Tag: Civic Duty

  • تجنٍّ

    تجنٍّ

    طه حسين

    جريدة الجمهورية

    ٣١ يناير ١٩٥٦

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها من ظلمٍ سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأت مصر من هذا الظلم أولًا، وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر.

    أحق أن المرأة تصنع شيئًا لإصلاح حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يقول الأستاذ سامي داود في المقال الذي نشرتْه له جريدة الجمهورية يوم الخميس، وأنها ملأت الدنيا ضجيجًا وعجيجًا ومطالبة وإلحاحًا؛ لتظفر بحقوقها السياسية، فلما رُدت إليها هذه الحقوق زهدت في الاستمتاع بها، ونكلت عما ينبغي لها من احتمال ما تفرضه عليها من التبعات …

    قال صديقنا هذا كله؛ لأن ثلاثًا أو أربعًا من زميلاته أنبأنَه بشيء من ذلك، وزعمْن له أن المرأة راضية؛ لأن حقها قد رُدَّ إليها، وأن هذا الرضى شيء، والإقبال على الحقوق المردودة والانتفاع والنفع بها شيء آخر.

    كانت مغيظة لأنها كانت محرومة، فقد ذهب عنها الغيظ وانجاب عنها الحرمان؛ فاطمأنت إلى المساواة، ثم لم تزد — أو هى لا تريد أن تزيد — على الاطمئنان شيئًا. ومتى أُتيح للثلاث أو للأربع أن يُعربن عن الملايين المملينة من السيدات إعراب الممثلات لهنَّ، الناطقات بلسانهن، المصورات لما يضطرب في صدورهن من العواطف، وما يدور في رءوسهن من الخواطر والآراء؟!

    وهل وثق الصديق بأن أولئك الزميلات كن جادات حين زعمن له ما زعمن؟! وما يمنعهنَّ من العبث في القول والرجال من حولهن في القول والعمل جميعًا؟! أليس للمرأة حق المزاح هذا الذي يسرف الرجال في الاستمتاع به غير مقدِّر لعواقبه، ولا حاسب لنتائجه حسابًا؟!

    ومتى أقبل الرجال صادقين مخلصين على حقوقهم السياسية يستمتعون بها في جد وحزم وإيمان بأن استمتاعهم بها ليس حقًّا فحسب؛ ولكنه واجب لا يقصر في أدائه إلا الذين يستخفون بالمصالح الوطنية العليا؟!

    متى أقبل الرجال على النفع والانتفاع بالحق السياسي، غير عابثين به ولا بائعين له ولا مداحين فيه ولا متخلفين عنه، يكسلون مرة ويسخرون مرة أخرى، وينسون في كثير من الأحيان؟! أليس الحق على الرجال لأنفسهم ولوطنهم أن يُقوِّموا ما في سيرتهم من عوج قبل أن يحاولوا تقويم غيرهم؟!

    إن الصديق يعلم حق العلم أن تقصير الرجال في أداء الواجبات السياسية شائع ذائع لا يحتمل خلافًا ولا جدالًا، وأن هذا التقصير ليس عيبًا في المصريين وحدهم، ولكنه عيب فيهم وفي غيرهم. وهم حين يستجيبون لدعوة الانتخاب يوم يُدعون إليه، إنما يستجيبون لشهواتهم وأهوائهم في كثير من الأحيان. أليس من الإنصاف أن يُنتظر بالمرأة يوم الانتخاب؛ ليُرى أتُقبل عليه أم تعرض عنه، ثم يتحدث في ذلك عن علم وثقة لا عن شك وتجنٍّ.

    لقد أحسنت الثورة الإحسان كله حين ردت على المرأة حقها السياسي؛ لأنها ارتفعت بنفسها عن ظلم سَمِج كان مألوفًا مقررًا من قبلُ في أقطار الأرض كلها. وقد أخذت الأمم المتحضرة تطهر نفسها من هذا الظلم منذ حين، وتأخرت مصر في ذلك، فكان إحسان الثورة مضاعفًا؛ لأنها برَّأتْ مصر من هذا الظلم أولًا وأشركتها مع الأمم المتحضرة في رفعه ثانيًا، فأنصفت المرأة وأنصفت مصر، وما ينبغي أن يُشاب هذا الإنصاف بما تورط فيه الصديق من الاستعجال بالسيئة قبل الحسنة، وبهذا التشاؤم الذي يغرق فيه كثير من كتَّابنا في هذه الأيام، ويتخذونه قِوامًا لآرائهم في الناس وفي الحياة.

    وما هذه المشاركة في الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، التي أحجمت عنها المرأة، مكتفية بالإلحاح في المطالبة بحقوقها السياسية؟!

    ومتى مُكِّنت المرأة المصرية من المشاركة المنتجة في الإصلاح على اختلاف ألوانه؛ لِتؤخذ بالإحجام عنها والتقصير فيها؟! إن الصديق يعترف بأن المرأة حين أُتيح لها التعليم تعلَّمت على أحسن وجه، وعلَّمت على أحسن وجه أيضًا، وحين أُتيح لها العمل في بعض المناصب العامة أدَّت واجبها كأحسن ما تُؤدَّى الواجبات.

    فلْينتظرْ بها حتى يُتاح لها الاشتراك الفعلي في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ثم يحدثنا بعد ذلك عن بلائها في هذا الإصلاح. وما أشك في أنه سيحدثنا عن ذلك حديث الرضى والاغتباط والإعجاب والحزن على ما فات مصر من هذا البلاء فيما مضى من العهود.

    والصديق ظالم للمرأة ظلمًا كنت أحب ألَّا يتورط فيه؛ يرى أنها لم تشارك في علاج ما عرض للحياة المصرية من العلل والأدواء، فهي لم تعالج غلاء الأسعار مثلًا، وما أرى إلا أن العجلة وخطف الآراء هما اللذان اضطراه إلى هذا الظلم؛ إن المصريين قد احتملوا أثقال هذا الغلاء كِرامًا بفضل المرأة أولًا، فهي التي احتملت أعباءه، ونفذَتْ من مشكلاته، وأتاحت للرجال أن يعيشوا وأن يؤدوا أعمالهم وينهضوا بتبعاتهم؛ لأنها هي التي دبرت اقتصاد البيت، وأتاحت للأفراد الكثيرين فيه أن يعيشوا بالدخل القليل، ولو خُلِّي بين الرجال وبين دخولهم القليلة وحياتهم الغالية وحاجاتهم التي لا تنقضي ولا تُطاق؛ لوقعوا ولوقعت مصر معهم في شرٍّ عظيم.

    تدبير المرأة هو الذي أتاح للساسة أن ينهضوا بأعباء السياسة، وأتاح لأصحاب الاقتصاد أن ينهضوا بأعباء الاقتصاد، وأتاح للذين يحاولون الإصلاح الاجتماعي أن ينهضوا بأثقال هذا الإصلاح. والمرأة بعد هذا كله هي الأم التي تنشئ الطفل، وتتيح له أن يتعلم وأن يشارك في الواجبات الاجتماعية، وهي الزوج التي تحمل عن زوجها هذه الأثقال السخيفة الممضَّة التي لا تقوم الحياة إلا بها، والتي لو احتملها الرجل لما استطاع أن يفرغ لعمل من أعماله فضلًا عن أن يحسنه. وفي حياة كل رجل — كائنًا من يكون — أثر خطير للمرأة، لا ينكره ولا يغض منه إلا العاقُّون الجاحدون الذين ليسوا أهلًا للحياة ولا أهلًا للاستمتاع بما فيها من خير والاحتمال لما فيها من شر.

    لم أحب للصديق ولأمثاله من كتابنا الذين تعجلهم الصحافة عما ينبغي لهم من الأناة والتفكير؛ أن يقاوموا هذه العجلة ما استطاعوا، وأن يعلموا أن عواقب الأناة خير دائمًا وأن عواقب العجلة شر دائمًا، وأنهم ينشرون ما يتعجلون به من الأحاديث فيتلقاه الناس ويقرءونه ويتأثر به كثير منهم بإرادة وعن غير إرادة؛ فتصيبهم عدوى التفكير السريع الذي تنقصه الرويَّة والأناة.

    ولم أحب للصديق ولأمثاله من كتَّابنا أن يقاوموا هذا التشاؤم الذي يفسد عليهم وعلى قرائهم آراءهم في الحياة وسيرتهم فيها أيضًا. إن في حياتنا شرًّا كثيرًا، ولكن الشر لا يُعالج بالتشاؤم؛ لأن التشاؤم يُدني إلى اليأس، ويصد عن المقاومة، ويفل العزائم، ويثبط الهمم. وكل هذه خصال أقل ما توصف به أنها تفسد الحياة ولا تصلحها، وتدفع إلى الانحلال والهزيمة لا إلى التماسك والانتصار على الخطوب.

  • الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة

    الحقوق لا تُستوهَب وإنما يُطالب بها في حزم وقوة – ينبغي أن يكون المُعلم كريمًا على الدولة وأن لا يُهدَم حقه
    طه حسين
    جريدة البلاغ
    ١٥ يونيو ١٩٥٠

    الإسكندرية في ١٤ — لمراسل البلاغ — أقام رجال التعليم في منطقة الإسكندرية حفلة شاي كبرى تكريمًا لصاحب المعالي الدكتور طه حسين بك، وزير المعارف، بمناسبة عودته من الخارج، وقد حضرها كثيرٌ من الكبراء والعظماء ورجال التعليم، وبلغ عدد المدعوين إليها قرابة ألف مدعو.

    وقد افتتح الحفلة الأستاذ سعد الله هاشم بك، المراقب العام للمنطقة ورئيس لجنة الاحتفال، فحيَّا معالي الدكتور طه حسين بك، وتحدث عن شعور التقدير والمحبة الذي يكنُّه المعلمون له.

    وأعقبه الأساتذة: الدكتور إبراهيم اللبان، ومحمود البشبيشي، وعلي عزت الأنصاري، ومحمود خلف، وتوفيق جبر، ومحمد منصور، وفضل إسماعيل، وإبراهيم محمد ندا، والدكتور زكي مبارك.

    وبعد أن انتهت كلمات الخطباء والشعراء، وقف معالي الدكتور طه حسين بك بين الهتاف العالي والتصفيق الشديد، وألقى خطابًا مستفيضًا قوبل بالاستحسان التام، وقوطعت فقراته بالتصفيق، وقد جاء في هذا الخطاب ما يأتي:

    أيها الزملاء الأعزاء:

    غفر الله لكم ما جنيتم على أنفسكم، وما جنيتم على غيركم من الأبرياء، فقد تمنيت عليكم أن تُعفُوا أنفسكم وتُعفُوا مدعويكم من هذا الجهد، ومن هذه المشقة، ولكنكم أبيتم، فغفر الله إصراركم، وشكر لكم على ما تقدمتم به إليَّ من خير.

    وأؤكد لكم أني لو عرفت أني قد قدمت بين يدي ما أستحق به هذا الجهد الذي تكلفتموه، وكلفتموه قومًا أبرياء غيركم، لو عرفت أني قد قدمت بين يدي شيئًا يستحق بعض هذا الجهد، لما تمنيت عليكم أن تريحوا أنفسكم وتريحوا غيركم من الناس؛ فقد يظن الظانون أني متواضع، وقد يظن الظانون أني أحب أن أعمل وألَّا أتلقى ثناءً حين أعمل، وأؤكد لكم مخلصًا أني لا أعتقد أني عملت شيئًا ذا بال، وأؤكد لكم مخلصًا أنني وبين ضميري وبيني وبين الله لا أؤمن مطلقًا أنني أستحق شيئًا مما تقولون.

