Tag: Budget

  • حلم

    حلم
    زعموا أن من أراد تعريف الحكم لم يوفق إلى خير من هذا التعريف الذي اهتدى إليه بعض الفلاسفة الفرنسيين، وهو أن الحكم تقدير العواقب والاستعداد للغد، والتنبؤ بما سيكون. وزعموا أن وزارة من وزارات الأرض لم توفق إلى أن تفهم هذا التعريف على وجهه، وتقدره حق قدره، وتجعله حقيقة واقعة كالوزارة المصرية القائمة. وزعموا أن أوضح دليل على ذلك كله قد أقامته مشتركة في إقامته وزارة المعارف ووزارة الأشغال.
    فقد أنبأتنا الصحف بأن الوزارة كانت قد قررت أن تشيد قاعة للمحاضرات في الجامعة المصرية، وأن تنفق في تشييدها خمسة وسبعين ألفًا من الجنيهات. وكان هذا القرار فيما تقول الصحف قد صدر قبل أن توضع الرسوم وتأخذ القاعة شكلها المنتظر. فلما وضع الرسم وتم وجود القاعة على الورق ظهر أن وجودها على الأرض يحتاج إلى خمسة وثمانين ألفًا لا إلى خمسة وسبعين ألفًا. وعُرض الأمر على مجلس الوزراء فلم يتردد لحظة في الموافقة على الرسم وما يحتاج إليه من النفقات.
    وليس من شك في أن أوربا، على ما فيها من جامعات، وعلى ما لها من بعد العهد بالجامعات، وعلى ما لها من أمل في مستقبل الجامعات، وعلى ثروتها الضخمة ويسارها الذي تضرب به الأمثال، سينفطر قلبها غيظًا وحنقًا، وستحسدنا حسدًا يحرق الأفئدة وينضج الأكباد حين تعلم أننا سننفق هذا المقدار لإقامة هذه القاعة. فإذا أنفقنا هذا المقدار بالفعل، وأقمنا هذه القاعة بالفعل، فستذعن أوربا لنا، وستؤمن لمصر الحديثة بعظمة لا تشبهها إلا عظمة مصر القديمة.
    وكيف لا، وستكون لنا قاعة تُلقى فيها المحاضرات، وتُعقد فيها المؤتمرات، تقام على ثلاثة آلاف متر، وتحتوي على أربعة آلاف من الناس، وينفق عليها نحو ثمانية ملايين من الفرنكات فيما يقول الفرنسيون، وخمسة وثمانين ألفًا من الجنيهات فيما يقول الإنجليز. ولست أدري كيف يُعبر عن هذا المقدار بحساب المارك عند الألمان، وبحساب الليرة عند الإيطاليين، وبحساب الدولار عند «الرئيس روزفلت» وأصحابه الأمريكيين.
    وسيكون في هذه القاعة كراسٍ لعامة الناس، وأخرى لأوساطهم، وأخرى لذوي المكانة فيهم. وستزدان بمقصورة لحضرة صاحب الجلالة الملك، وبشرفات لأصحاب السمو الأمراء، وغرفات لأصحاب المعالي الوزراء. وسيكون لها من السعة والارتفاع، وسيكون لها من الزخرف والإبداع ما يجعلها من أفخم، إن لم تكن أفخم، قاعات المحاضرات في العالم كله.
    فإذا سألت بعد ذلك عما سيُلقى فيها من المحاضرات فالجواب أن هؤلاء المحاضرين الأجانب الذين ندعوهم من أوربا والذين يلقون محاضراتهم في الجامعة سيجدون مكاناً يليق بهم، وبما يحملون من علم، وما يمثلون من كرامة. وسيكون لمصر أن تدعو إلى مؤتمر يحل أزمة العلم، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي الذي يحل الأزمة، كما دعت إنجلترا إلى مؤتمرها الاقتصادي المالي، وسيعقد ذلك المؤتمر في هذه القاعة التي ستشاد، وقد توفق مصر إلى خير مما وفقت إليه إنجلترا فيحل مؤتمرها أزمة العلم؟
    ثم أشرق الصباح وأضاء بنوره ولاح، وأفاق الذين يدبرون أمر الجامعة، وأفاق الذين يدبرون أمر الخزانة، وسألوا أنفسهم ماذا رأوا؟ وماذا عملوا؟ فأجابتهم الحقائق الواقعة أنهم حلموا فحاولوا تحقيق أحلامهم، ثم استيقظوا فإذا هم لم يزيدوا على العبث والإسراف.
    عزيز علينا أن يكون الخيال أوسع سلطانًا على الجامعة والذين يتولون أمرها من العقل الذي يدعو إلى الأناة والحكمة والاعتدال والاقتصاد.
    كوكب الشرق ١٥ – ٨ – ١٩٣٣

