله! وماذا تنتظر الحكومة المصرية لتُفاوِض الحكومة البريطانية في حقوق المصريين المقيمين في مصر!؟ أمَّا السفير البريطاني فلم ينتظر سُنوح الفرصة ليفاوِض دولة النقراشي باشا في إلغاء الأحكام العرفية بالقياس إلى الرعايا البريطانيين. وأمَّا دولة النقراشي باشا فينتظر أن تسنح الفرصة ليتحدث إلى السفير البريطاني في تعديل المعاهدة، وفي الجلاء، وفي السودان. ولا غرابةَ في ذلك، فالسفير البريطاني لا يخشى شيئًا إذا فاوَض النقراشي باشا فيما يريد. أمَّا رئيس الوزراء المصري فأمْره يختلف أشد الاختلاف.

    وبعد، فقد قال وزير الخارجية البريطاني في مجلس العموم — بلهجة حازمة لا تخلو من بعض العنف: إن الحكومة المصرية تَعْلم ما تريد أن يفعل بشأن الرعايا البريطانيين المقيمين في مصر. ومعنى ذلك بلُغَتِنا نحن المصريين، أن الإنجليز يطالبون لأنفسهم بالتخلص من الأحكام العرفية في مصر، وقد طالب المصريون بهذا مرارًا وتكرارًا، فلم يُسْمَع لهم ولم يُحْفَل بهم، ولم يُلْتَفَتْ إليهم. أمَّا الآن فلن يَتَخلص البريطانيون المقيمون في مصر وحْدَهم من المحاكم العسكرية، ألم يكن خيرًا لنا أن نَسْبق إلى إلغاء الأحكام العرفية دون أن يُطْلَب إلينا ذلك، ألم يكن أكرم لنا أن نلغي الأحكام العرفية نزولًا على إرادة الشعب المصري.

    إن المصريين اليوم يذكرون وفاة سعد وموت من مات من الشهداء، فما أجدر بعض المصريين بأن يأْسَوْا وأن يحزنوا وأن يخجلوا من روح سعد، فقد كان روح سعد خليقًا أن يرى مصر بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية خيرًا مما هي اليوم.

  • الى أين

    حديث الوادي
    إلى أين . . .
    نعم إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وما عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له، فما نظن أن أحداً من المصريين مهما تكن منزلته، ومهما يكن مذهبه السياسي ومهما يكن ميله وهواه، يصبح أو يمسي دون أن يلقى على نفسه وعلى أصحابه هذه الأسئلة: إلى أين يدفع هذا البلد؟ وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟ فلم تعرف مصر منذ الثورة وقتاً انتهت فيه من الحرج إلى مثل ما انتهت إليه الآن وصارت إليه أمورها من الفساد والاختلاط، إلى مثل ما صارت إليه الآن. جلالة الملك مريض يجب ألا يتكلف من العناية بالأمور العامة مثل ما كان يتكلف، وألا يحمل نفسه من العناء مثل ما كان يحتمل، وقد أخذت أحاديث الناس منذ أمس، تلهج بأن مشكلات هذه الأزمة القائمة التي عرضت على جلالته عرضاً مفصلاً قد أثرت بعض الشيء في صحته، فعاد بعض القلق إلى النفوس، وأثيرت مسائل كان يقال إنها أرجئت، وأن الإنجليز قد أعرضوا عنها الآن إعراضاً.
    جلالة الملك إذن مريض لا يستطيع أن يتناول الأمور العامة بمثل ما كان يتناولها به من القوة والعناية الحازمة التي كانت تستنفد من جلالته وقتاً وجهداً، لا يقدر على إنفاقهما إلا الأقوياء الأفذاذ حقاً.