    أيها الزملاء الأعزاء:

    قلت في مؤتمر اليونسكو: إن مصر قد سبقت إلى تحقيق الآمال الثقافية التي يسعى إليها الناس في هذا العصر، فهي تحقق الصلة بين الشرق والغرب، وهي تأخذ من الغرب ما تأخذه تذيعه في الشرق؛ لأن مصر ليست أثرة، لا تحب أن تستأثر بالخير من دون جيرانها. فحدثوني كيف تذيع مصر هذا الخير؟ إنما تذيعه بواسطتكم أنتم، أنتم الذين تنشرون في أقطار الشرق العربي: تدعون إلى الإصلاح، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتدعون إلى الحياة الصالحة للشرق العربي كله.

    إن الناس عندما يذكرون مصر يذكرون ثراءها، ويذكرون قوتها — أحيانًا — وجهودها في نشر الحضارة في الشرق كله، ويذكرون قديمها … قديمها البعيد، وقديمها الجديد. فمن الذين يُنشِّئون لمصر هذه الأجيال التي تُحقِّق هذا الثراء؟ إنما هم المعلِّمون، ومن الذين يعرفون مصر بقديمها، ويُعرِّفون العالم بهذا القديم؟ إنما هم المُعلِّمون.

    ثقوا أن مصر مدينة لكم بكل شيء، ومن قال غير هذا فقد كذَّب نفسه، وكذَّب ربه، وكذَّب ضميره.

    ثقوا أنني لا أتملق ولا أترضاكم، وليس يعنيني أن ترضوا أو تسخطوا، إنما أقول ما قلته لكم الآن، وما قلته عنكم من قبلُ، قبلَ أن أكون وزيرًا؛ فإذا قلت أن مصر مدينة لكم بكل شيء، فإنما أقول ما أؤمن به وأطمئن إليه، فلا تظنوا بي الظنون، لا تظنوا أني أريد أن تصفقوا أو ترضوا، فقد أثنيتم عليَّ بما تظنون أني أهلٌ له، وبما أعتقد أني لست له أهلًا، وأثنيت عليكم بما لا يشك أحد في أنكم أهل له، فقولوا قد تقارضنا الثناء، يرضى بذلك من يرضى، ويسخط من يسخط، وليمُت بغيظه من شاء أن يموت بغيظه.

    ولكن لندع تقارض الثناء، ولنكن كما يحب الله للعلماء والمعلمين أن يكونوا متواضعين، لا يُثني بعضهم على بعض إلَّا بمقدار، ولنتجنب السرف؛ فإن الله لا يحب المسرفين، ولنتحدث في جد الأمر، فهو الأجدر بأن نتحدث فيه، وأن نفكر إذا خلونا إلى أنفسنا، وأن يتحدث به بعضنا إلى بعض حين نلتقي.

    وجد الأمر أن أمامكم شعب قديم المجد، عظيم الأمل أن يعود إليه مجده القديم، ويريد أن يكون مستقبله خيرًا من ماضيه ومن حاضره، ويريد أن يسترد حريته كأحسن ما تكون الحرية. وهذا كله بين أيديكم، لا يستطيع أن يحققه لمصر أحد غيركم، لنفكر جميعًا ولنتحدث فيه ولنتعاون عليه، ولنعاهد بعضنا بعضًا على أننا عندما ننهض لاحتمال الأمانة أن ننهض بها شجعانًا، لا نخشى ولا نخاف، ولا نحفل ببخل الباخلين، ولا نلتفت إلى الذين يظنون بنا الظنون، ويقدرون ما يحبون وما لا يحبون.

    لنفكِّر أن هذا الشعب ينتظر منَّا حياة حرة كريمة، ولنمنحه هذه الحياة مهما يكلفنا ذلك من مشقة وجهد ومن تضحية.

    أيها السادة:

    فاقد الشيء لا يعطيه كما قلت، وفاقد الحرية لا يمكن أن يكون حرًّا؛ فإذا أردتم أن تمنحوا مصر حريتها، فكونوا أحرارًا بينكم وبين أنفسكم، أحرارًا بينكم وبين الدولة، وافرضوا حريتكم مِن حَولِكم، فمن غير هذا لا تستطيعون أن تنشئوا أجيالًا حرة، ولا أن تردُّوا مجدًا قديمًا. لا تحفلوا بغضب الغاضبين، ولا بسخط الساخطين، وأنا أول من يدعوكم ألَّا تحفلوا بي إن غضبت لغير الله، فلست لكم وزيرًا إلَّا بمقدار ما أنصح لكم، وإنما أنا وزير المعارف زميل للمعلمين اختير من بينهم في هذه المرة لينطق باسمهم، ويستمد حريته وقوته من حريتهم.

    أدُّوا حقوق التلاميذ عليكم، واكرموا على أنفسكم؛ لتشيع الكرامة في التلاميذ، وانصحوا في سركم وعلانيتكم، ثم طالبوا بحقوقكم لا تقبلوا فيها انتقاصًا مهما تكن الظروف.

    إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الجيش؛ فلا جيش إذا لم يكن هناك معلم ينشئ أمة متعلمة مستنيرة يدافع عنها جيشٌ باسل. إنهم يذكرون حاجة مصر إلى الزراعة وإلى الصناعة وإلى التجارة وإلى الري وما شئتم من هذه المرافق، الزراعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، والصناعة لا تكون إلَّا حين تعلم في المدارس، ولولا المهندسون الذين تخرجونهم في الزراعة والأساتذة الذين تخرجونهم في التجارة في مختلف مرافق الحياة ما وجدت هذه الحياة.

    كل شيء في حياة الشعب يصدر عنكم، وينبغي أن يعود إليكم، أنتم المسئول الأول عن مصر في حاضرها ومستقبلها، قدروا هذا في أنفسكم، وأدوا ما يفرضه عليكم ذلك من واجبات، وطالبوا الحكومة والشعب بأن يُؤدِّيا إليكم ما يفرضه لكم هذا من الواجبات …

    أيها السادة:

    إن الحقوق لا تستوهب، إنما يطالب بها في حزمٍ وقوةٍ وجدٍّ، ولا ينبغي لصاحب الحق أن يُلاين أو يلين، وإنما ينبغي أن يطالب مؤمنًا حريصًا مُستعِدًّا للدفاع مهما يكلفه ذلك. ولكم حقوق يجب أن تؤدَّى إليكم، وإن كنَّا قد أدينا منها قليلًا؛ فإن لكم في أعماق الحكومة وأعماق الشعب كثيرًا لم يؤدَّ إليكم بعدُ، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، وثقوا بأن وزيرًا للمعارف — مهما يكن — لا يمكن أن يُفلح إلَّا إذا أحسَّ بتأييدكم، وتسمَّى باسمكم في مجلس الوزراء، وفي البرلمان، فكونوا أعوانًا للوزير على أن تؤدوا جميعًا للشعب ما ينتظره منَّا الشعب.

    ومن أول هذه الحقوق التي ينبغي أن يحرص عليها المعلم أن يكون كريمًا على الدولة، لا ينبغي أن تُضاع كرامته، أو أن يُهدر حقه، فاحرصوا على هذه الكرامة، واذكروا أنكم إذا لم تحرصوا عليها فلن يحرص عليها غيركم، حقوق التلاميذ تستمد من حرصكم على حقوقكم.

    فأنتم المُثل التي تطبع في نفوس التلاميذ الكرامة والعزة والحرص على الدفاع عن الوطن حين تأتي الكارثات.

    وقد استطعنا في هذه الأيام لا أقول أن نؤدي إليكم حقوقكم، بل أن نُشعر الناس بأن لكم حقوقًا؛ فاجتهدوا أن ننتقل من هذه المرحلة إلى مرحلة أخرى؛ هي من مرحلة الإشعار إلى مرحلة الأداء.

    لكن مني جميعًا أصدق الشكر وأخلصه على ما قلتم من الشعر ومن النثر، ولخطبائكم — عليَّ العهد — أن أكون كما يريدون، ولشاعركم ألَّا أريح ولا أستريح حتى يرضى، ولشاعر الأزهر ألَّا أنسى ما طلب إليَّ.

    أقدم إليكم شكري خالصًا، وتحيتي صادقة، ولكن لي عليكم حقًّا يجب أن تؤدوه، وأن تكونوا معي حين يجب الجد في أمور المعلمين والتلاميذ والعلم.

    أيها السادة، ليكن هذا الاجتماع الذي فرضتموه على أنفسكم وعلى قوم أبرياء شغلتموهم عن واجباتهم فرصة سانحة نعاهد بعضنا بعضًا بدافع من الواجب والحق، مهما كلفنا ذلك من مشقة وجهد، وثقوا أن الحكومة كلها معكم، وإن كنَّا قد وصلنا إلى شيءٍ لم نبلغ به كل حقوقنا؛ فإن الوزراء جميعًا يؤمنون بما أؤمن به، ويقولون ما أقول.

    وإن جلالة الملك يحمي الحق من حيث هو الحق، ويدافع عن الواجب من حيث هو واجب، يريد من المصريين جميعًا أن يخلصوا لواجباتهم، ويحرصوا على حقوقهم، ويعيشوا كرامًا؛ لأنه يحرص على أن يظل ملكًا كريمًا لشعبٍ كريمٍ في وطنٍ كريمٍ؛ فاطمئنوا وانشروا الطمأنينة من حولكم، وإذا أحسستم ما يدعو إلى الخروج فسنخوض المعركة معًا، ولكن لن نحتاج إلى شيءٍ ما دام الفاروق يرعى مصر، ومصطفى النحاس رئيسًا للحكومة.