  • نبوغ

    نبوغ
    تستطيع أن تدرس عقليات الأفراد والجماعات وتفكير الشعوب والحكومات فلن ترى عقلية كهذه العقلية البديعة الفذة الرائعة التي تظهر في بعض ما تتخذه وزارتنا من القرارات، ولن ترى تفكيرًا فذًا نادرًا غريبًا في كل شيء كهذا التفكير الذي تراه في بعض ما تقدم عليه وزارتنا من الأمر. ومصدر ذلك فيما يظهر أن مصر نبغت قبل الأوان ووصلت إلى ما وصلت إليه من الرقي من طريق الطفرة أو من طريق المصادفة أو من طريق تستطيع أن تسميها كما شئت ولكنها ليست هي الطريق التي سلكتها البلاد الأخرى لتصل إلى ما وصلت إليه من السؤدد والمجد، ومن العظمة وبعد الصوت وإلا ففسر لي إن استطعت هذه المذكرة التي يقال إنها رفعت إلى مجلس الوزراء لتقوية سلاح الطيران في مصر، ولفتح اعتماد كما يقولون بمبلغ من المال يكاد يصل إلى ستين ألفًا من الجنيهات يؤخذ من الاحتياطي العام، وفي غيبة البرلمان لتُشترى به طائفة من الطيارات تقوي سلاح الطيران المصري، وتجعله ملائمًا لا لحاجة مصر، ولا لمنافعها ولكن لمكانها بين البلاد الراقية.
    كان البرلمان منعقدًا إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن تقترح عليه منح هذا الاعتماد. وكان البرلمان ينظر في الميزانية إلى أمد قريب فلم يخطر للوزارة أن ترصد هذا المبلغ في ميزانية الحربية حتى إذا فرغ البرلمان من نظر الميزانية وأقرها كما أذن الله له أن يقرها، وحتى إذا انتهت الدورة البرلمانية وأذن الله للشيوخ والنواب أن يتفرقوا ليصطافوا ويستريحوا خطر للوزارة أنها نسيت سلاح الطيران وتقوية سلاح الطيران وجعله ملائمًا لمكانة مصر، لائقًا بحظها العظيم من ارتفاع الذكر وعلو القدر، وجلال الخطر، وكيف ترضى مصر بسلاحها الجوي وهو لا يكاد يذكر بالقياس إلى سلاح العراق، فضلًا عن غير العراق من الدول الأوروبية الصغرى، فضلًا عن الدول الأوروبية الكبرى.
    ومادامت في مصر جامعة، ومادامت فيها جمعية جغرافية، وأخرى للحشرات وثالثة للاقتصاد والإحصاء ورابعة للطب، وخامسة للهندسة، وسادسة للأحياء المائية، ومادام فيها مجمع لغوي، نستغفر الله، بل مرسوم بإنشاء مجمع لغوي، ومادام فيها شرطة ومادام لها جيش يمشي على الأرض وسفن تخفر الساحل وتجري في البحر، فيجب أن يكون لها طيارات تطير في الجو وتصعد في السماء وتنتقل بين القاهرة والإسكندرية وتبعد أحيانًا حتى تصل إلى مرسى مطروح.
    ليست الغرابة في أن يكون لمصر سرب أو أسراب من الطيارات مادام في مصر الترام والسيارات ومادام في مصر السفن والقطارات فالطيارة مظهر من مظاهر الحضارة وآية من آيات العظمة، ويجب أن تجتمع لمصر مظاهر الحضارة وآيات العظمة كلها، ويجب أن تثبت مصر لأي بلد من بلاد الأرض في ميدان التكاثر والتفاخر، والدعاية والإعلان.
    إنما الغريب أن تنسى الوزارة سلاح الطيران هذا، وما يجب لتقويته من الأهبة، وما يحتاج إليه من المال، وألا تذكر ذلك إلا بعد أن تصدر الميزانية ويتفرق البرلمان. وأعجب من هذا كله وأبلغ في الغرابة أن تكون العلة لتقوية سلاح الطيران في مصر أن مؤتمرًا للطيران سينعقد عندنا في العام المقبل وستُمثل فيه دول لها أسراب من الطيارات، لها طيارات الحرب وطيارات السلم، ولها طيارات البر وطيارات البحر حتى إذا اجتمع هذا المؤتمر في القاهرة نظر فلم يجد سلاح الطيران في مصر يبلغ أصابع اليد الواحدة عددًا. إذن تفتضح مصر، ويضحك منها المؤتمرون، وإذن تشيع عن مصر قالة السوء، وتصبح مصر حديث المتحدثين ولهو اللاهين.
    وما ينبغي لمصر أن تكون موضوع السخرية واللهو، وفيها وزارة ولها برلمان، وإليها تدعى المؤتمرات فتسرع وتستقبل أحسن استقبال. وإذن فما دام مؤتمر الطيران سيعقد في القاهرة فيجب أن تشتري الوزارة طيارات لهذا المؤتمر، ولا تقل إن الأصل أن ينعقد المؤتمر في القاهرة لأن في القاهرة طيارات، فذلك تفكير مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يعرفون أصول التفكير. وذلك تفكير الشعوب الأوروبية والأمريكية التي سلكت إلى الرقي والعظمة طريقهما القديمة المعروفة التي تلائم المنطق القديم والتفكير العتيق، والتي طال عليها الزمن حتى بليت وأصبحت من أحاديث الشيوخ. فأما الشعوب التي نهضت فجأة وارتفعت من طريق الطفرة ونبغت نبوغًا غير مألوف فلها تفكير آخر ومنطق آخر. فهي تدعو مؤتمر الموسيقى لينشئ لها الموسيقى، وهي تدعو مؤتمر الطيران ثم تشتري له الطيارات. ولا تقل إن مصر تشقى في هذا العهد السعيد بأزمة مهلكة مدمرة، وأن مؤتمر الطيران هذا سيكلفها الألوف وأن ما ستشتريه من الطيارات سيكلفها عشرات الألوف، وإنها كانت تستطيع أن تقتصد هذه الألوف فتحتفظ بها لساعات الضيق والضنك أو تنفقها على المأزومين والمكلومين، وعلى المحرومين والمكروبين. لا تقل عن هذا فهو كلام مثلك ومثلي من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير، وهو كلام الشعوب الأوروبية والأمريكية التي تفكر على النحو القديم، وتقدر على النحو القديم، ولا تستطيع مجاراة العصر الحديث فيما ابتكروا من أساليب القول والعمل، ومن مناهج التفكير والتقدير. فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، التي يصطاف وزراؤها في الإسكندرية ليعملوا في راحة ونعيم، ويستشفي رئيس وزرائها في أوروبا شهرًا ليستقيل بعد أن يأخذ بحظ من الشفاء. هذه الشعوب لا تفكر على هذا النحو، ولا تعمل على هذا النحو، وإنما تنفق حين يجب الاقتصاد، وحيث يجب الاقتصاد، وتقتصد حين يجب الإنفاق وحيث يجب الإنفاق.