    والوزارة القائمة معلقة لا هي حية فترجى، ولا هي ميتة فترثى ويصرف الأمر عنها إلى وزارة غيرها، وإنما هي معلقة في الهواء، لا تعمل شيئاً، ولا تدع شيئاً، وهي إلى الموت أدنى منها إلى الحياة، وهي سبب في قيام المشكلات وازدياد الحرج واشتداد الأزمة. وإذن فإلى من صارت أمور مصر، وعلى من يعتمد في تصريفها، وفي حل هذه المشكلات المعقدة التي لا يزيدها مضي الوقت إلا تحرجاً وتعقيداً؟
    ينظر المصريون الآن فيرون أمورهم كلها قد صارت إلى رجلين اثنين. أحدهما نائب المندوب السامي ومن ورائه وزارة الخارجية البريطانية، ومن ورائهما السلطان الإنجليزي كله، والقوة الإنجليزية كلها، والدهاء الإنجليزي كله. والآخر زيور باشا رئيس الديوان الملكي، الذي يقف الآن حيث كان يجب أن يقف رئيس الوزراء ووزير الخارجية فيفاوض فيما لا يفاوض فيه رؤساء الدواوين الملكية، ويجادل فيما لا ينبغي أن يجادل فيه إلا رجال السياسة المسؤولون. يأخذ ويعطي أو يظهر استعداده للأخذ والعطاء، وما يكون له أن يعرض لشيء من هذا أو يحتمل أثقاله، وهو رجل مهما تكن شخصيته، ومهما تكن نيته ومهما يكن ذكاؤه وفطنته، فهو غير مسؤول ليست له صفة دستورية تبيح له أن يحتمل أعباء السياسة أو ينهض بأثقالها وتبعاتها وهو لا يستطيع من الوجهة الدستورية الصحيحة، أن يقول إن وراءه مجلس الوزراء، لأنه ليس وزيراً، ولأن مجلس الوزراء يكاد يكون غير موجود ولا يستطيع أن يقول إن وراءه البرلمان لأنه ليس وزيراً، ولا يستطيع أن يقف أمام البرلمان، ولا أن يتحدث إليه، ولأن البرلمان القائم مهما يكن رأي الناس فيه، مفرق غير مجموع، وليس إلى جمعه من سبيل ما دام جلالة الملك مريضاً، لا يستطيع أن يفتتحه، وما دامت الوزارة معلقة هذا التعليق، بين موت محتوم وحياة لم يبق منها إلا الأنفاس الأخيرة وإذن فأين تكون قوة مصر؟ وأين يكون تأييدها؟ وأين تكون ثقتها، وما طبيعة مركزها الآن في هذه المفاوضات الخطرة التي اتصلت منذ أمس بين المستر بيترسون وزيور باشا؟ أما الذي يتحدث عن الإنجليز فمن ورائه قوة لا تشبهها قوة وبأس لا يشبهه بأس، ودهاء لا يقاربه دهاء وأما الذي يتحدث عن مصر فليس وراءه شيء دستوري يستطيع أن يعتز به، أو يركن إليه.
    والأمر لا يقف عند هذا الحد بل هو يتجاوزه إلى ما هو أشد منه خطراً فلسنا نعلم أن هذا الشعب المصري الذي أهمل أشنع الإهمال أكثر من أربعة أعوام، والذي لم يحفل به أحد منذ نشأت هذه الأزمة، وفيما اختلف عليها من التطورات، لسنا نعلم أن هذا الشعب المصري يؤيد زيور باشا أو يخذله، ولا أنه يثق بزيور باشا أو يضن عليه بالثقة لأن للشعب المصري في زيور باشا آراءه من جهة ولأن زيور باشا أو غيره من الوزراء المسؤولين، أو الموظفين غير المسؤولين، لم ينبئوا الشعب المصري بشيء ولم يسألوه عن شيء، ولم يظهروه من دقائق الأزمة على شيء. وإذن فالمستر بيترسون يفاوض ووراءه إنجلترا كلها، وزيور باشا يفاوض وحيداً قد وقف الشعب المصري منه موقفاً بعيداً قوامه حياد هو إلى الشك أقرب منه إلى الثقة واليقين.