  • خطاب الدكتور طه حسين بك

    خطاب الدكتور طه حسين بك
    طه حسين
    مجلة الحديث
    فبراير ١٩٤٣

    مولاي صاحب الجلالة:
    أعليت قدر الجامعة، فليزد اللهُ قدرك علوًّا، ورفعت ذكر الجامعتين، فليزد الله ذكرك ارتفاعًا، وأيَّدتَ سلطان العلم، فليزد الله ملكك عزًّا وتأييدًا. النجْح مقرونٌ بشخصك العظيم يا مولاي. أقبلت على مصر فأقبلت عليها الدنيا، ونهضتَ بملكها فتمت لها عزتها، ودبرت أمرها فانجلت عنها الغمرات وانجابت عنها الخطوب. واليُمن مقرون باسمك الكريم يا مولاي، تذكره فتشحذ العزائم وتنفذ البصائر وتبعد الهمم، وإذا العصيُّ من الأمر يسمح، وإذا القصيُّ من الأمل يقرب، وإذا الصعب من الطِّلَاب يهون.
    هذه جامعتك كانت أمنية مطوية في ضمير الإسكندرية منذ القرون المتطاولة والعصور المتباعِدة، تتطلع إليها ولا تبلغها، تدنو منها لتبعد عنها، تُحِسُّ حر الشوق إليها ولا تجِدُ بَرْدَ الظَّفَر بها؛ حتى استيأست من هذه الأمنية أو كادت تستيئس، وحتى جعلت تنظر إليها كما ينظر المستيقظ إلى الحُلم الحُلو قد نسي أكثره ولم يحتفظ منه إلَّا بأطراف متضائلة، ثم اقترن التفكير فيها باسمك الكريم، فإذا هي حقيقة ماثلة كاملة شاملة قد تم خلقها واستكملت قوتها واستجمعت أُهبتها للدرس والبحث والإنتاج.
    لم تنجم للإسكندرية معهدًا معهدًا، ولم تقدم إليها كلية كلية، وإنما أُنشئت كلياتها السبع مفتَّحة الأبواب لاستقبال الطلاب كاملة الأداة موفورة النشاط قادرة على أن تنشر ضوء العلم في فروع المعرفة الإنسانية جميعًا.
    لم يكَد يُقبِل العام الجامعي حتى قارب المتعلمون فيها خمس عشرة مائة، وقارب المعلمون مائتين، وهُيِّئَتْ لأساتذتها وطلابها المعامل والمكتبات متواضعة، ولكنها قابلة للنُّمُو قادرة عليه. وتسامع بها الناس في الشرق العربي، فسَعَوْا إليها يطلبون فيها العلم، ويلتمسون عند أساتذتها المعرفة.
    ذلك لأنك يا مولاي لا تبغض شيئًا كما تبغض أن يقتر على شعبك في علم أو مال، ولا تحب شيئًا كما تحب أن يوسع على شعبك في كل وجه من وجوه الخير.
    وقد أحسست يا مولاي أن شعبك مشوق إلى العلم، تَوَّاقٌ إلى المعرفة، طامع في المجد، طَموح إلى الرُّقِي، فأبى حُبُّك له وعطفك عليه إلَّا أن تُنِيلَه من ذلك ما تمنَّى، وتُبلغه من ذلك ما يريد. وما هي إلَّا عزمة ماضية من جلالتك واستجابة صادقة من حكومتك حتى كانت هذه المعجزة الخارقة، حتى ينظر الشرق والغرب فإذا مدينة الإسكندرية تسترد في أقصر وقت وأخطره مجدها العلمي القديم، ومكانتها الرائعة التليدة في نشر الثقافة وتقريب الآماد بين أمم الأرض على اختلافها، كدأبها حين كانت أعظم مدن الأرض قوةً وبأسًا وأرفاها إلى العلم والأدب وفي الفلسفة والفن.
    لله أنتم آل البيت العلوي الكريم! ما أعظم فضلكم على الحياة العقلية في مصر! لقد بعثتموها قوية نشيطة، ثم ما زلتم تتعهدونها بالتأييد والتشجيع حتى أصبحت جذوتها المقدسة نورًا ساطعًا يغمر الشرق كله.
    فجدكم العظيم يُذكِيها ويبعث فيها الروح الحديث، ويصل بينها وبين حضارة الغرب، وأبناؤه من بعده يتبعون نهجه ويمضون في طريقه ويسرعون بمصر إلى تحقيق ما ادَّخر القدر لها من جِد، ويجعلونها مركز الاتصال حقًّا بين العالمين.
    ثم هذا إسماعيل العظيم ينشر التعليم العام الذي يقصد به إلى المعرفة الخالصة والثقافة الصرفة.
    وهذا فؤاد العظيم ينشئ جامعة في القاهرة إلى ما أنشأ من معاهد العلم والثقافة.
    وهذا فاروق العظيم ينشئ جامعته في الإسكندرية إلى ما أنشأ وما سينشئ من معاهد العلم والأدب والفن، وكأنما كان أبو الطيب ينظر إليكم حين قال:
    على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
    ايذن لي يا مولاي في أن أصور لهذا الجيل الحاضر وللأجيال المقبلة من شعبك عطفك على هذه الجامعة ورعايتك لها في غير تزيُّد ولا إسراف، إنها ابنتك يا مولاي، منحتَها الحياة ونفخت فيها من رُوحك العظيم، وتفضلت عليها باسمك الكريم، فلم تكَد تشعر بهذا الوجود الذي أهديته إليها حتى كان ذكرك أول ما نطقت به، وحتى كان شكرك أول ما أسرعت إليه، وإذا مجلسها يسجل في أول صفحة من كتابها الخالد هذا القرار الساذج الذي إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أنه يريد الشكر، ولكنه يعجز عن الشكر فيكتفي بتسجيل هذا العجز ويستأذن جلالتك في أن يهدي إليك درجة الدكتوراه الفخرية للجامعة.
    وأنت عطوف على جامعتك يا مولاي رفيقٌ بها مشجعٌ لها، لا يكاد يرقى إليك صوتُها حتى تصغي إليه، ولا يكاد يبلغك دعاؤها حتى تستجيب لها.
    ثم لا تكتفي يا مولاي بما قدمت من نعمة حتى تضيف إليها نعمة أخرى.
    وها أنت ذا تتفضل فتتقبل هدية الجامعة، ثم تتفضل فتسعى إليها لتتلقى منها هديتها إكبارًا لشأنها وإعلاءً لقدرها وإذنًا لها بأن تمنح من درجات العلم والفخر ما تشاء لمن تشاء. وما يمنعها من ذلك وقد أهدت إليك درجتها الفخرية فقبِلتها، ولا يبلغ الجامعة أنك قد أسديت إليها هذه الكرامة وتفضلت عليها بهذه المنة، وأذنتها بزيارتك السعيدة حتى تنتظرك مشغوفة بك مشوقة إليك، كأنها الروضة تنتظر قطر الندى الذي يبعث فيها الحياة وضوء الشمس الذي يسبغ على النسيم الذي يحمل عنها العبير، فيعطر بها الأجواء في كل مكان. وها أنت ذا يا مولاي قد أقبلت فبعثت فيها من قوتك قوةً ومن جلالك جلالًا، ورفعت ذكرها في آفاق الشرق والغرب، فكيف السبيل لها إلى أن تنهض بشُكرك؟ وأين الوسيلة لها إلى أن تؤدي بعض حقك؟! إنما هو فضل منك يضاف إلى فضل، ومِنَّة منك تُضاف إلى منة. ومع ذلك يا مولاي فإن الجامعيين يعرفون الطريق إلى رضاك، ويعرفون كيف يسلكون هذه الطريق، ويستأذنونك في أن يقطعوا على أنفسهم العهد بين يديك على أن يبذلوا في سبيل ذلك من الجهد أقصى ما يستطيعون. إنهم يعرفون مُثُلَك العليا، ويعرفون أن من أراد أن يبلغ رضاك فليس عليه إلَّا أن يحب من الخير ما تحب، ويسعى من المجد إلى مثل ما تسعى إليه.
    أحب شيء إليك وآثر شيء عندك يا مولاي أن يؤدِّي كل مصري حظَّه من الواجب الذي تفرضه عليه الحياة المصرية على أتم وجه وأكمله في غير فتور ولا تقصير. والواجب الذي تفرضه الحياة المصرية على الجامعيين هو أن تخلص عقولهم وقلوبهم وضمائرهم للعلم، يحبونه كما تحبه، وينصرونه كما تنصره، ويتخذونه كما تريد أن يُتَّخَذَ وسيلة إلى معرفة ما أمكن الوصول إلى الحق، وأداة إلى تقويم الخلق وتنقية الضمير وتصفية الذوق وتثقيف الشعب على اختلاف طبقاته، وتكوين أجيال مخلصة للحق مؤثِرَة للعدل، قادرة على احتمال التبِعات والنهوض بالواجبات الوطنية مهما تكُن، ومواجهة مصاعب الحياة التي تزداد تعقدًا من يوم إلى يوم.
    والجامعيون يأخذون أنفسهم بأن يقفوا على هذا كله جهودهم وأوقاتهم، وأن يبذلوا في سبيله صفوة ما يملكون من قوة وأيد.
    وأنت بعدَ كل شيءٍ وقبل كل شيء صورة الوطن ورمز عزته ومظهر جلاله؛ فالجامعيون يأخذون أنفسهم بأن تكون جهودهم كلها خالصة لمجد الوطن العزيز والعرش المُفَدَّى.
    بهذا يا مولاي وبالسعي إلى هذا يبلغ المصريون رضاك إذا جدوا واجتهدوا وأخلصوا. وعلينا العهد يا مولاي أن نكون دائمًا في طليعة الجادِّين المجتهدين المخلصين.
    أطال الله بقاءك يا مولاي، وأدام نعمته عليك، وأدام نعمته بك على شعبك الوفي الأمين.

  • إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه

    إن للشعب حقوقًا يجب أن تؤدى إليه
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٢ نوفمبر ١٩٤٠

    قال صاحبي: لقد أقبلتُ ألتمسُ الرَّاحة من عناء العمل، وأُسَرِّي عن النفس بعض هموم الحياة، وأغسل قلبي من أوضار الحضارة، هذه التي تعلق بأسلوب الناس حين يضطربون في إرضاء الحاجات وتحقيق الأغراض وقضاء الأوطار وكنتُ أظن أنَّ ساعات قليلة في هذه البيئة الجميلة ستبلغني من هذا كله ما كنت أريد.

    ولِمَ لا؟ وكل شيء هنا يدعو إلى راحة الجسم، وبراءة النفس وطهارة القلب، ونقاء الضمير، جو كله صفو وصحو، تنتثر فيه بين حين وحين سُحب ضئيلة مُتفرقة لا تَحْجِبُ الشمس، ولكنها تُصَفِّي ضوءها تصفية، وتُخفِّف من حرها ما هو خليق أن يؤذي الأجسام.

    ونسيم هادئ رقيق يضطرب خفيفًا شيئًا في هذا الجو؛ فيبعثُ في الجسم نشاطًا غير عنيف، ويبعثُ في النَّفس حياة هادئة مُطمئنة إنْ دعت إلى شيء فإنَّما تدعو إلى الحديث الهادئ المُطمئن، والتفكير المُستأنس البطيء، ونخل باسقات يحسن النظر إليها، وقد تخففت من إثمارها كما كان النظر يحسن إليها حين كانت مُثقلة بهذه الأثمار.

    وأطلال بالية قد تناثرت فيها الآثار المُختلفة ومَرَّت عليها العصور المُتطاولة، فأفنت منها ما أفنت، وأبقت منها ما أبقت، وقل عمل العلماء في استكشاف هذه الآثار، واستخراج ما استقرَّ منها في جوف الأرض؛ فهي تُثير في النفس عبرة وموعظة، وهي تثير في النفس إكبارًا وإعجابًا، وهي تثير في النفس رضًا واطمئنانًا، وهي تثير في النفس مع هذا كله قليلًا من حزن وكثيرًا من حنين.

    وقد أقبلت جماعات من الأجانب المدنيين والعسكريين؛ تزُور هذه الآثار، أو تتخذ من زيارة هذه الآثار نقلة لالتماس الرَّاحة التي ألتمسها أو لالتماس اللهو الذي لا يلمسه، وهي على كلِّ حالٍ مُنْتَشِرة حول هذه الآثار مُتفرقة في أثنائها تتنادى وتتجاوب وتتضاحك، ويلهي بعضها بعضًا باللحظ واللفظ، وبغير اللحظ واللفظ من ألوان الإشارة والحركات.

    ما أَجْمَل هذه البيئة وما أجدرها أنْ تُحَقِّق لنفسي ما ابتغت من راحة، وترد عليها ما فقدت من نشاط، وما أجدرها أنْ تَقرَّ هذا القلب المُضَّطرب، وتهدئ هذه النفس الثائرة، وتهيئتي العمل تهيئة حسنة وترُدُّني إليه جذع البصيرة قارع الأقدام، كما قال الشاعر القديم.

    ولكني أعود إلى المدينة كما تركتها مُثقل النفس بالهموم؛ مُفْعَم القلب بالأحزان، ضيقًا بالحياة والأحياء، زاهدًا في الحياة والإحياء، لم ينجلِ عن قلبي كدره، ولم تسر عن نفسي همومها، ولم يبلغ ضميري من الصفاء والنقاء ما كنت أحب، وإنما هو شاحب كئيب كأنما عكس الأصيل عليه ما يشيع فيه من الكآبة والشحوب، وكأنما أحاطت به هذه الظلمات التي تُرسل طلائعها لتَمْحُو منَ الأرض آية النَّهار المُبْصِر شيئًا فشيئًا، ولتنتشر على الأرض آية الليل المُظلم قليلًا قليلًا.