    ولا تقل إنما يقوى سلاح الطيران ويعرض على المؤتمر حين يكون الذين يدبرونه ويسيرونه ويعرضونه على المؤتمرين من المصريين، لا من الإنجليز، وإن المؤتمر سيضحك من مصر أو سيبتسم من مصر ليضحك منها بعد أن يعود حين يرى طيارات اشتريت من الخارج يديرها قوم دعوا من الخارج ويسيرها قوم دعوا من الخارج، ولا ينهض المصريون فيها بعمل يذكر.
    لا تقل هذا، فهذا كلام مثلي ومثلك من الذين لا يحسنون المنطق ولا يتقنون التفكير. وهذا كلام الأوروبيين والأمريكيين الذين لم يرتقوا فجأة ولم ينبغوا مصادفة، وإنما سلكوا إلى الرقي والنبوغ طريقهما المعروفة العتيقة.
    فأما الشعوب الناهضة حقًا، النابغة حقًا، فليس يعنيها أن تصنع طياراتها في مصانعها، ولا أن يدير أبناؤها هذه الطيارات ويسيروها، وإنما الذي يعنيها أن تكون لها طيارات تطير، وقد كتب عليها اسم مصر. ومادام عندها المال الذي تشتري به الطيارات فلا ينبغي لها أن تتكلف صنع الطيارات. ومادام عندها المال الذي تؤجر به الطيارين من الأجانب فليس ينبغي أن تنتظر حتى تهيئ الطيارين من أبنائها.
    ولا تقل قد كان ينبغي أن تلتمس لتقوية سلاح الطيران علة غير هذه العلة التي نشرتها الصحف فمصر في حاجة إلى سلاح الطيران يحميها من جيرانها في الشرق، ويحميها من جيرانها في الغرب، ويحميها من شر قد يأتيها من الشمال أو خطر قد يدهمها من الجنوب، فذلك شيء لا يقال ولو قالته الحكومة لأغرت الإيطاليين في طرابلس، والإنجليز في فلسطين وفي السودان، ودول البحر الأبيض المتوسط بشراء الطيارات واتخاذ أسلحة للطيران تعدل هذا السلاح المصري أو تربو عليه. ومصر – كما تعلم – تريد ويجب عليها أن تريد ولا بد لها من أن تريد التفوق على جيرانها في هذا السلاح الجوي الخطير.
    ولا تقل إن هناك علة أخرى خير من هذه العلة التي نشرتها الصحف كان ينبغي أن تذكر لتقوية سلاح الطيران. فمصر في حاجة إلى هذا السلاح القوي لتقمع به حركات الوفد حين يتحرك ومظاهرات الشعب حين يحتشد، ولتضطر به الوفد إلى السكون إن هم بالحركة والشعب إلى التفرق إن أراد الاحتشاد بعد أن ظهر أن بلاء الجيش والشرطة في ذلك أقل مما ينبغي.
    لا تقل هذا، فهذا كلام لا يقال. ومن يدري؟ لعل الوزارة إن قالته أن تغري الوفد بأن يتخذ من الوسائل والأسباب ما يمكنه من أن يتحرك في الجو، وتغري الشعب بأن يحتشد في السماء. ومن يدري؟ لعل الوفد أن يشتري طيارات تقاوم طيارات الدولة، وترد بلاءها إلى ما انتهى إليه بلاء الجيش وبلاء الشرطة.
    صدقني ليس في الإمكان أبدع مما كان. ولم تكن الوزارة تستطيع إلا أن تنسى سلاح الطيران أثناء اجتماع البرلمان، فلو قد ذكرته لناقش النواب ولناقش الشيوخ ولانكشفت الأسرار وبانت الخفايا، وظهرت للدول الأجنبية من أمر الدفاع الوطني ما ينبغي أن تجهل، وعرف الوفد من هذا السلاح الذي يهيأ له ما لا ينبغي أن يعرف.
    لم يكن بد من أن تنسى الحكومة هذا السلاح حين يخلو الجو من النواب والشيوخ حتى تستطيع أن تفتح الاعتماد في غير مناقشة ولا جدال، وتشتري الطيارات في غير قيل ولا قال، وتتأهب للمؤتمر حتى إذا انعقد نظر في الجو فرأى طيارات تطير والحكومة في الوقت نفسه تتأهب لجيرانها إن أرادوا لها كيدًا، أو دبروا لها شرًا. وهي في الوقت نفسه تتأهب للوفد إن تحرك وللشعب إن احتشد، فهي تحقق الأغراض كلها من أيسر الطرق، وأي شيء أيسر من أن تقتطع عشرات الآلاف من هذه الملايين التي يسمونها الاحتياطي، ومن أن تشتري الطيارات فإذا الجيران أمام الأمر الواقع، وإذا الوفد والشعب أمام الحقائق الثابتة، وإذا المؤتمر ينظر فإذا يرى جوًّا خاليًا من هذه الأجنحة التي ترتفع في السماء فترفع مجد مصر، لا أقول إلى السحاب، بل إلى النجوم. ثم يزعم الناس أن الذكاء المصري محدود، قصير الخطى، ضعيف الجناح، كلا، ليس للذكاء المصري حد، وليس للنبوغ المصري غاية. فمن أنكر ذلك أو جادل فيه فليبين لنا أين توجد وزارة كوزارتنا تفكر كما تفكر، وتقدم كما تقدر، وتصيب بحجر واحد عصافير لا يبلغها الإحصاء.
    تبارك الله فهو وحده القادر على أن يكشف سر النبوغ.
    كوكب الشرق في ١٨ – ٧ – ١٩٣٣