    أليس من حق كل مصري، بل من الواجب على كل مصري أن يسأل نفسه ويسأل الناس، إلى أين يدفع هذا البلد؟، وماذا يراد به؟ وماذا عسى أن تكون الأيام قد أضمرت له؟
    وكيف لا تمتلئ القلوب خوفاً، وكيف لا يستأثر القلق بالحياة المصرية كلها، وقد انتهت مأساة هذا العهد التعس إلى أن ينظر المصريون فإذا أمورهم تخرج من يد رجل غير مسؤول لتقع في يد رجل آخر غير مسؤول.
    كانت الأمور إلى الإبراشي باشا منذ أسبوع، فأصبحت الأمور إلى زيور باشا منذ أيام. وكلا الرجلين ليس من رجال الحكم، وكلا الرجلين لا يعرفه الدستور، وكلا الرجلين لا يستطيع أن يتحدث عن الشعب في قليل ولا كثير.
    قد يكون زيور باشا خيراً من الإبراشي باشا، وقد يكون زيور باشا آثر عند الإنجليز وأحب إليهم من الإبراشي باشا. ولكن شخصية الرجلين وحظهما من الشرف ونصيبهما من اللباقة ليست هي الأشياء التي تعني المصريين إذا كانت هي الأشياء التي تعني الإنجليز إنما الذي يعني المصريين أن تكون أمورهم إلى قوم مسؤولين أولاً وإلى قوم مسؤولين يثق بهم الشعب ويرضى عنهم، ولا يسئ الظن بما يقولون، ولا يثير الشك فيما يعملون، ثم أن يكون مرجع هؤلاء الناس إلى الأمة فيما يأخذون وفيما يعطون. فأين نحن من هذا الآن؟ ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الأزمة القائمة تعالج من الناحية المصرية علاجاً أوتوقراطياً خالصاً ليست له صفة دستورية ما. فكيف يراد من المصريين بعد هذا أن يطمئنوا؟ وكيف يراد منهم أن ينتظروا حوادث الغد أو حوادث اليوم في غير قلق ولا اضطراب؟
    إن الذين إليهم الأمر في مصر الآن وفي مقدمتهم زيور باشا بالطبع، خليقون أن يذكروا الأمة، وألا يذكروا غيرها، وأن يسلموا أن التفكير في الأشخاص وفي المنافع العاجلة إن أبيح لرجال السياسة أحياناً فإنه قد يحرم عليهم في الأوقات الخطرة التي تعرض للأمم والشعوب وأن التبعات التي تحملها ضمائر رجال السياسة قد تثقل في أوقات الخطر حتى تنوء بأصحابها، وحتى تضطرهم إلى أن يتخذوا موقفاً من موقفين: فإما أن يشركوا الأمة معهم، فيبرئوا ذمتهم أمام الوطن وأمام التاريخ، وإما أن يستبدوا بالأمر، فيحتملوا تبعة الإساءة إلى الوطن والتفريط في الحق.
    وإن الذين إليهم الأمر من الإنجليز خليقون أن يعلموا حق العلم أنهم إذا كان من حقهم أن يعملوا لوطنهم فإن من الحق عليهم أن يرعوا المنافع المحققة لوطنهم أيضاً.
    والمنافع الإنجليزية المحققة لا تتم ولا تحصل بالاتفاق مع الأشخاص غير المسؤولين الذين ليس لهم من الشعب سند يعتمدون عليه أو ركن يأوون إليه، وإنما تكون هذه المنافع وتضمن حين يتفق الإنجليز مع الشعب لا مع غيره وحين يسلكون إلى هذا الاتفاق الطرق الدستورية الشريفة لا غيرها. وإن المصريين جميعاً خليقون أن يحذروا وأن يظلوا أيقاظاً فما أعرف أن حياتهم السياسية تعرضت لخطر كالخطر الذي تتعرض له الآن.
    طه حسين
    الوادي، ٣ نوفمبر ١٩٣٤.