    قلتُ لصَاحِبي: لقدْ شعرت منذ اليوم وما عرفتك شاعرًا، فما ذاك! قال صاحبي: لا أدري، ولكني شُغلتُ بأهل هذه البيئة عن البيئة نفسها، ورأيتُ مِن أمر هؤلاء النَّاس الذين يعيشون في هذه البيئة ما لم يرَ هؤلاء السَّادة الذين أقبلوا يَلتَمِسون الرَّاحة، ويبتغون اللذة ويطلبون نعيم الحياة.

    قلتُ لصَاحِبي: فإنك ترى هؤلاء النَّاس في كل يوم، وإنك تراهم في كل مكان، ولستُ في حاجة إلى أنْ تترك القاهرة؛ لترى من أمر الناس ما يسرك أو ما يحزنك؛ ففي القاهرة من أمر الناس ما يسر، وإن كان قليلًا، وفي القاهرة من أمر الناس ما يُحزن، وإن كان كثيرًا، فلم يسؤك ما ترى من أمر الناس الآن، مع أنَّه لم يسؤك أمس، ومع أنَّه لن يسؤك غدًا في أكبر الظن؟

    قال صاحبي: لأني شُغلتُ عن الناس أمس وسأُشغل عنهم غدًا بما أنا معني به من أمور الحياة، وقد خرجت من القاهرة اليوم أريد أن أفرغ لنفسي؛ فقام هؤلاء الناس بيني وبين نفسي فشُغلت عنها بهم، وانصرفت عنها إليهم، وقضيتُ ساعات كنتُ أُقدِّر أنها ستحلو وتصفو وتروق؛ فإذا هي مُرة أشد المرارة كدرة أشد الكدر مُؤذية أشد الإيذاء.

    قلت لصاحبي: فإنك في حاجة شديدة إلى أن تخرج من القاهرة بين حين وحين؛ تلتمس الفراغ لنفسك فيحول أمر الناس بينك وبين نفسك فتضطر إلى أن تفكر فيهم، وتعنى بهم وتتحدث عنهم. لعل هذا كله أن يحمل بعض أصحابك على أن ينهجوا نهجك، ويسيروا سيرتك، ويُفكروا في أمر هؤلاء الناس، ويختصوهم بشيء من العناية.

    فما أشد حَاجتهم إلى فضل من العناية بهم، وقليل من التفكير فيهم، وما أشد بخلنا عليهم بحقهم من العناية والتفكير، وليس أمرك هذا الذي تحدثني به طريفًا ولا غريبًا، وإنَّما تُذكرني الآن شأنَ كثير من أهل القاهرة والإسكندرية، أُولئك الذين أزعجتهم نُذُر الحرب عن القاهرة والإسكندرية؛ فهاجروا إلى الريف وحاولوا الإقامة فيه، ثم هاجروا من الريف وآثروا القاهرة والإسكندرية على ما يشيع فيهما من نذر الحرب، وما قد يلم بهما من هول الحرب، آثروهما على الإقامة في هذا الريف؛ لأنَّهم رأوا ما لم يكونوا يظنون أنهم سيرون وأحسوا ما لم يكونوا يقدرون أنهم سيحسون، ولأنهم قبل كل شيء وبعد كل شيء حُرموا ما لم يكونوا ينتظرون أنهم سيُحرمون.

    ألم يتحدث أحدهم إلى المُقطم منذ شهور بأنه يؤثر العودة إلى القاهرة على الإقامة في الرِّيف؛ لأنه لم يجد بين أهل الريف ما تعوَّد أن يجد في العاصمة من طيبات الحياة. ونشرت المُقطم حديثه ذلك مُفصلًا تفصيلًا مُضحكًا مُؤلمًا حقًّا. وما رأيك فيمن يُؤثر نذر الحرب وأهوالها على طنين البعوض ولسعه في الرِّيف، وما رأيك فيمن لم يستطع أن يصبر عما تعود أن ينعَم به في القاهرة من لذات الطعام والشراب، ومن هذا الترف الذي يجده الأغنياء حين يستقرون في دورهم ويأوون إلى مضجاعهم، وحين يضطربون في هذه الشوارع النظيفة الجميلة التي يكثر فيها النشاط وينتشر فيها ما يملأ النفوس بهجة وسرورًا.

    ما رأيك فيمن يتحدث بهذا كله، ويقبل أن يُنقل عنه، ويذاع هذا كله ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا خليقًا فيما يظهر بالنِّسيان، وهو أنَّ في هذا الرِّيف ملايين منَ المصريين يُقدمون أجسامهم الغليظة الخشنة مَرتعًا للبعوض، ويحرمون لا أقول طيبات الحياة الناعمة ولذات العيش الغض، وإنَّما أقول إنهم يحرمون ما تكون الحياة به حياة، يحرمون ما يُقيم الأود ويُبِلُّ الظمأ، ويُمكن الإنسان من أنْ يشعر بأنه إنسان يستطيع أن يفرغ لنفسه بين حين وحين، وأنْ يفكر في نفسه بين حين وحين.

    وهم مع ذلك لا يُهاجرون من الريف ولا يَضِيقُون بالحياة في الرِّيف، وإنما قاموا في الرِّيف راضين عنه أو ساخطين عليه، ولكنهم مُذعنون لقضاء الله على كل حال، إنَّما أنت يا صاحبي كهؤلاء الذين لم يعرفوا الريف وآلامه إلا حين أزعجتهم الحرب عن المدن؛ فلما ذاقوا ما في حياة الريف من ألم لم يستطيعوا فيه إقامة ولا استقرارًا.

    وأظرف ما في الأمر وأطرَفه أنَّ هؤلاء السادة الذين أقبلوا على الرِّيف ثم أعرضوا عنه لم يفكروا في أهل الريف وإنَّما فكروا في أنفسهم، لم يألموا لأهل الريف، وإنما أهمتهم أنفسهم؛ ففروا بها إلى الحواضر التي يجدون فيها ما لا يستطيعون الاستغناء عنه من نعيم الحياة.

    قال صاحبي: وأطرف من هذا كله وأظرف في أنَّ هؤلاء السادة لم يُفكروا في أنهم مدينون بسعادتهم لشقاء أهل الريف، ومدينون بترفهم لشظف أهل الريف، ومدينون بشبعهم ورِيهم لما يجد أهل الريف من الظمأ والجوع. لم يفكروا في هذا ولا في بعضه وإنَّما فكروا في أنفسهم، وشغلهم ما حُرِمُوا من لذات الحياة وطيبات العيش؛ فعادوا إلى الحواضر مُسرعين، ولم يكادوا يجدون ما فقدوا حتى نسوا الريف وأهل الريف، وأقبلوا على حياتهم الراضية النَّاعمة يستمتعون بها، ويَمضون فيها لا يذكرون أحدًا ولا يذكرون شيئًا، كأنهم لم يروا أحدًا ولم يروا شيئًا، وكأنهم لم يشهدوا في الرِّيف من البؤس ما تَسْتَحي نفس الرَّجل الكريم حين تراه أن تذوق طعم النَّعيم رحم الله أبا العلاء حين قال:

    ولو أني حبيت الخلد فردًالما أحبيت بالخلد انفرادافلا هطلت علي ولا بأرضيسحائب ليس تنتظم البلادا
    قلتُ لصاحبي: ولم تريدهم على أن يذكروا ذلك ويفكروا فيه وهم إنْ ذكروه تألموا له، وما ينبغي لهم أن يتألموا، وما قيمة الحياة إذا شاع فيها الألم، وهم إن تألموا لذلك فقد ينغص عليهم الألم لذاتهم، وهم لا يريدون أن تنغص عليهم لذاتهم. وما قيمة اللذات إنْ لم تكن صفوًا كلها.

    وهم إذا نغَصت عليهم لذاتهم قد يجدون شفاء لأنفسهم أن يؤدوا لأهل الريف بعض الحق، ويرفعوا عنهم بعض البؤس، وقد يكلفهم ذلك فضلًا من مال، وقد يكلفهم ذلك شيئًا من جهد، وهم لم يجمعوا المال لينفقوه على غير أنفسهم، وهم لم يملكوا الجهد ليبذلوه في غير حاجاتهم وأوطارهم، وما قيمة المال والجهد إذا أُنفقا في غير ما يحصِّل لصاحبهما لذة أو يقضي لصاحبهما أربًا.

    قال صاحبي: إنك لسيئ الظن بالناس، وإنك لتعلم أنَّ بينهم الكريم الذي يفعل الخير ويبذل المعروف. قلتُ: فاحص هؤلاء الكرماء ووازن بين عددهم وعدد البائسين، ووازن بين ما يبذلون وما يعملون، وبين حاجة مصر إلى البذل والعمل، ووازن بنوع خاص بين ما يبذلون وما يعملون وبين قدرتهم على البذل والعمل، فستنتج لك الموازنة أني لستُ سيئ الظن بالناس، ولكنِّي أُقرر حقائق لا تحتمل شكًّا ولا جدالًا.

    وأظهر هذه الحقائق هي أنَّ القادرين على الخير في مصر قد يكونون أغنياء بالثروة والقوة والجاه، ولكنَّهم فقراء حقًّا في الشعور بالتضامن الاجتماعي، وبما ينبغي أنْ يكون بين أبناء الأُمَّة الواحدة من التَّعاطف والتَّعاون والتَّواصي بالخير والتبادل المعروف.

    قال صاحبي: وقد استحال حُزْنُه الهادئ إلى غضب يَكَادُ يبلغ الغيظَ، قل ما شئت في الذين يبخلون ولا يبذلون، وفي الذين يقصرون وهم قادرون على النفع؛ فإنَّك لا تعدو أنْ تُلاحظ ضَعفًا في الأخلاق، وفتورًا في حُبِّ الخَيْر.

    ولكنَّ عندي أنا ما هو أشد من ذلك؛ وأقسى وأجدر أن يملأ القلوب غضبًا وغيظًا. قلتُ: وما ذاك؟ قال: نظامنا الديمقراطي الذي تمتلئ الأفواه بالحديث عنه، وتمتلئ الأندية بالخوض فيه، وتمتلئ الصحف بالذود عنه، وتضطرب الأرض له بين حين وحين؛ حين ينتخب هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان، وحين يكون السؤال والاستجواب في هذا المجلس أو ذاك من مجلسي البرلمان؛ إنما يقوم هذا النظام الديمقراطي كما يقوم غيره من نُظم الحُكم على أنَّ على الشعب واجبات يجب أن ينهض بها، وعلى أنَّ للشعب حقوقًا يجبُ أن تؤدى إليه. وأول هذه الواجبات تموين الدولة بالمال بتأدية الضرائب إليها، وحمايةُ أرض الوطن ببذل الأنفس والدماء إذا تعرضت للخطر، وأول هذه الحقوق أن يرَد البؤس عن الشعب ما وجدت الدولة سبيلًا إلى رد البؤس عن الشعب.

    أفتشكُّ في أنَّ الشعب يقصر في أداء الضرائب وتموين الدولة بالمال؟ أفتشك في أنَّ الشعب يقصر إذا دعته الدولة إلى حماية الوطن من غارة العدو؟ ثم هل تظن أنَّ الدولة فعلتْ كلَّ ما يجبُ أن تفعل أو بعض ما يجبُ أن تفعله لحماية الشعب من البؤس والشقاء.

    وهممتُ أن أُجيب صاحبي مدافعًا عن الدَّولة، ولكنَّه مَضى في حديثه عنيفًا؛ فقال: لا تتكلف ما لا تُطيق فقد رأيت معي هؤلاء البائسين الذين كانوا يبحثون فيما ألقى خَدَمُنا من نفاية المائدة بعد الغداء؛ يلتمسون فيه ما يزدردون ليُقيموا به أودًا أو ليُحصلوا به لذة. لا تتكلف ما لا تُطيق فلن أصدق أنَّ بلدًا كمصر له ميزانيته الضخمة يعجز عن إغناء بعض أهل الريف عن أنْ يلتمسوا قوتهم ولذتهم فيما يُطرح من نفاية الموائد.