  • مأزق

    مأزق
    الناس جميعا مقتنعون بأن الموقف السياسي الذي انتهت إليه مصر سيئ إلى أقصى غايات السوء، رديء إلى أبعد آماد الرداءة، لا يختلف أحد في ذلك، ولا يجادل فيه أحد وإنما يختلفون في المخرج الذي يجب أن يلتمس للتخلص من هذا المأزق، والرجوع إلى حياة يسيرة تهدأ فيها النفوس، ويطمئن الناس فيها على مناصبهم وآمالهم.
    ولسنا نزعم هذا زعماً، ولا نلقيه على علاته، فتستطيع أن تثق بأن أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف الذي نحن فيه، ووجوب التخلص منه إنما هم الوزراء ورئيسهم الذي سافر أمس ليستشفي ويستريح. هم أشد الناس اقتناعا بحرج هذا الموقف، وهم أحرص الناس على الخروج منه والتخفف من أثقاله، بشرط ألا يكون الخروج منه خروجاً من الحكم، وألا يكون التخفف من أثقاله تخففاً من أعباء الوزارة. لذلك اجتمعوا مساء الخميس، ولذلك اجتمعوا مساء الأحد، ولذلك اجتمعوا في القطار كما يجتمع المتحاربون حين يريدون الهدنة أو يفاوضون في الصلح، ولذلك اتخذوا في اجتماعاتهم هذه قرارات عرف بعضها، وسيعرف بعضها الآخر غدا أو بعد غد، والذي عرف منها يكفي لإثبات أنهم محرجون، وأنهم يلتمسون مخرجاً من هذا الحرج، ومتنفساً من هذا الضيق.
    قرروا أن يفتح باب الاستثناء لكبار الموظفين وأشباههم من المحسوبين والمقربين، وأن ينفق عليهم مال الدولة عن سعة، وفي غير تحفظ أو اقتصاد، لماذا؟ ليشجعوا من يرونه منهم محسناً على إحسانه، وليصرفوا من يرونه منهم مسيئاً عن إساءته! ليضمنوا نصر هؤلاء الموظفين وتأييدهم، وصمت هؤلاء الموظفين وهدوءهم على كل حال! ثم رأوا أن هذا الاستثناء لا يغني، وأن الوزارة لا تنتفع بكسب القلة من الموظفين، أو بإسكات هذه القلة، وإنما يرجى لها النفع إن أرضت كثرة الموظفين، فحولت الاستثناء إلى قاعدة، وفتحت أبواب الترقيات والعلاوات واسعة كل السعة، يدخل منها من يشاء الوزراء أن يدخلوه.
    وأنت تستطيع أن تبحث عن الأسباب التي دعت إلى أن تتغير سياسة الوزارة إلى هذا الحد مع كبار الموظفين وصغارهم، فلن تجد إلا سبباً واحداً مقنعاً؛ هو أن الوزارة واثقة بالضعف والاضطراب، وأنها تريد أن تقوي هذا الضعف، وتثبت هذا الاضطراب، وأنها قد اهتدت إلى السبل التي تظنها موصلة إلى ما تريد، وهي كسب الموظفين وإرضاؤهم بأن ترد عليهم ما كانت قد أخرت عنهم من الترقيات والعلاوات.
    وقرار آخر ليس أقل من هذا القرار دلالة على اقتناع الوزارة بالضعف، واجتهادها في التماس القوة التي تمكنها من البقاء، وهو هذا المليون الذي تفضلت به الوزارة لمعونة الفلاحين، فقد تأخر شعور الوزارة بحاجة الفلاحين إلى هذه المعونة، ولم تسمع الوزارة صياح الفلاحين، ولم تسمع الوزارة أنين الفلاحين، ولم تر الوزارة بؤس الفلاحين، ولم تشهد الوزارة ظهور الجوع والمرض بين الفلاحين إلا في هذه اللحظة الأخيرة التي سبقت رحلة رئيس الوزراء.
    بلى، لقد سمعت الحكومة، ورأت وشهدت، واقتنعت منذ زمن طويل بأن الفلاحين أشقياء، وبأنهم في حاجة إلى المعونة، وإلى معونة يقصر عنها هذا المليون، ولكنها أعرضت عما سمعت، ورأت وشهدت وأحست ما وسعها الإعراض، وما آمنت لنفسها بالقوة وما أملت لنفسها البقاء، حتى إذا أظلم الجو واضطربت الأرض، واشتد عصف الريح، ووهنت أسباب الأمل تنبهت إلى الحرج، وفكرت في اتقائه، وجدّت في الخروج منه، فآثرت الموظفين بالعلاوات، ونزلت للفلاحين عن جهد المقل، وهو هذا المليون.
    فليس من شك إذن في أن الوزارة شاعرة أوضح الشعور بأن الموقف السياسي الذي نحن فيه رديء سيئ إلى أقصى غايات الرداءة والسوء، فأما الذين يؤيدون الوزارة ويتوسلون بها إلى قضاء اللبانات، وتحقيق المآرب فقد شكوا فيها منذ زمن بعيد، ومدوا لها أسباب التأبيد مبالغين في الاحتياط حيناً، ومبالغين في المجاملة حيناً آخر، حتى إذا ظهرت فضائح البدارى تحول الشك إلى يقين، ثم لما مرض رئيس الوزراء، استيأسوا من الوزارة وودوا لو يجدون سبيلاً إلى التخلص منها!
    وقد برئ رئيس الوزراء بعض الشيء من مرضه، وما زالت «التايمز» تقول إن وزارته الآن لا رأس لها! وإن الأمل في نهوضه بأعباء الحكم حتى بعد عودته من أوروبا شيء لا سبيل إليه!.
    فالإنجليز إذن مستيئسون من الوزارة القائمة، رأت صحفهم الكبرى، وما زالت ترى أنها وزارة بلا رأس، أي أنها وزارة عاجزة عن التفكير والتقدير والإرادة والعمل، لأن هذه الملكات كلها إنما تستقر في الرؤوس، لا في الأكتاف! وقد كانت مستقرة في رأس الوزارة وهو صدقي باشا فلما مرض مرضت معه، وأصبحت الوزارة لها أكتاف وأذرع، ولها صدور وظهور، ولكن ليس لها رأس! فليس من سبيل إلى الأمل فيها والاعتماد عليها. وإذن فكيف التخلص منها، أو بعبارة أدق: كيف المخرج من هذا الموقف السياسي بعد أن عجزت الوزارة عن إخراجنا منه؟
    أما مصر فرأيها في ذلك معروف، ولكنك تعلم حق العلم أن الأمر في هذه الحال ليس لمصر، ولو قد كان أمر مصر إليها، أو إليها وحدها على أقل تقدير، لما انتهينا إلى هذا الموقف، ولما كان شيء مما يكره ويضيق به الساسة الآن.
    وأما الوزارة فقد عرفت مذهبها في الخروج من هذا الموقف، وهو هذا الذي سماه مكاتب «التايمز» في الصيف الماضي رشوة يقصد به إلى كسب الأنصار والمؤيدين من الموظفين والفلاحين.
    أما الإنجليز فالحل الذي يرضيهم ليس إليه من سبيل فيما يظهر، فهم يريدون وزارة لا تسيطر عليها وطنية الوفد الهوجاء، وكأنهم قد درسوا فأطالوا الدرس، وبحثوا فأتقنوا البحث، ثم كانت النتيجة هذا الدرس الطويل والبحث المتقن أن وطنية الوفد الهوجاء هذه واقفة بالمرصاد لكل وزارة تنهض لأمور الحكم على غير إرادة الأمة، وأن وقوف وطنية الوفد الهوجاء قد أضاع جهود الوزارة القائمة، وانتهى بالتجربة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق وهو من غير شك سيضيع جهود الوزارات الأخرى التي تشبه الوزارة القائمة، وسينتهي بالتجارب الأخرى التي تشبه التجربة القائمة إلى إخفاق ليس مثله إخفاق.
    وإذن فليس للمشكلة إلا حلان، أحدهما يكرهه الإنجليز فيما يظهر، ولا يستطيعون أن يذوقوه الآن على أقل تقدير، وهو أن يتركوا أمر مصر لمصر، ويدعوا وطنية الوفد الهوجاء هذه تدبر أمور مصر على ذلك النحو المعروف الذي تحبه مصر فيما يظهر، ولا تريد أن تنصرف عنه، ولا أن تزهد فيه مهما تنفق الجهود لصرفها عنه وتزهيدها فيه.
    والثاني لا يستطيعه الإنجليز ولا يقدرون عليه، وهو أن تمحق وطنية الوفد الهوجاء هذه محقاً، وتسحق سحقاً، وتعفي آثارها تعفية تامة، وقد أقيمت الوزارات المختلفة لتحقيق هذا الغرض، وقضاء هذه اللبانة، فكانت كثور الأعشى هذا الذي ينطح الصخرة فيوهي قرنه، ولا يبلغ من الصخرة شيئاً. فلم يبق إلا عمل واحد حاسم يريح الإنجليز وأصدقاءهم من وطنية الوفد الهوجاء هذه، وهو إجلاء المصريين عن مصر، وإخراجهم من أرضها، وتشريدهم في أقطار الأرض في أمكنة بعيدة جداً، لا تصل إليها الأنباء، ولا تأتي منها الأنباء.
    هنالك وهنالك فحسب تستقيم الأمور، وتستطيع الوزارة القائمة، بل تستطيع وزارات أضعف من الوزارة القائمة أن تحكم مصر في غير مشقة ولا جهد ولا عناء! وأي جهد تلقاه الوزارة في أن تحكم أرضاً قد خلت من أهلها، وبلاداً قد أقصي عنها سكانها؟
    هذا هو الحل الصحيح لمشكلة وطنية الوفد الهوجاء، ولكن متى يجد الإنجليز من أنفسهم الشجاعة والقدرة على أن يزعجوا الأمة المصرية عن أرضها، ويزيلوها عن بلادها. وإن فعلوا فإلى أين يرسلون أفواجها الطريدة الشريدة؟
    إن هذه الأمة موبوءة بوطنية الوفد الهوجاء، فهي حيثما ذهبت نظمت معها وطنية الوفد الهوجاء، فحصرها في دارها خير من تشتيتها في أقطار الأرض، وإذن فأين المخرج من هذا المأزق؟ وكيف السبيل إلى التخلص منه؟
    ليس هناك إلا هذا المخرج الذي يجد الإنجليز فيه مرارة وغضاضة وهو أن يقتنع الإنجليز أن مصر يجب أن تعيش لنفسها، لا للأجنبي، وبأن مصر يجب أن تعيش بأهلها لا بالأجنبي، وبأن مصر يجب أن تحكم كما تريد هي لا كما يريد الأجنبي، وبأن مصر لن ترضى ولن تذعن حتى يخلي بينها وبين وطنية الوفد الهوجاء تلقي إليها أعنة الحكم ما أحبتها ووثقت بها ورضيت عنها فإذا كرهتها أو رغبت عنها، أو زهدت فيها تخلصت هي منها حرة لا مكرهة، وحولت هي عنها أعنة الحكم إلى قوم آخرين.
    هذا شيء لا يحبه الإنجليز الآن، ولكنهم سيحبونه غداً من غير شك، لأن الإنجليز مهما تعظم قوتهم وتشتد سطوتهم وتحتد شوكتهم أضعف من أن يغيروا طبائع الأشياء.
    وإلى أن يعترف الإنجليز لأنفسهم بهذا الضعف، وإلى أن يؤمن الإنجليز لمصر بحقها في أن تجعل أمورها لمن تشاء حتى لأصحاب الوطنية الهوجاء، يجب أن نظل نحن أقوياء صابرين، ولكن في أمل وعزة وابتسام.
    كوكب الشرق ١٧ – ٥ – ١٩٣٣