    لقد كنت منذ أسبوعين تتحدث عن حق الشعب في التَّعليم في ظلِّ النظام الديمقراطي الصحيح، فتحدث أيضًا عن حق الشعب في ألا يدفعه الجوع والبؤس إلى ما لا يُلائم الكرامة في ظل النظام الديمقراطي الصحيح.

    وكانت السيارة قد بلغت بنا من القاهرة المكان الذي لم يكن بُدٌّ من أن نفترق فيه، فأشار صاحبي إلى السائق أنْ قف، ووضع يده في يدي، وهو يقول: تحدث ببعض هذا إلى من تعرف من النواب، وإلى من تعرف من الشيوخ.

    قلت في شيء من الابتسام: نعم، سأفعل بعد أن يُنتخب رئيس مجلس النواب ومكتب مجلس النواب، ومكتب مجلس الشيوخ أيضًا. فهنالك يسمع الشيوخ والنواب لمثل هذا الحديث.

  • الشعب الديمقراطي

    الشعب الديمقراطي
    طه حسين
    مجلة المصور
    ٢٠ سبتمبر ١٩٤٠

    نحن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها. ولكنْ، كثير جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكُّون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا. فإذا جد الجِدُّ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب، وقلوبنا مختلفة وضمائرنا متباعدة، فعلينا أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة، وأن نقنع الضمائر المصرية كلها بأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق دائمًا، هي خط مشترك بين المصريين جميعًا.

    أخصُّ ما تمتاز به الحياة العامة في الأمم الديمقراطية أنها لا تفرض على الشعب، وإنما تصدر عنه، وأن الشعب لا يساق إليها ولا يكره عليها، وإنما يسعى إليها راغبًا فيها مريدًا لها.

    ومن هنا كانت الشعوب الديمقراطية مسئولة عن أعمالها، تستمتع بثمراتها كما تحتمل سيئاتها؛ لأنها هي التي أرادتها، لم يفرضها عليها أحد ولم يكرهها عليها عسف أو طغيان.

    ومن هنا أيضًا كان من الطبيعي أن يقال للشعب الديمقراطي إذا تعرضت حياته للخطر: هلم دافع عن نفسك، وذُدْ عن كرامتك، واحتفظ بحريتك، وضحِّ بمجهودك وأموالك ونفوس أبنائك في سبيل شرفك وسيادتك.

    يقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي؛ فيقع في نفسه أحسن موقع ويبلغ من ضميره أعماقه، ويدفعه إلى العمل والجهاد والتضحية بكل ما يتطلبه الجهاد.

    ويقال هذا الكلام للشعب الديمقراطي، فيذوقه الشعب ويفهمه ويجد لكل كلمة منه معناها الواضح الجلي. يحسُّ هذا المعنى إحساسًا قويًّا في كل عمل يأتيه أفراده مجتمعين أو متفرقين، وفي كل كلمة يقولها أفراده مجتمعين أو متفرقين أيضًا. ذلك أنهم يلاحظون أنهم في حياتهم اليومية يغدون أحرارًا ويروحون أحرارًا ويقولون أحرارًا ويعملون أحرارًا. يأتون من الأمر ما يريدون لا يردهم عنه راد، إلَّا القانون الذي وُضِع ملائمًا لحقوق الأفراد والجماعات وحريتها، منظمًا لهذه الحقوق والحرية. ويعرضون عما يريدون الإعراض عنه لا يدفعهم إليه دافع من غير أنفسهم، ولا يفرضه عليهم سلطان قوي جائر أو متعسف.

    فكل فرد إذن إذا ثار للدفاع عن الوطن، فهو يدافع عن نفسه أولًا وعن وطنه ومواطنيه ثانيًا، ولا كذلك الشعوب التي يقهرها السلطان العنيف ويملك عليها أمرها؛ فيدفعها إلى ما يريد هو لا إلى ما تريد هي، ويصدها عما يريد أن يصدها عنه، وقد تكون هي شديدة الميل إلى أن تقدم إليه. هذه الشعوب تساق إلى الحروب كارهة لها وتخوض غمراتها زاهدةً فيها. وقد يتاح لها النصر ولكنها لا تستمتع به ولا تذوق لذته؛ لأنه نصر لم ينشأ عن إرادة، وإنما نشأ عن تكليف، وقد تقدر عليها الهزيمة فتتجرع مرارتها مضاعفةً؛ لأنها هزيمة لم تنشأ عن خطأ أقدم الشعب عليه وهو حر أو تقصير دفع الشعب إليه غير مكره، وإنما نشأت عن تحكم المتحكمين، وتعسف المتعسفين، واستبداد المتسلطين بما لا ينبغي لهم أن يستبدوا به. ومن هنا نلاحظ أن الشعوب الديمقراطية إذا خاضت غمرات الحرب كان من الطبيعي أن تظهر من أمور الحرب على كل شيء، وألَّا يخفي قادتها وساستها عليها شيئًا من الخير أو الشر؛ لأن هؤلاء القادة والساسة لا يحتملون وحدهم تبعات الحرب التي لم ينكروها، ولم يستبدوا بها، وإنما يحتملونها مع غيرهم من أبناء الشعب؛ لأن الشعب هو الذي أقدم على الحرب وكلفهم قيادتها وتدبير أمورها، فهم يطالعونه بأنباء الحرب أحرارًا متخففين من التبعات، وهم لا ينتظرون منه إلَّا ما ينتظره القائد المصيب من التشجيع والتأييد، أو ما ينتظره القائد المخطئ من اللوم والتثريب.

    فأمَّا الشعوب التي تفرض عليها الحرب ولم تردها، وتدفع إلى القتال ولا رغبة لها فيه، فهي لا تعرف من أمر الحرب شيئًا إلَّا ما يريد أن يقول لها قوَّادها وسادتها، وهم لا يقولون لها إلَّا ما يريدون، ولا يظهرونها إلَّا على ما يحبون أن تظهر عليه، يتوخون في ذلك مصلحتهم أكثر مما يتوخون مصلحة الشعب، ويحرصون في ذلك على أن يجنبوا أنفسهم اللوم أكثر مما يحرصون على أن يبصروا الشعوب بأمرها، ويواجهوها بالحق الصريح.

    وما أظن إلَّا أن الناس يلاحظون الفرق العظيم بين ما يتحدث به المستر تشرشل إلى الشعب البريطاني، وما كان يتحدث به الوزراء الفرنسيون قبل الهزيمة إلى الشعب الفرنسي، وما يتحدث به قادة الألمان والإيطاليين وسادتهم إلى الشعب الألماني والشعب الإيطالي. أولئك يصارحون الشعب بالحقائق، وينذرونه بالخطر، ويدلونه على مواطن الضعف، ويرشدونه إلى مصادر القوة، يقوون في نفسه الأمل، ولكنهم لا يضلونه ولا يخدعونه عما قد يخبئ له الغيب من أسباب القلق، وما يدعوه إلى التحفظ والاحتياط. وهؤلاء يزينون له الحرب ويرغبونه فيها ويهونون عليه الخسائر، ويحقرون له من أمرها ويهولون له أمر الفوز، ويسرفون له في تعظيم أمره. أولئك في حاجة إلى تأييد الشعب ونصحه، فهم يصارحونه بأن التأييد والنصح إنما يأتيان عن الرغبة لا عن الرهبة، وعن الإرادة لا عن الخضوع والإذعان. وهؤلاء يريدون الطاعة والانقياد، فهم لا يصارحون وإنما يهولون ويضللون؛ لأن الطاعة والانقياد إنما يصدران عن الخوف والرهبة لا عن الأمن والثقة والاقتناع.

    هذه هي حالة الحرب في هذين النوعين من أنواع الشعوب؛ قوم يحاربون؛ لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأن كرامتهم ومصالحهم وحرصهم على حياتهم الحرة المستقلة تدفعهم إلى أن يحاربوا. وقوم آخرون يحاربون لأنهم لا يجدون من الحرب بدًّا، ولأنهم إن لم يحاربوا فسيتعرضون لأنواع الهول في حياتهم الداخلية، إن لم تقتلهم أسلحة العدو فستقتلهم أسلحة القادة والسادة من المواطنين. وهناك نوع ثالث من الشعوب يتردد بين هذين النوعين، ويضطرب بين هذين الفريقين، له من الحرية ظاهرها ومن الديمقراطية أشكالها وصورها، فإذا تحققت أمره لم تجد حريته إلَّا كلامًا، ولم تجد ديمقراطيته إلَّا لونًا من ألوان اللعب.

    فإذا ألمت الحرب بساحة شعب من هذه الشعوب؛ فهو معرض لأشد الأخطار وأعظمها نكرًا كذلك؛ لأن ظواهر أمره تصوره على أنه يثور إذا حارب لحريته وكرامته وحياته المستقلة، وحقائق أمره بعيدة كل البعد عن هذا؛ لأنه لا يشعر بحريته، ولأنه لا يجد كرامته موفورة، ولأنه لا يطمئن إلى حياته المستقلة. فهو يحارب مأمورًا، وهو يجاهد مدفوعًا إلى الجهاد، على حين يظن الناس به أنه يحارب حفاظًا للوطن وذيادًا عن الحقوق. وهو خليق أن يتعرض لكل ما يتعرض له من يقدم على عظائم الأعمال في غير إيمان ولا اقتناع، فهو ظاهر القوة خفي الضعف. وهو مقدم فيما ترى العين ومحجم فيما يرى العقل وفيما يحس الضمير.

    يقول له قادته وسادته: هلم دافع عن حريتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: أين هي الحرية التي أُراد على أن أدافع عنها؟! يقول له رؤساؤه ومدبرو أمره: هلمَّ احتفظ بكرامتك! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني لا أجد لهذه الكرامة طعمًا ولا أحس لها ذوقًا، وإذا لم يكن بدٌّ من الاحتفاظ بالكرامة فما ينبغي أن أحارب هذا العدو الخارجي، وإنما ينبغي أن آخذ هذه الكرامة من الرؤساء والقادة قبل كل شيء. ويقول له قادته ومدبرو أمره: هلم ذُد عن حياتك المستقلة! فيقول لسانه: نعم، ويقول قلبه: إني أحب أن أكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبينكم من الصلة؛ لأكون حرًّا مستقلًّا فيما بيني وبين الأجانب من الصلات. حتى إذا جدَّ الجِد وأقبل الهول؛ رأيت قومًا يقدمون على غير ثقة، ويجاهدون في غير إيمان بالجهاد، ويتعرضون لكل ما يتعرض له غير المؤمنين من الفشل والضعف، ومن التهالك والتخاذل، ثم من الإذعان والاستسلام.

    والشعوب التي تخضع للسلطان الغاشم خضوعًا صريحًا جليًّا، قد تجد في هذا الخضوع نوعًا من الإيمان بغيضًا لا يليق بالإنسانية الكريمة، ولكنه مع ذلك يقنعها ويدفعها إلى العمل والاستماتة في الجهاد. وقد ظهر شيء من ذلك في هذه الحرب، فقد رأى الفرنسيون من أعدائهم في موقعة فرنسا عجبًا من العجب: رأوا ألوفًا من الناس، بل مئات الألوف يقبلون على الموت متهافتين عليه متساقطين فيه كما تتساقط الفراش في النار، لا يحفلون بمكروه ولا يحجمون عن بأس، وهم ينطقون بكلمة واحدة هي اسم زعيمهم الطاغية الألماني.

    والشعوب قد تؤمن بالضلال وتتفانى في سبيله، ولكن الشر كل الشر ألَّا تؤمن الشعوب بالضلال ولا بالهدى، وأن تقف حائرة مترددة بين ذلك، لا تجد من إيمانها واقتناع ضمائرها ما يدفعها إلى هذا النحو أو ذاك.

    هذا هو الخطر كل الخطر، هذا هو الشر كل الشر، فإنك لا تطلب من الفرد أن يزهق نفسه أو يريق دمه إلَّا أن يكون ذلك سبيلًا لبلوغ مثل أعلى وطريقًا إلى تحقيق أمل عزيز على النفس حبيب إلى القلب، يهون في سبيله أن تزهق النفوس وتراق الدماء.

    وإذن، فماذا يجب أن نفعل نحن، وقد أخذت نذر الحرب تصيح بنا من كل وجه، وجعلت أخطار الحرب تسعى إلينا من كل مكان، وأصبح من أشد الأشياء جوازًا وأعظمها احتمالًا أن نصلى نارها راضين أو كارهين. أظنُّ أن الجواب على هذا السؤال يسير لا عسر فيه، وقريب لا يحتاج إلى تفكير طويل. فنحن أمة ديمقراطية ليس في ذلك شك، قد بذلنا في سبيل الديمقراطية جهودًا عنيفة، واحتملنا في سبيلها أعباءً ثقالًا، وضحينا في سبيلها بالشيء الكثير. ولو خُيِّرنا بين الديمقراطية وأي نظام آخر من نظم الحكم لما ترددنا في الاختيار، فقد اخترنا منذ عهد بعيد.

    نحن إذن أمة ديمقراطية نحب حريتنا ونحرص عليها، نؤثر كرامتنا ونحتفظ بها مهما يكلفنا ذلك من ضروب المشقة والعناء، وما أشك في أننا لا نتردد إذا تعرضت ديمقراطيتنا للخطر وللحظر الذي يأتيها من الأجنبي في أننا سنضاعف الجهد ونمضي في التضحية إلى أبعد غاية؛ لنرد العدوان عن هذه الديمقراطية ونحميها من الضياع.

    كل هذا حق لا شك فيه، ولكن هناك حقًّا آخر لا شك فيه، وهو أن كثيرًا جدًّا من أفراد الشعب المصري يشكون في أنهم يستمتعون بالديمقراطية حقًّا، ولا تطمئن قلوبهم إلى أنهم يأخذون من نعمة الديمقراطية نصيبهم المقسوم لهم، وقد يعتقدون أن الديمقراطية المصرية مباحة لفريق من المصريين ومحظورة على فريق آخر. فإذا جدَّ الجد وأقبل الهول؛ فمن أشد الخطر وأقبح النكر أن نستقبل الخطوب وقلوبنا مختلفة، وضمائرنا متباعدة، وإيماننا بالمثل الأعلى الذي نراد على أن ندافع عنه ليس مشتركًا ولا سواءً.

    فإذا كان هناك واجب ينبغي أن ننهض به قبل أن يأخذنا الخطر من جميع أقطارنا، فهو أن نؤلف بين هذه القلوب المختلفة ونلائم بين هذه الأهواء المتباينة، ونقنع الضمائر المصرية كلها؛ لأن الديمقراطية المصرية ليست لعبًا وإنما هي الجد كل الجد، وبأن الديمقراطية المصرية ليست وقفًا على فريق من المصريين دون فريق، وإنما هي حظٌّ مشترك بين المصريين جميعًا، وبأن العدل السياسي والاجتماعي ليس شجرة يستظل بها أولئك دون هؤلاء، وإنما هي شجرة مباركة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وهي تظل المصريين جميعًا، ولعلها تستطيع أن تظل غير المصريين أيضًا. وبأن الحقوق السياسية والاجتماعية التي يسجِّلها الدستور المصري للمصريين ليست مباحة لأولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات السياسية والاجتماعية ليست مفروضة على أولئك دون هؤلاء، وكما أن الواجبات التي ستطلبها الحرب إن اضطررنا إليها لن تفرض على أولئك دون هؤلاء.

    وقد تسألني: كيف السبيل إلى تحقيق هذه الوحدة وإشاعة هذا الإيمان بين المصريين جميعًا؟ وجوابي على ذلك يسير، وهو أن هذا السؤال لا ينبغي أن يوجه إليَّ أنا وإنما ينبغي أن يوجه إلى الذين يعنون بأمور السياسة المصرية، ويقفون عليها ما يملكون من وقت وجهد.

  • حياد …

    حياد …

    طه حسين

    مجلة المصور

    ٦ سبتمبر ١٩٤٠

    ما أظن أن أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد، هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته.

    كلمة يحبها الناس أشد الحب؛ لأنها تُصوِّر أمالًا عِذابًا وأماني خلابةً، تصور الأمن والدعة، وتصور السلم والعافية، وتصور الاستمتاع بلذات الحياة المادية والمعنوية، والناس من حولك يشقون بالخوف والفزع وبالهلع والجزع وبالحرب وآثامها، وبضروب الحرمان التي لا تُحصَى، والإنسان مؤثر لنفسه بالخير دائمًا، تدفعه هذه الأثرة إلى الجبن والضعة في كثير من الأحيان، وهو أشد استعذابًا لسعادته حين يشقى الناس من حوله، وأشد استمتاعًا بأمنه حين يخاف الناس من حوله، يرى نفسه ممتازًا بالخير الذي لم يظفر به غيره؛ فيرى بذلك لنفسه فضلًا على الناس. وأي الناس لم يكلف بالتفوق؟! وأي الناس لم ينعم بالامتياز؟!

    وكلمة الحياد تصور هذا الامتياز تصويرًا خلابًا رائعًا، فهناك أمم تشقى بالحرب وتحترق بنارها المهلكة، تُزهَق نفوس أبنائها، وتُراق دماؤهم، وتذهب جهودهم الهائلة وأموالهم الطائلة في نفقات الحرب وما تحتاج إليه من أدوات التدمير ووسائل الموت.

    وإلى جانب هذه الأمم أمم أخرى ترى هذا الهول من حولها، فتنظر إليه مشفقة على الذين يلم بهم.

    وفي هذا الإشفاق نفسه لون من الكبرياء؛ لأن الناس من حولها يشقون وهي سعيدة، ويسرعون إلى الموت أو يسرع الموت إليهم وهي ناعمة بالحياة ومشفقة على نفسها أن يبلغها الشر أو يمسها لسان من ألسنة هذه النار المندلعة من حولها.

    وفي هذا الإشفاق ضرب من ضروب الجبن، وفن من فنون الذل؛ لأن الأثرة كانت دائمًا وستظل دائمًا مصدرًا من مصادر الجبن والذل.

    ومهما يكن من شيء، فكلمة الحياد محببة إلى نفوس الناس؛ لأنها تصور لهم ما يحبون بحق — أو بغير حق — من الأمن والعافية ومن السعادة والنعيم.

    الحياد السياسي ضرب من المحال ولكن هذه الكلمة قد فقدت معناها الصحيح في هذا العصر الذي نعيش فيه، فأصبحت سرابًا لا يُغْنِي شيئًا لسببين يسيرين؛ أولهما مادي يتصل برقي الحضارة وما انتهى إليه من إلغاء المسافات في الزمان والمكان بين الأمم والشعوب، ومن إلغاء العزلة التي كانت الأمم والشعوب تعتصم بها إذا جد الجد وصرح الشر، ومن توفيق الصلات بين الدول والأوطان مهما تتباعد أقطارها ومهما تتباين مذاهبها في الحياة؛ فالأمم التي كانت تستمتع بالحياد ولذاته في الحرب الماضية وتجني منه منافع مادية لا تكاد تُحصَى؛ قد شقيت بالحياد في هذه الحرب شقاءً ليس أهون من شقاء الأمم المحاربة إلَّا قليلًا. وقع ذلك لهولندة وبلجيكا في هذه الحرب. وكم حرصت هولندة وبلجيكا على الحياد! وكم بذلت هولندة وبلجيكا في سبيله من جهد! وكم أغمضت هولندة وبلجيكا في سبيله جفونهما على القذى! ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. أصاب ذلك النرويج والدانمرك في هذه الحرب، وكم بذلت النرويج والدانمرك من جهد، وكم احتملت النرويج والدانمرك من عناء في سبيل الحياد، ثم لم يُغْنِ ذلك عنهما شيئًا. وهناك سبب معنوي ليس أقل من السبب المادي شرًّا، وهو أن المقياس الخلقي قد تغير تغيُّرًا شديدًا في نفوس أجيال من الأوروبيين، فقد كانت ألمانيا لا تقدر الحق قدره ولا تؤمن إلَّا بالقوة منذ القرن الماضي، ولكنها دُفِعَتْ من ذلك إلى أقصاه في هذا العصر؛ فصارحت الناس به جهرة وفي غير تردد ولا استحياء، وأعلن طاغيتها قبل الحرب بالقول والعمل أنه لا يعرف حقًّا ولا باطلًا ولا عدلًا ولا جورًا، أو أنه لا يقيس الحق والباطل والعدل والجور بمقاييسها المعروفة المألوفة، وإنما يقيسها بمصلحة ألمانيا، وبمصلحة ألمانيا كما يراها هو، لا كما يراها غيره من الناس؛ فهو معصوم من الخطأ، وما ينبغي لأحد أن يجادله في رأي إلَّا أن يكون قادرًا على أن يقهره ويضطره إلى الخضوع والإذعان! فالحق والعدل عنده هما ما يلائمان رأيه وهواه! وإذن؛ فالقانون الفقهي، والقانون الفلسفي، والقانون الاقتصادي، والقانون الخلقي؛ كل ذلك لغو وهراء لا قيمة له ولا غناء فيه! وليس هناك إلَّا قانون واحد، له وحده القيمة وعليه وحده المعول؛ وهو قانون الأثرة الألمانية، والأثرة الألمانية كما يشعر بها طاغية الألمان. وإذن؛ فكل ما كانت تراه الأخلاق وتقرره القوانين الوضعية والطبيعية من أمر الحياد كلام فارغ، يتشدق به الفقهاء ويتعلل به الضعفاء، وتَخْدَع به الأمم الصغيرة نفسها عما ينتظرها من الشقاء يوم يريد لها طاغية الألمان هذا الشقاء لمصلحته أو لمصلحة ألمانيا. وقد انتقلت هذه العدوى من ألمانيا إلى إيطاليا، فإذا طاغية إيطاليا يطلِّق الشرائع الرومانية والقواعد المسيحية تطليقًا، ويعتنق الدين الجديد؛ دين المنفعة التي لا يقوم أمامها شيء والتي يُضحَّى في سبيلها بكل شيء. رقي الحضارة من جهة وانهيار المقاييس الخلقية في ألمانيا وإيطاليا من جهة أخرى قد جردا كلمة الحياد من معناها ذلك الجميل الخلاب الذي صورته في أول هذا الحديث، وجعلا لها معنى آخر جديدًا هو الانتظار القلق المضطرب الذي يمحو من النفوس كل أمن ومن القلوب كل دعة، الذي يذود الهدوء عن الناس أثناء النهار، ويذود النوم عنهم أثناء الليل، ويملأ عقولهم وقلوبهم وضمائرهم بالخوف المتصل والهلع المستمر، والتوقع في كل لحظة أن يصيبهم ما أصاب الهولنديين والبلجيكيين وأهل الدانمرك والنرويج، فكلمة الحياد الآن إن دلَّت على شيء فإنما تدل على الانتظار الذي يشبه انتظار الفأر لبطش هذه الهرة التي تلاعبه وتداعبه، ولا تنتظر إلَّا أن تبطش به متى أحست أن أوان البطش به قد آن.