  • صمت

    صمت
    صمت مريب هذا الذي كلفت به الوزارة واطمأنت إليه منذ حين، وقد كنا نعرفها تحب الكلام وتهيم به، وتغلو فيه حين تدعو إليه الحاجة، وحين لا تدعو إليه، وحين تبيحه المنفعة وحين تحظره، وحين يكون لها منه مخرج وحين لا يكون.
    لقد نشرت عنها الأهرام ما كانت تعتقد أنه الحق الذي لا تشك فيه ولا ترتاب، فأسرعت الوزارة إلى تكذيب الأهرام، وأسرعت الأهرام بعد ذلك إلى تحدي الوزارة والوزراء، فسكتت وسكتوا، وآثرت العافية وآثروها. فهذه الوزارة التي كانت تقول حين كان القول ينفع وحين كان القول يضر، قد ردت نفسها في هذه الأيام إلى صمت عميق كثيف، لا يخرجها منه سؤال ولا إلحاح في السؤال.
    زعم الناس أنها قضت في عطاءات جبل الأولياء قبل أن يجتمع مجلس الشيوخ، وقبل أن يجتمع مجلس الوزراء، وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا فطلبت إلى الوزارة أن تنفيه وتنكره، أو أن تعرفه وتبين سبيل الحق فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه! وزعم الناس أن أمر هذه العطاءات لم يكن مثبتا في جدول الأعمال التي كانت معروضة على مجلس الوزراء، ثم أضيفت إليه في وقت متأخر! وأشفقت الكوكب أن يكون ما زعمه الناس حقا، وأشفقت الكوكب بنوع خاص أن تحدث هذه الإشاعات من الآثار في نفوس الناس ما يثير فيها الريب والشكوك التي لا ينبغي أن تثار، فطلبت إلى الوزارة أن تنفي ذلك وتنكره أو أن تعرفه وتبين عذرها فيه، ولكن الوزارة آثرت الصمت وأصرت عليه، ثم أصبح الناس يوم الخميس وإذا الصحف كلها قد أجمعت على أن مجلس الشيوخ لم يقر ميزانية الأشغال، وبعض هذه الصحف يوالي الوزارة،
    وبعضها يخاصمها، وبعضها يعرب عنها. ولم تكن جلسة مجلس الشيوخ سرا يشهده المقربون دون غيرهم، وإنما كانت علنية يشهدها من يحب الوزارة ومن لا يحبها. فكان الناس معذورين حين صدقوا هذه الصحف التي لم يؤخذ عليها الكذب، ولم تعرف إلا بتحري الصدق، وتصوير الحق للقراء في مثل هذه الأشياء، ثم ظهرت مضبطة مجلس الشيوخ فإذا هي تثبت نقيض ما نشرته الصحف وتنبئنا بأن المجلس قد أقر بعض الميزانية، وفيه اعتماد جبل الأولياء، وأرجأ بعضها الآخر إلى الأسبوع المقبل.
    وزعمت بعض الصحف أن في الأمر تحقيقا، ولم تدفع الأهرام وغير الأهرام ومنها صحيفة الوزارة عن نفسها تهمة الكذب أو الخطأ، ففهم الناس من هذا أنها مصرة على ما روت! وسألت الكوكب عن جلية الأمر، وتمنت على الوزارة أن تظهر الناس على الحق، ولكن مكتب مجلس الشيوخ ظل صامتا، وظلت الوزارة صامتة أيضا!
    ونقلت الأهرام صباح اليوم بعض ما قالته الكوكب في ذلك فلم تنكر ولم تعرف، ولم تنف ولم تثبت وآثرت هي أيضا صمتا عميقا كصمت الوزارة.
    وكانت البلاغ هي التي نبهت إلى هذا التناقض بين رواية الصحف، ورواية المضبطة، ولكنها ظهرت أمس صامتة كما صمتت الأهرام، وكما صمتت الشعب، وكما صمتت الوزارة ولعلها تنتظر الجواب ونتيجة التحقيق.
    ولكن هذا الصمت الذي لزمته الوزارة وأغرقت فيه بعد ما عرف عنها من كثرة الكلام مريب، لأنه يشكك الناس فيما يجب ألا يشكوا فيه، ولأنه يثير في نفوسهم خواطر ينبغي ألا تثار، ونحن نعلم أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، ونعلم أيضا أن الصمت قد يكون من ذهب إذا كان الكلام من فضة، ونعلم أيضا أن الصمت يخرج أحيانا من المآزق، ويصرف أحيانا عن التورط في الشر، ولكنا نعلم أن بلاغة الصمت مختلفة، وأن اختلافها هو الذي يثير الريب، ويدفع إلى الشك. فقد تكون بلاغة الصمت إنكارا، وقد تكون بلاغة الصمت إقرارا، وقد تكون بلاغة الصمت ترددا، وقد تكون بلاغة الصمت ثقة،
    وقد تكون هذه البلاغة خوفا، وقد تكون أمنا، وقد تكون شكا، وقد تكون يقينا. والناس يفهمون هذه البلاغة بالقرائن، ويقدرونها بالظروف، ويحكمون لها أو يحكمون عليها حسب ما ينتهي بهم التقدير. ولهذا كان أقل الصمت بلاغة، أو قل أقل الصمت حظا من التوفيق هذا الذي تلجأ إليه الوزارة، لأن صلة الحكومة بالشعب في حاجة إلى الصراحة الصريحة، وإلى المواقف الواضحة الجلية التي لا تثير شكا، ولا تبعث ريبا، فنحن نحب أن نعرف من أي نوع بلاغة هذا الصمت الذي أحبته الحكومة واطمأنت إليه في هذه الأيام. أهو صمت المنكر لما جاء في الصحف، الواثق بكذبه أو خطئه؟ وإذن فما لها لا تعلن هذا الإنكار، وما لها لا ترد الصحف إلى الصدق بعد الكذب؟ أو إلى الصواب بعد الخطأ؟ وهي مكلفة أن تحرص على ألا يذاع في الناس غير الحق، ولعلها تستغل هذا التكليف وتتجاوز به الحدود المعقولة في كثير من الظروف ومع كثير من الصحف التي تخاصمها ولا تشاركها في الرأي.
    أهي بلاغة المعترف بأن الصحف لم تخطئ ولم تكذب؟ وإذن فما صمتها عن الشر، وما سكوتها على المنكر، وما إحجامها عن تبيين وجه الحق، وعن تحديد التبعة واستكشاف المسؤولين؟ وهي مكلفة أن تصون النظام كله ونظامها الخاص قبل كل شيء من كل عبث، وتحميه من كل فساد، وتعصمه من أن يسوء به الظن، أو يقبح فيه الرأي، أو يرتاب فيه الناس.
    يجب على الوزارة أن تقول شيئا، وأن تقول شيئا في أمر هذه المضبطة بنوع خاص فإن من حق الناس أن يستوثقوا ويطمئنوا إلى أن المصادر الرسمية بمأمن من كل ما يجب أن تتنزه عنه من أنواع التردد والتشكيك.
    هل أقر مجلس الشيوخ ما تقول المضبطة إنه أقره من ميزانية الأشغال، فكان عمل مجلس الوزراء مساء الخميس دستوريا لا غبار عليه؟ أم هل قل عدد الأعضاء في مجلس الشيوخ فأرجئت الميزانية إلى الأسبوع المقبل، فكان ما عمله مجلس الوزراء مساء الخميس تخطيا لمجلس الشيوخ وتصرفا في الميزانية قبل أن يقرها البرلمان؟ لو لم يكن في الأمر إلا أن كلام الوزارة يقرر حقا، ويمحو شكا، ويلقي في قلوب الناس الأمن والطمأنينة على المصادر الرسمية لكان من الحق على الوزارة أن تتكلم، ولا تلح في هذا الصمت، فكيف والأمر يعدو هذا إلى شيء آخر، هو تصرف من تصرفات مجلس الوزراء، أدستوري هو أم مخالف للدستور؟
    ولقد قال الناس وأكثروا في ميزانية الأشغال بعد أن أخرجت من مجلس النواب على ذلك النحو الغريب الذي لم ينسه أحد بعد، وكان من حق الناس أن يقولوا، وكان من حقهم أن يرتابوا، فقد ثبت في مضبطة مجلس النواب أن بعض الأعضاء لاحظ عند أخذ الأصوات أن العدد لم يكن قانونيا، فلم يحفل الرئيس بهذه الملاحظة. وقالت الصحف إن المصوتين لم يتجاوزوا خمسة وثلاثين. وكتبت الصحف في ذلك، وأنكرت أن تكون ميزانية الأشغال قد صدرت عن المجلس صدورًا دستوريًا صحيحًا، فلم يقل المجلس شيئا، ولم تقل الوزارة شيئا. ولم تغير الصحف رأيها، ولم تعدل الصحف عن شيء من هذا الرأي، وها نحن أولاء نشهد في مجلس الشيوخ قصة كقصة مجلس النواب، موضوعها ميزانية الأشغال نفسها، والناس يعتقدون أن التعجل في مشروع جبل الأولياء هو مصدر ما كان من مخالفة الدستور في مجلس النواب، وهم يعتقدون أن هذا التعجل نفسه مصدر هذا التناقض بين ما نشرته الصحف كلها، وما أثبتته مضبطة مجلس الشيوخ.
    فكيف تسكت الحكومة على هذا كله؟ وكيف تقبل أن تثور الشكوك وتكثر حول ما ينبغي لأعمال المجلسين ومصادرهما الرسمية من الأمانة والنزاهة والصدق والصواب.
    إن الناس يفكرون في أشياء كثيرة، ويتحدثون فيها إذا لقي بعضهم بعضا، أو خلا بعضهم إلى بعض، ومن هذه الأشياء ما يمس الوقت الحاضر، ومنها ما يمس وقتا مضى، ولكنه ما يزال قريبا، امتلأت فيه نفوسهم بالشكوك، وانطلقت فيه ألسنتهم بالريب، وهموا أن يشكوا منه، بل شكوا منه بالفعل، والناس يذكرون الماضي القريب ويصلون به الوقت الذي نعيش فيه، ويقولون فيكثرون القول، ويستنتجون فيذهبون في الاستنتاج مذاهب كثيرة. والصحف عاجزة عن أن تصور أحاديث الناس ومذاهبهم هذه، لأن القوانين الجديدة لا تخلي بينها وبين ذلك، ولكنهم يتحدثون على كل حال بأن القوانين لم تصل بعد إلى أن تحظر عليهم الحديث، وهذا الحديث شر لا خير فيه لأنه يعرض سمعة الحكومة لما لا ينبغي أن تتعرض له.
    فلتعمل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتقل الوزارة في أمر هذه المضبطة شيئا، أو لتصدر الوزارة ما من شأنه أن تمحو من النفوس كل شك، ويزيل منها كل ريب.