    الحياد الفكري جبن وضعة هذا هو الحياد السياسي الذي جَنَتْ ثمراته الأمم التي ذكرتها آنفًا، وأخذت تَجْنِي ثمراته أمم أخرى في البلقان طوعًا أو كرهًا، ولكن هناك حيادًا آخر ليس أقل ضعة من هذا الحياد السياسي، ولعله أن يكون أشد منه إيغالًا في الضعة وتعمقًا في الجبن وإمعانًا في الهوان، وهو الحياد الفكري. حياد الأفراد المثقفين والمفكرين أمام الأزمات التي تضطرب لها الأرض، وتصطدم فيها الأمم، وتتعرض فيها الحضارة الإنسانية للزوال. هؤلاء الأفراد المفكرون الذين امتازوا من غيرهم في الثقافة والعلم وفي الأدب والفن والذين اعترف لهم الناس بالامتياز، فأنزلوهم منازل القادة المرشدين، وقبلوا هم هذه المنازل، فجعلوا إذا تكلموا انتظروا أن يسمع الناس لهم، وإذا دعوا انتظروا أن يستجيب الناس لهم؛ لأنهم قد نزلوا من أممهم منزلة الأرستقراطية العقلية التي يجب أن تقول فيُسمَع لها، وأن تأمر فتُطاع. هؤلاء المفكرون المثقفون الذين ينظرون إلى هذه المشكلات الخطيرة والأزمات العنيفة، ثم يردون أبصارهم عليها غير حافلين بها ولا مكترثين لها؛ لأنهم قد آثروا الحياد والتزموا العزلة واختاروا لأنفسهم مكان الأمن والدعة ليسوا من التفكير ولا من الثقافة في شيء، وإنما هم قوم أثرون يحبون أنفسهم أكثر مما يحبون الحق والعدل والحضارة والرقي، فإذا حللت حبهم لأنفسهم رأيته حقيرًا دنيئًا؛ فهم لا يؤثرون أنفسهم بخيرات الحضارة وثمرات العقل ونتائج الفن؛ لأن هذا كله هو موضوع الحرب، ولأن هذا كله هو موضوع الصراع، ولأن هذا كله معرض للفناء. ولو آثروه لافتدوه بأنفسهم، ولو آثروه لدعوا الناس إلى حمايته والذود عنه، ولكنهم يؤثرون أنفسهم بهذه اللذات المادية القريبة الوضيعة التي تنجلي آخر الأمر إلى الطعام والشراب، وإلى هذه الحياة التي يحياها الحيوان. إنهم يخدعون أنفسهم ألوانًا من الخداع، فيخيِّلون إليها أنهم يفرغون للعلم والأدب والفن، فيقرءون ويبحثون ويتأملون. ولكن هذا خداع لا أكثر ولا أقل؛ فإن الاستمتاع بالعلم والأدب والفن إذا قرأت فيجب أن تقرأ ليستفيد غيرك من قراءتك، وإذا بحثت فيجب أن تبحث لينتفع غيرك ببحثك. فأمَّا أن تقرأ لنفسك ليس غير وأمَّا أن تبحث لنفسك وحدها؛ فأمرك فيه كأمر الذي يأكل ليشبع ويشرب ليدفع عن نفسه الظمأ ليس غير. هؤلاء المثقفون المفكرون الذين يخلون إلى أنفسهم ويفرغون لمتاعها المادي والمعنوي، ويعلنون أو يسِّرون أنهم يلتزمون الحياد فيما يضطرب له العالم من المشكلات ليسوا من الثقافة الصحيحة ولا من التفكير الصحيح في شيء، إنما هم قوم قد قصروا أنفسهم على أنفسهم، وقد خسرتهم أممهم وخسرتهم الإنسانية وخسرتهم الحضارة؛ لأنهم قطعوا ما بينهم وبين أممهم وما بينهم وبين الإنسانية والحضارة من أسباب. فإذا دعا هؤلاء المثقفون المفكرون إلى ما يحبون من الحياد الفكري، كانوا شرًّا يجب أن يُقاوَم وخطرًا يجب أن يُرَدَّ؛ لأنهم يدعون إلى الشر الذي ليس بعده شر، يدعون إلى إلغاء التضامن الاجتماعي، وإلى أن يفرغ الفرد لنفسه ليعيش لها ويضحي في سبيلها بما تقوم به الأمم والجماعات.

    الحياد يتنافى وروح الشباب ولهذا الحياد الفكري ولذلك الحياد السياسي خطر أحب أن يفكر فيه الناس؛ لأنه بعيد الأثر في حياة الأمم والشعوب حقًّا، بعيد الأثر في حياة الأمم الآن وفي حياتها بعد أن تنحل الأزمات وتعود الأمور إلى الاستقرار؛ ذلك أنه يفسد خلق الشباب ويفل عزمهم ويُغيِّر طبيعتهم ويمحو من نفوسهم هذه الحماسة التي تميزهم من الأجيال التي تقدَّمَتْ بها السن. فأخص ما يمتاز الشباب حماسته الخيرة التي يقبل بها على الحق لأنه الحق، ويدافع بها عن العدل لأنه العدل، والتي تدفعه إلى التضحية بجهده ونفسه في سبيل ما يؤمن به من الرأي، غير حافل بالنتائج ولا مكترث بالعواقب، وإنما يرى الواجب فيُدفَع إليه ويسمع داعي الحق فيستجيب له. بهذه الحماسة عاشت الأمم، أو بهذه الحماسة نهضت الأمم، أو بهذه الحماسة حفظت الأمم تراثها القديم وأضافت إليه تراثًا جديدًا، وبهذه الحماسة نقلت الأمم تليدها وطريفها لأجيالها المقبلة. فإذا انتشرت فكرة الحياد وأُلْقِيَتْ في نفس الشباب، وعلَّمهم القادة أن الفرد خليق أن يفرغ لنفسه ويعكف عليها ويلزم الحيدة المادية إذا استطار الشر من حوله، والحيدة الفكرية إذا اصطدمت من حوله المذاهب والآراء؛ هانت عليهم الحقوق العامة، وشُقَّتْ عليهم الواجبات العامة أيضًا، أُشْعِرُوا في قلوبهم حبَّ العافية وإيثار السلامة على المخاطرة في سبيل النهوض بالحق، والتضحية في سبيل أداء الواجب، واطمأنوا إلى أن الحياة لذة تُدْرَك من أقصر الطرق وأيسرها، لا يمنع من إدراكها أن يتعرض الوطن للخطر، ولا يمنع من إدراكها أن يخضع الوطن لسلطان الأجنبي، ولا يؤثر في إدراكها أن يكون الوطن عزيزًا أو ذليلًا وحرًّا كريمًا أو مستعبدًا رقيقًا. وما أظن أنَّ أحدًا من الذين يقودون الرأي في مصر — أو يرون لأنفسهم قيادة الرأي — يرضى أن يهيئ الشباب المصريين لحياة الحياد هذه التي تقوم على الخوف والجبن، وعلى الأثرة وحب النفس، والتي تنتهي إلى إهدار عزة الوطن وكرامته في سبيل أمن الفرد ولذته. وما أظن أحدًا من الشباب المصريين يقبل من قادته الضعفاء — إن وُجِدَ هؤلاء القادة — أن يعلموه حياة الحياد هذه، وأن يلقوا في روعه أن أمن الفرد يجب أن يكون أعظم خطرًا من عزة الأمة وكرامتها واستقلالها. أفهم إلى حدٍّ ما أن يُقال للشباب المصريين: لا تُغِيروا قبل أن يُغار عليكم، ولا تبدءوا بالشر قبل أن تُبدَءوا به. ولكن أحب أن أفهم متى يمكن أن يُقال لهؤلاء الشباب: ادفعوا عن وطنكم فقد اعْتُدِيَ عليه، وذودوا عن كرامتكم فقد امتُهِنَتْ؟! أيُقال لهم ذلك حين تُقتحَم الحدود المصرية عنوة، وحين لا يَبْقَى من الذود عنها بد، أم يُقال لهم ذلك حين يصبح من المرجح أن هذه الحدود قد تُقتحَم غدًا أو بعد غد؟! أيُقال لهم ذلك حين تقتحم المشاة من جيش الأجنبي حدود الوطن أم يُقال لهم ذلك حين تقتحمها طائرات الأجنبي، فتلقي القنابل على أرض الوطن، وتقتل الآمنين الوادعين من أبنائه؟! أرأيت لو قصرت الحكومة في الاحتياط لفيضان النيل، فلم تُقِم الجسور ولم تَدْعُ إلى إقامتها، حتى يفيض النيل، وتغمر مياهه الأرض، وتغرق القرى والدساكر، وتهلك الحرث والنسل. أترضى عن الحكومة أم تسخط عليها؟ أتراها خليقة بالحكم أم تراها خليقة بالتنحي عن الحكم؟ أرأيتك لو انتظرت الحكومة بالأوبئة المعدية أن تشيع في الأرض وتقتحم على الناس دورهم فتفتك بهم أشنع الفتك وأفظعه، ثم دعت بعد ذلك إلى مقاومة هذه الأوبئة؛ أترضى عنها أم تسخط عليها؟ لا أكاد أُفرِّق بين هذه الأخطار القريبة التي تحتاط لها الحكومة قبل أن تقع وبين هذا الخطر الداهم، خطر الحرب الذي يلم بالبلاد قبل أن يأتيها النذير لأنه علم. فإذا قيل للمصريين لا تغيروا قبل أن يُغار عليكم، فلا أقل من أن يتبين للمصريين حتى يُغار عليهم، ولا أقل من أن يُهيَّأ المصريون لدفع الغارة إذا صُبَّتْ عليهم. وما أدري إلى أي حدٍّ هُيِّئ المصريون للدفاع المادي عن أنفسهم إذا حُمِلَتْ إليهم الحرب، وإن كنت أراها قد حُمِلَتْ إليهم بالفعل منذ عهد بعيد، ولكن الشيء الذي أعرفه معرفة اليقين هو أن المصريين لم يُهيَّأوا كما ينبغي أن يُهيَّأوا لدفع الغارة المعنوية عن أنفسهم إذا صُبَّتْ عليهم هذه الغارة المعنوية، وما أرى إلَّا أنها قد صُبَّتْ عليهم منذ زمن بعيد منذ أُعْلِنَتِ الحرب، بل قبل أن تُعْلَن الحرب، وما أدري على من تقع التبعة في إهمال هذا الإعداد المعنوي للشعب المصري؟ ومن الذي يمكن أن يُسأَل عن هذا التقصير الشنيع في تهيئة الروح المصرية للمقاومة المعنوية التي تنبغي له والتي تليق بماضيه المجيد وحاضره الناهض ومستقبله العظيم؟ وما أحب أن أبحث عن المسئولين، ولا أن أدل عليهم، ولكن الشيء الذي أعلمه علم يقين أن هناك تقصيرًا، وأن من الواجب أن يزول هذا التقصير، وأن يزول في أسرع وقت ممكن، وأن يشعر المصريون شعورًا قويًّا عميقًا بأن الوطن قد يطلب إليهم النهوض بأعباء ثقال، وبأنهم قد يُبلَون في أنفسهم وأموالهم، وقد يصيبهم نقص فيما تعوَّدوا أن ينعموا به من الخير والثمرات، وبأن الحق عليهم لأنفسهم ووطنهم أن يستعدوا لهذا كله كرامًا أعزةً لا معرضين للضعف، ولا مهيئين للاستسلام. وما أظن أن حديث الحياد وحديث الخوف من الزج بالبلاد في غمار الحرب، وحديث الحرص على تجنيب مصر أخطار الحرب، وما أظن أن هذه الأحاديث من شأنها أن تشيع في الروح المصري ما ينبغي أن يشيع فيها من القوة والرجولة واليأس الذي ينبغي أن يمتاز به كرام الناس حين تلم الخطوب أو حين يكون إلمامها منتظرًا. فلْنَدَعْ إذن هذه الأحاديث التي لا تغني شيئًا، ولنتجنب خداع الشعب بالآمال والأماني، وليؤثر ضعاف الناس أنفسهم بهذه الآمال الكاذبة التي يتعلل بها أنصار الحياد، وليُقَلْ للمصريين: انظروا فليس بينكم وبين الخطر إلَّا لحظات قد تطول وقد تقصر، وأكبر الظن أنها لن تطول.