    كوكب الشرق ١٣ – ٥ – ١٩٣٣

  • مؤتمر

    مؤتمر

    يُقال إن أمس كان يُسمّى يوم الجمعة، ويُقال إن هذا اليوم يوم مشهود عند المسلمين، تُقام فيه الصلاة العامة إذا كان الظهر. ويُقال إن لهذه الصلاة العامة في هذا اليوم خطرًا ليس لغيرها من صلوات الظهر في كل يوم. أُمر المسلمون أن يسعوا إليها وأن يدعوا البيع والتجارة وغيرهما من المصالح التي تمس مرافق الحياة على اختلافها. ويُقال إن التقاليد الإسلامية أرادت أن تعنى الدول الإسلامية عناية خاصة بهذه الصلاة، فيشهدها أولو الأمر، وكانوا هم الذين يقيمونها عادة في العصور الإسلامية الأولى.

    كل هذا يُقال، وكل هذا يُدرّس في الأزهر الشريف، وكل هذا يعرفه المسلمون جميعًا إذا بلغوا سن الرشد ووجبت عليهم الصلاة. وكل هذا تؤمن به مصر الرسمية والشعبية معًا، لأن الدين يأمر به، ولأن الدستور ينص على أن الإسلام دين الدولة.

    وقد تقرأ صحف اليوم التي صدرت في الصباح فترى أن رجلًا من الناس يُقال له مصطفى النحاس كان يشهد هذه الصلاة في مسجد من مساجد المسلمين الجامعة. فحُشدت له الجنود حول المسجد، وحُشدت له الجنود داخل المسجد، لأن هذا الرجل لا يكاد يذهب ولا يكاد يجيء حتى تضطرب له الوزارة، وتخاف من ذهابه وإيابه على النظام واستقرار السلام؛ فهي مضطرة أن تتبعه بالجند إذا قام، وهي مضطرة أن تحرسه بالجند إذا نام، وهي مكرهة على أن ترصد له الجند إذا صلى، وهي مكرهة على أن تراقبه إذا صام.

    وهي لذلك قد حشدت الجنود حول المسجد أمس، وهي لذلك تمنع جماعة من المسلمين من أن يشهدوا صلاة المسلمين، ويؤدّوا فرضًا فرضه اللّٰه على المسلمين، لأنها تخاف هذا الرجل على المسلمين. وبينا كان هذا الرجل يصلي، وقد رُصد له الجند داخل المسجد وخارجه، في أيدي فريق منهم السياط، وفي أيدي فريق منهم العصي، وفي قلوبهم جميعًا — في أكبر الظن — تحرّق على أن يؤدّوا الصلاة، وتخلُص ضمائرهم لله ساعة من نهار؛ كان جماعة من وزراء الدولة، وجماعة من نواب الدولة، يشهدون في دار من دور الدولة مؤتمرًا عظيم الخطر، بعيد الأثر، لم يكن بد من انعقاده أمس، ومن انعقاده في هذه الساعة، ومن انعقاده في هذه الدار، لأن حياة المسلمين كانت رهينة به، ولأن صلاح أمر المسلمين كان موقوفًا عليه.

    أظنك قد عرفت هذا المؤتمر، وأظنك قد فطنت للموضوعات الخطيرة التي كان يدرسها ويجادل فيها، ولا يحاول أن ينتهي بها إلى حلٍّ تصلح له حياة المسلمين بعد فساد، وتستقر له نفوس المسلمين بعد اضطراب…!

    فإن لم تكن قد عرفت هذا المؤتمر، وفطنت لموضوع بحثه الخطير، فلعلك تتنبه له حين تعرف أن وزير التقاليد كان يشترك فيه، وحين تعرف أن وزير الأوقاف كان يشترك فيه أيضًا، وحين تعرف أن زعيم المعارضة الرسمية وأصحابه المعارضين الرسميين كانوا يشتركون فيه أيضًا. فهو إذن مؤتمر المؤيدين والمعارضين، انعقد صباح أمس ليمحو ما ثار بين الفريقين من شر، ويزيل ما شجر بين الفريقين من خلاف.

    وأنت توافقني على أن الخصومة بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب خطر على أمن الدولة، واستقرار النظام فيها، فيجب أن يفرغ لها الوزراء والنواب، وأن يفرغ لها بنوع خاص وزير التقاليد ووزير الأوقاف؛ فإلى أولهما تربية الشباب وتعويده أن يقدم مصالح الدولة على كل شيء، وإلى ثانيهما بمقتضى النظم الجديدة أن يشرف على الأزهر الشريف، ويسير به في هذه الطريقة القويمة التي تقدّم مصالح الدولة على كل شيء!

    وأنت توافقني على أن تقديم مصالح الدولة على كل شيء يقتضي أن تُختار الساعة التي اختيرت أمس لإزالة الخلاف الذي شجر أول من أمس بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب، والجمعة تُصلّى في كل أسبوع، فإن فاتت يومًا فقد لا تفوت في يوم آخر. ولكن الخلاف لا يشجر بين المؤيدين والمعارضين في مجلس النواب في كل أسبوع؛ فليس من بأس على وزراء الدولة ونواب الدولة أن يفرغوا لمحو الشر إذا ثار — وقلما يثور — ولإزالة الخلاف إذا شجر — وقلما يشجر. وكذلك كانت تُرعى مصالح الدنيا والدين أمس…!

    وزراء التقاليد والأوقاف والزراعة يمحون الشر، ويزيلون الخلاف بين النواب. ووزير الداخلية يرصد الجنود داخل المسجد الجامع وخارجه ليراقب رجلًا يصلي مع الناس هو مصطفى النحاس. فأما رئيس الوزراء فمريض يستريح. وأما بقية الوزراء فعلمهم عند اللّٰه وعند أنفسهم. وقد أدى كلٌّ عمله؛ فأما الوزراء والنواب فمحوا الشر وأزالوا الخلاف، وردّوا الأمر صفوًا كما كان. وأما الجند فحاصروا وظاهروا. وأما النحاس فصلّى وعاد إلى داره موفورًا.