  • نزاهة

    حديث المساء: نزاهة

    طه حسين

    كوكب الشرق

    ١٧ أكتوبر ١٩٣٣

    أخص ما ينبغي أن يميز الرجل السياسي الذي ينهض بأعباء الحياة العامة، وينصب نفسه لتصريف أمور الناس: أن يكون نزيهًا فيما يأتي من الأمر، وفيما يُرسِل من القول، وفيما يرسم من الخطط. ومعنى النزاهة فيما أعتقد أن يكون الرجل السياسي الذي ينهض بالأعباء العامة، ويقبل تصريف أمور الناس منصفًا للناس من الناس، ومنصفًا للناس من نفسه قبل كل شيء، وبعد كل شيء، وفوق كل شيء، لا يؤثر بالإنصاف خَصلة أخرى، ولا يتجاوزه مهما تَكُنِ الظروف، ومعنى ذلك أن أخص ما يَتَّصِفُ به الرجل السياسي النزيه، إنما هو حسن فَهمِه للمساواة وتذوُّقه إياها، وتمثُّله لها حتى تصبح جزءًا من مزاجه، ومقوِّمًا من مقوِّمات أخلاقه العامة، لا سبيل إلى فَهمه بدونها، ولا سبيل إلى تصوُّر عملٍ من أعماله دون أن يظهر فيه أثر الإنصاف والعدل، والحرص على تحقيق المساواة.

    وكان عمر بن الخطاب — رضي الله عنه — من أشد الناس قَدرًا للمساواة، وحرصًا عليها، وتذوُّقًا لها، كان ينصف الناس من الناس وكان ينصف الناس من نفسه قبل أن ينصفهم من أنفسهم، وكان عمر — رضي الله عنه — شديد الحرص على أن يسير عُمَّاله وقضاته في الأقاليم سيرته هو في مستقر الخلافة، والناسُ جميعًا يذكرون أنه كان يأخذ قضاته في بتحقيق المساواة بين الذين يختصمون أمامهم في كل شيء، حتى فيما لا يستطيع الإنسان أن يحقق فيه المساواة إلا بهذه الإرادة القوية النادرة التي لا يمتاز بها إلا أمثاله من العظماء، وهو ميول النفس، وأهواء القلب، وما ترسم على وجه القاضي من مظاهر الإقبال والإعراض، وعلامات الحب والبغض، وآثار العطف أو الانحراف، فكان عمر — رضي الله عنه — يطالب قاضيه أبا موسى الأشعري أن يسوِّي بين خصومه حتى في وجهه، ولأمرٍ ما اتفقت أجيال المسلمين — على اختلاف العصور والبيئات والأجناس، منذ ثلاثة عشر قرنًا أو أكثر — على أن عمر كان المثل الأعلى لحب العدل وتحقيق المساواة بين المسلمين.

    ولسنا نطمع في أن يكون ساستنا والناهضون بأعباء الحياة العامة فينا مُثُلًا حية لعمر، ولا للذين اقتدَوْا بعمر من خلفاء المسلمين وقادتهم في عصور المجد الإسلامي القديم؛ فذلك مطمَع يدل كل شيء على أن تحقيقه في هذه الأيام لا سبيل إليه، وإنما نطمع — ومن حقنا أن نطمع — في أن تكون سيرة عمر — رحمه الله — هَدْيًا للذين ينهضون بأعباء السياسة، يتأثرونها ما وسعهم ذلك، يتأثرونها ولو من بعيد جدًّا، فهم إن فعلوا أراحوا أنفسهم من شر كثير؛ أراحوا أنفسهم أمام ضمائرهم، وأراحوا أنفسهم من هذا الخوف الذي يخالط القلوب الحية فيزعجها حين تفكر فيما أَعَدَّ الله للظالمين من حساب عسير. أراحوا أنفسهم من سخط الناس عليهم، وتبرُّم الناس بهم وشَكِّ الناس فيهم، ورجاء الناس أن يخلصوا من سلطانهم الذي ليس له حَظٌّ من رحمة أو رفق فضلًا عن أن يكون له حظ من حب للعدل أو تحقيق للمساواة والإنصاف.

    نعم، وأراحوا أنفسهم من أن يذكرهم التاريخ هذا الذِّكْرَ الذي تشمئز له النفوس، وتعبِس له الوجوه، وتقطب له الجباه، ثم أعانوا مع هذا كله على إذاعة الخير ونشر المعروف وأخذ الناس بحب العدل، والرغبة في الإنصاف، والشعور القوي بمنافع الديمقراطية والإيمان القوي بأنها خير ما وصل إليه الناس من أصول الحكم والنظام. من حقنا أن نطمع في هذا كله من ساستنا والناهضين بأمورنا العامة؛ لأننا نؤدِّي واجباتنا الاجتماعية والسياسية على وجهٍ حسن. فمن الحق على الذين يلون أمورنا أن يؤدوا واجباتهم الاجتماعية والسياسية على وجه حسن. فليس ينبغي أن يؤدي الشعب كل ما يطلب إليه لحاجة الدولة، وأن تعوج الوزارات في تأدية ما يطلب إليها في حاجة الشعب. وليس ينبغي أن يؤدي الشعب إلى الدولة ما تفرض عليه من الضرائب، ولا تؤدي الوزارات إلى الشعب ما يجب عليها من إنفاق هذه الضرائب في مصالح الشعب ومرافقه، وليس ينبغي أن يؤثِر الشعب حاجات الدولة على حاجاته الخاصة، ثم لا ترضى الدولة منه ذلك حتى تظلمه وتجور عليه وتكلفه فوق ما يطيق.

    ولعل الذين يسوسوننا ويلون أمورنا يعلمون أن الشعور العام قد يئس منذ نهض صدقي باشا بالحكم من أن تناله الوزارة برحمة أو رفق. فالشر كل الشر، والخطر كل الخطر أن ييأس الشعب من أن تناله الوزارة بالعدل والإنصاف.

    أكتب هذا كله، وبين يديَّ حوادثُ ثلاثٌ تدعو حقًّا إلى التفكير الطويل فيما وصلت إليه أمور مصر حين أخطأ الناس في المساواة، وحين انصرف الناس فيها عن تحقيق هذه المساواة. وتدعو إلى التفكير الطويل في هذه النزاهة التي يجب أن تكون الشرط الأساسي لكل نهوض بالأعباء أو تصريف للأمور العامة.

    فهذه قصة أبي جرج ليست في أكبر الظن إلا عنوانًا لقصص أخرى لعل أصحابها يُشفِقون من التحدُّث بها إلى الصحف؛ مخافة أن يغضب ذلك الوزراء والمديرين، فيضاعف لهم ما يجِدون من الهم والغم، وما يحتملون من المشقة والجهد، وهي قصة أَقَلُّ ما تُوصَفُ به أنها مَثَلٌ قبيحٌ لإهمال المساواة، وتعمُّد التفريق بين الناس فيما ينبغي ألَّا يفرق بينهم فيه من العدل. وقد أخذت السياسة تتحدث عنها منذ يوم الأحد، وأخذت اليوم تنشر بعض أدلتها بالصور التي لا تدع سبيلًا إلى الشك فيها. والوزارة ساكتة لا تقول شيئًا ولا تنكر شيئًا. أفتراها بعد هذا الصمت الذي هو أشبه الأشياء بالاعتراف ستمضي في إقرار هذا الظلم على هؤلاء الناس؟ أم تراها سترفعه عنهم، وعن أمثالهم، وستعاقب الذين اقترفوه؟ وقد زعموا أن رئيس الوزراء أُخرج من وزارة صدقي باشا لأنه أنكر أمثال هذا الظلم، وأراد تغييرًا في سياسة رئيسه أمس، وخصمه اليوم.

    أفتراه يقر اليوم ما كان ينكر في أول هذا العام؟ أم تراه يطلب إلى الوزير المسئول أن يُنصِف الناس من نفسه، وأن ينصف الناس من أنفسهم؟ فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من الوزارة، ورضي الناس عن إخراجه؛ لأنه إنما يكون نتيجة للرغبة في العدل والحرص على رفع الظلم والجور.

    وقصة أخرى تحتاج إلى عناية رئيس الوزراء، وقد لفتناه إليها منذ أيام، وهي قصة هذا الهزل المؤلم المُحزِن الذي يأتيه مدير الدقهلية مع رجال التعليم الأوَّلي في إقليمه، حين يتحكم فيهم، ويفرض عليهم زيًّا من الأزياء غير معتمِد في ذلك على حق ولا عدل، ولا مستنِد في ذلك إلى نظام ولا دستور، وإنما هو التحكُّم الذي ينبغي أن يُضحِك لولا أنه اعتداء على الحرية وإرهاق للناس وإضاعة لوقت المعلِّمين فيما لا ينبغي أن يضيع وقتهم فيه. ووزير الداخلية هو المسئول عن هذا الهزل. فمن الحق عليه أن يأمر مديره بأن ينظر في أمور الناس بالجِد، وألا يُكرِهَ فريقًا منهم على غير ما يريدون، وألَّا يتحكم في أزياء الناس؛ فإنه لم يُعَيَّنْ مراقبًا للأزياء، وإنما عُيِّنَ لشيء آخر بعيد كل البعد عن مراقبة الأزياء. ومن الحق على رئيس الوزراء أن يتقدم إلى زميله وزير الداخلية في أن يَكُفَّ هذا الهزل الذي لا يلائم جِدًّا ولا عدلًا ولا احترامًا للدستور، فإن فعل فذاك وإن لم يفعل أخرجه من وزارته، ولم يَلُمْهُ في ذلك أحد؛ لأنه يكون يومئذٍ مدافعًا عن الحرية والعدل والقانون.

    وقصة ثالثة هي أثر من آثار الوزارة السابقة، ومن الحق على الوزارة القائمة أن تصلحها أو أن تنفيها؛ فقد زعموا أن وزير الزراعة السابق تجاوز مشورة الفنيين في وزارته وأمضى عقودًا أجرت بها أرض لحقول التجارب، وأمضى هذه العقود وهو مستقيل، وألزم الدولة بهذه العقود، ولم يكن يملِك إلزامها، وأنفق في ذلك عشرة آلاف من الجنيهات، ولم يكن يملك إنفاقها، وكانت المصلحة الظاهرة تقضي ألا تنفَق ولا سيما في هذا الوقت العصيب، فمن الحق على رئيس الوزراء أن يفضي إلينا بجَلِيَّة الأمر، ومن الحق على وزير الزراعة الجديد — إن كان حقًّا ما أُشِيعَ — أن يمحو هذا الأثر من آثار وزير الزراعة القديم، وإن كانا جميعًا شعبيين. ومن الحق على رئيس الوزراء ألَّا يقبل من زميله وزير الزراعة إلا إلغاء هذه العقود؛ لأن النزاهة السياسية تفرِض عليه ذلك فرضًا.

    ويخيل إلينا أن في حياتنا العامة أمورًا كثيرة ليست أقل خطرًا، ولا أبعد عن العدل والمساواة من قصة أبي جرج ومن هزل الدقهلية، ومن عقود وزير الزراعة السابق. ويخيل إلينا أن النزاهة السياسية تفرض على رئيس الوزراء أن ينفق وقته في تقويم هذا العوج، وإصلاح هذا الفساد؛ فذلك أنفع وأجدى من إنفاق الوقت في مخاصمة صدقي باشا، وهو أضعف من أن يصلح للخصام.