    وفيم يطمع المصريون بعد هذا؟ وقد صلحت أمور دينهم، وصلحت أمور دنياهم، وجرى كل شيء على أحسن حال، كأنما كنا ملهمين حين كنا نكتب أمس أن ما شجر من خلاف بين المؤيدين والمعارضين لا خطر له ولا شر فيه، وأن الذين يكبّرون من أمره، ويعظّمون من شأنه، ويعقدون به الآمال الطوال، والأماني العراض، يغلون ويسرفون. فالكثرة في مجلس النواب أحرص من أن تغضب القلة، والقلة في مجلس النواب أبرع وأمهر من أن تمضي في الغضب إلى أمد بعيد.

    كنا ملهمين حين كتبنا هذا أمس؛ فقد كان الخصام بين المختصمين أقصر من أن يتصل أيامًا، وأيسر من أن يحتاج إلى الجهد الطويل لعلاجه وإزالة أسبابه. فما هي إلا أن يكون التمهيد في جلسات سرية تعقد بين عضو وعضو، وبين نائب ووزير، ثم يكون المؤتمر العام يجتمع فيه المغضبون والمسترضون؛ فيعتب أولئك ويعتذر هؤلاء، ويتفق أولئك وهؤلاء جهرة على ما اتفقوا عليه خفية: وهو أن تُكتب صيغتان، يتلو إحداهما رئيس المجلس معتذرًا عن الكثرة، ويتلو الأخرى زعيم المعارضة معلنًا رضى القلة. وإذا تُليت الصيغتان فقد صفا كل شيء، وعاد الأمر بين المعارضين والمؤيدين إلى مثل ما كان عليه من نصر الوزارة وشدّ أزرها؛ أولئك ينصرونها بالتأييد، وهؤلاء ينصرونها بالمعارضة!

    وتسألني بعد ذلك عن ميزانية الأشغال: كيف أُقرّت بما فيها من الملايين في أقل من ساعتين؟ وكيف أُقرّت دون أن يدرس المجلس تفصيلها؟ وكيف أُحيلت إلى مجلس الشيوخ ولم يصوّت عليها إلا خمسة وثلاثون من النواب؟

    وتسألني بعد ذلك عن استجواب المستجوبين، وسؤال السائلين، وعن خزان جبل الأولياء: أتأذن ميزانية الدولة بإقامته أم لا تأذن؟ أتحمل خزانة الدولة نفقاته أم تعيا بتحملها؟ وتسألني بعد ذلك عن مذكرة وكيل المالية في شأن الخزان، ورأي المستشار المالي في أمر هذا الخزان: أيعرفها المجلس أم يجهلها؟ أيظهران أم يستتران؟

    تسألني عن هذا كله فلا أجد مشقة ولا عسرًا في الإجابة، لأن أمر هذا كله يسير، أيسر جدًا مما تظن. ذهب هذا كله لأن الصلح قد تم بين المؤيدين والمعارضين في هذا المؤتمر الذي عقده الوزراء والنواب ضحى أمس في الدار الفرعونية. وهم إنما عقدوا مؤتمرهم هذا، في ساعتهم هذه، في يومهم هذا، في مكانهم هذا، ليذهب هذا كله ولينساه النواب، ولينساه الناس جميعًا.

    فليس من الخير للوزارة ولا للبرلمان ولا للمصريين أن يعود الحديث في الخزان، والناس جميعًا يعلمون أن إقامة هذا الخزان أمر يتجاوز طاقة الدولة في هذه الأيام. وليس من الخير لأحد أن تُحرج الوزارة فتُظهر مذكرة وكيل المالية ورأي المستشار المالي؛ فمن الأسرار ما لا يجوز إظهاره في حال من الأحوال! وليس من الخير لأحد أن يُعاد النظر في تفصيل ميزانية الأشغال بعد أن لفّها رئيس مجلس النواب لفًّا وخطفها خطفًا؛ فقد يكون في النظر في هذا التفصيل ما يثير القال والقيل! وليس من الخير لأحد أن يعترف رئيس مجلس النواب على نفسه بمخالفة النظام، وإحالة الميزانية إلى الشيوخ قبل أن يقرّها النواب. ليس شيء من هذا كله خيرًا؛ وإنما الخير كل الخير أن يُسدل الستار على ما كان، وأن يعود المجلس إلى سيرته الهادئة المطمئنة، راضيًا عن نفسه وعن الوزارة، مرضيًا من نفسه ومن الوزارة!

    وأما الذين كانوا يدورون حول هذا الخلاف، وينتظرون منه الأزمة الخطيرة التي قد تقلب كل شيء رأسًا على عقب، وقد تضطر الوزارة إلى الاستقالة، وتمهد للعهد الجديد والوزارة المقبلة، فقد يتجرعون شيئًا من خيبة الأمل…! ولكنهم قد تعودوا هذه المرارة؛ فما أكثر ما أملوا، وما أكثر ما خابت الآمال، وما أكثر ما تمنّوا، وما أكثر ما كذبت الأماني! ذلك أن الآمال التي تُعقد بغير الشعب لا خير فيها، والأماني التي تُناط بغير الأمة لا خطر لها.

    وليس من شك في أن الوزارة القائمة ستستقيل، ولكن ليس من شك في أن الذي سيضطرها إلى الاستقالة ليس هو البرلمان ومن فيه من مؤيدين ومعارضين. ولعل الشيء الوحيد الذي يريح مصر مما تلقى، ويزيح عنها همّ الوزارة القائمة، إنما هو الصبر لها، والثبات لما تسلط على الناس من شر ظاهر، وكيد خفي. أما الأمة فصابرة ثابتة، لا يعرف اليأس ولا الضعف إليها سبيلًا. فهل للمتعجلين أن ينظروا إليها، ويجدوا فيها الأسوة الصالحة والقدوة الحسنة…؟

    كوكب الشرق ١٥ – ٤ – ١٩٣٣

  • جلسة

    جلسة
    كل شيء(١) مستعجل في هذه الأيام متى وصل إلى البرلمان! كأن قوة خفية عنيفة تدفع سادتنا الوزراء والنواب والشيوخ إلى أن يمضوا أمامهم مسرعين، لا يقفون عند شيء، ولا يلوون على شيء، ولا يتفكرون شيئًا!
    فمن أحب منهم أن يتفكر أو يتدبر أو يصطنع الأناة، فهو كليل حسير، قد فقد أسباب السبق، وعجز عن إتمام الشوط، فلابد من أن يتخلف، ولابد من أن يرد عن المضي في الطريق. ولعل هذه السرعة في العمل: وهذا الميل إلى خطف الأعمال خطفًا، كما يخطف الناس خطفًا
    (١) ١٣ — ٤ – ١٩٣٣ عدد ٢٣٦٣
    ١٣٦
    غرض من الأغراض التي من أجلها استحدث رئيس الوزراء الانقلاب الدستوري الخطير منذ أكثر من عامين…!
    فللأناة منافعها، وللتفكير فوائده. ولكن الأناة في الأعمال العامة تكشف في أكثر الأحيان عن تقصير وشر كثير، والتفكير في الأعمال العامة يظهر أشياء لابد من أن تحق، ويجلو أمورًا لابد من أن تظل غامضة.
    والتفكير والأناة يؤديان في أكثر الأحيان إلى ما لا يحمد ولا يحب. فمن يدري أي شيء كان مُحدَث لو لم يخطف رئيس الوفد من قنا؟ ومن يدري أي شيء كان يظهر لو لم تخطف ميزانية وزارة الأشغال من مجلس النواب أمس؟ لنصطنع إذن الأناة والروية في أعمالنا الخاصة، فلا نقدم على شيء حتى نقتله بحثًا ودرسًا وتفكيرًا. فأما الأعمال العامة فلنمسها مسًا رفيقًا، ولنمر عليها مرًا سريعًا، ولنخطفها خطفًا لبقًا بديعًا! وكذلك تجري أمورنا على وجهها، لا يظهر فيها عيب، ولا يتبين فيها فساد واضطراب.
    وكذلك نقيم الدليل على أن الأمة تحب الحكومة: وتتولاها بالود والنصح والإخلاص حين نخطف منها رئيس الوفد خطفًا، أو نلقي بينها وبين رئيس الوفد حجابًا كثيفًا من الجند الكثيف.
    وكذلك نقيم الدليل الواضح والبرهان القاطع على أن وزارة الأشغال قد بلغت الكمال وحققت الآمال حين تعرض ميزانيتها على مجلس النواب، وتأخذ هذا المجلس بأن ينظر فيها ويناقشها ويقرها ويتخفف منها في جلسة واحدة، لا تزيد عن ساعتين أو عن ساعات.
    وكذلك يشهد العالم المتحضر بأن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه صدق باشا قد آتى ثمره حلوًا شهيًا! فأقام في مصر إدارة منظمة حازمة سريعة لبقة! وأقام فيها برلمانًا متقنًا فطنًا بصيرًا حريصًا على مصالح الأمة، دقيق الإشراف على ما ينفق من أموالها، سريعًا على ذلك كله سرعة
    ١٣٧
    لا تعرفها البرلمانات الأوروبية التي بعد عهدها بالحياة النيابية، والإشراف على أعمال الحكومات…!
    قدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قوانين الجامعة، واستعجلت نظرها، فتعجل المجلس نظرها وأقرها في أقل من ساعة! وقدمت الحكومة منذ حين إلى مجلس النواب قانون التخصص في الأزهر وتعجلت نظره، فأسرع المجلس في ذلك وفرغ من القانون في جلستين! وقدمت الحكومة أمس إلى مجلس النواب ميزانية وزارة الأشغال وتعجلت نظرها ففرغ منها المجلس في جلسة واحدة!!
    وفي قوانين الجامعة مستقبل التعلم الحديث كله فتنظر في أقل من ساعة. وفي قانون التخصص مستقبل التعليم الديني كله فينظر في جلستين. وفي ميزانية وزارة الأشغال أكثر من ستة ملايين من الجنيهات وفيها خزان جبل الأولياء، وفيها مستقبل الري، وفيها مرافق أقل ما توصف به أنها تمس حياة الأمة في أدق فروعها فتنظر هذه الميزانية ويقرها المجلس في جلسة واحدة! ويقال بعد ذلك إن الانقلاب الدستوري الذي أحدثه رئيس الوزراء لم يحقق منفعة مصر، ولم يصن مصالحها كلها من العبث، ولم يعصم منافعها من الضياع. اللهم جنبنا العناد في الحق ووفقنا إلى الإيمان بالخير..!
    ماذا تبتغي مصر أكثر مما وصلت إليه؟ هذه قوانينها تشرع في دقائق. وهذه ميزانياتها تقر في ساعات، وهذه وزارتها تستمتع بثقة البرلمان، وهذه إدارتها تستأثر بحب الناس جميعًا. كل شيء يجري على وجهه مستقيمًا لا عوج فيه ولا اضطراب، فماذا نريد؟ وماذا نبتغي؟ وما لنا لا نرضى؟
    ولكن ما هذه الأزمة التي أثيرت أمس في مجلس النواب؟ وما بال فريق من النواب قد أخذهم هذا الغضب المتأخر فسخطوا وطالما رضوا، وثاروا وطالما هدأوا واستقروا. وخرجوا من الجلسة وطالما لزموا كراسيهم لزوم الغريم؟
    ١٣٨
    زعموا أن هؤلاء السادة كانوا في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، رفعوا إلى مجلس النواب استجوابًا عن خزان جبل الأولياء فأهمل ثم أجل ليرد عليه رئيس الوزراء حين يمن الله عليه بالشفاء. فلما كان أمس، وجاءت ميزانية الأشغال أرادوا أن يؤجلوها كلها أو بعضها حتى يكون الاستجواب وتكون المناقشة فيه، فضاق بهم وزير الأشغال، وضاق بهم رئيس المجلس، وضاقت بهم كثرة المجلس نفسها، وظهر لهؤلاء السادة أنهم مبطئون والدنيا من حولهم مسرعة، وأنهم مقصرون والدنيا من حولهم مشمرة، وأنهم يريدون الجد، والدنيا من حولهم تؤثر الهزل. وما هذا الجد الذي جاء بعد إبانه وتأخر عن أوانه؟
    ظن هؤلاء السادة أن الوزارة كانت جادة حين طلبت تأجيل الاستجواب، وقد قيل لهم مع ذاك إن الوزارة إنما تؤجل لتخرج بهذا التأجيل من التأويل والتعليل، ولترجي هذا الاستجواب إلى الفصل الذي ينضج فيه التين والعنب كما يقول الشاعر القديم. فلما أحس هؤلاء السادة ضيق الوزير والرئيس والكثرة، غضبوا واحتجوا وانصرفوا! فماذا كان؟ دار الفلك كما يدور، ومضى المجلس كما كان يمضي، وانتهى إلى أقصر الشوط، وأقرت الميزانية وفيها خزان جبل الأولياء، وسيعود النواب المحترمون مساء اليوم إلى المجلس كأن لم يكن شيء بالأمس، وقد برئت ذممهم، ورضيت ضمائرهم، ولم لا؟ لقد غضبوا وأنكروا، وخرجوا وامتنعوا من إقرار ما لم يكونوا يريدون. ما أسهل هذه البراءة وما أيسر هذا الرضا، وما أسهل أسباب الفكاهة واللعب في مصر!
    ثم ينهض وزير الأشغال فيعلن أنه كان يرى في الخزان رأيًا، ثم بدا له فرأى فيه رأيًا آخر. وكان ينكره فأصبح يكبره، وأي حرج في ذلك؟ وأي بأس؟ كل شيء يدور حتى الحق والباطل وحتى الخطأ والصواب وحتى الرفض والقبول. وسواء أرضي وزير الأشغال عن الخزان أم غضب عليه فسيقام الخزان! لقد قبله مجلس النواب منذ عام، وأقر له
    ١٣٩
    الأموال أمس. ليغضب وزير الأشغال وليرضَ، كما غضب النواب ورضوا، فلن يغير ذلك من الأمر شيئًا. ويأبى الله إلا أن تكون في المجلس فكاهة أمس، فقد اعترف وزير الأشغال في صراحة ظريفة بأن وزارته لم ترسم لنفسها سياسة بعد! وإذن فهي لا تستطيع أن تقدم هذه السياسة إلى المجلس، لأنها لا تحب أن تقدم إليه إلا الكامل الشامل الذي قد يكمل غدًا أو بعد غد. ولكنه سيكمل بعد أن يتم إقرار الميزانية على كل حال.
    ويؤخذ الرأي على الميزانية جملة، ولم تناقش تفصيلاتها، فإذا أنكر النواب غضب الرئيس، وإذا غضب الرئيس وجب أن يرضى النواب، وإذا رضوا فمرت الميزانية كما يمر البرق. قالت الأهرام: «وكان الأعضاء الباقون خمسة وثلاثين عضوًا» عدد يكفي ليقر أكثر من ستة ملايين، ثم يزعم المصريون أن أمورهم لا تجري على ما يحبون. وهل إلى ما يحبون من سبيل؟